سدت بني الأحوص لم تعدهم ... وعامر ساد بني عامر
هذا هو الوزن العمدة، وسنشير إليه فيما بعد باسم الوزن الثاني، لأن هذا ترتيبه في جداول العروضيين. وعنه يتفرق وزنان أحدهما بزيادة وهو الأول، والآخر بنقصان وهو الثالث.
ويجيء الوزن الثالث من الوزن العمدة (الثاني) بحذف آخر سكون في التفعيلة السادسة وتسكين آخر متحرك هكذا:
مستفعلن مستفعلن فاعلن ... مستفعلن مستفعلن فاعل
علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر
وفي بيت التصريع يصير الوزن هكذا:
علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر
يا فوز يا منية عباس ... واحربا من قلبك القاسي
هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير بلا شك
أنت امرؤ مستفعلن فاعلن ... أبوك منسوب إلى الترك
تن تن ترن مستفعلن تركي ... تم تم تتم مستفعلن تركي
إن كنت لا ترضى بذا نسبة ... إذن نسباك إلى الشرك
هل أنت من أوزاننا ضاحك ... بل أنت من أوزاننا تبكي
في يوم صفين بكى قبلنا ... جند علي من قناعك
الحزم والقوة خير من الـ ... إدهان والهاعة والفك
الحزم والقوة خير من الـ ... إدهان والفكة والهاع
والوزنان الثاني والثالث من البحور التي بين بين.
والوزن الأول يحدث بزيادة شبه مقطع على الوزن الثاني العمدة هكذا:
стр. 177
مستفعلن مستفعلن فاعلن ... مستفعلن مستفعلن فاعلن ن
مستفعلن مفتعلن فاعلن ... مستفعلن مفتعلن فاعلن ن
يا صاحبي يا صاحبي عندنا ... مستفعلن مستفعلن فاعلان
يا صاحبي مستفعل عندنا ... يا سيدي عن عندنا عندنان
جارية طيبة حلوة ... أحبها أحببتها حبان
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وفي التصريع يصير صدره مثل عجزه كقول عوف بن محلم:
يابن الذي دان له المشرقان ... وألبس الأمن به المغربان (١)
وسنبدأ بالحديث عن هذا الوزن الأول لطوله وثقل وزنه، ثم نتبع ذلك بالحديث عن أخويه:
هذا الوزن الأول من الأبحر المتحاماة، لأن آخر أجزائه ثقيل جدًا، ودندنته أشبه شيء بدندنة القدح من القرع تضربه مكفأ على الماء، ولذلك فالناظم فيه يحتاج إلى البطء والتأني، وقد يوقعه هذا في التكلف والتقعر إن لم يلائم بين أغراضه ونغماته. ولعل هذا الوزن في أولياته عدل به عن الرجز ليناسب الحداء بالإبل المحملة وهي تهبع بأعناقها في الصحاري الأماريت. ألا ترى أنهم قد استعملوه مشطورًا في مثل قولهم (٢):
لما رأتنا واقفي المطيات ... قامت تبدي ل بأصلتيات
ومثل قولهم:
إن عليا قتل ابن عفان ... ردوا علينا شيخنا كما كان
стр. 178
فكأنهم استخفوا الرجز في الحداء، ثم في الأغراض التي تشبهه وأرادوا أن يقرنوه بأخ له أثقل وأرزن حركة منه، فكان ذلك مشطور السريع (وقد سبق أن تكلمنا عنه في باب المنسرح القصير)، ثم غيروا وبدلوا في هذا المشطور ليلائموا به القصير فجاء منه السريع الأول، وجاء يحمل من طابع الثقل قريبًا مما يحمله المشطور خذ كلمة عوف بن محلم الشيباني:
يا بن الذي دان له المشرقان ... وألبس الأمن به المغربان
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وأبدلتني بالشطاط الحنا ... وكنت كالصعده تحت السنان
وقاربت منى خطا لم تكن ... مقاربات وثنت من عنان
وجعلت بيني وبين الورى ... عنانة من غير نسج العنان
ولم تدع في لمستمتع ... إلا لساني وبحسبي لسان
أدعو به الله وأثني به ... على الأمير المصعبي الهجان
فقرباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوة ... أوطانها حران والرقتان
سقي قصور الشاذياخ الحيا ... من بعد عهدي وقصور الميان
فكم وكم لي عندها دعوة ... أن تتخطاها صروف الزمان
ألا تحس أن حركة الوزن في هذه الأبيات تمثل شيخًا هرمًا همًا باليًا يهدج في مشيته، ويشتكي من أحوال الزمان، وهب عوف بن محلم جاء بهذه الأبيات في المتقارب لا السريع، ونظمها على طراز قول الأعشى:
فان الحوادث ضعضعنني ... وإن الذي تعلمين استعيرا
إذا كان هادي الفتى في البلا ... د صدر القناة أطاع الأميرا
وخاف العثار إذا ما مشى ... وخال السهولة وعثًا وعورا
стр. 179
ألا ترى أنا كنا نفقد ما في قصيدته من التمثيل الصادق لحال شيبه وتداعيه، ثم عسى ألا نظفر بعد ذلك بشيء شبيه بما يفعله بنا متقارب الأعشى من إثارة الطرب ولم نلجأ إلى الفروض وعندنا في رسالة الغفران كلمة رائية من بحر البسيط أنشدها المعري على لسان جني يدعى هدرش مطلعها:
سبحان من حط أوزاري ومزقها ... عنى فأصبح ذنبي اليوم مغفورا
وكنت آلف من أتراب قرطبة ... خودًا وبالصين أخرى بنت يغبورا
أزور هذي وهذي غير مكترث ... في ليلة قبل أن استوضح النورا
وهي كلمة طريفة إلا أنها فيما يتراءى لي لم ترق في نظر أبي العلاء ولم تؤد المعنى الذي كان أراده من تصوير هرم الجني أبي هدرش وصوته المتكسر العفري ووحشته وتأبده بين أدحال (١) الجنة وغماليلها (٢)، وخلقه المخالف لخلق الأنيس. لذلك -فيما يبدو لي- أتبعها المعري سينية طويلة من السريع الأول يحمل نغمها كل هذه المعاني. ويفصح بها أيما إفصاح، وذلك قوله:
مكة أقوت من بني الدردبيس ... فما لجني بها من حسيس
وقد ذكرنا للقارئ طرفًا من هذه الكلمة في معرض حديثنا عن قافية السين؛ هذا ومن حقق النظر في بحر السريع الأول وجد الجياد فيه كلها من قبيل ما ذكرنا من اصطناع التأني والريث، ووجد حركته البطيئة تمثل جانبًا مهمًا من جوانب المعنى المقصود, خذ قصيدة عدي بن زيد الصيادية في القصص (٣):
قل لخليلي عبد هند فلا ... زلت قريبًا من سواد الخصوص
стр. 180
مجاور الفورة أو دونها ... غير بعيد عن غمير اللصوص (١)
تجنى لك الكمأة ربعية ... بالخب تندى في أصول القصيص (٢)
تقنصك الخيل وتصطادك الطير ولا تنكع لهو القنيص (٣)
إلخ .. إلخ
تجدها توضح لك جانبًا مما ذكرناه من بطء السريع الأول. هذه القصيدة معظمها في وصف الصيد والقنص. ولكن عديًا كان في سجن النعمان حينما بعث بها إلى صديقه عبد هند، يعاتبه على إهماله له ويذكره بأيام الوداد التي خلت. ونغمها يحمل إليك وأنت تقرؤها صورة السجين وهو في حال بائسة من رسفان في القيد، وصبر على الأذى، وتعلل بالذكريات السحيقة مع بصيص من الأمل في النجاة، صورة أنسب شيء لها النغم البطيء الثقيل.
وانظر في سينية حبيب التي ذكرنا لك منها طرفًا في باب الكلام عن قافية السين (٤)
جرت له أسماء حبل الشموس ... والهجر والوصل نعيم وبوس
(وهي في وصف الخيل) تجدها لا تعطيك صورة حصان منطلق محضر، ولكن صورة طرف بارع يناقل ويدور ليريك كل محاسن جسده أو جلها، وهذه حركة بطيئة بلا ريب. خذ قوله مثلًا (٥):
стр. 181
سام إذا استعرضته زانه ... أعلى رطيب وقرار يبيس
وإن غدا يرتجل المشي فالموكب في إحسانه والخميس
كأنما خامره أولق ... أو غازلت هامته الخندريس
عوذه الحاسد بخلا به ... ورفرفت خوفًا عليه النفوس
وتأمل مجمهرة المهلهل:
حلت ركاب البغي من وائل ... في رهط جساس ثقال الوسوق
تجد فيها مزيجًا من الأسى والتحرق يصحب ذلك خطاب متمهل له رنة كرنة الطبول وهي تدوي من بعيد. وخذ قول البحترى (١):
بات نديمًا لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح
كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منظم أو برد أو أقاح
ألا تجد فيه ما نزعمه من غلبة الرزانة والتمهل على هذا الوزن؟ أم لا تحس بأن الشاعر هنا كأنه يجتر لذة ليلته الماضية كما تجتر البقر علفًا أكلته منذ ساعات؟
وبطء السريع الأول هذا يوشك أن يجعله من قبيل النثر لولا انتظام وزنه والشبه بينه وبين الأسجاع المطولة قريب جدًا. وبحسبك أن توازن بينه وبين أسجاع الكهان نحو قول سطيح: "عبد المسيح، على جمل مشيح، إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح" ونحو قول شق: "أقسم برب الحرتين من حنش، لتهبطن أرضكم الحبش" لترى مصداق ذلك.
وقرب السريع من السجع نزل به عن مرتبة الأوزان القصار من حيث
стр. 182
الإطراب وعن مرتبة الطوال من حيث جلال النغم. ولذلك فإن الناظمين فيه مما يستعينون بالقوافي الوئاد الثقال من قوافي المترادف ليضيفوا عليه ثوبًا من الأبهة.
والسريع الثاني كما في قول الوليد بن يزيد:
نشربها صرفًا وممزوجة ... بالسخن أحيانًا وبالفاتر
والسريع الثالث كما في قول العباس بن الأحنف:
يا فوز يا منية عباس ... واحربا من قلبك القاسي
كلاهما دون السريع الأول في الجلال، وكأنما هما سجع صرف، لولا شدة انتظام التفعيلات والقوافي. ولذلك فالمجودون من الشعراء أمثال النابغة وزهير وطفيل الغنوي وعامر بن الطفيل ولبيد بن ربيعة قد تحاشوهما حتى كادت دواوينهم تخلو منهما كل الخلو. وكأن زهيرًا والنابغة (١) احتقرا هذين الوزنين، إذ ليس منهما في ديوانيهما شيء ... وقد جاء امرؤ القيس بالسريع الثاني في كلمته:
يا دار ماوية بالحائل ... فالسهب فالخبتين من عاقل
صم صداها وعفا رسمها ... واستعجمت عن منطق السائل
قولا لدودان عبيد العصا ... ما غركم بالأسد الباسل (٢)
وهذا كأنه خطبة مسجوعة، لولا ما يلابسه من ذكر الأطلال والوزن والقافية. ولطرفة حائية (٣) مي أيضًا من قبيل الخطب، وذلك قوله:
أسلمني قومي ولم يغضبوا ... لسوءة حلت بهم فادحه
стр. 183
كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه (١)
كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة البارحة!
ومن هذا القرى كلمة الحرث اليشكري في المفضليات:
قلت لعمرو حين نبهته ... وقد حبا من دوننا عالج
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج (٢)
واحلب لأضيافك ألبانها ... فإن شر اللبن الوالج (٣)
بينا الفتى يسعى ويُسعى له ... تاح له من أمره خالج (٤)
يترك ما رقح من عيشه ... يعيث فيه همج هامج (٥)
وكلمة ابن الأسلت المفضلية:
قالت ولم تقصد لقيل الخنى ... مهلا فقد أبلغت أسماعي
أنكرته حين توسمته ... والحرب غول ذات أوجاع
من يذق الحرب يجد طعمها ... مرًا وتحبسه بجعجاع
стр. 184
عدل به إلى النظم وزينه بنغمة فيها تكفؤ ورتابة. وأزيدك إيضاحًا، خذ قول الأعشى (١):
شاقتك من قتلة أطلالها ... بالشط فالوتر إلى حاجر
فهي قصيدة نظمت في المنافرة التي كانت بين علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل، وموضوعها من مواضيع الخطب والأسجاع. وقد راعى الأعشى فيها أن يكون خطيبًا أكثر منه شاعرًا في أغلب أبياتها، غير أنه في بعضها غلبت عليه نزعة الشعر وأسلوب الشعراء، فوضع فيها من الكلام ما لا يناسب البحر الذي سلكه خذ قوله في النسيب:
عهدي بها في الحي قد سربلت ... هيفاء مثل المهرة الضامر
قد نهد الثدب على صدرها ... في مشرق ذي صبح نائر (٢)
لو أسندت ميتًا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
فهذا وإن كان غرضًا من أغراض الشعر القديمة تجد الشاعر قد تعمد فيه إلى اليسر والسهولة النثرية. وكذلك قوله في تفضيل عامر:
علقم لا، لست إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر
سدت بني الأحوص لم تعدهم ... وعامر ساد بني عامر
ساد وألفى قومه سادة ... وكابرًا سادوك عن كابر
حكمتموني فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر
لا يأخذ الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر
يا عجب الدهر متى سويا ... كم ضاحك من ذا وكم ساخر
стр. 185
فاقن حياء أنت ضيعته ... مالك بعد الشيب من عاذر
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العرة للكاثر (١)
أقول لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر (٢)
فهذا كنثر الخطابة سواء بسواء لولا ما قدمته من انتظام الوزن وتواتر القافية. ولكن انظر في بيتي الأعشى هذين:
ما يجعل الجد الظنون الذي ... جنب صوب اللجب الزاخر (٣)
مثل الفراتي إذا ما طما ... يقذف بالبوصي والماهر (٤)
ألا ترى مكانهما نابيصا من القصيدة (وموضعهما فيها بعد قوله ساد وألفى البيت)؟ وهل ذلك إلا لأن الشاعر سلك فيهما سبيل التصوير الشعري فتكلف وتعمل واضطر إلى التضمين في قصيدة يكاد كل سطر منها يستقل بنفسه؟ ولا يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم أني أعيب التضمين على هذا الشاعر من حيث هو تضمين، فما إلى ذلك أردت، وإنما أعيب عليه أنه ترك ما يتطلبه بحره هذا من جعل الكلام أسجاعًا أسجاعًا، كل سجعة منها كالمستقلة لا تحتاج إلى غيرها لأنها من قبيل التكرار لما سبقها من صور وآراء. والخروج من هذه القاعدة إلى تتبع صورة كاملة والتعمق فيها لا يناسب هذا البحر البتة. وإنما زل الأعشى في هذين البيتين وفي أبيات سواها كقوله:
عبهرة الخلق بلاخية ... تشوبه بالخلق الطاهر (٥)
стр. 186
لأن هذه المعاني تكررت في شعره ودرب عليها فلا يستطيع منها خروجًا، ولا سيما وصف الفرات وموجه وبوصيه، فقد أكثر منه جدًا.
وأزعم من هذه الأمثلة التي قدمتها ومن كثير غيرها أن بحري السريع الثاني والثالث لا يصلح فيهما الكلام إلا إذا جاء قطعًا صغارًا قصارًا متشابهة المعنى لا تعمق فيها -وهذا يجعله من أوزان الشعر الدنيا كما أسلفت، ويجور به عن سنن التعالي والسمو المحض الذي هو غاية الشعر الرفيع. ولقرب السريع الثاني والثالث من الأسجاع تجد النظم فيه سهلا يسيرًا. ولعله أن يكون أيسر من النظم في مثل بحر:
صمم صمم صمم صمم ... عمى عمى عمى عمى
لأن الكلمات التي يوازن جرسها جرس "ترن ترن" منتظمًا هكذا لا تعطيك طواعية الكلمات التي يلائم جرسها جرس "تن تن ترن تن تن ترن تن ترن" مثل: "أنظر إلى البحر وأمواجه". "ما أجمل الدار وسكانها"، "هذا غلام حسن وجهه"، "قد ملأ البدر المنير الربا"، "دجاجنا في قفص جيد"، "حمارنا أسرع من قاطرة"، "إن عادت العقرب عدنا لها" وهكذا. ومن أجل يسره وسهولته هذه مستخفه شعراء الغزل الحجازيون أمثال ابن أبي ربيعة والعرجي. وأكثر ما نظموه فيه من قبيل "المشاغبات" و"المشاغلات" الغزلية، كما يقول فتيان اليوم، نحو قول عمر:
من عاشق صب يسر الهوى ... قد شفه الوجد إلى كلثم
رأتك عيني فدعاني الهوى ... إليك للحين ولم أعلم
قتلتنا يا حبذا أنتم ... من غير ما جرم ولا مأثم
والله قد أنزل في وحيه ... مبينًا في آيه المحكم
من يقتل النفس كذا ظالما ... ولم يقدها نفسه يظلم
وأنت ثأري فتلافي دمي ... ثم اجعليه نعمة تنعمي
стр. 187
وحكمي عدلا يكن بيننا ... أو أنت فيما بيننا فاحكمي
وجالسيني مجلسًا واحدًا ... من غير ما عار ولا مأثم
وخبريني ما الذي عندكم ... بالله في قتل امري مسلم (١)
فهذه "مشاغبة" لامراء ولهذه الأبيات قصدة طريفة ذكرها صاحب الأغاني (٢). وأكثر كلام ابن أبي ربيعة من قبيل هذا العبث، ولذلك كان هذا البحر من أطوع البحور له، وأشدها ملاءمة لأغراضه ومعانيه. وقد نفق عند معاصريه وطبقات المتحضرين التي تلتهم حتى صار إلى حوالي نهاية القرن الثالث من الأوزان الشائعة المألوفة. وسأورد عليك منه أمثلة من شعر المائة الأولى، ثم أتبعها بأمثلة من شعر القرنين اللذين تلواها. خذ قول العرجي، وهو من جيل ابن أبي ربيعة (٣):
عوجي علينا ربة الهودج ... إنك إن لا تفعلي تحرجي
إني أتيحت لي يمانية ... احدى بني الحرث من مذحج
نلبث حولا كاملا كله ... لا نلتقي إلا على منهج
في الحج إن حجت وماذا منى ... وأهله إن هي لم تحجج
وقد قلد هذه الأبيات أبو نواس في كلمته (٤):
وعاشقين التف خداهما ... عند التثام الحجر الأسود
نفعل في المسجد ما لم يكن ... يفعله الأبرار في المسجد
стр. 188
وتأمل قول وضاح اليمن وهو أموي (١):
قالت ألا تلجن دارنا ... إن أبانا رجل غائر
قلت فإني طالب غرة ... منه وسيفي صارم باتر
قالت فإن القصر من دونه ... قلت فإني فوقه ظاهر
قالت فإن البحر من دوننا ... قلت فإني سابح ماهر
قالت فحولي إخوة سبعة ... قلت فإني غالب قاهر
قالت فليث رابض بيننا ... قلت فإني أسد عاقر
قالت فإن الله من فوقنا ... قلت فربي راحم غافر
قالت لقد أعييتنا حجة ... فأت إذا ما هجع السامر
فاسقط علينا كسقوط الندى ... ليلة لا ناه ولا زاجر
ولم يشع السريع بين الحجازيين المرققين فحسب، بل تجاوزهم إلى متحضرة الشام كما نجد في شعر الوليد بن يزيد وهو القائل (٢):
ليت هشاما عاش حتى يرى ... مكياله الأوفر قد أترعا
كلنا له الصاع التي كالها ... فما ظلمناه بها أصوعا
стр. 189
والقائل (١):
يأيها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر
نشربها صرفًا وممزوجة ... بالسخن أحيانًا وبالفاتر
وإلى متحضرة العراق مثل أعشى همدان، وقد كان لين الكلام حتى إن بعض النحاة "يقال إنه قطرب" جسر على أن ينسب إليه (٢):
من دعا لي غزيلي ... أربح الله تجارته
وقد جاء السريع بأنواعه في شعره، ومن أمثلة نظمه في السريع يعاتب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث (٣):
مالك لا تعطي وأنت امرؤ ... مثر من الطارف والتالد
تجني سجستان وما حولها ... متكئًا في عيشك الراغد
لا ترهب الدهر وأيامه ... وتجرد الأرض مع الجارد
إن يك مكروه تهجنا له ... وأنت في المعروف كالراقد
ثم ترى أنا سنرضى بذا ... كلا ورب الراكع الساجد
وحرمة البيت وأستاره ... وما به من ناسك عابد
ما أنا إن هاجك من بعدها ... هيج بآتيك ولا كابد
ولا إذا ناطوك في حلقة ... بحامل عنك ولا ناقد
فأعط ما أعطيته طيبًا ... لا خير في المنكود والناكد
стр. 190
وهذا الكلام لا يخفى لينه، وما فيه من الذهاب بالشعر مذهب الخطب النثرية مثلما ذكرنا آنفًا عن رائية الأعشى.
والسريع الثاني والثالث كثيران عند السيد الحميري من المولدين، بحسب ما نجد مما وصلنا من نتفه، كقوله في أهل البصرة وقد خرجوا يستسقون (١):
اهبك إلى الأرض فخذ جلمدًا ... ثم ارمهم يا مزن بالجلمد
لا تسقهم من سبل قطرة ... فإنهم حرب بني أحمد
وكقوله يهنيء العباسيين بالخلافة (٢):
دونكموها يا بني هاشم ... فجددوا من مجدها الدارسا
دونكموها فالبسوا تاجها ... لا تعدموا منكم له لابسا
قد ساسها من قبلكم ساسة ... لم يتركوا رطبا ولا يابسا
وكقوله في علي (٣):
أقسم بالله وآلائه ... والمرء عما قال مسئول
إن علي بن أبي طالب ... على التقى والبر مجبول
(وهذا من السريع الثالث)، وكقوله (٤):
فالناس يوم الحشر راياتهم ... خمس فمنها هالك أربع
قائدها العجل وفرعونهم ... وسامري الأمة المفظع
стр. 191
ومارق من دينه مخرج ... أسود عبد لكع أوكع
وراية قائدها وجهه ... كأنه الشمس إذا تطلع
ولا يخفى على القارئ المذهب النثري في هذا الكلام.
وفي شعر أبي نواس والعباس بن الأحنف من السريعيات عدد وافر. وقد استعمله أبو تمام في كلامه الفخم اتباع للطبقة التي سبقته، فجاء به نابيا جدًا. من ذلك كلمته (١):
ها إن هذا موقف الجازع ... أقوى وسؤر الزمن الفاجع
فهي كلمة في الاستعطاف، وغرضه يصلح لأن يجاء به على مذهب الخطابة النثرية وهذا لم يغب عن أبي تمام، فقد عمد إليه في مثل قوله:
إن حويا حاجتي فاقضها ... ورد جأش المشفق الجازع
فتى يمان كاليماني الذي ... يعرم حداه على الوازع
في حلية النابي وفي جفنه ... وفي مضاء الصارم القاطع
أدل بالقفر وأهواله ... من الدعيميص ومن رافع
ولكن مذهب أبي تمام على العموم مذهب تأن واستعارة وتجنيس، وبحر السريع لا يصلح لشيء من هذا. وأنت تجده غير ملائم لمثل قوله:
تجاوز الخفض وأفياءه ... إلى السرى والسفر الشاسع
أخفق واستقدم في همة ... وغادر الرتعة للراتع
إن أنت لم تنهض به صاعدًا ... في مستراد الزاهر اليانع
حتى يرى معتدلا أمره ... بعد التقاء الأمل الطالع
стр. 192
أكدى الذين يعتده عدة ... وضاع من يرجوه للضائع
ومثل قوله:
يكره صدر الرمح أو ينثني ... وقد تروى من دم ماتع
بطعنة خرقاء قد ضيعت ... حزامة المستلئم الدارع
وما أرى استعمال أبي تمام للسريع وأشياء غيره من بحور الشعر التي لا تلائم نفسه ونبل أغراضه ومنهجه في النظم إلا اعتسافا منه أو شيئًا من قبيل ما يسميه الإنجليز نقلا عن الفرنسية "تور دي فورس"، فقد كان الرجل حريصا على أن يروض كل البحور وكل القوافي.
وكلا الشاعرين "البحتري والمتنبي" كان أحكم منه إذ تنكب هذا البحر. واستعمله المعري فلم يوفق إلا في سينيته التي ذكرناها وهي من النوع الأول من السريع وهو ثقيل مباين للضربين الثاني والثالث. وقد ركبه في داليته (١):
أحسن بالواجد من وجده ... صبر بعيد النار في زنده
وهي كلمة أفلتت من اللزوميات فجاء مكانها من سقط الزند قلقا.
هذا وكأن إعراض البحتري والمتنبي عن السريع ألقى على سوقه التي كانت رائجة ظللا من الكساد. ولم يجده إكثار ابن الرومي منه، فقد كان الرجل على فضله جهم الديباجة فاتر النفس.
وابتعث السريع بأخرة جماعة من المعاصرين. ولعل السبب في هذا سهولة النظم فيه وغلبة الترقيق على الأساليب الحديثة. ولكني أرجح أنه لن يزحزح الرمل عن مكان الصدارة من قلوب المعاصرين (٢).
стр. 193
الكامل الأحذ وأخوه المضمر (٣)
كلا الوزنين مجزوء من الكامل التام. والفرق بينهما ضئيل. والأحذ هو العمدة. وتفعيلاته كما في نظام العروضيين:
متفاعلن متفاعلن فعلن ... متفاعلن متفاعلن فعلن
وهذه تصير أحيانًا:
مستفعلن مستفعلن فعلن ... مستفعلن متفاعلن فعلن
أو: "متفاعلن مستفعلن إلخ"، أو شيئًا من هذا القبيل. ولتوضيح هذا الوزن وتثبيت نغمته في أذنك قل:
متقادم متأخر تررم ... متناول متطاول تررم
يا صاحبي يا صاحبي فعلن ... في بيتنا في بيتكم فعلن
أوزاننا أوراقنا قرئت ... ولربما ولربما برعت
وأنشد قول دعبل:
أين الشباب وأية سلكا ... مستفعلن متفاعلن تركا
لا أين يطلب ضل أم هلكا ... مستفعلن متفاعلن تركا
لا تعجبي يا سلم من رجل ... مستفعلن مستفعلن فعلن
ضحك المشيب برأسه فبكى ... متفاعلن متفاعلن فبكى
بالله قولا كيف يومكما ... يا صاحبي إذا دمي سفكا
لا تأخذا بظلامتي أحدًا ... قلبي وطرفي في دمي اشتركا
وهاك مثالا آخر منه، قول ابن أبي ربيعة:
قال الخليط غدًا تصد عنا ... أو بعده أفلا تشيعنا
стр. 194
أما الرحيل فدون بعد غد ... فمتى تقول الدار تجمعنا
لتشوقنا هند وقد علمت ... علمًا بأن البين يفزعنا
عجبًا لموقفنا وموقفها ... وبسمع تربيها تراجعنا
ومقالها سر ليلة معنا ... نعهد فإن البين فاجعنا
قلت العيون كثيرة معكم ... وأظن أن السبر مانعنا
لا بل نزوركم بأرضكم ... فيطاع قائلكم وشافعنا
قالت أشيء أنت فاعله ... هذا لعمرك أم تخادعنا
بالله حدث ما تؤمله ... واصدق فإن الصدق واسعنا
اضرب لنا أجلا نعد له ... إخلاف موعده تقاطعنا (١)
ومن هذا الوزن قصيدة أبي الطيب (٢):
إثلث فإنا أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل
وهي طويلة.
والكامل المضمر يخالف الأحذ في القافية. قوافي الكامل الأحذ الذي استشهدنا له بأبيات دعبل والمخزومي كلها من الطراز (فعلا أو فعلو نحو: هلكا، سفكا لعبا، معنا، فركب، فطرب "إذا كانت القافية مقيدة"). ولكن قوافي النوع المضمر لا بد فيها من سكون قبل حرف الروي إذا كان مطلقًا نحو: فعلا فعلو هلكا سفكا، لعبا، معنا ولا بد فيها من سكون قبل الحرف السابق لحرف الروي إن كان
стр. 195
هذا مقيدًا نحو: "فركب فلعب فطرب" - هذا على سبيل التمثيل - ولا بد لقوا فيه أن تكون من المتواتر. ومثال وزنه من الكلمات:
متقدم متقادم تررم ... متقدم متقادم ترم
متناول متداول فعلن ... متطاول متعاظم عظم
ومثاله من الشعر قول الأحوص (١):
قالت وقلت تحرجي وصلي ... حبل امرئ كلف بكم صب
واصل إذن بعلي فقلت لها ... الغدر شيء ليس من ضربي
ثنتان لا أدنو بقربهما ... عرس الخليل وجارة الجنب
أما الخليل فلست فاجعه ... والجار أوصاني به ربي
عوجوا كذا نذكر لغانية ... بعض الحديث مطيكم صحبي
ومثال آخر منه قول ابن أبي ربيعة (٢):
علق النوار فؤاده جهلا ... وصبا فلم تترك له عقلا
وتعرضت لي في المسير فما ... أمسي الفؤاد يرى لها مثلا
ما نعجة من وحش ذي بقر ... تغذو بسقط صريمة طفلا
بألذ منها إذ تقول لنا ... وأردت كشف قناعها: مهلا
دعنا فإنك لا مكارمة ... تجزي ولست بواصل حبلا
وعليك من تبل الفؤاد وإن ... أمسى لقلبك ذكره شغلا (٣)
стр. 196
فأجبتها إن المحب مكلف ... فدعي العتاب وأحدثي بذلا
ولعلك تكون لاحظت أن البيت الأخير صدره من الوزن الكامل التام هكذا: "متفاعلن مستفعلن متفاعلن". وهذا ضرب من التنويع يحدثه الشعراء كثيرًا في وزن الكامل المضمر. وقد وهم العروضيون فعدوا مثل وزن البيت "فأجبتها .. " شيئًا قائمًا بذاته وعدوه أول أنواع الكامل المجزوء، واستشهدوا عليه بقول الآخر (١):
لمن الديار برامتين فعاقل ... درست وغير آيها القطر
وليس الأمر كذلك إذ لم ترد من هذا الوزن، في الذي بأيدينا من الأصول، قطعة واحدة كاملة، فضلا عن قصيدة - اللهم إلا القطع التي صنعها ابن عبد ربه بغرض التمثيل، ومثل هذه لا يعتد بها (٢). ومما يؤيد قولنا أنه إنما يأتي به الشعراء للتنويع والتغيير ليس إلا، أنك لا تجد منه إلا الأبيات المفردات من ضمن قصائد الكامل المضمر وقطعه كالبيت الأخير من قطعة ابن أبي ربيعة هذه. وكقوله الحديث من قصيدة أخرى (٣):
ولقد عصيت ذوي القرابة فيكم ... طرا وأهل الود والصهر
حتى لقد قالوا وما كذبوا ... أجننت أم بك داخل السحر
стр. 197
وكقول المسيب بن علس:
ولقد رأيت الفاعلين وفعلهم ... فلذي الرقيبة مالك فضل (١)
كفاه مخلفة ومتلفة ... وعطاؤه متدفق جزل
وبحر الكامل، الأحذ والمضمر، من أوزان اللين والترقيق، وبحسبك أنه أول وزن صيغ فيه الغناء المتقن بالحجاز. فيما روي صاحب الأغاني، قال (٢): "قال ابن الكلبي وأبو غسان وغيرهما: ... كان عبد الله بن عامر اشترى إماء صناجات وأتى بهن المدينة. فكان لهن يوم في الجمعة يلعبن فيه. وسمع الناس منهن فأخذوا عنهن. ثم قدم فارسي يسمى بنشيط، فغني فأعجب عبد الله بن جعفر به. فقال له سائب خاثر: أنا أصنع لك مثل غناء هذا الفارسي بالعربية. ثم غدا على عبد الله بن جعفر وقد صنع":
لمن الديار رسومها قفر
قال ابن الكلبي: وهو أول صوت غني به في الإسلام من الغناء العربي المتقن الصنعة. أهـ" -قلت- على تقدير التسليم بصحة هذا الخبر، وليس هنا ما يدعو إلى التشكك فيه -ليس اختيار سائب خاثر للأبيات (٣):
لمن الديار رسومها قفر ... لعبت بها الأرواح والقطر
وخلابها من بعد ساكنها ... حجج مضين ثمان أو عشر
والزعفران على ترائبها ... شرق به اللبات والنحر
стр. 198
"وهي من الوزن المضمر" من قبيل الاتفاق. فقد كان الرجل موسيقيًا حريصًا على أن يستحدث في العربية نوعًا جديدًا من الغناء. وما إخاله إلا قد استعرض كل ما يعرفه من الشعر الغزلي في سائر البحور، فلم يجد منه ما يستقيم على نوع الغناء الجديد الذي يهم به إلا هذا الوزن المضمر. ولا يقدح في هذا أن المغنين بعده. راضوا جميع أبحر الشعر على الغناء فالمجدد دائمًا يختار أبسط الأشياء وأهونها وما يرى الكلفة فيه يسيرة.
والكامل الأحذ والمضمر يشبهان السريع بنوعيه الثاني والثالث، في أنهما ينفران كل النفور من الأسلوب الفخم الجليل (١)، ويخالف الكامل السريع في أنه ألين منه نغمًا وأظهر دندنة. وقد ذكرنا آنفًا أن السريع الثاني والثالث يصلحان للكلام المذهوب به مذهب الخطب والتكرار حتى ولو كان عبثًا كما في رسالة ابن أبي ربيعة لكلثم، وكما في خطبة الوضاح لصاحبته. فالكامل الأحذ والمضمر يجفوان شيئًا عن
стр. 199
الخطابة ويستقيم فيهما الحوار الظريف، والوصف المجيء به على أسلوب القصص والخطاب الرقيق في معرض التذكر والغرام والعظات. ودونك أمثلة توضح هذا. خذ رائية زهير:
لمن الديار بقنة الحجر (١)
وزهير كان من أصحاب التجويد والتفخيم، ووازن بينها وبين رائية المسيب بن علس:
أصرمت حبل الوصل من فتر (٢)
واحكم أي الشاعرين لاءمه هذا الوزن الكامل المضمر وانسجم مع ألفاظه.
قال زهير في قطعة النسيب:
لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن شهر
لعب الزمان بها وغيرها ... بعدي سوافي المور والقطر (٣)
قفرًا بمندفع النحائت من ... ضفوى أولات الضال والسدر
وهذا كلام لا ماء فيه، ولا يشبه مذهب زهير في النسيب، وهو مذهب متأنق رشيق يأخذ بأطراف النفس. ولأمر ما زعم القدماء أن هذه الأبيات مما وضعه حماد علي زهير (٤). وكأنما اشتموا منها نفس التكلف. وليس عيبها من حيث أنها تكرار للمألوف المعروف من وصف الأطلال الجاهلية، فلو كان الأمر كذلك لعيبت جميع
стр. 200
المطالع الجاهلية - وإنما عيبها أن هذا الوصف لا يصاحبه الروح الشجي الذي أبدًا يصحب المطالع النسبية.
ثم تأمل مدح زهير:
دع ذا وعد القول في هرم ... خير البداة وسيد الحضر
ولو كان البحر طويلا لكان مكان "دع ذا" مقبولا. ولكن البحر ليس بطويل. ومجيء مثل هذه الكلمة التي تناسب الأبحر الطوال فيه ناب للغاية.
تالله قد علمت سراة بني ... ذبيان عام الحبس والإصر
أن نعم معترك الجياع إذا ... خب السفير وسابيء الخمر (١)
ولنعم حشو الدرع أنت إذا ... دعيت نزال ولج في الذعر
وهذا سرقة من المسيب بن علس:
حامي الذمار على محافظة ... الجلى أمين مغيب الصدر
حدب على المولى الضريك إذا ... نابت عليه نوائب الدهر
ومرهق النيران يحمد في اللأ ... واء غير ملعن القدر
وإذا برزت له برزت إلى ... صافي الخليقة طيب الخبر
متصرف للمجد معترف ... للنائبات يراح للذكر
جلد يحث على الجميع إذا ... كره الظنون جوامع الأمر
فلأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري ولأنت أشجع حين تتجه الأبطال من ليث أبي أجر
стр. 201
ورد عراض الساعدين حديد الناب بني ضراغم غثر
يصطاد أحدان الرجال فما ... تنفك أجريه على ذخر
والستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر (١)
وهذا بيت القصيد غير مدافع لما فيه من اليسر والسهولة ولما فارق فيه زهير طريقته الفخمة:
أثني عليك بما علمت وما ... سلفت في النجدات والذكر
لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر
وهذا البيت الأخير ليس له (٢).
فهذه قصيدة زهير كاملة. وقبل أن أذكر لك شيئًا عن رائية المسيب بن علس، أريدك لتقرأ معي هذه الأبيات من مدحة أخرى لزهير في هرم، لترى فرق ما بين أسلوبيه في البسيط الذي يلائمه كلامه الفخم، والكامل المضمر الذي لا يلائمه. قال:
стр. 202
بل اذكرن خير قيس كلها حسبا ... وخيرها نائلا وخيرها خلقا
- وازن بين هذا وبين قوله: "دع ذا، البيت"-
القائد الخيل منكوبًا دوابرها ... قدأ حكمت حكمات القد والأبقا
غزت سمانا فآبت ضمرًا خدجا ... من بعد ما جنبوها بدنا عققا
حتى يؤوب بها عوجًا معطلة ... تشكو الدوابر والأنساء والصفقا
يطلب أو امرأين قدما حسنًا ... نالا الملوك وبذا هذه السوقا
هو الجواد فان يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا
أغر أبيض فياض يفكك عن ... أيدي العناة وعن أعناقها الربقا
وذاك أحزمهم رأيا إذا نبأ ... من الحوادث غادى الناس أو طرقا
وليس مانع ذي قربى وذي رحم ... يومًا ولا معدمًا من خابط ورقا
إن تلق يومًا على علاته هرمًا ... تلق السماحة منه والندى خلقا
ليث بعشر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
هذا وليس كمن يعيا بخطته ... وسط الندي إذا ما ناطق نطقا (١)
стр. 203
فهذا هو المدح الجيد والكلام النبيل. ولا يكاد يلحق مدح الرائية بغباره، وليس فيه رنته وقوته وجرسه. ولا تحسبن أن زهيرصا قصر في الأداء في رائيته.
- فقد ذكر شجاعة الممدوح وكرمه ومروءته في لفظ جيد هناك. ولكن الوزن خانه فجاء كلامه فاترًا لا رونق فيه:
والآن تأمل معي شيئًا من رائية المسيب. قال في مطلعها النسيبي يشبه حبيبته:
كجمانة البحري جاء بها ... غواصها من لجة البحر
صلب الفؤاد رئيس أربعة ... متخالفي الألوان والنجر
فتنازعوا حتى إذا اجتمعوا ... ألقوا إليه مقالد الأمر
وعلت بهم سجحاء خادمة ... تهوي بهم في لجة البحر (١)
انظر إلى هذا القصص والاسترسال من غير ما مبالاة بالإيطاء وتحكيك اللفظ وتجويد الاستعارة كما يفعل زهير. وما أشك أن بعد هذا البيت في وصف السفينة أبياتًا أخر ضيعتها الرواية. وعليها وعلى نظائرها اعتمد الأعشى في وصفه للفرات وسفائنه - ثم على هذا جميعًا اعتمد بشار في بائيته "سلم على الدار بذي تنضب" (٢) التي وصف فيها ركوب البحر والسفينة فأطال، وعن بشار أخذ مسلم بن الوليد في رائيته التي يقول فيها (٣):
وملتطم الأمواج يرمي عبابه ... بجرجرة الآذي للعبر فالعبر
стр. 204
ثم أكثر الشعراء من هذا الفن، فتعاطاه البحتري والمتنبي وأبو العلاء جميعًا (١) ولنعد إلى كلمة المسيب ونتبعه وهو يصف رحلة الغواصين:
حتى إذا ساءت ظنونهم ... ومضى بهم شهر إلى شهر
ألفى مراسيه بتهلكة ... ثبتت مراسيها فما تجري
فانصب أسقف رأسه لبد ... نزعت رباعيتاه للصبر (٢)
أشفى يمج الزيت ملتمس ... ظمآن ملتهب من الفقر
قتلت أباه فقال أتبعه ... أو استفيد رغيبة الدهر
نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدري
وبحسب المؤرخ الأدبي أن يظفر بمثال واحد من طراز هذا الوصف ليثبت أن العب لم يكونوا جاهلين بالبحر، ولم يكن شعرهم خاليًا من نعته، فكيف وسوى كلام المسيب هذا بأيدينا أمثلة وأمثلة من شعر الأعشى والبحرانيين والهذليين وغيرهم. هذا، وبعد أن فرغ الشاعر من صفة الغواص وأوصلنا إلى الساعة الحرجة التي يدخل فيها اليأس على قلوب الملاحين المنتظرين إياب رفيقهم، سارع إلى إعطائنا صورة أخرى - صورة الفوز والظفر والمساومة بين مالك اللؤلؤة الحريص وتاجرها المغالي:
فأصاب منيته فجاء بها ... صدفية كمضيئة الجمر
يعطى بها ثمنًا ويمنعها ... ويقول صاحبه ألا تشري (٣)
стр. 205
وترى الصراري يسجدون لها ... ويضمها بيديه للنحر (١)
فبتلك شبه المالكية إذ ... طلعت ببهجتها من الخدر
هذا مثال من قسم النسيب في رائية المسبب. ولا يخفى على القارئ أنه من أجود ما قيل في الشعر العربي، وأحلاه لفظًا، -والآن نلتفت إلى قسم المدح- ونترك وصف الناقة وتتمة النسيب وما إلى ذلك، قال:
أنت الرئيس إذا هم نزلوا ... وتواجهوا كالأسد والنمر
لو كنت أجود بالعطاء من الر ... يان لما جاد بالقطر
ولأنت أشجع من أسامة إذ ... يقع الصراخ ولج في الذعر
ولأنت أبين حين تنطق من ... لقمان لما عي بالأمر
ولأنت أحيى من مخبأة ... عذراء تقطن جانب الكسر (٢)
فهذا خطاب سهل مباشر، كأنما كان الشاعر يتغنى به تغنيًا. فقل لي بالله أين هذا الكلام المنساب في كلا شطري نسيبه ومدحه من كلام زهير؟ مع أن زهيرًا لم يأل جهدًا؟ ! ألا تحس أن المسيب قد وفق في اختيار الوزن أكثر من زهير، وأن هذا البحر المدندن، الغنائي، أشبه بما قصد إليه الشاعر الربعي من ترنم، مما قصد إليه الشاعر المزني من تفخيم؟
وفي شعر ابن أبي ربيعة والعرجي والأحوص وغزلي الحجاز تجد كل ما ذكرناه لهذا البحر من صفات الحوار والرقة والقصص السهل والصلاحية للتغني. وقد
стр. 206
أعرض عنه الفرزدق وجرير والأغطل والقطامي وجماعة من الشعراء الفحول في العراق وغيره من متأثري المنهج الجزل الفخم - وما ذلك إلا لأنه كان لا يلائم طبائع نظمهم. وشاع بين طبقات المولدين الأولى، وقل عند أبي تمام والبحتري ولم يقل المتنبي منه إلا كلمة واحدة:
اثلث فإنا أيها الطلل (١)
وذلك بعد أن لان طبعه عند عضد الدولة.
والكامل الأحذ المضمر من الأوزان التي نفقت سوقها عند المعاصرين. وهو في زعمي لا يلائم مذاهب الغموض والتعميق والاستعارات على الطريقة الإفرنجية، الغالبة على النظم الحديث، لأنه بحر وسط غير كثير المقاطع والأنغام، ورقة اللفظة وخفته أهم فيه من حشد الصور العقلية والمعاني المتكلفة. وأسلوب القصص والحوار أوقع فيه من إلقاء الكلام على طريقة الخطابة كما في قول الدكتور إبراهيم ناجي:
يا غلة المتلهف الصادي ... يا آيتي وقصيدتي الكبرى
زادي لقاؤك جل من زاد ... يحيا الورى وأعيش بالذكرى
فهذه خطبة لا يصلح لها الكامل المضمر، وإنما نولك أن تضع كلامك فيه على طريقة العرجي مثلا:
عوجي علي فسلمي جبر ... فيم الصدود وأنتم سفر
ما نلتقي إلا ثلاث منى ... حتى يفرق بيننا النفر (٢)
الحول بعد الحول يجمعنا ... ما الدهر إلا الحول والشهر
стр. 207
(عنى شهر الحج)، فانظر إلى رقة هذا الكلام، وتأمل كيف أورده الشاعر مورد المناجاة والهمس لا الخطابة والصياح. وأزيدك إيضاحًا: وازن بين قوله: "ما نلتقي إلخ"، وقوله في الجيمية:
نلبث حولا كاملا كله ... لا نلتقي إلا على منهج
في الحج إن حجت وماذا منى ... وأهله إن هي لم تحجج
فالمعنى كما ترى واحد. إلا أن نفس السريع في الجيمية خطابي، بينما نفس الكامل في الرائية نفس مناجاة وتلطف.
وأنشد معي هذه الأبيات للنواسي من الكامل المضمر:
كان الشباب مطية الجهل ... ومحسن الضحكات والهزل
كان الفصيح إذا نطقت به ... وخرجت أخطر صيت النعل
كان المشفع في مآربه ... عند الفتاة ومدرك النيل
والباعثي والناس قد رقدوا ... حتى أكون خليفة البعل
فالآن صرت إلى مقاربة ... وحططت عن ظهر الصبا رحلي
والكأس أهواها وإن رزأت ... بلغ المعاش وقللت فضلي
صفراء مجدها مرازبها ... جلت عن النظراء والمثل
ذخرت لآدم قبل خلقته ... فتقدمته بخطوة القبل
فأتاك شيء لا تلامسه ... إلا بحسن غريزة العقل
حتى إذا سكنت جوامحها ... كتبت بمثل أكارع النمل (١)
стр. 208
خطين من شتى ومختلف ... غفل عن الإعجام والشكل
فاعذر أخاك فإنه رجل ... مرنت مسامعه على العذل
ولا ينكر إلا مكابر أن هذا الكلام مناجاة وتلطف في الحديث. وبحسبك أنه بدأه بتذكر حزين، واختتمه باعتذار المتواضع المقر وجعل فيما بين ذلك يتحدث لك عن أسلوب حياته الماجن بطريقة أشبه شيء بوسوسة إبليس في الصدور.
وقد جارى أبو نواس في هذه اللامية قصيدة امرئ القيس التي مطلعها (١):
حي الحمول بجانب العزل
وفيها من روح الهمس ما لا يخفى، وقد عبثت بها الرواية حتى ضاع أكثرها فيما أرى ولم يبق منها إلا أضغاث - يدل على ذلك كثرة التصريع فيها وعدم تساوق المعاني.
هذا وبحسبنا ما قدمناه من أمثلة للدلالة على أن الكامل الأحذ والمضمر كليهما بحرا رقة وحوار وقصص سهل رقيق، ولا يصلحان للتفخيم والكلام الضخم.
стр. 209
الفصل الثالث
البحور الطوال
(١) المنسرح والخفيف:
حق هذزين البحرين أن يذكرا مع البحور التي بين بين، إلا أنهما؛ كثر منها مقاطع. أما المنسرح فوزنه:
مستفعلن فاعلون مفتعلن ... مستفعلن فاعلون مفتعلن
ومثاله من الكلمات:
مجترئ حاكمون مجتزيء ... مقدم قادمون مستعر
في دارنا، قرب دارنا، دررر ... في داركم قرب داركم تررو
فتاة جيراننا مخبأة ... مفتعلن فاعلون مفتعل
ومثاله من النظم قول ابن قيس الرقيات في عبد الملك (١):
ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا
وأنهم معدن الملوك فلا ... تصلح إلا عليهم العرب
إن الفنيق الذي أبوه أبو العاصي عليه الوقار والحجب
خليفة الله فوق منبره ... جفت بذاك الأقلام والكتب
стр. 210
وقد يحدث في عجز المنسرح تغيير إذا جاءت القافية من طراز "تاتا" أو "توتو" أو "تي تي"، كما في قول المتنبي (١):
شامية طالما لهوت بها ... تبصر في ناظري محياها
فقبلت ناظري تغالطني ... وإنما قبلت به فاها
حيث التقى خدها وتفاح لبنان وثغري على حمياها
والمنسرح من البحور التي يكثر فيها التنويع والتغيير والتحوير، فيجيء صدره أحيانا: "مفتعلن فاعلون مفتعلن"، وأحيانا: "مستفعلن مفعولون مفتعلن"، وأيحانا "مفتعلن فاعلون مستفعلن"، والأول هو العمدة (٢). والأنواع الأخرى تجيء في الشعر، وقد يعيبها من ليس له بصر بأوزانه، كأن تقول:
يارب كأس صرف معتقة ... ترد سالي الهوى إلى شجنه
وهذه بعد، تفاصيل تجدها كاملة في كتب العروض.
وأما الخفيف فوزنه: "فاعلاتن مستفعلاتن فعولن" مرتين. ومثله من الكلمات:
كاتبات مستبصرات حسان ... فاتنات مستعبدات قلوبا
ناظرات نا ناظرات عيون ... عانسات لا آنسان، فعولو
يا صديقي لا يا صديقي أجبني ... يا حبيبي يا يا حبيب الفؤاد
стр. 211
وهذا الوزن يدخله التحوير والتغيير فيصير:
فعلاتن مستفعلاتن فعولن ... فاعلاتن متفعلاتن فعولن
ملكات مستحكمات علينا ... مالكات مهذبات حسان
وأحيانا يقصر آخر جزء من عجز البيت هكذا:
فاعلاتن مستفعلاتن فعولن ... فاعلاتن مستفعلاتن فاعي (١)
وكأنك قد قلت مترنما: فأاعي مع تسهيل الهمزة الأولى.
تن فعلون تن تن فعولن فعولن ... فاعلاتن تن تن فعولن عولو
ناضرات مستبشرات ضحوك ... فاتنات في البيت هر يجري
وموضع الترنم عند الباء من يجري ههنا.
ومثال كل هذا من النظم قول بشار (٢):
حييا صاحبي أم العلاء ... واحذرا طرف عينها الحوراء
стр. 212
إن في عينها دواء وداء ... لمحب والداء قبل الدواء
أسقمت ليلة الثلاثاء قلبي ... وتصدت في السبت لي لشقائي
وغداة الخميس قد فارقتني ... ثم راحت في الحلة الحمراء
والبيتان الأول والرابع من هذه الأبيات فيهما تقصير الجزء الأخير وتصييره إلى "عولو" بدل "فعلولو" - الحور أعي. الحمر آءي
والتغييرات التي تحدث في عمود وزن الخفيف كثيرة. فبعضها حسن وبعضها مستقبح. فلو جاء شاعر في قصيدة لامية خفيفة من طراز قول المتنبي:
ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
بقوله:
ليس منا قط الرضا بالدنية ... ولكن نقارع الأبطالا
كان هذا بيتًا جيدًا. ويشبهه أن تجيء في قصيدة قافية بقولك:
تبلتك ولم تكن تعرف الحب ... فذق ما يذوقه العشاق
وهذا أقل اضطرابًا من الأول. ويحتمل نحو:
الملوك من حمير وبني الأصفر ... بادوا وهل يدوم نعيم
هذا وقد قدمت لك أن كلا البحرين الخفيف والمنسرح، حقهما أن يذكرا مع أنواع الأحذ والسريع. ذلك بأن نغمهما كالمتمم لأنغام أولئك. خذ المنسرح وامتحن نغمته بالنسبة إلى السريع والأحذ، وافعل مثل ذلك بالخفيف. تجد أنه بينما ينحو الأخذ منحى الحوار والهمس، والسريع منحى الخطابة المسجعة والنثر، يجنح المنسرح صوب الرقص والتغني، والخفيف صوب الفخامة. ولهذا القول تفصيل سأوضحه لك:
стр. 213
المنسرح
إذا صورنا نغم السريع بصورة الخطيب وتكراره وجلجلته، والكامل الأحذ بصورة التأني والتلطف والهمس التي تكون عند المحدث البارع، فإننا لا نملك إلا أن نصور المنسرح بصورة الراقص المتكسر أو المغني الخنث. وهذا التصوير والتقريب لا يناقض ما قدمناه قبل من أن هذه الأبحر جميعًا تصلح للغناء. ومع التكسر والرقص والتثني تجد في المنسرح لونًا جنسيًا يشبه لون المتقارب المجزوء. وقد سبق أن لمحنا إلى هذه الصفة في المنسرح عند كلامنا على المنسرح القصير، وعلى أمثال:
حدبدبا بدبدبا منك الآن
وإذا بحثت في الشعر الجاهلي لم تجد المنسرحيات فيه تخرج عن أحد غرضين:
الرثاء المراد به النوح، والنقائض. ولا يخفى على القارئ أن الرثاء إذا أريد به النوح حوى عنصرًا قويًا من التأنث واللين - وكيف لا والنوح إنما كانت تقوم به النساء، ولا شك أنهن كن يتخذن منه معرضًا للفتنة والتبرج، أليس الربيع بن زياد العيسى، من الأوائل يقول (في الحماسة):
من كان مسرورًا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسرًا يندبنه ... يلطمن أوجههن بالأسحار
قد كن يخبأن الوجه تسترًا ... فاليوم حين برزن للنظار
أم ليس أبو نواس يقول:
يا قمرا أبصرت في مأتم ... يندب شجوًا بين أتراب
يبكي فيذري الدمع من نرجس ... ويلطم الورد بعناب
ولا داعي للتطويل هنا في تبين ما بين الرثاء والغزل من قربى، فأقل ما في موت الفقيد من الرؤساء والفتيان، أنه يجعل حرمه أيامى بعده معرضات لمن يريد
стр. 214
انتهابهن. وربما يحسن أن نستشهد في هذا الموضع بقصة صخر بن عمرو بن الشريد [ذكرها الميداني في أمثاله ج ٢ ص ٤٣] (١) إذ كان صخر طريح فراشه على شفا الموت، فسمع سائلا يسأل سليمى زوجته: "يباع الكفل؟ " فقالت: "نعم عما قليل".
هذا وفي الرثاء بعد تعمد من جهة الرائي أن يحاكي النساء، فيدعى حز الكبد وتفتت الأحشاء وتدفق الدموع، وانقصام الظهر إلى غير ذلك من المعاني التي تنسب في العادة إلى النساء دون الرجال.
وقد ألمعنا عما بين المناقضات والزفن الجنسي من قرابة، في كلامنا عن المنسرح القصير و"الجابودي". ونضيف هنا أنه لا يستبعد أن كثيرًا من الناقضات كانت تدفع إلى الجواري لينشدنها ويرقصن عليها. ومما يدل على هذا ما نجده في بعضها من إقذاع يندر في الشعر القديم، مثلا قول الجميح (٢):
أنتم بنو المرأة التي زعم النا ... س عليها في الغي ما زعموا
يمرج جار استها إذا ولدت ... يهدر من كل جانب خصم
وأمها خيرة النساء على ... ما خان منها الدحاق والأتم
فهذا لا يعقل أنه كان ينشده ناظمه، وهو من السادة، في ندى القوم ومجمع سراة الحي، وإنما المعقول أن يكون منشده جارية أو دنيئًا من الأدنياء.
هذا، والكلمات المنسرحيات التي تخرج عن الرثاء كما وصفناه، وعن المناقضات قلة نادرة، وليست ببعيدة الصلة -إن تأملناها- عن أحد هذين الغرضين.
خذ كلمة المهلهل:
стр. 215
أعزز على تغلب بما لقيت ... أخت بني الأكرمين من جشم
أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم
لو بأبانين جاء يخطبها ... زمل ما أتف خاطب بدم (١)
فهذه فيها نفحة من النوح، كما فيها نفس من "الردح".
ومن المنسرحيات الشاذة كلمة الأعشى (٢):
إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضى مهلا
وابن قتيبة يرى أنها منحولة، وما أجدر ذلك أن يكون (٣):
وأما كلمة امريء القيس (٤):
إن بني عوف أنلو حسبا ... ضيعه الدخللون إذ غدروا
أدوا إلى جارهم ذمامهم ... ولم يضيعوا بالغيب من نصروا
لم يفعلوا فعل حنظل بهم ... بئس لعمري بالغيب ما ائتمروا
لا حميري وفي ولا عدس ... ولا است غير يحكها ثفر
لكن عوير وفي بذمته ... لا عور ضره ولا قصر