بل العقد كأنه شفٌ وأفشى هذا التجريد بعد أن كان يعشى الناظر دونه- إذ فعل هذا عاد فألقى على التمثال سترًا من خياله، وذلك قوله:
والإتب تنفجه بثديٍ مقعد
والإتب بكسر الهمزة والتاء بنقطتين فوقيتين ثم الباء بواحدة من تحت، هو ثوب مشوق لا جيب له. وهذا أول ما يلوح لنا من كساء أفروديت. وقد جاء به النابغة من خياله إذ لم يكن على المتجردة ثوب، إذ قد كانت عارية إلا القلادة وعسى أن ظن السجفين اللذين بدت منهما كما سترى بمنزلة هذا الأتب الذي يذكره وقوله «تنفجه» يكاد يوحي بالحركة، لكن الصورة مع هذا ثابتة. وسبب ذلك أن النابغة يصف ثديًا ليس عليه ثوب، فهذا قول مقعد، يعني أنه صلب ثابت متحيز بمكانه. ولو قد كان عليه اتب لنفجه، هذا معنى قوله «والاتب تنفجه» - وعسى أن أشرب هذا من عند نفسه صورة التمثال الذي يكون منه الثوب على الثدي الآخر. وعسى أن مال أحد السجفين على جانب المتجردة. ومهما يكن من شيء «فمقعد» نظر مباشر ليس دونه حجاب:
محطوطة المتنين غير مفاضةً ... ريا الروادف بضة المتجرد
وهذه نظرة غير الأولى. وانحطاط المتنين تنعيم للتمثال الخمصان حتى لا يتبين منه جساوة تراق وأكتاد وحيث معاقد الكتف من الذراع. ولكي ينفي فكرة البدانة التي ربما خطرت للسامع من معنى «محطوطة المتنين» «قال» «غير مفاضة» - وكما ترى، فإن هذا بالنسبة إلى نظرته إلى المتنين غضة. ولا يكون. ضربة لازب، دار هو بها فنظر أو أدبرت هي، لأن الخيال في نحو هذا يتمم ما تشاهده العين. على أن معنى تدبر غير مستبعد، على معنى ما قدمنا من تهتك النعمان بجلوتها.
وقوله ريا الروادف لا يبلغ بها الضخامة كما ترى، وإنما ينعت تمام خلقها،
стр. 1367
وحسن نستها مع ما دونها وإليها. وصفة ريا تشعر بذلك، وهي كأنها نظر وتكميل لقول امرئ القيس: «هضيم الكشح ريا المخلخل» وقوله «وساق كأنبوب السقي المذلل». وقوله «بضة المتجرد» نفي لأن يكون في روادفها ترهيل. كأنه يقول لك أن هذا الذي بدا من امتلاء ردفها وريه، سببه أنها متجردة متكشفة، ولابد لمثلها أن يكون بضا وهو متجرد. فهذا كأنه نص في الذي زعمناه لك آنفًا من أن العارية أبض حتمًا من الكاسية.
قامت تراءى بين سجفي كلةٍ ... كالشمس يوم طلوعها بالأسعد
وهذا صفة لحالة الجلوة كيف جليت ولموقف التمثال حيث وقف. وفيه أشعار بحيوية وتحريك، في الترائي وفي ما يكون من انسياب سجفي الكلة حوليه، وما قد يعن من خفوقها.
وهنا أيضًا نظر إلى تمثال أفروديت ذات الثوب. ثم تمهيد لضوء الشمس الذي سيذكره، إذ سجفا الكلة مما يكون أشد لوهجه وبريقه وإعشائه العين دون أن ترى. وهو لم ير منها وهي واقفة متجردة صلته بعقدها غير ما يمكن أن يراه من الشمس إذ طلعت بالأسعد: الإشراق والسعادة لا غير. وهذا كما ترى في جودته وقوته هو أيضًا من حاق التقية.
أو درةٍ صدفيةٍ غواصها ... بهج متى يرها يهل ويسجد
وهذا استمرار في نعت البريق كما ترى.
وفيه استراحة ما من الذي كلفه النابغة من عناء. استراحة تغن وترنم.
وفيه بعد كناية إذ هذه المتجردة من لآلئ بحور القصور، وغواصها النعمان، يهل ويسجد لظفره بها، وقد أهل النابغة أيضًا وسجد والتاع.
ومع استمرار البريق فإنه خبا شيئًا، إذ ليس ضوء الدرة كضوء الشمس.
стр. 1368
وإنما أخباه الالتفات عنه والغض إلى التأمل والتغني. ثم في النفس حاجة إلى التمهيد بهذا الإخباء إلى نظراتٍ أخر. وذلك قوله:
أو دميةٍ من مرمرٍ مرفوعةٍ ... بُنيت بآجر يشاد وقرمد
والمرمر براق ولكنه دون اللؤلؤ. ثم القاعدة التي عليها دمية المرمر آجر وقرمد، وضوء هذا خافت، كلا ضوء، بالنسبة إلى المرمر والدرة والشمس. وهنا ارتاح النابغة راحة كاملة. وصورة الدمية ذات القاعدة التي ارتاح إليها، أو قل إلى قاعدتها، من الذاكرة كما ترى. ثم ستجد مع هذا، في الذي يلي، أنها لا تخلو من كناية. ونظر النابغة عندما ارتاح. ولكن نظرته أهدت له صورة أخرى، غير صورة الفاتنة المترائية بين سجفي الكلة، صورة من الذاكرة، فيها حركة مسرعة أيما إسراع، ثم هي في ذلك ثابتة. صورة حسناء رائعة فاجأها، فسقط نصيفها، فاتقت بيدها. وهذه الصورة تنظر إلى قول امرئ القيس:
فجئت وقد نضت لنومٍ ثيابها
وصورة امرئ القيس مع ظاهر طمأنينة جوها أدل على حيوية الحركة من مرتاعة النابغة المنفعلة- أدل على الحيوية مع أن الحركة التي وصفها امرؤ القيس (قد نضت لنوم ثيابها) قد كانت قبل دخوله وإنما وجد شاهدها، أما الذي يصفها النابغة فقد شاهدها عيانًا بيانًا.
أم لعله لم يشاهدها عيانًا بيانًا ولكنها صورة توهمها- صورة جاء بها من الذاكرة من تمثال أفروديت ذات الثوب أو صورة اخترعها على مثال ذلك التمثال حين رأى المتجردة من سجفي الكلة، يوهمك بهذه الصورة أنه لم ير جسدها عاريًا، وإنما رأى نصيفًا سقط، ثم اتقاء باليد. وأنى له أن يرى جسدًا عاريًا وقد أعشاه شعاع شمسها بالأسعد؟ أو أعشاه شعاع ما يخشاه من سطوة النعمان وغيرته؟ من أجل هذا ما نرى ما ذكرناه لك من أن حركة النصيف على سرعتها وارتياعها ثابتة. ذلك
стр. 1369
بأن النابغة إنما وصف بهذه الحركة حال انفعاله هو حين رأى ما رأى، فريع، دون حركة التمثال ذي السمط الواقف بين سجفيه يشع ما يشع من بريق وألق. وهذا أيضًا يقوي الذي زعمناه من نظر النابغة واستفادته من تمثال أفروديت ذات الثوب، إذ ذلك المثال في حركته المقترحة أشد إظهارًا لدهشة الناظر إلى أفروديت منه لجزع أو ارتياع يكون منها.
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
بمخضبٍ رخصٍ كأن بنانه ... عنمٌ على أغصانه لم يعقد
ورواية الاقواء «يكاد من اللطافة يعقد» - وهنا نظر إلى قول امرئ القيس:
وتعطو برخصٍ غير شئنٍ كأنه ... أساريع ظبيٍ أو مساويك إسحل
وصورة امرئ القيس متحركة وهذه التي يصفها النابغة ثابتة. ثم فيها ارتياح من الذي كان فيه من دهشة سقوط النصيف. والبنانات من اليد التي اتقت بها صاحبة النصيف فيهن كما ترى ههنا سكون وامتداد، فهذا قوله «يكاد من اللطافة يعقد» أو قوله «لم يعقد» على تجنب الأقواء، ورواية الأقواء أجود إذ لا تكلف فيها وفي الأخرى جهد، وواضح قصد وعمد إلى التجويد. والاستراحة التي زعمنا في تأمل بنانات التمثال لا تخفى والخضاب استعارة من كف المتجردة- أعني أنه التفت مغضيًا عن المتجردة إلى صورة التمثال التي في ذاكرته، وخضبها بتخضيب كف المتجردة.
ثم بعد هذه الاستراحة نظر مرة أخرى إلى المتجردة أو قل رجع ليعطينا صورة النظرة التي ارتاع عنها إلى صورة التمثال والنصيف وما في ذلك من كناية.
والروعة، كما لا يخفى، منبئة باشتهاء.
ورجع النابغة إلى النظرة التي كان بدأ بها نعته:
نظرت إليك بحاجةٍ لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجود العود
стр. 1370
وهذا بيت لو غار منه النعمان لأصاب، على ما فيه من ظاهر رقة وبراءة. وأحسبه هو، دون سواه الذي أحفظ المنخل اليشكري. إذ هذه النظرة التي يصفها النابغة نظرة «أحوى أحم المقلتين»، عميقة في معنى الاشتهاء والحرمان. اشتهاء الشاعر وحرمانه، ثم اشتهاء هاته التي تنظر إليه وحرمانها. وإذن فكأن هذه الثيب الفاتنة المفتونة التي يجلوها النعمان، بكر -صفراء كالسيراء- «كبكر المقاناة البياض بصفرة» تلك التي نعتها امرؤ القيس.
وقال النابغة «بحاجة لم تقضها» فنص على معنى ما كنا فيه وفسر قوله آنفًا «أحم المقلتين» وسيفسر بعد قوله «أحوى». ولا يخفى أن هذه الحاجة في نفسه هو كما في نفسها، فتم ذرءٌ من تجاوب. ومن نحو هذا تكون الغيرة كما لا يخفى. وقوله «نظر السقيم إلى وجود العود» تفريع من المعنى، وزيادة تبيين وإطناب. ثم فيه كناية مذهلة. وذلك أن كل هذا البريق وكل هذا الإشعاع لا يتصور معه السقم وإنما يتصور كمال الصحة والعنفوان.
ولكن المتجردة في بهائها وفتنتها، حين يجلوها مثل مالكها الدميم الكز الخلقة المتهتك، بائسة حبيسة سقيمة، والنابغة إذ جيء به ليشاهدها كيما يخلد صورة حسنها، كأنما هو عائد أو عُواد- وقد فطن هو لمعنى ما نظرت به من نظرتها. والرثاء الذي استجاب به إلى ذلك المعنى تنضح عبراته من أثناء هذا التشبيه كما ترى.
والفرق بين ما صنعه «مانيه» وما صنعه النابغة أن مانيه جسد السقم النفساني، سقم الاشتهاء واللوعة. فجعل متجردته المستلقية كلها ضاوية مضناه بادية المرض في عينيها إعياء كالسأم الذي لا يبالي. والنابغة جعلها متربية تامة الخلق ريا، وحصر السقم كله في العينين وفي الفم كما سترى.
ثم كما أحاط النابغة رائعته القائمة بالألق والبريق، أحاط «مانيه» سقيمته بالسواد الشبحيّ الدامس، حتى أن العقد نفسه خرقة رباط سوداء.
стр. 1371
هذا، وكما كنى النابغة بذكر النظرة والحاجة والسقيم والعود، عن حاجة الفتاة وحرمانها وعن دخيل اشتهاء في نفسه أيضًا على النحو الذي قدمنا، صار كما ترى، في هذا التشبيه، بالذي كان ذكره من بريق الذهب وشعاع الشمس وانسطاع الدهشة من سقوط النصيف- صار بكل ذلك إلى ضوء أخفت، ضوء الدرة الصدفية البكر التي يطلبها الغواص، ثم إذا وجدها أهل وسجد. وهذا كما لا يخفى معنى مستكن في نظرة السقيم. وهو بعد ملائم ما سيلي من مغاص النعت الذي سيغوصه وخفاء سبيله ومداخله وشدة ما يخالطه من حرج.
تجلو بقادمتي حمامة أيكةٍ ... بردًا أسف لثاته بالإثمد
وهذا تأويل قوله آنفًا «أحوى» يعني صفة الفم.
وقد مر بنا الاستشهاد بهذا البيت في باب الحمام وباب الأثافي. والشفتان اللتان تشبهان قادمتي الحمامة مفعمتان مشتهيتان مشتهاتان ملتاعتان بلا ريب. وقد قابل النابغة هذا الشكو المثقل بحركة القادمتين وبهجتها تحكيان افترار البسمة. وفي هذا كما ترى بقية من ضوء ألق الذهب وشعاع الشمس وبرق الدهشة ولمع الدرة الصدفية، وآخره منتهاه عند ظلم الثنايا اللواتي استعار لهن البرد. ثم يصير الشاعر إلى إسفاف اللثات الأثمد الأدكن، أشبه شيء بهذا الشكو في الشفتين والسقم في العينين.
كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي
والأقحوان إعادة لمعنى ضوء البرد. والتشبيه جيد إذ فيه تنبيه على ألق الندى وثقله على المتفتح من أكمام الأقحوان. وفي العودة والتكرار لضوء البرد بالذي ذكره من ألق الندى على الأقحوان المثقل، كالوقفة عند هذه البقية الأخيرة التي بقيت من باهر ذلك الشعاع، الذي كان يعيشه، وكالاستراحة يستريحها عند هذه البقية، قبل أن يقدم ليبصر غير أعشى في ظلام دامس.
стр. 1372
وقد مهد للظلام بهذا الذي يذكره من جفاف الأعالي وندى الأسافل، جفاف ظاهر ألق الأسنان مع حوة الشفتين، وندى الثات التي عليها الأثمد. وقد سبق أن فصلنا جانبًا من هذا المعنى بمعرض الحديث عن الأثافي إذ ذكرنا أن الشماح لم يخل من نظر إلى النابغة حين قال:
أقامت على ربعيهما جارتا صفًا ... كميتا الأعالي، جونتا مصطلاهما
وقد سمج أحد السخفاء فضمن بيت النابغة هجاء رجل يدى جعفرًا وتماجن في سماجته فقال:
يا سائلي عن جعفرٍ عهدي به ... رطب العجان وكفه كالجلمد
كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي
وسنعرض لأمثال هذا في باب البديع إن شاء الله
هذا وإذا قد استراح النابغة وشعر أنه مقدم بعد الضوء الأخاذ على ظلام، أعفى بصره شيئًا، وجعل مكانه أذنيه:
زعم الهمام بأن فاها باردٌ ... عذبٌ مقبله شهي المورد
فقد اختفت صورة المتجردة وتمثالها كل الاختفاء كما ترى، ولم يبق إلا صوت الهمام، وحكاية قصة يقصها. والشاعر بهذا الصوت الدخيل وبهذه القصة المقحمة، يخادعنا أنه لا يرى ولا ينظر فيشتهي. ولا يغيب عنك أنه ذاك فعل. فهذا مكان تقية ومحاذرة كما ترى.
زعم الهمام ولم أذقه أنه ... عذبٌ إذا ما ذقته قلت ازدد
وهذا مبالغة في إسباغ الظلمة، ونفي لما عسى أن يحس من حسيس إيحاء بالنظر في البيت السابق. تأمل قوله «لم أذقه». ومستبين لديك أنه كالمبادرة من
стр. 1373
الشاعر إلى أن يقول «إن قولي عذب مقبله شهي المورد» ما حكاه لي الهمام، تفريعًا من قوله «بارد» وليس بأمر أحسسته أنا، وأنا أصفه ولم أذقه ولا يكون لي ذلك. وفي قوله «ولم أذقه» كالأمنية الخفية ومثلها يحتمل ولا يستنكر لأن مجراها مجرى القصة. حكى الهمام وشوق.
وحتى هذا الذي لا يستنكر يبادر النابغة إلى نفيه كل النفي بالإلحاح في تقرير القصة على لسان الهمام «عذب إذا قبلته قلت ازدد» ثم قوله من بعد:
زعم الهمام ولم أذقه أنه ... يُشفي بريَّا ريقها العطش الصدي
وهذا الاحتراس على ما فيه من مبالغة في التقية، وتأكيد أي تأكيد لما كان قرره من حكاية القصة في قول الهمام «عذب إذا قبلته قلت ازدد» يخفي في أغواره إيحاء من خفي إيحاء الشعراء، إذ ليس العطش الصدي في قوله «يشفى بريا ريقها العطش الصدي» إلا النابغة نفسه. ولا أكاد أشك -أيضًا- أنه نظر إلى التفاتة صاحبه امرئ القيس، حيث قال:
إذا التفتت نحوي تضوع ريحها ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
وقد ذكرنا لك آنفًا أن امرأ القيس إنما عني ريح أنفاسها، وهي ريا القرنفل يحملها نسيم الصبا. والنابغة قد جعل الريا للريق كما ترى.
هذا ثم أخذ النابغة يتحسس ببصره، بعد أن سمع، ويعتذر عن هذا التحسس:
أخذ العذارى عقده فنظمته ... من لؤلؤٍ متتابعٍ متسرد
مرة أخرى إلى النور.
وهو نور البرد ونور الأقحوان. وهنا تعلم أن ما حكاه النابغة على لسان الهمام
стр. 1374
كان نظرًا، إذ هو قد انتقلت عينه من بريق الأسنان إلى بريق العقد. هذا الذي يسطيعه هو، إذ التقبيل واللوعة وامتلاء الشفتين واثمد اللثات، كل ذلك للهمام لا له. وقوله «عقده» أي العقد الذي ينتمي إلى الفم- أي عقد الجد الذي ينتقل النظر إليه من بعد الفم، وهذا مذهب تعلمه في قصة الترائي.
ويجوز لك أن تقول أخذ العذارى لؤلؤًا فنظمته، فكأن لآلي ثغرها- وهذا عندي فيه تكلف وعناء. ولك وجه ثالث وهو قوي في مذهب؟ ؟ ؟ وما قدمناه يفيده وذلك أن تجعل الضمير في «عقده» يعود على النحر في قوله؟ ؟ ؟ لنظم في سلك يزين نحرها» ومهما يك من أمر فقوله «عقده» كما لو قال «عقدها» سواء بسواء. ولو قال «عقدها» -ولعلها رويت- لكان فيها ما في «عقده» من معنى الانتقال من ألق الأسنان إلى ألق اللؤلؤ.
وقد ترى أنه جعل العقد لؤلؤًا بعد أن كان ذهبًا وهاجًا، ولعله لم يكن إلا لؤلؤًا منذ البدء، وإنما جعله ذهبًا ليعشى دون العارية التي جليت.
ومن حذقه، لم يحل عقد الذهب لؤلؤًا مفاجأة، حتى تتساءل. ولكن تناساه. بل هو اختفى عن بصر الشاعر مع الذي اختفى من شعاع باهر، شعاع الشمس وشعاع الدهشة وهلم جرا.
وأخذ العذارى عقدًا آخرًا لينظمنه، وهو يتحسس ما سيرى ويصف في ضوء هذا العقد، وذلك ضوء لا يعشيه، بل يجعله يديم النظر ويمعنه ويحده، ولا حاجة به إلى أن يستكف وإلى أن يغض.
وجعل اللؤلؤ متتابعًا متسردًا ليقص حكاية نظم العذارى له في السلك، وتتابع لؤلؤة بعد لؤلؤة، فتنسرد مع أخواتها، والشاعر يستضيء بذلك فينظر.
وفي ذكر العذارى نفس من عذارى امرئ القيس، عذارى الدوار وعذارى
стр. 1375
دارة جلجل، على أن صورهن ههنا مقترحة معالمهن غامضات لا تستبان، لا كما تستبان الأشخاص في الظلام.
لو أنها عرضت لأشمط راهبٍ ... عبد الإله صرورةٍ متعبدٍ
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدًا وإن لم يرشد
وهذا اعتذار عن التحسس كما ترى. ثم فيه معنى الذكرى المتصل بمعنى ذكر الرهبان وصوامعهم وأضوائها التي تشب فيتنورها الناظر من بعيد.
وتشبه بتلك الأضواء نار الهوى كما تعلم، التي يستوقدها القلب. وقد رأيت صنيع امرئ القيس حيث قال:
تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارةُ ممسي راهبٍ متبتل
والراهب الصرورة المتعبد ههنا هو النابغة. وقد أضاء جمالها له الظلام، فرنا إليه لا يعشى
وقوله «نحسن حديث؟ ؟ ؟ » ثم تفريعه عند قوله:
بتكلمٍ أو تستطيع سماعه ... لدنت له أروى الهضاب الصخد
كل هذا في ظاهره محول على معنى الراهب، وفي حقيقته نعت لحال النابغة. وإنما كان حديثها نظرة السفم إلى وجوه العود. ولقد رثى لتلك النظرة. ولو قد يستطيع لأوى إليها كما تأوى أروى الهضاب إلى لذيذ ما تسمع.
وقوله «لو تستطيع سماعه لأوت له» دقيق غاية الدقة. وكان يكفي في المبالغة لو يقول «لو سمعته لأوت له» ولم يكن ليعجزه ما يستقيم به الوزن على هذا المعنى.
قال سويد يبالغ كما مر بك:
ودعتني برقاها إنها ... تنزل الأعصم من رأس اليفع
فأضرب حتى «عن لو».
стр. 1376
وإنما ذكر النابغة «تستطيع» ليكني عن نفسه، إذ هو قد سمع، ولان قلبه لما سمع، ولكنه لا يستطيع أن يذكر فيما بينه وبين نفسه أنه سمع، حتى يترتب على ذلك أن يتجاوز الرثاء إلى الإيواء. وفي هذا من التقية ما لا يخفى. والأروى جمع أروية وهي من وعول الجبال، زعموا أنها تطرب للصوت الحسن، فتنزل إليه فتأخذها الحبالة، ولولا هذا من ضعف رقتها لم يكن إلى صيدها سبيل لأنها تقطن أعالي الذرى. والصخد جمع صاخدة صفة للهضبة. أي الهضات ذات الحر اللافح.
هذا، وقول النابغة «لرنا لبهجتها» آنفًا فيه نظر إلى قول امرئ القيس «إلى مثلها يرنو الحليم صبابة» - وذلك البيت كما تعلم قد وقع بعد بيت الراهب في معلقته بيسير. قال امرؤ القيس:
تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارةُ ممسي راهبٍ متبتل
وتضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
إلى مثلها يرنو الحليم صبابةً ... إذا ما اسبكرت بين درعٍ ومجول
فهذا يؤكد عندك الذي زعمناه من أن النابغة قد جعل من المتجردة نفسها ضوءًا يضيء له الظلام بعد أن استعان بالسماع، ثم أحس بصيصًا من لمع في عقد اللؤلؤ وألق الثنايا. وإذ الذي مكنه من الاستضاءة بها هو رمز الراهب وما يحيط به من معنى النار والتنور، كما رأيت، وإذ رمز الراهب هذا نفسه هو الذي ساقه في معرض الاعتذار عما هو مقدم عليه من نعت في الظلام «ولخاله رشدًا وإن لم يرشد» وإذ هو نفسه الراهب الذي رنا، وود لو أوى، ويمنعه أنه لا يستطيع، من أن يأوي، -إذ ثبت جميع هذا عندك، فإن لك أن تجعل اعتذاره أيضًا من معنى ما يستضيء به- وفي هذا من التقية والحرج كما فيه من الافتنان والإيحاء الصادق الشريف اللوعة. وبعد النظرة السقيمة ذات الحديث، رنا النابغة إلى الشعر:
وبفاحمٍ رجلٍ أثيثٍ نبته ... كالكرم مال على الدعام المسند
стр. 1377
والشعر ظلام كما ترى. وقوله فاحم رجل أثيث نبته كل ذلك يزيد معنى الظلام ويقويه. ثم خلط النابغة صورة سجفى الكلة بالشعر، وهذا ما ينبغي بعد أن زال البريق والشعاع المعشى.
وجعل من المتجردة دعامًا مسندًا تميل عليه دوالي الكرم.
ونزعم أنه خلط بين الشعر وسجفى الكلة، لأن التمثال كان يشع من بين السجفين فقد صار مكانه ومكانهما هذا الدعام المسند وهذه الدوالي.
وقد كانت الدمية المرمرية، وهي المتجردة، كما تذكر، مرفوعة يتألق مرمرها افوق قاعدة متينة من «آجر يشاد» أي يطلى بالجص، -وهذا نفسه لا يخلو من ألق من- و «قرمد»، وهذا ذو رونق وقوة وشيء من خفي لمع.
فقد صارت تلك القاعدة المتينة دعام كرم، يهم أن يتداعى، فيسند، والظلام يحيط بها. ظلام الشغر، والسجفين. وفي قوله «الدعام» بعد شيء من تذكيرنا بالقوام الممشوق المحكم، حتى لا يوقع معنى التداعي المسند في أنفسنا صورة البادئة أخت الفراش. لأن الدعام في ذات نفسه قوة وتماسك. وكذلك جسد المتجردة.
ثم يصير النابغة بعد إلى ما تعلم من قوله «وإذا لمست». واللمس ظلام محض. وقد قيده بالشرط «إذا»، فلم يغفل عن إشعارك أنه إنما يصفها وهي قائمة بين سجفيها لا غير، كما أراده النعمان أن يقول. ورجح المعري أن يكون الضمير بالضم، وهذا دقيق منه في باب النقد. وقد زعم أن ضم الضمير، بأن يجعل للمتكلم، يُنبئ أن الأمر حكاية على لسان النعمان (١). هذا، ثم في آخر الأبيات الستة، عند قوله «بلوافح مثل السعير الموقد» كأن النابغة يرجع بنا إلى صدى من قوله «كالشمس يوم طلوعها بالأسعد»، و «الشمس آلهة» الخصوبة كما قدمنا. ولك بعد
стр. 1378
أن توازن بيت المقطع بالترنم الذي في بيت المطلع، لترى كيف ارتباط القصيدة ربطًا حق وثيق.
هذا، وننبه ههنا أيضًا إلى تهيئة النابغة جو الظلام قبل نعته في الأبيات الستة. إذ مثل صنيعه هذا معنى لم يفتأ الكاتب الإنجليزي د. هـ لورنس، يبدئ فيه ويعيد، حتى لقد بلغ من مزاعمه في هذا الباب أن يقول أن تداني الحبيبين طلب ظلام لظلام لا يبلغ أوج الصدق إلا مع الظلام البحت. وقصته الفتاة الضائعة، وغير ذلك مما قص وكتب يبين هذا المعنى كل تبيين.
ولورانس مخطئ في إلحاحه على معنى ظلام النفس وظلام الدم وجعل ذلك دامسًا حتى لا بصيص من ألق فيه. وقد نبه برتراند رسل على هذا من خطئه، وربطه بعقائده الفاشستية وقد ترى أن النابغة حين هيأ الظلام جعل له نورًا من الحبيبة نفسها كما فعل امرؤ القيس حيث قال:
تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممسى راهبٍ متبتل
فظلام الهوى، عنده كما عند امرئ القيس وعند سواهما ممن تبعوهما من شعراء العرب، هو نفسه ضوء يضيء منه ظلام الحياة، ولا غرو أن يصدر هذا ممن كانوا يجعلون الشمس والقمر والنيرات والنيران من رموز الهوى وأوثانه المعبودات (١).
هذا، وننبه بعد على مقابلات النابغة التي تتكرر في صور مختلفات مدلولهن جميعهن إشراق الجمال على ظلام الهوى: صورة الدمية المرمرية وقاعدة الآجر، وصور الأقحوانة الضاحية والكم الندي، وصورة الثنايا الألقات واللثات الحم ذات الريا، وصورة جناحي الحمامة يرفرفان ببهجة البسمة، والفم الأحوي ينوء
стр. 1379
بالشكوى وصورة الغصن ذي الغلواء، والدعام المسند، وصورة الشمس بالأسعد، والأبيات الستة. ثم اذكر مع هذا في معنى الآجر والقرمد من معاني الأثافي. وهذا يقوى عندك ما كنا ذكرناه عن بيت الشماخ الذي ألمع به منذ حين:
أقامت على ربعيهما جارتا صفًا ... كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما
وحسبنا هذا القدر من التفصيل عن نموذج الخمصانة المتجردة كما جاء به النابغة. ومما جاء مختصرًا على مذهب النابغة، والتجريد مفهوم فيه ضمنًا، بالرغم من ظاهر الكساء، قول ابن الخطيم:
تبدت لنا كالشمس تحت غمامة ... بدا حاجبٌ منها وضنت بحاجب
ولم أرها إلا ثلاثًا على منىً ... وعهدي بها عذراء ذات ذوائب
وهذا كأنه اعتذار عن الإشعار بالتجريد في البيت الأول.
وقال وذكر العقد والنظرة:
تراءت لنا يوم الرحيل بمقلتي ... غريرٍ بملتف من السدر مفرد
والتفاف السدر ههنا كسجفي الكلة:
وجيد كجيد الرئم حالٍ يزينه ... على النحر منظومٌ وفضلٌ زبرجد
والذي اختصر على مذهب امرئ القيس كثير، وقد رأيت نظر النابغة إليه، وسترى إن شاء الله في باب القصص عندما نصير إليه.
وقال الأعشى:
مبتلة هيفاء رودٌ شبابها ... لها مقلتا رئمٍ وأسود فاحم
ووجه نقيُّ اللون صافٍ يزينه ... مع الحلي لبات لها ومعاصم
وتضحك عن غر الثنايا كأنه ... ذرى أقحوانٍ نبته متناغم
стр. 1380
والنظر هنا إلى امرئ القيس والنابغة وطرفة حيث قال.
ووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه نقيّ اللون لم يتخدد
جلي واضح. والأبيات في وصف هريرة، وهي كما تعلم من قوله «هر كولة فنق درم مرافقها» - وهو بدن بين. وأحسب أنه بتلها تبتيلاً ههنا، لأنها رحلت وحيل دونها، أو كما قال:
هي الهم لا تدنو ولا يستطيعها ... من العيس إلا الناجيات الرواسم
وقد تذكر ما قدمناه من أن الهيفاء للمرأى لا للوصل.
على أن هريرة بين بوادن الأعشى، أقربهن إلى الخمصانة ونأمل أن نعرض لهذا المعنى حين نصير إلى ما يبالغ فيه الشعراء من نماذجهن.
والآن ننتقل إلى نعت البادنة.
البادنة:
وهي تكسى وتجرد. فمن أمثلة كسائها قول النابغة:
تلوث بعد افتضال الدرع مئزرها ... لوثًا على مثل دعص الرملة الهاري
وقال الأعشى عن هريرة:
هركولةٌ فنقٌ مرافقها ... كان أخمصها بالشوك منتعل
وقد وعدنا العودة إلى هذا إن شاء الله.
وقال الأعشى أيضًا:
يوم أبدت لنا قتيلة عن جيدٍ تليعٍ تزينه الأطواق
وشتيتٍ كالأقحوان جلاه الطل فيه عذوبةٌ واتساق
وأثيثٍ جثل النبات ترويه لعوبٌ غريرةٌ مفناق
стр. 1381
أي بادنة، وهذا محل الاستشهاد.
حرةٌ طفلة الأنامل كالدميمة لا عابسٌ ولا مهزاق
والمهزاق الكثيرة الضحك. ونعت الأخلاق هنا لا يخفى، يعني الأعشى أن قتيلته مهذبة مؤدبة ليبية. والنموذج مكسو كما ترى.
وقال حسان فكسا وجرد:
تبلت فؤادك في المنام خريدةٌ ... تسقي الضجيع بباردٍ بسام
كالمسك تخلطه بماء سحابةٍ ... أو عاتقٍ كدم الذبيح مدام
يصف قبلتها له في المنام، يشبهها بالخمر الحمراء يمازجها المسك والماء وقوله بسام صورة ما قبل القبلة كما ترى.
نفج الحقيبة بوصها متنضدٌ ... بلهاء غير وشيكة الأقسام
وقد مر الحديث عن نعت السجايا في عجز البيت ومقابلته ما في صدره. والنموذج مكسو ههنا. والحقيبة عني بها كفلها، إذ هو لما تبديه الثياب منه، كأنما هو شيء تحتقبه لا جسم من جسمها. وقوله نفج الحقيبة أي كفلها ينفج ثوبها لامتلائه. وقوله «بوصها متنضد» تفصيل وشرح لحالة النفج التي ينفج بها كفلها الثوب. والبوص بفتح الباء وسكون الواو وبضمها أيضًا هو الكفل. متنضد أي أطباق، وإنما عني أطباق الثياب من فوقه، تنم على اكتنازه.
بُنيت على قطنٍ كأنه ... فضلاً إذا قعدت مداك رخام
والنموذج هنا مجرد حي. أحدث فيه الحياة بحركة القعود على ما يخالطها من ثبات وسكون. والقطن لحم الورك إلى حيث يلقي الظهر. وأجم أي لا تبدو منه عظام ناتئة وفضلاً حال من الضمير في كأنه الراجع إلى القطن. وحسان يوهمك أنها قعدت
стр. 1382
فضلاً فانكشف وركها وأتم هو صورة الورك إلى الظهر، وإنما جرد الورك كما ترى؛ ثم شبه تماسكه وامتلاءه وبريقه ونعومته، كل ذلك بمداك الرخام، والمداك الحجر الذي يسحق عليه الطيب. والرخام فيه إشعار بعظم حجم كما فيه الملاسة والألق.
وتكاد تكسل أن تجيء فراشها ... في جسم خرعبةٍ وحسن قوام
أما النهار فيمام افتر ذكرها ... والليل توزعني بها أحلامي (١)
ثم أخذ بعد في حديث بدر الكبرى وفرار الحارث بني هشام
هذا،
وجاء امرؤ القيس بالبادنة المتجردة في قصيدته أخت المعلقة
ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وأسماها سلمى. وهذا مشكل إذ أول القصيدة ينعتها خمصانة، وهذا تمهيد، كالذي مهد به من الحبلى والمرضع والشحم كهداب الدمقس المفتل في المعلقة قبل أن ينعت بيضة خدرها الضامرة.
وهنا البادنة لا شك فيها ترتج عند الحركة. وقد أتبعها امرؤ القيس نعت عذارى خماص، جعلهن بإزاء العذارى البادنات في المعلقة، وذلك قوله:
وبيت عذارى يوم دجنٍ ولجته ... يطفن بجباء المرافق مكسال
الأبيات وسنلم بها إن شاء الله.
ولنا في تأويل هذا الإشكال وجوه. منها أن هذه اللامية تتمة للاميته «قفا نبك» فمن حيث انتهى هناك ابتدأ هنا. وقد تذكر أنه انتهى هناك بقوله «يضيء» الفراش وجهها لضجيعها- نعني منتهى نعت نموذج بيضة الخدر.
стр. 1383
ويدلنا أنها فتاة المعلقة نفسها ضمر ما يصفه في الأبيات الأوائل وبخاصة قوله «بآنسة كأنها خط تمثال». وصيرها بادنة فيما بعد لانتقاله من المنظر إلى اللقاء. ويكون اللقاء تأويل قبوله: «تجاوزت أحراسًا إليها» فلم يرنا كيف تجاوز الأحراس، على هذا التأويل في المعلقة، وإنما أراناه في اللامية، وتكون الأحراس هي نفسها، ويكون شاهد ذلك قوله:
وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبةً أي إذلال
ويقوي هذا الوجه، أن البدن الذي يصفه ههنا متماسك، وفيه صفات من صفات الضمر، فعسى هذا أن ينبئ بوحدة الشخص المنعوت.
ويقويه ما قدمنا من كناية الخمصانة عن المنظر والبادنة عن غيره وقد تكون هي نفسها موصوفة في حالين. وهذا لا ينقض ما نحن بصدده مما ينشأ في الأداء من اختلاف، عند نعتي البادنة والخمصانة، وإن يكن المدلول واحدًا.
ويقوي ما قدمناه وما نزعمه من أمر الكناية، قصة المعري التي ساقها في رسالة الغفران، حيث زعم أن ابن القارح صار إلى جنة الحور، فانفتحت له إحدى ثمراتها عن حورية تبهر، فسجد لله شاكرًا، ومعظمًا لما رأى من عجيب قدرة الله ويقول (١) «هذا كما جاء في الحديث: «أعددت لعبادي المؤمنين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، بله ما اطلعتم عليه» - (وبله في معنى دع وكيف). ويخطر في نفسه وهو ساجد أن تلك الجارية- على حسنها- ضاويةٌ- فيرفع رأسه من السجود، وقد صار من ورائها ردفٌ يضاهي كثبان عالج، وأنقاء الدهناء، وأرملة يبرين وبني سعد فيهال من قدرة الله اللطيف الخبير، ويقول: يا رزاق المشرقة سناها ومبلغ السائلة مناها، والذي فعل ما أعجز وهال ودعا إلى الحلم الجهال، أسألك أن تقصر بوص هذه
стр. 1384
الجارية على ميلٍ في ميل، فقد جازيها قدرك حد التأميل. فيقال له: أنت مخير في تكوين هذه الجارية كما تشاء. فيقتصر من ذلك على الإرادة. أهـ».
وكأن المعري بقصته هذه يشرح لنا بعض الذي كنا فيه من مذهب العرب في الجمال. إذ الحورية كما ترى ضاوية، وهذه صنعة الله الأولى والمثل الأعلى. ثم بعد أن يعجب ابن القارح لجمالها ويخر ساجدًا، تساوره الرغبات فيود لها عجزًا أضخم. ويسخر المعري من هذا العجز الضخم الذي يُلصق بالضامرة، فيجعله كرمل عالج. وحين يرتاع له الشاعر، يطلب أن يجعل ميلاً في ميل، والميل مدى نظر البصر، وهذا لعمري شيء عظيم، وإن كان دون رمال ويبرين.
وقد ترى أن الحالتين توالتا بقدرة الله في خيال المعري، وهو كما قدمنا يشرح أخيلة الجاهليين، على شخص واحد. فعسى هاذ أن يقوي ما زعمنا من أمر الكناية في حديث امرئ القيس.
ووجه ثان أن تقول إن سلمى فتاة المعلقة والبادنة غيرها، وسماها سلمى على طريقة الشعراء إذ يطلقون على الفتيات سلمى وسعدى وليلى ترنمًا، وهذا يشمله ما تقدم. ووجه ثالث أن يقال إن في صفات البادنة ما يشعر بإرادة أم جندب، فاحتاج امرؤ القيس إلى أن يسميها سلمى باسم الخمصاء ليدفع هذا الوهم، حتى لا يُظن أنه هو البعل الذي يهذي وليس بفعال. والوجه الأول يتسع أيضًا لهذا المعنى. وعسى أن يكون في فتاة المعلقة شيء من معنى أم جندب.
والتأويل بعد ذو سعة وسننبه على مواضع منه حين نعرض للأبيات، وهذا حين ذلك إن شاء الله.
قال امرؤ القيس في أول قصيدته:
ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وهل يعمن إلا سعيدٌ مخلدٌ ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال
стр. 1385
وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال
ديارٌ لسلمى عافيات بذي الخال ... ألح عليها كل أسحم هطال
وقد اضطرب الشراح في «من هذه» إذ الشاعر يتحدث عن طلل، قال صاحب الخزانة: «وقوله: وهل يعمن، هو استفهام إنكاري استشهد به ابن هشام في شرح الألفية، على أن من يستعمل في غير العقلاء. وقال العسكري - في كتاب التصحيف- اختلفوا في معناه لا في لفظه، فقال الأصعمي: اللفظ على مذهب أنت يا طلل قد تفرق أهلك وذهبوا، فكيف تنعم بعدهم؟ أو المعنى، كيف أنعم أنا فكأنه يعني أهل الطلل».
قلت وكلام الأصمعي نص شاهد في الذي نذهب إليه من أن امرأ القيس لم يعن بالطلل إلا نفسه وذكرياته ويدخل فيها عهد الطلل وأهله. تأمل قوله: «كيف أنعم أنا فكأنه يعني أهل الطلل».
والمعنى فكيف ينعم من كان زمان نعمته في العصر الذي خلا. وكيف ينعم من ليس له عهد بحبيب أو أنيس في هذه الثلاثين شهرًا التي مضت منذ ثلاثة أحوال، ودأب العرب في التفرق دون العام أو العام من الموسم إلى الموسم؟ ومن فسر الأحوال بجمع الحال لا الحول واهم لا ريب. وكيف ينعم إلا سعيد مخلد والناس كلهم إلى الفناء؟ وأنا فان أو كما قال في الرواية التي لم يذكرها صاحب الدواوين الستة:
ألا إنني بالٍ على جملٍ بال ... يسير بنا بالٍ ويتبعنا بال
وهي في الديوان الذي جمعه السندوبي. والسياق يشعر بصحته لامرئ القيس وإن لم يكن له وكان منتحلاً فهو بمنزلة الشرح والتفسير.
وفسر بعضهم المخلد بالمقرط وهو على ضعفه إشارة إلى الحبيبة. وأجود منه أن تجعل معنى المخلد غير الفاني، كما هو ظاهر، ثم تجعل المخلد بمعنى ذي الأقراط
стр. 1386
ظلاً له. ويكون هذا كقول عمر بن أبي ربيعة:
وأعجبها من عيشها ظل غرفهٍ ... وريان ملتف الحدائق أخضر (١)
ووالٍ كفاها كل شيء يهمها ... فليست لشيء آخر الليل تسهر
وتنبه ههنا إلى أن «الخالي والبالي» تتجاوب أصداؤه في القصيدة من أولها إلى آخرها، كما تتجاوب أصداء النغمات الرئيسية في «السمفونية» الموسيقية الإفرنجية المحكمة.
وقد جعل امرؤ القيس طلله الذي حياه، وهو نفسه، باليًا في غير ما موضع، خاليًا من غير ما أنيس منذ عصرٍ خلون، ثم جعله ديارًا لسلمى عافيات، في موضع اسمه ذو الخال وهو خال- وقد همى عليها كل أسحم هطال، هذا الأسحم الهطال أي السحاب الأدكن الممطر، قد عفاها، وقد سقاها، فهو تحيته التي حياها بها، وهو الذكريات التي تهمى عليه من تذكرها.
وتحسب سلمى لا تزال ترى طلا ... من الوحش أو بيضًا بميثاء محلال
وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا ... بوادي الخزامى أو على رأس أوعال
ليالي سلمى إذ تريك منصبًا ... وجيدًا كجيد الرنم ليس بمعطال
وههنا لدينا من أوصاف المعلقة طلا الوحش تذكر قوله: «بناظرة من وحش وجرة مطفل». وعندنا البيض بالميثاء كما في المعلقة بيضة الخدر، إلا أنه هنا جعلها بميثاء محلال. والميثاء الرملة الناعمة، والمحلال التي يحلها الناس، فحف البيضة كما ترى ببيضات في ميثاء، وهذا فيه أصداء من قوله فيما بعد:
وبيت عذارى يوم دجنٍ ولجته
كما فيه أصداء من عذارى المعلقة
стр. 1387
ومن أوصاف المعلقة إذ تريك منصبًا وهو نعت للجيد والثغر معًا، وقوله أيضًا «كجيد الرئم ليس بمعطال». أليس يذكرك بقوله: «إذا هي نصته ولا بمعطل»؟
ووادي الخزامى ورأس أوعال محل نظر، إذ كلاهما في الظاهر موضعان. وفي وادي الخزامى نفس من بطن الخبت الذي تجاوز بها الحي إليه، وحين التفتت تضوع ريحها فيه.
نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
وفي رأس أوعال كناية عن الصعاب، إذ الوعول لا تنال، ويقال للهضبة أم أوعال كناية عن عسرها لمن يروم صودها. وقد زعم أنه تجاوز الأحراس والصعاب في المعلقة كما رأيت. ثم وصف السيل في آخرها، وفيه كناية عن نفسه كما في الحصان المنجرد (١)، فقال:
وتيماء لم يترك بها جذع نخلةٍ ... ولا أطما إلا مشيدًا بجندل
ومر على القنان من نفيانه ... فأنزل منه العصم من كل منزل
والعصم هي الوعول وهي ساكنات الهضاب، وبها قد يكنى عن الصعاب. وأحسب أنا قد بينا ما نراه في غير هذا الموضع، من أن فاعل «تحسب» هو ضمير المخاطب، يعود على امرئ القيس، ويجوز على ضعف جعله يعود على سلمى.
أي أنت ترى بعين الوهم أيام سلمى حين إذ هي كالظبي وإذ أنت تصيد الوحش وتنال البيض المكنون وهلم جرا.
وهذا الإيغال في الذكرى حتى يرى في ظلامها من بعيد، جيد سلمى الأتلع، ذا القلادة، وقامتها السمهرية، ويتنورها، وهو مغترب بأذرعات، وهي بيثرب أدنى
стр. 1388
دارها نظر عال، - هذا الإيغال يذكره حديث البسباسة إليه.
وهذه البسباسة يخبرنا في الرائية عنها أنها ابنة يشكر- فعسى أن تكون هي أم جندب، بدليل أن ديار بكر، -ويشكر منهم، - لم تكن بعيدة من ديار بني تميم رهط علقمة، منافسة في أمر أم جندب.
وحديث البسباسة إلى امرئ القيس شبيه بحديث أم جندب الذي نقله الرواة حيث اتهمته بأنه بطيء الإفاقة إلى آخر ما قالته. وهو عينه قوله ههنا:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي
وإنما أذكره الإيغال في الذكرى حديث البسباسة، ليقول لها، بهذه التي أراها جيدها أتلع وقوامها لدن شطبٌ، قد تمتعت، ففيم تغايظينني؟
أم لعل حديث البسباسة هو الذي أثار الذكرى، على وجه الاحتجاج والتسلي؟
أم البسباسة هذه امرأة أخرى غير أم جندب، لقيها بالشأم- وهذا بعيد، لأن قوله في الرائية:
له الويل إن أمسى ولا أم هاشم ... قريبٌ ولا البسباسة ابنة يشكرا
يعلمنا أنها كانت في دهر ملكه الأول وبلاده، في نجد وبني أسد وتميم وكندة، وليست بالشأم.
وقال يجيب البسباسة وهو ينظر إلى وجه التي بيثرب:
فيا رب يوم قد لهوت وليلةٍ ... بآنسةٍ كأنها خط تمثال
أي ضامرة مجدولة كالتمثال. ثم يجيء حيث انتهى وصف المعلقة:
يُضيء الفراش وجهها لضجعيها .... كمصباح زيتٍ في قناديل ذبال
стр. 1389
كأن على لباتها جمر مصطلٍ ... أصاب غضى جزلاً وكف بأجذال
وهبت له ريحٌ بمختلف الصوى ... صبا وجنوبٌ في منازل قُفال
وهذه الأبيات ظاهرها وصفٌ وباطنها ذكرى محضة. ولما شعر امرؤ القيس أنه استحوذت عليه الذكرى، رجع إلى البسباسة، فكادها بحديث امرأة أخرى:
ومثلك بيضاء العوارض طفلةٍ ... لعوبٍ تنسيني إذا قمت سربالي
وسرباله ثوبه، وسرباله نفسه- قال تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾. وعلى معنى النفس تكون التي أنسته سرباله هذه التي استحوذت عليه ذكراها.
على أن الأخرى والبسباسة، إن صح أنها غير الأخرى التي سينعتها بعد، كلتاهما تنسيانه سرباله، ثوبه أو نفسه.
هذا وشاهد الذكرى في الأبيات اللاتي مضين قوله «تضيء الفراش» - وفي هذا معنى النار التي يراها الناظر من بعيد، وهمًا أو حسًا والوهم أغلب في مذهب الشعراء.
وقد قال؟ ؟ ؟ المعلقة كما تذكر:
تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممسى راهبٍ متبتل
فجعلها؟ ؟ ؟ جدًا وجعل نفسه الراهب المتبتل. وهنا جعل المتبتل ضجيعًا وقرب ضوء المصباح حتى ذكر زيته وذباله. وكأن هذا كما قدمنا استمرار في قصة المعلقة. على أن ذكر المصباح في حد ذاته منبئ بالبعد، إذ امرؤ القيس يدنيه فيذكر الزيت والذبال بعلمه مما رأى في المصابيح، ليدل على جودته، وليس في الزيت والذبال نفسه كبير جمال يدنيه المرء ليتأمله. ثم قوله: لضجيعها: مما يشعر بضجيج آخر، ويكون في هذا يخاطله نفسٌ من أسى. وإن كان امرؤ القيس ذلك الضجيع، فقد جعل نفسه كضجيع آخر، ليحدث معاني الحسرة والبعد.
وقد زاد امرؤ القيس البعد قوة في البيت التالي: (كأن على لباتها) وإن يك ظاهره كأنه مداناة. ذلك بأنه كساها، كعهده بها إذ خرجا وهي تجر ذيل مرطٍ مرحل أم حين فاجأها وقد نضت لنوم ثيابها. ودليل أنه
стр. 1390
كساها، جعله لباتها تتوهج كالجمر الذي أصاب خشبًا جزلاً من خشب الغضى، (وقالوا إنه شديد الاحتراق)، فالتهب فكف بأجذال، أي بأخشاب من أصول الشجر غلاظٍ، بطيئة الاحتراق شيئًا ما. فاحتبس عالي اللهب تحت هذه الأجذال، وجعلت ألسنته تتطاير وتمتد من خلال ما بين الأجذال. والمصطلي يصطلي ويبهره حسن ما يصطلي به. وليس المصطلي إلا امرأ القيس.
فهل يا ترى أراد بهذه الصورة نعت ما قدمناه، من مفاجأتها متلهبة اللبات في لبسة المتفضل، ثم كفت ذلك بدرعها المرحل، حين لبسته لتخرج؟
ومهما يكن فهذا الكف، من أجذال أو درعٍ ملبوس، لم يمنع سنا النار من الارتفاع، لأنها قد هبت لها الرياح من الجهات المختلفات، صبا وجنوب. فأكلت الأجذال وعلت واعتلت وأضاءت لضجيعها الفراش- ولكن من أين؟ من الوهم. لأنها نار في منازل قفال، يرونها من بعيد، يتشوقون إليها، كمصابيح الرهبان التي تشب لقفال. والقفال امرؤ القياس لأنه لم يقفل ولكن يتمنى ولا يكاد.
وهنا موضع الالتفات إلى البسباسة كما تقدم. وفي قوله «لعوبٌ تنسيني إذا قمت سربالي» ما ذكرناه لك من وجوه التأويل. وفيه أيضًا مفاكهة لها- فهل هي الآتي وصفها من بعد- وهو وصف بادنة متجردة كما سنرى: ؟
إذا ما الضجيع ابتزهامن ثيابها ... تميل عليه هونةً غير مجبال
أم هو رجع إلى فتاة المعلقة، يزعم ههنا أنه تجاوز إليها الأحراس فابتزها من ثيابها، فصارت برديتها غصنًا ذا شماريخ وحقافها من العقنقل حقفًا يمشي فوقه الوليدان من لينه وتسهاله.
стр. 1391
أم داخل أمانيه وتجاربه من فتاة المعلقة في هذا النعت وهو لأخرى لعلها كما قدمنا أم جندب أو مخالطٌ لنعتها نعت أم جندب؟ وقوله «تميل عليه هونةً» فيه صدى من قوله في المعلقة: «هصرت بفودي رأسها فتمايلت» وقوله: «غير مجبال» يوقف عنده. فهو إما تأكيد لمعنى «هونةً» وإما نفي للغلظة والخشونة المعنوية والحسية أيًا كانت، وإما هذان المعنيان معًا. ثم هو لا يخلو من تعريض. وأحسبه عرض بأم جندب، كأنه ينفي قوله فيها، من البائية:
ولا ذاتُ خلقٍ إن تأملت جانب
فغير المجبال غير جانب أيضًا.
وهذا التعريض، يجوز أن تحمله على معنى الفكاهة التي في قوله: «لعوب تنسيني إذا قمت سربالي» -أي أنت حقًا غير مجبال، وإن بدا منك ذاك الآن. ولكنك هونةٌ كحقف النقا. أي قوز الرمل الناعم- كما قال في البيت التالي:
كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه ... بما احتسبا من لين مس وتسهال
وظاهر هذا البيت وصف شديد التأمل للجسد المتجرد، ولاسيما الردف، إذ هو أكثر ما يشبهونه بالحقف والدعص والكثيب، مع تفصيل يوشك أن يكون فاضحًا، بهذا الذي يذكره من مشي الوليدين، ويوشك أن يقترح الشهوة.
وفي البيت بعد معانٍ أُخر. ذلك بأن مشية الوليدين فيها غفلة، شاهد ذلك قوله: «بما احتسبا من لين مس وتسهال». ولا ريب أن ههنا إيحاء بتجربة أحسها امرؤ القيس من مشاهدة طفل واحد، أو أطفال. وأستبعد أن يكون رأى طفلين. وإنما جعلهما طفلين ليعطيك -مع تأمل الوصف الذي قدمنا عنه- معنى من روح المباراة التي تكون بينهما، إذ هما يستنان مصعدين، ملتذين بلين الحقف الناعم المتماسك تحت أقدامهما الصغيرة، منهمكين في هذا الالتذاذ غافلين به عن أنفسهما، مع تباريهما، غفلة تتجاوز
стр. 1392
نشوة المرح، إلى الرضا الخالص الساذج، الذي هو سعادة الأطفال- سعادة قلما تتاح للكبار، إلا إذا فنوا لحظةً معهم كما فنى امرؤ القيس. هذا. ثم في جعله إياهما طفلين، رمزٌ وإشعار بخصوبة الموصوفة. وأنت تعلم خبر البكر الخالدة التي لقيها أبو زرع (في حديث أم زرع) تسعى بغلامين كالفهدين، يلعبان تحت خصرها برمانتين، فتبعها وتزوجها وطلق أم زرع (١).
ثم كأن غفلة الوليدين هذه من صفة الموصوفة إذ مالت هنيهة غير مجبال، كحقف النقا، وهي أغفل ما تكون عما تسخو به من جمال. وأحسب حسان بن ثابت نظر إلى ههنا حيث قال:
نفج الحقيبة بوصها متنضد ... بلهاء غير وشيكة الأقسام
وقد مضى القول فيه.
ثم في ذكر الوليدين ولين المس والتسهال، إيماءٌ بالأمومة والمأوى وامرؤ القيس يطلب ذلك ويلتاع إليه. ومع هذا الإيحاء الملتاع هذا النقا اللين، بما يحتسبه عنده من لين مس وتسهال. وهنا يصير امرؤ القيس هو الوليدين على معنى الانهماك، كما
стр. 1393
صارت حسناؤه هي الوليدين، على معنى الغفلة، فتأمل:
لطيفةُ طي الكشح غير مفاضة ... إذا انفتلت مرتجةً غير متفال
وصدر البيت إثبات لنعومتها، ولطف ملتقى كشحها وخصرها وحقفها. والعجز توضيح لمعنى روح الطفولة الغافلة فيها بانفتالها هذا، وهي حركة التفاتٍ لا تكلف فيها، مع دقة مهارة، وارتجاجها وهذا هي غافلةٌ عنه، وأنها غير متفال، وهذه صفة طفل، إذ فم الطفل حلو. ثم في هذا النعت كالنظر إلى قوله في المعلقة:
إذا التفتت نحوي تضوع ريحها ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
ولكن فتاة المعلقة ذات أحراس، شديدة أسرٍ، فلذلك تلتف، ولا تنفتل مرتجة. ثم في قوله: «إذا انفتلت مرتجةٌ» حيلة فنية، لإحياء التناسب من طريق الحركة، بين الردف والخصر في البادنة غير المفاضة. وقد انتفع الشعراء بهذه الحيلة أو ما هو قريها كما سترى إن شاء الله.
إذا ما استحمت كان فيض حميمها ... على متنتيها كالجمان لدى الحال
لم يرو هذا البيت صاحب الدواوين الستة وهو في الخزانة، حيث ذكر القصيدة (١ - ٧٣). قال: «استحمت، اغتسلت بالحميم، وهو الماء الحار. ومتنتا الظهر، مكتنفًا الصلب عن يمين وشمال من عصب ولحم. والمفرد متن ومتنة. والجمان بالضم، الللؤلؤ. والحال، وسط الظهر. ومن الفرس موضع اللبد. أراد أن الماء الذي ينفصل من ظهرها عند الاغتسال يشبه اللؤلؤ المتناثر». ويجوز أن تكون الرواية «لدى الجالي» بالجيم المعجم، ويقويها أن في ذكر المتنتين ما يدل على «الحال» وهو وسط الظهر. والتأمل أدق في رواية من روى بالحاء المهملة، كأن فيض الحميم- على ما سترى من تأويله- ينحدر عن المتنتين، ويستدير عند الفقار حبًّا صغارًا كاللؤلؤ أو الجمان. ويقوي رواية الحاء المهملة من بعد «حالاً على حال».
стр. 1394
وكأن امرأ القيس- على ما فسر به صاحب الخزانة فيض الحميم- يصف انفتال صاحبته وهي تستحم في قوله «إذا انفتلت مرتجةٌ». وما أشبه هذا بإحدى صور ديجاس. ويجوز في فيض الحميم أنه تحدر العرق. وإذا استحمت: إذا عرقت. وهذا عندي كأنه أقوى، والمعنى الذي ذكره صاحب الخزانة فرع منه، وقد جاء في الحديث تشبيه تحدر العرق بالجمان (١). وأحسب أن عبد بني الحسحاس قد نظر إلى هذا المعنى الثاني من امرئ القيس، في بيته الذي يقول فيه «عرقٌ على جنب الفراش وطيب». وعلى كلا التأويلين يتأمل امرؤ القيس حقف النقا ويكنى عن منالةٍ نالها. ولهذا أشاع الظلام والضوء في البيتين التاليين على النحو الذي بينا بمعرض الحديث عن المتجردة، وجعل ذلك تمهيدًا لتفصيل قصة هذه المنالة من بعد:
تنورتها من أذرعاتٍ وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظرٌ عال
نظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبانٍ تشب لقفال
وهذان البيتان مذهلان، وقد سبق الحديث عنهما. وقد ترى أن امرأ القيس جعل نور التي بيثرب، وهو ينظر إليه بقلبه، أعظم من ضوء النجوم التي كان يراها بعينه. وفي هذا تأليهٌ كما ترى. وإيماءٌ إلى معنى الشمس، ومعنى الخصب الذي خلفه وراءه، وهو ساهر يرعى النجوم، وينظر إلى مصابيح الرهبان التي توقد لمن يريدون الرجوع، ولا رجوع له، إذ هو ماض في رحلته إلى قيصر:
ولو شاء كان الغرو من أرض حميرٍ ... ولكنه عمدًا إلى الروم أنفرا
عنادًا وإخفاقًا وقلقًا وأملاً ضائعًا وفرارًا.
ولقد أوشك أن أقول أن امرأ القيس ألهم قوله: «تنورتها من أذرعاتٍ» إلهامًا
стр. 1395
لما يتضمنه من معنى الإرهاص بنبوة سيدنا محمد ﷺ .
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال
وفي هذا البيت أصداء كثيرة، منها صدى «فيض الحميم» و «لدى الحال» ومنها صدى قوله في المعلقة «تجاوزت أحراسًا» و «جئت وقد نضت لنومٍ ثيابها». ومنها صدى قوله «هصرت بفودي رأسها» إذ كانت طويلة، فجعل ذلك سموًا ههنا. وقوله «أهلها» يجوز أن يكون معناه «بعلها» للذي يصف من غطيطه فيما بعد. ويجوز أن يكون معناه حراسها إن كانت هي الحراس، بدليل استسلامها حين لم تجد شيئًا تدفعه به غير قولها: «ألست ترى السمار والناس أحوالي»، وكانت من قبل نظرتها تصده. ويجوز أن يكون حراسها بمعنى الذي ادعاه من نومهم فيما بعد بحلفة الفاجر التي حلفها وكانوا أيقاظًا.
ويمضي امرؤ القيس في حديث الوصال:
فلما تنازعا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصنٍ ذي شماريخ ميال
وقد ذكرنا هذا بمعرض الحديث عن بيت المعلقة «هصرت بفودي رأسها». والهصر هناك للفودين، وهنا للغصن كله، وقد جعله ذا شماريخ ليوحي بمعنى الثمر، ثم أيضًا لا يخلو ذكره للشماريخ من إشارة إلى معنى «الفودين» «والمستشرزات إلى العلا» التي ي المعلقة.
فأصبحت معشوقًا وأصبح بعلها ... عليه القتام سيء الظن والبال
يغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتال
وهذا شوب من تجاربي شتى.
واصباح البعل عليه القتام موضع سؤال- إذ أتى له، وقد كان يغط، أن يعلم بعض الذي كان أو يحدسه؟ وأحسب أن امرأ القيس خلع من تجربته مع أم جندب
стр. 1396
وعلقمة، على صورة البعل ههنا، كأن مراده أن يقول، ينبغي له بعد الذي كان بيني وبينها أن يصبح عليه القتام، سيء الظن والبال. وما في هذا من الرثاء لنفسه لا يخفي.
وغطيط البكر يدل على مخافة وفزع. وقوله «شد خناقه ليقتلني إلى آخر البيت» يدل على مخافة وفزع أيضًا. ولكن ذلك مشوبٌ بسخرية وزراية ومقت، كما فيه من الحسرة والرثاء صدى مما في البيت الذي قبله: «فأصبحت معشوقًا إلخ».
وامرؤ القيس مما يلقي بكلامه إلقاء من أعاق عقله الباطن، دفعة واحدة، وفيه تجارب كثيرات، فيبدون كأنهن تجربة واحدة، ذلك بأنه أوتي ملكة خارقة مع الصدق والحذق وصفاء الديباجة والمقدرة على الاسترسال.
وأحسب أن المخافة التي في غطيط البكر، تحمل صدى ذكرى سحيقة من عهد مخافته أباه، حين اتهمه بإحدى نسائه فأمر بقتله. قالوا، ولكن الذي وكله بقتله رحمه فأبقى عليه، واصطاد جؤذرًا فاقتلع عينيه، وحملها إلى حجر يوهمه بهما أنهما عينا امرئ القيس.
وقد تعرضنا لبعض هذا في حديثنا عن هذه الأبيات في الجزء الأول، ولا أكاد أشك أن قوله «يغط غطيط البكر» فيه كالإشعار بصفة الغول. ويؤيد هذا قوله من بعد:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونةٌ رزقٌ كأنياب أغوال
وظاهر هذا البيت فخر. وفيه أيضًا غزل، كأنه يشير به إلى خمصانة المعلقة، أنها المشرفي المضاجع له، ومنه يستمد الشجاعة.
وباطنه ذعر، وهرب ذريع. يدلك على ذلك من سره هذا التهويل. كأن السيف وحده، ولابد فيه من المساورة عن قرب، لا يكفيه، فاحتاج إلى المسنونة الزرقة وهي السهام.
стр. 1397
«وأنياب الأغوال» كأنها صدى لغطيط الغول. وعندنا في الخرافات الدائرة في الغول والسعلاة، وأصل ذلك، لا شك عربي، أن الغول يغط إذا صحا ولا يغط إذا نام. قالوا في قصة الجفيلة، إنه لما اختطفها الغول، وعلم بذلك ابن عمها الجفيل، خرج في طلبها، ولا يعلم أين صير بها. فلقيته عجوز، وكانت حكيمة ذات علم من السحر، فأعانته في بعض ما كان من أمره، ودلته على دار الغول، وقالت له تحذره: «إن الغول نومه شهر وصحوه دهر، وإذا صحا كان له شخير يُسمع من بعيد، وإذا نام فليس له شخير، فلا تقربن داره إن سمعت الشخير». فانطلق الجفيل إلى دار الغول، فوجده نائمًا لا حس عنده. ووجده متوسدًا شعر الجفيلة، وكانت كأنها نائمة، ولما تستسعل بعد، وقد كادت، ولو قد نالها لقد كانت استسعلت فلم يكن دون أكله شيءٌ. فأيقظها برفق، فعرفته وفرحت به. وقص شعرها من تحت الغول، وأردفها وراءه هاربين، إلى آخر القصة (١).
ولا أستبعد أن يكون العرب الأولون قد كانوا يعتقدون في أمر غطيط الغول مثل هذا الاعتقاد، أو قريبًا منه.
ومما يقوي معنى الفزع في بيت الغطيط وبيت المشرفي، قوله من بعد:
وليس بذي رمحٍ فيطعنني به ... وليس بذي سيفٍ وليس بنبال
وكرر ذكر النبل، ودلالته على البعد والهرب والاحتماء من كان قصيٌ لا تخفى. وقوله «فيطعنني به» واضح الدلالة على الذعر. على أن في هذا البيت احتقازًا وزراية بعد، ليست ببعيدة المجرى من زرايته حيث ذكر البكر المخنوق الذي غط عنه بعد أن توعده بالقتل.
وعندي أن امرأ القيس قد خالط في مراده بهذه الزراية ذات المقت بين بعلٍ
стр. 1398
يحتقره، خالفه إلى حليلته، وبين قوم آخرين كان يكرههم ويزدريهم كأشد ما تكون الكراهية والازدراء. ولا يخلو في هذا من أن كان يفزع منهم أيضًا. تأمل قوله في أخريات هذه القصيدة، يصف العقاب:
تخطف خزان الأنيعم بالضحا ... وقد جُحرت منها تعالب أورال
والخزان بكسر الخاء وتشديد الزاي الأرانب. جمع خزز بضم ففتح أي أرنب وأورال موضع في ديار بني أسد، ذكره عبيد بن الأبرص، كما مر بك. والأنيعم كأنه في ديار بني أسد، وهو كثير في أسماء المواضع. وروي صاحب الدواوين الستة أن مكانه «الشربة» وهي في ديار غطفان، وقد كانوا لبني أسد حلفاء.
وصفة امرئ القيس للعقاب لا تخلو من كناية عن نفسه وعن بني أسد الذين قتلوا أباه غدرًا ثم انجحروا كما تنجحر الثعالب، وكان يود لو أنه ظفر بهم ليتخطفهم كما تُتخطف الأرانب، أو كما قال:
وأفلتهن علباءٌ جريضًا ... ولو أدركنه صفر الوطاب
وقد كان حجر أبو امرئ القيس طاغية جبارًا. زعموا أنه قتل من بني أسد جماعة بالعصا، فسموا لذلك عبيد العصا. وقد ذكر هذا المعنى عبيد بن الأبرص في كلمته الميمية يمدحه بها حيث قال:
أنت المليك عليهم ... وهم العبيد إلى القيامة
وكان حجر قد قيد عبيدًا ليقتله فلما سمع هذا منه عفا عنه وأطلقه، فما كان من عبيد بعد أن أطلق إلا أن كفر يده، وكان من أكبر المؤلبين عليه، والمعادين لابنه من بعده، والساعين في تخريب ملكه وإحباط مساعيه.
وغير بعيد أن يكون مما أحفظ بني أسد على حجر أنه انتهك من أعراضهم. والذي كان عليه من الجبرية مما قد يكون معه انتاك الأعراض. ولعل أطراف حجر
стр. 1399
من بنيه وبني عمومته وعصبيته كانوا يفعلون كمثل فعله- شأن طسم مع أختهم جديس في الدهر الأول. ومما يقوي هذا الحدس ما ذكره الرواة من أن الحرث آكل المرار، أبا حجر، وجد امرئ القيس، قد كان ممن واطئوا كسرى قباذ على مذهب المزدكية والإباحة. وعسى أن يكون هذا خبرًا مفتعلاً افتراه أعداء بني آكل المرار، من المناذرة ومن بني أسد وسائر مضر، لينتقموا به من ذكراهم. ومع هذا فهو لا يخلو من دلالة ما، على بعض ما نحن بصدده.
والذي يذكر من شأن امرئ القيس وامرأة أبيه مما يقوي هذا أيضًا. وفي شعر امرئ القيس شواهد الإباحة كثير. منها في هذه القصيدة، مثلاً قوله:
أيقتلني أني شغفت فؤادها ... كما شغف المهنوءة الرجل الطالي
وهو فظيع في تهالكه. ولا يخلو من معنى حسرة، لعلها بعض ما خلعه من صورة نفسه، على صفة هذا البعل، وهو يكني عن أمر أم جندب. ويقوي هذا المعنى الثاني قوله من بعد:
وقد علمت سلمى وإن كان بعلها ... بأن الفتى يهذي وليس بفعال
للذي يخالطه من روح الفكاهة والتسلي.
ومن شواهد الإباحة أيضًا قوله:
وماذا عليه أن ذكرت أوانسًا ... كغزلان رملٍ في محاريب أقوال
وبعض هذا كأنه التفات إلى أبيه وإلى فزعه من غطيط البكر، أو قل غطيط الغول. ولو قد اكتفى امرؤ القيس بصدر البيت وحده إلى قوله «أوانسا» لكان كلامه بمنزلة التبرؤ الساذج. ولكن عجز البيت ينحو بهذه البراءة وبهذه السذاجة إلى معنى من الإباحة قريب من قوله:
كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه ... بما احتسبا من لين مس وتسهال
стр. 1400
ومما يقوي هذا المعنى، إنه مهد بتشبيه «كغزلان رملٍ في محاريب أقوال» إلى قوله من بعد:
وبيت عذارى يوم دجنٍ ولجته ... يطفن بجباء المرافق مكسال
ونعود بك الآن إلى ما كان من قوله:
يغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتال
وقوله:
وليس بذي رمحٍ فيعطنني به ... وليس بذي سيفٍ وليس بنبال
ألست ترى ههنا مزيجًا من احتقار امرئ القيس وعدواته وفزعه من عبيد بن الأبرص وعلباء بن الحرث والطماح ولفهم الذين قتلوا أباه وشردوه كل مشرد، وإنما كانوا عبيدًا له ولأبيه، وكأن قوله: «وليس بذي رمح» لم يرد به إلا عبيدًا ومن احتقاره (١) وازدرائه ببعل، لعله كان من بني أسد، كان هو يخالفه إلى سلماه، وكان يغط عن غطيط البكر شد خناقه، ينام أو يتناوم، ولعله أن يكون ائتمر به هو ورهط من قومه ليقتلوه سرًا، فمنعهم من ذلك خوف حجر وسطوته، ومسنونته الزرق. ويقوي هذا الحدس قوله من المعلقة:
تجاوزت أحراسًا إليها ومعشرًا ... عليّ حراصًا لو يُسرون مقتلي
وانس الأحراس، فليس البعل مما يدخل فيها- وقد قدمنا لك من تأويلها، وعسى أن لا تخلو من معنى حجر للذي تعلم من أمر ملكه ورهبة امرئ القيس له. ويُقويه أيضًا قوله ههنا:
ليقتلني والمرء ليس بقتَّال
стр. 1401
هذا، وقولنا أنه مهد بتشبيهه «كغزلان رملٍ في محاريب أقوال» لنعت العذارى بعده، شاهده أن في هذا التشبيه، عدا الذي قدمناه من معنى الإباحة، معنى مزدوجًا، كلاً وجهيه أراده امرؤ القيس فيما نرى. ذلك بأنه شبه الأوانس بالغزلان أولاً، وجعلهن في محاريب أقوال أي ملوك، ليدل بذلك على أنهن مكنونات متنعمات دونهن المخاوف والأحراس. ثم إنه شبه الأوانس بالغزلان التي في المحاريب- وهذه صورٌ أو تماثيل بلا ريب. قال تعالى يصف جن سليمان: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ (١)﴾ فجمع بين المحاريب والتماثيل كما ترى.
وهذا التشبيه للأوانس بالغزلان المصورة أو بالتماثيل فيه رجعةٌ إلى ما كان قاله أولاً:
فيا رب يومٍ قد لهوت وليلةٍ ... بآنسةٍ كأنها خط تمثال
وأقرب شيء أن تكون هذه الآنسة التي كأنها خط تمثال، هي جباءُ المرافق المكسال (وهذه صفة بدن) المذكورة في قوله:
وبيت عذارى يوم دجنٍ ولجته ... يطفن بجباء المرافق مكسال
وقد وصف امرؤ القيس العذارى فجعلهن خماصًا طوالاً سمهريات القامات لتتم المقابلة بينهن وبين بادنته:
سباط البنان والعرانين والقنا ... لطاف الخصور في تمامٍ وإكمال
وهؤلاء السباط البنان والعرانين والقنا، الهيفاوات، الفارعات، تجعلهن مع فتاة المعلقة، ذات البنان الأساريع، والقامة البردية، ومع سلمى التي في أول هذه القصيدة، التي كانت تريه منصبًا وجيدًا كجيد الرئم، والتي كأنها خط تمثال.
стр. 1402
ولعل هذا من صنع امرئ القيس، يذكرك صنيعه في المعلقة، حيث مهد لنعت خمصانته بالبادنات واختتم بذكر الليل والنجوم والفراش المشرق.
وقد جعل امرؤ القيس نعت العذارى خاتمة لقصته التي قصتها وصفته التي افتن فيها:
نواعم يُتبعن الهوى سبل الردى ... يقلن لأنه الحلم ضلٌّ بتضلال
صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ... ولست مبقليّ الخلال ولا قالي
وههنا كما ترى تصريح بمعنى الفزع الذي كنا بصدده، وبشيء من معنى الأحراس التي ذكرها في المعلقة.
ونسأل بعد ما بيت العذارى هذا الذي ينعته امرؤ القيس؟ ولم يكن يطفن؟ ؟ ؟ المرافق التي نعتها؟ أيجوز لنا أن نفترض أن الدوار -وكان صنمًا تطوف به العذار- ربما جُعل شخصًا حيًّا أحيانًا: امرأة جميلة تقف كالتمثال، أو قل كالآلهة، والعذارى يطفن حولها طوفهن بالصنم؟
هذا ثم يقول:
كأني لم أركب جوادًا للذةٍ ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
وأصداء المعلقة هنا لا تخفى- كأنه يشير إلى قوله «وانتحى بنا بطن خبت» وقوله «هضيم الكشح ريا المخلخل». وفي البيت بعد رجعة إلى معنى أول القصيدة:
ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي
من التذكر والتحسر. وأحسب أن قبل هذا البيت ما روي من قوله:
ألا إنني بالٍ على جملٍ بال ... يسير بنا بالٍ ويتبعنا بال
ولا شك أنه له، وموضعه بين خشية الردى، وبين هذا التذكر، من العودة وإحكام الربط بحيث ترى.
стр. 1403
ونريد بعد أن ننبه إلى طريقة امرئ القيس في النعت بعد هذا، من إشرابه أوصافه شيئًا من معنى البدن واليسر والسعة، مع مراعاة المقابلة بصور أقل بدنًا وأشد أسرًا. وهذا من جهة المذهب الفني شبيه بصنيعه في المعلقة، ويباينه من حيث إنه، هتاك، غلَّب جانب ما يلائم الضمر وانصلات القامة.
من ذلك وصف امرئ القيس لحصان الغزوة- إذ جعله عبل الجرازة، ناتئ الحجبات، كأن أعلى ردفه فرخ نعام.
وقد تعلم أن الحصان الذي نعته في المعلقة هيكل مثل هذا الحصان. ولكنه في المعلقة باعده، وحكى لك حال جريه وهو ينجرد وراء الأوابد من مكان بعيد، دريرًا كخذروف الوليد، وهنا قربه بأنه جعله جوّالاً، يمضي شيئًا ثم يكر راجعًا، في معترك القتال الضيق، وهذا يتيح من تأمل أعضائه ما لا تتيحه حال الانجراد.
وقد جعل واديه هنا خصبًا أنفًا «رائده خال» وغيثه وسميٌّ، والرماح تتحاماه، لعزة من يحميه. وفي هذا كما ترى ذكرى أيام ملكه وصدى من حاضر أمانيه. وهذه الصفة غير صفته للوادي في المعلقة. إذ ثم يندفع فيه السيل، ويكب الدوح على الأذقان، ويدمر الديار، ويُغرق الأرجاء، فلا يبدو في أتيه المنفهق إلا رأس المجيمر، ؟ ؟ ؟ العنصل، والأطم المشيدات بالجندل وثبير ذو البجاد في عرانين الوبل، ؟ ؟ ؟ فوق ذلك كله غناء المكاكي.
هذا وقد جعل امرؤ القيس للصيد ههنا عجلزة أي فرسًا قوية. وجعلها مترزة اللحم كأنه هراة منوال، أي عصا، وفي هذا نفس من قوله «كأنها خطُّ تمثال».
ثم في الفرس مقابلة لحصان الغزوة الهيكل الذي ذكره آنفًا. وكأن ما ذكره من الإتراز والهراوة، تأكيد منه لأنها -مع كونها أنثى- ليست بدون ذلك الحصان، لا في عظم الهيئة ولا في متانة الأسر.
стр. 1404
وقد تذكر أن الحصان الدرير الذي كخذروف الوليد، إنما كان في المعلقة قد نعته بمعرض الصيد. فمقابلة ما بين هذا وبين العجلزة لا تخفي.
ثم صوار المعلقة يعن، وهذا يدل على بعده. أما ههنا فالشاعر يذعره. وهذا يدل على قربه. ومن أجل هذا القرب يعطيك الشاعر من صفاته تأملاً ليس في المعلقة- لأنه في المعلقة يصف الصوار كله معًا:
فأدبرن كالجزع المفصل بينه ... بجيد معم في العشيرة مخول
وهو الجيد غير المعطال الذي مر وصفه.
وفي هذه القصيدة يتأمل أفراد الصوار:
ذعرت بها سربًا نقيًا جلوده ... وأكرعه وشي البرود من الخال
كأن الصوار إذ تجاهد عدوه ... على جمزى خيلٌ تجول بأجلال
فجال الصوار واتقين بقرهبٍ ... طويل القرى والروق أخنس ذيال
فعادى عداء بين ثورٍ ونعجةٍ ... وكان عداء الوحش مني على بال
ولهذا تأمله.
ويسر الصورة واتساعها لا يخفي. والقرهب الطويل القرى والروق كأنه خط التمثال، وكأنه جباء المرافق المكسال في بروز صورته وكأن الصوار حوله العذارى السباط البنان والعرانين والقنا. والصورة بعد معكوسة كما ترى. لأن القرهب في انصلات قامته أشبه بالعذارى اللطاف الخصور، والصوّار الجائلات رهوًا بأكرعهن ذوات الوشي أشبه في لين حالهن بالجباء المرافق المكسال.
والثور والنعجة يقابلان الهيكل والعجلزة.
ثم يشبه امرؤ القيس عجلزته بالعقاب الفتخاء الجناحين، أي اللينة الجناحين مع طول فيها:
كأني بفتخاء الجناحين لقوةٍ ... صيودٍ من العقبان طأطأت شملالي
стр. 1405
والطأطأة هي وجبه الشبه، شبه هويَّ فرسه وراء الثور والنعجة مطأطئةً عنقها، بهوي العقاب، مجنحةً بريشها الطويل.
ولا يخلو معنى العقاب الفتخاء من معنى البادنة المكسال التي تطوف حولها العذارى. وفي قوله المكسال ما يدل على نوع من طأطاة. وقوله «شملالي» ينفي به أن يكون في الطأطأة خورٌ أو فتور أو أن تكون مفاضة، على معنى البادنة الموصوفة من قبل.
ثم قوله صيود فيه ما قدّمنا من الكناية عن نفسه وبعده البيت الذي استشهدنا به بمعرض الحديث عن بني أسد:
تخطف خزان الأنيعم بالضحا ... وقد جُحرت منها ثعالب أورال
وفصل هذا المعنى بقوله:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
ومقابلة الصورتين لا تخفى، وهي مما فطن له أهل البديع ونبهوا على حسن طباقه وتركيبه.
والبيت بعد نص في الذي نذهب إليه من طريقة امرئ القيس في القصد إلى إلقاء التجارب الكثيرة دفعة واحدة معًا. وفيه كناية عما قدم من أوصاف الضمر والبدن. كما فيه كناية عن حاله مع أعدائه أن جعلته هو العقاب. ولعل العناب أمثال علباء الذي أفلت جريضًا. والحشف أمثال عبيد الذي لم يكن ذا رمح ولم يكن بنبال، ولكن كان شيخًا ماكرًا ذا غوائل ودهاريس.
وقول امرئ القيس من بعد:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشةٍ ... كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي