حليهما رنينًا». ووزن خلخالها مئون من المثاقيل.
ناعمتها أم صدقٍ برةٌ ... وأبٌ برٌّ بها غير حكر
أي بخيل. وهذا كأنه من حديث أم زرع: «طوع أبيها، وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها».
لا تمس الأرض إلا دونها ... عن بلاط الأرض ثوبٌ منعفر
وهذا مما يقوي ما زعمناه من أنه رآها كاسية. وأذكر بعد قوله آنفًا يصف شعرها «فإذا ما أرسلته ينعفر» - ففي هذا صدى منه.
تطأ الخز ولا تكرمه ... وتطيل الذيل منه وتجر
وقوله «وتطيل الذيل منه وتجر» شاهد آخر:
وترى الريط مواديع لها ... شعرًا تلبسها بعد شعر
بضمتين جمع شعار وهو ما يلي الجسد من الثياب:
ثم تنهد على أنماطها ... مثلما مال كثيبٌ منقعر
أي لعظمها تهوي منهدة على الأنماط، حين تروم الراحة. وهذا من قول امرئ القيس «تميل عليه هونةً غير مجبال» مضافًا إليه قوله: «كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه». وبالغ المرار بقوله: «تنهد» ليناسب ذلك عظم تمثاله.
ثم في قوله «تنهد» بعد إيحاء بشعوره هو، إذ رآها قائمة تمشي، فجمح بخيال المنى إلى رؤيتها في حال آخر:
عبق العنبر والمسك بها ... فهي صفراء كعرجون العمر
والعمر نخلة السكر، وقد شبه لونها بعرجونها الناعم الأصفر كما ترى. ومن
стр. 1437
قبل شبه شعرها بالأفنان. فهي كأنها نفسها نخلة. هذا، وقد ذكر في مطلع نعته أن لونها أبيض ناصع. وههنا يصفها بالصفرة. والسبب فيما يبدو لنا أمران. أولهما أنه أراد أن يجعل بياض لونها في مقابلة سواد شعرها. والجعودة مما تنبئ عن شدة السواد في الشعر مع شدة البريق، كما تنبئ عن المتانة فيه والتعقص وهما معناها الأول. فتكون الصورة بهذه المقابلة أقوى. وثانيهما أنه طلب التوسط بين ما كان عليه أهل الأمصار في عصره من استحسان ألوان الجواري الروميات ونحوهن من ناعجات الألوان:
قال رؤبة:
لقد أتى في رمضان الماضي
جاريةٌ في درعها الفضفاض
تقطع الحديث بالإيماض
أبيض من أخت بني إباض
وبين ما كان عليه مذهب العرب من استحسان الصفرة ومقاناة الصفرة كالذي مر بك. وإلى قريب من مذهب المرار هذا في التوسط ذهب معاصره ذو الرمة حيث قال:
حوراء في نعجٍ صفراء في دعجٍ ... كأنها فضة قد مسها ذهب
إلا أن ذا الرمة كان أحرص على نموذج القدماء كما ترى. وكأن المرار بقوله «يونق العين» بعد أن قال «راقه منها بياض ناصع» أراد أن يعتذر للعرف لما هو عليه من استحسان الصفرة. وكأنه أيضًا أراد أن يعتذر بنسبة الصفرة إلى الطيب إلى أذواق أهل الأمصار من معاصرين- يقول بذلك لهم إن هذه الصفرة ليست لونها الأصلي ولكن البياض الناصع هو لونها الأصلي.
стр. 1438
ومما يشبه هذا في التوسط، إلا أنه آخذ من طريقة القدماء قول الرماح بن ميادة:
فيهن صفراء المعاصم طفلةٌ ... بيضاء مثل غريضة التفاح
أي ما يبدو من معاصمها (ويدل هذا على أن وجهها كذلك أيضًا) أصفر اللون وما أكنته ثيابها أبيض كغريضة التفاح. وأحسبه أراد باطن التفاحة الغريضة، وإن يك أراد ظاهر التفاحة، فليس لون صاحبته إلا الصفرة، كلون التفاحة الذهبية التي شغلت «أتلانتا»، والأخرى التي أرثت بها أفروديت الحرب من أجل هيلين.
إنما النوم عشاءً طفلاً ... سنةٌ تأخذها مثل السكر
أي تنام سجحًا، لا يسمع لها غطيط ولا يتغير طعم فيها ثم هي فارغة البال تتلهى بالنوم.
والضحى تغلبها وقدتها ... خرق الجؤذر في اليوم الخدر
واليوم الخدر بكسر الدال كيوم الغمام. وأحسبه نظر هنا إلى قول زهير «مغزلةٌ من الظباء تراعي شادنًا خرقا». لأن الشادن الخرق هو الجؤذر. وكأن المرار إذ سبق له تشبيهها بالخذول المخرف، وهي أم الشادن، أراد أن يجمع إليها مع ذلك صفة ابنها التي ذكر زهير، ليكون هذا أبلغ في الدلالة على غنج أنوثتها، ومرض جفونها.
وهي لو يُعصر من أردانها ... عبق المسك لكادت تنعصر
وهذا أيضًا مما يشهد بأنها كانت كاسية حين رآها. وهو من قول الأعشى «والزنبق الورد من أردانها شمل»، وفيه بعد مبالغة، ووحيٌ من اشتهاء عند قوله «يعصر».
أملح الخلق إذا جردتها ... غير سمطين عليها وسؤر
стр. 1439
وقد جردها من خياله كما رأيت في نعته. وكأنه يوهمنا بهذا أنه لم يفعل.
لحسبت الشمس في جلبابها ... قد تبدت من غمام منسفر
وهذا من قول النابغة «كالشمس يوم طلوعها بالأسعد». وقد جعل المراد مكان «يوم طلوعها بالأسعد» «قوله قد تبدت عن غمام منسفر» ونظر فيه إلى قول ابن الخطيم:
تبدت لنا كالشمس تحت غمامةٍ ... بدا حاجبٌ منها وضنت بحاجب
أو قول أبي دؤاد:
ويصن الوجوه في الميسناني ... كما صان قرن شمسٍ غمام
وفي البيت بعد رجعة إلى المطلع «صورة أحسن من لاث الخمر»، ودلالته على أنها كانت كاسية مختمرة لا تخفى. ومما يقوي قولنا إن فيه رجعة إلى المطلع ذكر لفظ الصورة من بعد حيث قال:
صورة الشمس على صورتها ... كلما تغرب شمسٌ أو تذر
وأول البيت من قول النابغة. وآخره نظر فيه إلى روضة الأعشى في قصيدة هريرة المشرقة التألق بالضحى، المعجبة الحسن والريا عند الأصيل.
ثم أخذ المرار بعد أن أكمل صورة تمثاله بهذا البيت والذي قبله، وختم بنحو مما كان ابتدأ به، في معاني أهل الصبابة والغزل مما كان نافقًا في عصره. فزعم أن فاتنته تركته لا ميتًا ولا حيًا أو كما قال:
تركتني لست بالحي ولا ... ميتٍ لاقى وفاةً فقبر
والمعنى قرآني ينظر إلى قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ ونحو ذلك من
стр. 1440
الآيات التي فيها صفة جهنم.
يسأل الناس أحمى داؤه ... أم به كان سلال مستسر
وهي دائي وشفائي عندها ... منعته فهو ملويٌّ عسر
وهذا كقول عروة عفراء: «جعلت لعرّاف اليمامة حكمه» الأبيات
وهي لو يقتلها بي إخوتي ... أدرك الطالب منهم وظفر
وهذا تظرف بمعنى الثأر، وهو كثير عند الإسلاميين، تجده عند عمر وأضرابه. وكنايته عن الاشتهاء لا تخفى. قالت صاحبة ابن الدمينة:
فيا حسن العينين أنت قتلتني ... ويا فارس الخيلين أنت شفائي
وكأن المرار ههنا يتمنى التي نعت زوجة له وهذا عسى أن يصحح ما قدمناه من أنه مهد بالفخر ليزكي نفسه عندها وقد علم أن ذلك بعيد المنال. فمن أجل هذا ما قصد إلى التعزي بالذكرى، وهي صيحة تحسر، في قوله:
ما أنا الدهر بناسٍ ذكرها ... ما غدت ورقاء تدعو ساق حر
وهذا هو مقطع القصيدة في رواية ابن الأنباري وهي التي نرجحك
هذا والتجريد الخيالي الذي جرده صاحبته تابع لمعنى التعاظم ما بالغ فيه من أبعاد تمثاله، وقد ذكرنا من ذلك في مواضعه، نحو قوله «تهلك المدراة في أفنانه» - وهي صفة شجرة، وقد نعت به شعرها قبل أن ترسله، ونظر فيه إلى قول امرئ القيس:
غدائره مستشرزات إلى العلا ... تضل العقاص في مثنى ومرسل
وقوله «جعدة فرعاء» ومن هي فرعاء، وشعرها إذا أرسلته ينعفر، يكون شعرها إيما طويل. ومن الجعودة ألا يسترسل معها الشعر. فهذا يجعله خارقًا كما
стр. 1441
ترى. وقوله «في جمجمة ضخمة» وهذا نص في الفخامة وينبغي لمثل هذا الشعر أن تحمله جمجمة ضخمة. قوله «كالضفر» وقد بيناه من قبل. وقوله «يبهظ المفضل إلخ» وهو من الأعشى وقوله «ضخمة الجسم رداح هيدكر» وهذا نص آخر في الضخامة. وقوله «يضرب السبعون في خلخالها» وقد بيناه.
هذا، وقول المرار «يبهظ المفضل من أرادفها» وقوله «مثل أنف الريم ينبي درعها» لا ينقضان ما قدمناه من أمر تجريده الخيالي إذ أن هذا كما تعلم من أساليب الشعراء يجعلونه أقوى في الدلالة على ما ينعتون- كساء خيالي يزيد معنى التجريد الذي؟ ؟ ؟ . ويحسن هنا أن ننبه على أن قوله «تطأ الخز إلخ» وقوله «لحسبت الشمس» كساءان حقًا، ألحقهما بالكساء الخيالي زيادة في الافتتان.
هذا، وأشد ما نظر المرار إلى متجردة النابغة، ثم إلى الأعشى، وقد نظر إلى امرئ القيس كما رأيت من قوله «تهلك المدراة في أفنانه» وقوله «فهي هيفاء هضيم كشحها إلخ» نظر فيه إلى «تمايلت على هضيم الكشح إلخ» من المعلقة وفيه بعد نظر إلى الأعشى والنابغة معًا، وقوله «في لبان بادن غير قفر» وهو من قول امرئ القيس «ترائبها مصقولة كالسجنجل» وقوله «ثم تنهد على أنماطها» وقد بيناه في موضعه. وقد نظر إلى زهير كما رأيت من قوله «خرق الجؤذر» وإلى «عمرو بن كلثوم» في الذي ذكر من صفة الخلخال وإلى قيس بن الخطيم وأبي دؤاد وإلى نموذج الملاحاة وهلم جرا.
وشاهدنا في شدة ما نظر إلى النابغة ثم إلى الأعشى، أن نموذجه في جملته نابغيٌّ، ثم يداخل من الأعشى فيه، يجعل ذلك له زخرفة، ولا سيما في باب خلط مثالي البادنة والخمصانة من حيث دقة الخصر وامتلاء المئزر، ثم يزيده زخرفة بالأخذ من غيرهما كما رأيت. وقد بدأ بنحو ما اختتم به النابغة كلامه واختتم بنحو ما ابتدا به النابغة. وذلك أنه بدأ بصورة صاحبته، ناصعًا بياض وجهها بين شعرها الكثيف،
стр. 1442
الذي إذا أرسلته ينعفر، كثوبها المنعفر وهذه كما لا يخفى، صورة متجردة النابعة بين سجفيها. وختم بقوله:
صورة الشمس على صورتها ... كلما تغرب شمسٌ أو تذر
كما رأيت، وهذا ما ابتدأ به النابغة. وكأن المرار عكس طريقة النابغة، وذلك أن النابغة لما رأى متجردة حقًا، زعم أنها شمس أعشه شعاعها، ثم جعل يخفض من ضوء هذا الشعاع، لكي يقدر على أن يرى، حتى أصاره ظلامًا ثم جاء بأبياته الستة كما رأيت. أما المرار فإنه لما رأى غير متجردة. غلابه خياله، فجردها، وجعل ضوءها بدريًا لا يُعشى، واندفع يصف، ثم إذا بهذا الضوء يزداد حتى أعشاه فجأةً، فانصرف عنه إلى ظلام الذكرى والبكاء.
وآخر ما نعت النابغة الشعر، وهو هنا أول ما نعت المرار، وذكر بعده الجبهة والعينين والفم. وقد نظر في نعت الجبهة إلى ما كان نعت من حصانه، وذلك قوله فيها «شادخ غرتها» وقوله في الحصان «سائل شمراخه». والمقابلة التي يداخلها التشبيه لا تخفى ههنا. واجعل قوله «سلط السنبك في رسغٍ عجر» مما نعت به حصانه، بإزاء قوله «يضرب السبعون في خلخالها» مما نعتها به. وفي الحصان بعد معنى من الكناية عن نفسه، كما ألمعنا، من حيث الخفة والأرن والمرح يشبه بذلك مرحه ونشوته لما رآها واهتاج إلى أن يتغنى به- تأمل قوله «شندف أشدف البيت» أي أرن مرح يمشي في شقٍ ويتمايل أرنا ونشاطًا.
وقد ذكر بعد الذي وصفه من إشراف جبهتها، فتور عينيها، ومرضهما ليكون ذلك أبلغ في الدلالة على معنى أنوثتها، وذلك قوله: «ولها عينًا خذول مخرف إلخ» وهو من قول النابغة:
نظرت إليك بحاجةٍ لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود
стр. 1443
ثم اختصر نعت النابغة للفم والشفتين في قوله «وإذا تضحك» وقوله «لو تطعمت به» وهذا كأنه إشارة تعليق على ما قال النابغة.
ثم صار إلى صفة الثدي حيث قال:
صلته الخد طويلٌ جيدها ... ناهد الثدي ولما ينكسر
مثل أنف الريم ينبي درعها ... في لبانٍ بادنٍ غير قفر
وانتقال المرار من صفة الخد والجيد إلى صفة الثدي، شبيه بانتقال النابغة حيث انتقل إلى صفة عكن البطن. إلا أن النابغة قد انتقل كأنه يغض بصره، وهذا ممعن في التأمل- وهذا راجع -كما قدمنا- إلى أن النابغة يصف متجردة، والمرار إنما انتقل من صفة الخد والجيد، وكلاهما مما عسى أن يرى، إلى ما قد كان مكسوًا. ولم يعد المرار في صفته قول النابغة:
والإتب تنفجه بثديٍ مقعد
ولكنه عمد إلى تفصيل هذا من معناه. فأوغل في التجريد والتقريب عند قوله «مثل أنف الريم»، وكأنه قد حرج مما فعل. فألقى عليه نوعًا من ستر في قوله «ينبي درعها»، وليس بساتره. ثم إن انتقاله من درعها الذي أنباه الثدي إلى قوله «في لبان بادن غير قفر» كأنه يريد أن ينصرف به وينهى نفسه عن النظر إلى ما نظر بشيء من التنبه إلى ما حوله.
ثم صار كالأعشى بعد إلى الجمع بين نموذجي البادنة والخمصانة في قوله:
فهي هيفاء هضيمٌ كشحها ... فخمةٌ حيث يشد المؤتزر
وهذه كما ترى كأنها نظرة أخرى بعد تلك. وفي البيت ما قدمنا من أخذ من امرئ القيس، واتباعه معنى النابغة:
محطوطة المتنين غير مفاضةٍ ... ريا الروادف بضة المتجرد
стр. 1444
لا يخفي. وقوله بعد:
يبهظ المفضل من أردافها ... ضفرٌ أردف أنقاء ضفر
وإذا تمشي إلى جاراتها ... لم تكد تبلغ حتى تنبهر
طريقة الأعشى فيه واضحة. وكذلك قوله:
دفعت ربلتها ربلتها ... وتهادت مثل ميل المنقعر
ولعله أن يكون نظر إلى قول حسان:
بُنيت على قطنٍ أجم كأنه ... فضلاً إذا قعدت مداك رخام
وإلى قول امرئ القيس «كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه» والإيحاء الجنسي في قوله «دفعت ربلتها ربلتها» لا يخفى. وأحسبه عمد فيه، سوى ما ترى من تقليد الأعشى، إلى أن يخلص مرة أخرى إلى نموذج النابغة، حيث نعت من متجردته ما لا ينعت. وشاهد ذلك قوله:
وهي بداء إذا ما أقبلت
كأن قوله «يهبظ المفضل إلخ» وصفها مدبرة. وهذا حين تقبل. ومراده من «بداء» لا يخفى. وكأنه حرج منه كما قد حرج من قبل حيث ذكر «أنف الرئم» فانصرف إلى نعتها سائرها في عجز البيت:
ضخمة الجسم رداحٌ هيدكر
ثم أوغل في الانصراف بالنظر إلى ساقها:
يضرب السبعون في خلخالها ... فإذا ما أكرهته ينكسر
ثم كساها مرة واحدة حيث قال:
تطأ الخز ولا تكرمه ... وتطيل الذيل منه وتجر
لا تمس الأرض إلا دونها ... عن بلاط الأرض ثوبٌ منعفر
стр. 1445
وهذا ظاهره من قول امرئ القيس:
خرجت بها أمشي تجر وراءنا ... على أثرينا ذيل مرطٍ مرحل
وسائره من معاني ما كان يفتن فيه معاصروه من تصوير الخفض. وقوله «شعرًا تلبسها بعد شعر» من قول الفرزدق:
لبسن الحرير الخسرواني دونه ... مشاعر من خز العراق المفوف
وكان المرار من حزب الفرزدق على جرير.
وكساؤه صاحبته مرة واحدة، فيه كالتمهيد للرجعة إلى سجفي النابغة ومتجردتهما. وقد وقف المرار ينظر شيئًا إلى الأعشى قبل أن يُخلص رجعته، كوقفته عند نعت المفضل والمشية أو نحو من ذلك، وذلك قوله:
عبق العنبر والمسك بها ... فهي صفراء كعرجون العمر
إنما النوم عشاءً طفلاً ... سنةٌ تأخذها مثل السكر
والضحا تغلبها وقدتها ... خرق الجؤذر في اليوم الخدر
وهي لو يعصر من أردانها ... عبق المسك لكادت تنعصر
ثم يرجع إلى نموذج النابغة في قوله:
أملح الناس إذا جردتها ... غير سمطين عليها وسؤر
لحسبت الشمس في جلبابها ... قد تبدت من غمام منسفر
صورة الشمس على صورتها ... كلما تغرب شمسٌ أو تذر
وهو آخر نعته، وهو مما بدأ به النابغة، كما ذكرنا آنفًا. والسمطان اللذان يذكرهما المرار، قد ذكرهما النابغة: أحدهما ذهب، وهو مما أعشاه، والآخر لؤلؤ، «أخذ الولائد عقده فنظمته». والسؤر زادها المرار ليجعلها في مقابلة الخلخال، الذي أخذ معناه من
стр. 1446
عمرو بن كلثوم، كما قدمنا. هذا وقد ترى أن المرار، في نشوته وتعاظمه مرأى التي رأى، وتجريده إياه من خياله، واشتهائه ما جرد منه- قد أسرف في الأخذ من الشعراء، ليزيد من زينة تمثاله اللفظي. وعسى هذا الإسراف أن يكون مما يُعاب عليه، على الذي يزيد به من معنى الطرب والأرن، وإليهما أراد.
ثم عسى إسرافه هذا -إذا قسناه إلى أساليب الأوائل- أن يكون مما تضح به حجتنا في الذي زعمناه، من نظر شعراء العرب مباشرة أو غير مباشرة، إلى مقاييس الجمال في تماثيل اليونان ومن إليهم. ذلك بأن يمثل من التزيين، شبيه من حيث أمر التطور، شبها شديدًا بمذاهب البدن والتنعيم التي صار إليها التمثال اليوناني في الصبايا الثلاث وما بمجراهن أخريات أيامه. ذلك بأن التمثال الجاهلي كأنما مرت به أربعة أطوار: أولها طور السذاجة والخشونة مع مبالغة الأبعاد التي مصدرها التأليه، ويمثل هذا، ما تمثلنا به، نموذج عمرو بن كلثوم وهو جاهلي قديم. وثانيها طور الإحكام والصقل، ويمثل هذا تمثالاً امرئ القيس، وهو أيضًا جاهلي قديم. وثالثها طور الإتقان والتأنق، وشاهده متجردة النابغة، بما لها من إطار السجفين، وزينة القلادة والنصيف، وشيء من تبدين وتفصيل من نعت. ورابعها طور التنعيم الذي يكون التبدين أغلب عليه، وقد تخالطه أوصاف الضمر، كما يداخله تأليه المبالغة. وتماثيل الأعشى وحسان من شواهد هذا، وهذه الأطوار الأربعة جميعها واضحة فيها هيئة التمثال وصورته. تمثال عمرو بن كلثوم هائل المنظر يروع. وتمثال امرئ القيس ذروة في الحيوية، ناصع الصفاء. وتمثال النابغة ناضج، تام الخلق، بارع باهر، وتمثال الأعشى، على ما يشوبه من شخصيته، واضحة فيه مشية هريرة حين تمشي، وجلوة قتيلة إذ تجلى. وتمثال حسان، على ما تكاد تغمره غوامر الشهوة، بينه فيه قعدة صاحبته إذ قعدت وقطنها الأجم كأنه مداك رخام. وغير خاف أن النابغة كان بعد زمان امرئ القيس. وأن الأعشى متأخر عن عصر النابغة، ولو قد أسلم لربا عد مخضرمًا. وأن حسان مخضرم.
стр. 1447
فإذا صرمت إلى الطور الخامس، رأينا أن التمثال قد صارت تخبو جهارة صورته، وقد جعلت تغلب على وضوحه معاني الإيحاء، أيا كان ذلك الإيحاء. وأن أنف الديم الذي يكاد يلمس في رائية المرار، ليس بواضحٍ شكل الثدي الناهد المحتفل فيه وضوحه في قول النابغة:
والإتب تنفجه بثديٍ مقعد
وما ذلك إلا معنى الأرن والنشوة والشهوة هو الغالب في سائر ما نعت المرار. وقل نحوا من هذا في ذي الرمة. إذ كثبانه ولببه وأسباطه وهدبه، كل ذلك لا يعطينا صورة واضحة، كقعدة مداك الرخام في شعر حسان، وكأوصاف الأعشى فيما نعت من بوادنه، بله امرأ القيس والنابغة. وما ذلك إلا أن ذا الرمة ثقل الحلية من التشبيه، بحيث يصرفك به إلى ألوان من الإيحاءات بعضها شهواني وبعضها تأملي، عن حاق النظر إلى التمثال وتبين معالمه.
وكلا المرار وذي الرمة إسلاميان كما تعلم.
فإذا صرنا إلى ابن الدمينة، وهو إسلامي مثلهما، إلا أنه قد تأخر زمانه عن زمانهما شيئًا حتى أدرك خلافة بني العباس، وجدنا أن التمثال عنده لا يراد به إلا إيحاء الهوى والاشتهاء. ومع أن صورته غير غامضة، فليس فيها إلا رسم نموذجي، كصور الصبايا الثلاث. ذلك بأنه لا يتكلف من الصنعة إلا جمع تشبيه مألوف إلى آخر مثله، وقد صرن لديه، تشبيهات امرئ القيس والنابغة والأعشى وغيرهم معهم، جميعًا، «كليشهات»، أو ضربًا من «الكليشهات»، يستعان بهن على الإيحاء ليس إلا. تأمل قوله:
وما كانت بمدلاجٍ خروجٍ ... ولا عجلى بمنطقها هبوص (١)
وما كانت بجافية السجايا ... ولا صفر الثياب ولا نحوص (٢)
стр. 1448
ولكن غير جافيةٍ فتقلى ... ثقال المشي ذات حشًا خميص (١)
مبتلةٌ منعمةٌ ثقالٌ ... تبسم عن أشانب غير قيص (٢)
لها جيد الغزال وملقتاه ... وعالي النبت ميال العقوص (٣)
كأن رضابها عسلٌ مصفى ... بماء نقًا بسارية عروص (٤)
سلي عني إذا هاب المزجى ... وأرعدت الخصائل بالفريص (٥)
وتمشي حين تأتي جارتيها ... تأود مشية الوحل الوهيص (٦)
قوله «وما كانت بمدلاج إلخ» مأخوذ من الأعشى. وقوله «ولا عجلى إلخ» مأخوذ من حسان «بلهاء غير وشيكة الأقسام» وقوله «وما كنت بجافية إلخ» مأخوذ من امرئ القيس «ولا ذات خلق إلخ». وقوله «ولا صفر الثياب إلخ» مأخوذ من كثيرين منهم امرؤ القيس «مهفهفة بيضاء إلخ». وقوله «ولكن غير جافية فتقلى» من امرئ القيس ومن الأعشى «ليست كمن يكره الجيران إلخ» وقوله «ثقال المشي» صفة لردفها وهو من الأعشى وغيره. وقوله «ذات حشا خميص» ليقابل ثقل ردفها. وقوله «مبتلة» ليكمل ما نعته من امتلاء ردفها وضمر خصرها بزعمه أنها تامة الخلق مبتلة تبتيلاً. وأضرب عن أن يذكر انفتالاً ونحوه. ليناسب بين ثقل الردف وضمر الحشى، لأن تناسب هذين قد استقر في الأذهان، زمان ابن الدمينة كما يبدو. ولعل عصر ابن الدمينة -خلافًا للعصر الجاهلي
стр. 1449
الذي مر بك فيه حديث عائشة- كان أثرياؤه مما يتعمدون تبدين الفتيات مع إنحال خصورهن بالوشح ونحوها مما يضيق به الخصر ضيقًا مصطنعًا. وقد كان قدماء المرويين كأنهم كانوا يفعلون نحوًا من ذلك بنسائهم. ولعمري إن خلط الأعشى اللفظي بين البدانة والضمر أحكم من هذا، والبشر مما تقع في نحو هذه الأوابد، كتضخيم بعض نساء الزنج مشافرهن حتى تئيض كمناقير طير البحر، وكتصغير أهل الصين أقدام فتياتهم، وهلم جرا.
هذا وقوله «ثقال» «وتبسم عن أشانب إلخ» وقوله «لها جيد الغزال إلخ» كل ذلك «كليشهات». وقوله «وعالي النبت ميال العقوص» جمع فيه صفة امرئ القيس «غدائره مستشزرات إلى العلا» وصفات المرار:
فإذا ما أرسلته ينعفر
ينظر إليه في قوله «ميال»
وجعدةٌ فرعاء في جمجمةٍ ... ضخمةٍ تفرق عنها كالضفر
ينظر إليه في قوله «عالي النبت» وقوله «ميال العقوص جميعًا». وقوله «كأن رضابها إلخ» كنى به عن وده وصلها، ولذلك جاز له من بعد أن يزكي نفسه ليكون أهلاً لينال من هذا الرضاب، وقوله «وتمشي حين تأتي جارتيها» وهو آخر نعته، كأنه يسلي به نفسه عنها، بتأملها وقد مضت مولية. وهذا كما ترى يهيئ له أن يقبل على المدح وما إليه، كما فعل.
فهذا يبين لك ما زعمنا من نموذجية ابن الدمينة نموذجية أراد منها الإيحاء بالشوق والهوى والاشتهاء دون حاق الوصف نفسه. ولذلك ما جاء «بالكليشهات» لا يزيد عليها كبير شيء.
هذا، والتمثال اليوناني قد آل أمره بعد الصبايا الثلاث إلى التلاشي. وضرب بعد ذلك الزخرف البيزنطي بجران. ونحو هذا قد حدث للتمثال العربي اللفظي إذ قد ضرب زخرف البديع، بعد عهد ابن الدمينة وأوائل المحدثين بجران.
стр. 1450
وأوائل المحدثين قد كان في عباراتهم كالإيماء إلى شبح التمثال. وقد كان بشار أبو المحدثين ضريرًا. فكان يعتمد «الكليشهات»، ويلينها، ويذهب بها مذهبًا من التحسس. ويأرب من وراء ذلك كله أن يشيع إيحاء من الاشتهاء الجنسي. تأمل قوله:
وتخال ما ضمت عليه ثيابها ذهبًا وعطرا
فهذا كليشيه أخذه من قول ذي الرمة «كأنها فضة قد مسها ذهب» ومن قول المرار «عبق العنبر والمسك بها إلخ» ولينهما، وجاء بهما زخرفًا ذهنيًا يوحي بشبح بتمثال امرأة:
وكأن تحت لسانها هاروت ينفث فيه سحرا
وكأن رفض حديثها قطع الرياض كسين زهرا
فهذا كما ترى تليين لكليشهات القدماء في الحديث. وفيه بعد إحداث نوع من الحركة في الشبح القائم الذي أومأ إليه.
ومتأخرو المحدثين قد اختفى التمثال من عباراتهم كل الاختفاء. وحتى إيحاء الشهوة قد تعمدوا أن يتجنبوه إلى مجرد الإمتاع بزخارف البديع، ما كان منها لفظيًا كقول القائل:
وأمرت لؤلؤًا من نرجسٍ وسقت ... وردًا وعضت على العناب بالبرد
وما كان منها معنويًا مثل قول القائل:
لقد سلبتني فرنجية ... نسيم العبير بها يعبق
وإن يك في طرفها زرقةٌ ... فإن سنان القنا أزرق
وقد تنفر أذواقنا عن مثل هذه الزخارف، نعدها تكلفًا وعبثًا لا طائل وراءه. وإنما
стр. 1451
تنفر أذواقنا في الحقيقة عن رياء النفاق الحضاري، الذي يكمن وراءها وتشف هي عنه. ولله در التهامي إذ يقول:
ثوب الرياء يشف عما تحته ... فإذا اكتسيت به فإنك عاري
وصاحب «وأمطرت لؤلؤًا» يريد ليوهمنا أنه رقيق حقًا، بلغ من رقته أنه حين يتغزل لا يفكر إلا في الوشى المنمنم، وشي الرياض كأنه عصفور، أو وشى البرود كأنه أمير مترف. ودعواه الرقة كاذبة. إذ كلامه لا يوحي بشيء. ولئن أوحى فذلك لا يتجاوز أن يكون شهوة فظة غليظة القلب، مناقضة لما يتظاهر به من رقة، إذ الرقة مع الهوى وسمو العاطفة. وقوله لا يشع بشيء من ذلك. وقد جاء بهذا المعنى الذي حام هو حوله في زخرف بديعه، امرؤ القيس باهرًا جهيرًا حيث قال:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلبٍ مقتل
فتأمل.
وصاحب «لقد سلبتني فرنجية» يريد ليتظارف ويتكايس. وقد احتال على فرنجيته التي سلبته فجعل لها عبيرًا يعبق ليتم البيت على أية حال، حتى يخلص إلى دليل ذكائه وفطنته في حسن التعليل. وليس تحت هذا كله إن تأملته إلا معنى سوقي «مائع الروح» ضحل الفكاهة.
ولقد جاء بتشبيه من هذا المعنى شاعر إسلامي من عسكر المهلب -شبيه به من حيث الرغبة إلى امرأة تحميها أسنة الأعداء- فأحسن الفكاهة وارتفع بها عن أن تكون سوقية، وما ذلك إلا لأنه صرح بمعنى الخوف والخطر، الذي أبت رقة صاحب الإفرنجية أن يشير إليه بشيء، وذلك قوله:
أخلاج إنك لن تعانق طفلةً ... شرقًا بها الجادي كالتمثال
حتى تعانق في الكتيبة معلمًا ... عمرو القنا وعبيدة بن هلال
стр. 1452
والذي نعنيه من الفكاهة، في مقابلة ما بين البيت الثاني والبيت الأول: الصورة الحية المرعبة، والصورة النموذجية الوادعة البعيدة المنال.
هذا ولقد دار التمثال اليوناني دورة كاملة بعد عهود الزخارف البيزنطي في الذي كان من أمر النهضة كما قدمنا، ثم في العودة مرة أخرى إلى زخارف الفن الحديث المستمد بعضها من غابات أفريقيا، وبعضها من غابر حضارة الشرق وسائرها من هندسة الآلة وانحلال القيم القديمة. وأحسب أن التمثال اللفظي العربي يوشك أن يدور دورة كاملة، وتلك سنة الكون والطبيعة والعمران البشري.
ذلك بأن شعراءنا -على أنهم مازالوا يرزحون تحت أعباء من بقية أوزار البديع القديم، وأوزار أخرى استحدثوا من بديع أوروبا الحديث- قد جعل بعضهم، ينظر من طرف خفي إلى التمثال الجاهلي. ونأمل أن نفصل هذا الباب فيما بعد إن شاء الله. ونكتفي ههنا بأن نمثل بقول نزار قباني:
لا تسأليني هل أحبهما ... عيناك إني منهما لهما
وجميع أخباري مصورةٌ ... يومًا فيومًا في اخضرارهما
وستارتان إذا تحركتا ... أبصرت وجه الله خلفهما
كوخان عند البحر هل سنةٌ ... إلا قضيت الصيف تحتهما
الشمس منذ رحلت مطفأةٌ ... والأرض غير الأرض بعدهما
وفي هذه الأبيات لين وركاكة واضطراب في الصور واستكراه لبعض الألفاظ. وفيها بعد نظر إلى البديع القديم -أعني بديع المتأخرين من أمثال ما مر- من حيث إنها تروم مضاهأة سوقيته في المعاني بسوقية في التعبير، مثل السؤال في البيت الأول، وقوله «إني منهما لهما» وقوله «وجميع أخباري». كما فيها أخذ من الإفرنج في قوله «أبصرت وجه الله خلفهما» ووجه الله يناقض ما قدم من معنى الستارتين، إذ هو أعظم من أن يخفيه شيء، ولفظ الستارتين أفرنجي الأصل ولكن تحته معنى سجفي النابغة. وكوخان قبيحة، لقبح
стр. 1453
تشبيه العين بالكوخ، ولأن في الكوخ انحصارًا لا يلائم سعة ما هو فيه من معاني البحر والشمس والاخضرار الذي يصور كل شيء كما زعم. ولو قال «مأواي» كان أجود ولكن يضع معه بعض الصورة. ولو قال «كنان» بكسر الكاف وتشديد النون كان صوابًا من حيث المعنى ولكنه يلائم لين الأسلوب كما ترى. وعسى أن يقال «عشان» مثنى العش أي وكر الطائر- وهكذا.
عشان عند البحر هل سنة ... إلا قضيت الصيف تحتهما
وفي العش بعد معنى الغرام، ولا يضيع معه معنى هط " hut" الذي أراده -أي البيت الصغير الذي يستأجره المصطاف وعسى أن يكون أجود أن يقال:
عينان عند البحر هل سنة ... إلا قضيت الصيف عندهما
أو تحتهما. وعينان الأولى من عين الماء. هذا ...
وقوله للشمس مطفأة، آبدة وإنما أراد -أو لعله أراد- الطرافة. والمطفأة تكون شمعة وهو هنا إنما يصف شمس الصيف عند البحر التي تغمر الدنيا بإشراقها ودفئها. ولو قال:
الشمس منذ رحلت كاسفةٌ ... والأرض غير الأرض بعدهما
كان أجود، لأن الذي ذكره من الرحيل من سنخ جاهلي وقوله والأرض غير الأرض من سنخ قرآني والكسوف أشبه بهذا من الإطفاء الذي استطرفه.
هذا،
ومتى غفلت عن هذه الركاكة وهذا اللين والاضطراب في الصور والاستكراه لبعض الألفاظ ونظرت إلى جملة الأبيات معًا، آنست خلف تنعيمها الحضاري، وتحت أثقال البديع العصري التي تنوء بها لمحًا من التمثال الجاهلي- في هاتين الستارتين اللتين شبه بهما هدبى العين، تنظران منهما كأنهما متجردة النابغة م خلال السجفين.
стр. 1454
وفي هاته الشمس التي «انطفأت» كما قال برحيلها، وإنما هي الشمس- شبهها كما ترى بشمس الصيف عند البحر، وهي أنعم من الشمس حين طلوعها بالأسعد، بلا ريب ولكنها مثلها رمز للخصوبة والغزل. والأصل الجاهلي هنا لا يخفى.
ثم إن صورة العينين واضحة حية والإيحاء المنبعث منها قوي- قوي في هذه الخضرة الشاملة ذات العمق التي كالبحر، وفي هذا الإشراق البهج الدافئ، كالمأوى عند البحر حين تهب الرياح، وكالرمل عند البحر وكالبحر نفسه حين يفيض ضوء الشمس، وفي هذا السجو، سجو الأهداب.
وأحسب أن هذا الوضوح مع ما حوله وما ينبعث منه من إيحاء، مزيج من الاشتهاء واللوعة، يغفر لهذه الأبيات بعض ركاكتها وأوزارها. ولا ريب أن هذا الوضوح التصويري فيه رجعة ما إلى المذهب الجاهلي كما ترى. وعسى هذا ونحوه من نزار وغيره من المعاصرين، أن يكون بادرة نهضة، كما كان العثور بالصبايا الثلاث والحذو عليهن بادرة النهضة في الفن الأوروبي والله تعالى أعلم وبه التوفيق.
وهذا بعد حين نمسك عن الحديث ونختتم هذا الكتاب ونأمل أن نقبل في سفر بل هذا إن شاء الله على تفصيل شيء عن نماذج الشمطاء في أشعار هذيل وحميد بن ثور والقطامي وغيرهم كما وعدنا آنفًا، وعن غير ذلك مما هو بصدد ما نحن فيه. والحمد لله أولاً وأخيرًا والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المؤلف عبد الله الطيب
١٨/ ١/١٩٦٣
стр. 1455
شكر وتقدير
أشكر لعدد من زملائي وتلامذتي أن أعانوا على إعداد فهارس هذا الكتاب وجدول الخطأ والصواب الملحق بآخره فجزاهم الله خيرًا كثيرًا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 1456
عبد الله الطيب
المرشد
إلى فهم أشعار العرب وصناعتها
- (مج: ٤/ الجزء الرابع/القسم الأول: في الأغراض وأطوار المقاصد والأساليب) -
الطبعة الأولى: الكويت ١٩٩٠ م- ١٤١٠ هـ
стр. 1457
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المرشد
إلى فهم أشعار العرب وصناعتها
الجزء الرابع
стр. 1458
تم طباعة هذا الكتاب بالتعاون مع دار الآثار الإسلامية- وزارة الإعلام
ص. ب ١٩٣ الصفاة
الكويت ١٣٠٠٢
стр. 1459
الإهداء
إلى جميع من أعانوا على خلق هذا الكتاب، بما تولوه من إرشادي وتعليمي ونقدي، أولهم أبي ﵀.
عبد الله الطيب
стр. 1460
شكر واعتراف
قد توالت بعد الفراغ من تأليف الجزء الرابع من المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها أعوام ستة وأنا أبحث له عمن عسى أن يتولى أمر طبعه ونشره مع الأجزاء الثلاثة التي سبقته ونفدت طبعتها وتعدّى على بعضها بعضهم بالسرقة والتصوير والأخذ المغير بلا اعتراف ولا أدنى إشارة. ثم لما أوشكت أن أيأس من إصابة النجاح لمقصدي في هذا هيأ الله سبحانه وله الحمد، سبيل الغوث والخلاص على يدي سعادة الشيخة حصة الصباح، مديرة دار الآثار الإسلامية بالكويت. فأنا وهذا الكتاب وقراؤه كلنا مدينون لمسعاتها الكريمة التي لولاها لم يكن نشر هذا الكتاب بأمر ميسور أو ممكن في وقت قريب.
فجزاها الله خيرًا. وجزى وزارة الإعلام بدولة الكويت لتوليها الطبع وتحمل نفقاته خيرًا. وجزى كل من أعان على إخراج هذا الكتاب وأعانني في شتى مراحل إعداده بثواب من فضله جزيل والله ولي التوفيق وله الحمد أولًا وأخيرًا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
المؤلف عبد الله الطيب
стр. 1461
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أحمده حمدًا على ما أنعم ووقى سبحانه لا يبلغ حمد الحامد مدى إحسانه، وأسأله قبول العمل وأن يكون صالحًا مجودًا خالصًا غير مشوب وأن يجنبنا فيه الزلات والسقطات وأن نبرأ فيه من العجب ومن الرياء والنفاق.
وصلى الله على سيدنا وهادينا ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، وعلى آله الطاهرين وعلى صحبه الكرام السادة وسلم تسليمًا.
أما بعد أيها القارئ الكريم فإني قد فرغت من تأليف الجزء الأول من المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها في أخريات سنة ١٩٥٢ م وكانت بدايته في شهر أبريل منها ببخت الرضا بالدويم. الدويم على الشاطئ الأيسر من النيل الأبيض على بعد مائة وعشرين ميلًا أو نحو ذلك جنوبي الخرطوم، وبخت الرضا ناحية منها كان بها معهد التربية ومدارس إعداد المعلمين. وشرعت بعد الفروغ من الجزء الأول في تأليف الجزء الثاني وأكملته سنة ١٩٥٥ م بالخرطوم بعد طبع الجزء الأول بزمن يسير. ثم عدتني الشواغل عن مواصلة العمل فيه حتى أوائل الستين، فاستأنفت ذلك وفرغت من الجزء الثالث في ١٨ من يناير ١٩٦٣ م -وإنما أذكر هذا التأريخ لأنبه على تباعد فترة ما بين الجزء الثالث والجزئين الأولين وما يصحب ذلك من مراجعة المرء نفسه في بعض الأمور.
وقد نظرت في الأجزاء الثلاثة منذ وقت قريب. وقد جد لي نظر ورأي في بعض ما ذكرته في الجزء الأول، ولكني أوثر ألا أمسَّ شيئًا من ذلك بتغيير أو إضافة أو تبديل لأن تأليفه كله كان في نَفَسٍ واحد ببقية طيبة من الشباب وقد ذهب
стр. 1462
الشباب فمثل حرارة أنفاسه لا يستطاع. والجزء الثاني فيه آراء وجمل تحتاج إلى أن يعاد فيها النظر قليلًا، وعسى أن ألحق به بعض الاستدراكات. والجزء الثالث قد تناولته المراجعة مرارًا قبل نشره في سنة ١٩٧٠ م إذ نُشرت منه في ما بين سنة ١٩٦٣ م و ١٩٦٩ م قِطَعٌ منهن الحديث عن طبيعة الشعر الذي في أوله، ومنهن الحديث عن الحمام والأثافي والرماد. وقد كنت وعدت فيه قائلًا «ونأمل أن نقبل في سفر يلي هذا إن شاء الله على تفصيل شيء من نماذج الشمطاء في أشعار هذيل وحميد بن ثور والقطامي وغيرهم كما وعدنا آنفًا وعن غير ذلك مما هو بصدد ما نحن فيه». فالآن بدا لي أن مثل هذا التفصيل سيطول به الكتاب طولًا فاحشًا ولعل الحاجة أمسَّ إلى الاختصار والاكتفاء ببعض الأمثلة من ذلك عند الحديث عن الوصف الذي هو غرض من أهم أغراض الشعر، وقديمًا قال الشاعر العربي:
خذا بطن هرشي أو كلاها فإنه ... كلا جانبي هرشي لهن طريق
وقد طُبعت منذ حين قريب كتب قديمة مفيدة جدًّا في باب موسيقا (١) الشعر ورنات وزنه وإيقاعه وددت لو أنها كانت ميسورة المنال لي فاطلعت عليها قبل تأليف الأجزاء التي صدرت من كتابي «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها»، وإذن لكان قد تأتَّى لي منها مدد غزير، على رأس هذه الكتب القديمة قوافي أبي الحسن وفي بعض المواضع منه عسر، وقد ذكر الجاحظ، أحسبه في كتاب الحيوان، أن أبا الحسن ربما صنع ذلك عن عمد، ومنها كتاب الوافي للتبريزي وهو كاسمه ومنها «الموسيقا الكبير» لأبي نصر الفارابي وهو كتاب ناصع العبارة محقق تحقيقًا جيدًا. وقد تحدث أبو الحسن ثم تبعه التبريزي في ذلك، عن شيء اسمه الرمل (بالتحريك) جعله مقابلًا للقصيد. وتحدث عن صلة الرجز بالحركة. وقد أشرت إلى هذا المعنى في معرض الكلام عن الرجز والكامل في الجزء الأول من كتابنا هذا
стр. 1463
ثم في معرض الحديث عن الرجز والهزج في باب طبيعة الشعر في أول الجزء الثالث. فقول أبي الحسن وهو فصل في الذي إنما ذهبنا إليه على وجه الترجيح والحدس، مما يثبتنا على ما نحن عليه من المنهج، وذلك أننا نؤثر النظر والاستقراء والأخذ والاستنتاج المباشر من الأمثلة ونحدس ونرجح في ضوء ذلك حتى إذا وجدنا قولًا فصلًا من العلماء الذين شاهدوا العرب وخالطوهم وقفنا عنده وقد عاب بعض الفضلاء المعاصرين كتابنا بالذاتية وأنه ليس على منهج علمي، وأغلب الظن أن هؤلاء ممن يؤثرون النقل ويرون أنه هو الموضوعية. ولا ريب أن القارئ الكريم يعلم أن ما يسمى بالمنهج العلمي هو أن يستعان بالحدس على الأمثلة وبالأمثلة على الحدس ثم يمتحن ذلك بالمزيد من الأمثلة والنظائر، فإذا صح تطبيقه عليها أمكن أن يجعله صاحبه نظرة مبدئية ثم نظرية شاملة. وأشمل النظريات إنما يقوم على الترجيح وقوة الاحتمال لا على أنه صحيح كل الصحة، إذ ذلك في عرف المنطق مستحيل، إذ القضايا التي تستنتج منها النظريات قضايا جزئية لا كلية كما لا يخفى، القضايا الجزئية في عرف المنطق غير منتجة، فتأمل.
هذا وقد وجدت قومًا يأخذون ولا يشيرون إلى مواضع ما يأخذون منه ولا إلى من يكون سبقهم أو انتفعوا من بعض ما قال أو ما كتب. قال تعالى، جل من قائل: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ومن القوم من ينسخ نسخًا ومنهم من يسلخ سلخًا ومنهم من يمسخ ومنهم من يظن أنه يتحلل بهويمش باهت بعد الأخذ الذريع وفصول السرقة والإغارة المتتابعات، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ومن أهل الفضل من لا يغمط ذا حق حقه فجزى الله هؤلاء خيرًا. وممن سبق إلى التأليف في موسيقا الشعر الدكتور إبراهيم أنيس ﵀ الرحمة الواسعة
стр. 1464
وهمت على قبره شآبيب المغفرة والرضوان. وأشهد ما علمت بوجود كتابه المشهور «موسيقى الشعر» ولا سمعت باسمه حين شرعت في تأليف كتابي هذا، ثم إنه بعدما انشرح صدري له وتقدمت فصولًا في الجزء الأول منه، ذُكر لي اسم الدكتور إبراهيم أنيس واسم مؤلفه القيم على وجه من التثبيط لي فرأيت حزمًا أن أصرف النظر عن ذلك وأن أمضي في حيث اتلأب لي الطريق وامتد عليه منى النفس ولم يُتح لي أن أرى نسخة من كتاب «موسيقى الشعر» إلا منذ وقت قريب، وقد تم من قبل تأليف الجزء الثالث وطبعه ونشره. ولقد اتصلت بيني وبين الدكتور إبراهيم أنيس أسباب الزمالة في عضوية مجمع اللغة العربية واللقاء والود في مؤتمره، فآمل أن يتهيأ لي من الفرص ما أوفيه به بعض حقه من حسن الثناء جزاه الله عن العربية الذكر الحميد والثواب الجزيل.
وهذا بعد حين أبدأ الجزء الرابع وفي النية أن أجعله آخر أجزاء هذا الكتاب فأسأل الله التوفيق والسداد وأن يجد القبول ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ومن الوسواس الخناس ومن شر حاسد إذا حسد. اللهم يسر وأعن. لك الحمد أولًا وأخيرًا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
стр. 1465
الباب الأول
تمهيد
عند المعاصرين أن الشعر العربي غنائي كله. وهذه كلمة صدق قد يراد بها الباطل أحيانًا كثيرة. اتبع فيها جيل المعاصرين مزاعم بعض المستشرقين الذين يزعمون أن الشعر العربي كله من الصنف الذاتي الغنائي «Lyric ليريك» وعند هؤلاء أن الشعر كله أصناف ثلاثة، المسرحي (DRAMA دراما) والملحمي (EPIC ابيك) والغنائي الذاتي (LYRIC ليريك). كلمة صدق لأن الشعر كله ضرب من الغناء. وقد يراد بها الباطل لأن الأوروبيين يعدون كلا صنفي الشعر المسرحي والملحمي أرفع قدرًا من الصنف الغنائي. والغالب عندهم تقديم الصنف المسرحي على الملحمي إلا أنه كالمجمع عندهم على تقديم أوميروس في ملحمتيه الإلياذة والأوديسة ثم يذكرون بعده المسرحيين، فربما قدموا سوفوكليس وربما قدموا يوربيديس وكان الغالب تقديم أسخيلوس، ثم تذكر الموسوعة البريطانية من بعد شاعر الإنجليز شكسبير ولا تقرن به أحدًا بعد الأولين من اليونان وتذكر أن الطليان يقدمون دانتي صاحب الملحمة الإلهية والألمان يقدمون جوته وتجعل مكان الشعر الغنائي بعد ذلك، لأن المقتدر من شعراء المسرح والملحمة يغني كل الألحان ولكن شاعر الصنف الغنائي إنما يقوى على اللحن الواحد أو نحو ذلك. وقدمت الموسوعة المذكورة شعر الكتاب المقدس الغنائي على كل الشعر الغنائي. وجعلت للشعر العربي بعد أن صنفته كله في النوع الغنائي حظًّا من الجودة إلا أن مكانه عندها دون مكان الشعر العبراني المقدس. ولا يخفى أن هذا الحكم مائل مع العنصرية ومع التعصب الديني، وكأن العنصرية مقدمة على الدين.
стр. 1466
وقد يحضرني في ههنا قول الجاحظ في كتاب الحيوان في أوائله: «وفضيلة الشعر مقصورة على العرب وعلى من تكلم بلسان العرب».
على أن الجاحظ إنما بنى زعمه هذا على أن الشعر العربي فيه الوزن وهو سر حسنه المعجز. ولم يكن خافيًّا عن الجاحظ مكان السجع والمزدوج. فكأن أشعار أمم العجم قد كانت عنده من هذا الضرب. على أنه في الذي زعم لم يكن قصده الفخر على أمم العجم بشعر العرب وفضيلتهم بذلك كما كان يريد الاحتجاج لفضل العلوم التي تقيدها الكتابة ويستطاع نقلها بالترجمة على الأشعار التي يعتمد في حفظها على الذاكرة ولا يستطاع نقلها بالترجمة (١).
قال تعالى جل من قائل: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ وقال : ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
ولا يلام كاتب أوروبي يذهب إلى تصنيف الشعر العربي في الغنائي دون المسرحي والملحمي بقصد أن يؤخره ويقدم الشعر الأوروبي عليه في المنزلة أو بسبب التقصير عن فهم حقيقة طبيعته لإلفه طبيعةً من نظم الشعر مباينة لها. ولكن يلام الأديب العربي الذي يصنف مثل هذا التصنيف، لما في ذلك من التقليد الأعمى أو الغفلة المؤسفة أو هما معًا ... هذا إن سلم من بعض بقايا حقد شعوبي قديم.
على أن من المستشرقين من فطن لفرق ما بين طبيعة الشعر العربي وأشعار أوروبا القديمة والحديثة وعبر عن ذلك تعبيرًا جيدًا واضحًا.
قال شارلس ليال في مقدمة كتاب اختيارات له ترجمها من الشعر العربي،
стр. 1467
قبل ترجمته المشهورة للمفضليات (١). «إن شكل الشعر العربي القديم وروحه أمر متميز غير أنه ليس من السهل أن نجعله في حيز أحد هذه الأضرب التي يعرفها النقد الأوروبي. إنه ليس بملحمي ولا بقصصي إلا حيث يكون وصف الحادث معينًا على إبراز صورة الشخصية وأبعد من ذلك أن يقال مسرحي لأن الشخص الوحيد والمقياس الوحيد المعروفين للمتكلم هما نفسه ومثله الأعلى الذي يعتقده، وعسى أن تكون القطعة الوصفية أو الخبرية القصيرة التي كان اليونان يصوغونها نثرًا أو نظمًا شيئًا قريب الشبه من شكل الشعر العربي القديم. ذلك بأن القصيدة العربية تضع أمامنا سلسلة من صور الحياة التي يحياها صاحبها، مصورة بمهارة مقتدرة واثقة من نفسها وبمعرفة صادرة عن مشاهدة وممارسة، ومن صور الأشياء التي كان يتحرك بينها، ومن صور فرسه وجمله وحيوان الصحراء وأوابدها ومناظر الأرض التي كان هو وهؤلاء جميعًا يتقبلون في وسطها وتحيط بحياتهم، وكل هذه الصور مع ما يبدو من هلهلة الربط بينهما ووهيه، تخضع خضوعًا لفكرة واحدة، هذه الفكرة هذا فض الشاعر مكنون صفحات قلبه تباعًا، من ضروب إعجاب، وضروب بغضاء، ومن قوة نفسه وحرية روحه». ثم يذكر ليال رأي المستشرق الألماني نولدكه حيث قال: «إن الشعر العربي ليس بالشعر الذي يسعى لأن يعطي شكلًا لما هو فوق الحواس أو يعرض علينا حكايات متعددة ألوان القصص أو يضفي ضوءً شعريًّا على دائرة معنى مكتنز ولكنه شعر يجعل همه الأكبر أن يصور الحياة والطبيعة كما هما من غير ما كبير إضافة من زخرفة الأوهام» ويعقب على ذلك بقوله هو: «لا شعر يصح وينطبق عليه تعريف ماثيو أرنولد أن الشعر نقد للحياة أكثر من الشعر العربي ولم تنجح أمة في تصوير نفسها على وجه الدهر في أسمى ما ترقى إليه وأدنى ما تُسِفُّ فيه وفي عظمتها كما في قصورها، كما نجحت أمة العرب، ولذلك فإن شعر الجاهلية هو حقًّا تأريخها، فيه عاش أولئك الأوائل حياتهم
стр. 1468
ووجدوا فيه البيان الذي يعسر على من يحسن فهممه حقًّا أن يبالغ في نعت ما فيه من القوة وصدق الإخلاص. بيت زهير:
وإن أحسن بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقًا
شاهد عدل بمثله الأعلى في النشيد، ما كان يقوله الشاعر في قوافيه قد جربه هو نفسه والذي يعجب سامعيه من قوله هو عينه الذي يعجبنا نحن الآن منه، وهو الصدق والصحة اللتان كان يصور بهما ما كان يعلمه هو ويعلمونه هم في تضمينه فكرهم وحياتهم اليومية في أجود ما ينتقي من اللفظ وأنبل شكل بياني تسمح به وتجيزه لغتهم». ا. هـ. قال شارلس ليال هذه المقالة وهو في أول طريق إعجابه بأشعار العرب ثم إنه قد أحكم مذهبه وجوده في مؤلفه القيم الذي اشتمل على تحقيقه لشرح ابن الأنباري (١) للمفضليات ثم على ترجمة لها مع التعليقات الدقيقة الدالة على جودة ذوقه وتمكنه.
هذا وقد كان قدماء يونان أهل ضروب في أشكال المنثور والمنظوم منها هذا الذي أشار إليه شارلس ليال باسم idyll (أي القطعة الوصفية وذات الطابع الريفي). وكانوا يتغنون أشعارهم ويجعلون في المسرحي منها موسيقا تكون معه وتصاحبه. ولم يكن الشعر عندهم هذه الأقسام الثلاثة فقط. وقد يذكر أن من أهم أصناف الشعر عندهم خمسة هي الهجاء والرثاء والملحمة والمأساة المسرحية والغناء. واختصر هذه الخمسة بعض النقاد بأخرة فجعلوها ثلاثة. ويراد بنا أن نجعل الشعر العربي، وهو صنف من البيان ذو أصالة قائمة به، أحد هذه الأصناف الثلاثة وفي أدنى مراتبها وهو الذي يقال له الغنائي (Lyric ليريك). وهذه ثمرة التقليد الأعمى والتكلف.
стр. 1469
القصيدة العربية ليست بغناء ذاتي ضربة لازم حتى يحكم عليها بأنها من صنف الغناء في تقسيم الشعر الأوروبي الذي يقال له (ليريك Lyric). من القصيدة ما يصح نعته بأنه ذاتي مثل ميمية المرقش المفضلية التي مطلعها:
ألا يا اسلمى لا صرم لي اليوم فاطمًا ... ولا أبدًا ما دام وصلك دائمًا
وكنونية ابن زيدون:
أضحى التنائي بديلًا من تدانينا ... وناب عن طيب لقيانا تجافينا
وما لا يصح نعته بأنه ذاتي مثل همزية الحارث المعلقة:
آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء
ومثل بائية أبي تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
والذاتي الذي ضربنا له مثلًا ميمية المرقش ونونية ابن زيدون قد تخالطه عناصر غير جد ذاتية، مثل الحكمة في قول المرقش:
ألم تر أن المرء يجذم كفه ... ويجشم من لوم الصديق المجاشما
وقوله:
فمن يلق خيرًا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائمًا
وقوله:
متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله ... ويعبد عليه لا محالة ظالمًا
стр. 1470
قوله ومن يغوِ أي يضل (باب ضرب) ومن روى يغوَ (باب فرح) ولم يذكر في وجوه الرواية ولكن في الشرح ما يدل عليه أي من يعدم الخير من غوي الجدى (باب فرح) إذا ضعف وهزل «ويعبد» أي يغضب ويتجنى. وعن الأصمعي غوي الفصيل إذا شرب حتى يكاد يسكر والنعت في نونية ابن زيدون عنصر فني كأنه فيه بعد عن الذاتية مثل قوله:
ربيب ملك كأن الله أنشأه ... مسكًا وقدر إنشاء الورى طينًا
وكلا الضربين الذاتي وغير الذاتي من ضروب أشعار العرب كان يتغنى به وينشد. وقال سيبويه في باب وجوه القوافي في الإنشاد في الكتاب: «وإنما ألحقوا هذه المدة في حروف الروى لأن الشعر وضع للغناء والترنم» أ. هـ.
ولأمر ما قرنت العرب الشاعر بالخطيب إذ قالوا إن منزلته كانت أعظم من منزلة الخطيب ثم إن منزلة الخطيب قد صارت أعظم.
القصيدة مذهب من القول الرفيع كان الشاعر به من العرب كالنبي في بني إسرائيل. والخطابة تأثيرها باستجاشة العاطفة وإقناع العقول وجهارة الصوت وجودة الأداء. والشعر تأثيره بأولئك جميعًا ثم بالإلهام والإيحاء والحكمة والوزن والإيقاع. والشعر العربي فيه ذرا شاهقات ما يطاولها قليل. وقد نظر شعر أوروبا الحديثة في قرونه الوسطى وفي أوائل نهضته الحديثة إلى الشعر العربي بلا ريب. ونظر عابر في مختارات الشعر الإنجليزي مثلًا يريك مشابه منه بأشياء نعهدها في أشعار العربية لا يصح حقًّا أن تُجعل كلها من باب وقوع الخاطر على الخاطر كما يقع الحافر على الحافر. من ذلك مثلًا نعت شكسبير لكيلوبترة في المنظر الثاني من الفصل الثاني بلسان اينوباربس أن مر السنين لم ينقص من جمالها وأن عادة لقائها لا تبلي طرافة أنواعها المتجددة بلا نهاية، فيه رجع صدى ذو مشابه من نعت أبي
стр. 1471
تمام لعمورية حيث قال:
من عهد إسكندر أو قبل ذلك قد ... شابت نواصي الليالي وهي لم تشب
بكرٌ فما افترعتها كف حادثة ... ولا ترقت إليها همة النوب
وقول مايكل دريتون معاصر شكسبير: «إذ لا نستطيع فلنتبادل القبل ونفترق» فيه نحو من قول المثقب: «أفاطم قبل بينك متعيني» ونص دريتون:
Since there is no help, come let us kiss and part
وللشاعر أدموند سبنسر بيت كأنه مأخوذ من قول أبي نواس:
يزيدك وجهه حسنًا ... إذا ما زدته نظرًا
أو قول أبي الطيب المأخوذ من قول أبي نواس:
«وهو المضاعف حسنه إن كررا». وبيت سبنسر هو:
Of peeping in her face that seems more fair
The more they on it stare.
والبيت من منظومته أغنية العرس (إبيثالاميون Epithalamion) وكأن ثلاميون هذه أصلها من قولنا السلام وهو قديم في اللسان السامي أقدم من لغة اليونان. وترجمة كلام سبنسر: «أرنو كثيرًا إلى وجهها الذي يبدو أجمل كلما زادوا إليه النظر» وقد كان تضمين أشطار أبي الطيب في الشعر الفارسي الجيد كثيرًا وقد ترجم من هذا إلى أدب الأوروبيين شيء كثير. وللشاعر الفرنسي كورنيل كلمة من نحو قول سبنسر يجوز أن يكون ولدها من كلامه أو من ترجمة عن الشعر الفارسي أو العربي وذلك قوله في (Psyche سايكي) حين عشقت إله الحب: -
Plus J'ai les yeux sur vous, plus Je m'en sens charmer.
أي كلما زدت نظري إليك زاد إحساسي بسحرك لي. وكلمة بنجونسون التي يقول في أولها:
Drink to me only with thine eyes
And I shall pledge with mine
стр. 1472
اشربي لي بعينيك فقط وسأعاهدك بعيني
فيها أنفاس معان من شعر الغزل العربي.
وكلمة أندرو مارفيل (Andrew Marvell ١٦٢١ - ١٦٧٣ م) في صفة الحديقة كأنها مأخوذة من: «مغاني الشعب طيبًا في المغاني».
وقد تحدث فيها عن أبينا آدم ﵇ وفراقه الجنة كما تحدث أبو الطيب وزعم أن العنب يكاد يعصر رحيقه في فمه وذلك يذكرك قول أبي الطيب:
لها ثمر تشير إليك منه ... بأشربة وقفن بلا أواني
ولأندرو مارفيل كلمات أخريات كأنما أخذ حذوهن من أبي الطيب وشعراء العرب أخذًا. وكلمة وليم بليك المشهورة في النمر تابع فيها نعت أبي الطيب للأسد متابعة شديدة وقد استسهلها بقوله يا نمر يا نمر مشتعلًا باهرًا في غابات الظلام (١).
Tiger tiger buring bright
In the forests of the night
وهذا لا يخفى أنه كقول أبي الطيب:
ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولًا
والأخذ من الشعر العربي لم يقف عند زمان النهضة وعند القرن الثامن عشر والقرن الماضي ولكنه مستمر إلى هذا القرن وإلى زماننا هذا. من ذلك مثلًا كلمة حسنة للشاعر المعاصر روي كامبل، من جنوب إفريقية، عن النخلة يتحدث عن جذورها التي تخترق إلى الأعماق وفروعها التي تضطرب بها الريح فيتساءل المرء هل نظر إلى قول المرار في النخلات:
طلبن البحر بالأذناب حتى ... شربن جمامة حتى روينا
стр. 1473
تطاول مخرمي صددي أُشيٍ ... بوائك ما يبالين السنينا
كأن فروعها في كل ريح ... جوارٍ بالذوائب ينتصينا
فقد ترجمه ليال ونشرت ذلك مطبعة أكسفورد سنة ١٩١٨ م وكلمة ري كامبل Roy Campbell وهو من شعراء جنوب أفريقية كان نظمها أو نشرها سنة ١٩٣٥. بوائك بالنصب صفة للنخل على التعظيم أي سوامق ذات حمل. والمخرم الطريق في الجبل والصدد بضم الصاد والدال الجانب. وقول روي كامبل في كلمته الطويلة شيئًا ما -بالنسبة إلى كلمة المرار التي هي أقرب إلى أن تكون مقطوعة (رقم ١٤ في المفضليات):
The higher I hanker the deeper the drill,
Through the red mortar their claws interlock,
I ferret the water through warrens of rock.
تقول النخلة في هذه الأسطر ما معناه مع وجه التقريب:
«كلما تساميت بشوقي إلى فوق زادت عروقي في عمق الاحتفار تتلاقى وتشتبك مخالبهن في الطين الصلب الأحمر
لكي يصدن الماء (كما تصاد الأرانب) من مخابئها المكتظة في الصخرة».
الشاهد هنا تعمق الجذور وتسامى الرأس، وعندي أن قول المرار «طلبن البحر بالأذناب» أقوى في التصوير. على أن إعطاءه النخلة هيئة حيوانية هو الذي مهد لكامبل فكرة جعل الماء أرنبًا. وعاب الأصمعي قول المرار:
كأن فروعها في كل ريح ... جوار بالذوائب ينتصينا
«قال غلط المرار في وصف النخل لأنه لا علم له به وإذا تباعد بعضهن من بعض كان أجود له وأصح لثمره» وأقول لله در أبي عثمان حيث أثبت للأصمعي
стр. 1474
ومن شابهه أمر الراية واللغة والغريب وأنكر معرفتهم بجودة الشعر وأثبت هذه المزية للكتاب واستثنى خلفًا وحده من جيل أهل اللغة والرواة الذين شاهدهم وأخذ عنهم وفيهم أبو عبيدة والأصمعي وله خبر طريف في تزييف ذوق أبي عمرو الشيباني. وإنما أراد المرار بقوله «ينتصينا» تصوير الرقص الحلو المرح الذي يكون مثله عند تناصي الجواري وقد يكون أراد جودة النخل نفسه بقوله ينتصينا وحديث أبي طلحة الأنصاري ﵁ إذ أعجبه منظر اشتباك فروع نخله يصحح هذا المذهب، خلافًا لما زعمه الأصمعي والله تعالى أعلم.
هذا وممن حاكى مذاهب الشعر العربي القديم وأخذ منه أخذًا الشاعر الأمريكي الإنجليزي ثوماس ستيرنز إليوت (١٨٨٨ - ١٩٦٥ م) وقوله المشهور:
Let us go then, you and I
When the evening is spread out against the sky
Like a patient etherized upon a table
أي: «دعنا إذن نذهب أنت وأنا
عندما يكون الليل قد مُدد بإزاء السماء
مثل مريض بنج على منضدة العملية».
يشبه أوله مطالع قصائد العرب: «قفا نبك» «عوجا كذا»، «عوجوا فحيوا» وهلم جرا. وسائره من باب التشبيه المقلوب وقد نبهنا على ذلك في كلمة نشرتها مجلة الدوحة (١) كما نبهنا على نظره الشديد في منظومته الطويلة «الأرض المقفرة The waste land» التي بنى عليها أساس شهرته إلى المعلقات وغيرها من قديم شعر العرب. وقد حاول إليوت إخفاء أخذه عن العربية بكتمانه فلم يشر إلى شيء قد ينم به في تعليقاته الكثيرة المتنوعة.
стр. 1475
هذا، وقد وجدت الكاتب المعاصر أدونيس يقول في كتابه زمن الشعر: «القصدة القديمة مجموعة أبيات، أي مجموعة وحدات مستقلة متكررة لا يربط بينها نظام داخلي، إنما تربط بينها القافية وهي قائمة على الوزن، والإيجاز طابعها العام». أ. هـ.
وهذه العبارة ينقض آخرها أولها إذ ما له طابع عام هو كل واحد ضربة لازم وما هو كل واحد فإنه يشمله نظام داخلي، وقد زعم أدونيس أن الإيجاز يشمله، فتأمل.
ثم لو سلمنا لأدونيس ظاهر قوله فعليه تكون قصيدة النابغة التي مطلعها:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد
مجموعة أبيات أي وحدات مستقلة متكررة لا يربط بينها نظام داخلي. وكذلك عينيته التي ذكرها الن رشيق في العمدة عند الحديث عن التخلص في باب المبدأ والخروج والنهاية فقال: وأولى الشعر بأن يسمى تخلصًا ما تخلص فيه الشاعر من معنى إلى معنى ثم عاد إلى الأول وأخذ في غيره ثم رجع إلى ما كان فيه كقول النابغة آخر قصيدة اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر.
وكفكفت مني عبرة فرددتها ... إلى النحر منها مستهل ودامع
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت الما أصح والشيب وازع
ثم تخلص إلى الاعتذار فقال:
ولكن همًّا دون ذلك شاغلٌ ... مكان الشغاف تبتغيه الأصابع
وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالضواجع
ثم وصف حاله عندما سمع ذلك فقال:
فبت كأني ساورتني ضئيلةٌ ... من الرقش في أنيابها السم ناقع
يُسهَّد بالليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
تناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طورًا وطورًا تراجع