تمام لعمورية حيث قال:
من عهد إسكندر أو قبل ذلك قد ... شابت نواصي الليالي وهي لم تشب
بكرٌ فما افترعتها كف حادثة ... ولا ترقت إليها همة النوب
وقول مايكل دريتون معاصر شكسبير: «إذ لا نستطيع فلنتبادل القبل ونفترق» فيه نحو من قول المثقب: «أفاطم قبل بينك متعيني» ونص دريتون:
Since there is no help, come let us kiss and part
وللشاعر أدموند سبنسر بيت كأنه مأخوذ من قول أبي نواس:
يزيدك وجهه حسنًا ... إذا ما زدته نظرًا
أو قول أبي الطيب المأخوذ من قول أبي نواس:
«وهو المضاعف حسنه إن كررا». وبيت سبنسر هو:
Of peeping in her face that seems more fair
The more they on it stare.
والبيت من منظومته أغنية العرس (إبيثالاميون Epithalamion) وكأن ثلاميون هذه أصلها من قولنا السلام وهو قديم في اللسان السامي أقدم من لغة اليونان. وترجمة كلام سبنسر: «أرنو كثيرًا إلى وجهها الذي يبدو أجمل كلما زادوا إليه النظر» وقد كان تضمين أشطار أبي الطيب في الشعر الفارسي الجيد كثيرًا وقد ترجم من هذا إلى أدب الأوروبيين شيء كثير. وللشاعر الفرنسي كورنيل كلمة من نحو قول سبنسر يجوز أن يكون ولدها من كلامه أو من ترجمة عن الشعر الفارسي أو العربي وذلك قوله في (Psyche سايكي) حين عشقت إله الحب: -
Plus J'ai les yeux sur vous, plus Je m'en sens charmer.
أي كلما زدت نظري إليك زاد إحساسي بسحرك لي. وكلمة بنجونسون التي يقول في أولها:
Drink to me only with thine eyes
And I shall pledge with mine
стр. 1472
اشربي لي بعينيك فقط وسأعاهدك بعيني
فيها أنفاس معان من شعر الغزل العربي.
وكلمة أندرو مارفيل (Andrew Marvell ١٦٢١ - ١٦٧٣ م) في صفة الحديقة كأنها مأخوذة من: «مغاني الشعب طيبًا في المغاني».
وقد تحدث فيها عن أبينا آدم ﵇ وفراقه الجنة كما تحدث أبو الطيب وزعم أن العنب يكاد يعصر رحيقه في فمه وذلك يذكرك قول أبي الطيب:
لها ثمر تشير إليك منه ... بأشربة وقفن بلا أواني
ولأندرو مارفيل كلمات أخريات كأنما أخذ حذوهن من أبي الطيب وشعراء العرب أخذًا. وكلمة وليم بليك المشهورة في النمر تابع فيها نعت أبي الطيب للأسد متابعة شديدة وقد استسهلها بقوله يا نمر يا نمر مشتعلًا باهرًا في غابات الظلام (١).
Tiger tiger buring bright
In the forests of the night
وهذا لا يخفى أنه كقول أبي الطيب:
ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولًا
والأخذ من الشعر العربي لم يقف عند زمان النهضة وعند القرن الثامن عشر والقرن الماضي ولكنه مستمر إلى هذا القرن وإلى زماننا هذا. من ذلك مثلًا كلمة حسنة للشاعر المعاصر روي كامبل، من جنوب إفريقية، عن النخلة يتحدث عن جذورها التي تخترق إلى الأعماق وفروعها التي تضطرب بها الريح فيتساءل المرء هل نظر إلى قول المرار في النخلات:
طلبن البحر بالأذناب حتى ... شربن جمامة حتى روينا
стр. 1473
تطاول مخرمي صددي أُشيٍ ... بوائك ما يبالين السنينا
كأن فروعها في كل ريح ... جوارٍ بالذوائب ينتصينا
فقد ترجمه ليال ونشرت ذلك مطبعة أكسفورد سنة ١٩١٨ م وكلمة ري كامبل Roy Campbell وهو من شعراء جنوب أفريقية كان نظمها أو نشرها سنة ١٩٣٥. بوائك بالنصب صفة للنخل على التعظيم أي سوامق ذات حمل. والمخرم الطريق في الجبل والصدد بضم الصاد والدال الجانب. وقول روي كامبل في كلمته الطويلة شيئًا ما -بالنسبة إلى كلمة المرار التي هي أقرب إلى أن تكون مقطوعة (رقم ١٤ في المفضليات):
The higher I hanker the deeper the drill,
Through the red mortar their claws interlock,
I ferret the water through warrens of rock.
تقول النخلة في هذه الأسطر ما معناه مع وجه التقريب:
«كلما تساميت بشوقي إلى فوق زادت عروقي في عمق الاحتفار تتلاقى وتشتبك مخالبهن في الطين الصلب الأحمر
لكي يصدن الماء (كما تصاد الأرانب) من مخابئها المكتظة في الصخرة».
الشاهد هنا تعمق الجذور وتسامى الرأس، وعندي أن قول المرار «طلبن البحر بالأذناب» أقوى في التصوير. على أن إعطاءه النخلة هيئة حيوانية هو الذي مهد لكامبل فكرة جعل الماء أرنبًا. وعاب الأصمعي قول المرار:
كأن فروعها في كل ريح ... جوار بالذوائب ينتصينا
«قال غلط المرار في وصف النخل لأنه لا علم له به وإذا تباعد بعضهن من بعض كان أجود له وأصح لثمره» وأقول لله در أبي عثمان حيث أثبت للأصمعي
стр. 1474
ومن شابهه أمر الراية واللغة والغريب وأنكر معرفتهم بجودة الشعر وأثبت هذه المزية للكتاب واستثنى خلفًا وحده من جيل أهل اللغة والرواة الذين شاهدهم وأخذ عنهم وفيهم أبو عبيدة والأصمعي وله خبر طريف في تزييف ذوق أبي عمرو الشيباني. وإنما أراد المرار بقوله «ينتصينا» تصوير الرقص الحلو المرح الذي يكون مثله عند تناصي الجواري وقد يكون أراد جودة النخل نفسه بقوله ينتصينا وحديث أبي طلحة الأنصاري ﵁ إذ أعجبه منظر اشتباك فروع نخله يصحح هذا المذهب، خلافًا لما زعمه الأصمعي والله تعالى أعلم.
هذا وممن حاكى مذاهب الشعر العربي القديم وأخذ منه أخذًا الشاعر الأمريكي الإنجليزي ثوماس ستيرنز إليوت (١٨٨٨ - ١٩٦٥ م) وقوله المشهور:
Let us go then, you and I
When the evening is spread out against the sky
Like a patient etherized upon a table
أي: «دعنا إذن نذهب أنت وأنا
عندما يكون الليل قد مُدد بإزاء السماء
مثل مريض بنج على منضدة العملية».
يشبه أوله مطالع قصائد العرب: «قفا نبك» «عوجا كذا»، «عوجوا فحيوا» وهلم جرا. وسائره من باب التشبيه المقلوب وقد نبهنا على ذلك في كلمة نشرتها مجلة الدوحة (١) كما نبهنا على نظره الشديد في منظومته الطويلة «الأرض المقفرة The waste land» التي بنى عليها أساس شهرته إلى المعلقات وغيرها من قديم شعر العرب. وقد حاول إليوت إخفاء أخذه عن العربية بكتمانه فلم يشر إلى شيء قد ينم به في تعليقاته الكثيرة المتنوعة.
стр. 1475
هذا، وقد وجدت الكاتب المعاصر أدونيس يقول في كتابه زمن الشعر: «القصدة القديمة مجموعة أبيات، أي مجموعة وحدات مستقلة متكررة لا يربط بينها نظام داخلي، إنما تربط بينها القافية وهي قائمة على الوزن، والإيجاز طابعها العام». أ. هـ.
وهذه العبارة ينقض آخرها أولها إذ ما له طابع عام هو كل واحد ضربة لازم وما هو كل واحد فإنه يشمله نظام داخلي، وقد زعم أدونيس أن الإيجاز يشمله، فتأمل.
ثم لو سلمنا لأدونيس ظاهر قوله فعليه تكون قصيدة النابغة التي مطلعها:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد
مجموعة أبيات أي وحدات مستقلة متكررة لا يربط بينها نظام داخلي. وكذلك عينيته التي ذكرها الن رشيق في العمدة عند الحديث عن التخلص في باب المبدأ والخروج والنهاية فقال: وأولى الشعر بأن يسمى تخلصًا ما تخلص فيه الشاعر من معنى إلى معنى ثم عاد إلى الأول وأخذ في غيره ثم رجع إلى ما كان فيه كقول النابغة آخر قصيدة اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر.
وكفكفت مني عبرة فرددتها ... إلى النحر منها مستهل ودامع
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت الما أصح والشيب وازع
ثم تخلص إلى الاعتذار فقال:
ولكن همًّا دون ذلك شاغلٌ ... مكان الشغاف تبتغيه الأصابع
وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالضواجع
ثم وصف حاله عندما سمع ذلك فقال:
فبت كأني ساورتني ضئيلةٌ ... من الرقش في أنيابها السم ناقع
يُسهَّد بالليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
تناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طورًا وطورًا تراجع
стр. 1476
فوصف الحية والسليم الذي شبه به نفسه ما شاء ثم تخلص إلى الاعتذار الذي كان فيه فقال:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع
ويروي وخبرت خير الناس أنك لمتني ثم اطرد له ما شاء من تخلص إلى تخلص حتى انقضت القصيدة. أ. هـ. قلت فهذا الذي زعمه ابن رشيق كلًّا واحدًا ٍإن هو إلا تفكك وفقدان نظام داخلي في زعم أدونيس.
وكذلك معلقة زهير:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
فعلى قوله هي إذن حولية أنفق شاعرها فيها حولًا كاملًا على لا نظام وقدمتها العرب من أجل لا نظامها.
وكذلك بائية علقمة:
طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
وقد استمع إليها الملك الغساني فلما بلغ علقمة قوله:
وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأسٍ من نداك ذنوب
أي نصيب قال له: «وأذنبةٌ» طربًا وإعجابًا ... هي أيضًا لا نظام لها؟ لا شك أن أدونيس مخطئ في هذا الذي ذهب إليه. ومن المؤسف أن نحو خطئه هذا يعد مقالًا. وأيسر فحص للمعلقات ودع ما بعد ذلك- يبين بطلان مقاله. لا بل المنطق والذوق يبين بطلانه، إذ كل تأليف محكم تنتظمه وحدة. الوزن والقوافي جزء من ذلك وما هما بالكل. وليس بعد الوحدة إلا التفكك والفوضى. ولله در شارلس ليال من ناقد، مع أن العربية لم تكن لغته، حيث قال في كلامه الذي ذكرناه آنفًا في وصفه للشعر العربي: «وكل هذه الصور مع ما يبدو من هلهلة الربط بينها ووهيه تخضع
стр. 1477
خضوعًا لفكرة واحدة» ونصه الإنجليزي:
but all, however loosely they seem to be bound together, are subordinate to one dominate idea ...
وقديمًا قالت العرب تذم ما يكون على غير نظام جيد من القول:
وشعر كبعر الكبش فرق بينه ... لسان دعي في القريض دخيل
فقد جعل هذا الفاضل ومن على رأيه جميع شعر العرب كبعر الكبش وكل شعراء العرب أجمعين من فحل ومفلق وخنذيذ دخلاء في الشعر أدعياء، وقد كان عندهم أن ليس الشعر عند أمة غيرهم فتأمل.
والذي يقال له الوحدة العضوية عبارة مترجمة من اللفظ الإنجليزي organic unity وهي ترجمة رديئة غير أنها رزقت السيرورة وأصح أن لو قالوا «الوحدة المحكمة» بضم الميم وسكون الحاء وفتح الكاف أو «المنظمة» بضم الميم وفتح النون وظاء معجمة مفتوحة مشددة أو «الوحدة الأساسية» أو «الوثيقة النسق» أو شيئًا من هذا القبيل. وإنما يصح قول العضوية في باب علم الأحياء وكيمياء الأحياء وما أشبه.
وأصل القول بالوحدة المحكمة التامة مرده إلى أرسطو حيث نص على أن وحدة العمل هي قوام الجودة. وإنما ذكر العمل لأن المأساة كالعمل. وكذلك الملحمة. وأهم ما في المأساة والملحمة طريق ترتيب الأحداث حتى يفضي أولها إلى أوسطها ثم نهايتها، وعقدة المأساة عنده هي روحها. وشبه أرسطو وحدة المأساة بالكائن الحي. وزعم أن الاعتدال والتوسط ضروري لإعطائه الجمال، فما كان ضخمًا حتى لا تستطاع رؤيته كله قدح ذلك في وحدته وفقدانه الوحدة يذهب جماله فلا يراه الناظر. وما كان دقيقًا بالغ الدقة كان نحوًا من ذلك في استحالة إدراك حسنه. وكأن الحاتمي معاصر المتنبي وناقده قد تأثر بأرسطو حيث شبه القصيدة بالإنسان.
وقد عاب نقاد العرب التضمين وذكرناه في أوائل الجزء الأول من هذا
стр. 1478
الكتاب ومثلنا له بأمثلة من شعر النابغة وغيره. وليس حسن ثناء نقاد العرب على البيت الوافي التام يستفاد منه أن تمام معاني الأبيات ينافي أن لها اتصالًا بما بعدها تنشأ منه وحدة للقصيدة ونظام. إن جمل الكلام المنثور مما يستحسن في كثير منها أن يحسن الوقوف عليها عند آخرها، وإنما يحسن الوقوف بتمام أجزاء المعاني المتمثلة فيها، وهي بعد أجزاء من جملة الكلام المراد كله. ومكان البيت من القصيدة غير بعيد الشبه من مكان الجملة المكتملة من الكلام الذي هذا جزء منه. وفي الشعر الإنجليزي قد كان السطران في الأسلوب المزدوج الذي شاع في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلادي مما يستحسن فيهما تمام المعنى، مثلًا قول أندرو مارفيل:
Had we but world enough and time
This coyness Lady were no crime
We could sit down, and think which way
To walk and pass our long love's day
والمعنى على وجه التقريب:
لو قد كانت لنا دنيا كافية وأجل
لم يكن ذنبًا يا سيدتي كل هذا الخجل
نقعد إذن ونفكر أي سبيل
نمشي دربها لنجوز يوم الحب الطويل
والسطران من الشعر الإنجليزي أشبه بالبيت الواحد من الشعر العربي ولا سيما بحوره الطوال كالطويل والبسيط، وذلك لأن كل شطر من أشطار البيت العربي يقارب في طوله سطر الشعر الإنجليزي وربما زاد في عدد المقاطع. الطويل مثلًا ثمانية وأربعون مقطعًا (٤٨) وشطره وهو نصفه (في قفا نبك ولخولة أطلال وأمن أم أوفى المعلقات وما بجري مجراهن) فيه أربعة وعشرون (٢٤) والسطر الإنجليزي الطويل عشرة مقاطع يزيد شيئًا أو ينقض. وقد بلغ الإسكندربوب (١٦٨٨ -
стр. 1479
١٧٤٤ م) Alexander Pope من الإحكام للوزن والتقفية أنه كثيرًا ما يتم له المعنى في أنصاف ازدواجياته أي في السطر الواحد نحو قوله:
A little learning is a dangerous thing,
Drink deep, or taste not the Pierian spring,
There shallow draughts intoxicate the brain,
And drinking largely sobers us again.
والمعنى على وجه التقريب:
قليل العلم أمر خطير،
لا تذق من نبعه إلا أن تعبَّ الكثير،
إذ يسكر الدماغ منه الحسو الضحل،
لكن الشراب الضخم يرد الصحو إلى العقل.
وقد كان الغالب على شكسبير في ما يجوده من خطب أن يعمد إلى الأسطار ذوات المواقف التي تتم عندها المعاني أو يحسن السكوت، هذا مع ما كان يتطلبه منه أسلوب المسرح مع طريقة النظم المرسل بلا قواف من تتابع الحوار، مثلًا قوله:
All the world's a stage
And all the men and women merely players,
They have their exists and their entrances
And one man in his time plays many parts
المعنى تقريبًا:
كل الدنيا مسرح تمثيل
وكل الرجال والنساء إن هم إلا ممثلون
ولكل منهم دخوله وخروجه
وكل امرئ يمثل في مدى عمره أدوارًا كثيرة
стр. 1480
والقطعة المشهورة من كلام شخص يقال له يعقوب Jaques يجيب الأمير في المنظر السابع من الفصل الثاني من «كما تحب As you like» ومثلًا قوله من تاجر البندقية على لسان بورشيا في المنظر الأول من الفصل الرابع:
The of mercy is not strain'd,
it is enthroned in the hearts of kings,
It is an attribute to god himself.
المعنى تقريبًا:
طبيعة الرحمة لا تغتصب
إن لها لعرشًا من قلوب الملوك
إنها لمن صفات الله العظيم
وكان شكسبير أحرص على تمام المعنى أو شبه تمامه في السطر والسطرين مما يكون ذا قواف من نظمه وربما جاء بالتقفية في آخر الخطبة المرسلة على سبيل التأكيد. وقد كان جون ملتون (١٦٠٨ - ١٦٧٤ م) John Milton فيما ذكره نقاده لا تيني طريقة النظم، يدخل الجملة في الجملة حتى تنتظم عدة أسطار، وربما عد هذا من المآخذ على أسلوبه. ومدحوا كرستوفر مارلو (١٥٦٤ - ١٥٩٣ م) Christopher Marlowe بجودة سطره الشعري وعد به من بناة أشعارهم وقيل لسطره العظيم mighty line وكان على سن شكسبير غير أنه مات قبل أن يبلغ الثلاثين قتيلًا في حان.
وزعم سيسيل داي لويس الشاعر الناقد في بعض ما كتبه أن جودة شعر الشاعر تقاس بعدد أسطاره الجياد، وفي هذا ما يستفاد منه استحسان تمامها، وليس ببعيد عن هذا المذهب مذهب إليوت في رسالته عن الشعر والنقد (The use of poetry and the use of criticism) في حديثه عن الأسطار التي يرى أن الشاعر شيلي قد ارتفع فيها.
стр. 1481
سقنا هذه الأمثلة على سبيل الدلالة وللاحتياج على أن الحرص أن يتم المعنى في البيت لا ينبئ بأن القصيدة من أجل هذا لا يجمع بين أطرافها روابط يستفاد منهن نمام معنى كلي. ولكنه أمر في حد ذاته من باب محسنات الكلام ومجودات الصناعة ومتممات قوة البيان. تأمل قول زهير:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو ... وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا ضربتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثفالها ... وتلقح كشافًا ثم تنتج فتتئم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
فتغلل لكم مالًا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم
ههنا كل بيت مستقل بمعناه في ذات نفسه ثم هو شديد الصلة بما يليه. وتأمل قول طرفة:
وما زال تشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت أفراد البعير المعبد
رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممدد
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربةٍ ... كميتٍ متى ما تعل بالماء تزبد
وكرى إذا نادى المضاف محنبًا ... كسيد الغضى نبهته المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الطراف المعمد
أليس البيت الأول ههنا تامًّا في نفسه ومع ذلك هو موصول بالذي يليه، شاهد ذلك حرف الجر «إلى»، ثم قوله «رأيت بني غبراء» أي الصعاليك منسجم مع ما قبله متمم له، إذ لما تحامته العشيرة صار من الصعاليك، ثم هو عند نفسه وعن من
стр. 1482
يمقونه شريف لا يرضي التعبيد ويثور على ذلك ويتمرد.
ليس معنى التضمين الذي يحسن أن يتجنبه الشاعر أنه لا ينبغي اتصال الأبيات بعضها ببعض ولكن معناه ألا تتصل اتصالًا تكون فيه القافية معلقة بما بعدها متصلة به اتصالًا يفسد حسن الوقوف عند حرف الروي وما إليه وحسن الوحدة الترنمية في أداء الغناء وإيقاعه، كالذي رووا من قول النابغة:
وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إني
شهدت لهم موارد صادقات ... شهدن لهم بصدق الود مني
وقد عرف التبريزي التضمين في كتابه الوافي بأنه «أن تتعلق قافية البيت الأول بالبيت التالي كقول النابغة إلخ» فقوله هذا دل على أن التضمين عيب من عيوب القافية مرتبط بأسلوب صناعتها أكثر من ارتباطه بأمر معنى البيت كله وإلا لدخل في مدلول التضمين نحو قول طرفة: «وما زال تشرابي الخمور البيت» إلى قوله «البعير المعبد» في البيت التالي ونحن نعلم أنه لا يدخل. على أنه ليس قول النابغة هذا بمعيب حقًّا لمن تأمله. وقد كان مشهودًا لأبي أمامة أنه من الحذاق وأهل التجويد وذلك أن عجز بيته الأول يصيب تمامًا وحسن موقفٍ مع صدر البيت الذي يليه. وليس بممتنع على مترنم بهذين البيتين أن يكون ترنمه بنهما هكذا:
وهم وردوا الجفار على تميم
وهم أصحاب يوم عكاظ إني ... شهدت لهم موارد صادقات
شهدن لهم بصدق الود مني
وتحرص العربية في نثرها على أن تكون الفقرات التي يحسن السكوت عندها مكتملات المعاني مستقلات أو كالمستقلات، مع الذي بينها من الاتصال الوثيق والتشابك الذي تقتضيه طبيعة النثر. فلا عجب أن تكون العربية أحرص على بروز هذه الصفة في الشعر.
стр. 1483
تأمل مثلًا قول الحريري في المقامة التبريزية: «قال: فلما رأى القاضي اجتراء جنانها، وانصلات لسانها * علم أنه قد مني منهما بالداء العياء، والداهية الداهياء * وإنه متى منح أحد الزوجين، وصرف الآخر صفر اليدين * كان كمن قضى الدين بالدين، وصلى المغرب ركعتين * فطلسم وطرسم * واخرنطم وبرطم * وهمهم وغمغم * ثم التفت يمنة وشامة * وتململ كئابة وندامة*» ووضعنا الأنجم لتبين تمام أجزاء المعاني، ثم عند كل سجعة تمام جزيء من المعنى.
وكان العقاد قد ذهب في بعض ما كتب، أحسبه في الساعات، إلى أن العرب لم تكن وحدة بناء القصيدة وأنها إنما كانت تهتم بإحكام وحدة البيت. ومن أجل هذا المذهب قدم ابن الرومي وغلا فيه لما ظن أنه وجده عنده من وحدة القصيدة. ولقبل العقاد ﵀ ما افتن بعض أوائل رواد أدبنا الحديث بأمر وحدة الموضوع. قصائد عدة من ديوان شوقي تنظر إلى هذا المعنى مثل: «قفي يا أخت يوشع» ومثل «أبا الهول عليك العصر» ومثل «من أي عهد في القرى تتدفق» وهلم جرا وانظر آخر هذا الجزء عن حديثنا عن المقالة إن شاء الله تعالى ومن عجب الأمر أن الذين ينقمون من الشعر العربي ما يزعمونه من عدم «الوحدة العضوية» ليس لديهم إلا حسن الثناء على كل غموض، وكل انعدام وحدة في الذي يحسبون أنهم يحاكونه من تجديدات الإفرنج. ولله در الشاعر العربي القديم إذ يقول:
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحًا
وهذا بع حين نأخذ في شيء من البسط والتفصيل وبالله نستعين:
عناصر الوحدة:
هن في القصيدة العربية أربعة، الوزن والصياغة والأغراض ونفس الشاعر بفتح النون والفاء.
стр. 1484
الوزن:
أما الوزن فهو الخاصة التي يميز بها الشعر ويعرف في أساليب العربية ومن النقاد من يمدح الشعر ويحسب بذلك أنه يعرفه كالذي يصنعه كثير من المعاصرين حين يتحدثون عن الشعر أنه خلق وإبداع (١) ورؤيا وقفزة ودفقة ووثبة وانتفاضة وبعض الألفاظ التي يتحدثون بها عن الشعر مستعارة من أصل كلمة بويتري Poetry وهي في الاشتقاق، ذكر ذلك معجم اكسفورد، من «بويو» Poieo اليونانية ومعناها يصنع. وبعض هذه الألفاظ مستعار من النقاد الغربيين من كلامهم في معرض الدفاع عن الشعر والتصدي لمذاهبه مثل دفاع شيلي ومقدمة وردزورث وكلاهما من كبار شعراء الحركة الرومانتيكية الإنجليز. وشبه كارلايل بطولة الشاعر ببطولة النبي في كتابه عن الأبطال وقدسية البطل، كلاهما فيما زعم يخترق الحجب إلى السر المكشوف ويراه حين لا يراه الآخرون، وزعم أن الفرق بينهما هو أن النبي يشرع الشريعة ويهدي ولكن الشاعر يبين الجمال ويتغنى بالحب، على أن هذه أمور تتداخل.
وقد مدح القدماء الشعر فنسب إليه أرسطو طاليس في ما نقلوا، في معرض الرد على أفلاطون أنه يطهر النفوس من أدرانها بما يتيح لها من التنفيس حين تنفعل بالبكاء ونحوه لفجائع المأساة وبالانشراح والضحك ونحو ذلك عند هزل الملهاة وقد زعم أفلاطون أن الشعر يسلب المرء ضبط النفس فيبكي كالمرأة للمأساة ويضحك مسرورًا راضيًّا عندما ينبغي أن يخجل من مثله ويندى له جبينه. وتبع لونجينس صاحب رسالة شرف المعنى. (وهو ناقد مجهول الشخصية، وزعم بعضهم أنه كان من أهل تدمر في القرن الثالث الميلادي) تبع جانبًا من مذهب أرسطو طاليس حيث ذكر أن جيد الشعر ينبغي أن يسمو بالنفوس إلى شرف من المعاني.
стр. 1485
وتبع فيليب سيدني، الشاعر والناقد الإنجليزي، مذهب لونجينس فزعم أن الشعر فيه القدوة الحسنة، ونسي أن فيه أيضًا المثل السيء كشخصية أياغو في مسرحية «أوثيلو» لشكسبير مثلًا وله مشابه في ما كتب القدماء ممن يكون السير فيليب سيدني قد اطلع على آثارهم. وأدق من مذهبه مذهب أبي تمام في قوله:
ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... بغاة الندى من أين تؤتى المكارم
وقال الأعشى:
قلدتك الشعر بسلاسة ذا ... فائش والمرء حيثما جعلا
ويروى عن عمر ﵁ أنه نعت الشعر بأنه كان علم قوة لم يكن عندهم علم أصح منه. وفرع من هذا ما روي عن أبي عمرو بن العلاء أنه ذكر أن شعراء العرب كانوا فيهم بمنزلة أنبياء بني إسرائيل في بني إسرائيل. وقول النبي ﷺ «إن من الشعر لحكمًا أو لحكمة» شامل لهذه المعاني، والحكم هو الحكمة وهي أخت النبوة، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ والحكم بضم الحاء القضاء وهو من معاني النبوة قال الأعشى وجعل نفسه قاضيًّا:
حكمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر
وتتمة الحديث: «وإن من البيان لسحرًا»، لما يكون فيه من قوة التأثير، وكما مدح الشعر ذم، ومن قديم ذمه نسبته إلى الكذب.
وذكر (١) نورثروب فراي أحد النقاد الإنجليز المعاصرين في المقالة الثانية من كتابه عن تشريح النقد أن عادة الشاعر في تجاهل الحقائق هذا التي جرت عليه سمعة رخصة الكذب وذكر أن كلمة «دغتر» digter النرويجية معناها الكاذب كما أن معناها أيضًا الشاعر وموقف أفلاطون معروف حيث زعم أن الشاعر بعيد عن
стр. 1486
الحقيقة بمرحلتين إذ هو كالرسام الذي يصور سريرًا صنعه النجار وصناعة النجار إن هي إلا أداء جزئي منظور فيه على وجه التقليد للفكرة الكاملة للسرير، والفكرة الكاملة للسرير لا يكون منها إلا سرير واحد مثالي.
وفي الكتاب العزيز في آخر سورة الشعراء مدح لشعراء الحزب المؤمن وذم لشعراء الشرك والطاغوت وذلك قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، وليس وراء هذا لقائل من مقال.
قولنا من قبل أن الوزن هو الخاصة التي يميز بها الشعر ويعرف، نحترس به من أن تعريف الشعر بحد تام ليس بالممكن، والحد التام لا يتأتى بالخاصة ولكن بالفصل، والوزن خاصة لا فصل يدلك على ذلك مثلًا قول ابن الرومي:
مستفعلن فاعلن فعولن ... مستفعلن فاعلن فعولو
بيت كمنعاك ليس فيه ... شيء سوى أنه فضول
على أنه خاصة قوية تقارب أن تكون فصلًا وليست به.
ولذلك قالوا: الشعر هو الكلام الموزون المقفى. وقال ابن رشيق «بعد النية» يخرج بذلك من الشعر ما يقع موزونًا من الكلام ولم يرد لأن يكون شعرًا وإنما وقع اتفاقًا. وفي هذا من صنيعه ما يؤخذ عليه إن كان إنما أراد به الاحتراس للقرآن لئلا يقال هو شعر، قال في باب حد الشعر وبنيته: «الشعر يقوم بعد النية من أربعة أشياء وهي اللفظ والوزن والمعنى والقافية فهذا هو حد الشعر لأن من الكلام موزونًا مقفى وليس بشعر لعدم القصد والنية كأشياء أنزلت من القرآن ومن كلام النبي ﷺ وغير ذلك مما يطلق عليه أنه شعر». أ. هـ. أقول وكأن ابن رشيق قد فطن إلى أن قوله: «بعد النية» وحده مما يؤخذ عليه إذ لا يعقل في شيء من القرآن والحديث أن يقع فيه الشعر اتفاقًا بلا نية الشعر، فجاء ابن رشيق بقوله: «لعدم القصد» وهي أدق،
стр. 1487
إذ ما يجيء منظومًا محكمًا وليس مقصودًا به الشعر فليس بشعر مثل حاق المنظومات التعليمية، فهذا فيه الوزن والقافية واللفظ والمعنى معهما، كل أولئك منوي، ولكن القص ليس إلى الشعر. وكلمة القصد استعملها الجاحظ، ومن عند الجاحظ جاء ابن رشيق بقوله بعد النية ثم تلافاه بقوله «لعدم القصد والنية» وعبارة الجاحظ أدق وهي في الجزء الأول من البيان (١: ٢٨٩) قال «ولو أن رجلًا من الباعة صاح: من يشتري باذنجان، لقد كان تكلم بكلام في وزن مستفعلن مفعولات، وكيف يكون هذا شعرًا وصاحبه لم يقصد إلى الشعر» وهذا من كلام الجاحظ دقيق واضح، إذ الشعر فن يجمع بين الخيال والوهم والتغني والتعبير بانفعال عاطفي والتصوير والتأثير والحكمة وسحر البيان في عناصر أخرى مع الوزن والقافية، وللشاعر أن يهيم في كل واد وأن يناقض نفسه فيمدح اليوم ويهجو غدًا لأنه يصدر به عن قلب العاطفة الإنسانية المتقلب، وصاحب الحقائق العلمية وإن نظمها مقفاة موزونة وتخير لها اللفظ النقي ليس قصده إلى أجواء الشعر لينطلق فيها فلا يكون كلامه شعرًا والقرآن وكلام النبي ﵊ وحي يوحى ليس بصادر عن تقلب قلب العاطفة، ولا ينطق عن الهوى. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ والناسخ والمنسوخ تدرج في التشريع لا تناقض صادر من قلب متقلب.
هذا وأضاف الجاحظ بعدما تقدم من قوله: «وصاحبه لم يقصد إلى الشعر» قوله: «ومثل هذا المقدار (يعني من يشتري باذنجان) من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام».
أي مع كونه غير مقصود به الشعر فهذا يخرجه من الشعر مع اتزانه وقافيته، مع ذلك مثله قد يرد في الكلام اتفاقًا لطبيعة راسخة في سنخ الكلام، تجعل ورود ذلك فيه عن قصد أو عن غير قصد وبنية وبلا نية مما قد يتفق ثم قال الجاحظ: «وإذا جاء هذا المقدار الذي يعلم أنه من نتاج المعرفة بالأوزان والقصد إليها كان ذلك شعرًا وهذا قريب والجواب سهل بحمد الله» ويعني الجواب عن مسألة ورود أمثال:
стр. 1488
﴿تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ -وزعم قوم، وأحسبهم أخذوه من مقال الجاحظ هذا، أن البيت الواحد ليس بشعر ولكن البيتان فأكثر. ولم يرد الجاحظ الكم وحده، لاشتراطه مع معرفة الأوزان القصد إليها بغرض أن يكون الكلام شعرًا. وقد كان الجاحظ من علماء الكلام، فينبغي ألا يغفل عن جانب الدقة في عباراته، والله أعلم وعرف أبو العلاء المعري الشعر في رسالة الغفران على لسان صاحبه في وضعه الخيالي يجيب رضوان خازن الجنان قال: «فقلت الأشعار جمع شعر والشعر كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط إن زاد أو نقص أبانه الحس» وكان للمعري علم بالموسيقا (١) والإيقاع يشهد بذلك فصل له عن أوزان الغناء في كتابه الفصول والغايات. ولا يخلو المعري من أن يكون نظر في تعريفه للشعر وهو تعريف إيقاعي موسيقي إلى أبي نصر الفارابي فإنه عنده أن الشعر هو الأقاويل الموزونة إلا أن العرب في أشعارها القافية، قال: «وأشعار العرب في القديم والحديث فكلها ذوات قواف إلا الشاذ منها، وأما أشعار سائر الأمم الذين سمعنا أشعارهم فجلها غير ذات قواف وخاصة القديمة منها، وأما المحدثة منها فهم يرومون أن يحتذوا في نهاياتها حذو العرب» أ. هـ. (راجع الموسيقي الكبير، طبع القاهرة ص ١٠٧٢ - ١٠٩٢) وفي كتاب أبي حاتم الرازي، الزينة، وهو من رجال أوائل القرن الرابع الهجري، أن شعر الفرس القديم لم يكن محكم الوزن وإنهم أخذوا القافية والوزن من العرب.
وأكثر ما اطلعنا عليه من معجمات الإنجليز يعرف الشعر بأنه الكلام الموزون وربما زاد على ذلك ما يحترس به من غث الكلام الموزون. وقد اعترف كارلايل بأن تعريف الشعر بأنه الكلام الموزون metric أدل من سواه وإلى هذا الوجه ذهب الدكتور صمويل جونسون (١٧٠٩ - ١٧٨٤ م) من قبل. ومن طريف ما روي عنه صاحب ترجمته قال إنه بلي مرة برجل ينظم لم تكن عنده أدنى فكرة عن الشعر غير
стр. 1489
أن السطر منه فيه عشرة مقاطع، غير أنه نظم شيئًا كثيرًا، فكانت تتفق له الأبيات الحسنة ولكنه لم يكن يعرف أنها أبيات حسنة، وكان نحو قول القائل: «ضع السكين والشوكة من فوق على صحنك مفاعيلن مفاعيل مفاعيل مفاعيلن» من الشعر في نظره: Lay your knife and your fork across your plate وهذا السطر بالإنجليزية عشرة مقاطع وانظره في ص ١٣٨ من ترجمة جونسون لصاحبه بوزويل The life of Johnson by James Boswell- Penguim ولعل الجاحظ أدق في الذي ذهب إليه من صمويل جونسون؛ لأن هذا الرجل الذي ذكروه كان يعرف الوزن ويكثر من النظم عليه ويقصد من ذلك الشعر، فإن كان هذا السطر الذي زعمه جونسون من نظمه فهو شعر بلا ريب إلا أنه شعر في الدرك الأسفل من الرداءة، ولعل هذا ما أراده جونسون والله أعلم.
هذا وقد كان سبق منا القول بأن طريقة وزن الشعر بالمقاطع فيها يسر تعليمي غير أن طريقة علم العروض كما وضعه الخليل أدق وأقوى في بيان الإيقاع. ولعلنا تبدو لنا طريقة المقاطع كأنها أيسر لسابق معرفتنا نغم أشعارنا من طريق الأناشيد. وتأمل نظام المقاطع يرينا أنها مما تعجز عن بيان حقيقة النغم المستكن في الأشعار بالإنجليزية ولذلك جعل بعض المعاصرين من نقاد الإنجليزية يستعمل الكتابة الموسيقية في توضيح الإيقاع. وما طريقة الخليل إلا ضرب من الكتابة الموسيقية، يدلك على ذلك استعارة أصحاب الموسيقا -كما في كتاب «الموسيقي الكبير» - من ألفاظ علم الخليل (١) كالسبب والوتد والفاصلة وزيادتهم قياسًا على ما أخذوه من الخليل مما كانوا محتاجين إلى ذكره، الوتد المفرد للمتحرك بعده مد وسكون أو ساكنان مثل قال بسكون اللام، والسبب المتوالي لما ينقص عن الفاصلة الصغرى بأن ليس فيه الساكن الأخير مثل فعل المتحركات جميعًا، كلاهما ذكره الفارابي. وفارق أصحاب الموسيقا الخليل باستعمال المقطع الصغير مكان الحرف
стр. 1490
المتحرك والمقطع الطويل للدلالة على السبب الخفيف أحيانًا وإنما آثر الخليل الحرف المتحرك في ما يبدو لنا لأنه يتصل بما قبله وما بعده وليس في العربية مقطع قصير يستقل بنفسه كما يتفق في لغات الإفرنج مثلًا، والسبب الثقيل في العربية حركته محدودة إذ يصير سببًا خفيفًا عند الوقف نحو «مَعَ» بسكون العين و «مَعَ» المتحركة العين في الوصل والوقف. والحرف المتحرك يمطل فيصير سببًا خفيفًا إذا انفرد ووقفت عنده مثل قول الآخر:
قد وعدتني أم عمرو أن تا ... تدهن رأسي وتفليني وا
وما أرى إلا أن القدماء عرفوا لفظ المقطع المصطلح في الموسيقا بدليل ذكر الفارابي له مع تفسيره. وقال المعلى الطائي، من شعراء البصرة، ذكره ابن المعتز في طبقات الشعراء العباسيين، يصف مغنية.
تزيا بأزياء الرجال تمردا ... وتأنف من لبس القلادة والشنف
وتجمع بين السجع والرجز في الغنا ... وتسكت من حذق على مقطع الحرف
يعني تسكت عند الجيم من الرجز فلا ينكسر البيت ولم يرد المقطع بمعنى الموقف إذ ليس هذا بموضع وقف، وقولنا لم يرد المقطع بمعنى الموقف نحترس به من قولهم مقاطع قرآن أي مواقفه، ومقاطع الشعر أي أواخره، ويجوز عقلًا أن يكون أراد بمقطع آخر حرف الجيم وهو فتحة في مذهب الخليل ولكن في هذا من التكلف في تفسير كلامه وهو كما ترى، ما لا يخفى، ثم ما كل من كان على زمان الشاعر كان إن كان من أهل الأدب والعربية يقول بتأخر الحركة عن الحرف كما كان يقول الخليل، وإن كان قول الخليل هو الصحيح، قال سيبويه في باب حروف البدل في غير الإدغام، «وزعم الخليل أن الفتحة والكسرة والضمة زوائد وهن يلحقن الحرف ليوصل إلى التكلم به والبناء هو الساكن ذلا زيادة فيه فالفتحة من الألف والكسرة من الياء والضمة من الواو فكل واحدة شيء مما ذكرت لك». أ. هـ. قلت
стр. 1491
وإنما ذكر حروف الزيادة من قبل. وما أرى إلا أن الشاعر المعلى عني المقطع الموسيقي، وهو يعادل الحرف المتحرك كما فسره الفارابي، وذلك لأن حديث المعلى عن مغنية. وقصده إلى التظرف واضح من صفة الزي المتمرد الذي ذكره.
وقال الفارابي أن الأقاويل تصير موزونة بنقلة منتظمة متى كانت لها فواصل وعني بالفواصل نحو أواخر الأبيات والأعاريض.
وزعم أبو بكر بن الباقلاني في كتابه عن إعجاز القرآن يرويه عن أبي عمر المطرز غلام ثعلب أن العرب كانت تعلم أبناءها وزن الشعر بما سماه المتير من متر الحبل إذا مده وجذبه أو قطعه. وقد تكلموا في أبي عمر المطرز غلام ثعلب هـ. ورووا عن الأخفش الصغير عن المبرد أن الخليل إنما تعلم العروض من شيء اسمه التنعيم بالمهملة كانت تعلم به العرب أبناءها وزن الشعر ونغم الأعاريض وربما قيل له التنغيم بالغين المعجمة ومداره على نَعْم نَعَمْ لا لا وهذه تساوي فعولن مفاعلين ونحو ذلك. وما أشبه هذا أن يكون من باب التنافس في التحصيل بين تلاميذ المبرد وثعلب إن صحت هذه الرواية، يقول أبو عمر المطرز شيئًا فيعارضه الأخفش الصغير بشيء آخر مثله أو يقاربه والله تعالى أعلم (١).
وفي معجم أكسفورد الإنجليزي أن اشتقاق: metre (ميتر) و metric (مترك) الإنجليزيتين و metre (متر) و metrique (متريك) الفرنسيتين وهاتان الفرنسيتان هما أصل الإنجليزيتين، كل أولئك من (مترون) اليونانية.
وعسى قائل أن يقول لعل «متر» الحبل العربية من هذا الأصل اليوناني أيضًا ويمنح هذا أن يقال به أن «متر الحبل» لها نظائر في العربية مثل «بتر» بمعنى قطع و «فطر» بمعنى شق و «مدر» من المدر وهو الطين أو قطع الطين اليابس كما في القاموس و «مطر» تقول مطر الرجل في الأرض أي ذهب وهو من المطر المعروف والميم والباء
стр. 1492
والفاء متقاربات، فهذا يدل على قدم هذه المادة وأصالتها في العربية. ولئن تك يونان أمة أقدم من عرب جاهلية عنترة وامرئ القيس ومهلهل وقصي بن كلاب، فليست يونان بأقدم من العرب القدمى كطسم وجديس وجرهم واميم وعاد وثمود وأمم اليمن الأولين من عهد سبأ أو قبل ذلك. وقد أخذ اليونان من أمم سامية لغاتها قريبة من لغة العرب كالكنعانيين أي الفينيقيين، ذكر أخذ اليونان عنهم حروف الهجاء المؤرخ هيرودتس. وأخذ اليونان عن مصر القديمة وبابل القديمة لا يخفى. وزعم روبرت قرنـ? ـل تمبل، صاحب كتاب أسرار الشعري (النجم بكسر الشين والعين ساكنة بعدها راء وألف لينة) بالإنجليزية طبع ١٩٧٦ م أن العرب والعبرانيين أخذوا لفظ الخمس والخمسين من مصر القديمة وأن مصر القديمة وسومر القديمة لهما أصول في مدنية قوم أقدم منها. وإنما نذكر هذا للزيادة في التنبيه على أن اليونان ليس أمرهم بالموغل في القدم حتى يجعلوا أصلًا نهائيًّا يوقف عنده ولا يتجاوز.
نظام الخليل بأجزائه ودوائره وبحوره وأسبابه وأوتاده وفاصلته وزحافه وعلله وتشعيثه ومراقبته ومعاقبته وهلم جرا نظام متقن محكم، وقد بني الخليل على أسس من قديم علم النحو وعلوم الإيقاع. وقد زعم الجاحظ في موضع من الحيوان أن الخليل كتب في الألحان وفي الكلام فقصر تقصيرًا، وزعم في موضع آخر أن إسحق الموصلي أثنى على الخليل ونسب إليه أصل كتابة الموسيقا (١).
فإما يكون الجاحظ نسي في الموضع الذي أشرنا إليه في الحيوان مقاله هذا وإما يكون أحد القولين نسب إليه وليس له، والله تعالى أعلم.
وقد سبق الخليل في علم الألحان والموسيقا معبد وأصحاب الغناء المتقن أيام بني أمية وقد كانت لأصواتهم نقرات محفوظة، قال البحتري يصف جوادًا من كرام الخيل:
هزج الصهيل كأن في نبراته ... نبرات معبد في الثقيل الأول
وقد ذكر المعري وزن الثقيل الأول في الفصول والغايات.
стр. 1493
والغناء عند العرب قديم، وقلت أمة من الأمم تخلو من تجويد الغناء على منهج لها. قال عبد يغوث الحارثي:
أحقًّا عباد الله أن لست سامعًا ... نشيد الرعاء المعزبين المتاليا
وقالوا إن وفد عادٍ في الزمان القديم شغلتهم الجرادتان المغنيتان عما قدموا له من الاستسقاء وإلى ذلك أشار عمرو بن أحمر في قوله:
كشراب قيلٍ عن مطيته ... ولكل أمرٍ واقعٍ قدر
وجرادتان تتغنيانهم ... وتلألأ المرجان والشذر
وفي كتاب الوافي للتبريزي بمعرض الحديث عن الخبب استشهد بالكلمات المنسوبة إلى علي كرم الله وجهه:
حقًّا حقًّا حقًّا حقًّا ... صدقًا صدقًا صدقًا صدقًا
يابن الدنيا جمعًا جمعًا ... إن الدنيا ق غرتنا
يابن الدنيا مهلًا مهلًا ... اسنا ندري ما فرطنا
ما من يوم يمضي عنا ... إلا أوهى منا ركنا
ما من يوم يمضي عنا ... إلا أمضي منا قرنا
ثم قال: «فإن شئت جعلت تقطيع هذه الأبيات على «فعلن فعلن» فتكون على ثمانية أجزاء، وإن شئت جعلت تقطيعها على مفعولاتن فتكون على أربعة أجزاء». أ. هـ. الأجزاء هي ما نسميه الآن التفعيلات، جمع تفعيلة.
أحسبنا استخففنا هذه اللفظة «التفعيلة» وليست بدقيقة، والصواب أن يقال لمثل «فعولن» ولمثل «مستفعلن» جزء. وكانوا يقولون التقطيع لنحو قولك في:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
أبا من -ذرن افنيـ -تفستبْ- قبعضنا إلخ.
стр. 1494
ويقولون تفعيل هذا:
فعولن- مفاعيلن- فعولن- مفاعلن- إلخ.
فعنوان الهامش الذي وضعه محقق كتاب العمدة الشيخ محي الدين عبد الحميد ﵀ وهو أجزاء التفاعيل عند قول ابن رشيق «وجميع أجزاء الشعر تتألف من ثلاثة أشياء سبب ووتد وفاصلة إلخ». أراد به جمع قولهم «تفعيل» أي تقطيع البيت على الأجزاء لا على لفظه. وقول المعاصرين تفعيلة بصيغة المرة من التفعيل كأنما أرادوا به ترجمة قولهم بالإنجليزية «فوت» foot أي قدم وهو الذي صرح به الدكتور محمد مندور في كتابه في الميزان الجديد (مصر ١٩٤٤ ص ١٧٥) ويطلق قولهم «فوت» على جزء الوزن في أشعارهم وأنواعه أربعة، الأول مقطع ضعيف بعده مقطع شديد ويقال له أيامبيك Iambic ومثل له أنطوني بيرغس في أخريات كتابه عن الأدب الإنجليزي بأمثلة منها Away ويشبهها قولنا تتا -فعول. واللفظ الإنجليزي تختلف طريقة النطق به عن اللفظ العربي وإنما أردنا التقريب. والنوع الثاني مقطع شديد بعده مقطع ضعيف ويقال له تروتشيك Trochaic ومثل له بأمثله منها Father ويشبهها قولنا: تات، فعل. والنوع الثالث مقطعان ضعيفان بعدهما مقطع شديد ويقال له أنبيستك Anapaestic ومثاله go away (ت تتا- فعلن) والنوع الرابع مقطع شديد بعده ضعيفان ويقال له دكتلك Dactylic ومثاله merrily أي نحو تاتت وفاعل على وجه التقريب.
هذا وقاد بعض المعاصرين الباحثين في علم الأوزان، (وقد كثر الإقبال عليه بأخره)، مقال التبريزي إلى أن يتعقبوا الخليل، فزعموا أن رنات مف * عو * لا * تن *) أصل في إيقاع الشعر ونقرات أوزانه. وفي هذا نظر. وأحسب أن التبريزي عدل عن «فعلن فعلن» لمكان سكون العين وهي في أصل الجزء «فاعلن» أول الوتد المجموع (علن) فمكان السكون شاذ. ويجوز تخريج ذلك على أن كسرة العين اختلست، ثم حذفت الألف قبلها وأخلص الاختلاس
стр. 1495
سكونًا -وهذا تمثيل، إذ النظم يسبق التقطيع ولكن هذا تقدير له. و «مفعولاتن» التي ذكرها التبريزي ما هي بجزء عروضي خليلي إذ آخر الجزء مفعولات تاء متحركة بلا إشباع ومفعولات جزء وهمي أصله من مس تفع لن بتصييرها لن مس تفع فهذه تساوي مفعولات.
مفعولاتن التي ذكرها التبريزي فاصلة موسيقية كبيرة. أصلها (فعلتن) ثم مطلت حركاتها هكذا: فاعي لا فجاءت فا عي لا تن وهي تساوي مفعولاتن وقد قدمنا أمر معرفة المعري بالإيقاع والموسيقا وكان أبو زكرياء التبريزي تلميذه.
ضربات القلب أكثر الدقات طبيعية بالنسبة إلى الإنسان ومعها حركات النفس. وللقلب ضربتان هما معًا أقرب إلى مسـ -تف- علن منهما إلى فعلن/ فعلن/ الخبيبة، وإذا أضفت إليهما حركة النفس وهي لهما مصاحبة تركب النغم وليست حركة النفس موازنة لقولك فعلن فعلن الخبيبة فهذه أشبه بلهث الكلب وحركة النفس تطول وتقصر.
هذا واعلم -أصلحك الله- أن الوزن كلٌّ واحد لا يتجزأ. وإن زعمنا أن له أجزاء فقصارى الأجزاء أن تبدي لنا منه معالم وأشباهًا ليس إلا. وهو هبة من الله يتفاوت فيها الشعراء، فمنهم العصفور ومنهم الغراب ومنهم الزرزور ومنهم الحمامة ومنهم العندليب ومنهم الحمار ومنهم كأهل النار، ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾.
وللوزن أمور أربعة تندرج تحته وفي معناه هن البحور والقوافي والإيقاع الداخلي والإيقاع الخارجي.
البحور والقوافي:
سبق الحديث عنهما في الجزء الأول. وأخذ علينا بعض الناس أننا صدرنا في الذي نسبناه إلى البحور من صلة بالمعاني عن تفكير ذاتي غير موضوعي، وهذا
стр. 1496
مأخذ مردود، إذ صدرنا عن تذوق الشعر المأخوذ من المشايخ ومن الكتب. وقد استشهدنا بأمثلة كثيرة على ما نقول به. وليست الموضوعية أن تنقل ولكن أن تبني ما تصل إليه من نتائج على مذهب وطريقة. وقد صدرت في الستين كتب من تصانيف القدماء فيها ما يصحح ما ذهبنا إليه ويثبتنا على الطريق الذي سلكناه من الاستقراء. ففي كتاب القوافي لسعيد بن مسعدة أبي الحسن (وهو الأخفش الأوسط): نجده أفرد ستة ابحر بالتقديم على غيرها ما افترقنا عنه في شيء منها إلا المديد فإنا جعلناه في ما سميناه -اقتداء بأبي عبيد البكري في سمط اللآلي- النمط الصعب، وابتدأنا به في تقسيم البحور واحتججنا في ما ذهبنا إليه بسبق أبي عبيد وبمثل سبقه في علمه ودقة تحصيله وسعته يقتدى. ولو وصلتنا من المديد قصائد كثيرة كالتي في الطويل والبسيط والكامل لكان مكانه معهن بلا ريب ولقد كانت لجيل الأخفش رواية واسعة ليس لدينا منها معشارها. وأطول ما نعلمه من المديد لامية تأبط شرًّا وقد قيل فيها ما قيل. على أنا قد نبهنا إلى مكان المديد الذي منه كلمة امرئ القيس:
رب رام من بني ثعلٍ ... متلج كفيه في قتره
وهي على قصرها جيدة. ومن هذا الوزن كلمة طرفة:
أشجاك الربع أم قدمه
وكلمان حسان من بعد منهن قول ابن قيس الرقبات:
حبذا الإدلال والغنج ... والتي في طرفها دعج
وكلمة أبي نواس:
يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن
وله في هذا الوزن كلمات حسان.
стр. 1497
وقد ذكرنا عن اللام والميم أنهما أحلى القوافي، وكذلك هما مع النون عدهن أبو نصر الفارابي من الحروف الممتدة بامتداد النغم ولا تبشعه، وقد ذكرنا عن النون انها في غير التشديد أسهل القوافي جميعًا، ومع عدنا العين في القوافي الذلل ذكرنا أن فيها عسرًا وكذلك في الحاء، وقد عدهما الفارابي مع الظاء مما يبشع مسموع النغم إذا اقترنت به (راجع الموسيقي الكبير ١٠٧٢ - ١٠٧٣)، فهذه الموافقة أو المقاربة لها من جانبنا ما أرشد إليها إلا الاستقراء بما نستطيع من الجد وطلب الموضوعية لا مجرد الأحكام الذاتية.
وق سبق التنبيه منا إلى أن القافية من معدن الوزن وليست بالمر المنفصل عنه. وتعريف الخليل للقافية أنها من آخر البيت إلى السكون والحرف المتحرك الذي قبله إيقاعي مدخل لها في حيز وزن البحر الذي هي قافيته. وليس خلاف أبي الحسن سعيد بن مسعدة بناقض هذا الذي ذهب إليه الخليل، إذ خلاف أبي الحسن لغوي لا إيقاعي، حيث ذكر أن القافية هي آخر كلمة في البيت، وإنما قيل لها قافية لأنها تقفو الكلام، وقد ذكر أن مثل «قليل» و «ذميم» و «تدور» قد تجري عندهم مجرى القوافي، قال في كتاب القوافي: «وسمعت الباء مع اللام والميم مع الراء كل هذا في قصيدة، قال الشاعر:
ألا قد أرى أن لم تكن أم مالك ... بملك يدي أن البقاء قليل
وقال فيها:
رأى من رفيقيه جفاء وبيعه ... إذا قام يبتاع القلاص ذميم
خليل حلا واتركا الرحل إنني ... بمهلكة والعاقبات تدور
فبيناه يشري رحلة قال قائل ... لمن جميل رخو الملاط نجيب
ولا يخفي أن المشترك بين هذه الألفاظ الواقعة موقع القوافي هو الوزن. وليرجع إلى كتاب القوافي لأبي الحسن فإنه ذكر منها ثلاثين أو تسعة وعشرين وزنًا
стр. 1498
صلة أنغامها بالبحور التي يمكن ورودها فيها واضحة (١).
في حديث الفارابي عن القوافي الذي تقدم ذكره قال: «وأشعار العرب في القديم والحديث فكلها ذوات قواف إلا الشاذ منها إلخ» لعله عني بالشاذ نحو هذا الذي ذكره أبو الحسن وقال إنه «غلط ويشبه من الكلام هذا جحر ضب خرب» على أن ما وقع من اختلاف الروى في ما تتقارب مخارجه نحو:
بني إن البر شيءٌ هين ... المنطق اللين والطعيم
زعم أنه كثير، قال: «وقد سمعت من العرب مثل هذا ما لا أحصي ... » ويغلب على الظن أن الذي زعم أنه غلط مما تباعدت مخارجه كان أيضًا كثيرًا عندهم ولكن قلة الرواية جعلته كالشاذ، يدلك على ذلك قوله في أبيات الراء واللام والميم والباء التي مرت «والذي أنشدها عربي فصيح لا يحتشم من إنشاد كذا، ونهيناه غير مرة فلم يستنكر ما يجيء به» أ. هـ. ومثل هذا لا يعلق بالذاكرة علوق ما القوافي منه محكمة، فهذا سبب قلة روايته. قال الجاحظ في البيان: «وقيل لعبد الصمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي لم تؤثر السجع على المنثور، وتلزم نفسك بالقوافي وإقامة الوزن، قال: إن كلامي لو كنت لا آمل فيه إلا سماع الشاهد لقل خلافي عليك، ولكني أريد الغائب والحاضر والراهن والغابر، فالحفظ إليه أسرع، والآذان لسماعه أنشط، وهو أحق بالتقييد وبقلة التفلت، وما تكلمت به العرب من جي المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون فلم يحفظ من المنثور عشره ولا ضاع من الموزون عشره» أ. هـ. قلت هذا على زمان الرقاشي المذكور أما الآن فالضياع أعم وأغلب والله المستعان.
الإيقاع الداخلي:
وهو كل الإيقاع والرنين المنبعث من الشعر. واعلم أصلحك الله أن للشاعر
стр. 1499
ملكة منحها الله إياه هي المقدرة على التعبير بالرنين والإيقاع. والوزن بالبحر والقافية كالإطار للإيقاع كله. داخل هذا الإطار الألفاظ التي تتبع نقراتها نقراته وتزيدهن رنينًا وإيقاعًا. وتراكيب الألفاظ بضروب تقسيماتها وموازناتها وطباقها وجناسها وتكرارها. ثم يوجد وراء هذا كله الإيقاع الرئيسي (١) الذي خص الشاعر به كلامه ليكون هو ذاته من وسائل بيانه وطرقه إلى الإيحاء والتأثير. مثلًا قصيدة زهير:
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل
إيقاعها ببحر الطويل الأول وقافية من المتواتر رويها اللام المضمومة بعدها واو الوصل وبضروب الأوزان الفرعية من جناس وتقسيم ونحو ذلك كما في قوله:
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
على مكثريهم رزق من يعتريهمو ... وعند المقلين السماحة والبذل
فهذا موازنة وتقسيم، وكما في قوله:
إذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل
تجدهم على ما خيلت هم إزاءها ... وإن أفسد المال الجماعات والأزل
فههنا الجناس بالحروف في الضاد والراء والسين والزاي.
التقسيم والموازنة ورنة الحروف، جميع هؤلاء ضروب من الإيقاع في داخل إطار الوزن الكبير من البحر والقافية، ثم هؤلاء كلهن، بمنزلة الإطار والغشاء الخارجي لإيقاع الشاعر المنبعث من نفسه، الذي هو به يبين، لذلك قديمًا قيل إن الكلام إذا خرج من القلب ولج إلى القلب وإذا خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان.
стр. 1500
يوجد لهذه القصيدة:
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو
صورة إيقاع روحاني، جميع ظواهر إيقاعها بنقرات الوزن والقافية واللفظ وتراكيبه هن وسيلة ومظهر لصورة الإيقاع الروحانية التي هي في الحقيقة روح موسيقا الشعر وسائر الذي ذكرناه لها كالبدن. هذا الروح الموسيقى هو مرادنا بالإيقاع الداخل. طويل زهير وإيقاعه في المعلقة مختلفة عن طويل امرئ القيس وإيقاعه في المعلقة مختلف عن طويل زهير نفسه في قصائد أخر.
سبب الاختلاف هو روح الإيقاع الذي يشع من هذا الذي هو كبدن للإيقاع. ولعمري لو قد فارق روح طرفة الإيقاعي معلقته لعادت كلها جنازة إيقاعية تسجى وتدفن برويها وبحرها وضروب جناسها وطباقها وموازناتها. وكمثل ذلك قل في لامية امرئ القيس «قفا نبك» وفي سائر المعلقات ولأمر ما اختاروا: «هل بالديار أن تجيب صمم» التي للمرقش، ومهما نضطرب فيه من إدراك تقطيع بحرها ونظام قوافيها فلن نخطئ إدراك روحها الإيقاعي الذي يصل إلينا برناته لا ريب فيها.
ويعجبني منها قوله:
بل هل شجتك الظعن باكرة ... كأنهن النخل من ملهم
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم
لم يشج قلبي ملحوادث إلا ... صاحبي المتروك في تغلم
ثعلب ضراب القوانس بالسيف ... وهادي القوم إذ أظلم
فاذهب فدى لك ابن عمك ... لا يخلد إلا شابه وأدم
وهما جبلان:
ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء المرء ما يعلم
стр. 1501
لسنا كأقوام مطاعمهم ... كسب الخنا ونهكة المحرم
إن يخصبوا يعيوا بخصبهم ... أو يجدبوا فهمو به الأم
أموالنا نقي النفوس بها ... من كل ما يدني إليه الذم
يأتي الشباب الأقورين ولا ... تحسد أخاك أن يقال حكم
الأقورين بصيغة جمعه المذكر السالم أي الدواهي ومثلها الأمرين والبرجين بكسر الياء وفتح الراء.
وكذلك لأمر ما اختاروا أبيات سلمي بن ربيعة وقد مرت في أول الجزء الأول من كتابنا وأول بيت فيها:
إن شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون
وقد اختارها أبو تمام في الحماسة وهو من نقدة الشعر لا يشك في ذوقه، ونبه على ذلك المرزوقي في مقدمته لشرح الحماسة كل التنبيه (١).
ومثل ذلك قله في بائية عبيد بن الأبرص: «أقفر من أهله ملحوب». وقال أبو العلاء المعري:
وقد يخطئ الرأي الفتى وهو حازم ... كما اختل في وزن القريض عبيد
وزعم التبريزي أن البائية العبيدية ضرب من الشعر الذي يقال له الرمل في مقابلة لا يعني وزن الرمل العروضي فاعلاتن الأجزاء الستة، قال: «وأما الرمل فهو كل شعر مهزول ليس بمؤلف البناء لا يحدون في ذلك شيئًا وهو كقول عبيد بن الأبرص:
اقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب» أ. هـ.
وهذا من غريب القول لما نعلمه من أن هذه البائية مما رواه الجاهليون
стр. 1502
وقدموه، وفي خبر عبيد أن النعمان بن المنذر استنشده إياها في يوم بؤسه فقال:
أقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد
وقال: «حال الجريض دون القريض». وعندي أن أبا العلاء أراد بقوله:
«كما اختل في وزن القريض عبيد» أن يشير إلى هذا وهو يناسب وصفه له بأنه حازم محكم للشعر أخطأ في وزنه حيث قال: «فاليوم لا يبدي ولا يعيد» كما يخطئ الحازم وجه الرأي إذا وقع القدر، وقد عبر هو صادقًا عن جزعه من الموت بقوله: «حال الجريض دون القريض» إنشاده أو صياغته، وقد أخذ التبريزي قوله: «كل شعر مهزول» من قول أبي الحسن في كتاب القوافي. وذكر أبو الحسن مع بائية عبيد قول عبد الله بن الزبعري شاعر قريش:
ألا لله قوم و ... لدت أخت بني سهم
وهذا تام الوزن في بعض أجزائه الكف ولا يعاب، وهو بعد إنما وصف بأنه مهزول من حيث تأليفه وليس من الإنصاف لعبيد في شيء أن يقرن كلامه وهو مختار بهذا. ومما يدل على أن أبا العلاء كان يستحسن البائية أنه أدخل عبيدًا جنته ببيت منها وهو قوله:
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
ويعجبني منها قوله:
تصبو وأني لك التصابي ... أني وقد راعك المشيب
إن يك حول منها أهلها ... فلا بدي ولا عجيب
أويك قد أقفر منها جوها ... وعادها المحل والجدوب
فكل ذي نعمة مخلوسها ... وكل ذي أمل مكذوب
وكل ذي غيبةٍ يئوب ... وغائب الموت لا يئوب
стр. 1503
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
أفلح بما شئت فقد ... يبلغ بالضعف، وقد يخدع الريب
لا يعظ الناس من ... لا يعظ الدهر، ولا ينفع التلبيب
إلا سجيات ما القلوب ... وكم يصيرن شائنا حبيب
ساعد بأرض إذا كنت بها ... ولا تقل إنني غريب
قد يوصل النازح النائي وقد ... يقطع ذو السهمة القريب
والمرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب
من هنا أخذ أبو الطيب قوله:
ومن صحب الدنيا طويلًا تنكرت ... على عينه حتى يرى صدقها كذبا
ليس العيب في طريقة عبيد. ولكن في طريقة تناولنا شعره، إذ حق الشعر أن يتغنى به، وحينئذ تتجاوب أصداؤه، وتنبلج حقيقة موسيقا إيقاعه، وأحسب أن أبا العلاء ربما يكون قد قصد إلى شيء من هذا المعنى حين قال في رسالة الغفران على لسان امرئ القيس: «فأما أنا وطبقتي فكنا نمر في البيت حتى نأتي إلى آخره، فإذا فني أو قارب تبين أمره للسامع» أ. هـ. وقد تتبعت ابيات هذه البائية، أعني:
أقفر من أهله ملحوب
فوجدت أن ما يظهر من اضطرابها هو في صدورها وأوائلها. ولكن الإعجاز من أول بيت إلى آخر بيت على نمط واحد، هو الذي مما يتفق مثله في العروض الثالثة من مجزوء البسيط التي يجوز الخبن في جزء الضرب منها وهو مفعولن فيصير فعولن كما يجوز الخبن والطي في أول أجزائها وهو مستفعلن والخبن في ثاني أجزائها وهو فاعلن.
وهناك أمثلة من الإعجاز: «دهر ولا ينفع التلبيب»، فهذا آخره مفعولن وأوله فيه الطي وقوله: «ضعف وقد يخدع إلا ريب»، فهذا آخره فعولن وأوله فيه الطي وقوله: «وكل ذي أمل مكذوب» فهذا آخره مفعولن وأوله فيه الخبن وكذلك
стр. 1504
في ثانيه ونحو قوله: «لا حقة هي ولا نيوب» تشبع كسرة الهاء ولا تفتح الياء وقوله: «وأرسلته وهو مكروب» تشبع ضمة الهاء من هو ولا تفتح الواو، وقوله: «يصيرن شانئًا حبيب» الفعل من صير الرباعي المضعف، المضارع منه، مبنيًّا للمجهول مع النون الخفيفة، لا مضارع الثلاثي مع النون الثقيلة. وليرجع القارئ الكريم إلى أبيات المعلقة في نصها.
وعلى هذا النمط يتفق مجيء مخلع البسيط الذي فيه فعولن مع سائر العروض الثالثة التي ضربها غير مخبون (مفعولن). ويظهر أن:
مستفعلن فاعلن فعولن
التزمها المتأخرون حين نظموا على هذا القرى إحكامًا منهم للصنعة. وقال المعري في رسالة الغفران بمعرض خبر ابن أحمر ووقفه صاحبه معه في إحدى لقاءات الجنة (١): «ولقد وجدت في بعض كتب الأغاني صوتًا غنته الجرادتان فتفكنت لذلك الصوت:
أقفر من أهله المصيف ... فبطن عودة فالغريف
هل تبلغني ديار قومي ... مهرية سيرها تلقيف
يا أم نعمان نوليني ... هل ينفع النائل الطفيف
وهذا شعر على قرى: «أقفر من أهله ملحوب» فقول المعري هذا يسند ما ذهبنا إليه في صفة إعجاز أبيات البائية. وأما الاضطراب الذي يبدو في صدورها فهي جارية على مجزوء البسيط يكون مزاحفًا في أوله مثل: «فكل ذي نعمة مخلوسها» وأحيانًا في آخر الصدر مثل: «عيرانة مؤجد فقارها» وأحيانًا من العروض الثالثة نحو: «وكل ذي إبل موروث» وهذا كأنه جار مجرى التصريع
стр. 1505
على مذهب ما زعمه الأخفش في قوافي قول الآخر:
خليلي حلا واتركا الرحل إنني ... بمهلكة والعاقبات تدور
فبيناه يشري رحله قال قائل ... لمن جمل رخو الملاط نجيب
وأحيانًا على التصريع كما في قوله: «أرض توارثها شعوب» وقوله: «عيناك دمعها سروب» ومجيء عروض المجزوء التامة مع ما دونها من الأضرب مما يحتمل.
وكالشاذ الخارج عن مجزوء البسيط:
وبدلت من أهلها وحوشًا ... وغيرت حالها الخطوب
إذ صدره رجز من قبيل الضرب المقطوع وكونه صدرًا ليس فيه تصريع يمنع من القول بذلك. وقوله: «وحوشًا» إنما هو «فعولن» وهي من سنخ وزنه. وأخذًا بقول المعري على لسان امرئ القيس علينا أن نحمل سائر البيت على وزن البسيط الذي هو منه ونلتمس تأويلًا لوقوع جزء رجزي في مكان الجزء الذي ينبغي أن يكون على «فاعلن» أو «فعلن» بالخبن وهو الجزء الثاني. والتأويل أن هذا وقعت فيه زيادة يسمح بمثلها مذهب التغني وهي (من) ويستقيم الوزن على:
وبدلت أهلها وحوشًا
فأظهر الشاعر ما يمكنه إضماره. كما أظهروا «اشدد» في الذي روي من إنشاد علي كرم الله وجهه:
اشدد حيازيمك للموت ... فإن الموت لاقيكا
وشبيه بهذا الصدر في شذوذه:
أويك قد أقفر منها جوها ... وعادها المحل والجدوب
ويستقيم على مجزوء البسيط بحذف (قد) وهي مما يقع مضمرًا في الكلام فاختير هنا إظهاره لأن طريقة التغني تسمح بذلك وأمر الوزن أنه جار على مجزوء
стр. 1506
البسيط مستبين، وزنه بعد حذف قد «مفتعلن فعلن مستفعلن مفاعلن فاعلن فعولن». وكأن أكبر شذوذ في القصيدة بيت العاناة حيث قال:
كأنها من حمير عاناتٍ ... جونٌ بصفحته ندوب
فإن الوزن يصح بقولك «كأنها من حمير عانا» وقوله (تن) من بعد زيادة يحتملها تنغيم الغناء لأن فيه السكتات كما فيه التمطيط وليست (تن) ههنا بأبعد من التنوين الذي زيد بعد قاف رؤبة ولعل الرواية وقفت بصدر البيت عند (من حمير عانا) لعلم السامع أنها (عانات) كما علم من قول علقمة (بسبا الكتان) إنه يريد (بسبائب الكتان) ثم مع هذا الذي نقول به من أن الترنم قد يسوغ ضروبًا من الزيادة والحذف ينبغي أن نتذكر أن أمثال زيادة قد ومن وحذف أمثالهن مما يقع في التصحيف وقد روى أبو عكرمة البيت السادس عشر في ميمية المرقش هكذا:
يهلك والد ويخلف مو ... لود وكل أب يتيم
وروى غيره (وكل ذي أب يتيم) وهو الذي به يتم الوزن ويستقيم المعنى ولكن أبا عكرمة هو أساس الرواية، فتأمل هذه الدقة.
ومما ينبه عليه في معرض الحديث عن التغني أن هذا البحر الذي منه هذه القصيدة كان مما يتغنى به كما يدل على ذلك خبر الجرادتين وغناؤهما بالأبيات الفائية التي منها قوله:
يا أم نعمان نولينا ... هل ينفع النائل الطفيف
ويروى «هل ينفع النائل الطفيف» وأحسب أنها عليها رواية أغاني أبي الفرج.
ويدل على ذلك أيضًا قول سلمى بن ربيعة وهو في وزن من هذا القرى على حذو عبارة المعري:
стр. 1507
إن شواء ونشوةً ... وخبب البازل الأمون
والكثر والخفض آمنًا ... وشرع المزهر الحنون
وقد مرت الأبيات في أوائل الجزء الأول من هذا الكتاب وذكرناها ههنا لننبه على موضع قوله: «وشرع المزهر الحنون» فهو يقوي ما قدمنا من خبر الجرادتين والتغني في هذا الوزن وإن رنات المزهر قد تجيء معها السكتات والزيادات التي تجري مجرى الترنم مثل السبب الخفيف في (من) و (قد) و (تن) التي في (عاناتن).
وسائر بائية عبيد سوى الأبيات أو قل الصدور الثلاثة جار على جملة الوزن. ثم في داخل الأبيات قطع تتوازن ولا ريب أن ترجيع الغناء والمزهر مما كان يقويها نحو: «أفلح بما شئت فقد» ونحو قوله «يبلغ بالضعف وقد» وقوله «لا يعظ الناس من» وقوله «لا يعظ الدهر» وحسبنا هذا القدر من التمثيل وعسى أن يضح به ما أردنا إليه من معنى، والله أعلم.
وبعد فالإيقاع الداخلي هو سر التعبير في الشعر وجميع أصناف الوزن ووسائله هن كالمفاتيح له وفيهن محاكاة له. وقد يهم (من الوهم) بعضهم فيظن أنه ينبغي على الشاعر الحق أن يخلص إلى إيقاع نفسه الداخلي من دون استعانة بوسائل الوزن، لأنهن حواجب وقيود وأثقال.
يقول صاحب كتاب شعر التصويريين بيتر جونز Imagist Poerty- Peter Jones (بنجوين) في ص ١٥، ١٦ إن مجموعة شعراء الصورة والتصوير عقدت أول اجتماع لها في ٢٥ من مارس سنة ١٩٠٩ في مطعم من حي سوهو في لندن اسمه «برج إيفل» وكانوا يجتمعون كل خميس مساء ويتحدثون عن حال الشعر على زمانهم المعاصر وأنه ينبغي أن يستبدل الشعر الحر Vers libres وبالتانكا اليابانية وبمنظوم من نوع الشعر العبراني في العهد القديم من الكتاب المقدس، وكأن بعضهم ينكر فائدة الوزن الايامبيك الخماسي (أي الذي فيه عشرة مقاطع الأول من كل
стр. 1508
اثنين منها ضعيف) بل من ينكر فائدة الوزن وإيقاعه كائنًا ما كان ويزعم أن ذلك عبث أطفال.
واعلم أن دعوى أن يخلص امرؤٌ إلى إيقاع نفسه بغير وسائل الإيقاع من باب المستحيل لأن هذا هو الخرس البحت والعي وامتناع البيان.
ولقد سمت العرب الحمامة وهي ذات بيان شجني بهديلها المطرب عجماء، لأن غناءها على إطرابها ذو إبهام فيه قصور عن وضوح فصاحة التعبير. قال حميد بن ثور:
فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربيًّا شاقه صوت أعجما
وقد وهم جماعة من المعاصرين حين التمسوا أن يحرروا الوزن والإيقاع العربي بزعمهم باستعمال الجناس الداخلي يقتدون في ذلك بالشاعر الأميركي البريطاني إليوت. ومذهب الجناس الداخلي أن يك مما يستقيم عليه مظهر إيقاع أو وزن شعري في الإنجليزية، فهو في العربية داخل في حيز زينة الكلام المنثور، وقد تعرضنا لبيان هذا المعنى في مقدمة الجزء الأول وفي أول الجزء الثالث عند الحديث على شاعرية النثر العربي، لكثرة ما في العربية من وسائل الإيقاع وأساليبه حتى قال الجاحظ في الحيوان: «وفضيلة الشعر مقصورة على العرب وعلى من تكلم بلسان العرب» وقال في البيان إن العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار غير الموزونة «فتضع موزونًا على غير موزون، والعجم تقطع الألحان الموزونة على الأشعار غير الموزونة، فتضع موزونًا على غير موزون». وزعم أن هذا من باب الفرق بين أشعار العرب بين الكلام الذي يسميه الروم والفرس شعرًا. (راجع البيان ح ١ - ٣٨٤ - ٣٨٥ تحقيق عبد السلام هرون).
عند كاتب هذه الأسطر أيها القارئ الكريم ترجيح لأن أولي الإفرنج من الأدباء والشعراء أخذوا أمر ما يقال له الجناس الداخلي الآن من العرب، كأخذهم القافية. وشاهد ذلك كثرة الجناس والصنعة البديعية في أوائل نظمهم عند نهضة
стр. 1509
حضارة قرونهم الوسطة المتصلة بنهضتهم في أوائل ما يسمونه العصور الحديثة عندهم. أخذ إزرا باوند Ezra Pound (١٨٨٥ - ١٩٧٢) الشاعر الأميركي الأصل وصاحبه إليوت T.S. Eliot (١٨٨٨ - ١٩٦٥) من مذهب الشاعر الإنجليزي جرارد مانلي هوبكنز Gerard Manley Hopkins (١٨٤٤ - ١٨٨٩) وهذا تأثر بأساليب قدماء أهل الصنعة في الشعر الإنجليزي ويمثل لذلك بمنظومة وليم لانجلاند William Langland (١٣٣٢ - ١٤٠٠) واسمها بيرز بلاومان Piers Ploughman أي بطرس صاحب المحراث أو الحرث -وما أشبه أن يكون ههنا بعض الأخذ من المقامات حيث سمي الحريري راوية الحارث بن همام (١) وأوائل أبيات منظومة لانجلاند مع ترجمة تقريبية عمدنا فيها إلى محاكاة تكراره ما بني عليه قريضة من الجناس الحرفي (وراجع ما تقدم من قولنا في هذا الصدد في الجزء الثاني عند الحديث عن أصناف الجناس السجعي وأول أجناسه الحرفي ص ٥٧٩ الطبعة الثانية- بيروت ١٩٧٠).
In somer season when soft was the son
«في فصل الصيف، إذ صافية صارت الشمس».
I shope me in shrouds, as a shepherd were
«لثت على ثيابًا، كما لو راعي ثلة»
In habit as an hermit, unholy of works
«في لبس الناسك وبلا قداسة أعمال»
Went wide in this world wonders to here
«سعيت في الدنيا الواسعة، لأسمع العجائب»
стр. 1510
وفي كل سطر وقفة عند نصفه أو نحو ذلك. وأول حرف من المقطع المشبع عند أول السطر يتكرر مرتين أو أكثر. ويسمونه حرف البداية.
الترجمة قافية البداية ولكن هذا لا يستقيم في العربية لأن القافية تقفو. ويجوز أن نقول: روى البداية.
حرف السين (S) هو عماد الجناس في السطر الأول وحاكيناه بالصاد لقربها من السين وهي في فصل والصيف وصارت وصافية وهي ترجمة غير محكمة لقوله Soft أي ناعمة والصفو من النعومة قريب. وحرف الشين عماد السطر الثاني وحاكيناه بالثاء إذ الغرض بيان المجانسة لا الإتيان بنفس الحرف وحرف (R) المتكرر في السطر الثالث حاكيناه بالسين في «لبس الناسك الخ» وحرف (W) في السطر الرابع حاكيناه بتكرار العين في «سعيت في الدنيا الواسعة الخ».
والذي استعمله جرارد مانلي هوبكنز يسمونه «سبرنع رذم Sprung Rythm» أي الوزن الموثوب به وهو مع التجنيس استعمال ألفاظ مزدوجة التركيب في أسلوب شديد الشبه بأسلوب الازدواج العربي. مثلًا قوله في سياق به مدينة اكسفورد في الزمان القديم:
Towery city and branchy between towers
«مدينة أبراجية وأغصانية بين أبراج»
Cuckoo-echoing, bell-swarmed lark charmed rooi-racked, river-rounded
«أصدائية الصيدح، محشودة الناقوس، غريدة القبرة، مدفدفة الغداف، دائرة النهر»
أخذنا هذا المثال من الكتاب الموجز النفيس لأنطوني بيرغس من طبعته التي باسم جون بيرغس ولسون طبع لنجمان ١٩٥٨ ص ٢٢٥.