البسيط مستبين، وزنه بعد حذف قد «مفتعلن فعلن مستفعلن مفاعلن فاعلن فعولن». وكأن أكبر شذوذ في القصيدة بيت العاناة حيث قال:
كأنها من حمير عاناتٍ ... جونٌ بصفحته ندوب
فإن الوزن يصح بقولك «كأنها من حمير عانا» وقوله (تن) من بعد زيادة يحتملها تنغيم الغناء لأن فيه السكتات كما فيه التمطيط وليست (تن) ههنا بأبعد من التنوين الذي زيد بعد قاف رؤبة ولعل الرواية وقفت بصدر البيت عند (من حمير عانا) لعلم السامع أنها (عانات) كما علم من قول علقمة (بسبا الكتان) إنه يريد (بسبائب الكتان) ثم مع هذا الذي نقول به من أن الترنم قد يسوغ ضروبًا من الزيادة والحذف ينبغي أن نتذكر أن أمثال زيادة قد ومن وحذف أمثالهن مما يقع في التصحيف وقد روى أبو عكرمة البيت السادس عشر في ميمية المرقش هكذا:
يهلك والد ويخلف مو ... لود وكل أب يتيم
وروى غيره (وكل ذي أب يتيم) وهو الذي به يتم الوزن ويستقيم المعنى ولكن أبا عكرمة هو أساس الرواية، فتأمل هذه الدقة.
ومما ينبه عليه في معرض الحديث عن التغني أن هذا البحر الذي منه هذه القصيدة كان مما يتغنى به كما يدل على ذلك خبر الجرادتين وغناؤهما بالأبيات الفائية التي منها قوله:
يا أم نعمان نولينا ... هل ينفع النائل الطفيف
ويروى «هل ينفع النائل الطفيف» وأحسب أنها عليها رواية أغاني أبي الفرج.
ويدل على ذلك أيضًا قول سلمى بن ربيعة وهو في وزن من هذا القرى على حذو عبارة المعري:
стр. 1507
إن شواء ونشوةً ... وخبب البازل الأمون
والكثر والخفض آمنًا ... وشرع المزهر الحنون
وقد مرت الأبيات في أوائل الجزء الأول من هذا الكتاب وذكرناها ههنا لننبه على موضع قوله: «وشرع المزهر الحنون» فهو يقوي ما قدمنا من خبر الجرادتين والتغني في هذا الوزن وإن رنات المزهر قد تجيء معها السكتات والزيادات التي تجري مجرى الترنم مثل السبب الخفيف في (من) و (قد) و (تن) التي في (عاناتن).
وسائر بائية عبيد سوى الأبيات أو قل الصدور الثلاثة جار على جملة الوزن. ثم في داخل الأبيات قطع تتوازن ولا ريب أن ترجيع الغناء والمزهر مما كان يقويها نحو: «أفلح بما شئت فقد» ونحو قوله «يبلغ بالضعف وقد» وقوله «لا يعظ الناس من» وقوله «لا يعظ الدهر» وحسبنا هذا القدر من التمثيل وعسى أن يضح به ما أردنا إليه من معنى، والله أعلم.
وبعد فالإيقاع الداخلي هو سر التعبير في الشعر وجميع أصناف الوزن ووسائله هن كالمفاتيح له وفيهن محاكاة له. وقد يهم (من الوهم) بعضهم فيظن أنه ينبغي على الشاعر الحق أن يخلص إلى إيقاع نفسه الداخلي من دون استعانة بوسائل الوزن، لأنهن حواجب وقيود وأثقال.
يقول صاحب كتاب شعر التصويريين بيتر جونز Imagist Poerty- Peter Jones (بنجوين) في ص ١٥، ١٦ إن مجموعة شعراء الصورة والتصوير عقدت أول اجتماع لها في ٢٥ من مارس سنة ١٩٠٩ في مطعم من حي سوهو في لندن اسمه «برج إيفل» وكانوا يجتمعون كل خميس مساء ويتحدثون عن حال الشعر على زمانهم المعاصر وأنه ينبغي أن يستبدل الشعر الحر Vers libres وبالتانكا اليابانية وبمنظوم من نوع الشعر العبراني في العهد القديم من الكتاب المقدس، وكأن بعضهم ينكر فائدة الوزن الايامبيك الخماسي (أي الذي فيه عشرة مقاطع الأول من كل
стр. 1508
اثنين منها ضعيف) بل من ينكر فائدة الوزن وإيقاعه كائنًا ما كان ويزعم أن ذلك عبث أطفال.
واعلم أن دعوى أن يخلص امرؤٌ إلى إيقاع نفسه بغير وسائل الإيقاع من باب المستحيل لأن هذا هو الخرس البحت والعي وامتناع البيان.
ولقد سمت العرب الحمامة وهي ذات بيان شجني بهديلها المطرب عجماء، لأن غناءها على إطرابها ذو إبهام فيه قصور عن وضوح فصاحة التعبير. قال حميد بن ثور:
فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربيًّا شاقه صوت أعجما
وقد وهم جماعة من المعاصرين حين التمسوا أن يحرروا الوزن والإيقاع العربي بزعمهم باستعمال الجناس الداخلي يقتدون في ذلك بالشاعر الأميركي البريطاني إليوت. ومذهب الجناس الداخلي أن يك مما يستقيم عليه مظهر إيقاع أو وزن شعري في الإنجليزية، فهو في العربية داخل في حيز زينة الكلام المنثور، وقد تعرضنا لبيان هذا المعنى في مقدمة الجزء الأول وفي أول الجزء الثالث عند الحديث على شاعرية النثر العربي، لكثرة ما في العربية من وسائل الإيقاع وأساليبه حتى قال الجاحظ في الحيوان: «وفضيلة الشعر مقصورة على العرب وعلى من تكلم بلسان العرب» وقال في البيان إن العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار غير الموزونة «فتضع موزونًا على غير موزون، والعجم تقطع الألحان الموزونة على الأشعار غير الموزونة، فتضع موزونًا على غير موزون». وزعم أن هذا من باب الفرق بين أشعار العرب بين الكلام الذي يسميه الروم والفرس شعرًا. (راجع البيان ح ١ - ٣٨٤ - ٣٨٥ تحقيق عبد السلام هرون).
عند كاتب هذه الأسطر أيها القارئ الكريم ترجيح لأن أولي الإفرنج من الأدباء والشعراء أخذوا أمر ما يقال له الجناس الداخلي الآن من العرب، كأخذهم القافية. وشاهد ذلك كثرة الجناس والصنعة البديعية في أوائل نظمهم عند نهضة
стр. 1509
حضارة قرونهم الوسطة المتصلة بنهضتهم في أوائل ما يسمونه العصور الحديثة عندهم. أخذ إزرا باوند Ezra Pound (١٨٨٥ - ١٩٧٢) الشاعر الأميركي الأصل وصاحبه إليوت T.S. Eliot (١٨٨٨ - ١٩٦٥) من مذهب الشاعر الإنجليزي جرارد مانلي هوبكنز Gerard Manley Hopkins (١٨٤٤ - ١٨٨٩) وهذا تأثر بأساليب قدماء أهل الصنعة في الشعر الإنجليزي ويمثل لذلك بمنظومة وليم لانجلاند William Langland (١٣٣٢ - ١٤٠٠) واسمها بيرز بلاومان Piers Ploughman أي بطرس صاحب المحراث أو الحرث -وما أشبه أن يكون ههنا بعض الأخذ من المقامات حيث سمي الحريري راوية الحارث بن همام (١) وأوائل أبيات منظومة لانجلاند مع ترجمة تقريبية عمدنا فيها إلى محاكاة تكراره ما بني عليه قريضة من الجناس الحرفي (وراجع ما تقدم من قولنا في هذا الصدد في الجزء الثاني عند الحديث عن أصناف الجناس السجعي وأول أجناسه الحرفي ص ٥٧٩ الطبعة الثانية- بيروت ١٩٧٠).
In somer season when soft was the son
«في فصل الصيف، إذ صافية صارت الشمس».
I shope me in shrouds, as a shepherd were
«لثت على ثيابًا، كما لو راعي ثلة»
In habit as an hermit, unholy of works
«في لبس الناسك وبلا قداسة أعمال»
Went wide in this world wonders to here
«سعيت في الدنيا الواسعة، لأسمع العجائب»
стр. 1510
وفي كل سطر وقفة عند نصفه أو نحو ذلك. وأول حرف من المقطع المشبع عند أول السطر يتكرر مرتين أو أكثر. ويسمونه حرف البداية.
الترجمة قافية البداية ولكن هذا لا يستقيم في العربية لأن القافية تقفو. ويجوز أن نقول: روى البداية.
حرف السين (S) هو عماد الجناس في السطر الأول وحاكيناه بالصاد لقربها من السين وهي في فصل والصيف وصارت وصافية وهي ترجمة غير محكمة لقوله Soft أي ناعمة والصفو من النعومة قريب. وحرف الشين عماد السطر الثاني وحاكيناه بالثاء إذ الغرض بيان المجانسة لا الإتيان بنفس الحرف وحرف (R) المتكرر في السطر الثالث حاكيناه بالسين في «لبس الناسك الخ» وحرف (W) في السطر الرابع حاكيناه بتكرار العين في «سعيت في الدنيا الواسعة الخ».
والذي استعمله جرارد مانلي هوبكنز يسمونه «سبرنع رذم Sprung Rythm» أي الوزن الموثوب به وهو مع التجنيس استعمال ألفاظ مزدوجة التركيب في أسلوب شديد الشبه بأسلوب الازدواج العربي. مثلًا قوله في سياق به مدينة اكسفورد في الزمان القديم:
Towery city and branchy between towers
«مدينة أبراجية وأغصانية بين أبراج»
Cuckoo-echoing, bell-swarmed lark charmed rooi-racked, river-rounded
«أصدائية الصيدح، محشودة الناقوس، غريدة القبرة، مدفدفة الغداف، دائرة النهر»
أخذنا هذا المثال من الكتاب الموجز النفيس لأنطوني بيرغس من طبعته التي باسم جون بيرغس ولسون طبع لنجمان ١٩٥٨ ص ٢٢٥.
стр. 1511
ومن أمثلة إزرا باوند:
Bitter breast cares have I abided
«هموم صدر مرات مررت بها»
Known on my keel many a care's hold
«كم كلكلى معروفة عنده كانت قبضة هم»
And dire sea-surge ... .
«وسوء دفعة دفاع البحر»
عماد النظم ما سبقت الإشارة إليه باسم روى البداية head-rhyme أو حرف المطلع أو الجناس الحرفي أو الداخلي، وحاكيناه بتكرار الميم والراء والكاف والفاء والعين ويلاحظ أن بعضه في الأصل خطي لا ينطق به، حرف k في الكلمة Known مع keel. وعندي أن هذا الأسلوب المعتمد على الجناس الحرفي أو الداخلي قد أخذه الإفرنج من العرب في القرون الوسطى، إذ كانت لغة العرب هذا لغة الحضارة والعلم، كما هي لغة نماذج الأدب الرفيع شعره ونثره. وكان القرن الحادي عشر الميلادي زمان نهضة عند الإفرنج وإقبال شديد على الأخذ من العرب اتصل بالقرون التي بعده، وزادته الحروب الصليبية في المشرق والمغرب حدة وعمقًا. وكانت أساليب البديع في النظم والنثر هن النماذج المقدمة.
ومن البديع لزوم ما لا يلزم في قوافي الشعر، ومن أغرب ما جاء من ذلك التزام حرف بعينه في أول البيت وفي الروى ونظموا على ذلك القصائد الطوال كالوتريات التي سنذكر من شأنها في باب المديح النبوي من بعد إن شاء الله -كقوله:
سلام سلام لا يحد انتشاره ... على من له نور يزيد على الشمس
فالسين هي حرف البداية وحروف الروى. وأحسب أن ما قويت عليه العربية في
стр. 1512
هذا الباب لم تكن لغات الإفرنج تقوى عليه، ولكنها كانت تطلب محاكاته بشيء يدنو من مذهبه. وقد راجت مقامات الحريري ببديعها وعرفت من أقصى دار الإسلام شرقًا إلى أقصاها غربًا. وتأمل النماذج التي مرت بك من وليم لانجلاند وهوبكنز وإزرا باوند في ضرب هذا الجناس الداخلي أو الحرفي. ووازن بين ذلك وأمثال قول الحريري في إحدى مقاماته وأمثالها عنده كثير:
وأحوى حوى رقي برقة ثغره ... وغادرني ألف بالسهاد بغدره
تصدى لقلبي بالصدود وإنني ... لفي أسره مذحار قلبي بأسره
وقوله من أخرى:
آليت لا خامرتني الخمر ما علقت ... روحي بجسمي وألفاظي بإفصاحي
ولا اكتست لي بكاسات السلاف يد ... ولا أجلت قداحي بين أقداحي
ولا صرفت إلى صرف مشعشعة ... همي ولا رحت مرتاحًا إلى راح
ولا نظمت على مشمولة أبدًا ... شملي ولا اخترت ندمانًا سوى الصاحي
وقال المعري وكان من المشهورين وكأن فردريك الثاني الإمبراطور قد أخذ منه قولته المشهورة في الديانات: «أتى عيسى فأبطل دين موسى الأبيات» - قال:
خوى دن شربٍ فاستراحوا إلى التقى ... فعيسهم نحو الطواف خوادي
وله في الديك:
أياديك عدت من أياديك صيحة ... بعثت بها ميت الكرى وهو نائم
وهذا الضرب كثير في شعره وإليه نظر الحريري وغيره ومن أجوده في سقط الزند:
سارت فزارت بنا الأنبار سالمة ... تزجى وتدفع في موج ودفاع
стр. 1513
وكأنه هنا ينظر إلى قول أبي الطيب:
وكرت فمرت في دماء ملطيةٍ ... ملطية أم للبنين ثكول
وللحريري في المقامات من المنثور قائلًا: «فتذمرت المرأة وتنمرت وحسرت عن ساعدها وشمرت وقالت له يا الأم من مادرٍ وأشأم من قاشرٍ وأجبن من صافرٍ وأطيش من طامر».
وله في أخرى في صفة الدهر «كم طمس معلمًا وأمر مطعمًا وطحطح عرمرما ودمر ملكًا مكرمًا همه سك المسامع وسح المدامع وإكداء المطامع وإرداء المسمع والسامع».
والعربية تستطاع فيها ضروب من الجناس الداخلي مع السجع وبدونه، في النثر والنظم جميعًا وأصناف أخر من البديع مثلهن لا يقدر على مثله إلا فيها نحو:
لا تبك إلفًا نأى ولا دارا ... ودر مع الدهر كيفما دارا
واتخذ الناس كلهم سكنا ... ومثل الأرض كلها دارا
واصبر على خلق من تعاشره ... وداره فاللبيب من دارا
وهذه الأصناف -مع رواجها على زمان البديع عند المحدثين من الشعراء والكتاب- أصيلة في العربية من شواهد أصالتها مثلًا قول زهير:
إذا لقحت حربٌ عوانٌ مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل
وقد مر الاستشهاد به وقول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وقول امرئ القيس:
وسنٍ كسنيقٍ سناء وسنما ... قطعت بمدلاج الهجير نهوض
стр. 1514
وزعم أبو عمرو أن هذا البيت مسجدي أي صنعه المسجديون بالبصرة، وما أشبه هذا أن يكون صوابًا، وإنما نستشهد بهذا البيت بقصد الإشارة إلى قدم هذا النوع من تكرار الحروف، وأبو عمرو بن العلاء ومسجديوه كلاهما شيء قديم.
وقال الشنفري في التائية:
فبتنا كأن البيت حجر فوقنا ... بريحانةٍ ريحت عشاء وطلت
وله في اللامية المنسوبة إليه:
دعست على غطش وبغشٍ وصحبتي ... سعار وارزيز ووجرٌ وأفكلٌ (١)
وقال ذو الرمة يصف الجندب:
معروريا رمض الرضراض يركضه ... والشمس حيرى لها بالجو تدويم
وله:
هنا وهنا ومن هنا لهن بها ... ذات الشمائل والإيمان هينوم
وقال تعالى جل من قائل: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقال تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ وقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ وهذا باب واسع قد مر تفصيل منه في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
стр. 1515
وقال أبو يصير:
شاوٍ مشلٌّ شلولٌ شلشلٌ شول
وقد يعاب هذا من قوله وعندي أنه مما أحسن فيه لحكايته صوت الشواء واللامية التي منها هذا البيت مما رواه الأولون واختاروه فتأمل. وقال لحارث بن حلزة في المعلقة:
فرياض القطا فأودية الشر ... بب فالشعبتان فالإبلاء
وقال أبو العلاء وهو من إحسانه:
صحبت كرانا والركاب سفائن ... كعادك فينا والركائب أجمال
وقد أكثر المحدثون من الجناس الحرفي في بديعهم ولهم فيه محاسن كهذا البيت ذي الكافات من أبي العلاء وكقول النواسي:
ولك أدر من هم غير ما شهدت به ... بشرقي ساباط الديار البسابس
وقال أبو الطيب:
ودون سميساط المطامير والملا ... وأودية مجهولة وهجول
وقال البحتري:
أتسلي عن الحظوظ وآسىى ... لمحل من آل ساسان درس
وعيب على مسلم قوله:
سلت وسلت ثم سل سليلها ... فغدا سليل سليلها مسلولًا
ولعله أراد نوعًا من الهزل وكذلك صنع حبيب حيث قال:
الله لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضا
стр. 1516
وهو بعد القائل:
ما ربع مية معمورًا يطيف به ... غيلان أبهى ربًا من ربعها الخرب
ولا الخدود وإن أدمين من خجل أشهى إلى ناظرٍ من خدها الترب
تأمل الراء والباء والميم والدال حيث وضعهن. وبعض هذا لو وقع عند ضرب إزرا باوند لتاه به وفي مقامات الحريري من رقطاء وسمرقندية وشعرية وغير ذلك أصناف من هذا وقد التزموا في المقامات والشعر ما لا يلزم. فالذين يظنون أنهم يجددون أخذًا عن الإفرنج باستعمال الجناس الداخلي إنما يردون إلينا بضاعتنا مزيفة.
قال جيفري بريرتون Geoffrey Brereton في كتاب له اسمه ASHORT HISTORY OF FRENCH LITERATURE طبع بنجوين ١٩٥٨ إلى ١٩٦٤ م ما معناه في الصفحة ٢٧ (ترجمة اسم الكتاب، مختصر في تأريخ الأدب الفرنسي): («الشعر الليريكي» أصله الأغنية، وبالنسبة إلى أكثر أوروبا الغربية كان اختراع الأغنية من اختراع الطروبدوريين بلغة الليان الجنوبي وهؤلاء بدورهم ربما كانوا قد تعلموا فنهم من عرب الأندلس، أم لعلهم حوروا نماذج لاتينية لما يناسب أغراضهم مما كان مألوفًا لديهم خصوصًا في أناشيد الكنيسة) وغير خاف أن هذه الفكرة الثانية أضعف من الأولى في تقدير المؤلف بحسب سياق كلامه ونصه كما يلي:
Lyric poetry originates in song, and for most of Western Europe the song was invented by the troubadours of the langue d'oc. They in their turn may have learnt their art from the Spanish Arab poets, or they may simply have adapted to their needs the Latin models with which they were familiar particularly the hymns and the chants of the Church.
وشعر الطروبدوريين فيه القافية وهي أمر عربي لا لاتيني. ثم إن أمر درس
стр. 1517
اللاتينية لم يلحقه التجويد إلا بعد القرن الحادي عشر ولذلك احتاج الكاتب إلى أن يحصر الأخذ عنه مما كان يسمع في أناشيد الكنائس. ونظرية التأثر بنشيد الكنيسة ضرب من فرار عن بيان الحقيقة قديم. ولم يعد الكاتب ههنا مجرد الاحتراس بذكره وقد ذكره بتمريض يدل عليه قوله «simply» وشتان ما بين أناشيد الكنيسة اللاتينية آنئذ وما بين شهر الطروبدوريين في حرارة معانيه وبراعة أسلوبه ومدى تصنيعه وقد جزم السير وليم جونز Sir William Jones المستشرق الكبير (١٧٤٦ - ١٧٩٤) في رسالة له عن الشعر الشرقي يأخذ هؤلاء من إسبانيا العربية.
وذهب إلى ذلك أيضًا الكاتب الفرنسي ستندال في رسالته عن الحب، وقد كان على العربية إقبال مجدد بين أفذاذٍ من طبقات أهل الفكر الأوروبيين في القرن الثامن عشر الميلادي ومن بعد كما لا يخفى (١) على أن مقامات الحريري من بين سائر أصناف البديع العربي مما ذاع وطبقت شهرته الآفاق. وإقبال الإفرنج الأول على الترجمة من العربية والأخذ منها قد كان أوجه في القرن الحادي عشر والثاني عشر إلى الثالث عشر والرابع عشر وكل أولئك عصور ازدهر فيهن البديع العربي بالمشرق والمغرب في الأندلس وشمال أفريقية وحيث كان العرب في صقلية وجنوب إيطاليا وقد كان بعض المترجمين من العربية ربما انتحلوا ذلك لأنفسهم ونسبوه إلى مؤلفين من اليونان القدماء وهميين ولعل الخوف من أن يتهموا عند الكنيسة بالهرطقة قد كان من بعض أسباب ذلك.
هذا ونعود إلى ما كنا قدمناه في معرض حديثنا عن غرابة أوزان:
هل بالديار أن تجيب صمم
وكلمة عبيد:
أقفر من أهله ملحوب
стр. 1518
وكلمة سلمى بن ربيعه:
إن شواءً ونشوةً ... وخبب البازل الأمون
وما أشبه ذلك، وما قلنا به من أن إدراك حقيقة إيقاعهن يتم بالغناء والترنم.
فلا تستبعدن هذا. وما كل ما تكاد أذواقنا تنبو عنه من إيقاع القدماء عن جهل بمعدنه هو حقًّا ناب. وضروب التجديد الحديث مما يزيفها أنها لا تصلح للنشيد والترنم، وهذا باب ربما عدنا إلى بعض التفصيل فيه في موضعه إن شاء الله.
الإيقاع الخارجي:
نعني به الغناء والترنم وهو في كل الشعر أصل. قال أبو نصر الفارابي في كتاب الموسيقي الكبير: «إن الصناعة الشعرية هذا رئيسة الهيئة الموسيقية وأن غاية هذه تطلب غاية لتلك» أ. هـ. هذا القول يدل على ما قدمناه من أن الغناء والترنم أصل بالنسبة إلى الشعر إذ معنى كلمة أبي نصر هذه أن غاية الموسيقا وأكبر آرابها أن تكون النهاية والذروة للشعر. مؤاخاة الألفاظ بوزن البحر والقافية وأصناف الإيقاع الداخلية، كل ذلك هو الخطوة الأولى والخطوة الثانية التوقيع الترنمي الموسيقي الذي من طريقه يكتمل التعبير الشعري.
قد كانت للعرب في الجاهلية طريقة غناء وتجويد في ذلك بدليل كثرة ما جاء من الإشارة إلى ذلك في أشعارهم، كقول الأعشى:
ولقد أغدو على ذي عتبٍ ... يصل الصوت بذي زيرٍ أبح
وقال سلامة بن جندل فيما له روى له غير المفضل:
وعندنا قينه بيضاء ناعمة ... مثل المهاة من الحور الخراعيب
стр. 1519
وقال طرفة في المغنية:
إذا رجعت في صوتها خلت صوتها ... تجاوب أظئارٍ على ربعٍ ردى
يعني شجنها وتحزينها في صوتها.
وذكر أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط في كتاب القوافي أن القصيد كانت تتغنى به الركبان. والغناء أعون على الحفظ بلا ريب يدلك على ذلك كثرة ما يحفظ الناس منه في كل أمة. والطاعنون على رواية العرب يغفلون عن هذا من أمرها كغفلتهم عما كتب وحفظ في خزانات الملوك. ولعمرك أكثر أغاني ألعاب الأطفال إنما يحفظها تناقل الصغار أنغام ترنماتها الأجيال الطوال. وقد سبقت منا الإشارة إلى قول سيبويه في باب وجوه القوافي في الإنشاد «وإنما الحقوا هذه المدة في حروف الروى لأن الشعر وضع للغناء والترنم». أ. هـ. ومما يحسن ذكره في هذا الصدد مما جاء في هذا الباب من كتاب سيبويه، أن نحو
أقلى اللوم عاذل والعتابن
مما تقع فيه النون التي يقال لها نون الترنم في كتب النحو إنما كان يجيء بمثل هذه النون بعض العرب حين لا يترنمون، كأنهم يشيرون إلى أن حقه أن يترنموا به ولكن أمرًا دعاهم إلى أن يجيئوا به كلامًا بلا تغن.
وزعم ابن جني في الخصائص (راجع طبعة دار الكتب بتحقيق النجار ﵀ ج ١ ص ٦٩ - ٧٠) أن أصحابه، يعني النحويين على رأسهم سيبويه ونحاة البصرة، غفلوا عن وقف الشعر عند نهايات صدور الأبيات قال:
«ألا ترى إلى قوله:
أني اهتديت لتسليم على دمنٍ ... بالقفر غيرهن الأعصر الأولو
وقوله:
كأن حدوج المالكية غدوتن ... خلايا سفينٍ بالنواصف من ددى
стр. 1520
وقوله:
فمضى وقدمها وكانت عادتن ... منه إذ هي عردت إقدامها
وقوله:
فوالله ما أنسى قتيلًا رزئتهو ... بجانب قوسى ما مشيت على الأرض
وقوله:
ولم أدر من ألفى عليه رداءهو ... على أنه قد سل عن ماجد محض
وأمثاله كثير، كل ذلك الوقوف على عروضه مخالف للوقوف على ضربه ومخالف أيضًا لوقوف الكلام غير الشعر، ولم يذكر أحد من أصحابنا هذا الموضع في علم القوافي وقد كان يجب أن يذكر ولا يهمل» أ. هـ. وأحسب أن ابن جني قدوهم ههنا لأن أصحابه قد ذكروا ما ظنهم أهملوه، فقد ذكر سيبويه أن أهل الحجاز إذا لم يترنموا جاءوا بالشعر على مثل هيئته في الترنم وأن ناسًا كثيرًا من بني تميم يجيئون بالنون في حالة عدم الترنم في حالي ما يكون منونًا وغير منون وأن غير هؤلاء يجيئون بالشعر إذا لم يترنموا كأنه كلام. فالذي سماه ابن جني وقفًا في الشعر دون سواه هو الذي عليه لغة أهل الحجاز، وليس كل ما ذكره ابن جني ونعته بالوقف هو حقًّا وقف (فدمن) التي صدر بيت القطامي ليست بموضع وقف كلا ولا (عادتن) في بيت لبيد ولا (غدوتن) التي في بيت طرفة وسكت سيبويه عن الناس الكثير من بني تميم كيف يصنعون عند عروض البيت، وجلى أن هؤلاء ما كانوا ليتركوا التنوين في العروض إن كان فيها أصيلًا، وقد جاءوا به مجلوبًا في القوافي كقولهم:
يا أبتا علك أو عساكن
أقلى اللوم عاذل والعتابن
وأما الفرقة الثالثة فهؤلاء يقفون وقف الكلام بلا ريب، إذ هم قد استعملوه في
стр. 1521
القافية فقالوا: «أقلى اللوم عاذل والعتاب» وقالوا: «واسأل بمصقلة البكرى ما فعل» يريدون فعلًا، وضربٌ من هؤلاء قالوا:
يا دار عبلة بالجوا تكلم
بحذف الياء التي هذا ضمير، فهؤلاء ليسوا بمستنكفين أن يقولوا:
فأضحى يسح الماء حول كتفيه
بالوقف الذي في الكلام إذ هذا دون القافية في المنزلة. وقال سيبويه: «وأما الثالث فإن يجروا القوافي مجراها لو كانت في الكلام ولم تكن قوافي شعر، جعلوه كالكلام حيث لم يترنموا وتركوا المدة لعلمهم أنها من أصل البناء إلخ» قوله جعلوه أي جعلوا الشعر كالكلام.
هذا، وخبر إقواء النابغة يذكرونه كما تعلم مقرونًا بغناء القيان في يثرب. وسبق منا القول في معرض الحديث عن المتجردة أننا نرى رواية الإقواء أقوى في:
زعم البوارح أن رحلتنا غدًا ... وبذاك خبرنا الغداف الأسود
وليس الذي ذكروه من رجوع النابغة عنه فقال:
وبذاك تنعاب الغداف الأسود
يلزم أن نرويه فقد يرجع الشاعر عن شيء ثم يعاود النظر فيرجع إليه، فقد ذكروا أن ذا الرمة رجع عن قوله:
إذا غير النأى المجين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
فقال: «لم أجد رسيس الهوى»، ثم عاد إلى الإنشاد الأول وهو الصواب. وكان الإقواء كأنه مذهب لهم لكثرة ما جاء منه في جيادهم. قال عبدة بن الطبيب
стр. 1522
والعيس تدلك دلكًا عن ذخائرها ... ينحزن من بين محجون ومركول
والقصيدة مرفوعة الروى وعن أبي جعفر أحمد بن عبيد بن ناصح أحد شيوخ ابن الأنباري أنه روى «ينحزن منهن محجون ومركول» وهذا كأنه عمدوا فيه إلى تجنب الإقواء وليس عليه عمود الرواية وفي هذه اللامية صفة للشعر الجيدة والمغنية المحسنة التي تتغنى به، قال:
صرفا مزاجا وأحيانًا يعللنا ... شعر كمذهبة السمان محمول
تذرى حواشيه جيداء آنسة ... في صوتها لسماع الشرب ترتيل
وقوله محمول يؤيد قول الأخفش الذي قاله في غناء الركبان بالطويل والبسيط والمديد والوافر والكامل والرجز والخفيف أيضًا. ولامية عبدة هذه من المشوبات، إذ وصف فيها من عمل الجاهلية. ويذكر أن عمر ﵁ استحسن قوله:
والعيش شح وإشفاق وتأميل
وما كان عمر ليغضى عن ملامة ما جاء فيها من نعت الخمر والقينة إن كانت كلها إسلامية.
هذا ومن عجيب ما جاء في معلقة زهير قوله:
سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتم ... ومن أكثر التسآل يومًا سيحرم
وقوله:
وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده ... وإن الفتى بعد السفاهة يحلم
وليس ههنا إقواء، وإن صحت رواية هذين البيتين وذلك الذي ذهب إليه الزوزني وأحسبه الصواب، لأن قوله سألنا فأعطيتم مناسب لحديثه عما تحمله سيدا
стр. 1523
غطفان من الحمالات، حيث قال:
تعفي الكلوم بالمئين فأصبحت ... ينجمها من ليس فيها بمجرم
والأبيات التي فيها هذا المعنى، وقوله وإن أسفاه الشيخ من معدن حكمته، إن صحت رواية هذين البيتين فليس الذي فيهما الإقواء ولكن جزم الشاعر سيحرم في جواب الشرط والسين كأنها ملغاة وقد ذكر صاحب الكتاب حذف الفاء في أبعد من هذا وهو قول الشاعر:
بني أسد لا تنكعوا العنز شربها ... بني أسد من ينكع العنز ظالم
والفعل «يحلم» في البيت الثاني مجزوم على تقدير شرط لأن المعنى، إن يتحلم الفتى بعد السفاهة يحلم وليس هذا بأبعد من بيت الكتاب، لقيس بن الخطيم من قصيدته «أتذكر رسمًا كاطراد المذاهب» وهي محفوظة الروى:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
بخفض الباء، جعل سيبويه «إذا» ههنا جازمة. ولا ريب أن القصد إلى الترنم هو الذي سوغ للشاعر الجزم والروي المخفوض في هذه المواضع. وبيت قيس مروي في بائية الأخنس بن شهاب المفضلية المرفوعة الروى بإن الشرطية في أوله هكذا:
وإن قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى القوم الذين نضارب
قال ابن الأنباري: «قال ثعلب هذا البيت تتنازعه الأنصار وقريش وتغلب وزعمت علماء الحجاز أنه لضرار بن الخطاب الفهري أحد بني محارب من قريش» أقول: وبعض الأبيات مادته قديمة، فيتصرف فيه الشعراء، كقول امرئ القيس:
وقوفًا بها صحبى على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل
وقال طرفة:
وقوفها بها صحبى على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد
стр. 1524
وأدخل ابن الأثير نحو هذا في باب السرقات وسماه نسخًا وليس به عند التأمل وقديمًا قال امرؤ القيس:
عوجا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حزام
فهذا من بكاء الديار لعله كلام قديم مروي.
وكانت لعبد الله بن جدعان السيد القرشي مغنيتان عرفتا بالجرادتين وقد مر شيء من خبرهما وأحسبهما هما اللتان غنتا:
أقفر من أهله المصيف ... فبطن مكة فالغريف
يا أم نعمان نولينا ... قد ينفع النائل الطفيف
لا قينتا الجرهمي صاحب مكة الذي قدم عليه وفد عاد، والله أعلم.
على أن أبا العلاء قد أنكر أن تكون جرادتا الجرهمي هما اللتان تغنتا بهذا الصوت، قال في رسالة الغفران: «ومن الذي نقل إلى المغنين في عصر هرون وبعده أن هذا الشعر غنته الجرادتان، إن ذلك لبعيد في العقول وما أجدره أن يكون مكذوبًا» ثم ذكر المعري على لسان ابن أحمر أن العرب صارت تسمى كل قينة جرادة حملًا على أن قينة في الدهر الأول كانت تدعى الجرادة، قال الشاعر:
تغنينا الجراد ونحن شرب ... نعل الراح خالطها المشور
عني بالمشور العسل. ولعل القينات سموهن الجراد لأنهم كن يأخذن ما عند الشرب فيتركنهم جردًا من المال كما يترك الجراد مكان الزرع أرضًا جرداء، قال عبدة بن الطبيب في القينة:
تغدو علينا تلهينا ونصفدها ... تلقى البرود عليها والسرابيل
نصفدها (رباعي) أي نعطيها وهذا المعنى ذكره ابن الأنباري في تفسير هذا البيت ولم يذكره الفيروزأبادي في القاموس وجعل صفد الثلاثي وأصفد الرباعي بمعنى
стр. 1525
قيد وأوثق والصفد بالتحريك العطاء وكأن أبا الطيب نظر إلى هذا المعنى حيث قال:
وقيدت نفسي في ذراك محبةً ... ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدًا
وقال عبد يغوث الحارثي في نحو المعنى الذي ذهبنا إليه من جرادية القينات:
وأنحر للشرب الكرام مطيتي ... واصدع بين القينتين ردائيًّا
وجرادتا الجرهمي صاحب مكة يدل خبرهما على قدم أمر الغناء والقيان المحترفات وصناعة اللحون عند العرب، أصح هذا الخبر أم لم يصح لما يتضمنه من قدم الدلالة. وزعموا أن وفد عاد أقاموا عليهما ونسوا ما جاءوا له من السقيا ثم رفعت لهم سحابة العذاب.
وما كان أمر الغناء ليبلغ ما بلغ من الاتقان على أيام عبد الله بن جعفر ومعاصريه بالحجاز، وذلك في صدر دولة بني أمية، لو لم يكن لكل ذلك من أسلوب الجاهلية في هذا الفن سابقة. وقد قال القرشي:
إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... ورقاصة تجذو على حد منسم
لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم
وأمير المؤمنين هو سيدنا عمر ﵁.
وقد رووا عن سيدنا عمر نفسه أنه تغنى ببعض الشعر في أحد أسفاره وكان من نقاد الشعر ورواته.
ورووا لبلال ﵁ أنه لما أصابته الحمى بالمدينة كان ربما رفع عقيرته بالنشيد وكان ندى الصوت، فقال:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بمكة حولي إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنةٍ ... وتبدو لعيني شامة وطفيل
стр. 1526
وفي بعض ما قرأت أن أصله ﵁ كان من دنقلة ويؤيد هذا نعت الجاحظ له في الحيوان بأنه نوبي وكان جد الجاحظ من السودان مولى للنسأة من بني كنانة أهل مكة فلعله كان نوبيًّا أو بجاويًّا وكل أولئك مما يطلق عليه لفظ الحبش كما يطلق على الحبش لفظ السودان.
وكان الغناء قد احكم كل الإحكام على أيام بني أمية ومدار كتاب الأغاني كله على الأصوات المائة المختارة مما أكملت صناعته على زمانهم وكأنما أراد به إحياء مآثرهم وكان أموي النسب، وكان يتشيع فالله أعلم أكان منه تقية أم تقوى.
هذا الفن العظيم الذي حفظت لنا منه أسماء معبد والغريض وابن سريج ثم من بعد في دولة ابن العباس أسماء الموصليين إبراهيم وابنه إسحق ومن بيت الخلافة والخلفاء إبراهيم بن المهدي والواثق بن المعتصم ومن أهل الصناعة أمثال زلزل وبنان ومخارق وزنام، قال البحتري:
وعود بنان حي ساعد شدوه ... على نغم الألحان ناي زنام
ومن النساء سلامة القس وحبابة التي هام بها يزيد بن عبد الملك ومن بيت الخلافة العباسية علية بنت المهدي وسوى هؤلاء كثير ... هذا الفن العظيم كان تتمة الشعر وغايته وغير منفصم عنه. وقد ضاع كله فلم يبق منه لدينا الآن شيء إلا ما عند أصحاب الطرق الصوفية مما خص به نشيد التعبد والأذكار. ولا يخفى أن هذا جزء صغير جدًّا منه. وهذا الجزء الصغير جدًّا هو الذي به عرفنا نحن في عصرنا هذا شيئًا من طبيعة الشعر القديم.
المشايخ العلماء كانوا يعرفون ألحان الصوفية ويترنمون بها في الأذكار والمدائح النبوية. ومن طريقهم عرف رنين إيقاع الشعر أول الأمر في عصرنا هذا الحديث. جيل البارودي وتلاميذه ومعاصروهم في مصر وغيرها من بلاد المسلمين سمعوا نشيد الصوفية وأهل الطرق وتأثروا به وأثر في إيقاعهم ورنين نظمهم. وقد تعلم أن
стр. 1527
البارودي جاري البردة وكذلك صنع شوقي وجاري همزية البوصيري وهمزية الشهاب. ومن هذا الباب عمرية حافظ التي صاغها على بحر كلمة البرعي «بانت عن العدوة القصوى بوادية» ورويها. والقصائد التي تلقى في عيد رأس السنة الهجرية، على ما خالطها من روح «العلمانية» العصرية وأماني القومية العربية، معدنها من شعر المديح النبوي. وكان لرسالة المرحوم أحمد حسن الزيات عدد ممتاز للهجرة تنشر فيه نخبة صالحة منها. وأحسب أن أغاني أم كلثوم في نهج البردة ما كانت منها إلا محاولة تجديد «مدنية» لطريقة الترنم الصوفي القديم. وقد أعجب بأسلوبها كثيرون. وإنما كان صدى باهتًا من الأصالة المفقودة. (ولنا إلى هذا عودة من بعد إن شاء الله). كلما ابتعد الشاعر المعاصر من التأثر بسماع الإيقاع الأصيل الصافي العتيق أو قل بسماع شيء من البقية التي قد أسأرها الزمن منه، كان نظمه فاترًا خابي وقدة الرنين والإيقاع، أو كدر الصياغة كل الكدر، لا ديباجة له. لعل أكثر ما نظم خليل مطران من هذا الضرب، ولئن كان صاحب:
Lay your knife and fork across your plate
«ضع السكين والشوكة من فوق على صحتك»
ربما اتفق له البيت المستقيم بعد طول الكد والمحاولة وإدمان القرع فكذلك قد يتفق لخليل مطران نحو قوله:
ثاو على صخر أصم وليت لي ... قلبًا كهذي الصخرة الصماء
وهو بيت مفرد في كلمته التي يقول فيها:
إني أقمت على التعلة بالمنى ... في غربة قالوا تكون دوائي
إن يشف هذا الجسم طيب هوائها ... أيلطف النيران طيب هواء
أو يمسك الحوباء حسن مقامها ... هل مسكة في البعد للحوباء
стр. 1528
ولا يخفى ما يخالط هذه الصياغة من عجمة وعمل
وإنما ضربنا خليل مطران مثلًا لندل على أن الوزن وسهولة اللفظ ونظم المعاني، كل ذلك لا يتأتى منه الشعر. وإنما يتأتى الشعر من التحام نغم القلب بنغم الكلام وبالبيان وجمال الفن، كل أولئك معًا، وإن يك بعض هذه سابقًا لبعض بسبق مثل سبق العلة للمعلول. وإنما نقول «مثل سبق العلة للمعلول» احتراسًا ممن عسى أن ينكر العلة والمعلول.
وقال ميخائيل نعيمة في بعض ما قال:
كحل اللهم عيني بشعاع من ضياء كي تراك
في جميع الخلق في دود القبور
في نسور الجو في موج البحور
في صهاريج البراري في الزهور
في الكلا في التبر في رمل القفار
في قروح البرص في وجه السليم
في القاتل في نجع القتيل
في سرير العرس في نعش الفطيم
في يد المحسن في كف البخيل
في فؤاد الشيخ في روح الصغير
في ادعا العالم في جهل الجهول
في غنى المثرى وفي فقر الفقير
في قذى العاهر في طهر البتول
وإذا ما ساورتها سكتة النوم العميق
فأغمض اللهم جفنيها إلى أن تستفيق
стр. 1529
نسق ميخائيل نعيمة اثني عشر سطرًا كل منها مبدوء بفي وفي وسطه في، ولو كان قال:
كحل اللهم عيني بشعاع من ضياء كي تراك
وإذا ما اورتها سكتة النوم العميق
فأغمض اللهم جفنيها إلى أن تستفيق
لكان مقاله من قبيل الشعر نوعًا ما وربما أخذ الآخذ عليه بعض الهنات في اللغة كوصل همزة القطع ثم جعله النوم سكتة وليس عند أكثر الناس بسكتة إذ معه النفس. وقد يرتفع فيكون منه النفخ ومنه الغطيط، قال امرؤ القيس:
يغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتال
ولعل ميخائيل نعيمة أراد تشبيه النوم بالموت فجعله سكتة، يتوسع بذلك على بعده، ثم أتبعه قوله «فأغمض اللهم جفنيها» لأنهم يتحدثون عن الميت أن من البر به إغماض جفنيه حتى لا يموت وهو شاخص الطرف. وقوله «ساورتها سكتة النوم» بعيد في معنى النوم قريب في معنى الموت الذي يكون بسكتة القلب وتشبيه النوم بالموت قدم مألوف غير أن الغريب حقًّا قوله: «فإذا ساورتها ... فأغمض اللهم جفنيها» ولا يصح نحو هذا المقال إلا لمن كان شديد الأرق قلقًا إلى النوم ولا يجيئه، ولا يستطيع إليه سبيلًا إلا بوسيلة من تخدير. وأستبعد أن يكون أراد هذا المعنى، والله أعلم.
أما نسقه أربعًا وعشرين شبه جملة مبدوءة بفي، فإن كان يريد به استقصاء التأمل والتعمق والانتساب إلى سعة من خيال، فإنه حقًّا ما عدا به ضربًا من التعداد والإحصاء، وإذ لم يقصد به إلى الإحصاء، كما يصنع مثلًا من يقول:
هاك حروف الجر وهي من إلى إلخ
стр. 1530
فإن الذي أصابه وجاء به قعقعة ألفاظ ليس وراءهن طائل. ثم في بعض التعداد الذي عدده فساد في المعنى. لماذا يسأل الله أن يجعله يراه في يد القاتل في نجيع القتيل، أليس إن سأل الله أن يكفيه شهود مثل هذا المكروه كان ذلك أشبه بالإخبات إلى الله والعبادة المخلصة له؟ أم لله حسب أن ههنا ضربًا من التصوف بوحدة الوجود؟ فإن أول ما يطلبه المتصوف من ربه العفو والعافية والمعافاة ويعوذ به من الكبر والشرك والشيطان الرجيم؟ ثم كيف يرى الله في كف البخيل، وما في كف البخيل إلا الشيطان؟ ثم كيف يكون العالم مدعيًّا والادعاء والعلم متناقضان؟ يريد أن يقول برؤية الله في كل شيء، ولكن الله لا يكون في ذلك الشيء تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا وإنما يكون في قلب المؤمن وسمعه وبصره، فإذا رأى رأى به وإذا سمع سمع به، لا سمعه في كذا ورآه في كذا ... ثم يجيء بعد حرف الجر ما شئت من إحصائية حسابية لا تمت إلى الشعر أو إلى الفكر أو إلى عمق الشعر والوجدان بكبير شيء. والمعاني الصوفية من كثرتها وكثرة تناول الناس لها كأنها ملقاة على قارعة الطريق، ومن تناولها فلم يصدر بها عن إيقاع قلبها لم يبلغ بها من مقاصد البيان الحق مبلغًا. ومن كان له قلب عامر بإيقاع الوجد وحرارة الشعر أطاعه تأثير معاني الصوفية حتى حين لا يقصد إلا إلى ظاهر ألفاظهم يستعمله على مذهب التظرف والافتنان البياني- كقول أبي تمام:
أفيكم فتى حيٌّ يخبرني عني ... بما شربت مشروبة الراح من ذهني
ويعجبني قول عبد الرحيم البرعي ﵁:
أحيباب قلبي هل سواكم لعلتي ... طبيب بداء العاشقين خبير
فجودوا بوصل فالزمان مفرق ... وأكثر عمر العاشقين قصير
وقال الجاحظ: «وأنا رأيت أبا عمرو والشيباني وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين ونحن في المسجد يوم الجمعة أن كلف رجلًا حتى أحضره دواة وقرطاسًا حتى
стр. 1531
كتبهما له وأنا أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعرًا أبدًا، ولولا أن أدخل في الحكم بعض الفتك لزعمت أن ابنه لا يقول شعرًا أبدًا وهما قوله:
لا تحسبن الموت موت البلى ... فإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موت ولكن ذا ... أفظع من ذاك لذل السؤال
وذهب الشيخ إلى استحسان المعنى، والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع وجودة السبك فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير. وقد قيل للخليل بن أحمد مالك لا تقول الشعر قال الذي يجيئني لا أرضاه والذي أرضاه لا يجيئني، وقيل لابن المقفع مالك لا تجوز البيت والبيتين والثلاثة، قال إن جزتها عرفوا صاحبها فقال له السائل وما عليك أن تعرف بالطوال الجياد، فعلم أنه لم يفهم عنه». أ. هـ.
ومات سقنا حديث الجاحظ هذا، وهو مشهور عنه، تداولته الكتب وقل ناقد لم يستشهد به كله أو ببعضه، إلا بالتنبيه على تقديمه ما سماه «إقامة الوزن» وكأن الأصناف اللواتي ذكرهن من بعد فروع من هذه الإقامة: تخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء إلخ. ولعلك أيها القارئ الكريم تسأل فلم أخر صحة الطبع وهي أصل، إذ لا يصدر الوزن إلا عن ملكة وعن طبع. وعندي أن الجاحظ إنما جاء بكلامه على التشبيه بالصناعة كما وضح ذلك في آخر كلامه. وأصل تشبيهه مأخوذ من صناعة عمل السيوف. وما أراه قصد إلى السيف إلا أنه كان يذكر مع القلم ويذكر القلم معه، وصاحب الشعر على زمان الجاحظ كان صاحب قلم. والسيف يختار حديده ويطبع الطبع الجيد الصحيح حتى لا يكون كهاما ويسبك السبك الأصيل وهلم جرا. ثم متى تم صقله كان كثير الماء ظاهر الرونق والسيوف مما تنعت بشبه الماء وبشبه النار. قال الشنفري:
стр. 1532
إذا فزعوا طارت بأبيض صارم ... ورامت بما في جفرها ثم سلت
حسام كلون الملح صاف حديده ... جراز كأقطاع الغدير المنعت
وقال مزرد بن ضرار في جودة المعدن والطبع وأصالة الحديد:
سلاف حديد ما يزال حسامه ... ذليقا وقدته القرون الأوائل
حسام خفي الجرس عند استلاله ... صفيحته مما تنقي الصياقل
وقال أبو ذؤيب:
وكلاهما في كفه يزنية ... فيها سنان كالمنارة أصلع
وكلاهما متوشح ذا رونق ... عضبا إذا مس الضريبة يقطع
وقال أبو الطيب:
وفي أكفهم النار التي عبدت ... قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم
هندية أن تصغر معشرًا صغروا ... بحدها أو تعظم معشرًا عظموا
أفردنا الوزن من العناصر الأربعة التي ذكرناها أولًا لأهميته ولأنه خاصة الشعر الكبرى التي، كما قدمنا، توشك أن تكون فصلًا، إذ الكلام لا يكون شعرًا بلا وزن وليس معنى هذا أنه بالوزن يكون شعرًا ضربة لازم. وزعم كلردج، الشاعر الإنجليزي الرومنتكي والناقد أيضًا، أن الوزن ليس بشرط في الشعر ولكن هذا قول قاله على وجه من الفلسفة ونأمل أن نذكره من بعد إن شاء الله. وسنأخذ الآن في تفصيل الحديث عن العناصر الثلاثة وهي الصياغة وطريقة التأليف ونفس الشاعر ونعود فنكرر التنبيه إلى انهن مع الوزن كل واحد، وإنما نتناول كل عنصر منهن من أجل التوضيح وزيادة التأمل وربما كان أقوى وأوضح في التأمل أحيانًا كثيرة أن نذكرهن كلهن معًا أو ثلاثة عناصر منهن أو عنصرين حسب ما يدعو إلى ذلك من حاجة البيان.
стр. 1533
الصياغة:
يندرج تحت مدلولها الوزن واللفظ والمعنى وطريقة التأليف. أما الوزن فقد سبق الحديث عن عروضه وقوافيه وهو خاصة الشعر الكبرى، وهو عنصر قائم بنفسه ودخوله في الصياغة منشؤه من أنه لا يستطاع فصله عنها. وأما اللفظ فهو أداة البيان وسبيله وقد فصلنا الحديث عن معالجة الشعراء وتناولهم لضروب جناسه وطباقه وموازنته وألوان جرسه وسجعه وترصيعه وتقسيمه، هو جزئي في المفردات وفي الحروف، وكلي في التراكيب والأبيات والقصائد، وبعض الكليات جزئيات بالنسبة إلى ما فوقها في الدرجة كالتركيب بالنسبة إلى القصيدة وإلى البيت والأبيات. قول أبي تمام: «أين» وقوله «الرواية» وقوله «النجوم» وقوله «أم» وقوله «ما» كل ذلك جزئيات من قوله الكبير:
أين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
وهذا القول الكبير نصفه الأول كلي بالنسبة إلى الكلمات التي تقدمت، وهذا النصف جزئي بالنسبة إلى البيت كله والبيت كله جزء من تمهيد أبي تمام الساخر بالتنجيم من حيث بدأ فقال:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب
إلى آخر ما قاله في هذا المعنى.
وكل ذلك من تمهيده الساخر جزء من القصيدة وهي كل بالنسبة إليه. نقول هذا القول لأنا ننكر ما يزعمه بعضهم من أن كل بيت في القصيدة مستقل بنفسه لا يربطه بكل القصيدة من رابط غير الوزن والقافية، ونرى، وسنبين ذلك إن شاء
стр. 1534
الله، إن كل كلمة من بيت الشعر جزء منه وهو جزء من القصيدة، وكل ذلك أمر واحد ليس بعضين مفترقات، إلا حين يكون الشاعر نفسه ضعيفًا كالذي قالوا فيه:
وشعر كبعر الكبش فرق بينه ... لسان دعي في القريض دخيل
والمعنى قرين اللفظ وذلك أن اللفظ من أجل المعنى أصل استعماله، وإن شئت فقل اللفظ شكل والمعنى مضمون، وهذان اصطلاحان دائران الآن، وقد استعيرا وترجما من قولهم form وقولهم content (كنتنت) وما يرادفهما من مصطلحات الفلسفة في الفرنسية واللغات الأوروبية الأخرى. وقولهم في الإنجليزية form في الاصطلاح الفلسفي (نطقها فورم) يدل على هيئة الشيء ومظهره. وقولهم content (كنتنت) يدل على كنهه وجوهره ومحتواه وما أشبه. وسنعرض ما استطعنا عن استعمال هذين اللفظين لما نعتقده من قلة غنائهما في ما نحن بصدده وما نراه من قلة الحاجة إلى استعمالهما حقًّا.
والمعنى منه المباشر المكافح كقول عمرو بن كلثوم في المعلقة:
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ومنه الذي يستفاد من السياق كقول عنترة:
نبئت عمرًا غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثةٌ لنفس المنعم
ومنه ما يكون جاريًّا على الحقيقة نحو قول زهير:
من يلق يومًا على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا
ومنه ما يكون جاريًّا على المجاز نحو قول طرفة:
وفي الحي أحوى سنفض المرد شادن ... مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد
ومنه الجزئي ومنه الكلي ومن الكلي ما هو جزئي بالنسبة لما فوقه درجة، كالذي مر من
стр. 1535
قولنا في اللفظ، وجزئيات اللفظ وكلياته متكاملات مع جزئيات المعنى وكلياته كما لا يخفى.
ومن المعنى الإيحاء. وبعض الإيحاء ضرب من المجاز، وقد نبه على ذلك علماء البلاغة، مثل قول جعفر بن علبة الحارثي.
فؤادي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق
وهذا أول أبيات جياد أوردها صاحب الحماسة، وهو مما يستشهد به في كتب البلاغة على الخبر الذي يراد به الإنشاء.
ومن الإيحاء محض يدخل منه في هذا الذي تقدم ويزيد كقول زهير:
قامت تراءى بذي ضال لتحزنني ... ولا محالة أن يشتاق من عشقا
وإنما تراءت لتشوق والحزن أخو العشق ولا سيما بعد أن يفوت وقت إمكان الانتفاع به وهو الشباب.
وكقول امرئ القيس:
نشيم بروق المزن أين مصابه ... ولا شيء يشفي منك يابنة عفزرا
أي حتى انهمال المزن وانهمال الدمع كالمزن لا يشفي من ذكرى هواك ومنه الكناية القريبة كقول الخنساء:
طويل النجاد رفيع العماد ... ساد عشيرته امردا
(إن جعلت الدال في الصدر خرمت أول العجز وهو أحب إلي وجعل الدال في أول العجز جيد بالغ) وهذا قريب مما يسميه البلاغيون المجاز المرسل، إذ هو تعبير عن الشيء بملابسه ورفعة العماد مع الشرف.
стр. 1536
ومنه الكناية البعيدة كقول الحارث بن خالد المخزومي وقد مر من قبل:
من كان يسأل عنا أين منزلنا ... فالأقحوانة منا منزل قمن
عني بذلك عائشة بنت طلحة في ما ذكروا.
ومنه الكناية التي هي رمز وقد مر قول عمرو بن قميئة في بعض استشهادنا من قبل:
قد سألتني بنت عمرو عن الـ ... أرض التي تنكر أعلامها
قالوا عني نفسه بقوله «بنت عمرو» ذكر ذلك شارح المفصل ابن يعيش. ومن الإيحاء الرمز كقول الأحوص الأنصاري:
ألا يا نخلة من ذات عرقٍ ... عليك ورحمة الله السلام
عني بذلك امرأة بعينها.
والرمز والكناية متقاربان، إلا أن الرمز أخفى، وطريقه أوسع، وأكثر ما تقع الكناية في الأسماء، قال النابغة الجعدي.
أكني بغير اسمها وقد علم الله خفيات كل مكتتم
ثم صار ذلك من باب الأدب، قال الآخر:
أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوأة اللقب
ومن الرمز كقول زهير وقد مر الاستشهاد به:
وقال الغواني إنما أنت عمنا ... وكان الشباب كالخليط نزايله
لمن طلل بالجزع عاف منازله ... عفا الرس منه فالرسيس فعاقله
فعنى نفسه وزمان شبابه بهذا الطلل كما ترى، ولا أحسب الرس والرسيس
стр. 1537
وعاقلًا على ما يظهر من أنهن أسماء مواضع يخلون من دلالة رمزية معنوية، ومن معاني الرس والرسيس الحمى وقد يشبه بهما بعض ما يعرض من حالات الحب.
ومن المعنى ما يكون سهلًا بسيطًا كقول المرقش:
سرى ليلًا خيال من سليمي ... فأرقني وأصحابي هجود
ومنه ما يداخله افتنان كقول المرار:
زارت رويقة شعثًا بعدما هجعوا ... لدمى نواحل في أرساغها الخدم
فقمت للزور مرتاعًا فأرقني ... فقلت أهي سرت أم عادني حلم
وكقول جعفر بن علبة الحارثي:
عجبت لمسراها وأني تخلصت ... إلى وباب السجن دوني مغلق
ألمت فحيت ثم قامت فودعت ... فلما تولت كادت النفس تزهق
ويخالط الافتنان ههنا وجدان أشد حرارة مما عند المرار.
ومن الإيحاء ما يلابس الغرض ومن أجله جيء بالغرض، كالتأبين، أي مدح الميت وتعداد مآثره الذي هو ظاهر غرض الخنساء ومرادها التعبير عن حسرتها وفجيعة قلبها وانفعاله بالأسى، فجعلت التأبين وسيلة للإيحاء به في قولها:
أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجريء الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيدا
طويل النجاد رفيع العماد ... ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدوا بأيديهم ... إلى المجد مد إليه يدا
فنال الذي فوق أيديهم ... من المجد ثم انثنى مصعدا
يكلفه القوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
стр. 1538
وكقول حارثة بن بدر الغداني يرثي زياد بن أبيه:
أبا المغيرة والدنيا مفجعةٌ ... وإن من غرت الدنيا المغرور
قد كان عندك للمعروف معرفة ... وكان عندك للنكراء تنكير
وكنت تغشى وتعطي المال عن سعة ... إن كان بيتك أضحى وهو مهجور
الناس بعدك قد خفت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الأعاصير
والأبيات مما اختاره أبو العباس في الكامل. قوله «إن كان بيتك أضحى وهو مهجور» أراد به قبره، ويجوز أن يكون قد أراد دار الإمارة، إذ لم يكن ابن زياد لحارثة كما كان أبوه.
وأما طريقة التأليف فقد سبق بعض الحديث عنها في مواضع كثيرة من أجزاء هذا الكتاب وفي الجزء الثالث عند الحديث عن قرض الشعر وشيطان الشعر وحالة الجذب وطريقة القصيدة وأشرنا في باب المبدأ والخروج والنهاية إلى ما كنا قبل قدمناه من أن استهلال الشعراء بالنسيب يراد به إحداث روح من الشجن والحنين وإلى ما قاله ابن قتيبة في الشعر والشعراء في المقدمة حيث ذكر أنه سمع بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ بذكر الديار ليجعل ذلك وسيلة إلى ذكر الأحباب فتهش له الأسماع «لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء» فلا يكاد يخلو أحد من أن يكون له بذلك سبب يتعلق به «حلال أو حرام».
وكأن عبارة ابن قتيبة: «حلال أو حرام» فتحت بابًا على مصراعيه لمن يقول بالفروئيدية في تأويل النسيب والمقدمة الطليلة ويفرع على ذلك من الأوهام ما شاء وكأن من يصنع نحو هذا حتى يغلو فيه غلوًّا شديدًا، يبغي بذلك أن يساير بعض ما عليه روح العصر عند النقاد الأوروبيين، ومن هؤلاء من يجيء بما يندى له الجبين في هذا الباب، كما فعل مثلًا الأستاذ جون كيري John Carey في كتابه عن John Donne جون دون الشاعر المعروف بتعمقه (١٥٧٣ م- ١٦٣١) (طبعة لندن ١٩٨١) حيث
стр. 1539
ذكر كلمة للشاعر براونغ (١٨١٢ - ١٨٨٩ Robert Browning) يذكر فيها سيره إلى لقاء محبوبته فقال:
The grey sea and the long black land;
And the yellow half-moon large and low,
And the startled little waves that leap.
In fiery ringlets from their sleep,
As I gain the cove with pushing prow,
And quench its speed I'the slushy sand.
وترجمة هذا على وجه التقريب وهو في صفة سير بقارب شراعي:
«البحر الرمادي اللون والبر الأسود ذو الطول
ونصف القمر الأصفر الكبير المنخفض
والأمواج الصغيرات المندهشات إذ تثب
وهي تهب من نومها في أشكال خويتمات ملتهبة
إذ أنا أصل إلى انحناءة المرسى بالخليج بدفعة مقدمة القارب
وأطفئ ظمأ سرعته في الرمل اللين الرطب».
علق الأستاذ كبري على هذا الوصف للرحلة المائية بقوله:
The speaker's anticipation colours his language. His expectation of finding the girl, startled out of sleep with disordered ringlets, affects the way he sees the waves around his boat; and the prow burying itself in the slushy sand relates frankly to the hardness of the male erection and the soft female wetness which receives it that one is half surprised to find it in a Victorian poem.
«صاحب هذا القول اكسبت آماله لغته بعض ألوانها، آماله أن يجد الفتاة وقد هبت من نومها مندهشة وخويتمات خصل شعرها مضطربة. آماله هذه قد تأثر بها
стр. 1540
نوع مرأى الأمواج كما رآها حول قاربه، ومقدمته التي تدفن نفسها في الرمل الطري لها شبه واضح بمعنى شدة إنعاظ الذكر ونعومة رطوبة الأنوثة التي تستلمه وإن المرء ليعجب أن يصيب مثل هذا التعبير في منظومة من العهد الفكتوري المتزمت» (الفكتوري نسبة إلى فكتوريا ملكة بريطانيا).
ولئن يك روبرت براوننغ قد تعمد أن يصبغ صفة سيره للقاء فتابه بلون جنسي أو اصطبغت هذه الصفة بتأثير عقله الباطن من دون تعمد بحت من جانبه هو، فإن القطعة التي أوردها الناقد من كلامه لا تعدو الكناية المهذبة، على نوع من بعد في ذلك، أما تعليقه هو فواضح لغة الرفت، وعلى تقدير أنه فيه مصيب، فإنه لا يعدو مجرد بعض المعاني الجانبية من تعبير برواننغ. وجودة بيان المبين أن يكون كثير المعاني الصائبة. وتقليل تلك المعاني وحصر مداها، ولا سيما على وجه رفثي، مما ينبغي أن يؤاخذ عليه الناقد الذي يفعل ذلك ويعاب.
ولربيعة بن مقروم الضبي أبيات في المديح جيدة، اختارها المفضل، خرج فيها ربيعة من الغزل إلى المدح خروجًا مقتضبًا، لو اتبعنا في تأويله نحوًا من هذا المذهب الذي ذهبه جون كيري في كلمات براوننغ لكان ذلك حقًّا أبدة، وهو قوله:
بانت سعاد فأمسى القلب معمودًا ... وأخلفتك ابنة الحر المواعيدا
كأنها ظبية بكر أطاع لها ... بحوملٍ تلعات الجو أو أودا
قامت تريك غداة البين منسدلًا ... تخاله فوق متنيها العناقيدا
وباردًا طيبًا عذبا مقبله ... مخيفًا نبته بالظلم مشهودا
أي فما عذبًا مخللًا نبات أسنانه بالبريق كأنه شهد أي عسل.
وجسرةٍ حرجٍ تدمي مناسمها ... أعملتها بي حتى تقطع البيدا
الجسرة الناقة القوية التي تتجاسر في سيرها وحرج بالتحريك أي فيها
стр. 1541
تقويس وضمور وطول على وجه الأرض، واصل الحرج الضيق ثم سمي به خشب يحمل عليه الموتى وفيه أحد يداب وامتداد ومعنى أصل اشتقاقه من معنى الموت وضيق القبر غير بعيد، ويدلك على أحد يدابه قول كعب بن زهير:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يومًا على آلة حدباء محمول
وقال المسيب بن علس يصف الناقة وشبهها بالنعامة:
صكاء ذعلبةٍ إذا استدبرتها ... حرجٍ إذا استقبلتها هلواع
قال ابن الأنباري عن أحد أشياخه والحرج سرير يحمل عليه الموتى شبهها به لطولها. وعن غيره أن الحرج الضامرة.
وقال امرؤ القيس:
فإما تريني في رحالة جابر ... على حرجٍ كالقر تخفق أكفاني
فالحرج ههنا أي حال الحرج. وروي بيت عنترة بالحرج وهو قوله:
يتبعن قلة رأسه وكأنه ... حرجٌ على نعش لهن مخيم
وما أرى إلا أنه تحريف والوجه:
على حدج لهن مخيم
والحدج أحد الحدوج: قال طرفة:
كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد
ويجمع أيضًا على أحداج وحدج بضمتين والحدج بكسر الحاء المهملة وسكون الدال المهملة. وفي طوال ابن الأنباري رواه على حرج بالراء، أعني بيت عنترة
стр. 1542
وذكر ابن سيده الحرج فذكر أنه مركب للرجال والنساء ليس له رأس وهذا يحتمل لما فيه من معنى الضيق وكأنه أريد به تفسير بيت امرئ القيس. وبيت عنترة في اللسان بالراء عن الأزهري ولكن بشرح لا يلزم منه أن المراد مركب من مراكب النساء ولا يبعد معه أن يكون محرفًا من حدج بالدال المهملة. وما ذهب إليه الزوزني في شرح بيت عنترة هو الوجه، أي كأن الظليم حدج، يتبعن قلة رأسه وكأنه هودج وكأن رأسه على سرير لهن عليه خيمة والنعش السرير المرفوع، وهذا أشبه، والله أعلم. ونعود إلى أبيات ربيعة بن مقروم الضبي:
وجسرة حرج تدمي مناسمها ... أعملتها بي حتى تقطع البيدا
كلفتها فرأت حقًّا تكلفه ... وديقة كأجيج النار صيخودا
في مهمه قذفٍ يخشى الهلاك به ... أصداؤه ماتني بالليل تغريدا
لما تشكت إلى الأين قلت لها ... لا تستريحين ما لم ألق مسعودا
ثم يأتي بعد ذلك هذا المدح الجيد البالغ الجودة.
ما لم ألاق امرأ جزلًا مواهبه ... سهل الفناء رحيب الباع محمودا
وقد سمعت بقوم يحمدون فلم ... أسمع بمثلك لا حلما ولا جودا
ولا عفافًا ولا صبرًا لنائبةٍ ... وما أنبئ عنك الباطل السيدا
أي لا أخبر قومي عنك كذبا ولكن مدحي لك صادق وقومه هم بنو السيد بن ضبة وافتخر بهم الفرزدق من بعد أنهم أخواله فقال:
بنو السيد الأشائم للأعادي ... نمتني للعلي وبنو ضرار
وفسره ابن الأنباري أنهم قوم الممدوح بنو السيد بن مالك بن بكر في أحد تفسيريه وعن أحمد بن عبيد بن ناصح إنهم قوم ربيعة وهو أشبه وأقوى إذ لا يحتاج أن ينسبه رهط الممدوح إلى كذب وهو يمدح سيدهم، اللهم إلا أن يكون يريد أن قومك
стр. 1543
يعلمونني صادقا فيما أقول، وهو وجه يحتمل على ضعف والله أعلم.
لا حلمك الحلم موجود عليه ولا ... يلفي عطاؤك في الأقوام منكودا
وقد سبقت بغايات الجياد وقد ... لا زلت عوض قرير العين محسودا
عوض بضم الضاد يراد بها التعبير عن الدهر، وكأن منها نفسًا في قولنا بالدارجة «عاد» بسكون الدال نجيء بها في درج الكلام.
هذا وموضع استشهادنا من هذه الأبيات الجيدة قوله في الغزل أنها كظبية بكر تتراءى لتفننه بشعرها الجثل المتدلي من عند تراقيها على متنيها كالعناقيد وتبسم له بثغرها العذب ذي الثنايا البراقة الشهدية ثم قال معتمدا على ما قدمه من ذكر البين وما يتضمنه من معنى الرحيل:
وجسرة حرج تدمي مناسمها ... أعملتها بي حتى تقطع البيدا
أي دع هذا ولنأخذ بمذهب الجد وهو إعمال الناقة الجسرة وجعلها حرجًا لأن مركب السفر فيه حرج وضيق ومشقة- قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾، وجعلها تدمي مناسمها لبعد الطريق إذ كانوا ينعلون الإبل نعالًا يقال لها السريح فإذا طال السفر تقطعت ودميت أخفافها، قال لبيد:
فإن تغالى لحمها وتحسرت ... وتقطعت بعد الكلال خدامها
فلها هباب في الزمام كأنها ... صهباء خف من الجنوب جهامها
فمن أراد أن يذهب مذهب الناقد الإنجليزي الذي تقدم ذكره زعم أن ربيعة بن مقروم لم يذهب إلى معنى البين الذي تقدم ذكره في قوله «قامت تريك غداة البين منسدلًا» ولكنه أمل في نفسه افتضاض البكر التي قامت تتراءى له بفرع كالعناقيد وبشفتين قبلهما في الوهم ثم جعل ضيق مركب الناقة ودم مناسمها مكان
стр. 1544
ضيق البكارة ودم العذرة، لأن هذا المعنى كان في عقله الباطن على مذهب الفروئيدية. وهذا باطل بحت لو ذهب إليه والذي ذهب إليه ابن قتيبة، على جودته ودقته، إنما أراد به تفسير الابتداء بالطلل والنسيب في بعض قصائد المدح. ثم على جودته ودقته لم يجزم به وإنما نسبه إلى أنه سمعه من بعض أهل الأدب يقوله وفي هذا من توهين القول وتمريضه ما لا يخفى (١).
وقد ربط ابن قتيبة بين أمر الوقوف على الأطلال والنسيب وما كان عليه نازلة العمد من العرب من حال الحل والترحال. ولم يفسر لماذا آثر الشعراء مذهب حياة نازلة العمد ولم يكن العرب كلهم نازلة عمد، فأهل يثرب مثلًا كانوا أصحاب آطام وشاعرهم يقول:
أتذكر رسمًا كاطراد المذاهب ... لعمرة أقوى غير موقف راكب
والذي يقول:
أسألت رسم الدار أم لم تسأل.
وهو حسان بن ثابت منهم وهو صاحب فارع، أطمه الذي أوت إليه نساء المسلمين وفيهم من آل رسول الله ﷺ وعمته صفية ﵃ في أيام غزوة الخندق. وقال قيس بن الخطيم في البائية التي تقدم مطلعها يذكر أنهم أهل آطام:
فلولا ذرا الآطام قد تعلمونه ... وترك الفضا شوركتمو في الكواعب
وعندي أن تفسير قوله إن العرب كانوا يؤثرون للشاعر أن يتبدى، لأن ذلك يكون أدنى به إلى القول الصارح والصدق المتوهم في سذاجة البداوة مع الفصاحة والبيان. وقد تعلم أن قريشا وملوك العرب كانت تسترضع أولادها في البدو طلبًا
стр. 1545
للفصاحة، ولتمتزج البداوة بنشأتهم، إذ كانت حياة العرب حاضرهم وباديهم أمرًا متداخلًا، ولذلك زعم التوحيدي في حديثه عنهم في كتاب الإمتاع والمؤانسة أنهم كانوا في باديتهم حاضرين، وروى المرزباني في الموشح بمعرض الحديث عن النابغة أنه أرتج عليه فاستعان بزهير فأشار عليه هذا أن يخرجا إلى البرية لأن «الشعر البري». وعين هذا المعنى في خبر الفرزدق الذي ذكرناه عند الحديث عن حالة الجذب حين أرتج عليه فلم يستطع أن يقول حتى خرج إلى البرية وأتى جبلًا خارج المدينة يقال له ريان، قال: «ثم ناديت بأعلى صوتي أخاكم أخاكم -يعني شيطانه- فجاش صدري كما يجيش المرجل فعلقت ناقتي وتوسدت ذراعها فما قمت حتى قلت مائة بيت من الشعر وثلاثة عشر بيتًا إلخ» والخبر في الجزء التاسع عشر من كتاب الأغاني لأبي الفرج.
قول المعاصرين «المقدمة الطللية» إن أرادوا به أنه أمر عام في كل القصائد القديمة وأنه مذهبها، قول ينبغي أن يحترز من الأخذ به، بعض القصائد لهن مقدمات «طللية» وبعضهن لهن مقدمات من نسيب وما يجري مجراه. وبعضهن مقدماتهن غير ذلك كله. وقد سبق منا أن بينا أن الشاعر له مذهبان في افتتاح القصائد، أولهما أن يخلص إلى الغرض بلا تقديم من طلل أو نسيب أو ما إلى ذلك، والثاني أن يجعل له مقدمة من الطلل والنسيب وما إليه ٠ ذكرنا ذلك في معرض الحديث عن المبدأ والخروج والنهاية.
وأجود ما قيل في هذا الباب كلمة الكميت بن زيد، وكان من العلماء، ومعلمًا وقريب العهد من زمان حياة الشعر القديم، ومن أهل الفصاحة الذين يستشهد بكلامهم وهي أول بائيته حيث قال:
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب
على تقدير همزة الاستفهام أي أو ذو الشيب يلعب وقد يروى البيت بهمزة الاستفهام بلا واو: أذو الشيب يلعب.