← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

أرسطوطاليسي كان ينبغي له فيه أن ينسب الإحسان فيه إلى القدماء قبل نسبة ذلك إلى الحذاق من المحدثين لأن صلة ما بين مطالع قصائدهم وسائر مادتها أوضح، كما قد سبق التمثيل به. وما يبدو من هجوم أبي تمام على الموضوع كقوله: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب وقوله: الحق أبلج والسيوف عوارى ... فحذار من أسد العرين حذار وقوله: آلت أمور الشرك شر مئال ... وأقر بعد تخمط وصيال لو تأملته إن هو إلا فواتح مقدمات جعلت مكان النسيب لتلائم ما هو مقبل عليه من القول. وقد سلك أبو الطيب مسلكًا قريبًا من مذهب أبي تمام في التقديم بما يجعله مكان النسيب ويبدو كأنه هجوم على الموضوع مثل قوله: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم وقوله: عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم وقوله: أعلى الممالك ما يبنى على الأسل والطعن عند محبيهن كالقبل وهذا البيت كأن فيه تقوية للمعنى الذي ذهبنا إليه لما فيه من الإشارة إلى الغزل.

стр. 1577

وحديث أبي تمام عن الرواية وعن النجوم وما فرعه في أول البائية وعن جوار الخليفة الأفشين وأنه رأى به: ما لم يكن يومًا رأى ... عمرو بن شأسٍ قبله بعرار كل هذا كالوقوف على الطلل والأثافي والأواري وما أشبه من معالم الدار، على أنه في باب الهجوم والمكافحة للغرض وكأن مطالع أبي تمام أروع وأقرع للسمع من مطالع أبي الطيب والبحتري وسائر المحدثين، وكأن «أحمد شوقي» ﵀ أراد أن يكون مثله في بعض مطالعه الطنانة مثل قوله: الله أكبر كم في الفتح من عجب ... يا خالد الترك جدد خالد العرب وكقوله: قم سليمان بساط الريح قاما ... ملك القوم من الجو الزماما وكقوله: يا أخت أندلس عليك سلام ... هوت الخلافة عنك والإسلام فالنفس ههنا حبيبي. بل قوله: بسيفك يعلو الحق والحق أغلب. على ما فيه من مجاراة أبي الطيب ومحاكاة لفظه ومعانيه، تجد فيه نفثًا من النفس الحبيبي في كلمة «الحق» هذه التي كأنما نظر فيها إلى قول حبيب «الحق أبلج والسيوف عوارى» وليس على شوقي في جميع هذا كبير مأخذ، إذ من حق النموذج الجيد أن يحاكى، وإن كان التقصير عن بلوغ مستواه مما يكون كأنه ضربة لازب. هذا وكما كان القدماء يعتمدون في مطالع النسيب أن تكون ذوات دلالة على

стр. 1578

ما بعدها مفاتح لأقفالها كانوا أيضًا يعتمدون بها أن تروع وتقرع الأسماع يشهد بذلك ما اختاروه منها كقول امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وقوله: ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي وقول النابغة: كتمتك ليلًا بالجمومين ساهرا ... وهمين همًّا مستكنًّا وظاهرا وقوله: كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب وكان أبو تمام عالمًا بهذا من مذ ١ هبهم الذي يقرعون به الأسماع ويهيئون بذلك سبيل النفوذ إلى الأفئدة، وكان انتهاج مسلكه من مقومات بديعه، مثلًا قوله: على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب وقوله: غدت تستجير الدمع خوف نوى غد ... وبات قتادًا عندها كل مرقد وقوله: دمن ألم بها فقال سلام ... كم حل عقده صبره الإلمام فهذه المطالع على أنها نسيبية قرعها للأسماع لا يخفى، وقد جنى عليه قوله «على مثلها من أربع وملاعب». أن أعترض عليه أحد حساده إذ اعترته تمتمة كانت مما نعتريه فقال: «لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» فأدخل عليه بذلك دهشة عظيمة. وزعم ابن المعتز أن أبا تمام كان رديء الإنشاد -فعله أراد هذا من تمتمته،

стр. 1579

على أن صاحب التمتمة ربما تغنى فأجاد، فهل كان أبو تمام يتغنى شعره، فإذا أنشده يتكلم به كلامًا دون الغناء تمتم؟ قال الآخر يهجوه: يا نبي الله في الشعر ويا عيسى ابن مريم أنت من أشعر خلق الله ما لم تتكلم على أن أبا تمام كان يعلم أن جودة شعره تعلو على كل إنشاد. وذكروا أنه كان له غلام ينشد عنه أحيانًا. وخبره الذي ذكره ابن المعتز عن ثقته من جودة شعره لا يخلو من روح فكاهة. قال في كتاب البديع: «ودخل أبو سعيد المخزومي على إسحاق بن إبراهيم المصعبي فأنشده قصيدة وكان حسن الإنشاد، ثم دخل بعده الطائي فأنشده وكان رديء الإنشاد فقال المصعبي للطائي لو رأيت المخزومي وقد أنشدنا آنفًا فقال أيها الأمير نشيد المخزومي يطرق بين يدي نشيدي ... » أ. هـ. يطرق بتشديد الراء من تطريق الحبلى للولادة، فالمولود هو شعر الطائي، وشعر المخزومي تطريق. وعسى أن يستفاد من قول القائل: أنت من أشعر خلق الله ما لم تتكلم إن أبا تمام كان إذا تغنى شعره أحسن فإذا تكلم به اضطرب، والترنم بالشعر والمجيء به كالكلام، كلاهما وجهان في الإنشاد، كما يستفاد من الباب الذي جعله سيبويه لذلك في الجزء الثاني من الكتاب، إلا أن التغني هو الأصل. وقد كان أبو تمام محبًا للغناء تشهد بذلك أخباره كما يشهد به قوله في المغنية الفارسية: ولم أفهم معانيها ولكن ... ورت كبدي فلم أجهل شجاها فما خلت الخدود كسبن وجدا ... لقلبي مثلما كسبت يداها يعني ضربها بالعود، وهذا من قول أبي تمام ينبه على دقة حسه بالموسيقا حتى

стр. 1580

جعل لها تأثيرًا يوازنه بالجمال الجنسي، هذا ومن مطالع أبي تمام الرائعة قوله: هن عوادي يوسفٍ وصواحبه ... فعزما فقدما أدرك النجح طالبه ويبدو عجز البيت كأنه غير مرتبط بصدره لأول وهلة، ولكن عند التأمل تظهر قوة صلته ظهورًا بينًا، وذلك أن عادة الشعراء القدماء أن يجدولا في اللحاق بالحبيب الذي بان أو يذكروا شيئًا من هذا المعنى. قال علقمة: هل تلحقني بأخرى الحي إذ شحطوا ... جلذيةٌ كأتان الضحل علكوم وقال يتسلى بالرحلة عن الحبيب الذي فارقه أو لا سبيل إليه: فدعها وسل الهم عنك بجسرةٍ ... كهمك فيها بالرداف خبيب وقال كعب بن زهير: أمست سعاد بأرضها لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل فقول أبي تمام متضمن لهذا الذي ذكرناه من عادة الشعراء. ولذلك صح له أن يرد على المستنكر الذي قال له: «لم لا تقول ما يفهم» بقوله «ولم لا تفهم ما يقال» أي لم لا تتأمل فتدرك مرادي من الإشارة إلى مسلك الشعراء في المصير إلى الجد بعد ذكر الهوى والبين ومزج ذلك بالإشارة إلى الحديث الشريف في قوله: «عوادي يوسف وصواحبه». هذا، وما أحسب أبا الطيب قد خلا من نظر خفي إلى أبي تمام في مطلعه هذا ومن نوع مجاراة ومحاكاة له فيه حيث قال: وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه والبحر واحد ومذهب الإيقاع متقارب.

стр. 1581

ولأبي الطيب بعد مطالع في ما يبدؤه بالنسيب حسان مثل قوله: ليالي بعد الظاعنين شكول ... طوال وليل العاشقين طويل وقوله: فديناك منم ربعٍ وإن زدتنا كربا ... فإنك كنت الشرق للشمس والغربا وقوله: لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقى ... وللحب ما لم يبق منه وما بقى وقوله: تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق وقوله: أود من الأيام ما لا توده ... وأشكو إليها بيننا وهي جنده فهؤلاء روائع وللسمع قوارع. هذا وقد وهم كثير من الباحثين وأوهموا حين افترضوا أن النسيب قد كان البدء به ضربة لازب، ثم فرعوا من ذلك أنه قد صار عبئًا ثقيلًا عند شعراء العصر العباسي الأول فثاروا عليه، وأن هذا شاهد الحيوية والتطور، وكثر التخريج والتحليل حول أبي نواس خاصة. كلمة عن أبي نواس: قد كان أبو نواس شعوبي اللسان أحيانًا كثيرة كما في قوله: عاج الشقي على رسم يسائله ... وعجت أسأل عن خمارة البلد تبكي على طلل الماضين من أسد ... لادردرك قل لي من بنو أسد ومن تميم ومن قيس ولفهما ... ليس الأعاريب عند الله من أحد

стр. 1582

على أن هذا ربما كان أدخل في باب العصبية منه في باب الشعوبية، لذكره بني أسد كأنما يشير بذلك إلى نونية الكميت -وهو أسدي- في ذم اليمن، وكان أبو نواس معروفًا بالتعصب لليمن وما ذكر في ذمه إلا قبائل مضر وهم الأعاريب إذ البداوة عليهم أغلب منها على اليمن وقال ابن رشيق في باب المبدأ والخروج والنهاية، «ولما سجنه الخليفة على اشتهاره بالخمر وأخذ عليه ألا يذكرها في شعره قال: أعر شعرك الأطلال والمنزل القفرا ... فقد طالما أزرى به نعتك الخمرا دعاني إلى نعت الطلول مسلط ... تضيق ذراعي أن أرد له أمرا فسمعا أمير المؤمنين وطاعة ... وإن كنت قد جشمتني مركبا وعرا فجاهر بأن وصفه الأطلال والقفر إنما هو من خشية الإمام، وإلا فهو عنده فراغ وجهل، وكان شعوبي اللسان، فما أدري ما وراء ذلك وإن في اللسان وكثرة ولوعه بالشيء لشاهدًا عدلًا لا ترد شهادته وقد قال أبو تمام: لسان المرء من خدم الفؤاد» أ. هـ. وكأن ابن رشيق مداخله شك في الذي هم أن ينسب أبا نواس إليه من الشعوبية ومع الشك تتردد، وبعض ذلك أحسب مرده إلى ضرب من التقية والحذر كان يعمد إليه ابن رشيق يصانع بذلك مولاه أو من كان ذا قدم في مجالسه والله تعالى أعلم. على أن استشهاد ابن رشيق بالأبيات الرائية التي استشهد بها أدل على المعنى الذي ذكر في الأبيات الدالية لمكان ما ذكرناه فيها من الدلالة على العصبية وقد كان أبو نواس ميالًا إلى الهزل والعبث وعسى أن يدخل في ذلك التظرف بالتظاهر برقة الدين إن يكن رقيقة، ومما يشهد بأن بعض ذلك ربما كان من مذهبه قوله: تيه مغن وظرف زنديق فقد نسب الظرف إلى الزنديق كما ترى. وزعم ابن المعتز أن غزل أبي نواس بالمذكر

стр. 1583

كان كذبًا، وكان إلى زمانه أقرب وبه أعرف وهو الذي قطع بالذي قدمنا من عصبية أبي نواس لليمن واستشهد ببائيته التي أولها. لست لدارٍ عفت وغيرها ... ضربان من قطرها وحاصبها وذكر منها جملة أبيات وأورد تفسيرها الذي قرأه هو على أبي العباس المبرد. هذا ويمكن أن يوجه قول أبي نواس إلى أنه أرا به التعريض ببعض معاصريه أو إلى أنه ذهب به إلى مجرد الطعن في البداوة والأعراب كعادة ساكنة المدر من العرب في جاهليتهم وإسلامهم. وقد ارتجز الحجاح على منبر الكوفة وتمثل بقول القائل: قد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراجٍ من الدوي مهاجر ليس بأعرابي ولم يكن أبي نواس أول ولا آخر من تضجر بمقدمة الطلل وما هو بمجراها في المطالع، فامرؤ القيس هو شيخ الأوائل وسابقهم قد روى له قوله: عوجا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حزام وابن حزام هذا أحسبه هو عروة صاحب عفراء من قدماء العشاق في الدهر الأول ثم تكرار اسم العاشق والمعشوقة في أزمان جاءت من بعد، وكان مثلًا للعشق كما كان المرقش مثلًا للعشق وكما صار قيس وليلى من بعد مثلًا للعشق وقد كان في الجاهلية مرقشان، فلا تستبعد أن يكون عروتان وعفراوان وأكثر. قال جرير في ذكر المرقش: قلبي حياتي بالحسان مكلف ... ويحبهن صداي في الأصداء إني وجدت بهن وجد مرقش ... ما بعض حاجتهن غير عناء وقال فذكر عروة وعفراء، في كلمة مدح بها العباس بن الوليد بن عبد الملك،

стр. 1584

وما أشبه أن يكون عني عاشقين بعيدي الزمان من عهده جدًّا: إن الشفاء الذي ضنت بنائله ... فرع البشام الذي تجلو به البردا هل أنت شافيةٌ قلبًا يهيم بكم ... لم يلق عروة من عفراء ما وجدا وقال فذكر عروة بن حزام في بيت يهجو به الفرزدق: إن المكارم قد سبقت بفضلها ... فانسب أباك لعروة بن حزام ولم يكن الفرزدق صاحب نسيب ولكنه كان يتهم بفجور وزعم جرير فيما كان يسبه به أن أباع غالبًا كان لغير رشدة، وأنه كان لجده صعصعة قين يقال له جبير، عشقته نساء مجاشع وشغف قفيرة جدة الفرزدق حبًّا فجاءت بغالب منه، فذلك قوله: وتغضب من ذكر القيون مجاشع ... وما كان ذكر القين سرًّا مكتما مجاشع هم رهط الفرزدق: ترى الخور جلدًا من بنات مجاشع ... لدى القين لا يمنعن منه المخدما أن ترى الناس الخائرات جلودًا من بنات مجاشع لدى هذا القين أي جبير الحداد لا يمنعن منه المخدم بضم الميم الأولى والدال المشددة المفتوحة وهو الساق حيث تكون الخدمة بالتحريك وهي الخلخال. إذا ما لوى بالكلبتين كتيفة ... رأين وراء الكير أيرا محمما والكلبتان والكير من أداة الحداد والكتيفة هي قطعة الحديد، ويخفي ما في البيت على فحشه من فكاهة وشيطنة. ثم يقول: لقد وجدت بالقين خور مجاشع .... كوجد النصارى بالمسيح ابن مريما فجعل أمرهن حبًّا فيه زيادة ومبالغة -فهذا يوضح أن قوله: فانسب أباك لعروة بن حزام

стр. 1585

«بالزاي وهو اسم العاشق المشهور وما أرى إلا أن الاسم الذي في بيت امرئ القيس هو عين هذا الاسم ودخله التصحيف فقيل حذام بالذال وخذام بالخاء المعجمة وحمام بميمين فتأمل». أي إلى العشق، أي إلى جبير الذي هو كعروة وقفيره التي هي العفراء. وزعم جرير أن أم الفرزدق قد استدعى لها صائغ وهي صبية ليخلص قرطها فعض أذنها، فحول قصة القرط في الأبيات الميمية هذه إلى قصة ساق ومخدم وأشنع من ذلك. والبيت الذي زعم فيه ما زعم هو قوله: ليست كأمك إذ يعض بقرطها ... قين وليس على القرون خمار أي على شعر الرأس، ولا يخفى ما ههنا من خبث. هذا، وبيت امرئ القيس الذي تقدم ذكره: عوجا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حذام فيه نفس من تبرم بضرورة البدء بذكر الديار أحيانًا كثيرة في المطالع. وقال زهير: وما نرانا نقول إلا معارًا ... أو معادًا من قولنا مكرورا وقال عنترة: هل غادر الشعراء من متردم كأنه لا يرى سبيلًا إلى القول، ثم أقدم على القول كما يقدم سائر الشعراء فذكر الطلل وقال: أم هل عرفت الدار بعد توهم

стр. 1586

وروى بعضهم أول هذه الميمية: يا دار عبلة بالجواء تكلمي كأنه يستكثر -والله تعالى أعلم- توالي أربعة أشطار بالتصريع ولا يخفى ما في ذلك من قوة الترنم. وفي شرح ابن الأنباري للقصائد السبع قال: «قال يعقوب سمعت أبا عمرو ويقول لم أكن أروي هذا البيت لعنترة حتى سمعت أبا حزام العكلي ينشده له» أ. هـ. يعقوب هو ابن السكيت قتيل المتوكل (٢٤٤ هـ) وأبو عمرو هو الشيباني لا أبو عمرو بن العلاء. ويدلك على أن بيت عنترة: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم أنه هو أول القصيدة ما يحمله من معنى ظاهر التردد والإحجام مع أن النية صادقة على الإقدام، وهذا كقوله من بعد: ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى ... إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم وهو جار على طريقتهم في إيحاء المطالع بما سيجيئ بعد من أغراض القول وفنونه وقال الحماسي: خيال لأم السلسبيل ودونها ... مسيرة شهر للبريد المخبب معاذ الإله أن تكون كدميةٍ ... ولا ظبيةٍ ولا عقيلة ربرب ولكنها زيدت على الحسن كله ... كمالًا ومن طيبٍ على كل طيب فهذا كما ترى متبرم بأن الشعراء لم يدعوا تشبيهًا في مطالع النسيب إلا ذكروه فلا يريد أن يكرر ذلك فيقصر عن صفة أم السلسبيل ولعل قوله «أم السلسبيل» كنية اخترعها يصف بها حلاوة ما زوده إياه ثغر طيف الخيال. والسلسبيل من ألفاظ

стр. 1587

القرآن. فجعل ليلاه من الحور العين كما ترى. وإنما سقنا هذا الشاهد لسببين، أولهما ملابسته للمطلع إذ قوله معاذ الإله إلخ بعد بيت المطلع مباشرة فكأنه منه فجرى فيه على قريب من مذهب عنترة العبسي، وثانيهما أنه يأخذ على الشعراء ذكرهم الدمية والظبية والربرب، وليس ذلك من شعوبيته فهو عربي قح (حجية بن المضرب). ولو سقط هذا البيت لأبي نواس لبنى عليه بعض من يأخذ بالتحامل على العرب بناء. وقد مر بك قول الكميت: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب فأنكر الغزل في المطلع ثم أنكر ضروبًا مما يفتتح به الشعراء من طير وظباء وديار قال: ولم تلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنان مخضب ولا أنا ممن تزجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب ولا السانحات البارحات عشية ... أمر سليم القرن أم مر أعضب الأعضب المكسور القرن وكان أهل العيافة يتشاءمون به. ولكن إلى أهل الفضائل والنهى ... وخير بني حواء والخير يطلب وقال أبو الطيب، فنظر إلى قول الكميت هذا، وكلاهما عربي عن الشعوبية بعيد حق بعيد: إذا كان مدح فالنسب المقدم ... أكل فصيح قال شعرًا متيم لحب ابن عبد الله أولى فإنه ... به يبدأ الذكر الجميل ويختم وقد كان أبو الطيب مع تبرمه ههنا بالنسيب في المبدأ ممن يجيد مطالع النسيب وبداياته الغزلية وعد أبو منصور في يتيمة الدهر تشبيه بالبدويات من محاسنه فتأمل.

стр. 1588

وأبو نواس ممن مهد لأبي تمام مذهب الافتنان في اتباع طريقة القدماء في المطالع والتفريع عنها، وهو القائل: ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس مساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان جنيٌّ ويابس فهذا كوقفة من يقف على آثار الدار يتبين معالمها كقول زهير: وقفت بهات من بعد عشرين حجة ... فلأيًّا عرفت الدار بعد توهم أثافي سفعًا في معرس مرجل ... ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلم وقد وقف أبو نواس كوقوف القدماء على الربع عند قوله: حبست بها صحبي فجددت عهدهم ... وإني على أمثال تلك لحابس وقوله: وخيمة ناطور برأس منيفة ... تهم يدا من رامها بزليل حططنا بها الأثقال فل هجيرةٍ ... عبورية تذكى بغير فتيل وهي مما كان يرويه الأصمعي ويحفظه لمكانه من سلامة اللغة وفصاحتها، كما يدل على بعض ما ذكر من خبره في طبقات ابن المعتز. أبو نواس ينظر في هذه الكلمة إلى وصف الشعراء خيمة الربيئة الذي يصعد قمة تل أو ربوة أو صخرة ليراقب منها الأعداء. وكانت هذه الخيمة يقال لها النعامة وكانت من أعواد ثلاثة عليها خرقة يستظل بها الربيئة وقد لقي من قبل جهدًا في الصعود إليها، وكانوا مما يفتخرون بذلك، قال امرؤ القيس: ومرقبة كالزج أشرف فوقها ... أقلب طرفي في فضاء عريض وقد رد القرآن على صناديد أهل الكفر فخرهم بالمربأة وصعودها وطربهم لفخر

стр. 1589

الشعراء به، فجعل لهم عقابًا من الله ﷻ ، من جنسه في جهنم وساءت مصيرًا. قال تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ وقال تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾، وقد جعل أبو نواس مكان مظلة الربيئة خيمة الناطور التي ذكر (الناطور حارس البستان) وجعلها على رأس صخرة عسيرة الصعود، وزعم أنه صار إليها مع أصحابه في هجيرة موقدة (عبورية نسبة إلى الشعرى العبور وزمانها أشد الحر) لا لأرب حربي كما كان يصنع الربيئة في الزمان القديم، ولكن ليلهو ويلعب ويشرب ويطرب. وقد نظر في صفة خيمة الناطور والهجيرة العبورية إلى نحو قول تأبط شرًّا: وقلةٍ كسنان الرمح بارزة ... ضحيانة في شهور الصيف محراق بادرت قنتها صحبي وما كسلوا ... حتى نميت إليها بعد إشراق لا شيء في ريدها إلا نعامتها ... منها هزيم ومنها قائم باقي ومن مطالع أبي نواس القديمة المذهب قوله: ديار نوار ما ديار نوار ... كسونك شجوًا هن منه عوارى يقولون في الشيب الوقار لأهله ... وشيبي بحمد الله غير وقار وقوله: لمن طلل عاري المحل دفين ... عفا أيه الاخوالد جون وقوله: يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن سنة العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستكن وقوله: دعت الهموم إلى شغاف فؤادي ... وحمت جوانب مقلتي رقادي

стр. 1590

وهذا مطلع جارى فيه، كما لا يخفى، مطلع الأسود بن يعفر: نام الخليس ما أحس رقادي ... والهم محتضر لدي وسادي ومن مطالعه يتعصب لليمن جدًّا أو هزلًا ويذكر ديارهم ويعير تميمها أكل الضب: ألا حي أطلالًا بسيحان فالعذب ... الى برعٍ فالبئر بئر أبي زعب تمر بها عفر الظباء كأنها ... أخاريد من روم يقسمن في نهب وقال في مطلع خمرية طللي على تماجنه بذلك: عفا المصلي وأقوت الكثب ... منى فالمربدان فاللبب والمسجد الجامع المروءة والديـ ... ـن عفا فالصحان فالرحب منازل قد عمرتها يفعا ... حتى بدا في عذارى الشهب يعني الشيب- وقد حاكى أبو نواس في ذكر المصلي طريحًا الثقفي من شعراء بني أمية ذكر المسجد في معرض ذكر الطلل فزعم صاحب الأغاني أن أبا جعفر المنصور سأل هل ذكر المسجد أحد قبله في صفات الطلول، فهذا الخبر مما يدلنا على سذاجة من يقولون بأن القدماء كانوا في نقدهم سذجًا أم ليت شعري هل نظر أبو جعفر في نقد اليونان لصفة الطلول إذ هو ممن يذكرون أنه أول أو من أوائل من أمروا بترجمة علوم يونان؟ ثم يقول أبو نواس: في فتية كالسيوف هزهم ... شرخ شباب وزانهم أدب ثمت راب الزمان فاقتسموا ... أيدي سبا في البلاد فانشعبوا قوله «في فتيه كالسيوف» ينظر إلى نحو قول الأعشى: في فتيه كسيوف الهند قد علموا ... أن هالكٌ كل من يحفى وينتعل وفيه ما ترى من زيادة عند قوله «هزهم شرخ شباب» وهي عبارة رشيقة جمع

стр. 1591

فيها بين ترشيح للتشبيه بقوله هزهم وهو يرجع إلى تصوير حال السيوف وتجريد للتشبيه بقوله «شرخ شباب». وهو يرجع إلى نعت حال الفتية. ولا يخلو في ذلك من طرف خفي نظر به إلى قوله ابن أبي ربيعة: وهي مكنونة تحير منها ... في أديم الخدين ماء الشباب «هزهم شرخ الشباب» هو ضرب مولد من تحيير ماء الشباب. وقال في ميمية استحسنها ابن المعتز وجعلها في درجة رائيته الخصيبية: يا دار ما فعلت بك الأيام لم تبق فيك بشاشة تستام عرم الزمان على الذين عهدتهم ... بك قاطنين وللزمان عرام ومطلع الخصيبية (وهو من المطالع الفخمان والقصيدة من روائعه): أجارة بيتينا أبوك غيور ... وميسور ما يرجى لديك عسير من نوع المطالع النسيبية وقد تعلم استهلال الأعشى حيث قال: بانت لتفجعنا عفارة ... يا جارتا ما أنت جارة فقد بدأ بذكر الجارة كما ترى. وقال فاستهل بذكر الشباب، وقد تعلم أن ذلك من مطالع القدماء كقول سلامة بن جندل: أودى الشباب حميدًا ذو التعاجيب ... أودى وذلك شأو غير مطلوب قال: كان الشباب مطية الجهل ... ومحسن الضحكات والهزل كان الفصيح إذا نطقت به ... وخرجت أخطر صيت النعل

стр. 1592

ثم قال: فالآن صرت إلى مقاربة ... وحططت عن ظهر الصبا رحلي وقد مر بك قولنا منذ دهر في باب الحديث عن الكامل الأخذ وأخيه المضمر أن أبا نواس قد جارى في هذه اللامية امرأ القيس في قصيدته التي مطلعها: حي الحمول بجانب العزل وذلك لا يخفى لاتفاق الوزن والروى. وقول أبي نواس: كان الشباب مطية الجهل من قول النابغة الذبياني: فإن يك عامر قد قال جهلًا ... فإن مطية الجهل الشباب وقد يقال: «مظنة الجهل» بالظاء المعجمة والنون في بيتي النابغة والحسن. وقوله: «وحططت عن ظهر الصبا رحلي» من قول زهير: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله وفي لامية أبي نواس هذه: فاعذر أخاك فإنه رجل ... مرنت مسامعه على العذل وهذا فيه كالنظر إلى قول عمران بن حطان: فاعذر أخاك ابن زنباع فإن له ... في النائبات خطوبًا ذات ألوان وقول أبي نواس: لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد ما عدا فيه دعا إلى الافتتاح بالخمر، ومذاهب القدماء في افتتاح القصائد لا

стр. 1593

يحد لها حد، وقد تعلم قول عمرو بن كلثوم: «ألا هبي بصحنك فاصبحينا». وقول عدي بن زيد: بكر العاذلون في وضح الصبـ ... ـح يقولون لي أما تستفيق ودعوا بالصبوح يومًا فجاءت ... قينة في يمينها إبريق وإليه نظر الأخطل حيث قال: بكر العواذل يبتدرن ملامتي ... والعالمون فكلهم يلحاني في أن سقيت بشربة مقذية ... صرف مشعشعة بماء شنان ومما عسى أن يصح الاستشهاد به على طغيان لسان أبي نواس يتحدى ويعبث وأن ذلك بعيد أن يكون منه جدًّا نحو قوله: يا أحمد المرتجى في كل نائبة ... قم سيدي نعص جبار السموات ونحو قوله: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء من كف ذات حر في زي ذي ذكر ... لها محبان لوطيٌّ وزناء صور الساقية وهذا العبث المكشوف الصارح كالشيء المفاجئ بالنسبة إلى لب الموضوع -لب الموضوع هو زجر العاذل والقصد إلى مغايظته بذكر التداوي من الخمار بكأسٍ أخرى من الخمر. ولا يخلو أبو نواس في قوله: «من كف ذات حر في زي ذي ذكر» بعد قوله: «دع عنك لومي فإن اللوم إغراء» من قصد أيضًا مع المغايظة وروح التحدي إلى شيء من بعض التعريض بالعاذل، وفي القصيدة من بعد قوله: فقل لمن يدعي في العلم فلسفة ... حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء لا تحظر العفو إن كنت امرأً حرجًا ... فإن حظركه بالدين إزراء

стр. 1594

في هذين البيتين جدل حاد وانتصار لمذهب أهل السنة لعل أبا نواس صدر فيه عن عقيدة صادقة لا عن الرغبة في الاستخفاف بالعاذل وحدها ثم التظرف بذكر انتظاره عفو الله وغفرانه ورحمته التي وسعت كل شيء. وقيل إن النواسي أراد بقوله «فقل لمن يدعي في العلم فلسفة» إبراهيم النظام، وكان شيخ المعتزلة وكبير متكلميهم وكانت للمعتزلة صولة فكر في الصدر الأول من خلافة بني العباس. وكان عمرو بن عبيد كريمًا عند أبي جعفر. وكان أبو معاذ من شيعة واصل بن عطاء حينًا من الدهر ثم فارقه وهجاه وقال: مالي أشايع غزالًا له عنق ... كنقنق الدو إن ولي وإن مثلا عنق الزرافة ما بالي وبالكمو ... تكفرون رجالا كفروا رجلا نقنق الدو لنونين مكسورتين أي النعامة والدو والصحراء والنعامة طويلة العنق الذكر والأنثى وأكثر ما يطلق النقنق على الذكر وهم الظليم إن ولي وإن مثلًا أي مقبلًا ومدبرًا ثم قال عنق الزرافة وكأن بشارًا إنما سمع بطول عنقه وطول عنق النقنق والزرافة فذكر ذلك على السماع إذ كان رجلًا ضريرًا ولعل مقتل بشار كان -والله أعلم- بكيد من المعتزلة فقد نسب إلى واصل فيه ما هو كالتحريض عليه. هذا وقد صاحبت صولة الفكر المعتزلية صولة من سلطان باطش أيام المأمون والمعتصم والواثق وقع بها مخالفوهم من أهل السنة في محنة عظيمة. فهذان البيتان من أبي نواس في إنكار مقالة المعتزلة بالوعد والوعيد يدلان على جرأة منه عظيمة في مجال الكلام والفكر المذهبي. وقد كانت نهاية حياته بعد مقتل الأمين غامضة. روى ابن المعتز في أخباره عنه في طبقاته قال: «واسمه الحسن بن هانئ ويكنى أبا علي، ولد بالأهواز بالقرب من الجبل المقطوع المعروف براهبان سنة تسع وثلاثين ومائة ومات ببغداد سنة خمس وتسعين ومائة وكان عمره خمسًا وخمسين سنة ودفن في مقابر الشونيزي في تل اليهود ومات في بيت خمارة كان يألفها» أ. هـ. قلت ههنا موضع الغموض، فهل أصاب

стр. 1595

المسكين كيد تدبير خفي من المعتزلة؟ ومن أميرهم أمير المؤمنين المأمون؟ على أن المأمون قد كان معروفًا له الحلم وسعة الصدر، ذكروا أن دعبلًا هجاه فلم يصبه منه شيء، وإن الحسين بن الضحاك أسرف في رثاء الأمين ثم إنه عفا عنه ولم ينله بأذى، وقد عفا عن عمه إبراهيم بعد خروجه عليه ودعاء بغداد له بالخلافة. ومع هذا لم يسلم من فتلك المأمون بعض من لم يسعهم رضاه، أولهم أخوه الأمين ثم وزيره الفضل بن سهل وقائده هرثمة بن أعين، وقد تخطفت السيوف من قال له: «يا أمير الكافرين» في ساعته، ومع أن سوء أدبه قد جر عليه ذلك، ما كان من تخطفوه بأسيافهم ليفعلوا ما فعلوه على غير ثقة من أن المأمون سيرضى عنه وقد فعل شيئًا مثل ذلك أشياخ الروم بأحد زملائهم في المجلس، في ما ذكره مؤرخوهم، أوائل عهد الإمبراطورية بالاستبداد، فتأمل. وقد ذكروا أن المأمون أمر بعلي بن جبلة العكوك فاستل لسانه من أصله لقوله في أبي دلف: إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره ولعل استلال لسان علي بن جبلة العكوك أن صح قد كان له سبب أعمق من مجرد فرط الغلو في مدح أبي دلف، وما كان أبو دلف إلا من خدم الخلافة مذعنًا لها كل الإذعان، وأنكر ابن المعتز هذا الخبر وجزم أن علي بن جبلة مات حتف أنفه وما أشبه هذا أن يكون هو الصواب، والله أعلم (١). خلاصة القول إن أبا نواس لم يخرج عن مذاهب الشعراء في المبدأ والمطالع

стр. 1596

وطلب براعة الاستهلال، وقد سبق منا القول بأن المطالع والابتداء والمقدمة كل أولئك لا يمكن أن يحد له حد يسمعه فيقال إن أبا نواس قد خرج عنه حقًّا. امرؤ القيس وحده عنده من الابتداء نحو قوله: لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر ... ولا مقصر يومًا فيأتيني بقر ونحو قوله: أرانا موضعين لأمر غيبٍ ... ونسحر بالطعام وبالشراب وقوله: أحار ابن عمرو كأني خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر وقوله: ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرى وتدر وقوله: رب رام من بني ثعلٍ ... مثلج كفيه في فتره هذا عدا مطالعه المشهورة: وقد مر من الشواهد في هذا الباب قدرٌ كافٍ. وينبغي التنبيه إلى أن أبا نواس له ديوان -أو ما كأنه ديوان قائم بذاته في الكلاب والصيد، يجعله من حيث حاق الجودة في مصاف أبي النجم العجلي ومحسني الرجاز، والتزامه في كل ذلك بموضوع واحدٍ لا يخفى وقد استشهد الجاحظ بطردياته وأورد منها كاملة في الحيوان. وكان الجاحظ بأبي نواس معجبًا. وكأن الجاحظ، مع شهرته بالاعتزال، كان يضمر ميلًا إلى مذهب أهل السنة. وعسى هذا أن يفسر كثيرًا من إغضاء علمائهم عنه، كما أغضوا عن ظاهر انحراف أبي نواس، والله أعلم.

стр. 1597

المقاطع: أمر المقاطع والنهاية قريب من أمر المطالع والبداية ذلك أنه كما تلتمس روعة المطلع ليقرع الأسماع، كذلك يلتمس حسن المقاطع ليكون مؤذنًا بالخواتيم وقد يصوغ الشاعر آخر بيت في القصيدة صياغة تدل على أنه ختم به قوله: كقول امرئ القيس: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي وما المرء ما دامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا آلي فهذا آخر بيت في القصيدة «ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي» ومكانه بعدد البيتين السابقين له، الممهدين لمكانه، مشعر بالنهاية. وقد أخذ الصلتان العبدي قوله: تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة بقي من هذا البيت. وقريب من مذهب امرؤ القيس ههنا مذهبه في الضادية حيث قال: كأن الفتة لم يغن في الناس ساعةً ... إذا اختلف اللحيان عند الجريض أي ساعة الموت. وقال متمم بن نويرة بعد أن ذكر الشامتين: فلا يهنئ الواشين مقتل مالك ... فقد آب شانيه إيابًا فودعا وهذا مشعر بآخر القصيدة. وقال النابغة ونبه على أن بيته هذا خاتمة كلامه: ها إن تا عذرةٌ ألا تكن نفعت ... فإن صاحبها قد تاه في البلد

стр. 1598

ويروى: ها أن ذي عذرة ... أو: ها إنها عذرة ألا تكن نفعت ... فإن صاحبها مشارك النكد ويجوز أن النابغة قال هذا ثم عدل عنه وكانوا ممن يراجعون شعرهم كما يجوز أن يكون جاء بتكرار جعله خاتمة كلامه هكذا: ها إن ذي عذرة ألا تكن نفعت ... فإن صاحبها مشارك النكد ها إن ذي عذرة ألا تكن نفعت ... فإن صاحبها قد تاه في البلد ويبعد هذا الوجه أنهم لم يرووه تكرارًا، فالوجه الأول هو الصواب إن شاء الله ونظر أبو تمام إلى خاتمة النابغة هذه من بعدٍ ما في قوله يعتذر إلى أحمد بن أبي دؤاد في آخر بيت وصف به قصيدة اعتذاره المنجحة: كرقي الأوساد والأراقم طالما ... نزعت حمات سخائم وحقود وقال سويد بن أبي كاهل في آخر العينية «بسطت رابعة الحبل لنا» فأشعر بأنه ختمها: هل سويد غير ليث خادرٍ ... ثئدت أرض عليه فانتجع وقد سبق عنها الحديث. وقال تأبط شرًّا في آخر القافية المفضلية ما يشعر باختتامها. وهو قوله: لتقر عن علي السن من ندم ... إذا تذكرت يومًا بعض أخلاقي وقد يكون بيت المقطع متصلًا ببيت أو بيتين قبله ويكون مع ذلك إشعاره بالنهاية قويًّا واضحًا مثل قول المثقب العبدي: وما أدري إذا يممت أرضًا ... أري الخير أيهيما يليني أالخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني

стр. 1599

وقد سبق التنبيه إلى التحام آخر هذه القصيدة بأولها وقوة دلالة مطلعها ومقطعها على سائر معانيها في معرض الحديث عن النعت والغزل والوداع والظعائن. ونزيد تنبيهًا ههنا على أن قوله في المطلع: أفاطم قبل بينك متعيني ... ومنعك ما سألت كأن تبيني ينبئ بأن فاطمة لم تبن عنه إلا بمنعها وصدها، وقد افتن فحولها ظعينة ووصف ما شاء الله، ثم جعلها مقيمة وهو الظاعن وافتن علف وصف ناقته ورحلته ما شاء، والرحلة تسلٍّ وانصراف عن الغزل إلى ممدوح ما جد، ثم إذا الممدوح الماجد كفاطمة وذلك قوله بعد اتحاده مع ناقته ومناجاتها -كما ذكر أبو عبيد البكري: إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين إلى عمرو ومن عمرو أتتني ... أخي النجدات والحلم الرصين فإما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثي من سميني وإلا فاطر حني واتخذني ... عدوًّا أتقيك وتتقيني وهذا كقوله في أول القصيدة: ولا تعدى مواعد كاذبات ... تمر بها رياح الصيف دوني فإني لو تخالفني شمالي ... خلافك ما وصلت بها يميني إذن لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك أجتوي من يجتويني ولو كان جعل قوله: وإلا فاطر حني إلخ ... آخر كلامه، لكان وجهًا، ولكانت قصيدته محكمة متشابكة منبئة الأول بمعنى الآخر، مفصحة الآخر عن معاني الأول مع ما خالط ذلك من الافتنان بالوصف ورمزية الوصف -الوصف لأنه مقصد فني من مقاصد الشعر يعمد إليه لذاته، ورمزية الوصف لحسن تعبيرها وإنبائها عن حال ما كان عليه من طلب وتعذر مطلب وأمل وصل ومودة وخوف غدرٍ وهجر وتنكر

стр. 1600

وحرمان. ولكنه لو فعل ذلك لكان أخطأ بلوغ الحكمة وهي ذروة ما يسمو إليه الشعر الجيد الرفيع فقوله: وما أدري إذ يممت أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني ملتفتٌ فيه إلى قوله: إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين وهي ناقته ونفسه معًا، وهذا جوهر معنى المناجاة الذي نبه عليه أبو عبيدة في سمط اللئالي. وجلي ههنا أنه متردد أيرحلها أم لا يرحلها حيث قال: «وما أدري إذا يممت ارضًا» ... قد غضب من صد فاطمة فأزمع هجرها كما هجرته كما لخص المذهب لبيد حيث قال من بعد: فاقطع لبانة من تعرض وصله ... ولشر واصل خلةٍ صرامها أو أزمع التسلي عنها باليسير إلى ماجد ممدوح كما قال علقمة: فدعها وسل الهم عنك بحسرة ... كهمك فيها بالرداف خبيب والآن إذ يرحل ناقته يريد عمرًا، فإن خيب عمرو هذا أمله فإنه سيغضب منه ويعده عدوًّا ويتقيه ... ثم ماذا بعد ... أي جانب من الأرض ينتجع بعد هذا الهجران وبعد هذا الحرمان ... أيعود أدراجه خائبًا؟ أم هذه الدنيا عناء ... وكل رحلة إلى محبوب أو مأمول، فاطمة أو عمرو، غايتها غيب، المرء يريد الخير، ونهايته الموت، أصاب في ما يسعى إليه نجاحًا أو لم يصب. هذه الحكمة: وما أدري إذا يممت أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني أالخير الذي أنا ابتغيته ... أم الشر الذي هو يبتغيني

стр. 1601

ذروة بيان المثقب في هذه النونية وخلاصة كل ما رمز به وكني وصرح من معاني السعي وأمل الوصل وخوف الصد والهجران ... خاتمة رائعة ومقطع نبيل. وقال عنترة بع أن وصف إقدامه وجلي عن نفسه: ولقد خشيت أن أموت ولم تدر ... للحرب دائرةٌ على ابني ضمضم الشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لقيتهما دمي ويروى «إذا لم ألقهما» والمعنى متقارب، أي الناذرين دمي إذا لقيتهما في الحرب، يقولان ذلك فيبلغني. إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكل نسر قشعم وهذا مشعر بالنهاية كما ترى. وقوله لقد تركت أباهما أي لهما عندي مثلما لقي أبوهما، فهذا يخيفهما به، ثم لو قتلاني، لم يعدوا بذلك أن يصيبا بمقتلي ثأر أبيهما، فهما بنذرهما دمي قد جعلاني كفئًا لدمه، ففيم يشتمان عرضي ويقولان مثلًا إنما عنترة عبد زنيم، ولا يخفى على هذا التأويل ما يتضمنه هذا المقطع من تهكم مرعب مر. وآخر كلمة طرفة بن العبد قوله: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود سيأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتًا ولم تضرب له وقت موعد أو كما يروى: «ويأتيك بالأخبار» وهذا البيت الثاني إنما هو ترنم بمعنى البيت الأول وقريب من لفظه وأما البيتان: لعمرك ما الأيام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فإن القرين بالمقارن يقتدي فليسا من كلام طرفة على الأرجح ونبه التبريزي على أنهما ينسبان إلى عدي بن زيد وما أشبههما بمذهب تقوى زهير وحكمة شيخوخته وتجاربه وليس هذا ببعيد من مذهب

стр. 1602

عدي فقد كان صاحب تأمل وأحزان وكان على دين النصارى وإنكار نسبة البيتين إلى طرفة وعدم ثبوت صحة روايتهما له قديم وهو الصواب إن شاء الله. وبيتا طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتانًا ولم تضرب له وقت موعد مقطع القصيدة بلا ريب، قوله بتاتًا مفعول به لقوله لم تبع له أي لم تشتر له بتاتًا تزوده به والبتات زاد المسافر وهكذا فسرها التبريزي وفسرها الزوزني بمتاع المسافر وأداته وكسائه وليس ببعيد وأردنا بهذا التنبيه على أنها ليست كقوله لا أكلمه بتاتًا وطلق امرأته بتاتًا وهو بمعنى قد يتبادر إلى ذهن الحدث الناشئ والله الموفق للصواب. ومما بيت النهاية فيه متصل بما قبله قول المسيب بن علس في آخر عينيته البليغة: أرحلت من سلمى بغير متاع ... قبل العطاس ورعتها بوداع قال يمدح القعقاع بن معبد بن زرارة من سادة بني تميم: أنت الوافي فما تذم وبعضهم ... تودي بذمته عقاب ملاع وإذا رماه الكاشحون رماهمو ... بمعابلٍ مذروبة وقطاع ولذا كمو زعمت تميمٌ أنه ... أهل المكارم والندى والباع أي أطبقت على أنه السيد، وليست زعم التي هذا مطية الكذب، ولكن التي تفيد التأكيد كما في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي كفيل وقوله «تودي بذمته عقاب ملاع» أي لا ذمة له. وأصله من الامتلاع وهو الاختلاس والمر السريع وعقاب ملاع أي العقاب السريعة الخطافة السريعة الأخذ والطيران، كأنه عقاب خطاف، مضاف ومضاف إليه، بوزن قطام، وخطاف تمثيل نمثل به لقوله ملاع أي عقاب الخطف والاختلاس والأخذ السريع، جعل ذلك كناية عن ذهاب الذمة كأنما خطفتها عقابٌ فأودت بها.

стр. 1603

وقال الأعشى: قالوا الطراد فقلنا تلك عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل قد نخضب الغير في مكنون فائله ... وقد يشيط على أرماحنا البطل أراد أنهم يجيدون الرمي والعير الحمار الوحشي والفائل عرقٌ إصابته مقتل. وهذان البيتان آخر قصيدته: ودع هريرة إن المركب مرتحل ... وهل تطيق وداعًا أيها الرجل وهما مقطع حسن ولم يخل الأعشى من نظر فيهما إلى أبيات عنترة في ابني ضمضم ويشبههما في باب الاختتام بالفخر آخر رائية ثعلبة بن صعير المفضلية التي أولها: هل عند عمرة من بتات مسافر ... ذي حاجةٍ متروح أو باكر والبتات هنا واضحة الدلالة على معنى الزاد وفسرها ابن الأنباري بالمتاع والجهاز قال: «يقال تبتت الرجل لسفره إذا اشترى له ما يصلحه». قال في آخرها ودلالة ذلك على الانتهاء واضحة: ولرب خصمٍ جاهدين ذوي شذًا ... تقذي صدورهم بهتر هاتر لدٍّ ظأرتهم على ما ساءهم ... وخسأت باطلهم بحق ظاهر بمقالةٍ من حازمٍ ذي مرةٍ ... يدأ العدو زئيره للزائر يدأ بالياء المهملة أي يدع صارت عينه همزة وقال التبريزي: «وذكر ابن الأنباري يدأ بالدال غير معجمة وقال يدأ بمعنى يدع تبدل العين همزة وهما لغتان وذأته وودأته» أ. هـ. وأجمل التبريذي بعبارته الأخيرة ثلاثة أقوال كان أجود لو فصلها وكلهن ذكره ابن الأنباري وعمود الرواية عن المفضل يدأ بالدال المهملة ومعناها يدع وفسرها أحمد بن عبيد بن ناصح بمعنى يقمع ويذأ بالذال المعجمة الرواية التي رجحها ثعلب ومعناها يقمع.

стр. 1604

هذا والنهايات التي تكون من بيتين ومن أبيات كثيرة في شعر القدماء. قال علقمة: وأنت الذي آثاره في عدوه ... من البؤس والنعمى لهن ندوب وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب وما مثله في الناس إلا أسيره ... مدانٍ ولا دانٍ لذاك قريب وقال لبيد: وهم السعاة إذا العشيرة أفظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها وهم ربيع للمجاور فيهم ... والمرملات إذا تطاول عامها وهم العشيرة إن يبطئ حاسد ... أو أن يميل مع العدو لئامها وكان زهير ممن يحسن اختتام القصائد. وربما جاء ببيتٍ واحدٍ مفردٍ ينبئ عن الخاتمة، فمن ذلك قوله في آخر كلمته التي أولها «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو» وهي من جياده: وهي ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل وقوله: لو نال حيٌّ من الدنيا بمجدهم ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا يختم به كلمته في هرم بن سنان التي أولها «إن الخليط أجد البين فانفرقا» وآخر معلقته أبيات الحكمة، واتصالها بما قبلها قوي، وإيذانها بالنهاية مبين وفي رواية السبع الطوال بشرح ابن الأنباري والعشر بشرح التبريزي أن آخر أبيات الحكمة وآخر القصيدة هو قوله: ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم واعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غدٍ عم

стр. 1605

وهذا يصلح أن يختم به ويوقف في النهاية عنده، ولكن فيه نوعًا من شكٍ وتشاؤم ألا يستمر الصلح وألا يكون عقد ما أحكمه السيدان مأمونًا عليه أن تحله خيانة أو غدر من ضرب ما صنعه حصين بن ضمضم. وفي رواية الزوزني بعد هذين البيتين: وكائن ترى من صامتٍ لك معجبٍ ... زيادته أو نقصه في التكلم لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم وأن سفاه الشيخ لا حلم بعده ... وإن الفتى بعد السفاهة يحلم سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتم ... ومن يكثر التسآل يومًا سيحرم وفي سياق هذه الأبيات ما يشعر بقوة انتمائها إلى القصيدة وأنها نهايتها، وقد مدح زهيرٌ هرمًا بالفصاحة والبيان وقوة الحجة وأنه خطيب في قوله من القافية التي ذكرنا قبل مطلعها ومقطعها: هذا وليس كمن يعيا بخطته ... وسط الندى إذا ما ناطقٌ نطقا والبيتان: «وكائن ترى من صامت لك معجب» وقوله: «لسان الفتى نصف ونصف فواده» يصفان مشهدي عي وبيانٍ مما يكون مثله قد كان في مجلس الخصومة والصلح بين عبس وذيبان ومن كان ثم من قبائل العرب ورجالاتها. وبيت سفاه الشيخ وجواز رجعة الفتى إلى الصواب بعد السفاهة يناسب أمر حصين بن ضمضم ومما يشهد بسفاهة حصين بن ضمضم قول عنترة في آخر معلقته الذي ذكرناه قبيل بعد بيتي المثقب اللذين في آخر نونيته. ولا يخفى أن في كلام زهير حيث ذكر سفاه الشيخ تعريضًا ما بشيخ ذي سفاهة أو شيوخ من سفهاء القوم أعانوا حصينًا أو شيئًا من هذا النحو يدلك على ذلك قوله: وقال سأقضي حاجتي ثم أتقي ... عدوي بألفٍ من ورائي ملجم

стр. 1606

وفي قوله: «سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتم» إشارة إلى ما كان من تحمل سيدي يبني مرة عبء الديات، والتحذير لسفهاء القوم أن يحسبوا أنهم كلما جنوا احتمل عنهما السيدان تبعة جرائرهم، تأمل قوله: لعمرك ما جرت عليهم رماحهم ... دم ابن نهيكٍ أو قتيل المثلم ولا شاركت في الموت في دم نوفلٍ ... ولا وهبٍ منهم ولا ابن المخزم فكلا أراهم أصبحوا يعقلونه ... صحيحات مالٍ طالعات بمخرم ويروى: فكلا أراهم أصبحوا يعقلونه ... علالة ألف بعد ألف مصتم تساق إلى قومٍ لقومٍ غرامةً ... صحيحات مالٍ طالعات بمخرم والمخرم الطريق في الجبل. وإنما سقنا هذه الأبيات لنوضح بها معنى قوله: سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتم ... ومن يكثر التسأل يومًا سيحرم وظن بعض من تناول هذا الباب من المعاصرين أن هذا الكلام لا يناسب شخصية زهير وأحسبه توهم أن قوله «سألنا» ههنا استجداء يستجديه لنفسه، وشأن القصيدة أمرٌ عظيم راجع إلى ما قدمناه لا إلى أن هذا استجداء شخصي. ولعل من لم ير وهذين البيتين إنما كره كسرة ميم يحلم وميم سيحرم وقد سبق الحديث منا عن ذلك، ونضيف إليه ههنا أن كثيرًا من الرفع والنصب والخفض كان يقع من العرب لكلامهم تحسينًا له وافتنانًا فيه، ثم صار ما غلب هو القواعد، وقد قالوا: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرةً ... ولا ناعبٍ إلا ببينٍ غرابها وقالوا: رسم دارٍ وقفت في طلله ... كدت أقضي الحياة من جلله

стр. 1607

بكسر الميم وقالوا «كم عمةٌ لك يا جرير وخالةٌ» وقالوا فيما روى عن رؤبة «خير» بالجر يعني بخير وقالوا نعم الرجل فرفعوا وقالوا نعم رجلًا فنصبوا وقالوا رب فتيةٍ فخفضوا وربه فتيةً فنصبوا وقالوا ربما كذا كذا فكفوا رب بما وقالوا بالجر: ربما الجامل المؤبل فيهم ... وعناجيج بينهن المهار وقال الفرزدق: وعض زمانٍ يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو بجلف فنصب ورفع وتأويل ذلك على وجوه النحو ممكن وفيه ما قدمنا من أسلوب الزينة والافتنان وقال: «على زواحف تزجى مخهارير» بخفض الراء وله وجهٌ وقال جرير: جئني بمثل بني بدرٍ لقومهم ... أو مثل أسرة منظور بن سيار فجر في «بمثل» ونصب «مثل أسرة إلخ». وهذا بابٌ واسع. وجليٌّ أن بيت زهير «سألنا فأعطيتم» من الاختتام ببيت مفرد قوي الدلالة على ذلك. هذا وقول الحارث بن حلزة اليشكري في همزيته أم علينا جرا حنيفة أم علينا جرا قضاعة الأبيات إلى قوله: ثم خيلٌ من بعد ذاك مع الغلاق لا رأفةٌ ولا إبقاء وهو الرب والشهيد على يوم الحيارين والبلاء بلاء هو آخر القصيدة عند الزوزني. ويبدو لي أنه في أوساط القصيدة كما روى ابن الأنباري والتبريزي في كتابيهما. ويجوز أن تكون كلمة «الرب» ههنا مما أوهم أن البيت خاتمة وعني به عمرو بن هند الملك. وآخر القصيدة فيما أرجح الأبيات التي ذكر فيها بلاء قومه مع عمرو بن هند، وما بينهم من القرابة والرحم والصهر وإن ذلك مما يستخرج النصيحة الصادقة، فهذا أشبه بأن يكون هو الآخر والنهاية لأبيات الخصومة وأن مكانه بعدما تقدمها من أبيات الاحتجاج «أم علينا» «أم علينا» التي

стр. 1608

تقدمت الإشارة إليها، قال: ما جزعنا تحت العجاجة إذ ولت بأقفائها وحر الصلاء وولدنا عمرو بن أم أناسٍ ... من قريبٍ لما أتانا الحباء عمرو هذا هو جد الملك لأمه هند بنت عمرو بن حجر وأم أناس هذه أمه وهي من رهط الحارث بن حلزة فهذه الرحم وهذا هو الصهر: مثلها تخرج النصيحة للقو ... م فلاةٌ من دونها أفلاء أي مثل هذه القرابة تخرج النصيحة خالصة، تخرجها فلاةٌ من بعدها فلوات نجتازها إليك لا تعدونا مشقتها ولا هولها حتى نصل إليك أيها الملك بها صادقة ناضجة وزعم ابن الأنباري أن الفلاة مرفوعة على التكرير أي مثلها فلاة وإن المعنى: يعني نصيحة واسعة مثل الفلاة التي دونها أفلاء كثيرةٌ والتكلف في هذا لا يخفى. وقال الزوزني: «مثل هذه القرابة تستخرج النصيحة للقوم الأقارب قرب أرحامٍ يتصل بعضها ببعض كفلوات يتصل بعضها ببعض» -وهذا ينظر إلى شرح ابن الأنباري والمعنى الأقرب من هذا وأيسر مثالًا وهو ما قدمنا من تجشم قطع فلاة بعد فلاة ليصلوا بالنصيحة إلى الملك. وتكون فلاة فاعلًا لقوله تخرج إن نصبت مثلها وإن رفعتها، تأويل ذلك مثلها تخرجه ثم حذفت الهاء إذ هي فضلة، ولك أن تجعل فاعل تخرج ضميرًا يعود على مثلها «وأنث الفعل لتأنيث» «ها» وفلاة فاعل لفعل مقدر، أي تخرجها فلاة، وهذا أقرب من: سقى الإله عدوات الوادي ... وجوفه كل ملثٍ غادي كل أجش حالك السواد بنصب كل الأولى ورفع الثانية أي سقاه كل أجش، وقال الآخر: قد سالم الحيات منه القدما ... الأفعوان والشجاع الشجعما

стр. 1609

برفع الحيات ونصب الأفعوان، أي سالم قدمه الأفعوان. هذا والتقديم والتأخير الذي وقع في هذه القصيدة مما يقوى ما يذكر من خبر ارتجالها وغمز أبو عثمان الحارث بأنه عمد إلى الفخر وأشعر بأن قومه مع ذلك لا ينتصفون من عدوهم، وما أحسبه غاب عن أبي عثمان أن الحارث قد كان أحرص على الانتصار على خصمه باكتساب جانب الملك، فعسى أن يكون هذا هو السبب في اتخاذ مظهر المظلوم وإلباس خصمه مظهر الظالم. وذكر صاحب التراتيب الإدارية في باب في اعتناء الصحابة بحفظ وضبط ما كانوا يسمعون منه ﵊ وكيفية ذلك قال: «أخرج أبو نعيم عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه عند صلاة العشاء فقال احتشدوا للصلاة غدًا فإن لي إليكم حاجة فقال رفقة منهم دونك أول كلمة يتكلم بها رسول الله ﷺ وأنت التي تليها وأنت التي تليها لئلا يفوتكم شيء من كلام رسول الله ﷺ » أ. هـ. قال الشيخ عبد الحي الكتاني المغربي ﵀ صاحب الكتاب المذكر (طبع سنة ١٣٤٦ هـ بالرباط ثم صور بعد ببيروت وانظر ٢ ط ٢٣٦ - ٢٣٧): «قلت: هذه أصول علم الاختزال اليوم» أ. هـ. وإنما سقنا هذا التنبيه على أنه إن يكن الحارث قد ارتجل الهمزية، وهو الخبر المروي فيكون حفضها لتروى قد كان على نحو من هذا المنهج الذي نبه عليه الشيخ عبد الحي الكتاني ﵀، ثم قد كان أهل الحيرة يكتبون وجاءت الخبار بأن ملوكهم كانوا يدون لهم ما يمدحون به. وليس تدوين كلمة الحارث كتابة بمسلمها من ان يقع فيها التقديم والتأخير، ولو قد كانت رويت أولًا على طريقة الحفظ والغناء الركباني فلربما كان ذلك أضبط لها. هذا، وقصيدة امرئ القيس المعلقة ربما إنها ليست بذات انتهاء واضح. قال ابن رشيق في أواخر باب المبدأ والخروج والنهاية: «ومن العرب من يختم القصيدة فيقطعها والنفس بها متعلقة وفيها راغبة مشتهية ويبقى الكلام مبتورًا كأنه لم

стр. 1610

يتعمد جعله خاتمة، كل ذلك رغبة في أخذ العفو، وإسقاط الكلفة، ألا ترى معلقة امرئ القيس كيف ختمها بقوله يصف السيل عن شدة المطر: كأن السباع فيه غرقي غديةً ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل فلم يجعل لها قاعدة كما فعل غيره من أصحاب المعلقات وهي أفضلها». قلت ويستفاد من قوله هذا أن المعلقات الأخريات لهن مقاطع ظاهرة الدلالة على الاختتام وهو ما ذهبنا إليه آنفًا، كما يستفاد منه أيضًا أن قول امرئ القيس هذا خاتمة ومقطع وإن بدا أول الأمر أنه ليس كذلك وإن امرأ القيس كأنه لم يتعمد جعله خاتمة فقطع وفي النفس رغبة وبقي الكلام كأنه مبتور. ولا يخفى أن في هذا البيت الذي ختم به وصف السيل كالرجعة إلى معنى البداية التي استهل بها. المتأمل يجد أن امرأ القيس قد جعل أبيات البرق والمطر والسيل نهاية، إذ تتبع الذكريات المشرقة، ذكر الرباب وأم الحويرث وعنيزة وفاطمة وبيضة الخدر التي لا يرام خباؤها، وكل ذلك صار به إلى قوله: تسلت عمايات الرجال عن الصبا ... وليس فؤادي عن هواك بمنسل ألا رب خصمٍ فيك ألوى رددته ... نصيح على تعذاله غير مؤتلى وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي وصار إلى ذكر ليل اليأس والحزن والهموم وإلى الإصباح الذي ليس منه بأمثل. وكما قد مر به من قبل ليل بيضة الخدر ولهوها غير المعجل، ويوم دارة جلجل وذكريات أولئك الحسان العذبات المجلس والأنس، مر به أيضًا أيام من قبل كان يغتدى في فجرهن إلى الصيد والطير وفي كناتها، وليال كان يدلج فيهن مع الصعاليك يتصعلك فتوةً وأشرًا معهم، وقد جعل عصام القربة على كاهل منه ذلول مرحل. ولم يكن الليل من تلك الليالي على خشونتهن بليل يأس يتمطى بصلبه وليالٍ منهن ليل

стр. 1611

قعد مع صحبته يشيم البرق: قعدت له وصحبتي بين ضارجٍ ... وبين العذيب بعد ما متأمل وفي البرق معنى الشوق والذكرى. وقد نتعلم أنه لقد وقف واستوقف في البداية من أجل الشوق والحنين والذكرى. وقد صار بعد شيم البرق إلى المطر والسيل الذي غمر ولم يدع إلا ذرا رأس المجيمر وجوانب ثبير ومن الأطم المشيد بالجندل، ولعله لم يكن ثم أطم مشيد بجندل أو لبن ولكن هذا زعم زعمه الشاعر وجعله مثلًا أنه لو كان ثم أطمٌ غير مشيد بجندل لا جتيح، إذ لم يبق لشيءٍ من أثر غير غناء الطير الصادح وغير أطراف جثث السباع، أطراف جثث السباع هذه التي كأنابيش العنصل أي البصل البري، كأنها صدىً يجاوب: وقوله في أوائل القصيدة: ترى بعر الآرام في عرصاتها ... وقيعانها كأنها حب فلفل كلا التشبيهين مأخوذان من أشياء يومية ومشاهدة. والسيل فيه معنى من الرمز يومئ إلى دموع الشاعر حيث قال: ففاضت دموع العين مني صبابة ... على النحر حتى بل دمعي محملي وقوله: كأن السباع فيه غرقى عشيةً ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل يصلح بعده أن تنشد: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل فترد آخر القصيدة إلى أولها. فهذا لعله مما يوضح ويشرح قول ابن رشيق: «فلم يجعل لها قاعدةً كما فعل غيره»، فقوله «قاعدة» مأخوذ من ألفاظ الحساب والرياضيات أو منظور فيه إليها، وليست للدائرة قاعدة، وقول ابن رشيق «ويبقى

стр. 1612

الكلام مبتورًا كأنه» قد سبق التنبيه منا على أنه يثبت ان للقصيدة مقطعًا ولكنه دقيق -ولذلك صح له أن يقول: «كما فعل غيره من أصحاب المعلقات وهي أفضلها». هذا وقد نظر ذو الرمة نظرًا شديدًا إلى امرئ القيس في اختتامه لبائيته الطويلة: «ما بال عينك منها الماء ينسكب» وذلك قوله يصف أفرخ النعام وقد خرجن من البيض: كأن أعناقها كراث سائفةٍ ... طارت لفائفه أو هيشرٌ سلب أي كأن أعناق الفروخ لخلوها من الريش نبات طار ورقة عن أغصانه فصارت الأعواد التي كان عليها الورق سليبات. وقوله الكراث ولفائفه فيه معنى من أنابيش العنصل ومحاكاة التشبيه الذي جاء بها امرؤ القيس فيه، والخاتمة الغيلانية «نسبة إلى غيلان وهو ذو الرمة» كأنها انبتار لما تقدم والنفس مشتهية مزيدًا منه، وكأنها لا قاعدة، إذ هي تدور بك إلى أول كلام ذي الرمة. وذلك أنه جعل مدار قصيدته على معنى الشوق إلى مية والبكاء حنينًا إليها، وكأنه ينظر إلى مذهب علقمة في الميمية: هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم أم هل كبيرٌ بكى لم يقض عبرته ... أثر الأحبة يوم البين مشكوم ثم لم ير اللحاق بالمحبوبة كما صنع علقمة حيث قال: هل تلحقني بأخرى الركب إذ شحطوا ... جلذيةٌ كأتان الضحل علكوم إذ قد زعم أن عهد مية قد كان في زمانٍ مضى. ليالي اللهو يطبيني فأتبعه ... كأنني ضاربٌ في غمرة لعب وأنه زاره طيف الخيال وهو مسافر فهاجه -مسافر لأنه قد انصرف عن زمان الهوى

стр. 1613

إلى زمان الجد، فصاحبته هذه الناقة، مع أصحاب له منصلتين، لعلهم قاصدو الحج يؤمون البيت الحرام. والعيس من عاسج أو واسج خببًا ... ينحزن من جانبيها وهي تنسلب فشبهها بالحمار الوحشي ثم قص قصة هذا وهو يحدو نحائصه أي أتنه التي لم تلد ولم تحمل بعد، حتى صرن إلى عين عندها رامٍ من بني جلان، فأخطأهن. رمى فأخطأ والأقدار غالبة ... فانصعن والويل هجيراه والحرب ثم بالثور الوحشي ثم قص قصته كبقرة لبيد هاجت له الكلاب والصياد فاستبسل وقاتلها حتى مزقها ثم مضى يستن: كأنه كوكبٌ في إثر عفريةٍ ... مسومٌ في سواد الليل منقضب ثم بالظليم وقص قصته هو زوجته حتى صارا إلى البيض فوجدا الأفرخ قد خرجن منه- ونظر ذو الرمة هنا في آخر كلامه إلى علقمة كما قد نظر إليه في أوله، وتنتهي القصيدة وهو أخو سفر وتنائف قد ألم به الخيال ثم بكى، فهذا الشعر هو دموعه. ولا يقدح زعمنا أنه حاكى علقمة في الذي ذكرنا من أنه نظر في خاتمة كلامه إلى امرئ القيس، ومما يشهد بتأثره علقمة عن قصدٍ بحر ميميته المشهورة ورويها: أأن ترسمت من خرقاء منزلةً ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم وقد انتقل في هذه الميمية من الغزل إلى الرحلة وجعلها عمود كلامه: قد أعسف النازح المجهول معسفه ... في ظل أغضف يدعو هامه البوم وختم وهو في طريقه لتلحقه الناقة بخرقاء بتشبيهها أولًا بالثور ثم بالحمار الوحشي وأتنه والصائد من بني جلان، ولكنها تنجو منه: وقام يلهف مما قد أصيب به ... والحقب ترفض منهن الأضاميم

стр. 1614

وكأنهن جماعات الركب اللذين كان هو معهم في طريق اللحاق بخرقاء: هيهات خرقاء إلا أن يبلغها ... ذو العرش والشعشعانات الشغاميم بيت الأضاميم مقطع ولكنه ليس بقاعدة، إذ فيه رجعة إلى أول القصيدة وكالبتر الذي ذكره ابن رشيق. وعندي إن هذا لم يقع اتفاقًا من ذي الرمة، ولكنه نظر فيه إلى مذاهب القدماء. والذي جاء به علقمة في آخر الميمية ضرب من عند قوله: وقد أقود أمام الحي سلهبةً ... يهدى بها نسب في الحي معلوم إلى قوله: يهدي بها أكلف الخدين مختبرٌ ... من الجمال كثير اللحم عيثوم ولنا وقفة من بعد عند هذه الميمية إن شاء الله. وكذلك ضربٌ منه آخر بائية عبيد بن الأبرص وما أحسب أن مكانها قد خفي عن ابن رشيق ولكنها كانت مما عابه بعضهم وقد تقدم منا القول في ذلك، هذا وقال جرير في داليته التي أولها: غدًا باجتماع الحي نقضي لبانةً ... وأقسم لا نقضي لبانتنا غدا ومنها قوله: أقول له يا عبد قيسٍ صبابةً ... بأي ترى مستوقد النار أوقدا فقال أرى نارًا يشب وقودها ... بحيث استفاض الجزع شيحًا وغرقدا أحب ثرى نجدٍ وبالغور حاجةٌ ... فغار الهوى يا عبد قيسٍ وانجدا ثم قال في آخر القصيدة يذكر الحجاج بن يوسف وعبد الملك ويختم ببيت هو

стр. 1615

مقطع حسن ضمنه هجاء الفرزدق والخنزير يعني به الأخطل: أرى الطير بالحجاج تجري أيامنا ... لكم يا أمير المؤمنين واسعدا رجعت لبيت الله عهد نبيه ... وأصلحت ما كان الخبيبان أفسدا لأن ابن الزبير ﵁ كان قد أدخل الحجر في البنية ولم تكن الحال على ذلك أيام النبي ﷺ وخبر ابن الزبير وحديث أم المؤمنين في هذا ﵄ معروف. فما مخدرٌ وردٌ بحفان زأره ... إلى القرن زجر الزاجرين توردا بأمضى من الحجاج في الحرب مقدما ... إذا بعضهم هاب الحياض فعردا تصدى صناديد العراق لوجهه ... وتضحى له غر الدهاقين سجدا وللقين والخنزير مني بديهة ... وإن عاوداني كنت في العود أحمدا وإشعار هذا بالختام لا يخفى. وقال فأحسن الختام في الدالية التي فضله بها عبيدة بن هلال: إنا وإن رغمت أنوف مجاشعٍ ... خيرٌ فوارس منهم ووفودا نسري إذا سرت النجوم وشبهت ... بقرًا ببرقة عالجٍ مطرودا قبح الإله مجاشعًا وقراهمو ... والموجفات إذا وردن ورودا قوله والموجوفات قسم والموجفات هن الإبل والنفحة القرآنية جلية ههنا، يأخذ من أقسام القرآن نحو والعاديات ضبحا، والموجفات استمرار وتكملة لقوله نسري إذا سرت النجوم- ثم ههنا كالدورة والرجعة إلى المطلع: أهوىً أراك برامتين وقودا ... أم بالجزيرة من مدافع أودا وآخر الحائية التي في عبد الملك مقطع واضح حسن: رأى الناس البصيرة فاستقاموا ... وبينت المراض من الصحاح
следующие страницы →