هذا، وقولنا أنه مهد بتشبيهه «كغزلان رملٍ في محاريب أقوال» لنعت العذارى بعده، شاهده أن في هذا التشبيه، عدا الذي قدمناه من معنى الإباحة، معنى مزدوجًا، كلاً وجهيه أراده امرؤ القيس فيما نرى. ذلك بأنه شبه الأوانس بالغزلان أولاً، وجعلهن في محاريب أقوال أي ملوك، ليدل بذلك على أنهن مكنونات متنعمات دونهن المخاوف والأحراس. ثم إنه شبه الأوانس بالغزلان التي في المحاريب- وهذه صورٌ أو تماثيل بلا ريب. قال تعالى يصف جن سليمان: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ (١)﴾ فجمع بين المحاريب والتماثيل كما ترى.
وهذا التشبيه للأوانس بالغزلان المصورة أو بالتماثيل فيه رجعةٌ إلى ما كان قاله أولاً:
فيا رب يومٍ قد لهوت وليلةٍ ... بآنسةٍ كأنها خط تمثال
وأقرب شيء أن تكون هذه الآنسة التي كأنها خط تمثال، هي جباءُ المرافق المكسال (وهذه صفة بدن) المذكورة في قوله:
وبيت عذارى يوم دجنٍ ولجته ... يطفن بجباء المرافق مكسال
وقد وصف امرؤ القيس العذارى فجعلهن خماصًا طوالاً سمهريات القامات لتتم المقابلة بينهن وبين بادنته:
سباط البنان والعرانين والقنا ... لطاف الخصور في تمامٍ وإكمال
وهؤلاء السباط البنان والعرانين والقنا، الهيفاوات، الفارعات، تجعلهن مع فتاة المعلقة، ذات البنان الأساريع، والقامة البردية، ومع سلمى التي في أول هذه القصيدة، التي كانت تريه منصبًا وجيدًا كجيد الرئم، والتي كأنها خط تمثال.
стр. 1402
ولعل هذا من صنع امرئ القيس، يذكرك صنيعه في المعلقة، حيث مهد لنعت خمصانته بالبادنات واختتم بذكر الليل والنجوم والفراش المشرق.
وقد جعل امرؤ القيس نعت العذارى خاتمة لقصته التي قصتها وصفته التي افتن فيها:
نواعم يُتبعن الهوى سبل الردى ... يقلن لأنه الحلم ضلٌّ بتضلال
صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ... ولست مبقليّ الخلال ولا قالي
وههنا كما ترى تصريح بمعنى الفزع الذي كنا بصدده، وبشيء من معنى الأحراس التي ذكرها في المعلقة.
ونسأل بعد ما بيت العذارى هذا الذي ينعته امرؤ القيس؟ ولم يكن يطفن؟ ؟ ؟ المرافق التي نعتها؟ أيجوز لنا أن نفترض أن الدوار -وكان صنمًا تطوف به العذار- ربما جُعل شخصًا حيًّا أحيانًا: امرأة جميلة تقف كالتمثال، أو قل كالآلهة، والعذارى يطفن حولها طوفهن بالصنم؟
هذا ثم يقول:
كأني لم أركب جوادًا للذةٍ ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
وأصداء المعلقة هنا لا تخفى- كأنه يشير إلى قوله «وانتحى بنا بطن خبت» وقوله «هضيم الكشح ريا المخلخل». وفي البيت بعد رجعة إلى معنى أول القصيدة:
ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي
من التذكر والتحسر. وأحسب أن قبل هذا البيت ما روي من قوله:
ألا إنني بالٍ على جملٍ بال ... يسير بنا بالٍ ويتبعنا بال
ولا شك أنه له، وموضعه بين خشية الردى، وبين هذا التذكر، من العودة وإحكام الربط بحيث ترى.
стр. 1403
ونريد بعد أن ننبه إلى طريقة امرئ القيس في النعت بعد هذا، من إشرابه أوصافه شيئًا من معنى البدن واليسر والسعة، مع مراعاة المقابلة بصور أقل بدنًا وأشد أسرًا. وهذا من جهة المذهب الفني شبيه بصنيعه في المعلقة، ويباينه من حيث إنه، هتاك، غلَّب جانب ما يلائم الضمر وانصلات القامة.
من ذلك وصف امرئ القيس لحصان الغزوة- إذ جعله عبل الجرازة، ناتئ الحجبات، كأن أعلى ردفه فرخ نعام.
وقد تعلم أن الحصان الذي نعته في المعلقة هيكل مثل هذا الحصان. ولكنه في المعلقة باعده، وحكى لك حال جريه وهو ينجرد وراء الأوابد من مكان بعيد، دريرًا كخذروف الوليد، وهنا قربه بأنه جعله جوّالاً، يمضي شيئًا ثم يكر راجعًا، في معترك القتال الضيق، وهذا يتيح من تأمل أعضائه ما لا تتيحه حال الانجراد.
وقد جعل واديه هنا خصبًا أنفًا «رائده خال» وغيثه وسميٌّ، والرماح تتحاماه، لعزة من يحميه. وفي هذا كما ترى ذكرى أيام ملكه وصدى من حاضر أمانيه. وهذه الصفة غير صفته للوادي في المعلقة. إذ ثم يندفع فيه السيل، ويكب الدوح على الأذقان، ويدمر الديار، ويُغرق الأرجاء، فلا يبدو في أتيه المنفهق إلا رأس المجيمر، ؟ ؟ ؟ العنصل، والأطم المشيدات بالجندل وثبير ذو البجاد في عرانين الوبل، ؟ ؟ ؟ فوق ذلك كله غناء المكاكي.
هذا وقد جعل امرؤ القيس للصيد ههنا عجلزة أي فرسًا قوية. وجعلها مترزة اللحم كأنه هراة منوال، أي عصا، وفي هذا نفس من قوله «كأنها خطُّ تمثال».
ثم في الفرس مقابلة لحصان الغزوة الهيكل الذي ذكره آنفًا. وكأن ما ذكره من الإتراز والهراوة، تأكيد منه لأنها -مع كونها أنثى- ليست بدون ذلك الحصان، لا في عظم الهيئة ولا في متانة الأسر.
стр. 1404
وقد تذكر أن الحصان الدرير الذي كخذروف الوليد، إنما كان في المعلقة قد نعته بمعرض الصيد. فمقابلة ما بين هذا وبين العجلزة لا تخفي.
ثم صوار المعلقة يعن، وهذا يدل على بعده. أما ههنا فالشاعر يذعره. وهذا يدل على قربه. ومن أجل هذا القرب يعطيك الشاعر من صفاته تأملاً ليس في المعلقة- لأنه في المعلقة يصف الصوار كله معًا:
فأدبرن كالجزع المفصل بينه ... بجيد معم في العشيرة مخول
وهو الجيد غير المعطال الذي مر وصفه.
وفي هذه القصيدة يتأمل أفراد الصوار:
ذعرت بها سربًا نقيًا جلوده ... وأكرعه وشي البرود من الخال
كأن الصوار إذ تجاهد عدوه ... على جمزى خيلٌ تجول بأجلال
فجال الصوار واتقين بقرهبٍ ... طويل القرى والروق أخنس ذيال
فعادى عداء بين ثورٍ ونعجةٍ ... وكان عداء الوحش مني على بال
ولهذا تأمله.
ويسر الصورة واتساعها لا يخفي. والقرهب الطويل القرى والروق كأنه خط التمثال، وكأنه جباء المرافق المكسال في بروز صورته وكأن الصوار حوله العذارى السباط البنان والعرانين والقنا. والصورة بعد معكوسة كما ترى. لأن القرهب في انصلات قامته أشبه بالعذارى اللطاف الخصور، والصوّار الجائلات رهوًا بأكرعهن ذوات الوشي أشبه في لين حالهن بالجباء المرافق المكسال.
والثور والنعجة يقابلان الهيكل والعجلزة.
ثم يشبه امرؤ القيس عجلزته بالعقاب الفتخاء الجناحين، أي اللينة الجناحين مع طول فيها:
كأني بفتخاء الجناحين لقوةٍ ... صيودٍ من العقبان طأطأت شملالي
стр. 1405
والطأطأة هي وجبه الشبه، شبه هويَّ فرسه وراء الثور والنعجة مطأطئةً عنقها، بهوي العقاب، مجنحةً بريشها الطويل.
ولا يخلو معنى العقاب الفتخاء من معنى البادنة المكسال التي تطوف حولها العذارى. وفي قوله المكسال ما يدل على نوع من طأطاة. وقوله «شملالي» ينفي به أن يكون في الطأطأة خورٌ أو فتور أو أن تكون مفاضة، على معنى البادنة الموصوفة من قبل.
ثم قوله صيود فيه ما قدّمنا من الكناية عن نفسه وبعده البيت الذي استشهدنا به بمعرض الحديث عن بني أسد:
تخطف خزان الأنيعم بالضحا ... وقد جُحرت منها ثعالب أورال
وفصل هذا المعنى بقوله:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
ومقابلة الصورتين لا تخفى، وهي مما فطن له أهل البديع ونبهوا على حسن طباقه وتركيبه.
والبيت بعد نص في الذي نذهب إليه من طريقة امرئ القيس في القصد إلى إلقاء التجارب الكثيرة دفعة واحدة معًا. وفيه كناية عما قدم من أوصاف الضمر والبدن. كما فيه كناية عن حاله مع أعدائه أن جعلته هو العقاب. ولعل العناب أمثال علباء الذي أفلت جريضًا. والحشف أمثال عبيد الذي لم يكن ذا رمح ولم يكن بنبال، ولكن كان شيخًا ماكرًا ذا غوائل ودهاريس.
وقول امرئ القيس من بعد:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشةٍ ... كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
стр. 1406
يقوي هذا الذي نذهب إليه. ثم في قوله - وهو مقطع القصيدة- بعد هذين البيتين:
وما المرء ما دامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا آلي
رجعة لا ريب فيها إلى المطلع حيث قال:
ألا انعم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وهل يعممن إلا سعيدٌ مخلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال
وليس المرء بمخلد، ولكنه ما دام حيًا، وفي حشاشته بقية فإنه يسعى ولا يألو ولكنه ليس بمدرك أطراف ما يؤمله، وكيف يدركهن، وفي إدراكهن السعادة، وليست السعادة من نصيب الإنسان، إنما نصيبه الحسرة والفناء والتعلل بالذكرى، وتحية الأطلال الباليات.
وحسبنا هذا القدر عن نموذج البادنة المتجردة كما جاء به امرؤ القيس ..
نموذج بين بين:
وهو الذي يخلط فيه الشعراء بين أوصاف الخمصانة الشطبة والرعبوبة الفارهة. وأكثر ما يفعلونه في هذا الباب ذكر الخصر الناحل والكفل الثر. وقد ضربنا لك منه أمثلة في التمهيد الذي مهدنا به لمقاييس الجمال. ونكتفي ههنا بأن نذكر لك أبياتًا من ذي الرمة في بائيته المجمهرة- ذلك بأن الباب التالي سترد فيه أمثلة شديدة الصلة به قوية الدلالة عليه. ثم هو كثير في الشعر. وحتى هذه المقاربة التي يقاربها امرؤ القيس ببادنته من خمصانته، والنابغة بخمصانته من البدن، لا تخلو من معناه. وقد قدمنا لك أن هذا الخلط لم يكن منشؤه من حاق اضطراب أو خطأ في الذوق، ولكن من قصد إلى إبراز معنى الخفض والجمال، والنظر والوصال. وذو الرمة من أكثر الإسلاميين تقريًا لمذاهب الجاهليين وقد إلى تأويلها وقد بينا بعض هذا في
стр. 1407
مقدمة كتابنا في شرح أربع قصائد منه (١)، فمن أجل هذا ما نستشهد به ههنا، قال:
ديار مية إذ ميٌّ مساعفةٌ ... ولا يرى مثلها عجمٌ ولا عرب
براقة الجيد واللبات واضحةٌ ... كأنها ظبيةٌ أفضى بها لبب
بين النهار وبين الليل من عقدٍ ... على جوانبه الأسباط والهدب
عجزاء ممكورة خمصانةٌ قلقٌ ... منها الوشاح وتم الجسم والقصب
زين الثياب وإن أثوابها استلبت ... على الحشية يومًا زانها السلب
تريك سنة وجهٍ غير مقرفةٍ ... ملساء ليس بها خالٌ ولا ندب
إذا أخو لذة الدنيا ثبطنها ... والبيت فوقها بالليل محتجب
سافت بطيبة العرنين مارنها ... بالمسك والعنبر الهندي مختضب
تزداد للعين إبهاجًا إذا سفرت ... وتخرج العين فيها حين تنتقب
لمياء في شفتيها حوةٌ لعسٌ ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب
كحلاء في برجٍ صفراء في دعجٍ ... كأنها فضةٌ قد مسها ذهب
والقرط في حرة الذفري معلقةً ... تباعد الحبل منه فهو يضطرب
تلك الفتاة التي علقتها عرضًا ... إن الكريم وذا الإسلام يختلب
والصورة كاسية. وقد جردها ذو الرمة في بعض وصفه. وقد بين لك في آخر كلامه أنه نظر عرضًا، كما ينظر الكريم ذو العرض من أمثال حاتم في الجاهلية، وكما ينظر الفتى المأمور بغض البصر من أمثاله هو في الإسلام، فكان في نظره هذا عرضًا هلاكه، إذ أنه اختلب اختلبه جمال هذه الفاتنة إذ رآها سافرة، ثم انتقبت، وكأنه حين انتقبت قد حرج من أن قد نظر، وقد حار في هذا الذي كان نظر إليه فبهره (٢). ثم
стр. 1408
تبادرت إليه الأماني. فنقل التي نظر إليها إلى وادي الذكرى، وجعلها مساعفةً تجلى عليه. ولكن جلوتها هذه التي يصفها لم تكن إلا وداعًا. إذ النعت الذي ينعت إنما هو نعت تراءٍ ووداع.
براقة الجيد واللبات واضحةٌ ... كأنها ظبيةٌ أفضى بها لبب
والتشبيه بالظبية يدل به على مراءاة جيدها واتلاعه وعلى نقاء لونها وصفائه وكأن لونها مشرب صفرة، كلون المقاناة البياض بصفرة، وهو كما قدمنا، لون العرب المحبوب، وزعم بعض المفسرين أنه لون الحور العين (١). ذلك بأن الظبية أدماء يضرب لونها إلى البياض، وقد خالط بياضها هذا وبياض الرمل حولها شعاع الأصيل، حين خرجت، ممتدًا جيدها الأتلع، من أثباج الكثيب إلى السهل الفضاء- وذلك قوله أفضى بها لبب:
بين النهار وبين الليل من عقدٍ ... على جوانبه الأسباط والهدب
وفي ذكر الأسباط والهذب إكمال لصورة الظبية وإبرازها، لأن الأسباط، وهي ما نما مستطيلاً كالدخن من الثبات، والهدب جمع هدبة، وهي ما كانت أوراقه مثلثة محددوبة كالطرفاء، تكون حولها كالإطار. والصورة حقًا رائعة ثم أن فيها كنايات مما يحسن التنبيه إليها.
منها أن الظبية نفسها بمنزلة الجيد واللبات البراقة. واللبب أي الكثيب بمنزلة ما عليه الوشاح والمآزر من الفتاة. والأسباط والهدب بمنزلة شعرها، غدائره المسترسلات وضفائره المنعقدات. والصورة تنظر إلى متجردة النابغة وسجفى كلتها بلا ريب.
ومنها أن ذا الرمة أوحى إلينا بوجه الفتاة في قوله «بين النهار وبين الليل من
стр. 1409
عقدٍ» والنهار وجهها كما قد قدمناه «والليل من عقد إلخ» ما كنته من جسدها والأسباط والهدب شعرها وقد خرج من الكناية إلى التصريح في قوله:
عجزاء ممكورة خمصانةٌ قلقٌ ... منها الوشاح وتم الجسم والقصب
وهذا شاهدنا في الخلط بين نموذجي الخمصانة والبادنة, وقد أثبت ذو الرمة الحيلة التي يكون بها تناسب ما بين العجز الوثير والخصر الدقيق، وهي حركة أن يكون الوشاح قلقًا. وأن تكون هي ممكورة، أي مكسوة عظامها في غير ترهيل ومع إحكام جدلٍ، وأن يكون جسمها تامًا من حيث التناسب واستواء القامة، وامتلاء قصب الساقين والساعدين.
ثم عاد ذو الرمة إلى الأماني وذلك في قوله «زين الثياب إلخ». وتجربته كلها هي «زين الثياب ليس إلا» وسائر البيت بعد تأميل لا نعت. وفي هذا التأميل تمهيد لتأمل الوجه، إذ فيه تقريب لصاحبة الصورة. وذلك قوله:
تريك سنة وجهٍ غير مقرفةٍ ... ملساء ليس بها خالٌ ولا ندب
ويوقف عند هذا، لأن الملاسة لا يتضح نعتها حقًا بنفي الخال والندب. وقد أصاب صفتها في قوله من الرائية:
لها بشرٌ مثل الحرير ومنطقٌ ... رخيم الحواشى لأهراءٌ ولا نزر
كما قد أصاب صفتها في قوله «براقة الجيد واللبات إلخ» وفي نعت الظبية. ولعل ذا الرمة لم يعن بقوله «غير مقرفةٍ إلخ» إلا نفسه. فقد ذكروا أنه كان أسود فهذا إقراف. ولعله كان في وجهه أثر من جدري، أو يكون قوله «ليس بها خال ولا ندب» إسدال ستر على هذا الذي ذكره من الإقراف يعني به نفسه، وتهويل مبالغة
стр. 1410
كما هوّل امرؤ القيس في قوله «ومسنونةٌ زرقٌ كأنياب أغوال» بمعرض ما كان فيه. وهذا أشبه (١). والله تعالى أعلم.
ثم إنه يرجع بعد وصفه الوجه إلى التمني في قوله «إذا أخو لذة الدنيا تبطنها إلخ». ولا يغيب عنك هنا جانب الأخذ من قول امرئ القيس «ولم أتبطن كاعبًا»، وجانب النظر إلى مذهبه ومذهب النابغة من إشاعة الظلام عند ذكر معاني الوصال. وقد جعل ذو الرمة هذا التمني أيضًا ذريعة إلى تأمل آخر يتأمل به حمرة الطيب التي كانت على أنفها على مذهب البدويات آنذاك ويصف أنفها هذا الذي راعه طيبه:
سافت بطيبة العرنين مارنها ... بالمسك والعنبر الهندي مختضب
وفي قوله «بطيبة العرنين» بالتأكيد لقوله من قبل «غير مقرفةٍ» ثم أبه ذو الرمة وانتبه من الأماني إلى ما كان قد رآه حقًا من الإسفار والانتقاب، وأحسه من طرب وهوى وحرجٍ. فذكر بهجتها إذ سفرت، وحاله حين انتقبت وأضرب عما كان قاله من «زين الثياب». واستلاب تلك الثياب، ونعت شفتيها وإنما رأى منها لمحة أو كاللمحة، أو كما قال «حوةٌ لعسٌ» لا يقدر على مداناةٍ وتأمل أكثر من هذا. وأتم الوصف من بعد من الوهم. ونظر إلى نحو قول النابغة:
تجلو بقادمتي حمامة أيكةٍ ... بردًا أسف لثاته بالإثمد
ونحو قوله قول طرفة:
سقته إياة الشمس الالثاته ... أسف ولم تكدم عليه بإثمد
ونعته للعينين والصفرة والنعج من لونها أعلق بتجربته
كحلاء في برج صفراء في نعجٍ ... كأنها فضةٌ قد مسها ذهب
стр. 1411
لأنه يدل على ما رأى من الجيد واللبات وإسفار الوجه. على أنه ليست فيه زيادة نعت على قوله آنفًا «كأنها ظبيةٌ أفضى بها لبب إلخ». وإنما فيه إيحاءٌ بما أحسه هو- ولعل الإيحاء كله في قوله «كحلاء في برجٍ». وأحسب أنه لولا هذا الإيحاء لكان هذا البيت كله خلاءً قواءً، لا عريب من معنى عنده.
وقوله «والقرط في حرة الذفرى» إضافة أضافها ذو الرمة، إما من ذكرى تجربةٍ سابقةٍ، وإما من نظر إلى مذهب الشعراء، حين ينعتون طول العنق ويذكرون بعد مهوى القرط. وهذا الوجه الثاني أشبه.
وفي البيت بعد كما ترى دلالة على ما قدمناه من أمر المزج بين نموذجي الرعبوبة البادنة والخمصانة الشطبة الطويلة القامة وأحسب أن ذا الرمة قد أفسد الصورة التي أعطاناها؛ شيئًا، بهذا البيت، الذي لم يكن به إليه كبير حاجة، وكان حسب إذ فرغ من نعت تجربته أن يخلص إلى البيت الذي اختتمها به من قوله:
تلك الفتاة التي علقتها عرضًا ... إن الكريم وذا الإسلام يختلب
وهو بيت نبيل الروح رقيق كما ترى.
ذلك بأنه قد وصف لنا أن هذه المرأة عجزاء، وأضفى على هذا المعنى جوًا من اللبب والعقب ذي الأنقاء، فالقرط الذي تباعد الحبل منه فهو يضطرب، لا يتناسب مع هذا، ولا مع الذي كان احتال به من قلق الوشاح. وكان حسبه لو قد اكتفى من نعت الجيد بما قدمه من معنى الحركة والاشرئباب في خروج الظبية حين خرجت من اللبب إلى السهل الفضاء. ولكن ذا الرمة رحمةالله قد كان مما يغفل، ويذهب به الأخذ من الشعراء كل مذهب عن جادة مسلك تجاربه.
ولهذا -أظن- ما قُصر به، عن منزلة الفحول (١).
وبحسبنا، الآن، كما قدمنا، هذا القدر عن نموذج بين بين.
стр. 1412
النموذج العظيم:
لقد تذكر، في حديثنا عن مقاييس الجمال، أنا استشهدنا بقول عمرو بن كلثوم:
ومأكمةٍ يضيق الباب عنها ... وكشحًا قد جُننت به جنونا
في باب ما يبالغ فيه من ضخامة العجيزة. وقلنا إن هذا قد يكون أدخل في باب ما يبالغ الشعراء في أبعاده من نماذج الجمال، وقد تذكر أيضًا أنا استشهدنا بقول الأعشى:
هركولةٌ فتقٌ درمٌ مرافقها ... كأن أخمصها بالشوك منتعل
فقلنا فيه نحو من ذلك.
والشعراء مما يعمدون إلى المبالغة في أبعاد نماذج الجمال، خُمصانها وبادنها وما يُخلط فيه بينهما، يريدون بذلك إظهار العجب والفتنة، كما يريدون نوعًا من التأليه. ولعل هذا العنصر الثاني أقوى، وكأنه مستمد من عبادة الخصوبة الأولى. وهم في صنيعهم هذا، كأنهم ينظرون إلى بعض ما كان يصنع أهل الرسم والنحت -ومازالوا يفعلون- من المبالغة في أبعاد التماثيل والتصاوير. ومن ذلك مثلاً عذارى يونان الحاملات سقف الأكروبوليس، ومن ذلك أيضًا تماثيل أفروديت نفسها متجردة، أو ذات قلادة أو ذات ثوب. ولا ريب أن مناة واللات والعزى قد كن أحجارًا ضخامًا. هذا، وصناعتا الرسم والنحت كلتاهما تتيحان من ضبط نسب الأبعاد، وإن بولغ فيها، ما لا تتيحه صناعة البيان. ذلك بأن هذه أداتها اللسان والسمع، وتينك أداتهما اليدان والبصر، ولليدين والبصر من المقدرة على إيقاع النسب المكانية وتحدديها لدى الإدراك، ما ليس للسمع واللسان، إلا مع الجهد البالغ وإعمال الخيال.
وأحسب أنه من أجل هذا ما اضطر الشعراء، حين يبالغون في أبعاد نماذج ما
стр. 1413
يصفون، إلى المقارنة بين بادنها وخمصانها. وكان الخلط أيسر لديهم كما سترى عند الأعشى، إن شاء الله. ومهما يكن من شيء، فالتبدين يغلب الخمص عند المبالغة، لأن الخمصانة حين يزاد في معنى طولها، تحتاج من التبدين، إلى أكثر مما تحتاج إليه الفارهة حين يزاد في معنى فراهتها من التضمير، لكيما يتم التناسب.
والآن حين نأخذ في الأمثلة. قال عمرو بن كلثوم:
تريك إذا دخلت على خلاءٍ ... وقد أمنت عيون الكاشحينا
ذراعي عيطلٍ أدماء بكرٍ ... هجان اللون لم تقرأ جنينا
وثديًا مثل حق العاج رخصًا ... حصانًا من أكف اللامسينا
ومتنى لدنةٍ سمقت وطالت ... روادفها تنوء بما يلينا
ومأكمةً يضيق الباب عنها ... وكشحًا قد جننت به جنونا
وساريتي بلنطٍ أو رخامٍ ... يرن خشاش حليهما رنينا
وضخامة هذا النموذج بينة. والمنعوتة كاعبٌ بكر، مؤلهة الخصوبة، يدلك على نأليهها أنه شبهها أول شيءٍ بالناقة العيطل أي الطويلة، الأدماء الهجان، أي البيضاء الكريمة الخالصة اللون. وبياض الإبل كما تعلم يضرب إلى صفرة الرمل. وقوله «لم تقرأ جنينا» شاهد بكارتها.
والتمثال تمثال متجردة. إلا أن الشاعر يوهمنا أنها لابسة بقوله «تريك إذا دخلت على خلاءٍ». كأنها تتراءى. وداعي الإيهام أن نظرته فيها إسراع لمحٍ، لا تأمل متريث كالذي رأيت عند امرئ القيس. وهذا اللمح السريع أشبه بالوافر الذي منه هذه القصيدة، وبالغناء الخطابي المندفع الذي يريده الشاعر منه.
فأول ما لمح ذراعيها كذراعي القلوص. ثم لونها، وكلية أنوثتها وضمرها ونضجها المبتكر. ثم لمح ثديًا منها كأنه حق عاج. وقوله «ثديا لا ثديين» مما يدل على ثوب كان ملقى على الجانب الآخر، على النحو الذي رأينا في بعض نعت النابغة، وعلى
стр. 1414
النحو الذي كانت عليه بعض تماثيل أفروديت. وكون الثدي كحق من عاج يدل على ضخامته وأنه مقعدٌ ثابت قوي في موضعه غير رهلٍ أو متداعٍ. وقوله «رخصًا» يُنبئ عن طبيعة أنوثته اللينة الناعمة. ثم احترس من أن يظن أنه مسه فعرف لينه، فقال «حصانًا من أكف اللامسينا» يدلك بذلك على أن قوله «رخصًا» نعت على التوهم لا على الاختبار. ثم إذ بالغ في هيئة الذراعين والحقين وهيئة المرأة كلها حيث شبهها بالناقة الطويلة العنق، الطويلة الجسم، ولا يخفى أن في قوله عيطلاً كالدلالة على أن جيدها أيضًا كان متجردًا مثلها لا قلادة عليه (إذ اشتقاق العيطل فيه معنى العطل) بالغ في نعت طول القامة، فشبهها باللدنة التي سمقت وطالت. وجعل متنيها كمتنى هذه اللدنة التي سمقت وطالت. ومراده باللدنة النخلة. والنخل الطوال، إنما يشتد طوله مع تقادم العهد. فقوله اللدنة ههنا احتراس مما يكون مع تقادم العهد من معاني الجساوة والخشونة. وكأن هذه المرأة نخلة شابة طالت فجأة بما فيها من غضارة ولين وتماسك حتى صارت في سموق ما تبلغه العتاق من النخل الجبار. وإذ طال بالمتنين -وهما جانبا الظهر- هذا الطول، جعل الروادف تنوء بما يلينه، من حملها. وفي نوء الروادف تبدينٌ لها، وتنبيهٌ على أنوثتها. ثم إنه أجمل صورة العجز وما تضم المآزر بقوله:
ومأكمةً يضيق الباب عنها
واحتاج هنا إلى الكساء ليوحي بمعنى الحركة. والباب هنا باب الخيمة، ذراعان أو دونهما. والتمثال بعد متجرد في موضعه لم يتحرك. وعلى هذا، فإن التضخيم الذي ضخمه للعجز لا يضيع معه روح الضمر الذي في النموذج الخمصان، لأن الطول كما رأيت نحوٌ من ثلاثين أو أربعين ذراعًا.
وقد نبه هو على الضمر في قوله:
وكشحًا قد جُننت به جنونا
стр. 1415
والكشح منقطع الأضلاع عند الجنب. وفي ذكره بعد المأكمة، إشعار بأن الذي جن به جنونًا حين نظر إليه، إنما هو تناسب انسيابه ضامرًا إلى حيث المأكمة التي يضيق عنها الباب. وذكر حيلةٍ من نحو الانفتال أو القلق ههنا لا يجدي. لأن الجسم المجدول المنصلت الخمصان يتمايل معًا، وهو الذي يصفه ههنا واضطراب القلق والانفتال وما بمجراهما لا يلائمه.
ولكي يكمل الصورة، جعل الساقين اللذين يسندان المأكمة كساريتي بلنط أي عاج أو رخام. ومعنى الارتفاع الهائل ههنا لا يخفى. واستدرك بقوله «يرن» خشاش حليهما رنينًا
لينفي ما يلابس البلنط والرخام من معنى الجمود، لا ليدل على أنها كانت تسعى، تضرب برجليها والحلي يرن. وكأنه يريد أن يقول إنها لو سعت لحدث هذا. وفي ذكره الخشاش مع الحلي، ما يناسب ما ذكره من معنى النخلة، لأن الذي له خشاش ووسوسة حين تتمايل هو أعلاها حيث الذوائب. هذا، وإنما ضخّم عمرو بن كلثوم صاحبته لأن الغرض الذي ساق معلقته من أجله هو الفخر بقبيلته، والادعاء لها أنها كثيرة غزيرة عزيزة قاهرة قال:
وقد علم القبائل من معد ... إذا قُببٌ بأبطحها بنينا
بأنا المطعمون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا ابتلينا
وأنا المانعون لما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا
وأنا التاركون إذا سخطنا ... وأنا الآخذون إذا رضينا
وأنا العاصمون إذا أطعنا ... وأنا العارمون إذا عُصينا
ونشرب إن وردنا الماء صفوًا ... ويشرب غيرنا كدرًا وطينا
ومثل هذه الخصوبة التي يفخر بها لقبيلته -وقد ترى أنه بلغ بها مبلغ التأليه- إنما يلائمها في رمزية النسيب، نعت إلاهةٍ خصبة مساوية لمقدارها، بقوام كالنخلة، وردف كالباب، وساقين كالأسطوانتين من العاج والرخام. وكأن هذه الإلاهة هي بكر قبيلته تغلب التي ولدتها.
стр. 1416
ومما يحسن التنبيه إليه ههنا، أنه حين صار إلى نعت نساء قبيلته أنفسهن، بمعرض تذميرهن لهم في ساحة القتال، جعلهن بوادن يضطربن في مشيتهن كاضطراب، متون الشاربين. وإنما جعلهن هكذا، لأنه يريد أن يكنى عن الوصل، ويجعل هذا ذريعة إلى معنى الغيرة، التي من أجلها يستبسل الرجال في الحروب قال:
على آثارنا بيضٌ حسان ... نحاذر أن تقسم أو تهونا
أخذن على بعولتهن عهدًا ... إذا لاقوا فوارس معلمينا
ليستلبن أفراسًا وبيضًا ... وأسرى في الحديد مقرنينا
ترانا بارزين وكل حي ... قد اتخذوا مخافتنا قرينا
إذا ما رحن يمشين الهويني ... كما اضطربت متون الشاربينا
يُفتن جيادنا ويقلن لستم ... بعولتنا إذا لم تمنعونا
ظعائن من بني جشم بن بكر ... خلطن بميسمٍ حسبًا ودينًا
وما منع الظعائن مثل ضربٍ ... ترى منه السواعد كالقلينا
والآن نصير إلى مثال آخر. قال الأعشى:
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعًا أيها الرجل
غراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهويني كما يمشي الوجى الوحل
كأن مشيتها من بيت جارتها ... مشي السحابة لا ريثٌ ولا عجل
تسمع للحلي وسواسًا إذا انصرفت ... كما استعان بريحٍ عشرقٌ زجل
ليست كمن يكره الجيران طلعتها ... ولا تراها لسر الجار تختتل
يكاد يصرعها لولا تشددها ... إذا تقوم إلى جاراتها الكسل
إذا تعالج قرنًا ساعةً فترت ... وارتج منها ذنوب المتن والكفل
ملء الوشاح وصفر الدرع بهكنةٌ ... إذا تأتي يكاد الخصر ينخزل
صدت هريرة عنا ما تكلمنا ... جهلاً بأم خليدٍ حبل من تصل
стр. 1417
أأن رأت رجلاً أعشى أضر به ... ريب المنون ودهرٌ مفندٌ خبل
نعم الضجيج غداة الدجن تصرعه ... للذة المرء لا جاف ولا تفل
هركولةٌ فنقٌ درمٌ مرافقها ... كأن أخمصها بالشوك منتعل
إذا تقوم يضوع المسك أصورةً ... والزنبق الورد من أردانها شمل
ما روضةٌ من رياض الحزن معشبةٌ ... خضراء جاد عليها مسبلٌ هطل
يُضاحك الشمس منها كوكب شرقٌ ... مؤزر بعميم النبت مكتهل
يومًا بأطيب منها نشر رائحةٍ ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
وهذه الأبيات مشهورة. واستشهدنا منها آنفًا بقوله «هركولةٌ فنقٌ إلى آخر البيت» - بمعرض التمثيل لنموذج البادنة أول حديثنا عن مقاييس الجمال. وهريرة المنعوتة هنا بادنة بلا ريب. والأعشى مما كان يكلف بالبوادن .. قال:
ومثلك خودٍ بادنٍ قد طلبتها ... وساعيت معصيًا لدي وشاتها
وأحسبه كان يفعل ذلك ليجعل من نعت البوادن وسيلة إلى ذكر اللهو والقصص العابث، يتشيطن به، ويفتن سامعيه، ولاسيما الشبان منها. وقد كان له من عشاه، وخفة روحه، وحلاوة جرسه -أليس قد كان يدعى صناجه العرب؟ - ما يرتفع به أن يُزن بريبة أو يؤبن بفجور.
وقد بالغ الأعشى في بدن هريرة. من شواهد ذلك قوله «فرعاء» وهذا طول. وقوله «هركولة فنق» وهذا بدن، وفي الهركولة بعد ما قدمناه من معنى شبه هرقل البطل وقوله:
تسمع للحلي وسواسًا إذا انصرفت ... كما استعان بريحٍ عشرقٌ زجل
لأنها تنصرف خفيفة. والعشرق ضرب من النبات إذ يبس ورقة تطاير مع الريح. والتي تكون حال وسوسة حليها مثل زجل العشرق، ينبغي أن تكون هي في
стр. 1418
عظم الدوحة أو نحوًا من ذلك. ولا يخلو الأعشى ههنا من نظر إلى عمرو بن كلثوم حيث قال:
وساريتي بلنطٍ أو رخام ... يرن خشاش حليهما رنينا
وأحسب الأعشى إنما تعمد المبالغة هنا ليوطئ بذلك إلى السخرية التي سيسخرها بيزيد بني شيبان في أخريات القصيدة حيث قال:
أبلغ يزيد بني شيبان مألكةً ... أبا ثُبيتٍ أما تنفك تاتكل
ألست منتهيًا عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت الإبل
كناطحٍ صخرةً يومًا ليوهنها ... فلم يضرها، وأوهى قرنة الوعل
والبادنة التي تتهتك أنسب شيء لأربه من السخرية، كما كانت الطويلة ذات الساريتين من البلنط أو الرخام أنسب شيء لأرب عمرو بن كلثوم في الذي ذهب إليه من تفخيم شأن قبيلته.
وقول الأعشى «غراء فرعاء» يقابل به قوله «هركولة فنق» من بعد من قبيل ما كنا قدمناه من أن البادنة في نموذج التعظيم قد يخالطها من صفات الخمصانة، من أجل ألا يختل التناسب. وقد احتال الأعشى على صفة الخصر فقال:
ملء الشعار وصفر الدرع بهكنةٌ ... إذا تأتى يكاد الخصر ينخزل
وقوله «ملء الشعار» دليل امتلاء، والشعار ما يلي الجسد، ثم قوله «صفر الدرع» دليل خلو كأنه عام، والدرع القميص كله الذي يكون فوق الشعار. والأعشى يصف هنا حركة بلا ريب. وهي حركة الدرع. وإنما ذكر الشعار، كأنه يُجردها من هذا الدرع ليوقع حقيقة الحركة عندك. وذلك أنها حين تتأتى يكاد خصرها ينخزل، فيبدو جانب من درعها وكأنه خال.
стр. 1419
وروى أبو عبيدة (١) «صفر الوشاح وملء الدرع» قال: «صفر الوشاح أي وشاحها خال من دقة خصرها وإذا لبست الدرع فهي ممتلئة لضخم عجيزتها، وبهكنةٌ ضخمة الخلق إلخ». ولا يخفى أن قوله «صفر الوشاح» يناقض «بهكنة» و «فنقا» ونحو ذلك، إلا أتجعل مقاربة الانخزال في الخصر عند التأتي عذرًا له. وليس عندي في قوة الرواية الأولى. والله أعلم.
وقد بدأ الأعشى نعته هريرة في حالتيها ماشيةً إلى بيت جارتها وآئبة منه، وذلك قوله:
غراء فرعاء مصقولٌ عوارضها ... تمشي الهويني كما يمشي الوجى الوحل
هذا عند الذهاب:
كأن مشيتها من بيت جارتها ... مشي السحابة لا ريثٌ ولا عجل
تسمع للحلي وسواسًا إذا انصرفت ... كما استعان بريحٍ عشرقٌ زجل
وقوله «من بيت جارتها» وقوله «انصرفت» شاهدان أن هذا من صفة الإياب. ثم أخذ في تفصيل الأول. فزعم أنه تزور جيرانها فلا يكرهون طلعتها، ذلك بأنه لا تفشى من أسرارهم. ولا يخفى أنها في هذا البيت برزة زءور. والشاعر ينعتها فيه عند آخر مطافها، حين بلغت الجيران فاسبتشروا بها. ثم يئوب إلى حين همت بأن تزور فيخلع عليها صفة المترفة، التي تكاد يغلبها الكسل أن تخرج من دراها. وهذه بلا شك صفة سمتٍ منها تتكلفه تكلفًا، للذي أعلمناه الشاعر من أنها زواره. ومراده من نعت هذا السمت الذي تتكلفه، أن يجعله في مقابلة أريحيتها وتبرجها حين يتلئب بها سنن المسير. ولا يخفى أنه بهذا يوحي لنا بسجية من ساحرةٍ خلوب.
стр. 1420
ثم يرجع بنا إلى حال لقائها مرة أخرى، ليقابل به ما ذكره من سمت تشددها:
إذا تعالج قرنًا ساعة فترت ... وارتج منها ذنوب المتن والكفل
وفتورها ههنا تفتر. وارتجاج متنها وكفلها -أو كما قال- «ذنوب المتن والكفل» تراءٍ منها ذو ثقةٍ بما تعلم من نفسها من حسن منظر وشباب. والذنوب الدلو. وأراد أن ارتجاجها كما ترتج الدلو مملوءة يضطرب ماؤها ويتحدر من جانبيها. وفي هذا كالنظر إلى قول امرئ القيس: «إذا استحمت كان فيض حميمها البيت». ثم كأن الأعشى مر بهريرة وهي في هذه الحال. من ترائيها إذ قوله «ملء الشعار وصفر الدرع بهكنةٌ» كأنما هو تأملة مارٍّ. ثم كأنه إذ حياها أعرضت عنه إعراضة متجاهلة مزدرية. وهنا يذهب الأعشى قريبًا من مذهب الملاحاة، كالذي رأيت عند عبيد، ويفتعل مسرحية من الرثاء لنفسه إذ يقول:
أأن رأت رجلاً أعشى أضر به ... ريب المنون ودهرٌ مفندٌ خبل
ثم يتخابث بكالوحي إلى سابقة من تجربة كانت بينها وبينه:
نعم الضجيع غداة الدجن تصرعه ... للذة المرء لا جافٍ ولا تفل
وهنا نظر إلى قول امرئ القيس «هونةً غير مجبال» و «مرتجةً غير متقال». وظاهر الأداء يحتمل أن يكون الأعشى جاء بوحيه هذا ليهون من أمر الصدود الذي كان. ولا يخفى بعد مراده من محض الأرب إلى مفاكهة سامعيه بما ينعت لهم من أمر اللذة واللعاب.
ثم يعود إلى تفصيل شيء ما أجمله إذ وصف الأوبة فيقول:
هركولةٌ فنق درمٌ مرافقها ... كأن أخمصها بالشوك منتعل
ومن يكون أخمصه منتعلاً بالشوك، يحمل على أمشاطه، وكأنه مندفع في شيء
стр. 1421
من إسراع. وإذ حالها آئبة ليست بحال من تقبل على افتنان تعمده من تراء وتبرج، فالشاعر يصف هيئتها كاملة مدبرة تسعى. واجعل هذا. كما قدمنا -ازاء قوله «غراء فرعاء» إذ الغراء مقبلة دالفةٌ. وكونها هركولة، في قامتها ومشيتها- طبعٌ طبعته، وهو سر جمالها المنعوت، وليس في ذلك فضل تزيد متعمد كالذي كان منها حين حيت صاحباتها ففترت وارتج منها ذنوب المتن والكفل.
ثم رجع الأعشى من هذه النظرة التي نظرها إليها وهي مولية كالسحابة لها عشرقٌ زجل كالرعد، إلى عهدها حين أول ما غادرت الجارات، يجعل ذلك في مقابلة تشددها حين كان يصرعها الكسل وأول ما همت بالزيارة:
إذا تقوم يضوع المسك أصورةً ... والزنبق الورد من أردانها شمل
وإنما احتاج الأعشى إلى أن يجعل المسك أصورة لأن هريرة عظيمة الجسم، مع ما يدل عليه هذا من ترفها، ولا يخفى ما في قيامها على هذا الوجه من تثاقل وونى. وقد نظر الأعشى إلى قول امرئ القيس في بادنتيه:
إذا قامتا تضوع المسك منهما
ثم لا يخفى أيضًا ما ستتركه أصورة المسك هذه وأردان الزئبق من أريج يستمر بذكرى هريرة بعد خروجها إلى حين.
ثم يجيء تشبيه الروضة.
والشاعر يجعله إجمالاً لما سبقه، كما أجمل بأبيات المشية تفصيله بعدها. وإشراق الروضة ومضاحكتها للشمس -وذلك قد كان ضحًا كما ترى من السياق- أظهر لبهجتها وأبهتها. وهذا كأنه تمثيل لحال هريرة حين تزور. ونشر ريا الروضة واختضابها بالأصيل. كأنه تمثيل لحالها حين تئوب وهي هركولةٌ فنقٌ إلى آخر ما قال. ثم عاد إلى معنى ما كان ذكره من صدودها، وإلى ما افتعله من الملاحاة ومسرحية
стр. 1422
الرثاء لنفسه، ففرع من ذلك صورة أيما هازلة:
عُلقتها عرضًا وعُلقت رجلا ... غيري وعُلق أخرى غيرها الرجل
وعلقته فتاةٌ ما يحاولها ... من أهلها ميتٌ يهذي بها وهل
وعلقتني أخيرى ما تلائمني ... فاجتمع الحب حب كله تبل
فكلنا مغرمٌ يهذي بصاحبه ... ناءٍ ودانٍ ومحبولٌ ومحتبل
وكأن في هذه الصور شيئًا من قصة «أوبرون» و «تيتانيا» و «بك» ذي رأس الحمار التي جاء بها شكسبير في روايته «حلم ليلة منتصف الصيف».
ثم ضمن الأعشى ما كان تخابث به من نعت الوصل وفاكه به سامعيه في قوله:
قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل
ومن ههنا تستدل أن ما كان نعته من زيارتها لجاراتها وأوبتها منهن، إنما كان جميعه تمثيلاً- ولم يكن صدودها إلا هذا الذي قالته له حين زار. وقد تعلم أن الرواة زعمت هذا أخنث بيت قالته العرب.
ثم انتقل بعد إلى وصف العارض وألبس صفته له ألوانًا من دعة هريرة وبذخها:
له ردافٌ وجوزٌ مفأم عمل ... منطق بسجال الماء متصل
وقوله بعد:
لم يُلهني اللهو عنه حين أرقبه ... ولا اللذاذة عن كأسٍ ولا الكسل
إنما هو تذكير لنا، بأنه بالذي ذكر من نعت هريرة وبالذي سيذكر من نعت البرق ومجلس الخمر إنما يتشاغل، كأنه غير آبه ليزيد بني شيبان. ثم إنه من بعد سينزل به عقوبته كشر ما يكون العقاب. والتشاغل بالنظر ولهو الحديث ومطايبة
стр. 1423
الغزل مع القراه البوادن. وبالتأمل والشجن والذكريات إذ يلوح العارض السبحل، وبالمرح والسكر والشواء يحمله المشل الشلشل، كل ذلك مع الهزل والتشيطن والمفاكهة مما يكون أبلغ في التنبيه على معنى فحولته هو، حين يُقبل على الجد وينازل الأقران:
قالوا الطعان فقلنا تلك عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشرٌ نزل
وحسبنا بعد هذا القدر عن لامية هريرة.
وقد جاء الأعشى بنموذج البادنة العظيمة متجردة في كلمته التي مطلعها:
صحا القلب من ذكرى قتيلة بعدما ... يكون لها مثل الأسير المكبل
وفيها يقول يصف ردفها:
ينوء بها بوصٌ إذا ما تفضلت ... توعب عرض الشرعبي المغيل
أي الواسع. والشرعبي ثوب ذو أذيال يخرج به ولا يتفضل، فكأن هذه لا تتفضل ولكن تتجرد، لأنها متى تفضلت ضاق عنها الشرعبي الواسع وهو لبسة خروجها، أو كأنها تتفضل حين تتفضل بالشرعبي، الذي يخرج به غيرها، لأن ضخامة عجيزتها لا يصلح لها غيره، وهو نفسه عنها يضيق:
روادفه تثني الرداء تساندت ... إلى مثل دعص الرملة المتهيل
ومثل هذه تكون كزوجة أنتفاتس، التي اختطفت هي وزوجها أحد رفاق أوذيسوس الثلاثة ليتعشيا به (١). والمبالغة في صورتها وأبعادها لا تخفى.
هذا، ولولا ما في القصيدة من تخابث بالتفصيل الفاحش لجئنا بها كاملة
стр. 1424
ههنا. فليرجع إليها في موضعها من الديوان، لقوة دلالتها على ما نحن بصدده من نموذج البادنة العظيمة.
ونصير الآن إلى مثال ثالث نختم به. وهو من قصيدة المرار التي مطلعها:
عجبٌ خولة إذ تنكرني ... أم رأت خولة شيخًا قد كبر
والقصيدة من المفضليات، والمرار شاعر إسلامي. والقصيدة كلها مسوقة من أجل النعت للمتجردة العظيمة أو قل المعظمة التي في آخرها. والشاعر يستهل بنموذج من الملاحاة لا يقف عنده غير قليل ريثما ينتقل إلى نعت حصان:
سائلٍ شمراخهُ ذي جببٍ ... سلط السنبك في رسغٍ عجر
وقد تبطن به واديًا جاده الغيث عازبًا. ثم يفتن في نعت هذا الحصان ويبالغ في أرنه ونشاطه:
ذو مراحٍ فإذا وقرته ... فذلولٌ حسن الخلق يسر
بين أفراسٍ تناجلن به ... أعوجيات محاضير ضبر
ثم ينتقل من الحصان إلى صفة ناقةٍ عيدية مرحة نشطةٍ كهذا الحصان «رسلة السموم سبنتاة جسر».
راضها الرائض ثم استعفيت ... لقرى الهم إذا ما يحتضر
ويشبهها بحمار فحل أقب بين آتن قب، وقد نشت عنها المياه لما اتقد حر الصيف فهيجها وجعل يخبط بها الأماعز في طلب الماء. وهذا الحمار أشبه شيء به هو في فحولته، إن بك الحصان ذو الشمراخ، والسبنتاة البازل أو التي جاوزت البازل، مما يشبهان روعة فتاته، ونزق حبه لها.
ثم إذ مهد بفحولة الحمار الوحشي لفحولة نفسه، جعل يفتخر-فذكر أول
стр. 1425
شيء أنه يدخل أبواب الملوك مقبولاً مكرمًا لا يحتاج في ذلك إلى أن يرشو حاجبها. ثم ذكر أن له حسادًا يحسدونه على هذا من منزلته. وأن من أرباب الملك من تحدثه نفسه بالتعالي عليه، وهو لعزة نفسه لا يبالي به، ولا يهوله وعيده:
أنما من خندف في صيابها ... حيث طاب القبص منه وكثر
ولي النبعة من سلافها ... ولي الهامة منها والكبر
مولي الزند الذي يورى به ... إن كبا زند لئيم أو قصر
وأنا المذكور من فتيانها ... بفعال الخير إن فعلٌ ذكر
أعرف الحق فلا أنكره ... وكلابي أنسٌ غير عقر
لا ترى كلبي إلا آنسًا ... إن أتى خابط ليلٍ لم يهر
كثر الناس فما ينكرهم ... من أسيفٍ يبتغي الخر وحر
وحين يبلغ هذه الذروة من نشوة الافتخار بنفسه بين نادي قومه من خندف، تميمها وأسدها وهذيلها وكنانتها وقريشها جميًا، يلتفت إلى النسيب:
هل عرفت الدار أم أنكرتها ... بين تبراك فشسى عبقر
جرر السيل بها عثنونه ... وتعفنها مداليج بكر
يتقارضن بها حتى استوت ... أشهر اليف بسافٍ منفجر
وترى منها رسومًا قد عفت ... مثل خط اللام في وحي الزبر
قد نرى البيض بها مثل الدمى ... لم يخنهن زمان مقشعر
وقد وهم «ليال» فحسب أن قوله «هل عرفت الدار أم أنكرتها» أول قصيدة أخرى أقحمت في القصيدة التي قبلها لمكان الروي والوزن. وإنما أتى «ليال» في وهمه هذا من جهة ابن قتيبة إذ قال في الشعر والشعراء عن المرار (١) «وهو القائل في
стр. 1426
الخيل قصيدته التي أولها:
هل عرفت الدار أم أنكرتها ... بين تبراك وشسى عبقر
قال ليال (١):
Ibn Qutaybah evidently knew the second poem as a separate piece, for the quotes (Shi'r-٤٣٩) V.٥٣ the first verse of qasidah though he carelessly says that it is about horses).
وإنما جئنا بنص ليال للتنبيه على هذا الذي جعله بين الأقواس منه.
وفحوى كلام «ليال» أن ابن قتيبة كان يعلم من أمر القصيدة الثانية، فيما زعم، التي مطلعها «هل عرفت الدار أم أنكرتها»، ولكن قوله أنها في الخيل، «قول لم يتدبره». وهذه جسرةٌ من «ليال» أحسب جرأه عليها ما كان وطن عليه نفسه من دعوى الاختلاف في الروح والموضوع بين شطري هذه القصيدة من قوله «عجبٌ خوله إلخ» وهو أولها إلى قوله «كثر الناس إلخ» وهو الثاني والخمسون»، ومن قوله «هل عرفت إلخ» وهو الثالث والخمسون، إلى قوله «ما أنا الدهر بناس ذكرها» وهو المقطع.
ولعمري لم يكن ابن قتيبة بمن يقال عنه «لا يتدبر». وما كان ليقول إن هذه القصيدة في الخيل إلا وهي عنده في الخيل. على أنه يُحمد «لليال» أن قد فطن إلى ما يكون من وحدة النفس واتصال أطراف الموضوع في القصيدة العربية، بشاهد هذا الذي ادعاه من الاختلاف ههنا حتى جعله ذريعة إلى النقد الذي نقده. وقد نبهنا إلى هذه الحسنة منه أول حديثنا في التمهيد عن وحدة القصيدة، ثم حين عرضنا لعينية سويد، وقد توهم فيها من الانقسام قريبًا مما توهمه ههنا، كما مر بك.
стр. 1427
وجلي من قول ابن قتيبة أن مطلع هذه القصيدة:
هل عرفت الدار أم أنكرتها ... بين تبراك فشسي عبقر
أنه قد كان لها ترتيب آخر غير الذي في المفضليات. ولا يستبعد أن هذا الترتيب الآخر قد كان مما رتبه الشاعر نفسه ثم عدل بعد عنه. ذلك بأن القريض مما يقع فيه مثل هذا: تنثال القوافي والمعاني على الشاعر في المضمار الذي هو فيه. ثم إذا فرغ أحس أن كلامه لم يستقم بعد، وأن لا مزيد على ما قال. فيحتاج إلى أن يقدم ويؤخر وربما حذف الزوائد أو ما أحسه فيه أنه دخيل. ولا يزال في هذا المجرى، حتى ترضى نفسه عما يصنع، ويرى أنه قد استقام. وإلى هذا أو إلى نحو منه أشار عدي بن الرقاع العاملي حيث قال:
وقصيدةٍ قد بت أجمع شملها ... حتى أقوم ميلها وسنادها
نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها
وقد كان القوم في العهد الأموي مما يكتبون ما ينظمون، كما كانوا يروونه أيضًا. فربما اتفق لشاعر أن يذيع كلمة، يرى أن أمرها قد استقام، ثم يبدو له فيعود إليها بعد ذلك، يزيد أو ينقص أو يقدم أو يؤخر. ومن أمثلة هذا دماغة جرير، فقد ذكروا أن آخرها قد كان بيته: «فلا كعبًا بلغت ولا كلابًا» وبعده أبيات عدد كما تعلم في الديوان، لاشك أن جرير أضافها بعد ما كان أنشده. والحديث في هذا الباب يطول. وقد سبق أن ألمعنا إلى شيء منه في ما كنا مهدنا به، ونأمل أن نفصل فيه من بعد إن شاء الله.
ولعل الترتيب الذي عرفه ابن قتيبة من قصيدة المرار، كان هكذا: المطلع قوله «هل عرفت الدار» كما ذكر، ثم تستمر القصيدة إلى قوله «ما أنا الدهر بناسٍ ذكرها» ثم يلي هذا «عجبٌ خولة إذ تنكرني» وتستمر القصيدة بعد إلى قوله «كثر
стр. 1428
الناس» فيكون هو المقطع. ويجوز أن قد كان نعت الناقة سابقًا لنعت الخيل. ونعت الخيل عشرون بيتًا من البيت السابع إلى السادس والعشرين في الترتيب الذي في المفضليات.
وإذا صح هذا أو نحو منه، وإذ النسيب مهما يطل، فهو من قري مفتتح القصيدة، فلا غرابة أن يزعم ابن قتيبة مع الترتيب الذي وقع له، أن القصيدة في الخيل. ولعمري لو قد كان وقع له ترتيبها الذي في المفضليات، لكان جعلها في الخيل شبيهًا بمذهبه، للذي كان يراه من إيثار شرف المعنى، ومعنى الفروسية الذي في صفة الخيل أشرف من معنى اللهو الذي يكون في صفة النساء. وقولنا: «وإذ النسيب مهما بطل إلخ». مرادنا منه التنبيه على ما كان يجيء من تطويل النسيب في تضاعيف الشعر الأموي. بلغ جرير مثلاً بالنسيب سبعة وخمسين بيتًا من قصيدة ذات اثنين وسبعين بيتًا هجًا بآخرها الأخطل (١). وبلغ به واحدًا وثلاثين بيتًا من أخرى فيها نيف وتسعون بيتًا، هجا بها الفرزدق، وبلغ به الفرزدق واحدًا وثلاثين بيتًا في فائيته المجمهرة (٢)، وقد نبه ابن قتيبة إلى ما يكون من نحو هذا في معرض حديثه عن ضرورة مراعاة التناسب في طول أقسام القصيدة من نسيب وغيره، من مقدمته الرائعة لكتابه الشعر والشعراء. قال: «فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب وعدل بين هذه الأقسام فلم يجعل واحدًا منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيمل السامعين، ولم يقطع وبالنفوس ظمأ إلى المزيد. فقد كان بعض الرجاز أتى نصر بن سيار، وإلى خراسان لبني أمية، فمدحه بقصيدة، تشبيبها مائة بيت، ومديحها عشرة أبيات فقال نصر: «والله ما أبقيت كلمة عذبة ولا معنى لطيفًا إلا وقد شغلته عن مديحي بتشبيبك، فإن أردت مديحي فاقتصد في النسيب، فأتاه فأنشده:
стр. 1429
هل تعرف الدار لأم الغمر ... دع ذا وحبر مدخةً في نصر
فقال نصر، لا ذلك ولا هذا، ولكن بين الأمرين. أهـ»
هذا، وعندي أن ترتيب قصيدة المرار الجيد هو الذي في المفضليات. رواه ابن الأنباري عن أحمد بن عبيد بن ناصح وعن ثعلب وعن غيرهما من التقات. وهؤلاء فرسان الرواية. ولم يشر ابن الأنباري إلى تقدم يروي في البيت الثالث بعد الخمسين. وما كان ليخفى عنه مقال ابن قتيبة، للذي صح عنده من رواية ترتيبه (١).
وقد ذكر أن أبا عكرمة لم يرو القصيدة كلها، وهذا كان يلزمه إياه ما كان هو عليه من منهج البحث.
وقد نظر المرار -فيما أرى- إلى عينية سويد بن أبي كاهل، وقد تعلم كما قدمنا أن المرار شاعر إسلامي، وكان معاصرًا لجرير والفرزدق، وكان سويد بن أبي كاهل مخضرمًا من المتقدمين، وعينيته مما اشتهر من الشعر، وقد تمثل الحجاج بأبيات منها يوم رستقاباذ، منها قوله:
كيف يرجون سقاطي بعدما ... جلل الرأس بياضٌ وصلع
(وقد أشرنا إلى هذا في كتابنا المرشد في الجزء الأول منه بمعرض الحديث عن بحر الرمل) فكل هذا مما يسوغ ما نزعمه من نظر المرار إليه هذا وكأن المرار حين نظر إليه عمد إلى شيء كأنه عكس لمذهبه، ليلائم بذلك ما كان من أربه هو. ذلك بأن سويدًا قد ذكر رابعة في مستهل حديثه، ليذمر بها نفسه على ما كان يريد أن يقدم عليه من حرب ونفار. ثم لما حمى عاد إليها مرة أخرى، ليزيد بها تذميره لنفسه مرة أخرى، كالذي قدمنا لك عند الحديث عن قصيدته. أما المرار فإنه قد بدأ بنموذج الملاحاة كما قدمنا لك في قوله:
عجبٌ حولة إذ تنكرني ... أم رأت خولة شيخًا قد كبر
стр. 1430
وهو كأنه نفار مدعي، والخصم، كما ترى، فيه امرأة، لا قرنٌ ألد. ثم خلص من هذا النفار المدعي إلى ذكرى الماضي التي تصحب نموذج الملاحاة فجعلها وسيلة إلى الفخر بما اكتمل عنده من أداة السراوة والفروسية والفحولة كما رأيت وكأنه بهذا الفخر قد هيأ لنفسه أن ترضى عنه الفاتنة التي سيصفها من بعد- (وخولة التي في المطلع رمز لها أو كناية عنها) ثم تؤثره على غيره فيكون لها بعلاً. فالفخر كما ترى له من مكان التذمير وإثارة النشوة في نفس الشاعر حتى يصدح بعشقه ومعاني ما استحسنه من جمال هذه الفاتنة، كما للنسيب وحديث رابعة في قصيدة سويد. وهذا تأويل قولنا آنفًا إن المرار قد عمد إلى شيء من عكسٍ لمذهب سويد.
والفخر بمشهد من النساء أو إزاء النساء بأرب منالة الرضا عندهن ثم التغني من محاسنهن معروف في مذاهب البداوة العربية وقد أشرنا إلى نحو منه بمعرض حديثنا عن الظعائن والغيرة. وقول عنترة بن شداد:
هلا سألت الخيل يا بنة مالكٍ ... إن كنت جاهلةً بما لم تعلمي
ونحوه، مما يشهد به.
ولبدو البقارة عندنا، من سليم وبني جرار ومن حولهم، مذهب يسمى «انتبر» أي الفخر مع التغني، كأنه بقية بقيت من هذا الذي نذكره من مذاهب البداوة العربية القديمة. يقف أحدهم أمام مجمع النساء في الأعراس وما بمجراها من الأفراح «فيتنبر» أي يتغنى ويفتخر، ثم يكون هذا منه ذريعة يتذرع بها إلى الغزل، يذكر اسم من يهواها أو يرومها أن تهواه، أو قل اسمًا يكنى به عن اسمها. من أمثلة ذلك قول أحدهم (١).
стр. 1431
الحربه ... هايله
والدبوقة ... مايله
لابسين خليق الموت الدم شايله
زينب الكوراك ضرب قايله
وقول الآخر (١):
شدينا ... عجنا
فراشنا غباش، زادنا غله
باسم بنيه الشام للشر بدلى
وقول الآخر (٢):
بكيرة العقال
اللابسة الضهب تلال
طعن أم يد يام فلجًا ريقان بشبع الحوام
نحو هذا كثير، ودلالته على ما نحن بصدده واضحة.
هذا، وقد؟ ؟ ؟ لمرار نموذج فاتنته، ولكنه لم يبلغ بطوله أربعين ذراعًا كما فعل ابن كلثوم فيما حدثنا لا ببدانته وضخامته أن يجعله كعملاقة أنتفاتس في الأوذيسا،
стр. 1432
كما فعل الأعشى، ذلك بأن نحو هذا التأليه لم يكن من أربه. وإنما كان يريد أن يظهر مدى ما فتنته صاحبته، ومدى ما تعاظمه من أمرها، بالمبالغة في تصويرها تمثالها. ولعله لم يرب بطوله على عشرة أذرع وقد جعله بين البادنة والخمصانة وأصاب بذلك آرابا شتى- منها معنى الخفض الذي كان أغلب على مذاهب الإسلاميين ومنها معنى بعد المنال الذي يكنى عنه الطول والضمر، وأماني الوصال التي يكنى عنها البدن واللين، ومنها بعد، حفظ النسبة، على النحو الذي قدمنا به لحديثنا عن النموذج العظيم في أول هذا الباب.
هذا وقد قدم المرار أمام نعته لفاتنته صورةً مجملة لأترابها بعد أن ذكر الدار وعفاءها. وقد جعل أترابها بادنات ناعمات، ليجيء بها من بعد فتفرعهن طولاً، وتبذهن فراهة حسن، ثم ليجعل من الغناء بهن نشوة تهيء له جو الغناء بها. قال:
هل عرفت الدار أم أنكرتها ... بين تبراك فشسي عبقر
جرر السيل بها عثنونه ... وتعفتها مداليج بكر
وهي الرياح تدلج وتبتكر:
يتقارضن بها حتى استوت ... أشهر الصيف بسافٍ منفجر
وبساف متعلق بيتقارضن. أي تناوبتها هذه الرياح بسوافيها حتى استوت أشهر الصيف:
وترى منها رسومًا قد عفت ... مثل خط اللام في وحي الزبر
وهذا تشبيه دائر في عفاء الديار:
قد نرى البيض بها مثل الدمى ... لم يخنهن زمانٌ مقشعر
стр. 1433
كالذي زعم من زمانه هو إذ بلاه بالشيب وحنا الظهر في أول الذي ذكره من الملاحاة.
يتلهين بنومات الضحا ... راجحات الحلم والأنس خفر
ونومهن الضحا شاهد نعمتهن. ورجاحة حلمهن وأنسهن نعت لسجايا منهن تلائم ما سيذكره بعد من بدنهن:
قطف المشي قريبات الخطى ... بدنًا مثل الغمام المزمخر
يتزاورن كتقطاء القطا ... وطعمن العيش حلوًا غير مر
وليس هذا البيت الثاني، وأحسب أنا وقفنا عنده من قبل- بتكرار لسابقه. إذ فيه إيحاء بشعور المرار إزاء ما رأى من حال هؤلاء الفتيات إذ يمشين يتزاورن. شاهد هذا الإيحاء ما يلابس معنى القطا من معنى الخفة. والشعور الذي أحسه هو إنما كان خفة ونشوة طرب وعجب.
هذا ومع الإيحاء قصد إلى تصوير ما هن عليه من خلو بال إذ يتزاورن ويتحدثن لا يشغلن شاغل هم، كما تفعل القطا إذ تقطو عند جانب الغدير، وإذ تلغط وهي تقطو:
لم يطاوعن بصرمٍ عاذلاً ... كاد من شدة لومٍ ينتحر
وهذا البيت ظاهر في صفتهن وحقيقته أنه صفة للشاعر نفسه، إذ هو لا يبالي أن يعذله عاذل على هذا الطرب الذي يحسه لذكرى فتاته، وهذا التخرق بالنشوة الذي سيتخرقه حين ينعتها فيبالغ في نعته لها. ومن أجل هذا المعنى المستكن، ساغ له أن يقول بعد:
وهوى القلب الذي أعجبه ... صورةٌ، أحسن من لاث الخمر
وهذا مبدأ النعت. وفاتنته التي يصف، أحسبها كانت مختمرة، بدليل قوله:
стр. 1434
«صورةٌ، أحسن من لاث الخمر»، إذ لا يعقل أن هذا أراد به معنى «أحسن النساء»، على نوع من إطناب، ليس إلا. وفي القصيدة بعد أبيات تقوي هذا المعنى الذي تذهب إليه، سنذكرها في مواضعها. والآن نذكر لك سائر نعته من قوله «وهوى القلب إلخ» إلى مقطع القصيدة، قال:
راقه منها بياضٌ ناصعٌ ... يونق العين وضافٍ مسبكر
تهلك المدارة في أفنانه ... فإذا ما أرسلته ينعفر
جعدةٌ فرعاء في جمجمةٍ ... ضخمةٍ تفرق عنها كالضفر
والضفر بضمتين جمع ضفير وهو ضفائر الشعر، كأنه شبه سبائب خصلها بضفائر غيرها. أو الضفير الحبل يضفر ولا يمر فتله، وعليه يكون قد شبه شعرها بالحبال.
شادخ غرتها من نسوةٍ ... كن يفضلن نساء الناس غر
والغرة الشادخ، المتسعة المنتشرة. وأما الدقيقة المستطيلة فيقال لها الشمراخ:
ولها عينًا خذول مخرفٍ ... تعلق الضال وأفنان السمر
والمخرف التي ترعى الخريف. والضال السدر البري. والسمر ضرب من شجر العضاه:
وإذا تضحك أبدى ضحكها ... أقحوانًا قيدته ذا أشر
قيدته أي جعلت لثاته حما بالنؤور ونحوه. والأشر تحزيز حسنٌ ذو بريق يكون في الأسنان، وهي بضمتين:
لو تطعمت به شبهته ... عسلاً شيب به ثلجٌ خصر
стр. 1435
بكسر الصاد أي بادر، وهذا من صفة الشراب الممازج العسل إذ الثلج بارد ضربة لازب:
صلته الخد طويل جيدها ... ناهد الثدي ولما ينكسر
مثل أنف الرئم يُنبئ درعها ... في لبانٍ بادنٍ غير قفر
بكسر الفاء. وأراد أن حلمة ثديها كأنف الغزال أو ولد الغزال وهو الرئم:
فهي هيفاء هضيمٌ كشحها ... فخمةٌ حيث يشد المؤتزر
يبهظ المفضل من أردافها ... ضفرٌ أُردف أنقاء ضفر
أي رمل عظيم أردف على أنقاء رمل عظيم. والأنقاء جمع نقا وهو الناعم من الرمل:
وإذا تمشى إلى جاراتها ... لم تكد تبلغ حتى تنبهر
دفعت ربلتها ربلتها ... وتهادت مثل ميل المنقعر
والربلة لحم باطن الفخذ، والمنقع الكئيب المنقعر:
فهي بداء إذا ما أقبلت ... ضخمة الجسم رداح هيدر
بداء أي بعيدة ما بين الفخذين، هيدكر أي شابة عظيمة الخلقة:
يضرب السبعون في خلخالها ... فإذا ما أكرهته ينكسر
أي لعظمها ونعمتها يضرب في خلخالها سبعون مثقالاً. فإذا أرادت لتلبسه ساقها مع هذا من عظمه، يضيق عن ساقها، فتكرهه فينكسر لامتلاء ساقها وضخامتها كما ترى. وقوتها ينبغي أن تكون فولاذية لتقدر على كسر الخلخال. أم لعلها كانت لها جوارٍ ضخام يعنها؟ وينبغي على هذا أن تكون صاحبة عمرو بن كثلوم التي ساقاها كساريتي بلنط أو رخام- وإنما نظر المرار إليه حيث يقول: «يرن خشاش
стр. 1436
حليهما رنينًا». ووزن خلخالها مئون من المثاقيل.
ناعمتها أم صدقٍ برةٌ ... وأبٌ برٌّ بها غير حكر
أي بخيل. وهذا كأنه من حديث أم زرع: «طوع أبيها، وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها».
لا تمس الأرض إلا دونها ... عن بلاط الأرض ثوبٌ منعفر
وهذا مما يقوي ما زعمناه من أنه رآها كاسية. وأذكر بعد قوله آنفًا يصف شعرها «فإذا ما أرسلته ينعفر» - ففي هذا صدى منه.
تطأ الخز ولا تكرمه ... وتطيل الذيل منه وتجر
وقوله «وتطيل الذيل منه وتجر» شاهد آخر:
وترى الريط مواديع لها ... شعرًا تلبسها بعد شعر
بضمتين جمع شعار وهو ما يلي الجسد من الثياب:
ثم تنهد على أنماطها ... مثلما مال كثيبٌ منقعر
أي لعظمها تهوي منهدة على الأنماط، حين تروم الراحة. وهذا من قول امرئ القيس «تميل عليه هونةً غير مجبال» مضافًا إليه قوله: «كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه». وبالغ المرار بقوله: «تنهد» ليناسب ذلك عظم تمثاله.
ثم في قوله «تنهد» بعد إيحاء بشعوره هو، إذ رآها قائمة تمشي، فجمح بخيال المنى إلى رؤيتها في حال آخر:
عبق العنبر والمسك بها ... فهي صفراء كعرجون العمر
والعمر نخلة السكر، وقد شبه لونها بعرجونها الناعم الأصفر كما ترى. ومن
стр. 1437
قبل شبه شعرها بالأفنان. فهي كأنها نفسها نخلة. هذا، وقد ذكر في مطلع نعته أن لونها أبيض ناصع. وههنا يصفها بالصفرة. والسبب فيما يبدو لنا أمران. أولهما أنه أراد أن يجعل بياض لونها في مقابلة سواد شعرها. والجعودة مما تنبئ عن شدة السواد في الشعر مع شدة البريق، كما تنبئ عن المتانة فيه والتعقص وهما معناها الأول. فتكون الصورة بهذه المقابلة أقوى. وثانيهما أنه طلب التوسط بين ما كان عليه أهل الأمصار في عصره من استحسان ألوان الجواري الروميات ونحوهن من ناعجات الألوان:
قال رؤبة:
لقد أتى في رمضان الماضي
جاريةٌ في درعها الفضفاض
تقطع الحديث بالإيماض
أبيض من أخت بني إباض
وبين ما كان عليه مذهب العرب من استحسان الصفرة ومقاناة الصفرة كالذي مر بك. وإلى قريب من مذهب المرار هذا في التوسط ذهب معاصره ذو الرمة حيث قال:
حوراء في نعجٍ صفراء في دعجٍ ... كأنها فضة قد مسها ذهب
إلا أن ذا الرمة كان أحرص على نموذج القدماء كما ترى. وكأن المرار بقوله «يونق العين» بعد أن قال «راقه منها بياض ناصع» أراد أن يعتذر للعرف لما هو عليه من استحسان الصفرة. وكأنه أيضًا أراد أن يعتذر بنسبة الصفرة إلى الطيب إلى أذواق أهل الأمصار من معاصرين- يقول بذلك لهم إن هذه الصفرة ليست لونها الأصلي ولكن البياض الناصع هو لونها الأصلي.
стр. 1438
ومما يشبه هذا في التوسط، إلا أنه آخذ من طريقة القدماء قول الرماح بن ميادة:
فيهن صفراء المعاصم طفلةٌ ... بيضاء مثل غريضة التفاح
أي ما يبدو من معاصمها (ويدل هذا على أن وجهها كذلك أيضًا) أصفر اللون وما أكنته ثيابها أبيض كغريضة التفاح. وأحسبه أراد باطن التفاحة الغريضة، وإن يك أراد ظاهر التفاحة، فليس لون صاحبته إلا الصفرة، كلون التفاحة الذهبية التي شغلت «أتلانتا»، والأخرى التي أرثت بها أفروديت الحرب من أجل هيلين.
إنما النوم عشاءً طفلاً ... سنةٌ تأخذها مثل السكر
أي تنام سجحًا، لا يسمع لها غطيط ولا يتغير طعم فيها ثم هي فارغة البال تتلهى بالنوم.
والضحى تغلبها وقدتها ... خرق الجؤذر في اليوم الخدر
واليوم الخدر بكسر الدال كيوم الغمام. وأحسبه نظر هنا إلى قول زهير «مغزلةٌ من الظباء تراعي شادنًا خرقا». لأن الشادن الخرق هو الجؤذر. وكأن المرار إذ سبق له تشبيهها بالخذول المخرف، وهي أم الشادن، أراد أن يجمع إليها مع ذلك صفة ابنها التي ذكر زهير، ليكون هذا أبلغ في الدلالة على غنج أنوثتها، ومرض جفونها.
وهي لو يُعصر من أردانها ... عبق المسك لكادت تنعصر
وهذا أيضًا مما يشهد بأنها كانت كاسية حين رآها. وهو من قول الأعشى «والزنبق الورد من أردانها شمل»، وفيه بعد مبالغة، ووحيٌ من اشتهاء عند قوله «يعصر».
أملح الخلق إذا جردتها ... غير سمطين عليها وسؤر
стр. 1439
وقد جردها من خياله كما رأيت في نعته. وكأنه يوهمنا بهذا أنه لم يفعل.
لحسبت الشمس في جلبابها ... قد تبدت من غمام منسفر
وهذا من قول النابغة «كالشمس يوم طلوعها بالأسعد». وقد جعل المراد مكان «يوم طلوعها بالأسعد» «قوله قد تبدت عن غمام منسفر» ونظر فيه إلى قول ابن الخطيم:
تبدت لنا كالشمس تحت غمامةٍ ... بدا حاجبٌ منها وضنت بحاجب
أو قول أبي دؤاد:
ويصن الوجوه في الميسناني ... كما صان قرن شمسٍ غمام
وفي البيت بعد رجعة إلى المطلع «صورة أحسن من لاث الخمر»، ودلالته على أنها كانت كاسية مختمرة لا تخفى. ومما يقوي قولنا إن فيه رجعة إلى المطلع ذكر لفظ الصورة من بعد حيث قال:
صورة الشمس على صورتها ... كلما تغرب شمسٌ أو تذر
وأول البيت من قول النابغة. وآخره نظر فيه إلى روضة الأعشى في قصيدة هريرة المشرقة التألق بالضحى، المعجبة الحسن والريا عند الأصيل.
ثم أخذ المرار بعد أن أكمل صورة تمثاله بهذا البيت والذي قبله، وختم بنحو مما كان ابتدأ به، في معاني أهل الصبابة والغزل مما كان نافقًا في عصره. فزعم أن فاتنته تركته لا ميتًا ولا حيًا أو كما قال:
تركتني لست بالحي ولا ... ميتٍ لاقى وفاةً فقبر
والمعنى قرآني ينظر إلى قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ ونحو ذلك من
стр. 1440
الآيات التي فيها صفة جهنم.
يسأل الناس أحمى داؤه ... أم به كان سلال مستسر
وهي دائي وشفائي عندها ... منعته فهو ملويٌّ عسر
وهذا كقول عروة عفراء: «جعلت لعرّاف اليمامة حكمه» الأبيات
وهي لو يقتلها بي إخوتي ... أدرك الطالب منهم وظفر
وهذا تظرف بمعنى الثأر، وهو كثير عند الإسلاميين، تجده عند عمر وأضرابه. وكنايته عن الاشتهاء لا تخفى. قالت صاحبة ابن الدمينة:
فيا حسن العينين أنت قتلتني ... ويا فارس الخيلين أنت شفائي
وكأن المرار ههنا يتمنى التي نعت زوجة له وهذا عسى أن يصحح ما قدمناه من أنه مهد بالفخر ليزكي نفسه عندها وقد علم أن ذلك بعيد المنال. فمن أجل هذا ما قصد إلى التعزي بالذكرى، وهي صيحة تحسر، في قوله:
ما أنا الدهر بناسٍ ذكرها ... ما غدت ورقاء تدعو ساق حر
وهذا هو مقطع القصيدة في رواية ابن الأنباري وهي التي نرجحك
هذا والتجريد الخيالي الذي جرده صاحبته تابع لمعنى التعاظم ما بالغ فيه من أبعاد تمثاله، وقد ذكرنا من ذلك في مواضعه، نحو قوله «تهلك المدراة في أفنانه» - وهي صفة شجرة، وقد نعت به شعرها قبل أن ترسله، ونظر فيه إلى قول امرئ القيس:
غدائره مستشرزات إلى العلا ... تضل العقاص في مثنى ومرسل
وقوله «جعدة فرعاء» ومن هي فرعاء، وشعرها إذا أرسلته ينعفر، يكون شعرها إيما طويل. ومن الجعودة ألا يسترسل معها الشعر. فهذا يجعله خارقًا كما