← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

تقويس وضمور وطول على وجه الأرض، واصل الحرج الضيق ثم سمي به خشب يحمل عليه الموتى وفيه أحد يداب وامتداد ومعنى أصل اشتقاقه من معنى الموت وضيق القبر غير بعيد، ويدلك على أحد يدابه قول كعب بن زهير: كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يومًا على آلة حدباء محمول وقال المسيب بن علس يصف الناقة وشبهها بالنعامة: صكاء ذعلبةٍ إذا استدبرتها ... حرجٍ إذا استقبلتها هلواع قال ابن الأنباري عن أحد أشياخه والحرج سرير يحمل عليه الموتى شبهها به لطولها. وعن غيره أن الحرج الضامرة. وقال امرؤ القيس: فإما تريني في رحالة جابر ... على حرجٍ كالقر تخفق أكفاني فالحرج ههنا أي حال الحرج. وروي بيت عنترة بالحرج وهو قوله: يتبعن قلة رأسه وكأنه ... حرجٌ على نعش لهن مخيم وما أرى إلا أنه تحريف والوجه: على حدج لهن مخيم والحدج أحد الحدوج: قال طرفة: كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد ويجمع أيضًا على أحداج وحدج بضمتين والحدج بكسر الحاء المهملة وسكون الدال المهملة. وفي طوال ابن الأنباري رواه على حرج بالراء، أعني بيت عنترة

стр. 1542

وذكر ابن سيده الحرج فذكر أنه مركب للرجال والنساء ليس له رأس وهذا يحتمل لما فيه من معنى الضيق وكأنه أريد به تفسير بيت امرئ القيس. وبيت عنترة في اللسان بالراء عن الأزهري ولكن بشرح لا يلزم منه أن المراد مركب من مراكب النساء ولا يبعد معه أن يكون محرفًا من حدج بالدال المهملة. وما ذهب إليه الزوزني في شرح بيت عنترة هو الوجه، أي كأن الظليم حدج، يتبعن قلة رأسه وكأنه هودج وكأن رأسه على سرير لهن عليه خيمة والنعش السرير المرفوع، وهذا أشبه، والله أعلم. ونعود إلى أبيات ربيعة بن مقروم الضبي: وجسرة حرج تدمي مناسمها ... أعملتها بي حتى تقطع البيدا كلفتها فرأت حقًّا تكلفه ... وديقة كأجيج النار صيخودا في مهمه قذفٍ يخشى الهلاك به ... أصداؤه ماتني بالليل تغريدا لما تشكت إلى الأين قلت لها ... لا تستريحين ما لم ألق مسعودا ثم يأتي بعد ذلك هذا المدح الجيد البالغ الجودة. ما لم ألاق امرأ جزلًا مواهبه ... سهل الفناء رحيب الباع محمودا وقد سمعت بقوم يحمدون فلم ... أسمع بمثلك لا حلما ولا جودا ولا عفافًا ولا صبرًا لنائبةٍ ... وما أنبئ عنك الباطل السيدا أي لا أخبر قومي عنك كذبا ولكن مدحي لك صادق وقومه هم بنو السيد بن ضبة وافتخر بهم الفرزدق من بعد أنهم أخواله فقال: بنو السيد الأشائم للأعادي ... نمتني للعلي وبنو ضرار وفسره ابن الأنباري أنهم قوم الممدوح بنو السيد بن مالك بن بكر في أحد تفسيريه وعن أحمد بن عبيد بن ناصح إنهم قوم ربيعة وهو أشبه وأقوى إذ لا يحتاج أن ينسبه رهط الممدوح إلى كذب وهو يمدح سيدهم، اللهم إلا أن يكون يريد أن قومك

стр. 1543

يعلمونني صادقا فيما أقول، وهو وجه يحتمل على ضعف والله أعلم. لا حلمك الحلم موجود عليه ولا ... يلفي عطاؤك في الأقوام منكودا وقد سبقت بغايات الجياد وقد ... لا زلت عوض قرير العين محسودا عوض بضم الضاد يراد بها التعبير عن الدهر، وكأن منها نفسًا في قولنا بالدارجة «عاد» بسكون الدال نجيء بها في درج الكلام. هذا وموضع استشهادنا من هذه الأبيات الجيدة قوله في الغزل أنها كظبية بكر تتراءى لتفننه بشعرها الجثل المتدلي من عند تراقيها على متنيها كالعناقيد وتبسم له بثغرها العذب ذي الثنايا البراقة الشهدية ثم قال معتمدا على ما قدمه من ذكر البين وما يتضمنه من معنى الرحيل: وجسرة حرج تدمي مناسمها ... أعملتها بي حتى تقطع البيدا أي دع هذا ولنأخذ بمذهب الجد وهو إعمال الناقة الجسرة وجعلها حرجًا لأن مركب السفر فيه حرج وضيق ومشقة- قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾، وجعلها تدمي مناسمها لبعد الطريق إذ كانوا ينعلون الإبل نعالًا يقال لها السريح فإذا طال السفر تقطعت ودميت أخفافها، قال لبيد: فإن تغالى لحمها وتحسرت ... وتقطعت بعد الكلال خدامها فلها هباب في الزمام كأنها ... صهباء خف من الجنوب جهامها فمن أراد أن يذهب مذهب الناقد الإنجليزي الذي تقدم ذكره زعم أن ربيعة بن مقروم لم يذهب إلى معنى البين الذي تقدم ذكره في قوله «قامت تريك غداة البين منسدلًا» ولكنه أمل في نفسه افتضاض البكر التي قامت تتراءى له بفرع كالعناقيد وبشفتين قبلهما في الوهم ثم جعل ضيق مركب الناقة ودم مناسمها مكان

стр. 1544

ضيق البكارة ودم العذرة، لأن هذا المعنى كان في عقله الباطن على مذهب الفروئيدية. وهذا باطل بحت لو ذهب إليه والذي ذهب إليه ابن قتيبة، على جودته ودقته، إنما أراد به تفسير الابتداء بالطلل والنسيب في بعض قصائد المدح. ثم على جودته ودقته لم يجزم به وإنما نسبه إلى أنه سمعه من بعض أهل الأدب يقوله وفي هذا من توهين القول وتمريضه ما لا يخفى (١). وقد ربط ابن قتيبة بين أمر الوقوف على الأطلال والنسيب وما كان عليه نازلة العمد من العرب من حال الحل والترحال. ولم يفسر لماذا آثر الشعراء مذهب حياة نازلة العمد ولم يكن العرب كلهم نازلة عمد، فأهل يثرب مثلًا كانوا أصحاب آطام وشاعرهم يقول: أتذكر رسمًا كاطراد المذاهب ... لعمرة أقوى غير موقف راكب والذي يقول: أسألت رسم الدار أم لم تسأل. وهو حسان بن ثابت منهم وهو صاحب فارع، أطمه الذي أوت إليه نساء المسلمين وفيهم من آل رسول الله ﷺ وعمته صفية ﵃ في أيام غزوة الخندق. وقال قيس بن الخطيم في البائية التي تقدم مطلعها يذكر أنهم أهل آطام: فلولا ذرا الآطام قد تعلمونه ... وترك الفضا شوركتمو في الكواعب وعندي أن تفسير قوله إن العرب كانوا يؤثرون للشاعر أن يتبدى، لأن ذلك يكون أدنى به إلى القول الصارح والصدق المتوهم في سذاجة البداوة مع الفصاحة والبيان. وقد تعلم أن قريشا وملوك العرب كانت تسترضع أولادها في البدو طلبًا

стр. 1545

للفصاحة، ولتمتزج البداوة بنشأتهم، إذ كانت حياة العرب حاضرهم وباديهم أمرًا متداخلًا، ولذلك زعم التوحيدي في حديثه عنهم في كتاب الإمتاع والمؤانسة أنهم كانوا في باديتهم حاضرين، وروى المرزباني في الموشح بمعرض الحديث عن النابغة أنه أرتج عليه فاستعان بزهير فأشار عليه هذا أن يخرجا إلى البرية لأن «الشعر البري». وعين هذا المعنى في خبر الفرزدق الذي ذكرناه عند الحديث عن حالة الجذب حين أرتج عليه فلم يستطع أن يقول حتى خرج إلى البرية وأتى جبلًا خارج المدينة يقال له ريان، قال: «ثم ناديت بأعلى صوتي أخاكم أخاكم -يعني شيطانه- فجاش صدري كما يجيش المرجل فعلقت ناقتي وتوسدت ذراعها فما قمت حتى قلت مائة بيت من الشعر وثلاثة عشر بيتًا إلخ» والخبر في الجزء التاسع عشر من كتاب الأغاني لأبي الفرج. قول المعاصرين «المقدمة الطللية» إن أرادوا به أنه أمر عام في كل القصائد القديمة وأنه مذهبها، قول ينبغي أن يحترز من الأخذ به، بعض القصائد لهن مقدمات «طللية» وبعضهن لهن مقدمات من نسيب وما يجري مجراه. وبعضهن مقدماتهن غير ذلك كله. وقد سبق منا أن بينا أن الشاعر له مذهبان في افتتاح القصائد، أولهما أن يخلص إلى الغرض بلا تقديم من طلل أو نسيب أو ما إلى ذلك، والثاني أن يجعل له مقدمة من الطلل والنسيب وما إليه ٠ ذكرنا ذلك في معرض الحديث عن المبدأ والخروج والنهاية. وأجود ما قيل في هذا الباب كلمة الكميت بن زيد، وكان من العلماء، ومعلمًا وقريب العهد من زمان حياة الشعر القديم، ومن أهل الفصاحة الذين يستشهد بكلامهم وهي أول بائيته حيث قال: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب على تقدير همزة الاستفهام أي أو ذو الشيب يلعب وقد يروى البيت بهمزة الاستفهام بلا واو: أذو الشيب يلعب.

стр. 1546

فبين الكميت ههنا أنه مستهل قصيدته بالطرب يجعله توطئة وتمهيدًا. وقوله الطرب أدل وأصح من قولنا النسيب والطلل. وقد سبق أن فسرنا أن قولنا النسيب (١) نعني به قصد الشعراء إلى إثارة الحنين، فهو على هذا استعمال مجازي من باب إطلاق البعض على الكل وكذلك قول بعض المعاصرين «المقدمة الطللية» إذا أرادوا به هذا الوجه، أما إذا أرادوا به التعميم وهو ظاهر ما عليه سير كلامهم، فذلك خطأ بلا ريب. ثم فسر الكميت بعض جوانب هذا الطرب كما كان يطربه الشعراء ليتبرأ منها، ويزعم أن طربه أسمى وأعلى قدرًا وأشرف معنى. ولم يلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنان مخصب فذكر الدار والرسم وهي المقدمة الطللية، ثم ذكر ذات البنان المخضب وهي المرأة المحبوبة وذلك النسيب والغزل والتشبيب. ولا السانحات البارحات عشية ... أمر سليم القرن أم مر أعضب وذلك العيافة وذكر الطير وربما بدأوا به القصائد. ثم بين أن طربه كان لأمر من أمور الجد. ولعلنا إن استعنا بالمعنى المستكن في كلمة الكميت أن نزعم بأن الشعر كله طرب، وأن مقدمات قصائده تمهيد طربي لهذا الطرب، كما يمهد أصحاب الأغاني والموسيقا للتأليف الرئيسي بأشياء من النغم المنطلق المرتجل أو الذي كأنه مرتجل. هذا التمهيد الطربي قد يستغنى عنه الشاعر ويكتفي بالشيء الموجز كالنداء وقولهم ابني ويا كذا يذكرون اسمًا في الوصايا ويا عين في المراثي وما أشبه.

стр. 1547

قال عبد قيس بن خفاف البرجمي: أجبيل إن أباك كارب يومه ... فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل أوصيك إيصاء امرئ لك ناصح ... طبنٍ بريب الدهر غير مغفل والكلمة مختارة وهي في المفضليات. وقال عبدة بن الطبيب وهي مفضلية أيضًا: ابني إني قد كبرت ورابني ... بصري وفي لمصلح مستمتع وهي وصية. وباب الوصايا قديم في أدب العرب، وإليه أشار القرآن، قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُه﴾. وقالوا كان لقمان الحكيم من النوبة ومن قائل إنه كان نبيًّا. ومهما يكن من أمره، فخبر وصيته جاء به القرآن بلسان عربي مبين، وما خاطب العرب إلا بما عهدوه من مذاهب البلاغة. وكقول ابن خفاف «أجبيل» يذكر الاسم قول عامر بن ظرب: أأسيد إن مالا ملكت فسر به سيرًا جميلًا وقول يزيد بن الحكم: يا بدر والأمثال يضربها لذي اللب الحكيم وقالت القرشية فبدأت ببني: ابني لا تظلم بمكة لا الصغير ولا الكبير وقال أوس بن حجر في الرثاء فنادى نفسه: أيتها النفس اجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا

стр. 1548

وقالت الخنساء فنادت عينيها: أعيني جودا ولا تجمدا وقد يبتدأ في المراثي بالحكمة والعظة وما يجري هذا المجرى كقول لبيد: بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجمال بعدنا والمصانع وقال أبو ذؤيب: أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمتعب من يجزع وقد يكافح الشاعر غرضه كفاحًا فيقدم بالنداء كقول المهلهل: يا لبكر أنشروا لي كليبًا ... يا لبكر أين أين الفرار وقول سعد بن مالك وهي كلمة طويلة ذكرها صاحب الحماسة: يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا والحرب لا يبقى لجا ... حمها التخيل والمراح إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح وقال جبيهاء الأشجعي وهي كلمة من خبيث الهجاء، ظاهرها أنه يصف عنزه وباطنها أنه يلحى رجلًا أعاره العنز فلم يردها والكلمة مفضلية: أمولى بني تيمٍ ألست مؤديًّا ... منيحتنا فيما تؤدى المنائح قالوا وغيظ التيمي من هذه الحائية فقال: نعم سأؤديها إليك ذميمة ... فتنكحها إن أعوزتك المناكح وراجع الخبر في المفضليات. ومما هو كالنداء قول الحارث بن عباد: قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال

стр. 1549

وقال عبد يغوث الحارثي وهي من المختارات الجياد وقيل رثى بها نفسه: ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا ... فمالكما في اللوم خير ولا ليا وقال الحارث بن وعلة الجرمي يذكر فراره يوم الكلاب: فدى لكما رجلي أمي وخالتي ... غداة الكلاب إذ تجز الدوابر فنادى رجليه كما ترى. وقول زهير في المدح: دع ذا وعد القول في هرم كأن فيه مقدمة نسيبية مضمرة، فحين لم يذكرها الشاعر، استعاض منها بشيء موجز كالنداء وهو قوله «دع ذا». وكأن نقيض هذا المذهب أن يفتتح الشاعر مرثية بالنسيب كالذي صنع دريد في قوله: أرث جديد الحبل من أم معبد ولها نظائر في ديوان هذيل مبدوء فيهن الرثاء بالنسيب. وبدأ الأعشى نونيته في قيس بن معد يكرب بشيء كما يبدأ به الرثاء، وإنما عني به التغني لنفسه والطرب وذلك قوله: لعمرك ما طول هذا الزمن ... على المرء إلا عناء معن وقد يستغني الشاعر عن كل تقديم فيكافح غرضه كفاحًا رثاء كان أو هجاء أو مدحًا أو غير ذلك والأمثلة كثيرة كقول كعب بن زهير: من سره شرف الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار وهي كلمة قصيرة حسن البداية بها هكذا ما سبقها من كلمته اللامية «بانت

стр. 1550

سعاد» فظن أنه عرض في آخرها بالأنصار حيث قال: يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل وقال عمرو بن معد يكرب في كلمة له جادة حماسية: ليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن رديت بردا وهي التي يقول فيها: لما رأيت نساءنا ... يفحصن بالمعزاء شدا وبدت بلميس كأنها ... قمر السماء إذا تبدى نازلت كبشهم ولم ... أر من نزال الكبش بدا وكأنه قد كان تحرز أول الأمر، ثم حرك الغيرة في قلبه ما رأى من حال النساء وخوف أن يأخذ العدو لميس. وفي الأبيات نفس صادق وقال تأبط شرًّا، إن كان قالها (كما علق الجاحظ): إن بالشعب الذي دون سلع لقتيلًا دمه ما يطل وقال الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول وقال المهلهل وهي في الجمهرة: جارت بنو بكر ولم يعدلوا ... والمرء قد يخطئ قصد الطريق حلت ركاب البغى من وائل ... في آل جساس ثقال الوسوق قل لبني ذهل يردونه ... أو يصبروا للصيلم الخنفقيق وهذه وكلمة تأبط شرًّا تجريان مجرى الرثاء لأنهما في الثأر. وقال النابغة: أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب

стр. 1551

وهذه على مكافحتها الغرض كأن فيها مقدمة من طرب النسيب وما إليه مضمرة لأن ذلك قد جاء في اعتذاريات النابغة الأخرى كالعينية التي يقول فيها: أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع وقال الشنفري، وقيل لم يقلها، والراجح أن بعضها له وفيها مسجديات: ولا دخان بلا نار: أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل وهذا مقارب لحنين النسيب، لما في مراد الشاعر من التحسر ومعنى أنه لو كان له قوم لحن إليهم، ولكن أقرب الناس إليه، وما عسى أن يكون أقرب في النداء من قوله «بني أمي»، قد رغب عنهم إلى اصطحاب وحوش الصحراء وأحناشها. وشبيه بهذا المذهب قول المرار حين كره صنعاء وحن إلى الديار النجدية: لا حبذا أنت يا صنعاء من بلد ... ولا شعوب هوى مني ولا نقم ولن أحب بلادا قد رأيت بها ... عنسًا ولا بلدًا حلت به قدم إذا سقى الله أرضًا صوب غادية ... فلا سقاهن إلا النار تضطرم وحبذا حين تمسي الريح باردة ... وادى أشيٍّ وفتيان به هضم فهذا كما ترى عكس مذهب الوقوف على الطلل وسقيا الديار. ومن المكافحة الصريحة بلا تقديم قول ذي الأصبع: إنكما صاحبي لن تدعا ... لومي ومهما أضع فلن تسعا أنكما من سفاه رأيكما ... لا تجنباني السفاه والقذعا وكأنها قطعة إذ المروي منها عشرة أبيات، وليست بقطعة ولكن من قصار القصائد، وكان ذو الأصبع في شعره صرامة.

стр. 1552

والقصار اللاتي يكافحن أغراضهن بلا تمهيد طربي كثيرات، منهن في المفضليات عدد، مثل: ألا هل أتاها أن شكة حازم ... لدي وأني قد صنعت الشموسا على أن في هذه نفسًا من نسيب في قوله: «هل أتاها» وإنما هذا بمنزلة النداء ويا بني في الوصايا ونحوه عنترة: ألا هل أتاها أن يوم قراقر ... شفى حزنًا لو كانت النفس تشتفي وقريب من هذا المجرى قول أبي قيس بن الأسلت: قالت ولم تقصد لقيل الخنى ... مهلًا فقد أبلغت أسماعي أنكرته حين توسمته ... والحرب غول ذات أوجاع من يذق الحرب يجد طعمها ... مرًا وتحبسه بجعجاع إذ هو في جوهره ليس ببعيد من القصد المباشر إلى الجد لأن المرأة التي أنكرته هي زوجته وإنما أنكرته لانصرافه إلى الحرب والاستعداد لمكروهها وبذله في ذلك كل جهد، قال ابن الأنباري يسنده إلى أحمد بن عبيد بن ناصح: «كانت الأوس قد أسندت أمرها في هذه الحرب إلى أبي قيس بن الأسلت الأنصاري الوائلي فقال في حربهم فآثرهم على كل صنيعة حتى شجب وتغير ولبث أشهرًا لا يقرب امرأة، ثم جاء ليلة فدق على امرأته وهي كبشة بنت ضمرة بن مالك بن عمرو بن عزيز من بني عمرو بن عوف، ففتحت له فأهوى إليها فدفعته وأنكرته فقال أنا أبو قيس، فقالت والله ما عرفتك حتى تكلمت فقال أبو قيس في ذلك هذه القصيدة إلخ» ومن شاء جعلها غزلًا على هذا المعنى والأول الذي قدمناه أقوى. وكلمة ذي الأصبع النونية إن يك أولها: لي ابن عم على ما كان من خلق ... مختلفان فأقليه ويقليني

стр. 1553

فهي من باب مكافحة الغرض كفة كفة بلا تقديم، وهي رواية المفضل التي اعتمدها ابن الأنباري وأشياخه، قال وأنشدني غير أبي كرمة أتم مما رواها أبو عكرمة ولم يسند روايته إلى المفضل وهي: يا لمن لقلب طويل البث محزون ... أمسى تذكر ريا أم هارون وأبيات نسيب ريا لا تصلح مقدمة لكلمة ذي الأصبع وليس قوله فيها: فإن يكن حبها أمسى لنا شجنا ... وأصبح الوأي لا يواتيني فقد غنينا وشمل الدهر يجمعنا ... أطيع ريا وريا لا تعاصيني ترمي الوشاة فلا تخطى مقاتلهم ... بصادق من صفاء الود مكنون من معدن قوله: لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني لو تشربون دمي لم يرو شاربكم ... ولا دماؤكم جمعًا ترويني وما أشبه. ولعل أبياتًا نونية لغير أبي الأصبع فيها مغاضبة وخصومة وأخر فيها نسيب جمعن معًا فجعلن قصيدة أتم. وقد أضرب ابن الأنباري عن الشرح لفقدان الإسناد إلى المفضل كما أضرب عن ذكر من أنشده هذه الرواية وهو من الغير الذين ذكرهم في المقدمة حيث قال: «وكنت أسأل أبا عمرو بندار الكرخي وأبا بكر العبدي وأبا عبد الله محمد بن رستم والطوسي وغيرهم عن الشيء بعد الشيء منها فيزيدونني على رواية أبي عكرمة البيت والتفسير وأنا أذكر ذلك في موضعه إن شاء الله» أ. هـ. على أن الغير الذي ذكر هنا أنشده أكثر من بيت ولم يفسره. وجلي أنه لم يأخذ ذلك عن أحمد بن عبيد بن ناصح. ومن الكلمات الخالصة إلى غرضها بلا تقديم ميمية الحصين بن الحمام المري: جزى الله أفناء العشيرة كلها ... بدارة موضوع عقوقًا ومأثما

стр. 1554

ونقيضتها للخصفي: من مبلغ سعد بن نعمان مألكا ... وسعد بن نعمان الذي قد تختما وقال أوس غلفاء الهجيمي: جلبنا الخيل من جنبي أريك ... إلى أجلى إلى ضلع الرجام بكل منفق الجرذان مجر ... شديد الأسر للأعداء حام أصبنا من أصبنا ثم فئنا ... على أهل الشريف إلى شمام وأوردنا هذه الثلاثة الأبيات الأولى لندل على أن تعداد المواضع ههنا ليس جاريًّا مجرى مواضع النسيب، ولكن مصاحب لذكر الغارة والخيل. وفي هذه الميمية الأبيات المشهورة: وإنك من هجاء بني تميم ... كمزداد الغرام إلى الغرام يعني الغرم والخسران. هم منوا عليك فلم تثبهم ... فتيلًا غير شتم أو خصام وهم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقرًا وأشرد من نعام وهم ضربوك ذات الرأس حتى ... بدت أم الدماغ من العظام إذا يأسونها نشزت عليهم ... شرنبثة الأصابع أم هام فمن عليك أن الجلد وارى ... غثيثها وإحرام الطعام ورواية الكامل. هم ضربوك أم الرأس حتى ... بدت أم الشئون من العظام وهي أم الدماغ، وكأن رواية الكامل أحب إلينا. وللمثقب أبيات في الحكمة أولها: لا تقولن إذا ما لم ترد ... أن تتم الوعد في شيء نعم

стр. 1555

وقد سبق الاستشهاد ببعضها. وهي قصيدة كالوصية إلا أنه لم يبدأها بخطاب ابن أو نداء غير أن قوله: «لا تقولن» بمنزلة ذلك، ولا أحسبه يحسن أن يبدأ بمثل هذا التأكيد لغير من يهمه أمره من ولد ونحوه. وهذا البيت أول القصيدة عند المفضل. وزعم غير المفضل فيما ذكر ابن الأنباري وجعله غيرا «غير معين»، أن سياقها من عن أولها هو هكذا: حسن قول نعم من بعد لا ... وقبيح قول لا بعد نعم إن لا بعد نعم فاحشة ... فبلا فابدأ إذا خفت الندم لا تقولن إذا ما لم ترد ... أن تتم الوعد في شيء نعم وسياق المفضل أجود وأصح إن شاء الله. ووصف امرؤ القيس المطر برائيته التي أولها: ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحري وتدر فخلص إلى أربه بلا تقديم، على أن وصف المطر من معادن النسيب، إلا أنه في هذه الكلمة ما أريد به إلا محض التصوير فهو الغرض الذي جعلت القصيدة له. هذا والقصائد التي يكافح فيها الشاعر غرضًا واحدًا لا يعدوه كثيرات واللواتي لا يستهل فيهن بالطلل ولا بالنسيب بمعناه الواسع كثيرات. وإنما تمثلنا بما تمثلنا به لندل على أن قول النقاد الآن «المقدمة الطللية» لا يعدو أنه من باب إطلاق الجزء على الكل في باب النسيب وحده، إذ لا يتوهم في باب المجاز أن ذلك يصح إطلاقه على نحو: لا تقولن إذا ما لم ترد ... أن تتم الوعد في شيء نعم ولا في نحو: جزى الله أفناء العشيرة كلها ... بدارة موضوع عقوقًا ومأثما

стр. 1556

هذا وبدايات الطلل والنسيب وما عدد منه الكميت كثر، تعرضنا لمعاني بعضها ودلالتها من قبل في معرض حديثنا عن الرمزية، فمن أمثلة البدء بذكر الطلل حقًّا قول طرفة: لخولة أطلال ببرقة ثهمد وقول زهير: أمن أم أوفى دمنة لم تكلم وقول لبيد: عفت الديار محلها فمقامها وقول امرئ القيس جامع وهو مطلع المعلقة: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وبدأوا بذكر البين نحو: بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما بانت سعاد وأمسى القلب معمودًا وبدأوا بصحا القلب ونحوه: صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل وجمع زهير بين «صحا القلب» وسؤال الأطلال في كلمته: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله وبدأوا بنداء الدار ونداء الحبيبة كقول النابغة: يا دار مية بالعلياء فالسند

стр. 1557

وذكروا فيه الوقوف على الدار، وكقول لقيط الأيدي: يا دار عمرة من محتلها الجرعا وعاجوا على الدار نحو قول النابغة: عودوا فحيوا لنعم دمنة الدار وقول غيلان: خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوى فابكيا في المنازل ومن نداء الحبيبة مع ذكر البين قول الأعشى: بانت لتفجعنا عفارة ... يا جارتا ما أنت جارة وقول المثقب: أفاطم قبل بينك متعيني ... ومنعك ما سألت كأن تبيني ويذكرون الطيف وما أشبهه من الرؤى والهواتف، قال المرقش: سرى ليلًا خيال من سليمي ... فأرقني وأصحابي هجود وقال تأبط شرًّا: يا عيد مالك من شوق وإيراق ... ومر طيف على الأهوال طراق وجمع حسان بين الهم والطيف فقال: منع النوم بالعشاء الهموم ... وخيال إذا تغور النجوم وقد يذكرون الهم وحده وهو متصل بمعنى الطيف ونسيبي السنخ نحو: كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب

стр. 1558

وقال الرعي: ما بال دفك بالفراش مذيلا ... أقذى بعينك أم أردت رحيلا وقول الشنفري الذي مر قبل: أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل آخذ بطرف معنى البين وبطرف من معنى الليل والهم فهو حقًّا نسيبي المعدن. وإخلاص المعنى لليل يدخل في هذا الباب نحو قول المهلهل: أليتنا بذي حسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري وذكر الذئب لاحق بذكر الليل يدلك على ذلك قول المرقش في سينيته: ولما أضأنا النار حول خبائنا ... عرانا عليها أطلس اللون بائس نبذت إليه حزة من شوائنا ... حياء وما فحشى على من أجالس فسوغ نحو هذا للفرزدق أن يبدأ بذكر الذئب حيث قال في نونيته التي ذكرناها في الجزء الأول من هذا الكتاب: وأطلس عسال وما كان صاحبا ... دعوت بناري موهنا فأتاني وقال امرؤ القيس: أحار بن عمرو كأني خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر قال كأني خمر لأنه كان محاربًا لا يشرب الخمر ولا يراها تحل له إلا إذا أدرك الثأر كما في لامية تأبط شرًّا المنسوبة إليه: حلت الخمر وكانت حراما ... وبلأى ما ألمت تحل فأسقينها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خالي لخل

стр. 1559

فأفاد امرؤ القيس بقوله: «كأني خمر» إنه لم يشتف بعد بنصر يدرك به ملكه وثأره. وقال عمرو بن كلثوم: ألا هبي بصحنك فاصبحينا لأنه انتصر وقتل عمرو بن هند وتحدى القبائل: ومما يبدأ به الوداع وكلمة الأعشى معروفة: ودع هريرة إن الركب مرتحل وقال: هريرة ودعها وإن لام لائم ... غداة غدٍ أم أنت للبين واجم وقال الحاردة: رحلت سمية غدوة فتمتع ... وغدت غدو مفارق لم يربع ومما يجري مجرى الطيف قول عمرو بن معد يكرب: أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع وذكر علقمة النساء والشباب فقال: طحا بك قلب في الحسان طروب وقال سلامة بن جندل: أودى الشباب حميدًا ذو التعاجيب ... أودى وذلك شأو غير مطلوب وكأن أبيات الغانية التي أولها: وللشباب إذا دامت بشاشته ... ود القلوب من البيض الخراعيب

стр. 1560

مما ألحق بهذه البائية وليس منها وليست في رواية المفضل ولا ذكرها الأنباري الكبير في شرحه وأوردها محقق الشرح في الهامش. ومن البدء بالطير كلمة الأعشى: ما تعيف اليوم في الطير الروح ... من غراب البين أو تيس نطح وإلى نحو هذا أشار الكميت في البائية. وقال عنترة فجمع بين الغراب والرحيل: رحل الذين فراقهم أتوقع ... وجرى ببينهم الغراب الأبقع وذكر النابغة الغراب مع فكرة الفراق والرحيل في أوائل أبيات الدالية وهو بيت الإقواء المشهور. وقال عبد الله بن الزبعري: يا غراب البين أسمعت فقل ... إنما تنطق شيئًا قد فعل وعمق المعنى الذي أراده ابن الزبعري ههنا لا يخفى، وكان من شياطين قريس وأسلم بعد الفتح وقال في مدح رسول الله ﷺ : يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور والأبيات التي تنازعها امرؤ القيس والتوأم يقول هذا شطرًا وهذا شطرًا بدأها بالبرق وهي مما تدل على قدم التشطير في العربية فلا يسارعن أحد بلوم المتأخرين فيه. ولعل التخميس أيضًا قديم لأنه من معادنه، والله تعالى أعلم. المطالع والمقاطع: نريد بهذين اللفظين ههنا اول القصيدة وآخرها. وللمطلع معان كثيرة وكذلك المقطع، وبهذا التفسير الذي فسرناه لهما ارتباط قوي بطريقة التأليف، لأن المطلع

стр. 1561

أول ما يقرع الأسماع من الابتداء، والمقطع آخر ما يختم به عند الانتهاء. قال الجاحظ إن شبيب بن شبة كان يقول الناس موكلون بتفضيل جودة الابتداء وبمدح صاحبه وأنا موكل بتفضيل جودة المقطع وبمدح صاحبه وحظ جودة القافية وإن كانت كلمة واحدة أرفع من حظ سائر البيت وفي رواية ابن رشيق أرفع من حظ سائر البيت أو القصيدة. قال ابن رشيق وحكاية الجاحظ هذه تدل على أن المقطع آخر البيت أو القصيدة. وبراعة الاستهلال بالمطالع الحسنة يدخل فيها كلا صنفي التأليف، ما افتتح افتتاحًا طلليًا نسيبيًا وما لم يصنع به ذلك. وأمر ما لا يبدأ ابتداء طلليًّا أو ليليًّا أو غزليًّا أو ما شاكل ذلك مما عدده الكميت واضح الخلوص من الشاعر إلى غرضه خلوصًا مباشرًا، نحو قول كعب بن مالك: قضينا من تهامة كل حقٍ ... وخيبر ثم أجممنا السيوفا وأمر الابتداء النسيبي كان واضحًا للأولين، إذ كانوا يعلمون مدلولات ابتداءات الشعراء التي من هذا الضرب. وإنما جسر المرار على أن يقول: لا حبذا أنت يا صنعاء من بلدٍ ... ولا شعوب هوىً منى ولا نقم ولا أحب بلادًا قد رأيت بها ... عنسًا ولا بلدًا حلت به قدم إذا سقى الله أرضًا صوب غادية ... فلا سقاهن إلا النار تضطرم لما فيه من روح السخرية بالسقيا وبالوقوف والحنين وقلب المعنى الذي يبتدئ بمثله الشعراء. وبين مثل هذه الجسارة التي يكون بها قلب المعنى، وبين الأصل الذي عليه بناء خالص النسيب من حنين وبكاء ووقوف واستيقاف، درجات من أساليب القول يفطن من خلالها السامعون إلى أرب الشاعر وحقيقة مراده. ولقد استعجم كثير من

стр. 1562

نقادنا فارتضخوا روح روم النصارى الذي تحدث عنهم أبو الطيب فقال: فكلما حلمت عذراء عندهم ... فإنما حلمت بالسبي والجمل فخيل إليهم أن بداوة العرب ما كانت إلا سذاجة محصورة في الجمل والخيمة، وأن العربي المسكين من أجل ذلك ما كان يقدر على غير الابتداء بالطلل والمقدمة الطللية ثم يتناول بعد ذلك ما يقدر عليه من البسائط في محيط بيئته الوجدانية والعقلية والحضارية وهو محيط ساذج محدود ... هو الجمل، ألم يقل شاعرهم: وأحبها وتحبني ... ويحب ناقتها بعيري ويمكن تفسير هذا بأن مراد الشاعر الناقة التي هي هي والبعير الذي هو أنا. والإنصاف يقتضينا أن نسلم بأن بيننا وبين زمان شعر العرب القديم القرون الطوال. وقد كان للشعر عندهم طريقة ومذهب، وكانت هذه البدايات النسيبية والطللية وما إليها عند الشعراء ما لم يستعملوا المكافحة مذهبًا يعلمه سامعوهم. وكان علم الشعراء بذلك من سامعيهم يعطيهم الثقة من أنفسهم أنهم متى حوروا في طريقة المذهب المألوف تحويرًا يرمزون به إلى ما يرومونه من غرض، فهم ذلك عنهم السامع في يسر وبلا غموض. وكانت ألوان أساليب التحوير أنفسها مما قد عهد السامعون له مشابة تمكنهم من سرعة الحدس لما يطلبه الشاعر من الإبلاغ والبيان. وقد ألمعنا إلى هذا المعنى في الباب الرابع من المرشد الثالث حيث قلنا: «ومن عجب ما يصح ذكره في هذا الباب وفي أبواب غيره مما يلي ومما تقدم أنك تقرأ المطلع من قصيدة فتجده كمطلع آخر، ثم إذا مضيت فيها وعدت إلى المطلعين مرة أخرى وجدتهما حق مختلفين خذ على سبيل المثال: يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت ودام عليها سالف الأمد

стр. 1563

فهذه كمطالع كثيرة أخريات: يا دار مية بين الحزن فالجرد يا دار عمرة من محتلها الجرعا يا دار عبلة بالجواء تكلمي يا دار سلمي بعيدًا ما أكلفها وهلم جرا. ولكنك بعد ان تقرأ القصيدة كلها لا تملك أن تحس فيه وفي ما يليه من الصفات استشعارًا لمعاني العتاب فيما بين النابغة والنعمان بن المنذر فلأمر ما مثلًا اختار النابغة اسم العلياء والسند في مستهل المطلع ثم زعم أن ذلك قد أقوى ومر عليه زمن بعيد إلخ». وقال ابن رشيق في باب عمل الشعر وشحذ القريحة له، إن الشاعر إذا فتح له نسيب القصيدة فقد ولج من الباب ووضع رجله في الركاب وما جعل أول النسيب بابًا وركابًا إلا لدلالته على الغرض. ونقل ابن رشيق في العمدة عن الحاتمي أنه قال: «من حكم النسيب الذي يفتتح به الشاعر كلامه أن يكون ممزوجًا بما بعده من مدح أو ذم متصلًا به، غير منفصل منه، فإن القصيدة مثلها مثل خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في صحة التركيب غادر بالجسم عاهة تتخون محاسنه، وتعفى معالم جماله، ووجدت حذاق الشعراء وأرباب الصناعة من المحدثين يحترسون من مثل هذه الحال احتراسًا يحميهم من شوائب النقصان ويقف بهم على محجة الإحسان». وقد نقض الحاتمي بآخر كلامه أوله، لأن اتصال النسيب والطلل وما إلى ذلك بغرض الشاعر في كلام الأوائل أظهر منه في كلام حذاق المحدثين. وكأن الحاتمي نظر في هذا الذي قال به إلى كلام أرسطو طاليس عن وحدة الفعل في المأساة والملحمة وهو الذي يقول له الناس الآن الوحدة العضوية إذ أخذ على بعض غير الحذاق من شعراء قومه أنهم يديرون الوحدة في نظمهم على بطل الحكاية، يجعلون كونه واحدًا كافلًا

стр. 1564

لوحدة لمنظومة والشعر وهذا خطأ منهم لأن الوحدة يدور أمرها على ارتباط أول الفعل بوسطه وآخره فيكون «واحدًا تامًا كالكائن الحي» ومتى كان كذلك «أنتج اللذة الخاصة به» (راجع فن الشعر ترجمة عبد الرحمن بدوي، القاهرة) (١٩٥٣، ص ٢٤ و ٢٥ و ٦٤ و ٦٥ و ١٠٢ و ١٨١ إلى ١٨٣ وهلم جرا). فأحسب أن الحاتمي قد أخذ كلامًا مما نقل عن أرسطو وأقحمه إقحامًا على نقده هو للشعر بشاهد تشبيه القصيدة بالإنسان الذي شبهه ونسب منه إلى حذاق المحدثين. ولقد كان البحتري أبو عبادة من هؤلاء الحذاق، وما كان أكثر ما عنده من الاقتضاب الذي ظاهره يخالف هذا الذي زعمه الحاتمي، كقوله مثلًا: إني وإن جانبت بعض بطالتي ... وتوهم الواشون أني مقصر ليروقني سحر العيون المجتلى ... ويشوقني ورد الخدود الأحمر الله مكن للخليفة جعفر ... ملكًا يحسنه الخليفة جعفر فكان ينبغي على الحاتمي أن يوضح لنا الصلة «العضوية» «الإنسانية» في هذا من كلام البحتري وما أشبهه منه ومن حذاق شعراء المحدثين. وسنبين ما نراه في هذا الباب في فصل يلي من بعد إن شاء الله. ولقد كان الحاتمي منحرفًا عن أبي الطيب حاول أن يجعل كثيرًا من حكمه وأمثاله سرقات من أرسطوطاليس. ولقائل أن يقول إنه كان من ضعاف النقاد كما قال ابن هشام النحوي، وكان معجبًا بأبي الطيب يستشهد بشعره كما لو كان من أهل الصدر الأول، عن ابن خالويه، وانحرافه عن أبي الطيب معروف وعداوته له، إنه كان من ضعاف النحاة، أحسبه قال ذلك في معرض الحديث عن واو الثمانية في مغنى اللبيب. هذا، ونحن الآن متى تمثلنا الفارق الزمني بيننا وبين شعراء الجاهلية، لزمنا أن نقر على أنفسنا بالجهل لكثير من الوجوه التي كانت عليها حياتهم في قراهم وحواضرهم وبواديهم. وقد وصف لنا القرآن من أمورهم أشياء كثيرة لا نجدها في

стр. 1565

الشعر الذي وصلنا، إما لنسيان الناس لها لما انشغلوا بالإسلام والفتوح وإما لتحريم الإسلام روايتها وأمرها كله وإما لهذين السببين معًا، مع الذي كان من ردة العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ واحترابها على ذلك حتى قر قرار الإسلام وألقى بجران. يذكر القرآن الوأد ولا نجد من ذكره شيئًا في الشعر رثاء أو نحوه، وعسى أن يكون منه قول الفند الزماني: أيا طعنة ما شيخ ... كبير يفنٍ بالي تقيم المآتم إلا على ... على جهدٍ وإعوال كجيب الدفنس الورها ... ء ريعت بعد إجفال فمثل هذه ربما كان يوأد وقرب ما بين الدفن والدفنس لا يخفى والسين من حروف الزيادة والدفنس هي الورهاء الناقصة العقل. وقريب من هذا قول الآخر: وقد اختلس الطعنة ... لا يدمي لها صلي كجيب الدفنس الورها ... ء ريعت وهي تستفلى وما الذي راعها ... لعله الوائد. ويذكر تقربهم إلى الله بالأصنام وضروبًا من عقائدهم ولا نجد لشيء من ذلك إلا الذكر اليسير كقول النابغة: فلا لعمر الذي مسحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من جسد وذكروا من عقائدهم وعاداتهم أشياء واستشهدوا عليها بالمفردات من الأبيات كما في أصنام ابن الكلبي ولا ريب أن ما قيل في ذلك أكثر مما وصلنا. وقد روى الجاحظ قطعًا مفيدة من أشعار أمية بن أبي الصلت كخبر منادمة الديك والغراب أو كما قال: بآية قام ينطق كل شيء ... وخان أمانة الديك الغراب

стр. 1566

وكاستسقاء العرب في السنين المجدبة بعقد الشعل على أذناب البقر وإرسالها تتعادى. سلع وما مثله عشر ما ... عائل ما وعالت البيقورا البيقور، أي البقر وزعم الجاحظ في الحيوان أن الأصمعي صحف هذه الكلمة ومتى آنسنا فكرة بعد الزمن وأنم بداوة الجاهليين وحضارة حواضرهم، كلا ذينك لم يكن أمرًا جغرافيًّا فقط، ولكنه قد كان أمرًا تأريخيًّا، نحتاج إلى طول درسي وتأمل حتى ندرك حقيقة كنهه. ومن الأمثلة التي قد تعين في هذا الصدد أن نتناول شعرًا مشهورًا كالمعلقات وننظر في أوائله ونتحسس هل لها من دلالة على موضوعاتها وضروب معانيها، فإن أصبنا من ذلك ما يقوى هذا الوجه حاولنا مثله في غيرها، وهكذا حتى نستطيع الوصول إلى رأي قوي الاحتمال في هذا الباب. معلقة امرئ القيس تبدأ بقوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بقين الدخول فحومل ولا نحتاج ههنا إلى كبير تأمل لنذهب إلى أن هذا المطلع ينبئ بأن موضوع القصيدة ذكريات وأشجان من زمان ماض. ومعلقة طرفة تبدأ بقوله: لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم من ظاهر اليد ههنا الأطلال مقطوع بوجودها، ليست ذكرى ومواضع يتحسس الشاعر أماكنها كما صنع امرؤ القيس. وهذه الأطلال لم تخف آثار بعضها لاختلاف الرياح عليها، كما توهم الشاعر أم لعلها خفيت. هذه الأطلال التي يذكرها طرفة تلوح كبقية وشم على يد هيئتها ظاهرة متمثلة ... لن نباعد إن وضعنا أنفسنا في مكان سامعي

стр. 1567

الشاعر على زمانه وتوقعنا من مطلع كلامه أنه يتحدث عن علاقة أدركها الوهي وما زالت معالمها وآثارها ظاهرة. ومعلقة زهير أولها: أمن أم أوفي دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم هنا بدأ الشاعر بسؤال عن دمنة. والدمنة مكان الأزبال ويكنى بها عن الضغينة، وغرض الشاعر حديث عن أضغان يراد دفنهن بإصلاح ذات البين وفي القوم من عسى ألا يريد ذلك ... طريقة السؤال وما يتبعه من تأكيد الشك وتطويل المدة وتبدل المعالم: ودار لها بالرقمتين كأنها ... مراجيع وشم في نواشر معصم الوشم ههنا ليس بقية من العمل الأول كما في مطلع طرفة ولكنه عودة فيه بعد خفائه وإمحائه، وليس الوشم على ظاهر اليد ولكن على نواشر المعصم، ونواشر المعصم من ظواهر اليد، ولكن ظهور العروق مع المعصم في ذكرهن هنا نوع من تبعيد. بها العين والآرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم امرؤ القيس لم ير إلا بعر الآرام وهو أثر يدل على خبر. أما طرفة فقد رأى المحبوبة ترحل ورأى حدوجها كالسفينة يجور بها الملاح ويهتدي وهي تشق عباب الماء وظبيته ليست وحشًا صار بديلًا من الأحباب كما عند زهير ولا آثار وحش كما عند امرئ القيس، ولكنها كائن حي نشط: وفي الحي أحوى ينفض المردشادن ... مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد هذا أشبه بشبابه ومعانيه. ولكن البطء وثقل الحركة أشبه بمعاني زهير التي كان إليها يقصد. وقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلأيًا عرفت الدار بعد توهم

стр. 1568

وقد زعموا أن حرب داحس والغبراء استمرت أربعين سنة فالعشرين ههنا تنبئ عن شيء من ذلك. وما أشبه أن تكون قد استمرت عشرين سنة لأنه شبها قيس بن زهير وتم الصلح بعد منفاه. وأول معلقة عنترة قوله: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي فعلم من تساؤله أول ما بدأ أنه يريد أن يقول شعرًا يجلي به عن نفسه، ثم أتبع ذلك أنه سيتحدث عن الطلل جريًّا على عادة الشعراء وليكن الطلل لعبلة وهي محبوبة وهمية أهلها من الأعداء الذين سيقتلهم لينالها ... وأبت الأساطير إلا أن تجعلها ابنة عمه، أو هي من قومه وأبى مذهب اتباعه عادة الشعراء إلا أن تكون من العدو. وقد جلي عنترة عن نفسه في هذه الميمية. وهي الرابعة في ترتيب ابن الأنباري للسبعة الطوال. وقال عمرو بن كلثوم في أول طويلته: ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقي خمور الأندرينا وقد ذكرنا مذهب العرب في الشراب إذ نالوا الثأر، قال امرؤ القيس حين ظن أنه أدرك ثأره من بني أسد. فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثمًا من الله ولا واغل وقد سبق التنبيه إلى أن نونية عمرو تنبئ عن نشوة انتصار وهذا تستفاد دلالته من روح المطلع. وقال الحارث بن حلزة: آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء

стр. 1569

فإن تكن أسماء محبوبة، فهل المحبوبة يمل ثواؤها؟ ولكنما كني الحارث عن حال قومه وحال إخوانهم من بني تغلب، إن أرادوا الصلح فذلك المراد وإن أبوا إلا الشنآن والفراق، فعلى آثارهم العفاء. أجمعوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء ومن مناد ومن مجيب ومن تصـ ... ـهال خيلٍ خلال ذاك رغاء أيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو وهل لذاك بقاء لا تخلنا على غراتك إنا ... قبل ما قد وشى بنا الأعداء فبقينا على الشناءة تنميـ ... ـنا حصون وعزة قسعاء وإلى قول الحارث «رب ثاوٍ يمل منه الثواء»، نظر كثير، فجعل عزة هي التي تمل وهذا أشبه بكلام العشاق، ولم يرد الحارث معنى ما يريده العشاق وقول كثير هو: نريد الثواء عندها وإخالها ... إذا ما أطلنا عندها المكث ملت وبنحو هذا قد يستدل من يطعن في صدق صبابة كثير، لما فيه من المنافاة الخفية لمذهب الصبابة العذرية. وقال لبيد، وأحسب أن رواية ابن الأنباري جعلتها سابعة الطوال لأن لبيدًا كان من المخضرمين، وهي على جودتها وشدة أسرها تمثل طورًا تاليًّا لأطوار الضرب الأول من قصائد الجاهلية، وهذا باب سنعرض له في بعض ما يلي إن شاء الله تعالى. عفت الديار محلها فمقامها ... بمني تأبد غولها فرجامها فمدافع الريان عرى رسمها ... خلقًا كما ضمن الوحي سلامها دمن تجرم بعد عهد أنيسها ... حجج خلون حلالها وحرامها رزقت مرابيع النجوم وصابها ... ودق الرواعد جودها فرهامها

стр. 1570

فذكر الشاعر في مطلعه عفاء الديار وعين مواضعها وجعلها ذوات آثار بالية كآثار نقوش القدماء ثم ذكر الدمن وقد نبهنا إلى ما في ذلك من كناية عن الضغينة والحقد ثم ذكر المطر المتتابع وحلول الوحش مكان الأنيس. فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها وهذا المطلع فيه شبه بمطلع زهير إلا أن زهيرًا يتساءل. وفيه شبه بمطلع الحارث إلا أن الحارث كأنه لا يبالي: رب ثاو يمل منه الثواء وقصيدة لبيد فيها مع ظاهر الصرامة ميل إلى وصل الحبال: فاقطع لبانة من تعرض وصله ... ولشر واصل خلة صرامها وأحب المجامل بالجزيل وصرمه ... باق إذا ضلعت وزاغ قوامها وهذا المعنى تجده كأنه تمهيد لما صرح به من بعد حيث قال: وكثيرة غرباؤها مجهولة ... ترجى نوافلها ويخشى ذامها غلبٍ تشذر بالذحول كأنها ... جن البدى رواسيا أقدامها أنكرت باطلها وبؤت بحقها ... عندي ولم يفخر علي كرامها وفي مقال لبيد روح اعتداد وتحد. وفي مقال الحارث إظهار تظلم وشكوى. وكلا وجهي مقالهما مستمدان من طبيعة مطالعهما. لبيد يتحدث عن مضي السنين بعد عهد الأنس وإعقاب ذلك العفاء. ويقف من المحبوب موقف الند يجزيه صرمًا بصرم ووصلًا بوصل إن آب إلى المودة. والحارث يزعم أن المحبوب هو الذي آذن بالبين، وإن يبن فعسى القلب حقًّا أن يكون قد مله، فهذه شكوى في الظاهر تتضمن عدم المبالاة. ولله در الجاحظ إذ قرن بين خبري لبيد والحارث بن حلزة في باب الخصومة ثم

стр. 1571

بعد أن ساق خبر لبيد مع الربيع بن زياد وانتصافه منه قال: «والعربي يعاف الشيء ويهجو به غيره فإن ابتلي بذلك فخر به ولكنه لا يفخر به لنفسه من جهة ما هجا به صاحبه فافهم هذه، فإن الناس يغلطون على العرب ويزعمون أنهم قد يمدحون الشيء الذي قد يهجون به وهذا باطل فإنه ليس شيء إلا وله وجهان وطرفان وطريقان فإن مدحوا ذكروا أحسن الوجهين، وإن ذموا ذكروا أقبح الوجهين. والحارث بن حلزة فخر ببكر بن وائل على تغلب. ثم عاتبهم عتابًا دل على أنهم لا ينتصفون منهم» أ. هـ. قلت وهذا نص في معنى ظاهر الشكوى الذي قدمناه. ثم ساق الجاحظ أبياتًا من الهمزية وقال الأعشى: ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعًا أيها الرجل ونفس البداية مع كونه يذكر وداعًا ورحيلًا وأنه لا يطيق ذلك فيه خفة ومرح مصدره قوله: «وهل تطيق وداعًا أيها الرجل». روح هذا الخطاب هي المشعرة بمذهب الفكاهة والقصيدة من بعد تخاطب رجلًا وتقول له: أبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفك تأتكل وقال النابغة: يا دار مية بالعلياء فالسند وقد سبق الحديث عن هذا المطلع والأبيات التي بعده ويلاحظ أن اسم المحبوبة ههنا «مية» كما هو في المتجردة. وقد قيل إن كلمته. أمن آل مية رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزود كانت سبب مفارقته النعمان إذ خاف من الوشايات وعواقبها وكان رجلًا عربيًّا حازمًا، وكان النعمان في أخبارهم سريعًا إلى سفك الدماء. ومن الشعر المأثور وليس من هذا الباب، ولكن الشيء بالشيء يذكر قول صاحب ابن عمار الطائي. الذي

стр. 1572

نهاه عن منادمة النعمان ثم لما قتله رثاه فقال: إني نهيت ابن عمار وقلت له ... لا تأمنًا أحمر العينين والشعرة إن الملوك متى تحلل بساحتهم ... تطح بنارك من نيرانهم شررة يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا ... ومنطقًا مثل وشي اليمنة الحبرة وإلى هذه البيات أشار الأندلسي في رثاء دولة بني الأفطس حيث قال: وألحقت بعديٍّ بالعراق على ... يد ابنة أحمر العينين والشعر هذا وأول كلمة عبيد بن الأبرص يشبه أول كلمة امرئ القيس في ضرب عموميته، غير أنه تحدث فيه عن الإقفار ولم يتذكر ماضي ذكريات ويستوقف عند منزل أو حبيب، فأشعرك منذ البدء أن حديثه مخالطه لون أسىً وعبرة، وتأمله تجده كذلك وعلى منواله سارت القصيدة: أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب أول شيء لم ينسب إقفار الديار إلى الرياح ولكن توارثها الناس وخلت من أهلها الأولين الذين كان يعهد. أرض توارثها شعوب ... وكل من حلها محروب إما قتيل وإما هالك ... والشيب شين لمن يشيب وإنما هذه هذا الدنيا، وما أهلها إلا الشاعر نفسه -والشيب قد نعى إليه نفسه فعلى نفسه يبكي: عيناك دمعها سروب ... كأن شأنيهما شعيب تصبو وأني لك التصابي ... أني وقد راعك المشيب

стр. 1573

فهذه المعلقات العشر، وقال المسيب بن علس: أرحلت من سلمى بغير متاع ... قبل العطاس ورعتها بوداع من غير مقلية وإن حبالها ... ليست بأرمام ولا أقطاع فهو الراحل كما ترى، والعلاقة بينه وبين سلمى لم تزل على عهدها واشجة، وفي السؤال كالمؤاخذة لنفسه ... فدل من أول كلامه أن غرضه الجد، لأن جد المطالب وحده هو الذي يحمل على مفارقة الأحياء، وقد يكون من أسباب الرحيل الفزع، ولكن قول الشاعر: أرحلت من سلمى بغير متاع دل على أن رحيله كان إراديًّا من جانبه وأسر أمره من سلماه فهذا قوله: «بغير متاع» ويجوز أن تكون زوجته، ولكنه قد عاد فجعلها محبوبة يكنى بها عن الرفه والراحة واللهو الذي نقيضه ما هم به من الجد: إذ تستبيك بأصلتي ناعم ... قامت لتفتنه بغير قناع فرأيت أن الحكم مجتنب الصبا ... وصحوت بعد تشوق ورواع فتسل حاجتها إذا هي أعرضت ... بخميصة سرح اليدين وساع ويدلك أن الرحيل والجد مما يقترنان قول الراعي: ما باك دفك بالفراش مذيلا ... أقذىً بعينك أم أردت رحيلا وقال بشامة بن الغدير في أول لاميته وهي عاشرة المفضليات: هجرت أمامة هجرًا طويلًا ... وحملك النأي عبئًا ثقيلا فأشعرك من عند البداية أن غرضه الحديث عن مشاكل قريبة من القلب

стр. 1574

وأعباء ودلالة ذلك على تصرم عهود وداد واستبدال حال سلم بحرب لا يخفى. وقال بشامة مستمرًا في غزله الذي بدأ به: وحملت منها على نأيها ... خيالًا يوافي ونيلًا قليلا تأمل المفارقة بين احتمال قلبه حبها وذكراها وزيارة طيفه إياها، ثم هذا الطيف، على غير عادة الطيف، بخيل بالنوال ... هذا الحب الذي تحمله وهم ليس وراءه طائل. ونظرة ذي شجن وامق ... إذا ما الركائب جاوزن ميلا الراحل الشاعر، وهو جاد في المفارقة وفي قلبه الشجن والتفات الطرف بحزن وقد جد المسير. أتتنا تسائل عن أمرنا ... فقلنا لها قد عزمنا الرحيلا تأمل علاقة الود والإنسانية ههنا. وقلت لها كنت قد تعلمين ... منذ ثوى الركب عنا غفولا قدم الشاعر مع الركب عاشقًا مشوقًا فلم يجد من المحبوبة غير تغافل وإهمال ثم لما نمى إليها أن الركب مرتحل، جاءت ببقية تودد ونوع اعتذار ومع هذا لم تنله كبير شيء، ما كان عطاؤها إلا أعاليل دموع ثم هي على ما كانت عليه من الانصراف عنه: وقلت لها كنت قد تعلمين ... منذ ثوى الركب عنا غفولا فبادرتاها بمستعجل ... من الدمع ينضح خدًّا أسيلا تبكي لما عزمت هي عليه من مصارمته ولا نواله. وما كان أكثر ما نولت ... من القول إلا صفاحا وقيلا وعذرتها إن كل امرئ ... معد له كل يوم شكولا

стр. 1575

ثم خلص الشاعر إلى أربه آخر الأمر وهو جد وتحريض على الحفاظ وطرح الجوار وإذكاء الحرب إذ لم يستطع إلى سعة السلم الكريمة سبيل: وخبرت قومي ولم ألقهم ... أجدوا على ذي شويس حلولا (١) فإما هلكت ولم آتهم ... فأبلغ أماثل سهم رسولا بأن قومكن خيروا خصلتين ... كلتاهما جعلوها عدولا خزي الحياة وحرب الصديق ... وكلا أراه طعامًا وبيلا فإن لم يكن غير إحداهما ... فسيروا إلى الموت سيرًا جميلًا والكلمة من القصائد الحسان وبشامة خال زهير ومنه تعلم زهير تحبير الشعر وتجويده ولنا إليها عودة إن شاء الله. وحسبنا هذا القدر من الاستشهاد. وما نزعم أنا طوينا الحقب فعاصرنا القدماء حتى صرنا نصدر مثل حدسهم لما يقرع أسماعهم من المطالع وما إليها، ولكنا نزعم أن نأمل المطالع بغرض الخلوص إلى حقيقة دلالاتها من طريق التفهم الواضح المسلك أجدر أن يكون أهدى وأصوب آخر الأمر من تقديم فروض كالحسية والسطحية وعدم الوحدة وهلم جرا، ذلك بأن طريق الفهم الواضح والاستقراء والحدس السليم أحق بالهداية والصواب من طريق الدعاوي المنبعثة من باطنيات الوساوس والأوهام. مطالع المحدثين: قال ابن رشيق في العمدة «الشعر قفل أوله مفتاحه» وهذا في معنى ما سبق من ذكرنا من قوله إن الشاعر إذا انفتح له نسيب القصيدة فقد ولج من الباب ووضع رجله في الركاب. والكلام الذي رواه ابن رشيق عن الحاتمي وزعمنا أن أصله

стр. 1576

أرسطوطاليسي كان ينبغي له فيه أن ينسب الإحسان فيه إلى القدماء قبل نسبة ذلك إلى الحذاق من المحدثين لأن صلة ما بين مطالع قصائدهم وسائر مادتها أوضح، كما قد سبق التمثيل به. وما يبدو من هجوم أبي تمام على الموضوع كقوله: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب وقوله: الحق أبلج والسيوف عوارى ... فحذار من أسد العرين حذار وقوله: آلت أمور الشرك شر مئال ... وأقر بعد تخمط وصيال لو تأملته إن هو إلا فواتح مقدمات جعلت مكان النسيب لتلائم ما هو مقبل عليه من القول. وقد سلك أبو الطيب مسلكًا قريبًا من مذهب أبي تمام في التقديم بما يجعله مكان النسيب ويبدو كأنه هجوم على الموضوع مثل قوله: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم وقوله: عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم وقوله: أعلى الممالك ما يبنى على الأسل والطعن عند محبيهن كالقبل وهذا البيت كأن فيه تقوية للمعنى الذي ذهبنا إليه لما فيه من الإشارة إلى الغزل.

стр. 1577

وحديث أبي تمام عن الرواية وعن النجوم وما فرعه في أول البائية وعن جوار الخليفة الأفشين وأنه رأى به: ما لم يكن يومًا رأى ... عمرو بن شأسٍ قبله بعرار كل هذا كالوقوف على الطلل والأثافي والأواري وما أشبه من معالم الدار، على أنه في باب الهجوم والمكافحة للغرض وكأن مطالع أبي تمام أروع وأقرع للسمع من مطالع أبي الطيب والبحتري وسائر المحدثين، وكأن «أحمد شوقي» ﵀ أراد أن يكون مثله في بعض مطالعه الطنانة مثل قوله: الله أكبر كم في الفتح من عجب ... يا خالد الترك جدد خالد العرب وكقوله: قم سليمان بساط الريح قاما ... ملك القوم من الجو الزماما وكقوله: يا أخت أندلس عليك سلام ... هوت الخلافة عنك والإسلام فالنفس ههنا حبيبي. بل قوله: بسيفك يعلو الحق والحق أغلب. على ما فيه من مجاراة أبي الطيب ومحاكاة لفظه ومعانيه، تجد فيه نفثًا من النفس الحبيبي في كلمة «الحق» هذه التي كأنما نظر فيها إلى قول حبيب «الحق أبلج والسيوف عوارى» وليس على شوقي في جميع هذا كبير مأخذ، إذ من حق النموذج الجيد أن يحاكى، وإن كان التقصير عن بلوغ مستواه مما يكون كأنه ضربة لازب. هذا وكما كان القدماء يعتمدون في مطالع النسيب أن تكون ذوات دلالة على

стр. 1578

ما بعدها مفاتح لأقفالها كانوا أيضًا يعتمدون بها أن تروع وتقرع الأسماع يشهد بذلك ما اختاروه منها كقول امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وقوله: ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي وقول النابغة: كتمتك ليلًا بالجمومين ساهرا ... وهمين همًّا مستكنًّا وظاهرا وقوله: كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب وكان أبو تمام عالمًا بهذا من مذ ١ هبهم الذي يقرعون به الأسماع ويهيئون بذلك سبيل النفوذ إلى الأفئدة، وكان انتهاج مسلكه من مقومات بديعه، مثلًا قوله: على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب وقوله: غدت تستجير الدمع خوف نوى غد ... وبات قتادًا عندها كل مرقد وقوله: دمن ألم بها فقال سلام ... كم حل عقده صبره الإلمام فهذه المطالع على أنها نسيبية قرعها للأسماع لا يخفى، وقد جنى عليه قوله «على مثلها من أربع وملاعب». أن أعترض عليه أحد حساده إذ اعترته تمتمة كانت مما نعتريه فقال: «لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» فأدخل عليه بذلك دهشة عظيمة. وزعم ابن المعتز أن أبا تمام كان رديء الإنشاد -فعله أراد هذا من تمتمته،

стр. 1579

على أن صاحب التمتمة ربما تغنى فأجاد، فهل كان أبو تمام يتغنى شعره، فإذا أنشده يتكلم به كلامًا دون الغناء تمتم؟ قال الآخر يهجوه: يا نبي الله في الشعر ويا عيسى ابن مريم أنت من أشعر خلق الله ما لم تتكلم على أن أبا تمام كان يعلم أن جودة شعره تعلو على كل إنشاد. وذكروا أنه كان له غلام ينشد عنه أحيانًا. وخبره الذي ذكره ابن المعتز عن ثقته من جودة شعره لا يخلو من روح فكاهة. قال في كتاب البديع: «ودخل أبو سعيد المخزومي على إسحاق بن إبراهيم المصعبي فأنشده قصيدة وكان حسن الإنشاد، ثم دخل بعده الطائي فأنشده وكان رديء الإنشاد فقال المصعبي للطائي لو رأيت المخزومي وقد أنشدنا آنفًا فقال أيها الأمير نشيد المخزومي يطرق بين يدي نشيدي ... » أ. هـ. يطرق بتشديد الراء من تطريق الحبلى للولادة، فالمولود هو شعر الطائي، وشعر المخزومي تطريق. وعسى أن يستفاد من قول القائل: أنت من أشعر خلق الله ما لم تتكلم إن أبا تمام كان إذا تغنى شعره أحسن فإذا تكلم به اضطرب، والترنم بالشعر والمجيء به كالكلام، كلاهما وجهان في الإنشاد، كما يستفاد من الباب الذي جعله سيبويه لذلك في الجزء الثاني من الكتاب، إلا أن التغني هو الأصل. وقد كان أبو تمام محبًا للغناء تشهد بذلك أخباره كما يشهد به قوله في المغنية الفارسية: ولم أفهم معانيها ولكن ... ورت كبدي فلم أجهل شجاها فما خلت الخدود كسبن وجدا ... لقلبي مثلما كسبت يداها يعني ضربها بالعود، وهذا من قول أبي تمام ينبه على دقة حسه بالموسيقا حتى

стр. 1580

جعل لها تأثيرًا يوازنه بالجمال الجنسي، هذا ومن مطالع أبي تمام الرائعة قوله: هن عوادي يوسفٍ وصواحبه ... فعزما فقدما أدرك النجح طالبه ويبدو عجز البيت كأنه غير مرتبط بصدره لأول وهلة، ولكن عند التأمل تظهر قوة صلته ظهورًا بينًا، وذلك أن عادة الشعراء القدماء أن يجدولا في اللحاق بالحبيب الذي بان أو يذكروا شيئًا من هذا المعنى. قال علقمة: هل تلحقني بأخرى الحي إذ شحطوا ... جلذيةٌ كأتان الضحل علكوم وقال يتسلى بالرحلة عن الحبيب الذي فارقه أو لا سبيل إليه: فدعها وسل الهم عنك بجسرةٍ ... كهمك فيها بالرداف خبيب وقال كعب بن زهير: أمست سعاد بأرضها لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل فقول أبي تمام متضمن لهذا الذي ذكرناه من عادة الشعراء. ولذلك صح له أن يرد على المستنكر الذي قال له: «لم لا تقول ما يفهم» بقوله «ولم لا تفهم ما يقال» أي لم لا تتأمل فتدرك مرادي من الإشارة إلى مسلك الشعراء في المصير إلى الجد بعد ذكر الهوى والبين ومزج ذلك بالإشارة إلى الحديث الشريف في قوله: «عوادي يوسف وصواحبه». هذا، وما أحسب أبا الطيب قد خلا من نظر خفي إلى أبي تمام في مطلعه هذا ومن نوع مجاراة ومحاكاة له فيه حيث قال: وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه والبحر واحد ومذهب الإيقاع متقارب.
следующие страницы →