← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

قعد مع صحبته يشيم البرق: قعدت له وصحبتي بين ضارجٍ ... وبين العذيب بعد ما متأمل وفي البرق معنى الشوق والذكرى. وقد نتعلم أنه لقد وقف واستوقف في البداية من أجل الشوق والحنين والذكرى. وقد صار بعد شيم البرق إلى المطر والسيل الذي غمر ولم يدع إلا ذرا رأس المجيمر وجوانب ثبير ومن الأطم المشيد بالجندل، ولعله لم يكن ثم أطم مشيد بجندل أو لبن ولكن هذا زعم زعمه الشاعر وجعله مثلًا أنه لو كان ثم أطمٌ غير مشيد بجندل لا جتيح، إذ لم يبق لشيءٍ من أثر غير غناء الطير الصادح وغير أطراف جثث السباع، أطراف جثث السباع هذه التي كأنابيش العنصل أي البصل البري، كأنها صدىً يجاوب: وقوله في أوائل القصيدة: ترى بعر الآرام في عرصاتها ... وقيعانها كأنها حب فلفل كلا التشبيهين مأخوذان من أشياء يومية ومشاهدة. والسيل فيه معنى من الرمز يومئ إلى دموع الشاعر حيث قال: ففاضت دموع العين مني صبابة ... على النحر حتى بل دمعي محملي وقوله: كأن السباع فيه غرقى عشيةً ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل يصلح بعده أن تنشد: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل فترد آخر القصيدة إلى أولها. فهذا لعله مما يوضح ويشرح قول ابن رشيق: «فلم يجعل لها قاعدةً كما فعل غيره»، فقوله «قاعدة» مأخوذ من ألفاظ الحساب والرياضيات أو منظور فيه إليها، وليست للدائرة قاعدة، وقول ابن رشيق «ويبقى

стр. 1612

الكلام مبتورًا كأنه» قد سبق التنبيه منا على أنه يثبت ان للقصيدة مقطعًا ولكنه دقيق -ولذلك صح له أن يقول: «كما فعل غيره من أصحاب المعلقات وهي أفضلها». هذا وقد نظر ذو الرمة نظرًا شديدًا إلى امرئ القيس في اختتامه لبائيته الطويلة: «ما بال عينك منها الماء ينسكب» وذلك قوله يصف أفرخ النعام وقد خرجن من البيض: كأن أعناقها كراث سائفةٍ ... طارت لفائفه أو هيشرٌ سلب أي كأن أعناق الفروخ لخلوها من الريش نبات طار ورقة عن أغصانه فصارت الأعواد التي كان عليها الورق سليبات. وقوله الكراث ولفائفه فيه معنى من أنابيش العنصل ومحاكاة التشبيه الذي جاء بها امرؤ القيس فيه، والخاتمة الغيلانية «نسبة إلى غيلان وهو ذو الرمة» كأنها انبتار لما تقدم والنفس مشتهية مزيدًا منه، وكأنها لا قاعدة، إذ هي تدور بك إلى أول كلام ذي الرمة. وذلك أنه جعل مدار قصيدته على معنى الشوق إلى مية والبكاء حنينًا إليها، وكأنه ينظر إلى مذهب علقمة في الميمية: هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم أم هل كبيرٌ بكى لم يقض عبرته ... أثر الأحبة يوم البين مشكوم ثم لم ير اللحاق بالمحبوبة كما صنع علقمة حيث قال: هل تلحقني بأخرى الركب إذ شحطوا ... جلذيةٌ كأتان الضحل علكوم إذ قد زعم أن عهد مية قد كان في زمانٍ مضى. ليالي اللهو يطبيني فأتبعه ... كأنني ضاربٌ في غمرة لعب وأنه زاره طيف الخيال وهو مسافر فهاجه -مسافر لأنه قد انصرف عن زمان الهوى

стр. 1613

إلى زمان الجد، فصاحبته هذه الناقة، مع أصحاب له منصلتين، لعلهم قاصدو الحج يؤمون البيت الحرام. والعيس من عاسج أو واسج خببًا ... ينحزن من جانبيها وهي تنسلب فشبهها بالحمار الوحشي ثم قص قصة هذا وهو يحدو نحائصه أي أتنه التي لم تلد ولم تحمل بعد، حتى صرن إلى عين عندها رامٍ من بني جلان، فأخطأهن. رمى فأخطأ والأقدار غالبة ... فانصعن والويل هجيراه والحرب ثم بالثور الوحشي ثم قص قصته كبقرة لبيد هاجت له الكلاب والصياد فاستبسل وقاتلها حتى مزقها ثم مضى يستن: كأنه كوكبٌ في إثر عفريةٍ ... مسومٌ في سواد الليل منقضب ثم بالظليم وقص قصته هو زوجته حتى صارا إلى البيض فوجدا الأفرخ قد خرجن منه- ونظر ذو الرمة هنا في آخر كلامه إلى علقمة كما قد نظر إليه في أوله، وتنتهي القصيدة وهو أخو سفر وتنائف قد ألم به الخيال ثم بكى، فهذا الشعر هو دموعه. ولا يقدح زعمنا أنه حاكى علقمة في الذي ذكرنا من أنه نظر في خاتمة كلامه إلى امرئ القيس، ومما يشهد بتأثره علقمة عن قصدٍ بحر ميميته المشهورة ورويها: أأن ترسمت من خرقاء منزلةً ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم وقد انتقل في هذه الميمية من الغزل إلى الرحلة وجعلها عمود كلامه: قد أعسف النازح المجهول معسفه ... في ظل أغضف يدعو هامه البوم وختم وهو في طريقه لتلحقه الناقة بخرقاء بتشبيهها أولًا بالثور ثم بالحمار الوحشي وأتنه والصائد من بني جلان، ولكنها تنجو منه: وقام يلهف مما قد أصيب به ... والحقب ترفض منهن الأضاميم

стр. 1614

وكأنهن جماعات الركب اللذين كان هو معهم في طريق اللحاق بخرقاء: هيهات خرقاء إلا أن يبلغها ... ذو العرش والشعشعانات الشغاميم بيت الأضاميم مقطع ولكنه ليس بقاعدة، إذ فيه رجعة إلى أول القصيدة وكالبتر الذي ذكره ابن رشيق. وعندي إن هذا لم يقع اتفاقًا من ذي الرمة، ولكنه نظر فيه إلى مذاهب القدماء. والذي جاء به علقمة في آخر الميمية ضرب من عند قوله: وقد أقود أمام الحي سلهبةً ... يهدى بها نسب في الحي معلوم إلى قوله: يهدي بها أكلف الخدين مختبرٌ ... من الجمال كثير اللحم عيثوم ولنا وقفة من بعد عند هذه الميمية إن شاء الله. وكذلك ضربٌ منه آخر بائية عبيد بن الأبرص وما أحسب أن مكانها قد خفي عن ابن رشيق ولكنها كانت مما عابه بعضهم وقد تقدم منا القول في ذلك، هذا وقال جرير في داليته التي أولها: غدًا باجتماع الحي نقضي لبانةً ... وأقسم لا نقضي لبانتنا غدا ومنها قوله: أقول له يا عبد قيسٍ صبابةً ... بأي ترى مستوقد النار أوقدا فقال أرى نارًا يشب وقودها ... بحيث استفاض الجزع شيحًا وغرقدا أحب ثرى نجدٍ وبالغور حاجةٌ ... فغار الهوى يا عبد قيسٍ وانجدا ثم قال في آخر القصيدة يذكر الحجاج بن يوسف وعبد الملك ويختم ببيت هو

стр. 1615

مقطع حسن ضمنه هجاء الفرزدق والخنزير يعني به الأخطل: أرى الطير بالحجاج تجري أيامنا ... لكم يا أمير المؤمنين واسعدا رجعت لبيت الله عهد نبيه ... وأصلحت ما كان الخبيبان أفسدا لأن ابن الزبير ﵁ كان قد أدخل الحجر في البنية ولم تكن الحال على ذلك أيام النبي ﷺ وخبر ابن الزبير وحديث أم المؤمنين في هذا ﵄ معروف. فما مخدرٌ وردٌ بحفان زأره ... إلى القرن زجر الزاجرين توردا بأمضى من الحجاج في الحرب مقدما ... إذا بعضهم هاب الحياض فعردا تصدى صناديد العراق لوجهه ... وتضحى له غر الدهاقين سجدا وللقين والخنزير مني بديهة ... وإن عاوداني كنت في العود أحمدا وإشعار هذا بالختام لا يخفى. وقال فأحسن الختام في الدالية التي فضله بها عبيدة بن هلال: إنا وإن رغمت أنوف مجاشعٍ ... خيرٌ فوارس منهم ووفودا نسري إذا سرت النجوم وشبهت ... بقرًا ببرقة عالجٍ مطرودا قبح الإله مجاشعًا وقراهمو ... والموجفات إذا وردن ورودا قوله والموجوفات قسم والموجفات هن الإبل والنفحة القرآنية جلية ههنا، يأخذ من أقسام القرآن نحو والعاديات ضبحا، والموجفات استمرار وتكملة لقوله نسري إذا سرت النجوم- ثم ههنا كالدورة والرجعة إلى المطلع: أهوىً أراك برامتين وقودا ... أم بالجزيرة من مدافع أودا وآخر الحائية التي في عبد الملك مقطع واضح حسن: رأى الناس البصيرة فاستقاموا ... وبينت المراض من الصحاح

стр. 1616

وكذلك آخر الجيمية التي في الحجاج: إني لمرتقبٌ لما خوفتني ... ولفضل سيبك يا ابن يوسف راجي ولقد كسرت سنان كل منافقٍ ... ولقد منعت حقائب الحجاج وكذلك آخر البائية التي في مدحه وأولها: سئمت من المواصلة العتابا ... وأمسى الشيب قد ورث الشبابا ثم يقول في آخرها: كأنك قد رأيت مقد ماتٍ ... بصين ستان قد رفعوا القبابا جعلت لكل محترسٍ مخوفٍ ... صفوفًا دارعين به وغابا وآخر البائية التي في الهجاء: أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابا ظاهر جليٌ أنه نهاية: إليك إليك عبد بني نميرٍ ... ولما تقتدح مني شهابا إليك أي تنح وابتعد وذكر صاحب الكتاب يرويه عن أبي الخطاب أنه سمع من العرب من يقال له إليك فيقول إلي كأنه قيل له تنح فقال أتنحى، ذكر هذا في بابٍ من الفعل سمي فيه الفعل بأسماء مضافة ليست من أمثلة الفعل الحادث وهو ما يسميه النحاة اسم الفعل، فكأن الراعي النميري بقوله لما سمع بيت جرير «يقولون شرًّا» قد قال كهذا العربي «إلي» إذ لم يرووا أنه أجاب جريرًا. ومن لطيف ما جعله جرير خاتمة لمدائحه قوله في كلمته يمدح بها جد عبد الرحمن الداخل وهو معاوية بن هشام. ماذا ترى في عيال قد برمت بهم ... لم تحص عدتهم إلا بعداد كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية ... لولا رجاؤك قد قتلت أولادي

стр. 1617

والبيتان مما يستشهد بهما النحويون من شراح الألفية وغيرهم وذكرهما صاحب المغنى في أن «أو» قد تكون للإضراب عند الكوفيين وغيرهم وأشار إلى قول الفراء في آية الصافات: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ أو هاهنا في معنى بل، كذلك في التفسير مع صحته في العربية. أ. هـ. قلت والتي في بيت جرير إنما على التي في سورة الصافات حذيت، يدلك على ذلك أن جريرًا كان قرآنيًّا، يكثر من الإشارة إلى الآي والحذو عليها كقوله: نال الخلافة إذ كانت له قدرًا ... كما أتى ربه موسى على قدر وقوله: أما البعيث فقد تبين أنه ... عبدٌ فلعلك في البعيث تمارى فهذا نهج قرآني، قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ الآية وكلتاهما في سورة الكهف. وقوله: إن البعيث وعبد ءال مقاعس ... لا يقرآن بسورة الأحبار وعبد آل مقاعس هو الفرزدق في زعمه وقيد نفسه ولم يحفظ القرآن مع ما كان يجيء به من الاستشهاد بالآي والإشارة إليها، فعيره جرير ذلك، وسورة الأحبار هي المائدة وفي حفظها شدة فيكون جرير عني ذلك مع ما فيها من عظة وتحريم، وكان الفرزدق يعاقر وآية المائدة في ذلك هي الوارد بها التحريم وفي هامش تعليق الأستاذ الصاوي: «وسورة الأحبار» هي سورة المائدة لقوله تعالى فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قلت وهذا أولها والذي ذهب إليه الأستاذ الصاوي يحتمل والذي ذكرناه أحسبه أشبه بالمراد والله أعلم. وقوله: قامت سكينة للفحول ولم تقم ... بنت الحتات لسورة الأنفال

стр. 1618

يشير به إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وذلك بدليل قوله إن جسمها المجرد كجسم البغل. من كل آلفة المواخر تتقي ... بمجردٍ كمجرد البغال ومن خواتيم الفرزدق، قوله في آخر كلمة هجا بها الأمير عمر بن هيبرة الفزاري: إن الضجاج لكم شؤم وإن لكم ... عندي نواقر صمًّا تفلق الحجرا وهذا قريبٌ في جوهر المعنى من قول جرير: «إليك إليك عند بني نمير» الذي مر الاستشهاد به. وختم الفرزدق رائية له في يزيد بن عبد الملك بنحو مما ختم به جريرٌ داليته يعرض به وبالخنزير، فقال بعد أن فخر بنفسه قائلًا: ما حملت ناقةٌ من سوقةٍ رجلًا ... مثلي إذا الريح لفتني على الكور أكرم قومًا وأوفى عند معضلة ... لمثقل من دماء القوم مبهور أي أثقلته الديات فهم يحملونها عنه. ألا قريشًا فإن الله فضلها ... مع النبوة بالإسلام والخير وبعد أن مدح بني مروان وبني أمية: حربٌ ومروان جداك اللذا لهما ... من الروابي عظيمات الجماهير الضاربين على حقٍّ إذا ضربوا ... يوم اللقاء وليسوا بالعواوير وبعد أن سخر من آل المهلب إذ خرجوا على يزيد بن عبد الملك فهزمهم العباس وعمه مسلمة بن عبد الملك: لقد عجبت من الأزدي جاء به ... يقوده للمنايا حين مغرور حتى رآه عباد الله في دقلٍ ... منكسًا وهو مقرون بخنزير

стр. 1619

هكذا ذكروا أن يزيد بن المهلب صلب بعد مقتله يوم العقر. للسفن أهون بأسًا إذ تقودها ... في الماء مطلية الألواح بالقير وذلك أن أزد عمان كانوا قومًا بحريين. وهم قيامٌ بأيديهم مجاد فهم ... منطقيين عراةً في الدقارير أي في تبابين النوتيين أي سراويل البحاريين وهن قصيرات. ثم بعد هجاء الأزد ومدح آل أبي العاصي ختم بالتفاتة إلى جرير. اخسأ كليب فإن الله أنزلكم ... قدمًا منازل إذلالٍ وتصغير ومن جيد ما ختم به آخر لاميته التي فر بها إلى سعيد بن العاص: ترى الشم الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر في الحدثان عالا بني عم النبي ورهط عمرو ... وعثمان الذين علوا فعالا قيامًا ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالًا ضروب للقوانس غير هدٍ ... إذا خطرت مسومة رعالا المسومة الرعال هنا خيل الحرب -وصفه إذ يقوم الناس له بالسيادة ثم أتبع ذلك وصفه بالفروسية والإقدام وجعل ذلك خاتمة لما أمله من ملجأ عنده وجوارٍ من زيادٍ لدى كنفه. ومن جيد خواتيمه آخر الكلمة التي رثى بها ابنين له وهي مما اختاره المبرد في الكامل، وأولها: بفي الشامتين الترب إن كان مسني ... رزية شبلي مخدرٍ في الضراغم وفي آخرها: فما ابناك إلا من بني الناس فاصبري ... فلن يرجع الموتى حنين المآتم

стр. 1620

وفي آخر مرثيته للحجاج: يقولون لما إن أتاهم نعيه ... وهم من وراء النهر جيش الروادف شقينا وماتت قوة الجيش والذي ... به تربط الأحشاء عند المخاوف فإن يكن الحجاج مات فلم تمت ... قروم أبي العاصي الكرام الغطارف ولم يعدموا من آل مروان حيةً ... تمام بدور وجهه غير كاسف له أشرقت أرض العراق لنوره ... وأومن إلا ذنبه كل خائف وهذا مقطع حسن واف كما ترى ولولا خشية الإطالة وإن لنا إلى الفرزدق عودة إن شاء الله لاستشهدنا له بخواتيم أخر. وقال عمر بن أبي ربيعة في آخر الرائية المعروفة يصف الناقة: فسافت وما عافت وما رد شربها ... عن الري مطروق من الماء أكدر الشين من شربها مثلثة. وأول هذه الأبيات جاء به بعد آخر الغزل حيث قال وقد نجا بعد أن خرج متنكرًا: فلما أجزنا ساحة الحي قلن لي ... ألم تتق الأعداء والليل مقمر وقلن أهذا دأبك الدهر سادرًا ... أما تستحي أو ترعوي أو تفكر إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا ... لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر فآخر عهد لي بها حين أعرضت ... ولاح لها خدٌّ نفقي ومحجر سوى إنني قد قلت يا نعم قولةً ... لها والعتاق والأرحبيات تزجر هنيئًا لأهل العامرية نشرها ... اللذيذ ورياها التي أتذكر وقمت إلى عنسٍ تخون نيها ... سرى الليل حتى لحمها متحسر ثم أخذ يصف الناقة والبئر والماء والآجن بالصحراء: به مبتنى للعنكبوت كأنه ... على طرف الأرجاء خامٌ منشر

стр. 1621

وردت وما أدري أما بعد موردي ... من الليل أم ما قد مضى منه أكثر فقمت إلى مغلاة أرضٍ كأنها ... إذا التفتت مجنونة حين تنظر مغلاة الأرض هي الناقة جعلها كالمغلي بكسر الميم وهو السهم الذي يرمى به في تقدير المسافات. تنازعني حرصًا على الماء رأسها ... ومن دون أن تهوى قليب معور أي بئر أفسد ماؤها بردم أو نحوه. محاولة للماء لولا زمامها ... وجدني لها كادت مرارًا تكسر فلما رأيت الضر منها وأنني ... ببلدة أرضٍ ليس فيها معمر قوله كادت مرارًا تكسر أي تتكسر والضمير يعود على نواحي الحوض الذي يستقي عنده عند جانب البئر، لم يذكره من قبل ولكن موضع الضمير لا يخفى، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ في سورة صاد أي الشمس، ولم يسبق لها ذكر لمكان العلم بها والمعصر ما يعتصر به وينتفع ومن فسر المعصر بالملجأ فقد يكون له وجه وما ذكرنا أضوب إن شاء الله وصيغة افتعل يجيء فيها فعل بتشديد العين مفتوحة ويجوز في الفاء الفتح والكسر وهي لقريش لغة ومنها في القرآن حرفان في يونس ويس. قصرت لها من جانب الحوض منشأً ... جديدًا كقاب الشبر أو هو أقصر أي حتى لا يتكسر جانب الحوض بجذابها وح لا يضربها العطش. وذلك أن القليب كان معورًا فأنشأ حوضًا صغيرًا، واحتفر ما كان مدفونًا من القليب واستقى منه بقعب جعله كالدلو وجعل حبله بعض سيور الرحل والزمام، قالوا والإبل تعاف الماء المتغير الكريه، فهذه الناقة لضرها لم تعف. إذا شرعت فيه فليس لملتقي ... مشافرها منه قدى الكف مسأر

стр. 1622

مسأر من أسأر أي أبقى وترك فضلة في الإناء، يصف بهذا قلى الماء وضحالته فالحوض الذي أنشأ لهات مع شدة عطشها. ولا دلو إلا القعب كان رشاءه ... إلى الماء نسع والأديم المضفر القعب إناء أظنه ههنا من خشب أو قرع والنسع بكسر النون السير والأديم الجلد وعني بالجلد المضفور هنا سيور الرحل ونحوها. فسافت وما عافت وما رد شربها ... عن الري مطروق من الماء أكدر وهذا بيت الختام الذي ذكرناه من قبل وينظر فيه، كالإشارة، إلى قول علقمة وكان عند العرب وعند قريش مرويًّا: ترادى على دمن الحياض فإن تعف ... فإن المندى رحلةٌ فركوب وعلقمة صنع هذا بناقته إذ كان قد أعلمها في أمر من أمور الجد، فابن ربيعة عد غزوة الغواني لها مثل هذا المقدار من الجد حتى إنها قد أفنت لحم ناقته وشحمها -ولا يعقل أن بعد مضارب حسنائه كان كبعد ديار الحرث الغساني بالشام من اليمامة والدهناء وديار بني تميم التي منها بدأ علقمة رحلته. وأوردنا أبيات عمر هذه لننبه على وصفه للناقة والورد وإنه قد جعله نهاية وخاتمة وأن موضع ذلك حيث وضعه صحيح، إذ عادة الشعراء أن يجعلوا الرحلة بعد الغزل، إما باللحاق بالمحبوبة التي بانت وأما للتسلي عن الحب الذي فات أو أنه كما صنع علقمة: فدعها وسل الهم عنك بجسرةٍ ... كهمك فيها بالرادف خبيب واما ليجزي هجرانًا بهجران كما فعل لبيد في المعلقة: فاقطع لبانه من تعرض وصله ... ولشر واصل خلةٍ صرامها

стр. 1623

وأحب المجامل بالجزيل وصرمه ... باقٍ إذا ضلعت وزاغ قوامها بطليح أسفار تركن بقية ... منها فأحنق صلبها وسنامها وقد قضى الشاعر ههنا لبانته من الحب فلم يبق إلا أن يصبح الحي ويعرف مكانه وفي ذلك المكروه، أو ينجو، والنجاء بالناقة، صنع ذلك عبد بني الحسحاس في اليائية. عميرة ودع إن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا واتبع مذهبه ابن أبي ربيعة ههنا. ومن الخير أن يتنبه إلى وصف ابن أبي ربيعة للناقة والمشرب والرحلة ههنا من عسى أن يحسب أن صاحب مغامرة: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غدا أو رائح فمهجر لا يعقل أن يكون زارها على ناقة أو بعير، ومن يسارع فيزعم أن وصف ناقة طرفة كله منتحل، انتحله المسجديون في البصرة والكوفة ونحو ذلك. هذا وقد اتبع ذو الرمة طريقة عمر -وقد ذكرنا أنه اتبع طريقة الحسحاسي على أن أصل المذهب قديم، تجد منه عند المرقشين -وذلك عند القافية حيث جعل آخر كلامه شربًا وورودًا كما صنع عمر وهو قوله: فأدلى غلامي دلوه يبتغي بها ... سقاط الصدى والليل أدهم أبلق سقاط الصدى أي ما يسقط الصدى أي يبل العطش، ويروي شفاء الصدى. فجاءت ينسج العنكبوت كأنه ... على عصويها سابريٌّ مشبرق وقد ذكر ابن أبي ربيعة مبتنى العنكبوت كما رأيت. وجعل ذو الرمة الشرب والورود ههنا لنفسه وغلامه والناقة واقتصر ابن أبي ربيعة على الناقة إذ لا يخفى إنه قد صدر ريان من عند الحبيبة، فما أصاب من ظمأ في الصحراء ينسبه إلى الناقة إذ لا يحسن أن ينسبه إلى نفسه وإن يك قد أحس به.

стр. 1624

والذين استشهدنا بمقاطع أشعارهم من الإسلاميين منبئون عن غيرهم ولا سيما جرير والفرزدق فهما العمود، أي ما يعمد إليه ويجعل أساسًا، وهذا من ألفاظ الجاحظ والمتقدمين من أدباء القرن الثاني وما بعده. ومما عسى أن يحسن أن نجعله كالخاتمة لهذا الفصل قول الفرزدق في هجاء إبليس في آخر الميمية التي تحدث فيها بهجائه: وإن ابن إبليس وإبليس ألبنا ... لهم بعذاب الناس كل غلام لهم أي للناس. هما تفلا في في من فمويهما ... على النابح العاوي أشد رجام وفي طبعة الديوان «أشد لجامي» وأحسبه تصحيفًا إذ هيئة الراء مما تشتبه باللام كثيرًا والبيت من شواهد الكتاب في باب الإضافة. وقال في الرائية التي كاد يحد من قوله فيها على الزنا وعيره ذلك جرير، وهو مقطعهما ودلالته على ذلك واضحة: ويحسبها باتت حصانًا وقد جرت ... لنا برتاها بالذي أنا شاكره فيا رب أن تغفر لنا ليلة النقا ... فكل ذنوبي أنت يا رب غافره هذا ونهاية عمر التي انتهى بها ونهايات ذي الرمة فيهن جميعًا كالدوران وشبه البتر على نحو من مذهب امرئ القيس. ومما يذكر، كالملحق بهذا الباب، وليس منه، ولكنه ويثق الصلة به، ونجعله تمهيدًا للحديث عن مقاطع المولدين قول أبي تمام في آخر البائية التي مدح بها عبد الله بن طاهر: إذا ما امرؤ ألقى إليك برحله ... فقد طالبته بالنجاح مطالبه

стр. 1625

فهذا مشعر بالنهاية دال عليها، ثم في ذكره النجاح والمطالبة كالرجعة والإشارة إلى بيت المطلع وهو قوله: هن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزمًا فقدمًا أدرك النجح طالبه والوقفة عنده نريد لقوة صلة مذهب أبي تمام فيه بما قدمناه من عادة الشعراء أن يذكروا الناقة والرحلة بعد النسيب والغزل سواء أكان ذلك للحاق أم لاستمرار الهجر أم للتسلي أم لأرب من آراب الجد أم كالنهاية لما تقدم من قصة الحب كما رأيت عند ابن أبي ربيعة وما أشبه هذا بما صار إليه مؤلفو ألف ليلة وليلة من بعد حين يقولون بعد الخاتمة «حتى أتاهم هادم اللذات وهازم المسرات»، تأمل قول عمر بعد أن قال «هنيئًا لأهل العامرية إلخ»: وماءٍ بموماة قليلٍ أنيسه ... بسابس لم يحدث به الصيف محضر أليس هذا بؤسًا بعد نعيم؟ هذا وبيت أبي تمام الذي قدمنا من فخمات مطالعه ولم يبال أن يركب فيه الخرم على مذهب القدماء إذ ذلك مما يقع فنظمهم. وزعم الآمدي إن هذا من رديء ابتداءاته من أجل الإضمار قبل الذكر ومن أجل ما يبدو من شبه خفاء المعنى. قال التبريزي وانتصر لأبي تمام وأحسب أن هذا قد كان فرعًا من انتصار شيخه أبي العلاء لأبي تمام، قال: «وليس الإضمار قبل الذكر بعيبٍ إذا كان المعنى مفهومًا، لأن هذا المعنى مأخوذٌ من الحديث المروي عن النبي ﷺ أنه قال في مرضه الذي مات فيه وهو يعني النساء: انكن صويحبات يوسف. قالوا وكان أبو سعيد الضرير وأبو العميثل العرابي على خزانة الأدب لعبد الله بن طاهر بخراسان، وكان الشاعر إذا قصده عرض عليهما شعره، فإن كان جيدًا عرضاه أو دعي به فأنشده، وإن كان رديئًا نبذاه ودفع إلى صاحبه البرد على غير الشعر فلما قدم أبو تمام على عبد الله قصدهما ودفع القصيدة إليهما فضماها إلى أشعار الناس، فلما تصفحا الأشعار

стр. 1626

مرت هذه القصيدة على أيديهما، فلما وقفا على هذا الابتداء طرحاها على الشعر المنبوذ، فأبطأ خبرها على أبي تمام، فكتب إلى أبي العميثل أبياتًا يعاتبه فيهما (كذا) ويقول: وارى الصحيفة قد علتها فترةٌ ... فترت لها الأرواح والأجسام ثم لقيهما فقالا له: لم لا تقول ما يفهم؟ فقال: ولم لا تفهمان ما يقال؟ فاستحسن هذا الجواب من أبي تمام. فلما دخل على عبد الله أنشده، فلما بلغ إلى قوله: وقلقل نابي من خراسان جأشها ... فقلت اطمئني أنضر الروض عازبه والأبيات التي بعده، صاح الشعراء وقالوا: ما يستحق مثل هذا الشعر إلا الأمير. فقال شاعر منهم يعرف بالرياحي: ولي عند الأمير أعزه الله جائزة وعدني بها وهي له جزاءً عن قوله، فقال الأمير: بل نضعفها لك ونقوم بالواجب له جزاء عن قوله. فلما فرغ من القصيدة نثر عليه ألف دينارٍ فلقطها الغلمان ولم يمس منها شيئًا، فوجد عليه المير وقال: يترفع عن بري ويتهاون بما أكرمته به. ثم بلغ بعد ذلك ما أراد منه» أ. هـ. هكذا آخر الخبر في شرح التبريزي لديوانه الذي حققه الدكتور محمد عبده عزام وفي أخبار أبي تمام للصولي «فما بلغ بعد ذلك ما أراد منه» وما أشبه أن يكون وقع ههنا تحريف لأن لأبي تمام في عبد الله بن طاهر بعد هذه البائية شعرًا يدل على حظوة وجدها عنده والله تعالى أعلم. وإنما سقنا هذا الخبر بتمامه لكيلا نجيء بقوله: «ولم لا تفهمان ما يقال؟ » مبتورًا، ولأنه يشع ضوءً على مكا كان عليه أبو تمام من لين الجانب وعزة النفس معًا وقوله: «ولم لا تفهمان ما يقال» ليس بمجرد لعب لفظي، لما فيه من الإشارة إلى حديث النبي ﷺ ثم لأن اوصاف النساء والغزل مما يتبعه الشعراء وصف الرحلة والسير والراحلة. فالمعنى إذن، أنت تعلم إنهن، أي النساء، قد جاء

стр. 1627

فيهن من قصة يوسف في كتاب الله ما جاء، وقد جاء فيهن من رسول الله ﷺ في الحديث المروي ما قال، فانصرف عن البدء بالنسيب وخذ في امر الجد وارتحل بعزم إلى الممدوح فمن جد وجد. وكل ما صنعه أبو تمام أنه اختصر النسيب في صدر البيت وجعل العجز خروجًا إلى الرحلة. فليس عجز البيت بمنفصل عن صدره كما زعم الآمدي بل الذي زعمه الآمدي من أن أبا تمام قد أتم البيت بعجز لا يليق بصدره غير صواب، وهو به واقع في باب عدم الفهم لما يقال ذلك الذي نفر أبو سعيد الضرير وأبو العمثيل أن ينسبا إليه إن صح هذا الخبر عنهما. وفي كتاب من حديث الشعر والنثر للدكتور طه حسين ﵀ في الفصل الذي عن أبي تمام وشعره قال: أظنكم توافقونني على أن هذا المطلع غريب يعني ﵀ قوله: «هن عوادي يوسف وصواحبه» - «وإن فهمه ليس بالشيء اليسير». قلت ولا يستفاد من قوله هذا أن البيت غامض أو أن فهمه مستعصٍ كل الاستعصاء، فالذي ذهبنا إليه هو الصواب إن شاء الله تعالى. المقاطع عند المحدثين: كما كان أبو تمام وأبو الطيب كلاهما يحرصان على حسن المطلع كذلك كانا يحرصان على جودة المقطع كقوله الذي تقدم ذكره: إذا ما امرؤ القيس إليك برحله ... فقد طالبته بالنجاح مطالبه وقد نبهنا على أن فيه رجعةً إلى قوله: فعزمًا فقدمًا أدرك النجح طالبه وأنفاسًا من مذاهب الرجعة في الخاتمة التي ذكرنا منهن أمثلة. ولا بأس من

стр. 1628

الإشارة ههنا إلى أن أبا الطيب قد نظر إليه في مطلع ميميته التي كانت أولى مدائحه لسيف الدولة (١): وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه وقد ترى أن البحر واحد وأنه قد جعل الهاء الساكنة آخر النغم وليست الميم التي هذا حرف الروى ببعيدة المعدن من باء أبي تمام وكلاهما مضموم. والأخذ من معنى أبي تمام خفي ولكنه يبدو مع التأمل، إذ قد لجأ من اختصار عادة الشعراء في النسيب والأغراب في ذلك إلى نحو محذو على نهج أبي تمام. هذا ومن أجود نهايات أبي تمام قوله في البائية الرائعة المطلع الفذة في بابها: أبقت بني الأصفر الممراض كاسمهم ... صفر الوجوه وجلت أوجه العرب ومن مقاطع أبي الطيب الحسنة قوله في آخر «على قدر أهل العزم»: ولم لا يقي الرحمن حديك ما وقي ... وتفليقه هام العدابك دائم وقال في آخر كلمته التي أولها: عقبي اليمين على عقبي الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم وهو مطلع بارع: لا تطلبن كريمًا بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخا هم يداختموا ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتى أحمد الصمم وقال في آخر «واحر قلباه» قصيدته المشهورة: هذا عتابي إلا أنه مقةٌ ... قد ضمن الدر إلا أنه كلم

стр. 1629

وهذا ينظر فيه إلى قول النابغة «ها إن ذي عذرة» آخر «يا درامية» لمكان اسم الإشارة مع سائر المعنى كما ترى. وأحسب أن أبا تمام كما هو أشد قرعًا للأسماع بمطالعه كذلك هو بمقاطعه، والبحتري فيهما معًا دون ذلك، وليس معنى هذا أنه لا يفتتح بما يشعر بالبداية ولا يختم بما يشعر بالختام. فقوله مثلًا: صنت نفسي بما يدنس نفسي مطلع قوي وآخر الكلمة: وأراني من بعد أكلف بالأحـ ... ـرار طرًّا من كل سنخ واس ولنا عودة إلى عامة مذهبه إن شاء الله عند الحديث على التخلص والاقتضاب وما هو من هذا المجرى من أساليب تماسك القصيدة ووحدتها. ونرى أن نقف الآن شيئًا عند مذهب أبي تمام في نهايات قصائده لاشتمالهن على كثير مما يجري مجرى النقد وقد كان أبو تمام، كما ذكر عنه ابن الأثير في أخريات فصول كتابه المثل السائر «رب معان وصيقل الباب وأذهان». وقفة عند خواتيم أبي تمام: كان لأبي تمام مذهبٌ من الفخر يختم به كثيرًا من قصائده مثل قوله: فدونكها لولا ليان نسيبها ... لظلت صلاب الصخر منها تصدع لها أخوات قبلها قد سمعنها ... وإن لم تزع بي مدة فستسمع قال التبريزي: «أي إن عشت سمعت مني أمثالها» وضبطت الزاي بالكسرة ومدة بالنصب والمعنى على هذا لا يتضح، ووزع من باب وضع وما أرى إلا أن

стр. 1630

الصواب تزغ بكسر الزاي بعدها غين معجمة وقبلها تاء مستثناة فوقية أي وإن لم تمل ومدة «مرفوعة فاعل» لقوله «لم تزغ» هكذا: وإن لم تزغ بي مدة فستسمع والمعنى إن لم تنته مدتي وإن مد في حياتي فستسمع مني أخوات لها وعلى هذا جاء معنى تفسير التبريزي وزاغ يزيغ من ألفاظ القرآن وإياها أراد حبيب فيما أرى. ومثل قوله: خذها مثقفة القوافي ربها ... لسوابغ النعماء غير كنود حذاء تملأ كل أذن حكمةً ... وبلاغةً وتدر كل وريد كالدر والمرجان ألف نظمه ... بالشذر في عنق الكعاب الرود كشقيقة البرد المنمنم وشيه ... في أرض مهرة أو بلاد تزيد يعطي بها البشرى الكريم ويحتبى ... بردائها في المحفل المشهود بشرى الغني أبي البنات تتابعت ... بشراؤه بالفارس المولود كرقي الأساود والأراقم طالما ... نزعت حمات سخائم وحقود وهذا آخر القصيدة الدالية التي أولها: أرأيت أي سوالفٍ وخدود ... عنت لنا بين اللوى فزرود وقد اعتذر بها إلى أحمد بن أبي داود فرضي عنه وقد وردت منها قطعة وافية بمعرض الحديث عن الكامل فالجزء الأول من هذا الكتاب. وقول أبي تمام «وتدر كل وريد» أي يتغنى بها في كل البلاد، وإدرار الوريد كناية عن ذلك. والى الغلو في حسن وحيد وجودة أدائها قصد ابن الرومي حيث قال: لا تراها هناك تجحظ عينٌ ... لك منها ولا يدر وريد

стр. 1631

ولم يخل من التعريض ههنا كما أشرنا إلى ذلك في ما تقدم. ولعل الخطيب قد وهم حيث فسر قول حبيب «وتدر كل وريد» فقال: «وإدرار الوريد كناية عن الذبح» قال: «وقوله تدر كل وريد يعني من يحسدها ومن يعاندها». وجليٌّ أن أبا تمام لم يخصص قوله «كل وريد» بوريد من يعاندها أو يحسدها ولكنه عمم ولم يخصص فوجب حمل كلامه على عمومه، وما كل وريد بحاسدها صاحبه، وإنما أراد حبيب التنويه بمعنى التغني بها والترنم طربًا وإعجابًا وقد فطن إلى هذا المعنى بعض الشراح كما أورده المحقق في الهامش، وإن يك إدرار وريد الجارية عائبًا لها فليس إدرار انفعال الغناء بعائب الرجل الفحل به ذلك العيب. ومثل قوله: خذها مغربةً في الأرض آنسةً ... بكل فهمٍ غريب حين تغترب من كل قافية فيها إذا اجتنيت ... من كل ما يجتنيه المدنف الوصب الجد والهزل في توشيع لحمتها ... والنبل والسخف والأشجان والطرب لا يستقي من حفير الكتب رونقها ... ولم تزل تستقي من بحرها الكتب حسيبةٌ في صميم المدح منصبها ... إذ أكثر الشعر ملقىً ماله حسب من حفير الكتب بالحاء المهملة أشبه بطريقة حبيب لمقابلة الحفير للبحر وبالجيم المعجمة يكون معنى الجفير الجفر بفتح الجيم وسكون الفاء وهو الماء الكثير ولا مقابلة ههنا ويدلك على أن الجفر هو الماء الكثير أو هكذا كان معناه عند حبيب قوله وهو من مجرى ما نحن فيه من أساليب فخره عند نهايات كلامه: جاءتك من نظم اللسان قلادةٌ ... سمطان فيها اللؤلؤ المكنون حذيت حذاء الحضرمية أرهفت ... وأجادها التخصير والتلسين إنسيةٌ وحشيةٌ كثرت بها ... حركات أهل الأرض وهي سكون

стр. 1632

ينبوعها خضلٌ وحلى قريضها ... حلى الهدي ونسجها موضون أما المعاني فهي أبكارٌ إذا ... نصت ولكن القوافي عون احذاكها صنع اللسان يمده ... جفرٌ إذا نضب الكلام معين ويسيء بالإحسان ظنًّا لا كمن ... هو بابنه وبشعره مفتون يرمي بهمته إليك وهمه ... أمل له أبدًا عليك حرون فمناه في حيث الأماني رتع ... ورجاؤه حيث الرجاء كنين ولعل ما يرجوه مما لم يكن ... بك عاجلًا أو آجلًا سيكون وهذا البيت حسن ختامٍ كما ترى. وقال التبريزي في الجفر: «بئر واسعة الفم يقول بعضهم إنها تكون غير مطوية وهي مع ذلك قليلة الماء» قلت هذا معنى واحد من معاني الجفر ولا ريب أن التبريزي حجة، غير أن في قولهم غلام جفرٌ وشاة جفر ما يدل على معنى القوة وذكر صاحب القاموس أسماء مياهٍ كثيرة مما يجري على وجه الأرض تسمى جفرًا وعليه ظاهر كلام أبي تمام حيث قال «معين» والله أعلم. ومن مفردات مقاطع أبي تمام الجيدة قوله في أبي دلف واسمه القاسم بن عيسى العجلي: نامت همومي عني حين قلت لها ... هذا أبو دلفٍ حسبي له وكفى ومن خاتمات كلامه في قصيدة على القاف هجا بها أحد الشعراء: سر أين شئت من البلاد فإن لي ... سورًا عليك من الرجال وخندق وقبيلةٌ يدع المتوج خوفهم ... فكأنما الدنيا عليه مطبق أي سجن واشتقاقه من الأطباق أي التغطية فلك في بائه الكسر والفتح وقوله سورًا عليك من الرجال وخندق يجوز في خندق الرفع والنصب غير أن النصب لا يصلح ههنا ونظر أبو تمام إلى قول غيلان: «عليها من الظلماء جلٌّ وخندق» وقد

стр. 1633

نشير إلى تأثره غيلان من بعد أن صرنا إليه إن شاء الله تعالى. وقصائد تسري إليك كأنها ... أحلام رعبٍ أو خطوب طرق من منهضاتك مقعداتك خائفًا ... مستوهلًا حتى كأنك تطلق أي حتى كأنك حامل بها وجع الولادة. تطلق بضم التاء وفتح اللام مبنية للمفعول: من شاعر وقف الكلام ببابه ... واكتن في كنفي ذراه المنطق قد ثقفت منه الشآم وسهلت ... منه الحجاز ورققته المشرق قوله «وقبيلة» و «قصائد» يجوز فيها النصب بالرد على اسم أن من قوله فإن لي سورًا إلخ. هذا وقوله: «وقصائد تسري إليك» وقوله: «كثرت بها حركات أهل الأرض إلخ» في النونية وقوله: «إنسية وحشية إلخ» وقوله: «مغربة في الأرض آنسة إلخ» في الأبيات البائية التي مرت منذ حين قريب، كل هذا يريد به أن يدل على سيرورة الشعر، وكثرة إنشاد الناس له، وهذا مما يصحح ما ذهبنا إليه في تفسير قوله «وتدر كل وريد» إن شاء الله. وقال في آخر البائية التي مدح بها أبا دلف وجعل الخاتمة تنتظم عدة أبيات: إليك أرحنا عازب الشعر بعدما ... تمهل فروض المعاني العجائب غرائب لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب ولو كان يفني الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب أقول لأصحابي هو القاسم الذي ... به شرح الجود التباس المذاهب وإني لأرجو أن ترد ركائبي ... مواهبه بحرًا ترجى مواهبي وأحسن أبو تمام إذا حلى البيت السابق للمقطع وكأنه منه باسم ممدوحه كما فعل في قوله: هذا أبو دلفٍ حسبي به وكفى

стр. 1634

ونحو ذلك مما يزيد الممدوح طربًا حين يسمعه. كلمة أبي تمام: ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب من دقيق ما وصف به الشعر عامة وشعره هو خاصة، وكان في كلمة أبي تمام هذه ردًّا على ما من جزم بأن المعاني مطروحة في الطريق وأن الشعراء إنما يتفاوتون بجودة الأداء، وهي من كلمات الجاحظ المعروفة. على أن الجاحظ قد جزم في موضع آخر احسبه في البيان على أن المعاني مستترة خافية في أسرار الأنفس حتى يبرزها البيان، وأن المعنى، كما قال التابعي الجليل عامر بن عبد قيس، إذا خرج من القلب ولج إلى القلب فصوب العقول، الذي ذكره أبو تمام يمكن حمله على هذا الباب. على أن أبا تمام قد أراد به أن للفكر وتأمل العقل في الشعر جانبًا يجعل الإبداع لجيده ملازمًا، على ما يظهر من تشابهٍ، كما السحاب يتشابه، وكل غيث عن الآخر مختلف، وهو شيء في ذات نفسه بديع بكر -ألم تقل العرب في نعت المطر: جادت عليه كل بكر حرةٍ ... فتركن كل قرارة كالدرهم وقفة مع الشاعر الناقد صمويل تيلور كولردج وبعض مسائل النقد: للشاعر الناقد صمويل تايلور كواردج Samuel Taylor Colerdge (١٧٧٢ - ١٨٣٤ م) مذهب قريب من صوب العقول هذا إذ يقول في أوائل المجلد الثاني من الترجمة الأدبية- أي كتابة المسمى بما هذه ترجمته التقريبية Biographia Literaria طبعة أكسفورد (سنة ١٩٦٧ مصورة) (ص ٤٩ - ٥٠) (الطبعة الأولى سنة ١٨١٧ وأعيدت ١٩٠٧ ومن بعد إلى ١٩٦٧ م). And first from the origin of metre. This I would trace to the balance in the mind effected by that spontaneous effort which strives to hold in check the workings of passion. It might be easily explained likewise in what manner this

стр. 1635

salutary antagonism is assisted by the very state which it counteracts, and how this balance of antagonists became organised into METRE (in the usual acceptation of that term) by a supervising act of the will and judgement consciously and for the foreseen purpose of pleasure. Assuming these principles, as the data of our argument we deduce from them two legitimate conditions, which the critic is entitled to expect in every metrical work. First that, as the ELEMENTS of metre owe their existence to a state of increased excitement so the metre itself should be accompanied by the natural language of excitement. Secondly that as these elements are formed into metre ARTIFICIALLY, by a VOLUNTARY act, with the design and for the purpose of blending DELIGHT with emotion, so the traces of the VOLITION should throughout the metrical language be proportionately desecrnible. Now these two conditions must be reconciled and co-present. There must be not only a partnership, but a union, an interpenetration of passion and will, of SPONTANEOUS impulse and voluntary purpose. Again this union can be manifested only in a frequency of forms and figures of speech (originally the offspring of passion, but now the adopted children of power) greater than would be desired or endured, where the emotion is not voluntarily encouraged and kept up for the sake of pleasure, which such emotion, so tempered and mastered by the will, is found capable of communicating. It not only dictates, but of itself tends to produce, a more frequent employment of picturesque and vevifying language, than would be natural in any other case, in which there did not exist, as there does in the present, a previous and well understood, though tacit COMPACT between the poet and his reader that the latter is entitled to expect, and the former bound to supply this species and degree of pleasurable excitement. هذا آخر تحديث كلردج عن أصل الوزن في الشعر ثم استشهد على ما قاله بشيء من مسرحية شكسبير التي اسمها قصة الشتاء ومضى من بعد يتحدث عن طبيعة تأثير أوزان الشعر وترجمة ما تقدم على وجه التقريب كما يلي، مع التنبيه على أنه مما يتعمق في العبارة ويشربها روحًا فلسفيًّا: «أولًا من حيث منشأ الوزن. عندي أن ذلك مرده إلى توازن في العقل يحدثه بفعل منه عفويٌ يروم به أن يكبح من حدة سورة الوجدان، وبنحو من ذلك عسانا أن نفسر بسهولة الكيفية التي فيها يوجد هذا التناكر المفيد يستعين بنفس

стр. 1636

الحالة التي هو يقاومها، وكيف أن هذا التوازن بين أمرين متناكرين يصير منتظمًا في الوزن (بمعناه المصطلح المعروف) بسبب ما يطرأ عليه من تدبير الإرادة والرأي عن عمد وبحدسٍ سابق يرمي إلى إحداث اللذة والسرور. وإن تك هذه المبادئ هي مقدمات للحجة التي ندلي بها، فإننا يصح لنا أن نستخرج من ذلك بالاستنتاج أمرين، يحق لكل ناقد أن يتوقعهما في كل عمل ينتظمه الوزن. أولًا أن عناصر الوزن تستمد وجودها من حالة ازدياد في تهيج الشعور، ولذلك فينبغي للوزن نفسه أن ترافقه اللغة الطبيعية التي تعبر عن التهيج. ثانيًّا، أن هذه العناصر إنما تصير وزنًا بعمل الصنعة واختيار الإرادة وذلك من أجل أن تمتزج العاطفة باللذة، ولهذا فينبغي أن يكون للجانب الإرادي آثار محسوسة نتبينها بنسبة حضوره في جميع لغة الكلام الموزون. هاتان الحالتان (يعني كلردج حالة التهيج التي تعبر عنها لغة التهيج وحالة الصنعة والإرادة التي ترمي إلى مزج عاطفة التهيج بعامل الإبهاج واللذة) يلزم التوفيق بينهما وان يكون حضورهما معًا في آن واحد. يلزم ألا يكون أمرهما شركةٍ ولكن أمر اتحاد، أن يكون تداخلًا متغلغلًا متلاحمًا بين حدة انفعال الوجدان وبين الإرادة، بين الدافع العاطفي العفوي والقصد المتعمد المختار. ثم إن هذا الاتحاد إنما يتجلى في تواتر أشكال في التعبير والمجاز (هن في الأصل سلالة تولدت من حدة انفعال الوجدان، وقد صارت الان أطفالًا تبنتهم القدرة على البيان) تواترًا أشد من أن يحتمل أو يشتهى إلا حيث تكون العاطفة تحفزها الإرادة وتحتفظ بها من إيجاد تلك اللذة وذلك الإمتاع اللذين إنما توجد العاطفة تقوى على التعبير بهما والإبلاغ حين تهيمن عليهما الإرادة وتحد من سورتها. إنه (بتجليه هذا) لا يملي بحسب، ولكن يوجد من تلقاء طبيعة ذاته، يجنح إلى إنتاج تواتر لاستخدام لغة التصوير والتعبير ذي الحيوية أكثر مما قد يعد مثله طبيعيًّا في الحالات الأخرى التي لا تقتضي كما تقتضي هذه الحالة وجود نوع من عهد سابق معلوم حقًّا، وإن يك ذلك غير مصرح به، بين الشاعر ومن يقرأ له، هذا يرى من حقه أن ينتظر ويجد

стр. 1637

هذا النوع وهذا المقدار من الإثارة الممتعة والشاعر يلتزم بأن عليه أن يمده بذلك» أ. هـ. نبهنا على أن كلردج مما يتعمق في العبارة ويشربها روحًا فلسفيًّا وهو هنا يحاول التوفيق بين مذهب الرومنسيين في نسبة الشعر إلى انفعال الوجدان والعواطف وطبيعة التأليف الفني التي تطلب تخير اللفاظ والمعاني والصيغ وذلك مجال الملكة الصانعة والقدرة والتفكير. وعبارات أبي تمام أنصع وأوضح، على ما فيه من عمق كما تقدم من قوله المشهور: ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب وقد ترى في كلام كلردج أنه قد أخضع جانب العاطفة لجانب الفكر والإرادة التي تنتخب وتختار. ومما يشهد بصحة هذا الذي نذهب إليه من تشبيه مذهب كلردج الناقد بمذهب أبي تمام قول أبي تمام: إحذاكها صنع الضمير يمده ... جفرٌ إذا نضب الكلام معين ويروى اللسان، والضمير أجود مع تقارب المعنى إذ أبو تمام نفسه هو القائل: «لسان المرء من خدم الفؤاد». ولا بأس من التنبيه ههنا على أن أبا تمام كما هو شاعر هو أيضًا ناقد شهد له معاصروه ومن بعدهم بجودة الذوق والقدرة على الموضوعية الشاملة النظرة في ذلك، ثم قد ضمن شعره مسائل وآراء في النقد تجعله من المقدمين حقًّا في هذا الباب وهذا أمرٌ ينبغي ألا يغفل عنه. قوله: «صنع الضمير يمده جفر إذا نضب الكلام معين» هو عينه مقال

стр. 1638

كلردج بالاتحاد بين المتقابلين الذي يتجلى في التعابير المجازية وتواتر اللغة الحية لا يمليها من تجليه فحسب ولكن ينتجها بطبيعته التي تجنح إلى الإنتاج. وقوله إحذاكها يفيد معنى الإمتاع والعطاء. وعبارة أبي تمام أقوى وأنصع وأوضح لأن تشقيق الشعر فيها أقل خالية كل الخلو من فيهقة حرارة تفخ الكلام التي عند كلردج. ويعتذر له بما قدمناه من أن هذا نثر يتفلسف به. وقال أبو تمام يصف قصيدة شعره: حذيت حذاء الحضرمية أرهفت ... وأجادها التخصير والتلسين والحضرمية أحذية رقاق جياد كانت تحذى بحذقٍ صنعةٍ ومهارة على مثالٍ يجعل لشكلها نموذجًا. والمثال الذي حذا أبو تمام عليه قصيدته الموصوفة ههنا وهي التي مطلعها: وأبي المنازل إنها لشجون ... وعلى العجومة إنها لتبين هو ما راعه وأثاره من عظمة الخلافة آنئذ. وفسر التبريزي قوله: «إنها لشجون» فقال: «يقول إن المنازل الخالية عن أهلها لهموم، أقسم بها تعظيمًا لها، والشجون جمع شجن وهو الحزن، أي تذكر العاشق العهود، فتكسبه حزنًا، وعلى ما بها من العجمة تشكو سوء حال تأثير الزمان فيها، وما ابتليت به من تسلط الدروس عليها لمفارقة سكانها، وإنما يريد أن الواقف عليها باعتباره وتأمله يحصل له ذلك فكأن الدار عرفته وأخبرته» أ. هـ. والذي ذهب إليه التبريزي من الشرج وجه يحتمله لفظ أبي تمام، ولا أحسب أنه مراده، بل أحسب أن مراده: «وأبي المنازل» قسم، «إنها لشجون» - أي هي نفسها حديث وكلام، من قولهم الحديث ذو شجون، أي ذو شعب وطرائق ولا تعجبن أيها القارئ الكريم من قولنا هذا فإنا لا نعترض به على أبي زكريا، ولكن هذا وجه كما قوله وجه. ويبرز ما ذهبنا إليه من قولنا إن أبا تمام أراد أن المنازل هي

стр. 1639

نفسها حديث ذو شجون، هي نفسها كلام وحديث متنوع، قوله إنها لتبين، فكأنه توضيح وضحه به يقول فيه لا تعجب من أنها حديث ذو شجون فإنها على عجمتها مبينة ناطقة بلسان. قال زهير: أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ثم لما تبينها وعرف معالمها قال: فلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا أنعم صباحًا أيها الربع وأسلم وهذا يتضمن زعمًا من زهير أن الربع يسمع تحيته. وقال لبيد: فوقفت أسألها وكيف سؤالنا ... صمًّا خوالد ما يبين كلامها فكأن حبيبًا هنا ينقض قضية لبيد. وقال عنترة: يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي وقال أيضًا: أعياك رسم الدار لم يتكلم ... حتى تكلم كالأصم الأعجم يروي هذا البيت في ميميته، ومثله، ومثل معناه، صح لعنترة أو لم يصح، لم يكن ليخفى عن أبي تمام، ولعله نظر إليه. ذكر التخصير والتلسين في بيته «حذيت حذاء الحضرمية إلخ» لا ريب يشير به إلى قول أبي نواس: إليك أبا العباس من دون من مشى ... عليها ركبنا الحضرمي الملسنا قلائص لم تسقط جنينًا على الوجى ... ولم تدر ما قرع الفنيق ولا الهنا أي هذه الحضرميات الملسنات قلائص (جمع قلوص أي الناقة الشابة، ولكنهن لسن من الإبل، لم يعرفن قرع الفحل ولا الطلاء من الجرب. الفنيق

стр. 1640

الفحل والهنا بكسر الهاء كالهناء بوزن الكتاب وهو طلاء الإبل بالقطران من الجرب، ويعجبني من هذه النونية قوله: أطال قصير الليل يا رحم عندكم ... فإن قصير الليل قد طال عندنا ولا يعرف الليل الطويل وهمه ... من الناس إلا من تنجم أو أنا أي إلا من سهر الليل مهمومًا أو عاشقًا يرعى النجوم وإلا أنا إذ أنا عاشق محروم ومهموم. وقال أبو تمام: خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب بكرًا تورث في الحياة وتغتدي ... في السلم وهي كثيرة الأسلاب ويزيدها مر الليالي جدةً ... وتقادم الأيام حسن شباب وقال: لم تسق بعد الهوى ماء على ظمأٍ كماء قافيةٍ يسقيكها فهم بكسر الها أي ذو فهم، والساقي ذو الفهم هو الشاعر ينشد العاشق المحرور فيفثأ من حرارة ظمئه بما يودعه القلب من الأشجان التي تنفسح لها الدموع فيخفف ذلك من حرارة اللوعة والظمأ إلى الوصال. من كل بيت يكاد الميت يفهمه ... حسنًا ويحسده القرطاس والقلم إذا أنشد لأن لرنته من المنشد الفهم (بكسر الهاء) ما يتغلغل من المعاني في الفؤاد بأكثر مما ينبعث من خط القرطاس والقلم. ولا يخلو معنى قوله: «كماء قافية بسقيكها فهم» من القصدالي معنى الغناء. وكما ذو الفهم هو الشاعر، يكون أيضًا هو المغني الحاذق. وكان لأبي تمام بالغناء ولع وطرب. مالي ومالك شبه حين أنشده ... إلا زهير وقد أصغى له هرم

стр. 1641

فدلنا بهذا البيت، إن كان صادقًا، أنه كان ينشد شعره فيمتلك به الأسماع، وهذا خلاف ما روى ابن المعتز أنه كان سيء الإنشاد، فالله أعلم أي ذلك كان. بكل سالكةٍ للفكر مالكةٍ ... كأنه مستهام أو به لمم أي هي ابنة الفكر تسلك من الفكر إلى الفكر مالكةً له فالحالين حتى كأنه عاشق مستهام أو به لمم من الجن، وهذا غاية في الاتصال والإبلاغ والإمتاع. وقال: إليك بعثت أبكار القوافي ... يليها سائقٌ عجلٌ وحادى جوائز عن ذنابي القوم حيرى ... هوادي للجماجم والهوادي أي تجاوز أذناب القوم، هوادي أي مهتديات إلى جماجمهم وهواديهم أي أعناقهم جمع هاد بمعنى عنق يعني إلى رؤسائهم وساداتهم وكبرائهم. شداد الأسر سالمة النواحي ... من الإقواء فيها والسناد الإقواء والسناد من عيوب القافية كما مر. يذللها بذكرك قرن فكرٍ ... إذا حرنت فتسلس في القياد فزعم كما ترى أن الفكر هو الذي يصنع ويصوغ وتنقاد إليه القوافي، وقرن فكر بكسر القاف أي قرين للفكر ومقابل كفء له ونظير عني الشاعر أي نفسه أي هو مقارن للفكر مقابل له قادر على أن يروض به لغة الشعر ومعانيه. ولا ريب أنك فطنت أيها القارئ إلى ما بين هذا وبين ما زعمه كلردج من أمر المتناكرين والتوازن والاتحاد وحدة سورة الوجدان وروية الفكر وحده منها ومقارنته لها ومقابلته من شبهٍ. لها في الهاجس القدح المعلى ... وفي كتب القوافي والعماد

стр. 1642

أي تقع في القلب موقعًا حسنًا وحين تدون في الدواوين وحين ينظر إلى نوع نظمها ورويها وعمود شعرها. لا جرم نظر الآمدي في قوله «عمود الشعر» إلى هذا من قول أبي تمام، ولله در القائل، وبه استشهد الثعالبي في معرض حديثه عن طعون الصاحب في أبي الطيب: وذموا لنا الدنيا وهم يحلبونها ... ولم أر كالدنيا تذم وتحلب وأمثلة ذكر الفكر والفهم وما أشبه في شعر أبي تمام كثيرة. وما اشتملت عليه هذه الأبيات الدالية من معاني النقد وتأملاته شاهد فيما قدمناه من أن حبيبًا كما كان شاعرًا ضخمًا كان كذلك ناقدًا ضخمًا. وفي هذه الأبيات قوله: منزهة عن السرق المورى ... مكرمة عن المعنى المعاد فقوله «السرق المورى» حاوٍ لأصناف السرق التي عددها النقاد. وقد زعم ابن الأثير أنه قد اهتدى في ذلك إلى ما لم يهتد أحد قبله، ومعرفته بشعر أبي تمام تشهد بأخذه منه، على أقل تقدير. وأما عمود الشعر التي أشرنا إلى أن الآمدي قد نظر في استعماله إياها إلى قول أبي تمام «وفي كتب القوافي والعماد» فمن العجب الزعم الدائر بيننا الآن إن هذه العبارة كانت اصطلاحًا، ولو كانت اصطلاحًا لكان النقاد قد أفردوا لها بابًا أو فصلًا ولا نجد شيئًا من ذلك عند أحدٍ منهم (١)، وحسبك شاهدًا عمدة ابن رشيق

стр. 1643

وكتاب قدامة وأبي هلال والمثل السائر، وإنما كان قولهم عمود الشعر كقولهم عمود كذا وكذا يعنون قوامه وما ينبغي أن يعمد إليه فيه وقولنا الصلاة عماد الدين ليس «عماد الدين» فيه اصطلاحًا للصلاة ولما ينبغي أن تكون عليه ولكنه وصف وتمثيل، وكذلك قولك عمود الشعر قال الجاحظ في الحيوان (ج ٦ - ٧٢ - ٧٣) الطبعة المصورة عن حيوان عبد السلام هرون في معرض الحديث عن الضب: «فأما ما ذكروا من أن للضب أيرين وللضبة حرين فهذا من العجب العجيب، ولم نجدهم يشكون وقد يختلفون ثم يرجعون إلى هذا العمود». أ. هـ. أي عامدين إلى هذا القول المتقدم. وفي البيان والتبيين ج ١ - ص ٣٤٠ «وكان خالد جميلًا ولم يكن بالطويل فقالت له امرأته إنك لجميل يا أبا صفوان قال وكيف تقولين هذا وما في عمود الجمال ولا رداؤه ولا برنسه فقيل له وما عمود الجمال فقال الطول ولست بطويل ورداؤه البياض ولست بأبيض وبرنسه سواد الشعر وأنا أشمط ولكن قولي إنك مليح ظريف» أ. هـ. فالعمود والبرنس والرداء مع ما أضفن إليه ههنا لسن باصطلاحات ولكن هذه طريقة التعبير وعمود من أساليب البيان أي شيء يعمد إليه العامد من أساليب البيان. قال الجاحظ في الجزء الرابع من الحيوان ص ٧٧ بمعرض تفسير قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ أن شحم الخنزير مرادٌ أيضًا بالتحريم: «فلما كان اللحم هو العمود الذي يقصد إليه إلخ» -وقالوا عمود الرواية أي ما يعتمد عليه منها، وما يعمد إليه منها. والأمثلة في هذا المجال كثيرة. وعلى هذا قولهم: «عمود الشعر» أي ما ينبغي أن يعمد إليه منه. فهذا ليس باصطلاح. فعسى ان يكف بعض القائلين من غربهم في هذا المجال وليس ما ذكره المرزوقي في مقدمته لشرح ديوان الحماسة بخارج في جملته عما ذكرناه.

стр. 1644

وقفة مع المرزوقي: ذلك بأن المرزوقي قد جعل لعموده أبوابًا فدل بذلك على أنه وجه يعمد إليه ومقاصد يقصد نحوها، إذ لا يحسن للعمود أن نزعم أن له أبوابًا إلا على هذا المعنى. ومن قال إن العمود يدل على الخيمة والخيمة لها أبواب فقد تكلف. والمرزوقي ﵀ مما يتكلف، غير أنه لا يبلغ به ذلك هذا الحد. وقوله: «عمود الشعر المعروف عند العرب» (١) أشبه بالمعنى الذي قدمنا أي مقصد الشعر المعروف عند العرب. وإليك بعد أهم ما قاله: «فالواجب أن يتبين ما هو عمود الشعر المعروف عند العرب، ليتميز تليد الصنعة من الطريف، وقديم نظام القريض من الحديث ولتعرف مواطئ أقدام المختارين فيما اختاروه، ومراسم أقدام المزيفين على ما زيفوه، ويعلم أيضًا فرق ما بين المصنوع والمطبوع، وفضيلة الاتي السمح على الأبي الصعب، فنقول وبالله التوفيق»: «إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف -ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال، وشوارد الأبيات- والمقاربة في التشبيه، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائها للقافية حتى لا منافرة بينهما- فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر، ولكل باب معيار. فعيار المعنى أن يعرض على العقل الصحيح والفهم الثاقب، فإذا انعطفت عليه جنبتنا القبول والاصطفاء مستأنسًا لقراءته، خرج وافيًّا وإلا انتقص

стр. 1645

بمقدار شوبه ووحشته. وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال، فلما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم. وهذا في مفرداته وجملته مراعى؛ لأن اللفظة تستكرم بانفرادها، فإذا ضامها ما لا يوافقها عادت الجملة هجينًا. وعيار الإصابة في الوصف، الذكاء وحسن التمييز، فما وجداه صادقًا في العلوق ممازجًا في اللصوق، يتعسر الخروج عنه والتبرؤ منه، فذاك سيماء الإصابة فيه. ويروي عن عمر ﵁ أنه قال في زهير: كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال فتأمل هذا فإن تفسيره ما ذكرناه. وعيار المقاربة في التشبيه الفطنة وحسن التقدير، فأصدقه ما لا ينتقض عند العكس، وأحسنه ما أوقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما ليبين وجه التشبيه بلا كلفة، إلا أن يكون المطلوب من التشبيه أشهر صفات المشبه به وأملكها له، لأنه حينئذ يدل على نفسه ويحميه من الغموض والالتباس. وقد قيل أقسام الشعر ثلاثة: مثل سائر، وتشبيه نادر واستعارة قريبة. وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن، الطبع واللسان، فما بلم يتعثر الطبع بأبنيته وعقوده، ولم يتحبس اللسان في فصوله ووصوله، بل استمرا فيه واستسهلاه بلا ملال ولا كلال، فذاك يوشك أن يكون القصيدة منه كالبيت، والبيت كالكلمة تسالما لأجزائه وتقارنا، وألا يكون كما قيل فيه: وشعر كبعر الكبش فرق بينه ... لسان دعي في القريض دخيل وكما قال خلف: وبعض قريض القوم أولاد علة ... يكد لسان الناطق المتحفظ وكما قال رؤبة لابنه عقبة وقد عرض عليه شيئًا مما قال فقال: «لقد قلت لو كان له قران»

стр. 1646

وإنما قلنا، على تخير من لذيذ الوزن؛ لأن لذيذه يطرب الطبع لإيقاعه ويمازجه بصفاته، كما يطرب الفهم لصواب تركيبه واعتدال نظمه. ولذلك قال حسان: تغن في كل شعر أنت قائله ... إن الغناء لهذا الشعر مضمار وعيار الاستعارة الذهن والفطنة. وملاك الأمر تقريب التشبيه في الأصل حتى يتناسب المشبه به، ثم يكتفي فيه بالاسم المستعار لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له. وعيار مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية طول الدربة ودوام المدارسة، فإذا حكما بحسن التباس بعضها ببعض، لا جفاء في خلالها ولا نبو ولا زيادة ولا قصور، وكان اللفظ مقسومًا على رتب المعاني، قد جعل الأخص للأخص، والأخس للأخس، فهو البريء من العيب، وأما القافية فيجب أن تكون كالموعود به المنتظر يتشوقها المعنى بحقه واللفظ بقسطه وإلا كانت قلقة في مقرها مجتلبة لتستغن عنها. فهذ ١ هـ الخصال عمود الشعر عند العرب، فمن لزمها بحقها وبنى شعره عليها، فهو عندهم المقلق المعظم والمحسن المقدم، ومن لم يجعلها فبقدر سهمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان وهذا إجماع مأخوذ به ومتبع نهجه حتى الآن». أ. هـ. قد ترى أن المرزوقي ادعى الإجماع على هذا الذي ذكر أنه العمود المعروف عند العرب فأفاد بهذا أن المعمود إليه هو جودة الشعر. وقد أشرك معه ما يقع من --- صفحة ممسوحة ص ١٩٤ - --

стр. 1647

ثم إن هذا الذي ادعى له المرزوقي الإجماع ليس خاصًا بالعرب وحدهم -إلا التقفية- إذ هو يصدق مثلًا على شعر كثير غيرهم من الأمم. إن هذه الأمور التي ذكرها إنما هي أبواب الجودة والبلاغة، ولا يعقل أن يكون قولهم عمود الشعر اصطلاحًا ثم يكون من بعد لا مدلول له إلا البلاغة والجودة. هذا ولو تأملت الأشياء السبعة التي ذكرها أبو على المرزوقي ﵀ وجدتها كلها راجعة إلى ما ذكره الجاحظ وابن قتيبة وقدامة. الشرف من ابن قتيبة وأسبق (١) وكذلك أمر اللفظ والمعنى منه ومن الجاحظ والالتحام والالتئام من نظم الجاحظ واقتضاء اللفظ والمعنى بعد تشاكلهما للقافية من قدامة. وقد يعلم القارئ الكريم أن قدامة كره أن يستخرج ستة ائتلافات من عناصره الأربعة وزعم أن القافية داخلة في مدلول اللفظ. ثم كره أن يجعل ائتلافاته ثلاثة وهو يعلم أن ائتلافات العناصر الأربعة - (الماء والهواء والنار والتراب) - من أمزجة أربعة: (البلغم والدم والسود والصفراء) فلعله والله أعلم -حرص على أن تكون امتزاجات ائتلافاته أربعة فجعل للقافية ائتلافًا خاصًّا مع المعنى ومثل لما يعاب منه بقول أبي عدي القرشي: ووقاك الحتوف من وراث وا ... إلى وأبقاك صالحًا رب؟ ولعل المرزوقي ﵀ جعل أبوابه سبعة - (؟ ؟ له أنه لم يدع في ذكرها ولا معرفتها لنفسه سبقًا) - للتبرك بعدد السبعة إذ هي كما ذكرها أكثر من سبعة. وماذا كان عليه لو جعلها اثني عشر بابًا كما وردت في سبقها فإن الاثني عشر عدد فيه بركة كما فيه مراعاة لأهل الطبيعة والفلك إذ البروج اثنا عشر ١) شرف المعنى ٢) وصحته ٣) وجزالة اللفظ ٤) واستقامته. ولا يخفى أن الصحة

стр. 1648

غير الشرف وقد مزجها في عياره بالشرف مزجًا متكلفًا والجزالة غير الاستقامة وليته فسر لنا الجزالة إذ مدلولها عند المتأخرين أخفى مما كان عند المتقدمين وفي زماننا هذا هو أشد خفاء مما كان عليه في المائة الخامسة. أما الاستقامة فمن صفة التركيب النحوي حسنًا وقبحًا وهذا أمر وفاه سيبويه حقه في مقدماته وفي سائر الكتاب من بعد. وزعم عبد القاهر أن سيبويه إنما ألم بذلك إلمامًا وادعى لنفسه فضيلة السبق والاستيفاء، ولعل نصيبه من ذلك للمتأمل نسبي. ولله در ابن رشيق إذ جاء بالرشيق ذي السبق الدقيق ولم يدع لنفسه من سبق أو ابتكار ألا الجمع والتأليف (١). (٥) والمقاربة في التشبيه- وهذا مما لا ينفرد به طلب التجويد في الشعر دون النثر. (٦) التحام أجزاء النظم والتئامها. (٧) على تخير من لذيذ. (٨) الوزن. هؤلاء البواب الثلاثة (من ٦ إلى ٨) جعلهن المرزوقي بابًا واحدًا وجلي أن النظم (ولا يراد به الوزن) باب كما الوزن باب كما اختيار الوزن باب ... على

стр. 1649

أن للمرزوقي وجهًا في هذا الذي لجأ إليه من جعلهن بابًا واحدًا على ما تكلفه من ذلك، وسنذكر من ذلك بعد قليل إن شاء الله. (٩) مناسبة المستعار منه للمستعار له -وهذا كالتكرار لما تقدم من المقاربة في التشبيه، غير أن له ما يبرر جعله بابًا مفردًا. (١٠) مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية. فهذه عشرة أبواب. وقد يقال أن مشاكلة اللفظ للمعنى ينبغي أن تعد بابًا، وهو وجه إلا أن في ذلك كالتكرار للبابين أو الأربعة الأبواب الأول. وقد تصير الأبواب اثني عشر بجعل هذا الباب ثلاثة أبواب كما جعله قدامة إذ هو من قدامة مأخوذ وذلك أن يقال (١٠) مشاكلة اللفظ للوزن (١١) مشاكلة المعنى للوزن (١٢) مشاكلة المعنى للقافية -ولا يخفى تكلف المرزوقي حيث ضم اللفظ إلى المعنى وجعلهما معًا يقتضيان القافية اقتضاء شديدًا، فزاد على التكلف الذي جاء به قدامة تكلفًا آخر، وعبارة قدامة في مقدماته: «ألا إني نظرت فوجدتها (يعني قدامة القافية) من جهة ما أنها تدل على معنى، لذلك المعنى الذي تدل عليه ائتلاف مع سائر البيت من الشعر، ولها دلالة على معنى لذلك اللفظ أيضًا، والوزن شيء واقع على جميع لفظ الشعر الدال على المعنى، فإذا كان ذلك كذلك فقد انتظم تأليف الثلاثة أمور الخرى ائتلاف القافية أيضًا. إذ كانت لا تعدو أنها لفظة كسائر لفظ الشعر المؤتلف مع المعنى، فأما من جهة ما هي قافية فليس ذلك ذاتًا يجب بها أن يكون لها به ائتلاف مع شيء آخر، إذ كانت هذه اللفظة إنما قيل إنها قافية من أجل أنها مقطع البيت وآخره، وليس أنها مقطع ذاتيًّا لها وإنما هو شيء عرض لها بسبب أنه لم يوجد بعدها لفظ في البيت غيرها، وليس الترتيب، أن لا يوجد للشيء

стр. 1650

؟ يتلوه، ذاتًا قائمة فيه فهذا هو السبب في أنه لم يكن للقافية من جهة ما هي قافية تأليف مع غيرها» أ. هـ. (١). مما يبرر جعل التلاحم في النظم واختيار الوزن لذيذًا ثم الوزن نفسه كل أولئك الثلاثة بابًا واحدًا أن المرزوقي فيما ترى أراد أن ينبه على أن الكلام له نظم يلزمه عند من يريد تجويده أن يكون منتحمًا منتئيًّا من حيث هو نظم أسلوبي صياغي. وما نرى إلا أن الجاحظ لفق نظريته في النظم من قصة الإعجاز التي يقول بها كل متكلم وقصة الخلق التي هي مذهب عند المعتزلة، فابتعد من مذهبهم؟ مما كان عليه أهل السنة؟ ؟ ؟ الباقلاني وعبد القاهر وغيرهما صفحة ممسوحة ص ١٩٨
следующие страницы →