← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وهذه صورة تقترح الحركة، وعسى أن يكون النابغة قد رأى بعض تماثيل «أفروديت» أو «فينوس» تعالج قطعة من ثوب. وهذا النموذج في تماثيل يونان ومن تبعهم معروف، ومنه الآن مما اكتشف في المتاحف. وعسى أن يكون النابغة نظر إلى نموذج بياني نظر إلى ذلك التمثال، إذ عهد عمرو بن لحي ناقل الأصنام بعيد من عهده، وقد سبقت عمرو بن لحي عرب رأت تماثيل الروم وأعجبوا بها بلا شك، كالذي قدمنا من أخبار تدمر وغيرها. مما لم ينتقل هو ذاته إلى أرض العرب، وما لم يبق حتى يشاهده متأخر وهم أمثال النابغة، قد بقيت نعوته في الأوصاف التي يديرها البيان ويتلئب عليها عرف الفن. وأحسب من أجل هذا ما كثر ذكر الدمية في الشعر، حتى قد تبرم به بعض الشعراء الإسلاميين الأوائل كالذي مر بك من قول الحماسي: معاذ الإله أن تكون كدميةٍ ... ولا ظبية ولا عقيلة ربرب ونموذج النصيف كثير في الشعر وأشياء مفرعة عنه. من ذلك مثلاً قول عبيد وقد مر: تدني النصيف بكف غير موشومة أي ككف التمثال لا كأكف ما كانت عليه نساء العرب من عادة غرز الإبر وهلم جرا مما ذكر طرفة في قوله: تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد وقال علقمة: بعينٍ كمرآةٍ الصناع تديرها ... لمحجرها من النصيف المنقب وقد نعلم سوى هذا الذي قدمناه أن فن يونان مما تسامعت به الأمم وتناقلته منذ عهد الإسكندر وخلفائه فيما بين وراء النهر وطرف الهند إلى مصر فما ملك

стр. 1332

الرومان. وقد ألمت به أطوار واقتبست منه اقتباسات حتى في بعض ما نحت الهندوس في آفاقهم القصية. وقد بدأ نحت يونان ضعيفًا ساذجًا كما يعلم القارئ أصلحه الله. ثم قد صار إلى أسلوب رياضي محكم بعد أن داخلت الحركة تمثال الفتى، فجُعل ماشيًا بعد أن كان واقفًا لا يريم. وقد بلغ اليونان بتمثال الفتى ذروته. ثم جارى هذا في طور نضجه الافتنان في تمثال الفتاة المتجردة. وكانت أول أمرها مجدولة القوام، مع التناسب الرياضي والصحة والشباب. ثم استحدث اليونان في هذه التماثيل الحركة بالثياب والمشاهد، وافتنوا ما شاءوا. وقد كان يبلغ بهم حذق التناسب أن يغالوا في أبعاد التمثال، فوق ما عليه مألوف النساء والرجال. فلا تند العين عن شيء من ذلك ولا تحس فيه إلا التناسق وإلا الانسجام كالفتيات حاملات السقف عند الأكروبوليس. ولقد كانوا في حرصهم على التناسب مما يحيدون عن واقع تكوين الأعضاء أحيانًا ليذهبوا بها مذهبًا رياضيًا. من شواهد ذلك عمدهم إلى تربيع ما عند خصر الرجل إلى أدى ثنته. وأحسبهم اقتبسوا ههنا من طريقة قدماء المصريين في الميل بتصاويرهم أبدًا إلى سمت مثالي والله أعلم. وقد داخل متجردات اليونان بأخرة تنعيمٌ من بدن كما داخل تماثيل الفتيان تأنيث وحدور. وعرائس أفروديت الثلاث وهن مما يقال إنه كشف الطريق أمام فجر النهضة بإيطاليا مما كان يخالطهن من صنعةٍ ونعمة وأقواس. وقد أخذ فنانو النهضة وما بعدها بنماذج فيما بين المجدولة والمتماسكة. وقد بلغ روبنز بالبدانة مبلغًا. وقد تزيد فنانو «الباروك» في الأبعاد ما شاءوا. وقد كان فن بيزنطة فيما قبل النهضة مزخرفًا شكليًا ليس كما كان عليه عهد

стр. 1333

يونان. ولا ريب أن العرب قد رأوا منه وتأثروا. ولكن ما بقى في أنفسهم من المقاييس كان من أصل تماثيل يونان أنفسها، أو ما حذى عليها في عهود مقلديهم إلى آخر ما كان من اندراس ذلك. ومن آيات ذلك نعت النابغة للنصيف، الذي ينص نصًا على الأخذ من تمثال أفروديت ذات الثوب، من طريق مباشر أو غير مباشر كما ذكرنا. وسترى بعد شواهد آخر إن شاء الله. ولقد بقي فن اليونان الناحت، في بيان العرب الذي احتذى مقاييسه، بقاء أطوال مما بقيه في حاق صناعة النحت بعد أن طوحت بأواخر آثارهم في هذا الباب أعاصير الزمان منذ سقوط رومية ثم ضرب الفن البزنطي حيث ضرب بجران. ولقد كانت صناعة العرب، صياغة القول وروايته، يتناقلونها حظًا وقد يخطون منها، فبقي من أجل ذلك في نماذجهم من المقاييس الجمالية «الكلاسيكية» ما بقي بعد ما اندرس في أصولها كما رأيت. ولم يكونوا حين اقتبسوا من مقاييس يونان في بيانهم مقلدين لا يتصرفون. ولكنهم لما رأوا فأعجبوا راموا أن يضاهئوا بما وهبهم الله من أداة الكلمة المعبرة اتقان ما رأوه، بإتقان مثله من عندهم، يزيدون فيه أن قدروا ويُربون. ولقد تهيأ لهم من القدرة حظ عظيم كما سيرى القارئ إن شاء الله. ولعلنا بعد أن فطنا لهذا نعرض شيئًا عما يُزعم من حسية العرب في الوصف، أن تبينا أنهم ما الحسبة كانوا يبغون ولكن الفن والإتقان وخالص التعبير عن الجمال. ولعمري أن النحت من الحجر والزجاج لأقرب من الحس، لو جاز الجدل وجازت الخصومة في هذا الباب مما صنعوا. ولقد بقيت في تقاليدنا وفي تقاليد الإفرنج بقايا مردها إلى ما كان من صنيعهم ومن صنيع قدماء يونان. ذلك بأن الإفرنج مما ينفرون عن التدقيق في صفة الأجساد من طريق الألفاظ، ولا يجدون غضاضة أن يصوروا ذلك أو ينحتوه. ونحن لا نجد

стр. 1334

كما يجدون من الغضاضة في التعبير اللفظي عن هذه الصفات، ولكنا نجد كل غضاضة من رسمها أو رؤيتها مرسومة. وإنما أخذنا بسبيل الرسم وتزيين المجلات بالصور منذ عهد قريب على طريقة التقليد البحت. ولا ريب أن جيلاً تقدمنا لو رأوا بعض ما نتقبله الآن من ذلك لأنكروه أيما إنكار ولا زوروا منه كل ازورار. ولا يزال كثير من هذا الجيل بين ظهرانينا. والفتيات والنساء اللائي يجلسن أو يقفن عاريات أمام الفنان عندنا آبدة، ولسن هن كذلك عند الإفرنج ومن إليهم. لا بل وجلوس اللابسة عندنا لترسم لم يكن ليسلم من هجنة إلى عهد قريب. ولقد طهر الإسلام العرب من الأصنام بالتوحيد وبتحطيمهن كل تطهير. ثم نفر من الصور كل تنفير فقوى بهذا ما كان عليه منهج العرب في إيثار الكلمة على الصناعة في باب الفن. ولقد أوشك العرب المسلمون أن يؤثروا على بيزنطة النصرانية بالذي كانوا عليه في التجرد من مثل هذه البقية المشعرة بالوثنية في تصاوير الكنائس وتماثيلها. ولقد تعلم أن قد ثار جدل عنيف في بيزنطة فيما بين القرن الثامن والتاسع الميلادي حول تحريم صور الكنائس وتحليلها، وكانت من ذلك فتنة كادت تهدد الدولة بالانهيار. هذا ومما يقوي ما قدمناه من تأثر العرب بمقاييس يونان الجمالية في تماثيلها، وروم مضاهاتها من جانبهم ببيان اللفظ في الشعر، ثم تفريعهم من ذلك ما شاءوا من إبداع. أنهم قد ألموا مع هذا الذي نذكره من مقاييس التماثيل وقيمها الجمالية، بأصناف وأمثلة مما كان ليونان من الأساطير في باب الرمزية المتلاحمة التي تدخلها معاني الجمال ومعاني الجنس ومعاني الخصوبة والتقديس ثم الحكمة المستفادة من التجارب. من ذلك مثلاً خبر ذات الصفا، وهي الحية التي عاهدت الرجل، على جعل تجعله له أن يصافيها وينسى ثأر أخيه، فلما نال منها منالاً طمع وعمد إلى فأس فأحدها ليقتلها بها إلى آخر القصة، وهي في شعر النابغة حيث قال: وإني لألقى من ذوى الضغن منهمو ... وما طفقت تهدي من الغي سادره كما لقيت ذات الصفا من حليفها ... وما انفكت الأمثال في الناس سائره

стр. 1335

وساق القصة. وهي في خرافات أيسوب: ولقد يقال أن الخرافات مما تشابه بين الأمم لتشابه التفكير البشري، ولكن التفكير البشري مع تشابهه مما يختلف. ومن أجل هذا يكون الأخذ والاقتباس. ولا مدفع لترجيح الأخذ متى وضح السابق وكان سبيل اتصال المسبوق به ليأخذ منه ممكنًا. والأمم مما تأخذ بعضها عن بعض ما تجده يلائم ذوقها أو تجاربها أو مذهبًا من مذهب تفكيرها، ثم تحور فيه وتنقص وتزيد حتى تجعله من حاق طريقتها، وربما أخذت أمة عن أخرى عدة أشياء معًا، متباينات أو كالمتباينات في أصل ما أخذت عنه، ثم جمعت بينها على ما يكون عليه أسلوب تفكيرها. وهذا من شأن الاجتماع والعمران البشري أمثلته أكثر من أن تحصى، منذ أن الله برأ الخليقة. ومن أخبار العرب التي كأنها أخذت من أصول يونانية كثيرة ثم أضيف إليها غيرها أو حورت لتلائم ذوق العرب، خبر الزباء الذي سبقت ما إيماءة إليه. وسياق الخبر نفسه كأنه ينص على أصل يوناني أو أصل روماني أو أصل بيزنطي مرده إلى يونان مباشرة أو من طريق الرومان. قالوا: كانت الزباء ملكة رومية من ملوك الطوائف على ناحية الجزيرة (١). وكان جذيمة الأبرش ملكًا عربيًا على شاطئ الفرات. وكان له ابن أخت يدعى عمرو بن عدي ووزير ناصح يدعى قصيرًا. وكان جذيمة قد قتل أبا الزبا. فكان مما احتالت به لتنال ثأرها منه أن عرضت عليه أن

стр. 1336

يخطبها. فنهاه قصير فلم يسمع له. ومالت نفسه إلى ما دعته إليه فمضى إليها. قالوا، فلما راته «تكشف، فإذا هي مضفورة الإسب» يعنون شعر عانتها «فقالت يا جذيمة أدأب عروس ترى»؟ فذهبت مثلاً. فقال جذيمة: «بلغ المدى، وجف الثرى، أمر غدرٍ أرى» فذهبت مثلاً. ودعت بالسيف والنطع. ثم قالت: «أن دماء الملوك شفاء من الكلب». فأمرت بطست من ذهب قد أعدته له وسقته الخمر حتى سكر وأخذت الخمر منه مأخذها، فأمرت براهشية فقطعا. وقدمت إليه الطست. «وقد قيل لها أن قطر من دمه شيء طلب بدمه» (١). ثم إن قصيرًا صاحب جذيمة سعى في ثأره وجد. وكان من أوائل سعيه أن ألف بين عمرو بن عدي، ابن أخت الملك المقتول، وبين سيد من سادات قومه كان مخاصمًا له هو عمرو بن عبد الجن اللخمي. ثم إن قصيرًا جدع أنفه وصار إلى الزباء يزعم لها أنه قد فارق قومه لما صنعوا به، وإنما كان يريد أن يطلع على سرها ليقوي بذلك تدبير صاحبيه إذ قد أجمعوا ثلاثته على غزو الزباء في عقر دارها. قالوا وكانت الزباء سألت كاهنة تستطلعها الغيب فعلمت أن سيكون عمرو ابن عدي سبب مصرعها، وأنه لن يقتلها بيده، ولكن ستقتل هي نفسها بيدها هي، ويكون سبب ذلك من قبل عمرو. فعمدت الزباء، لما سمعت هذا إلى نفق فاحتفرته لتتخذه مهربًا ولم يخف أمر هذا النفق عن قصير لثقتها فيه. ثم أنها جهزت مصورًا من أجود أهل بلاده تصويرًا فأرسلته إلى عمرو ليثبت صورته لها، كي تحذره، ففعل. ثم إن قصيرًا لما استوثق من أمره جاء بصاحبه عمرو وجيشه على إبل يزعم

стр. 1337

للزباء أنها قافلة تجارة. وكان قد أخفاهم في غرائر تحملها الإبل ومعهم السلاح (١). قالوا «ثم خرجت الزباء فأبصرت الإبل وقوائمها تسوخ في الأرض من ثقل أحمالها، فقالت يا قصير: ما للجمال مشيها وئيدا أجندلاً يحملن أم حديدا أم صرفانًا تارزًا شديدا فقال قصير في نفسه: بل الرجال قبضًا قعودا فدخلت الإبل المدينة حتى كان آخرها بعيرٌ مر على بواب المدينة وكان بيده منخسة فنخس بها الغرارة، فأصابت خاصرة الرجل الذي فيها، فضرط، فقال البواب بالرومية «بشنب ساقا» - يقول: شر في الجوالق. فأرسلها مثلا». ثم أن الزباء لما حاصرها القوم رامت أن تلجأ إلى النفق الذي أعدته للهرب. وإذا بعمرو بن عدي في يده السيف. «فعرفته بالصورة التي صورت لها، فمصت خاتمها، وكان فيه السم، وقالت «بيدي لا بيد ابن عدي، فذهبت كلمتها مثلاً.» وفي هذه القصة كما ترى خبر خرافة طروادة صار حصانه الخشبي جمالاً تحمل غرائر وسلاحًا ورجالاً. وفيها خبر مقتل قيصر تجعل جذيمة مكان قيصر وابن أخته عمرو مكان اكتافيان ابن أخت قيصر وعمرو بن الجن مكان ليبدوس وقصيرًا مكان أنطونيوس على أن القصة العربية لا تفرق بينه وبين عمرو فيما بعد كما فرقت القصة الرومانية في تسلسل حوادثها فيما بعد بين أكتافيان وأنطونيوس، ولكنه تؤلف بينه وبين عمرو كما كان من ألفة ما بين أكتافيان «وأقريبا» فهو على هذا بمنزلتهما

стр. 1338

معًا مُزجت قصتهما في شخصه مزجًا، ولعل قصة قيصر نفسها لم تخل من لون خرافي فقد تعلم أنه كان ينتسب إلى الملوك طورًا وإلى الآلهة أنفسهم طورًا آخر (١). وفي القصة أيضًا نفس من خبر كليوبترة إذ مصرع الزباء كمصرعها واجعل عمرو بن عدي كما قدمنا كأكتفيان. ثم ذكر المصور ههنا لا ينبغي أن يغفل عنه، لأن هذا خبر أخبرته العرب في معراض أمثالها أو من رووه عنهم. وهو يقوي ما كنا ذهبنا إليه من أمر إعجاب العرب بما كان عند الروم من حذق في التصاوير والتماثيل. ورواية خبر البواب بالرومية إشعار بأصل القصة كما ترى. وخبر الثأر ستر عربي طبع القصة بطابع عربي وكذلك إراقة الدم في الطست وتمثل الزباء متهكمة أن دم الملوك يشفي من الكلب- ثم في هذا رمزية سنعرض لها إن شاء الله. وخبر استشارة الكاهنة في استطلاع الغيب يوناني عربي معًا. ثم أمر الأسب المضفور. ههنا فيما نزعم كناية جنسية. وقد بالغت بعض الروايات في أمر هذا الأسب حتى نسب بعضها إليه قوة خارقة. وقد عاد إليه الميداني بعد أن أتم القصة كلها قال: «وفي بعض الروايات مكانقولها أدأب عروس ترى؟ أشوار عروس ترى؟ فقال جذيمة: أرى دأب فاجرة غدور بظراء تفلة. قالت: لا من عدم مواسٍ، ولا من قلة أواسٍ ولكن شيمةٌ من أناسٍ. فذهبت مثلاً» وفي عوده كما ترى شاهد اهتمام. وقريب من عوده عاد المسعودي في سياقه أيضًا (٢). والكناية الجنسية فيها نفس من خرافتين إغريقيتين: خرافة نارسيسوس الذي أحب نفسه، وخرافة بيجماليون الذي صنع تمثالاً بيده ثم أحبه، وكلاهما تكنيان على وجهين مختلفين عن الامتناع

стр. 1339

الجنسي وتدليه لوعته معًا مضافًا إلى ذلك ما يحدثه الجمال في الأنفس من غرور وحداءٍ إلى هذين المعنيين. ثم فيها نفس عربي ألف بين هاتين الخرافتين فجمعهما جمعًا وهو نفس الغيرة والفحولة شاهده هذا الدم المراق ممن وفد ليريق منها دمًا. وفي قتله والدها آنفًا شيء من الكناية عن أنه سباها بالقوة إلا بالفعل كما يقول المناطقة. ونعت الأسب فيه الكناية الصارحة، كالتعريض ببعض عادات الروم إذ قد كانت الختانة والاستحداد من عادات العرب وهذا التعريض لا يخلو من بعض الرغبة. وفي القصة بعد كثير من أوجه الحدس والتحليل مما لا يتسع له هذا المجال. وقد عكست العرب خرافة الزباء من حيث السياق والمغزى في خبر ابنة الضيزن ويدعى أيضًا الساطرون وكأن هذا كان اسمه الرومي. إذ زعمت أن أباها كان ملك الحضر وكان عربيًا من إياد. وكان يحب ابنته هذه ويغذوها أجود الغذاء ويكسوها الناعم ويفرش لها الوثير وأنها كانت كالدرة صفاء ونقاء وجمالاً. وأطاف كسرى شاهبور بقصر أبيها فحاصره وطال حصاره له وقيل له أن فتحه لا يكون إلا من طريق سر سخري. وكانت ابنة الضيزن نظرت يومًا فرأت شاهبور فوقع من نفسها. فراسلته بأن ستدله على سر الحصن وتفتحه له. وما هو إلا أن خانت أباها فاقتحم شاهبور الحضر وأوقع بمن فيه وقتل أباها. وكانت تريده ليتزوجها. وقيل أنها كانت على سرير أعده لها قبل بنائه بها فأرقت، فلما سئلت عن أرقها علم أنها جفوة أحستها من السرير. ففتشت أطباقه وإذا بين أثنائها ورقة آس. فعجب شاهبور لهذا من رقتها. وسألها عن حالها وعن عيشها. فقصت ما كان يصنعه لها أبوها. فقال أو قيل له إن كانت هذه قد خانت أباها وكانت تلك حاله معها، فما يؤمن من أن تخون بعلها. فأمر بها شاهبور فربطت إلى الخيل فاجتذبتها فتمزقت شر ممزق.

стр. 1340

والقاتل هنا كما ترى هو الرجل وهو أمير فارسي، والمقتولة هي المرأة وهي أميرة عربية. وقد قتل أباها من قبل فهذا بمنزلة سبائها. وقد كانت بتنظفها وتنعمها قبل أن يقتل أبوها بكيدها وبعده كأنها إنما تعد نفسها لتملك، على خلاف ما كانت عليه حال الزباء من طول الحداد وشعثه، «لا من عدم المواس، ولا قلة أواس ولكن شيمة من أناس». وكأن العرب بعد أن نظفت ابنة الساطرون وهيأتها غارت من أن ينالها الأعجمي شاهبور، فجعلت الموت يسبقه إليها. وغيرة العرب وأنفتها من خيانتها ظاهرة، في هذا العقاب الفظيع الذي أوقعته بها. وفي القصة بعد ما ترى من الامتناع الجنسي مع التهالك إلى اللوعة وطلب الوصل على وجه من جنون العشق لا يخلو من مدخل روحاني مجازف مستشهد. وهذا يوحي بعطف على الفتاة أو يكاد. ولا يخفى عليك بعد ما يربط قصة ابنة الساطرون بقصة الزباء من رابط معدن المأساة الكمين في نزاع ما بين عز النفس وذل الهوى وامتناع الذات واستسلام الجنس. وقصة زرقاء اليمامة في خصوبتها ومصيرها ليست ببعيدة كل البعد عن هذا المعنى. هذا، ومن أمثلة خرافات يونان التي لها مشابه عند العرب، قصة هيلين التي تحارب من أجلها الملوك. وقد جعلت العرب رصيفتها عندهم في هذا الشؤم عوانًا شمطاء هي البسوس وضربوا بها المثل فقالوا اشأم من البسوس واشأم من سراب وسراب ناقتها وهي كناية عنها والسراب كما تعلم مما يفر ولا ينال. وكأن العرب كرهت أن تربط جمال الشباب الوادع الرائع -وكذلك كان نعت هيلين- بمعنى المشأمة والتشتيت. وهذا أشبه بما كان من شأنها في تأليه خصب الشابة وخفضها وتقديس وصونه مع الغيرة عليه. وما كانوا إلا قاتلي «هيلين» لو قد وقعت في خبر من أخبارهم كما وقعت في خبر يونان من خضوعها لباريس وتبعها له حين اجتالها إلى ذلك. على أن العرب لم تباعد الشباب والجمال الهيليني من قصة البسوس، إذ قد

стр. 1341

احتفظت به في شخص جليلة بنت مرة زوجة كليب، وأضفت عليها شيئًا من عرافة كساندارا بريام ومأساتها، إذ أنطقتها بنبوءة منذرة من الشعر حيث قالت: يا قتيلاً قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعًا من عل وجعلت ابنها الهجرس يقتل أخاها جساسًا حين شب، على مذهب العرب في الثأر وعلى مذهب المأساة في الأساطير. وهذا بعد باب يطول. وإنما أوردناه تفريعًا مما سبق وتذييلاً له. والآن نأخذ في عرض أمثلة من بعض ما صنعه العرب في باب تماثيل البيان. الخمصانة: وهي ضربان كاسية ومتجردة، وبين ذلك نماذج مما يتيحه افتنان الشاعر وأربه. ومن أمثلة الكاسية مهفهفة امرئ القيس في المعلقة التي استشهدنا ببيتها من قبل. وامرؤ القيس مما يمهد له يريد تخصيص نعته بصور تباينه لتكون المباينة أدل على مراده وأبلغ في إظهاره. وهذا من افتنانه وحذقه وقوة أخذه من مذاهب الأداء والبيان. وقد كان هو السابق المجلي غير مدافع. مهد أول شيء بوقفته واستيقافه المشهور ولانريد أن نطيل عند هذا وحسبنا أن نشير إلى أنه دليل التحسر والشوق إلى الماضي الذي تصرم وقد ذكر صاحب الخزانة ما ينبئ أن امرأ القيس إنما نظم المعلقة وأخواتها الروائع بعد ذهاب الصبا وإقبال ما أقبل عليه من صرف الكهولة والنوى في خبره المعروف. ثم ذكر عهد أم الحويرث وأم الرباب، وظاهر السياق أنه نال لديهما لهوًا ونعماء، قال: كدأبك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل

стр. 1342

وكأنها كانتا تنوءان بالقيام إذا قامتا، وتضوع المسك من قيامهما يشهد بالخفض والرفاهية. وقوله «إذا قامتا» ساقط من رواية السجستاني في الدواوين الستة (تحقيق الأستاذ عبد المتعال الصعيدي) ومكانه: إذا التفتت نحوي تضوع ريحها ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل بعد وصف المهفهفة. وكأنه بيت روي بروايتين إحداهما التي أخذ بها الزوزني والأخرى التي أخذ بها جامع الدواوين الستة. وأنا خاصة أميل إلى أنهما بيتان اتفق مصراع العجز فيهما، وسأبين ذلك في موضعه عما قليل إن شاء الله. ثم بكى امرؤ القيس بعد ذكره عهد أم الحويرث وأم الرباب كبكائه أول ما وقف واستوقف، وبل بدمعه نحره ومحمله، والمسرحية هنا لا تخفى. ثم ذكر يوم دارة جلجل والعذارى يتلاعبن خليات ناعمات بال. ثم يوم إذ شغفنه حبًا -وليس بيوم دارة جلجل ضربة لازب وقد يكونه- فنحر لهن مطيته، فأقبلن يشتوين ويطبخن ويترامين عبثًا من العبث بلحمها وبشحم «كهداب الدمقس المفتل». وقد يكون هذا من صفتهن إذ يتخالجن وهن يرتمين بعبث من شواء وترام وتلاعب وإقبال على عمل، وهداب الدمقس ثيابهن. وعلى هذا، فهن في هذه الصورة من صور النعت، أو بعضهن، مثل عذارى، «روبنز» أو قل بادناته. ومعنى البراءة فيما كن فيه ظاهر. ولكن شاعرنا كما نظر حينئذ، أو كما تأمل من بعد وهو يتذكر، غير حق بريء. ثم خدر عنيزة وميل الغبيط. وربما كان ميله بهما معًا من ثقلهما معًا. والراجح أنه كان من ثقل عنيزة إذ امرؤ القيس يصف نفسه، تلميحًا، في موضع آخر بأنه ضامر خفيف وكأنه يعرض برجل آخر كان ثقيلاً عنيفًا- قال يصف حصانه: يزل الغلام الخف عن صهواته ... ويلوي بأثواب العنيف المثقل

стр. 1343

فدل بهذا أنه ليس بغلام خف ولا ثقيل عنيف. ثم هو يصف عنيزة بأن قد كانت حبلى، وذلك بين في قوله: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعٍ ... فألهيتها عن ذي تمائم محول أي طرقت حبلى مثلك وطرقت أيضًا مرضعًا كما ستكونين إلى آخر ما مر فيه مما عيب عليه كما قدمنا. ثم أخذ في ذكر يوم الكثيب وانتقل انتقاله القصصي الحواري الذي تعلم. ثم افتخر ببيضة الخدر المكنونة ذات الأحراس التي تجاوز إليها الصعاب على نحو ما سنرى إن شاء الله في نموذج الضامرة حين نصير إليه. وهي الخمصانة وهذا موضع استشهادنا. قال بعد أن جعلها بيضة خدر لا ترام. فجئت وقد نضت لنومٍ ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل ونريد لو نقف شيئًا عند بيضة الخدر ومعنى الظليم المتصل بها، ولكن نرجئ هذا الآن. وبدأ امرؤ القيس ينعتها كما ترى شبه عارية إلا مما تقتضيه أيسر تقية الحشمة، لبسة المتفضل. والصورة مستريحة، وادعة مستلقية أو متكئة. فحركها أسرع حركة وأنشطها- وذلك قوله: فقالت يمين الله مالك حيلةٌ ... وما إن أرى عنك الغواية تنجلي ولم يقل فقامت أو فتناولت ثوبًا فاستترت به عجلةً، لأن هذا مفهوم ضمنًا، حكاية حديثها تدل عليه، وفي التصريح به إفساد للسياق. وقال تعالى في سورة النمل ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ ثم لم يقل جل شأنه ثم دعا بما آتاه الله من علم ولكن قال ﴿فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ وهذا أفعل أثرًا وأبلغ وأدل على بيان سرعة ما كان.

стр. 1344

هذا وفي إسراعه بإيحاء الحركة في قولها الذي قالته، ضرب من النفي لمعنى البدانة التي قد يقترحه قوله «نضت ثيابها» - وهذا النفي ملائم لما سيأخذ به من نعتها بالخمص. وألبسها بعد الذي كان من الإلماع بتجريدها، وخرج بها تمشي، وهذا يلائم في معنى نشاطه معنى الخمصانة، ويقابل الصور التي مرت من قيام ينوء، وشحم كهداب الدمقس المقتل، وحبلى يميل بها الغبيط. وقد حذف ذكر اكتسائها كحذفه ذكر حركتها واكتفى في الدلالة عليه بذكر الخروج كما كان اكتفى من قبل بذكر القول الذي قالته: خرجت بها أمشي تجر وراءنا ... على أثرينا ذيل مرطٍ مرحل وجر الذيل لتعفية الآثار لا للبخترية، ففيه كما ترى نشاط وجهد، وقوله «وراءنا» وقله «مرحل» يدل على ذلك. أي أنها كانت تجر ذيلها وترحله ليمحو آثارها هي وآثاره هو. والمرحل أيضًا المنقوش وأراد امرؤ القيس الترحيل بمعنيه معًا، وقوله «خرجت بها» يشعر بالسرعة، ويؤكد هذا قوله بعد: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبتٍ ذي حقافٍ عقنقل ويروى «ذي قفاف» القفاف جمع قف بضم القاف وهو ما غلظ من الأرض والحقاف جمع حقفٍ بكسر الحاء وهو الكثيب المحقوفف أي المحدودب المتماسك. وظاهر المعنى والسياق أشبه به القفاف، لأن الموصوفة ذات متانة وأسر وقد ذكر الحقف في نعت اللينة الناعمة البادنة في اللامية الأخرى إذ قال «كحقف النقا البيت» ولكن التأمل يريك أن الحقاف أجود. وعسى أن يكون امرؤ القيس قال «قفاف» أولاً ثم عدل عنها إلى الحقاف. ذلك بأن كثرة الحقاف في الكثيب المتعقد وهو العقنقل أدل في باب الكناية على ما يريد به نعت هذه المرأة ذات القامة الممشوقة يكسوها

стр. 1345

الثوب السابغ الذي نعفو بجره الآثار. وباطن هذا الثوب ضروب من حقاف، وكذلك ظاهر امتناعها وباطن نفسية أنوثتها اللينة. والخبت ما لان واطمأن من الرمل. وظاهر الوصف، كما ترى تجاوز الحي وساحته ثم الصيرورة بعد ذلك إلى ناحية بطن من كثيب تحيط به الأحقاف الساترة والمعاني التي قدمناها كلها ملابسة لهذا الظاهر. والكوفيون يرون الواو من قوله «وانتحى» مقحمة في جواب لما. والبصريون لا يرون ذلك ويرون الجواب أول البيت الثاني: هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... علي هضيم الكشح ريا المخلخل ورأي الكوفيين جيد، ويكون قوله هصرت كأنه قد قال: «خرجت بها أمشي فهصرت» تجعل قوله «فلما أجزنا وانتحى» بمنزلة الفاء ومثل هذا المعنى تصل إليه برأي البصريين فالخلاف لفظي ليس بجوهري. ورووا «هصرت بغصني دومة» والدومة أخت النخلة فيها طول وأشد أسرًا وأخشن من النخلة وكأن هذه الرواية شرح. وزعم الزوزني أن أمرأ القيس أخذ بذؤابتيها وهذا وجه، ولكن قوله «هصرت بفودي رأسها» أدق، إذ هو منبئ عن أن الشاعر وضع يده على مكان الفود من رأسها وليس بما يهصر، وقوله هصرت إشعار بلين أنثاها وشبه فروع رأسها بالأغصان ذات الثمر. ثم الشاعر قد فعل هذا وهو يماشيها بدليل رواية السجستاني في الدواوين الستة بعد هذا البيت: إذا التفتت نحوي تضوع ريحها ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل وقد نظر الشاعر فأحد. إذ هو ينعت تمايلها إليه إذ أمسك بفودها كما تتمايل النخلة، وكشحها هضيم، وساقها هاته التي تطأ بها الذيل خدلة عبلة. وكلما التفتت إليه شم منها طيب ريح كنسيم الصبا جاءت بريا القرنفل. وجودة مكان الحركة في

стр. 1346

الالتفات ههنا لا تخفى. وليست الريح التي تتضوع هنا ريح المسك إذ قد جاءها وقد نضت لنوم ثيابها، وإنما هي أنفاسها الطيبة النكهة. وليس هذا البيت فيما يترجح عندنا بنص رواية مختلفة للبيت الذي تقدم: إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل وإنما هما بيتان، جاء أولهما في نعت الناعمتين ذواتي المسك المثقل، يفوح منهما ساعة تنؤان بالقيام. أما هذا ففي وصف هذه الممشوقة النشطة إذ تلتف. وكلتا الصورتين بعد: نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل وما في تكرار هذا التشبيه على مذهب الغناء والترنم والالتفات المسرحي ما لا يخفى من الطرب والشعف. هذا، وفي الفودين، اللذين هصرا، والتمايل، والكشح الهضيم، (وتلك الغاية في نحول الخصر مع التماس) - والمخلخل الريان، تخطيط النموذج الخمصان كاملاً. والثوب المسبغ عليه ذو الذيل المنجر تزيين وتبيين ونميمة بتمثال هذا النموذج كما ترى. والتمايل نص في التنبيه على حركة الجسد بالثوب. والالتفات والأريج شاهد الحيوية. ثم أخذ في التفصيل، وإنما يفصل هذه الصورة التي أجملها، لا يتجاوز ما كساه الثوب فشف به، وما أبداه الالتفات وحركة تعفية الآثار. وقد أحسبك من حاق مجرد الجسد بالنظرة الخاطفة التي كان نظرها إذ فاجأها وقد نضت لنوم ثيابها. ولقد تنتظر بعد الذي زعمه وفعله من مجاوزة الأحراس والخروج إلى بطن الخبت ذي الحقاف، أن يصير بك إلى نعت من قريّ قوله في المبدأ «فمثلك حبلى» إلى آخر ما قاله ثم. ولكنه أحذق وأدق من أن يفعل ذلك. إذ هذه الخمصانة، على خلاف حال أولئك البادنات، منظر لا فراش، وقد أنهضها من الفراش وخرج بها يتمشى كما

стр. 1347

رأيت لينظر لا يجاوز وراء ذلك أحراسًا. مهفهفةٌ بيضاء غير مفاضةٍ ... ترائيها مصقولةٌ كالسجنجل وبيضاء كناية عن النعمة والشرف لا نص على اللون نفسه كما سترى. وغير مفاضة صفة الاعتدال وليست هي الدليل على الضمور إذ الدال على الضمور قوله مهفهفة. فهي مهفهفة غير مفاضة، وقد تكون أخرى بادئة لطيفة مكان الخصر غير مفاضة، وهذا لا يجعلها مهفهفة وسترى أن هذا فرق دقيق بين فتاة المعلقة وفتاة اللامية «ألا نعم صباحًا» والمفاضة ذات البطن والحبلى التي ذكرها أول الكلام مفاضة ضربة لازم في حال حبلها. وصقل الترائب تابع لصفة الضمر، فيه دليل رقة البشرة وريها بمقدار ما يخفى جساوة العظام ليس إلا. والتشبيه ينص على هذا، إذ سطح السجتجل ناعم صلب براق. كبكر المقاناة البياض بصفرةٍ ... غداها نمير الماء غير المحلل أي هي كبيضة النعام المكنونة التي خالطت بياضها صفرة، أما من الكن وأما من أن ضوء الأصيل سطع عليها، وهذا أشبه، لأن الظليم (كما سترى إن شاء الله في باب الخروج) يقصد بيضه ليحضنه أصيلاً يبادر إليه غروب الشمس. ولا أشك أن الشعراء حين يشبهون المرأة بالبيضة يضمنون ذلك تشبيه أنفسهم بالظليم الذي هو الحاضن. قال سحيم عبد بني الحسحاس: وما بيضةٌ بات الظليم يحفها ... ويرفع عنها جؤجؤًا متجافيًا (١) ويجعلها بين الجناح ودفه ... ويفرشها وحفًا من الزف وافيًا (٢) بأحسن منها يوم قالت أراحل ... مع الركب أم ثاو لدينا لياليا

стр. 1348

وقد كان سحيم عبدًا، وكانت العرب مما تشبه الظليم بالعبد، قال عنترة: كالعبد ذو الفرو الطويل الأصلم (١) وقال ذو الرمة: كأنه حبشيٌّ يقتفي أثرًا ... أو من معاشر في آذانها الخرب (٢) فهذا قوي الدلالة في أن سحيما حين قال الظليم أراد به معنى مزدوجًا، معنى التشبيه النموذجي ومعنى الكناية عن نفسه. ونأمل أن نعرض لقصيدة سحيم في باب مداخل الغزل. هذا، والمقاناة اسم مفعول من قاني يقاني إذا خالط أي المخالطة البياض بصفرة، الممزوجة البياض بصفرة. والصفرة مما كانت تحبه العرب من الألوان إذ هي منبئة بالعتق والتقاء والشرف. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ و «الناظرين» ههنا عمومٌ والعرب أدخل من يدخل فيه إذ الخطاب إليهم في معرض القصة (٣). وقوله بكر دليل على الشباب ومتانة الأسر. وقوله «غذاها نمير الماء غير المحلل» تأكيد لمعنى بكر ثم فيه زيادة معنى المنعة إذ هي شريفة من أشراف يردون الماء الصافي ويمنعون غيرهم أن يرده: ونشرب إن وردنا الماء صفوًا ... ويشرب غيرنا كدرًا وطينا ثم ههنا تمهيد لتشبيه البردية الذي سيأتي وإيماء إلى ما ذكره من أنها ريا

стр. 1349

المخلخل وإنما يكون الري من الماء. وقد فطن الشراح هذا من مراده فزعموا أنه أراد ماء جسدها (١) فيما أراد. ثم رجع إلى صفة صورة الالتفات، وهذا مما يقوي ما زعمناه في معرض الحديث عن روايتي الزوزني وجامع الدواوين الستة عند قولهما «إذا قامتا» «إذا التفتت نحوي» البيتين: تصد وتبدي عن أسيلٍ وتتقي ... بناظرةٍ من وحش وجرة مطفل وقد فصل هنا حركة الوجه وحيويته ومكان العين وكلامها وسحرها وقد سبق منا الحديث عن هذا البيت. وننبه ههنا على قوله «مطفل» بعد أن قال «بكر» إذ المطفل تحذر وتدافع عن طفلها وهذا هو المعنى الذي أراده في صفة النظرة. وجيدٍ كجيد الرئم ليس بفاحشٍ ... إذا هي نصته ولا بمعطل وهنا ما ترى من حرص على إتقان النسبة في أجزاء التمثال الذي لم يرك منه إلا نميمة النوب عنه ثم تضوع الوجه وجلاءه. والحركة في «نصته» وملاءمتها لقوله «تصد وتبدي» وقوله «إذا التفتت نحوي» كل ذلك لا يخفى. وقوله «ولا بمعطل» نظرة شاملة كاشفة كنظرته حين قال «هصرت بفودي رأسها فتمايلت» وقد تركك لتتأمل هذا الجيد الذي نصته وليس بمعطل. وفرعٍ يزين المتن أسود فاحمٍ ... أثيتٍ كقنو النخلة المتعثكل والنخلة هي- دلك على ذلك قوله «فتمايلت» آنفًا. والقنو أول ما يخرج من العراجين وجعله متعثكلاً لأن عليه أوائل البلح الخض الصغار المستديرات. وهذا مع الأغصان يعطيك صورة شعرها ذي الضفائر المتجعدة مع صورة شبابها وهي بكر كاعب الريعان.

стр. 1350

والصورة انتزعها من تذكر عهدها إذ فاجأها وقد نضت لنوم ثيابها فرأى شعرها يزين متنها. وقد جعل تمثالها ثابتًا في هذه الصورة، يقابل به ما كان من حركته في الالتفات والصد والإبداء ونص الجيد الذي ليس بفاحش ولا بمعطل آنفًا. وبالغ في أنه أسود فاحم ليجعله مقابلاً لهذا البياض المقاني للصفرة حيث قال «كبكر المقاناة البياض بصفرة». والصورة انتزعها من تذكر عهدها إذ فاجأها وقد نضت لنوم ثيابها فرأى شعرها يزين متنها. وقد جعل تمثالها ثابتًا في هذه الصورة، يقابل به ما كان من حركته في الالتفات والصد والإبداء ونص الجيد الذي ليس بفاحش ولا بمعطل آنفًا. وبالغ في أنه أسود فاحم ليجعله مقابلاً لهذا البياض المقاني للصفرة حيث قال «كبكر المقاناة البياض بصفرة». ثم عاد فحرك التمثال عند قوله: غدائره مستشزراتٌ إلى العلى ... تضل العقاص في مثنى ومرسل مستشزرات إلى العلى أي مشدودات مجموعات إلى أعلى. وهذه لا ريب صورتها وهي تمشي تجر ذيلها. وضلال العقاص هذا الذي يذكره بين ما ثنته من شعرها وما تركته غير مثنى إنما هو ضلاله هو حيث هر بفودي رأسها فتمايلت، وهذا يقوي معنى ما ذهبنا إليه دون ما ذهب إليه الزوزني من أنه أمسك بذؤابتيها. واستشزار الغدائر منبئ عن الحركة لأن سبيل الشعر أن يهوى، فهذا لأنه أُحكم جمعه، يباين مسعاها إذ تسعى مهويةً إلى بطن الخبت وهو مصعد من تحت الخمار. وهذا النعت الذي نذكره يقوي ويحقق عندك -إن شاء الله- معنى التشبيه بالنخلة. والذي ينبئك أن هذا كأنه تفصيل لقوله هصرت (بفودي رأسها) مضيه في تفصيل معنى ما تمايلت عنه: وكشحٍ لطيفٍ كالجديل مخصرٍ ... وساقٍ كأنبوب السقي المذلل وقوله وكشح لطيف تفريع وزيادة على قوله مهفهفة. والكشح منقطع الأضلاع. والهفهفة قد تكون من ضنى وشديد نحول، «فقوله «لطيف» ينفي ذلك. ولطف الكشح قد يتفق عند الجميلة البادئة. فقوله كالجديل مخصر، ينفي ذلك. أما قوله «مخصر» فشاهد أقصى ما يكونه الضمر المحمود وفيه إنباء عن التماسك. وأما

стр. 1351

قوله «كالجديل» فنص في شدة الأسر ومتانته وأحكامه، لأن الجديل هو السير المجدول المفتول، ومنه قولهم مجدولة، وقولهم جدلاء، وقولنا نحن في عاميتنا: «جدله» وهي فصيحة. ثم عاد إلى ما ذكره من قوله «ريا المخلخل» وهي يجيء «في صفة البادنة». فأراد ليزيل كل التباس، فشبه بالبردية أي القصبة، بل شبه بالأنبوب من القصبة، فنبه على الاستقامة، وتمام الهيئة مع القوة والنقاء وملاءمة ما كان فيه من نعت البكارة والسر المحكم. وجعل هذا الأنبوب أو هذه البردية وسط سقي مذلل، أي نخل مسقي، خصب مذلل بالحمل، متهدلة أغصانه، ومثل هذا النخل ليس بطوال، ولكن مكتنز الجذوع قصارها، وقد تصل أغصانه إلى قريب من الأرض، أو قل قد يتناول من قطفه الواقف. ولا يخفى أن التفاف مثل هذا النخل المتهدل حول البردية المنصلتة مما يقوى معنى استقامتها وانصلاتها وشدة أسرها مع نقاء اللون المتساوق المترقرق الماء من أدناها إلى أعلاها. ولا يخفى أيضًا أن أولئك النخل المتهدلات ما من إلا صورة أخرى لأم الرباب وأم الحويرث وعنيزة والحبلى والمرضع المكتنزات، وبينهن بيضة الخدر كالبردية. وهي متى انفردت فنخلة فارعة، تتمايل إذا مُس فوداها عند الغدائر المستشزرات، ذات قنو متعثكل. وتضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نئوم الضحا لم تنتطق عن تفضل وهنا رجعة إلى قوله «فجئت وقد نضت» ولكنها صورة من الخيال، إذ هي صورتها في ضحا الغد، وقد نهضت، ولما تنتطق، وعليها لبسة المتفضل، وقد تركت فتيت المسك فوق فراشها، لا يقوم معها فيتضوع كشأنه مع أم الحويرت وأم الرباب.

стр. 1352

وفي ترك المسك فوق فراشها إيحاء ببعد مسافتها عنه، وبعد أن ينالها، وإنما ينال مسكها الفراش، وليس ذلك له. ثم في ظاهر لفظ البيت كناية عن ترفها وهذا معنى نموذجي معروف. وفيه أيضًا إيهام بأنه قد لها معها إلى زمن ساهر من الليل، فلذلك نامت الضحا وقد وضح هذا المعنى سحيم في يائيته. والصورة بعد على حركتها كأنها ثابتة لبعدها عن مسرح التمثال الذي يصفه. ولذلك عاد إليه فحركه بما هو من مجرى صفة الالتفات، ينعت إشارة بنانها: وتعطو برخصٍ غير شئن كأنه ... أساريع ظبيٍ أو مساويك إسحل وهذا جيد. مواضع الجودة فيه، سوى مجمل معناه، ثلاثة. قوله غير شئن في التنبيه على ليان هذه الفتاة مع متانة صنعها الذي صنعته. وقوله أساريع ظبي في إظهار حقيقة هذا اللين لأن الأسروع يرقه زمان العشب ولا شيء ألين منها. وقد تنبو بعض الأذواق عن نحو هذا، وإنما نبؤها تنطسٌ منحرف. وهل أرادها أحد على أن تأكل هذه الأساريع؟ وإنما المراد منظرها، ولا ريب في جماله ولينه. ولله در أبي تمام إذ قال كأنه يُقرع أمثال هذه الأذواق: مدت إليك بنانةً أسروعا ومثل هذا لم يقصد به إلا المغايظة البحتة. وقوله مساويك إسحل، احتياط بليغ أي بليغ لقوله أساريع ظبيٍ (وظبي موضع بعينه). لأنه لم يرد من الأساريع إلا لينها ولطف أنسابها على الرمل. ولم يرد تهصرها ولا ما يتبعه من لزاجة، هذا الذي يتقذره أصحاب الأذواق المتنطسة، فيما أرى، حين يفزعون من هذا التشبيه. ولذلك قال «أو مساويك اسحل» لينبئ عن الصلابة والاستقامة مع ملاسة الظاهر ونقائه. فالأساريع تنفي معنى الجساوة الذي في

стр. 1353

المساويك. والمساويك تنفي معنى اللزاجة والضعف والتهافت الذي في الأساريع فتأمل. وقد تعلم أن «أو» مما يراد بها الجمع كما يراد بها التخيير. من ذلك أقوالهم في تفسير قوله تعالى ﴿إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (١) - وشواهد هذا في كتب النحو كثيرة. هذا وتمايل هذه الفتاة وإشارة أصابعها اللدنات حين التفتت من أعلق شيء بنفس الشاعر، إذ هو فيما قد صارت إليه حاله من تقلب أحوال الزمان كما تعلم. فألحق هذا المعنى المتمكن في نفسه، أو قل أومأ إليه وأوحى، بهذا الذي يصفه في البيت التالي من أمر الضوء ومنارة الراهب. قال: تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممسي راهبٍ متبتل ولا يخلو الظلام من كناية عن حاله التي كان فيها. ولا الراهب المتبتل من كناية عن نفسه هو بعد الذي صار إليه من تحطم آمال. وهي وذكراها الضوء والمنارة. وقد مر بك حديثنا عن البرق والضوء والنار. وأكد معنى مراده من الذكرى بقوله في البيت التالي: إلى مثلها يرنو الحليم صبابةً ... إذا ما اسبكرت بين درعٍ ومجول فجعل نفسه يرنو إلى ضوئها كقوله في اللامية «تنورتها من أذرعات» وقوله «صبابة» يقوي ما نذهب إليه من معنى الذكرى. وقوله «إذا ما اسبكرت» كأنه نص عليه. لأن الدرع كان عليها إذ خرج يمشي وهو المرط المرحل. والمجول هو الذي رآها فيه حين نضت لنوم ثيابها. وهي في كلا الدرع والمجول مُسبكرةٌ. والاسبكرار هو طول قامتها واعتدالها وانصلاتها وامتدادها. فهذا إجمال لما فصله لك من نعت تمثالها.

стр. 1354

ثم نص على الذكرى نصًا لا ريب فيه، عند قوله: تسلت عمايات الرجال عن الصبا ... وليس فؤادي عن هواك بمنسل واجعل العمايات من قبيل الظلام الذي تقدم. ثم مضى بعد يذكر الخصم والليل والهم والوادي القفر وذكريات الشباب والفروسية. ولا يتسع لنا المقام لنفصل ما أخذ فيه من بعد أو نوضح صلته بما قبله وصلة جميع ذلك بما كان امرؤ القيس يقاسيه من جهد وخيبة أمل وعناء. على أننا ننبه إلى أن امرأ القيس مضى يجعل الصور المحددة أو الناتئة الشديدة الأسر، وما يجري مجراها كالمركز لصوره، ويحفها بصور عراض مكتنزات أو كالمكتنزات. جعل حصانه محكمًا ضامرًا دريرًا كخدروف الوليد. وأتبعه صور النعاج كعذارى الدوار في الملاء المذيل، كعذارى دارة جلجل ذوات الدمقس المفتل. وذكر الثور والنعجة (يقابل بذلك ميل الغبيط به وبعنيزة) وطهاة اللحم ما بين منضج صفيف وقدير معجل (يقابل بذلك صورة الاشتواء الذي مر بلحم ناقته وشحم كهداب الدمقس المفتل). ثم ذكر البرق شاهد الذكرى. وقد مرت بك هذه الأبيات من قبل. وقد ترى كيف شبهه بلمع اليدين ومصباح الراهب، وقد تذكر أن ذلك من آخر ما ختم به نعت التمثال حيث شبه البنان بالأساريع وضوءها بمنارة ممسى راهب متبتل. ثم ذكر الغيث السحاح وفيه رجعة إلى صورة عدو الحصان. وجعل هذا الغيث السحاح إطارًا لكتيفة. وألقى دوح الكنهبل في جانب منه- ودوح الكنهبل فيه صدى من البوادن اللائي مضين مطلع القصيدة. والكنهبل عظام الطلح. ثم جاء بهذا السيل المنتشر. وأبرز فيه صورة القنان والعصم وجذع النخلة والأطم ذا الجندل وثبيرا الذي كأنه كبير أناس في بجاد. ومعاني الصيد والظباء والحصان وبيضة الخدر والأحراس مستكنة في كل هذا. وما ثبير إلا امرؤ القيس الصابر، أو كذلك بدا له معنى من معاني نفسه وجهادها. وقابل صورة ثبير بذروة رأس المجيمر المحددة التي كأنها فلكة مغزل. وجعل لهذه الذروة إطارًا من بعاع السيل الذي نزل:

стр. 1355

نزول اليماني ذي العياب المحمل ثم هذه المكاكي تقابلها صورة السباع المغرقات كأنهن أنابيش عنصل. ورأس المجيمر فيه ذرء بما يتذكره من سابق عهده، ومن هذه الأشجان التي يستحضرها لنفسه من سابق ماضيه، بعضها مكاكي مغردة، وبعضها سباع مغرقات بالأرجاء القاصيات. وقد ذهب السيل بالعرصات والقيعان وبعر الآرام كما ترى. وحسبنا هذا الإيجاز المختزل اختزالاً. ونأمل أن يعن لنا تفصيل بعضه متى صرنا إلى الأغراض أو إلى الخروج. وإنما اختزلناه ههنا حرصًا على إكمال ما قدمنا لك من نعت تمثال الخمصانة الكاسية حتى يظهر لك جانب من مراد الشاعر، والله تعالى أعلم. هذا ومن أمثلة الخمصانة المتجردة، دالية النابغة: أمن آل مية رائحٌ أو مغتدي ... عجلان ذا زادٍ وغير مزود وهي بحكم تجردها وأنها زوجة لا بكر ينبغي أن تكون أبض شيئًا من بيضة الخدر، خمصانة امرئ القيس الكاسية وقد نظر النابغة نظرًا شديدًا إلى نعوت امرئ القيس كما سترى إن شاء الله. وأنت أصلحك الله تعلم القصة التي تروي من أن النعمان حمل النابغة حملاً على وصف زوجته المتجردة، فقال هذه القصيدة. وفي القصيدة بعد تجربة تتجاوز مجرد أن يكون النابغة أريد على الوصف فوصف، أحسبها مستفادة من مناظر جمالٍ حي عنت له. أضفاها على مشهد تمثال أو دمية رآها فأعجبته، ثم جمع ذلك في المتجردة لما أريد على وصفها. ولقد يقال إن القصيدة كلها منحولة للنابغة. وفي هذا نظر. منه عفة النابغة

стр. 1356

وتقيته، وروحهما شاملة للقصيدة من مبدئها إلى حيث انتهى. ولقد نبه أبو العلاء المعري إلى هذا من صنيع النابغة في رسالة الغفران، وقد قال النابغة في المطلع: «عجلان ذا زاد وغير مزود» فألمع بمعنى النظرة العاجلة، كنظرته في الميمية (بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما) حيث قال: هل في مخفيكم من يشتري أدما كما قد أبان عن نفس في قوله «ذا زاد وغير مزود» - فذو الزاد النعمان. وغير المزود هو، إذ هو ناعت مكلف، وما تزوده نظرات من غير هاته التي كُلف وصفها أو من تمثال. وقد يكون النعمان بلغ من تهتكه أن أراه إياها لينعت. وقد ذكروا في صفته التهتك والفجور، وإن صحّ هذا، فيكون للذي ذكروه من غيره المنخل اليشكري، وتعريضه بالنابغة أنه لا يصدر مثل هذا من قوله إلا عن مشاهدة، وجه من معنى إذ مثله قد يُحفظ النعمان، إذ يراجع نفسه، فيتهم النابغة بأنه في وصفه الذي وصف، قد جاوز الفن إلى الشهوة، وتلك آبدة. وإن يكن النابغة حقًا قد شاهد، فيكون عمده إلى نموذج تمثال يحذو عليه ما شاهده، أوقع وأدخل في معنى التقية وأحوط وأحزم. ودليل آخر غير الذي نزعمه من تقية النابغة وعفته، ذكره مية في أول المطلع، وهي بعينها مية التي ذكرها في مطلع داليته المعتذرة: يا دار مية بالعلياء فالسند وقد بينا آنفًا مكان الكنية في مطلعه هذا وفي الأبيات بعده، وصلته بخبر ما كان بينه وبين النعمان. ودليل ثالث هذا الإشراق الذي ينتظم القصيدة من أطرافها، إشراقًا كأنما عمد به الشاعر إلى أن يبهر الناظر دون تأمل الصورة تأملاً مدققًا. ثم هو إشراق

стр. 1357

يلائم حال الملك والترف وما تعلم من أمر الخورنق والسدير. ودليل رابع تواتر الرواية وما نقلته إلينا من خبر إقواء النابغة فيها، وغناء قينات المدينة بأبيات منها أقوى فيها ينبهنه إلى هذا العيب من شعره. وهذا الخبر يناسب وضع هذه القصيدة الزمني، إذ النابغة نظمها بلا ريب قبل روائعه في آل جفنة وقصائده الاعتذاريات. وإن يكن النابغة قد نبغ في الشعر بعد الأربعين كما رووا، فهذه الدالية من أوائل ما نبغ به. ولست بمن يستبعد صحة هذا الخبر الذي يذكرونه من نبوغه بعد الأربعين. فالرجل قد كان من الحذاق أهل النظر. ومثله قمن بأن يكون بدأ النظم منذ دهر بعيد، ثم يطرح ما نظمه حرصًا على ألا يسير عنه، حتى إذا وجد آخر الأمر أنه قد استقامت له منه طريقة أذاع به. ولأمر ما سمى النابغة مع من سموا بهذا الاسم أحد عبيد الشعر. ولا كعبوديته فيما أرى عبودية زهير، وإن كان جوهر التحدي عند كليهما متشابهًا. إذ زهير أشبه به أن يكون قد يفرغ من القصيدة، ثم يؤوب إليها ليشذب، بغرض أن يزيد في خفاء ما عسى أن يبدو مكشوفًا معناه، فيكون بإخفائه هذا له أشد إيغالاً في الكشف عن نفسه. والنابغة يطيل إدمان الصياغة ليجيء كلامه سلسًا متهلل الديباجة، وقد مثلنا لك من طريقته بما رأيت. ولا ريب أنه في تحسينه لديباجته مما يعتمد من التقية أساليب. غير أن زهيرًا أدخل في هذا المعنى كما قدمنا، ونفسه أشد حرارة، لما يفعله به من طول التحبيس. ثم دليل خامس وهو أصالة روح النموذج واقتراء الشعراء له من بعد، وقد ذكرنا لك آنفًا نظر النابغة إلى تمثال أفروديت ذات الثوب تليح به وهي متجردة وأضاف النابغة إلى ذلك أنها ذات عقد- وقد يكون نظر في هذا إلى صورة رآها وقد يكون هداه إليه الخيال، وقد تكون عرضت عليه المتجردة وعليها عقد، ومهما يكن من شيء فهو لا يخلو من أن يكون ذكر العقد للذي ذكرته لك من أرب أن يحف الصورة بالبريق وليزين أيضًا تجردها، باقتراح شيء من ستر له ولباس في هذا

стр. 1358

العقد. وقد نظر المرار إلى صورة النابغة هذه فجعلها لمتجردته التي سترى إن شاء الله. أملح الخلق إذا جردتها ... غير سمطين عليها وسؤر وذكر السمطين والسؤر زيادة- جعل العقد عقدين، وزاد في اليدين أساور كما ترى: قال النابغة: أمن آل مية رائحٍ أو مغتدي ... عجلان ذا زادٍ وغير مزود أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد أي دنا الترحل، ولما نرحل بعد، وكأن قد فعلنا لأنا قد أجمعنا أمرنا فنحن على وجه المضي. وموضع السؤال حيث وضعه طريف. إذ منه إشعار بأنه لم يودع آل مية. وهذا قريب من قول المسيب بن علس: أرحلت من سلمى بغير وداع ... قبل العطاس ورعتها بوداع في الشطر الأول وحده. أما الشطر الثاني فيستفاد منه أن الوداع كان عجلاً كلاً وداع. وحتى هذا لم ينله النابغة وقد نص عليه كما سيلي: زعم البوارح أن رحلتنا غدًا ... وبذاك تنعاب الغداف الأسود ورواية الأقواء «خبرنا الغداف الأسود» وهي أقوى من التي لا إقواء فيها، لملاءمتها قوله «زعم». والتي لا أقواء فيها استنتاج لا خبر ولا زعم. وإنما أثبتناها هي دون رواية الأقواء تخفيفًا على القارئ للذي ينفر عنه من الأقواء. وقد بينا رأينا في الأقواء في أول كتابنا هذا من قبل وأن أشعارًا جيدة جاء فيها منهن همزية الحارث في المعلقات، ولولا توتر الرواية عن امرئ القيس لكان قوله «كبير أناس في بجاد

стр. 1359

مزمل» وأن القليل منه يحتمل متى طلبه المعنى، وأن مذهب الوقف عند أواخر الأبيات بالسكون، وكان من مذهب العرب، يخفيه، إن كان لابد من إخفائه، كل إخفاء. والبوارح من الطير وغيره يتشاءم بها لا مرحبًا بغدٍ ولا أهلاً به ... إن كان تفريق الأحبة في غد وهذا البيت كما ترى غناء ويلائم مذهب خفة الروح والطرب الذي عليه هاته القصيدة أو ينبغي أن تكون عليه. حان الرحيل ولم تودع مهددًا ... والصبح والأمساء منها موعدي أي لم تودعها ولم تبق إلا هذه الليلة ثم موعدنا الصبح والإمساء نصبح لنسير، ونمسي لنسير، وتلك شقة لا نهاية لها. ومهدد هي مية نفسها، وفي الاسم تحبب لا يخفى واشتقاقه من المهد. ثم بلفتة من لفتات الخيال الجامح جعل النابغة مية هذه أو مهدد كما سماها، وكلتاهما المتجردة، كلا الاسمين كناية عنها، جعلها راحلة، وجعل نفسه يتبعها كما يتبع الشعراء محبوباتهم، قال زهير: هل تبلغني أدنى دراهم قلص ... يزجي أوائلها التبغيل والرتك وقال ابنه: أضحت سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل ولن يبلغها إلا عذافرةٌ ... لها على الأين إرقال وتبغيل وقال النابغة بعد ما تقدم: في إثر غانيةٍ رمتك بسهمها ... فأصاب قلبك غير أن لم تقصد

стр. 1360

وهذا جيد بالغ. استهل كما ترى بنعت النظرة، وإنما أراد أنها متحجبة لا يرى منها -أو قد يرى شيء- إلا الطرف. وهذا احتياط من غيرة النعمان. ثم قال «فأصاب قلبك غير أن لم تقصد» أي غير أنها لم تصب منك مقتلاً. وهذا زيادة في الاحتياط. يزعم أنها أصابت قلبه بسهمها كما يقول الشعراء أن النساء تصيبهم بأسهمها لا أنها قتلته حقًا إذ هو خلي من حبها لم تقتله وإنما أمره الهمام فهو ينصاع لأمره. والمدقق النظر يرى في هذا الاحتياط ذرو إيحاء بتجربة. وذلك أن النابغة نظر فازدهاه النظر، وأعرض عن أن يزدهى تقية وعفة. وماذا عساه أن يصنع غير ذلك. غنيت بذلك إذ هم لك جيرةٌ ... منها بعطف رسالةٍ وتودد أي أقامت بذلك من أمرها واكتفت. إذ هي جار والجار يكف عنه النظر. وكان حسبك منها عطف رسالة وعطف تودد. ولا ينبغي أن يمر على هذا البيت من غير تأمل ما. إذ هو يحمل في أثنائه كالإيماء إلى ما كان بين النعمان والنابغة في أمر نعت المتجردة. ولا يستبعد أن يكون مراد الشاعر أنه قد كفاة تجربةً، وهو الجار العفيف، أن أرسل إلى هذه الحسناء أو أرسل إليه، فجليت له، وهي منكسرة طرف العين حياء لهذا الذي تكلفه من عظيم الكلفة، وفيها بعد إلى الشاعر عطف ورحمة لما تعلمه أو تحسه من مشاركته لها في عناء تلك الكلفة، والصبر على أشر النعمان، والله أعلم. وأنا لا أدفع أن تكون جليت للنابغة متجردة أو كالمتجردة كل الدفع. وخبر التجرد كأنه جارٍ مجرى الأساطير والخرافات في بعض قصص البدو، مما ينبئ عن سابقة له سحيقة البون في الماضي السالف. من ذلك مثلاً عندنا في السودان قصة تاجوج والمحلق. يزعمون أنهما كليهما كانا من قبيلة الحمران، إحدى فصائل الكواهلة فيما نبئت. وكانت تسكن أطراف نهر سيتيت، مما ينبئ بقرب عهد اجتياز البحر إلى شاطئ الحبشة والنوبة من الجزيرة العربية. وقد عشق المحلق تأجوج

стр. 1361

وعشقته وتزوجها لقرابة ما بينهما، ثم أنه بلغ من كلفه بها، وكان امرأ شاعرًا، أن أرادها ذات يوم أن تتجرد أمامه مقبلة ومدبرة. فشق ذلك عليها. وعاهدته وقاسمته على أن يعطيها مرادها إن هي أعطته ما أراد. فأجابها إلى ما عاهدته وقاسمته عليه. ثم لما رأى منها ما رأى، عزمت عليه أن يطلقها. ولم يجد بدًا من ذلك. واستلب ليه فيما بعد أو كأنه قد استُلب أسى على الذي فعله. قال (١): الجنب التعيس سويته بيدي وفي كلمة مزاج قليت غميدي وتاجوج ما اتلقت يا خمله زيدي ثم إنه تقلبت به أحوال كأحوال مجنون ليلى أو من قريها. ثم إن القوام سعوا في صلاح ما بينه وبين تاجوجه. فقيل إن هو كف عن نظم الشعر، أعيدت إليه، فسرى ليلة مع شيخ قبيلة الحمران وهو لا يقول شيئًا. ثم لما كاد ينصدع الفجر، وقد دنوا من الحي المقصود لم يستطع المحلق صبرًا، ولعله رأى شيئًا أو سمع طائرًا فاهتاج لذلك، فالتفت إلى شيخ قبيلة الحمران، وقال له: يا شيخ بدو الحمران، أيش قلت لي (٢) الناس تدور الناس والرب غني فنقض بذلك عهد ما بينه وبين الشيخ وحرمت عليه تاجوج، ثم تمضي القصة بعد إلى نهايتها وهي مأساة يموت فيها العاشقان. وكان موت تاجوج أنها قتلتها قبيلة

стр. 1362

معادية إذ سبيت، وخشي ذوو رأيها الفتنة من جمالها، وفي هذا نفس من قصة السبية، أحسبها امرأة عبد العزيز الأموي، إذ اختلف فيها الخوارج، وتغالوا في ثمنها، فجرد أحدهم، يدعى أبا الحديد، سيفه، فقتلها فقيل في ذلك: كفانا فتنةً عمت وطالت ... بحمد الله سيف أبي الحديد والقصة كلها تنظر إلى مصادر عدة ليس هذا مكان تحليلها، وإنما أردنا بإيرادها التنبيه على مكان المتجردة. وننبه أيضًا على عقدة القصة أو قل جوهرها مداره ولع البطل المشئوم بالشعر نفسه أكثر من ولعه بتاجوجه. ومن أجل الشعر طلب إليها الجلوة، ومن أجله ضحى بلقائها من أجل بيت يترنم به لشيخ بادية الحمران. وفي القصة بعد تناقض، راجع إلى معنى التجريد الذي سقناها من أجله، وهو أنه زوجها يحل له النظر إليها وينال منها أكثر من جلوة النظر. ومع هذا كما ترى تجعل القصة جلوة النظر أمنية يتمناها الشاعر فينالها بثمن مر باهظ. ولا يخفى ما في هذا من الرمزية إلى خصام ما بين جموح الفن، وتحفظ التقاليد. فعسى هذه القصة التي سقناها أن تقرب عندك خبر النعمان والنابغة فلا تنفيه كل النفي أو ترفضه. وهي على أنها عامية لابد أن تكون منبعثة من ذلك الأصل أو من أصل مشابه له كما قدمنا، والله أعلم. وقال النابغة: ولقد أصابت قلبه من من حبها ... عن ظهر مرنانٍ بسهمٍ مصرد فعدل إلى ضمير الغائب بعد أن نفى الإقصاد عن نفسه في قوله «غير أن لم تقصد» كما ترى. وفي عدوله إلى ضمير الغائب كالعمد منه إلى أن يخص النعمان بأنه هو المصاب وأنه هو الذي أقصدته الفاتنة وتملكت فؤاده، ويهواه هو، لا يهوى نفسه،

стр. 1363

يتغنى فيما سيأخذ به من غناء. وقد تعلم أنه يقول من بعد «زعم الهمام» فضمير الغائب ههنا كأنه لا يعني أحدًا غير هذا الهمام الذي يزعم ما يزعم. وضمير الغائب بعد قد يعني الشاعر نفسه. وههنا التقية. وقد أباحت هذه التقية للنابغة أن يفتن في نعت النظرة كما رآها، وفهم من حديثها، ووقع كل ذلك من نفسه أيما موقع- فقال «عن ظهر مرنان بسهم مصرد» أي بسهم ينفذ ويتجاوز: وفي المرنان إيحاء بما كان هو مقبلاً عليه من ترنم وأرنان ببكاء الحسرة على الذي كان من تجربته مداناة نيل ما لا ينال. نظرت بمقلة شادنٍ مترببٍ ... أحوي أحم المقلتين مقلد هذه هي صورة التمثال موجزة مختصرة. جعلها شادنًا ليدل على أنها شابة مجدولة متماسكة خمصانة النموذج. والشادن من الظباء ما شب واشتد أسره وارتفع. وقوله مترب، لينفي عنها البداوة، بداوة الشادن الذي توصف به نساء البدو، وذلك بجعله شادنا مترببًا مؤلفًا في البيوت. ثم في التربيب النعمة. وهذا يسبغ على خمصانتها أديما نديا ريان خافضًا عسى أن يشبه شيئًا ما ضروب ما كان يُصنع بأخرة من متجردات يونان، حينما جيز بالطراز الرياضي إلى لون من التنعيم من غير مغادرة مقياس الضمر وامتشاق القامة. وقوله أحوى، نعت للفم. وسيقف النابغة من بعد عند امتلاء هذا الفم وحوته وبهجته. وقوله أحم المقلتين تلخيص لهذه النظرة التي أصابت ولم تقصد ادعاء، وأصابت وأقصدت بسهم نافذ، أرسل من قوس مرنان. وقوله مقلد، جعله القلادة على عنق القامة المتجردة كما ترى على النحو الذي قدمنا. ولـ «مانيه» كما تعلم صورة متجردة، بادية الضنى كأنها سقيمة، على عنقها قلادة من خيط أسود، ونذكر هذا تنبيهًا على ما يقع في باب توارد الخواطر كما يقع

стр. 1364

الحافر على الحافر- على أن سقم صاحبه «مانيه» مريب والنابغة يذكر السقم كما تعلم. فهل نظر «مانيه» إلى نموذج كلاسيكي قديم؟ هذا، ثم أخذ النابغة في التفصيل، فأول ما فصله نعت العقد، ليبعدك من تأمل التمثال حينًا، ريثما يشيع حوله البريق واللألا المعشي: والنظم في سلكٍ يزين نحرها ... ذهبٌ توقد كالشهاب الموقد وإذ اتجه نظرك إلى هذا الشهاب المتوقد، ألقي إليك مسرعًا بصفة الجسد كله، وكأنه أصاب ألقًا من ألق الشهاب: صفراء كالسيراء أكمل خلقها ... كالغصن في غلوائه المتأود فالصفرة شاهد الألق، وهي لون العرب المحبوب كما مر بك في أبيات امرئ القيس. «وكالسيراء» اختلاس نظر إلى نعومة تلك البشرة الصفراء، لأن السيراء نسج حرير مزخرف. وقد كانت نظرة فاحصة، مع خلستها، لهذا الذي فطنت إليه من زخرف مع النعومة. وقوله «أكمل خلقها» إثبات للتماسك والتمام ونفي للزوائد من ترهيل ونحوه. وقوله «كالغصن» تأكيد لهذه الصفة، وجعل الغصن ذا غلواء ليفعمه بالشباب والقوة وينفي عنه جوع النحول. وهنا تأويل قولنا بادئ كلامنا أن هذه المتجردة، بحكم تجردها، وبحكم أنها غير بكر، ينبغي أن تكون أبض شيئًا من خمصانة امرئ القيس الكاسية. وامرؤ القيس لاشك أحذق إذ جعلها بكرًا وإذ كسها ليلهو ببكرها ويجردها معًا في نعته. ولكن ماذا عسى أن يصنع النابغة، وإنما حمل على أن يصف متجردة ليكسوها بدعوى عزوف وتقية، وثيبًا ليتوهمها بكرًا لا تنال. وقد نظر النابغة إلى امرئ القيس في قوله «كالغصن في غلوائه المتأود» إذ

стр. 1365

صورة الغصن ذي الغلواء مأخوذة من البردية بين السقي المذلل. أخذ النابغة هذه البردية فباعدها من السقي فليس لها إلا أن تكون ذات غلواء، وجعلها غصنًا كما ترى. وقد يتبادر إليك أنه أخذ من قول امرئ القيس: هصرت بغصنٍ ذي شماريخ ميال والراجح أنه مما قدمنا أخذ لا من هذا. على أن لا يستبعد أن يكون بعد أن أخذ من الأول، نظر إلى هذا، فجمع منه إلى معنى ذاك. إذ الغصن حينما يغلو يتمايل وهذا قوله: «المتأود». و «تمايلت» في المعلقة حركة سببها الهصر. وفي اللامية حركة الميال من جنس الغصن ذي الشماريخ، كما أن فيها شيئًا من مجاوبة للهصر. وعند النابغة حركة المتأود من جنس الغصن ليس إلا- فهي من ههنا أدخل في باب السكون، وأشبه بمعنى البردية الذي قدمنا. والألفاظ الثلاثة عند الشاعرين: تمايلت ميال. متأود. كل منها دال على ما فسرنا. تمايلت فعل يدل على تفاعل حركة. وميال صفة تفيد الثبوت والمبالغة تفيد التفاعل وتشعر باضطراب الحركة. والمتأود صفة حركتها تفعل من ذات نفسها كما ترى. والبطن ذو عكن لطيف طيه ... والإتب تنفجه بثديٍ مقعد وإذ قد نظر خلسة فرأى البشرة، غض من حيث نظر وذلك محل العقد الشعاع، فرأى كقلادة العنق من أسارير طي البطن الناعم المتماسك بالصحة وأسر الشباب. وإذ سمى هذه الأسارير عكنًا يدل على أنها جدل محكم من تلاحم نسج خصائل الحشي، أضفي عليها الرقة بالذي ذكره من لطف الطي. وإذ هي نظرة سريعة، اكتفى بهذا الذي قاله، فلم يثبت الصفة بنفي الإفاضة أي بأن يقول «غير مفاضة» إلا في بيت آخر بعد نظرة أخرى أو غضة أخرى كما سترى إن شاء الله. وإذ جرد التمثال الثابت كل هذا التجريد بنظرته حين غض عن بريق العقد،

стр. 1366

بل العقد كأنه شفٌ وأفشى هذا التجريد بعد أن كان يعشى الناظر دونه- إذ فعل هذا عاد فألقى على التمثال سترًا من خياله، وذلك قوله: والإتب تنفجه بثديٍ مقعد والإتب بكسر الهمزة والتاء بنقطتين فوقيتين ثم الباء بواحدة من تحت، هو ثوب مشوق لا جيب له. وهذا أول ما يلوح لنا من كساء أفروديت. وقد جاء به النابغة من خياله إذ لم يكن على المتجردة ثوب، إذ قد كانت عارية إلا القلادة وعسى أن ظن السجفين اللذين بدت منهما كما سترى بمنزلة هذا الأتب الذي يذكره وقوله «تنفجه» يكاد يوحي بالحركة، لكن الصورة مع هذا ثابتة. وسبب ذلك أن النابغة يصف ثديًا ليس عليه ثوب، فهذا قول مقعد، يعني أنه صلب ثابت متحيز بمكانه. ولو قد كان عليه اتب لنفجه، هذا معنى قوله «والاتب تنفجه» - وعسى أن أشرب هذا من عند نفسه صورة التمثال الذي يكون منه الثوب على الثدي الآخر. وعسى أن مال أحد السجفين على جانب المتجردة. ومهما يكن من شيء «فمقعد» نظر مباشر ليس دونه حجاب: محطوطة المتنين غير مفاضةً ... ريا الروادف بضة المتجرد وهذه نظرة غير الأولى. وانحطاط المتنين تنعيم للتمثال الخمصان حتى لا يتبين منه جساوة تراق وأكتاد وحيث معاقد الكتف من الذراع. ولكي ينفي فكرة البدانة التي ربما خطرت للسامع من معنى «محطوطة المتنين» «قال» «غير مفاضة» - وكما ترى، فإن هذا بالنسبة إلى نظرته إلى المتنين غضة. ولا يكون. ضربة لازب، دار هو بها فنظر أو أدبرت هي، لأن الخيال في نحو هذا يتمم ما تشاهده العين. على أن معنى تدبر غير مستبعد، على معنى ما قدمنا من تهتك النعمان بجلوتها. وقوله ريا الروادف لا يبلغ بها الضخامة كما ترى، وإنما ينعت تمام خلقها،

стр. 1367

وحسن نستها مع ما دونها وإليها. وصفة ريا تشعر بذلك، وهي كأنها نظر وتكميل لقول امرئ القيس: «هضيم الكشح ريا المخلخل» وقوله «وساق كأنبوب السقي المذلل». وقوله «بضة المتجرد» نفي لأن يكون في روادفها ترهيل. كأنه يقول لك أن هذا الذي بدا من امتلاء ردفها وريه، سببه أنها متجردة متكشفة، ولابد لمثلها أن يكون بضا وهو متجرد. فهذا كأنه نص في الذي زعمناه لك آنفًا من أن العارية أبض حتمًا من الكاسية. قامت تراءى بين سجفي كلةٍ ... كالشمس يوم طلوعها بالأسعد وهذا صفة لحالة الجلوة كيف جليت ولموقف التمثال حيث وقف. وفيه أشعار بحيوية وتحريك، في الترائي وفي ما يكون من انسياب سجفي الكلة حوليه، وما قد يعن من خفوقها. وهنا أيضًا نظر إلى تمثال أفروديت ذات الثوب. ثم تمهيد لضوء الشمس الذي سيذكره، إذ سجفا الكلة مما يكون أشد لوهجه وبريقه وإعشائه العين دون أن ترى. وهو لم ير منها وهي واقفة متجردة صلته بعقدها غير ما يمكن أن يراه من الشمس إذ طلعت بالأسعد: الإشراق والسعادة لا غير. وهذا كما ترى في جودته وقوته هو أيضًا من حاق التقية. أو درةٍ صدفيةٍ غواصها ... بهج متى يرها يهل ويسجد وهذا استمرار في نعت البريق كما ترى. وفيه استراحة ما من الذي كلفه النابغة من عناء. استراحة تغن وترنم. وفيه بعد كناية إذ هذه المتجردة من لآلئ بحور القصور، وغواصها النعمان، يهل ويسجد لظفره بها، وقد أهل النابغة أيضًا وسجد والتاع. ومع استمرار البريق فإنه خبا شيئًا، إذ ليس ضوء الدرة كضوء الشمس.

стр. 1368

وإنما أخباه الالتفات عنه والغض إلى التأمل والتغني. ثم في النفس حاجة إلى التمهيد بهذا الإخباء إلى نظراتٍ أخر. وذلك قوله: أو دميةٍ من مرمرٍ مرفوعةٍ ... بُنيت بآجر يشاد وقرمد والمرمر براق ولكنه دون اللؤلؤ. ثم القاعدة التي عليها دمية المرمر آجر وقرمد، وضوء هذا خافت، كلا ضوء، بالنسبة إلى المرمر والدرة والشمس. وهنا ارتاح النابغة راحة كاملة. وصورة الدمية ذات القاعدة التي ارتاح إليها، أو قل إلى قاعدتها، من الذاكرة كما ترى. ثم ستجد مع هذا، في الذي يلي، أنها لا تخلو من كناية. ونظر النابغة عندما ارتاح. ولكن نظرته أهدت له صورة أخرى، غير صورة الفاتنة المترائية بين سجفي الكلة، صورة من الذاكرة، فيها حركة مسرعة أيما إسراع، ثم هي في ذلك ثابتة. صورة حسناء رائعة فاجأها، فسقط نصيفها، فاتقت بيدها. وهذه الصورة تنظر إلى قول امرئ القيس: فجئت وقد نضت لنومٍ ثيابها وصورة امرئ القيس مع ظاهر طمأنينة جوها أدل على حيوية الحركة من مرتاعة النابغة المنفعلة- أدل على الحيوية مع أن الحركة التي وصفها امرؤ القيس (قد نضت لنوم ثيابها) قد كانت قبل دخوله وإنما وجد شاهدها، أما الذي يصفها النابغة فقد شاهدها عيانًا بيانًا. أم لعله لم يشاهدها عيانًا بيانًا ولكنها صورة توهمها- صورة جاء بها من الذاكرة من تمثال أفروديت ذات الثوب أو صورة اخترعها على مثال ذلك التمثال حين رأى المتجردة من سجفي الكلة، يوهمك بهذه الصورة أنه لم ير جسدها عاريًا، وإنما رأى نصيفًا سقط، ثم اتقاء باليد. وأنى له أن يرى جسدًا عاريًا وقد أعشاه شعاع شمسها بالأسعد؟ أو أعشاه شعاع ما يخشاه من سطوة النعمان وغيرته؟ من أجل هذا ما نرى ما ذكرناه لك من أن حركة النصيف على سرعتها وارتياعها ثابتة. ذلك

стр. 1369

بأن النابغة إنما وصف بهذه الحركة حال انفعاله هو حين رأى ما رأى، فريع، دون حركة التمثال ذي السمط الواقف بين سجفيه يشع ما يشع من بريق وألق. وهذا أيضًا يقوي الذي زعمناه من نظر النابغة واستفادته من تمثال أفروديت ذات الثوب، إذ ذلك المثال في حركته المقترحة أشد إظهارًا لدهشة الناظر إلى أفروديت منه لجزع أو ارتياع يكون منها. سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد بمخضبٍ رخصٍ كأن بنانه ... عنمٌ على أغصانه لم يعقد ورواية الاقواء «يكاد من اللطافة يعقد» - وهنا نظر إلى قول امرئ القيس: وتعطو برخصٍ غير شئنٍ كأنه ... أساريع ظبيٍ أو مساويك إسحل وصورة امرئ القيس متحركة وهذه التي يصفها النابغة ثابتة. ثم فيها ارتياح من الذي كان فيه من دهشة سقوط النصيف. والبنانات من اليد التي اتقت بها صاحبة النصيف فيهن كما ترى ههنا سكون وامتداد، فهذا قوله «يكاد من اللطافة يعقد» أو قوله «لم يعقد» على تجنب الأقواء، ورواية الأقواء أجود إذ لا تكلف فيها وفي الأخرى جهد، وواضح قصد وعمد إلى التجويد. والاستراحة التي زعمنا في تأمل بنانات التمثال لا تخفى والخضاب استعارة من كف المتجردة- أعني أنه التفت مغضيًا عن المتجردة إلى صورة التمثال التي في ذاكرته، وخضبها بتخضيب كف المتجردة. ثم بعد هذه الاستراحة نظر مرة أخرى إلى المتجردة أو قل رجع ليعطينا صورة النظرة التي ارتاع عنها إلى صورة التمثال والنصيف وما في ذلك من كناية. والروعة، كما لا يخفى، منبئة باشتهاء. ورجع النابغة إلى النظرة التي كان بدأ بها نعته: نظرت إليك بحاجةٍ لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجود العود

стр. 1370

وهذا بيت لو غار منه النعمان لأصاب، على ما فيه من ظاهر رقة وبراءة. وأحسبه هو، دون سواه الذي أحفظ المنخل اليشكري. إذ هذه النظرة التي يصفها النابغة نظرة «أحوى أحم المقلتين»، عميقة في معنى الاشتهاء والحرمان. اشتهاء الشاعر وحرمانه، ثم اشتهاء هاته التي تنظر إليه وحرمانها. وإذن فكأن هذه الثيب الفاتنة المفتونة التي يجلوها النعمان، بكر -صفراء كالسيراء- «كبكر المقاناة البياض بصفرة» تلك التي نعتها امرؤ القيس. وقال النابغة «بحاجة لم تقضها» فنص على معنى ما كنا فيه وفسر قوله آنفًا «أحم المقلتين» وسيفسر بعد قوله «أحوى». ولا يخفى أن هذه الحاجة في نفسه هو كما في نفسها، فتم ذرءٌ من تجاوب. ومن نحو هذا تكون الغيرة كما لا يخفى. وقوله «نظر السقيم إلى وجود العود» تفريع من المعنى، وزيادة تبيين وإطناب. ثم فيه كناية مذهلة. وذلك أن كل هذا البريق وكل هذا الإشعاع لا يتصور معه السقم وإنما يتصور كمال الصحة والعنفوان. ولكن المتجردة في بهائها وفتنتها، حين يجلوها مثل مالكها الدميم الكز الخلقة المتهتك، بائسة حبيسة سقيمة، والنابغة إذ جيء به ليشاهدها كيما يخلد صورة حسنها، كأنما هو عائد أو عُواد- وقد فطن هو لمعنى ما نظرت به من نظرتها. والرثاء الذي استجاب به إلى ذلك المعنى تنضح عبراته من أثناء هذا التشبيه كما ترى. والفرق بين ما صنعه «مانيه» وما صنعه النابغة أن مانيه جسد السقم النفساني، سقم الاشتهاء واللوعة. فجعل متجردته المستلقية كلها ضاوية مضناه بادية المرض في عينيها إعياء كالسأم الذي لا يبالي. والنابغة جعلها متربية تامة الخلق ريا، وحصر السقم كله في العينين وفي الفم كما سترى. ثم كما أحاط النابغة رائعته القائمة بالألق والبريق، أحاط «مانيه» سقيمته بالسواد الشبحيّ الدامس، حتى أن العقد نفسه خرقة رباط سوداء.
следующие страницы →