← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وإنما قلنا، على تخير من لذيذ الوزن؛ لأن لذيذه يطرب الطبع لإيقاعه ويمازجه بصفاته، كما يطرب الفهم لصواب تركيبه واعتدال نظمه. ولذلك قال حسان: تغن في كل شعر أنت قائله ... إن الغناء لهذا الشعر مضمار وعيار الاستعارة الذهن والفطنة. وملاك الأمر تقريب التشبيه في الأصل حتى يتناسب المشبه به، ثم يكتفي فيه بالاسم المستعار لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له. وعيار مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية طول الدربة ودوام المدارسة، فإذا حكما بحسن التباس بعضها ببعض، لا جفاء في خلالها ولا نبو ولا زيادة ولا قصور، وكان اللفظ مقسومًا على رتب المعاني، قد جعل الأخص للأخص، والأخس للأخس، فهو البريء من العيب، وأما القافية فيجب أن تكون كالموعود به المنتظر يتشوقها المعنى بحقه واللفظ بقسطه وإلا كانت قلقة في مقرها مجتلبة لتستغن عنها. فهذ ١ هـ الخصال عمود الشعر عند العرب، فمن لزمها بحقها وبنى شعره عليها، فهو عندهم المقلق المعظم والمحسن المقدم، ومن لم يجعلها فبقدر سهمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان وهذا إجماع مأخوذ به ومتبع نهجه حتى الآن». أ. هـ. قد ترى أن المرزوقي ادعى الإجماع على هذا الذي ذكر أنه العمود المعروف عند العرب فأفاد بهذا أن المعمود إليه هو جودة الشعر. وقد أشرك معه ما يقع من --- صفحة ممسوحة ص ١٩٤ - --

стр. 1647

ثم إن هذا الذي ادعى له المرزوقي الإجماع ليس خاصًا بالعرب وحدهم -إلا التقفية- إذ هو يصدق مثلًا على شعر كثير غيرهم من الأمم. إن هذه الأمور التي ذكرها إنما هي أبواب الجودة والبلاغة، ولا يعقل أن يكون قولهم عمود الشعر اصطلاحًا ثم يكون من بعد لا مدلول له إلا البلاغة والجودة. هذا ولو تأملت الأشياء السبعة التي ذكرها أبو على المرزوقي ﵀ وجدتها كلها راجعة إلى ما ذكره الجاحظ وابن قتيبة وقدامة. الشرف من ابن قتيبة وأسبق (١) وكذلك أمر اللفظ والمعنى منه ومن الجاحظ والالتحام والالتئام من نظم الجاحظ واقتضاء اللفظ والمعنى بعد تشاكلهما للقافية من قدامة. وقد يعلم القارئ الكريم أن قدامة كره أن يستخرج ستة ائتلافات من عناصره الأربعة وزعم أن القافية داخلة في مدلول اللفظ. ثم كره أن يجعل ائتلافاته ثلاثة وهو يعلم أن ائتلافات العناصر الأربعة - (الماء والهواء والنار والتراب) - من أمزجة أربعة: (البلغم والدم والسود والصفراء) فلعله والله أعلم -حرص على أن تكون امتزاجات ائتلافاته أربعة فجعل للقافية ائتلافًا خاصًّا مع المعنى ومثل لما يعاب منه بقول أبي عدي القرشي: ووقاك الحتوف من وراث وا ... إلى وأبقاك صالحًا رب؟ ولعل المرزوقي ﵀ جعل أبوابه سبعة - (؟ ؟ له أنه لم يدع في ذكرها ولا معرفتها لنفسه سبقًا) - للتبرك بعدد السبعة إذ هي كما ذكرها أكثر من سبعة. وماذا كان عليه لو جعلها اثني عشر بابًا كما وردت في سبقها فإن الاثني عشر عدد فيه بركة كما فيه مراعاة لأهل الطبيعة والفلك إذ البروج اثنا عشر ١) شرف المعنى ٢) وصحته ٣) وجزالة اللفظ ٤) واستقامته. ولا يخفى أن الصحة

стр. 1648

غير الشرف وقد مزجها في عياره بالشرف مزجًا متكلفًا والجزالة غير الاستقامة وليته فسر لنا الجزالة إذ مدلولها عند المتأخرين أخفى مما كان عند المتقدمين وفي زماننا هذا هو أشد خفاء مما كان عليه في المائة الخامسة. أما الاستقامة فمن صفة التركيب النحوي حسنًا وقبحًا وهذا أمر وفاه سيبويه حقه في مقدماته وفي سائر الكتاب من بعد. وزعم عبد القاهر أن سيبويه إنما ألم بذلك إلمامًا وادعى لنفسه فضيلة السبق والاستيفاء، ولعل نصيبه من ذلك للمتأمل نسبي. ولله در ابن رشيق إذ جاء بالرشيق ذي السبق الدقيق ولم يدع لنفسه من سبق أو ابتكار ألا الجمع والتأليف (١). (٥) والمقاربة في التشبيه- وهذا مما لا ينفرد به طلب التجويد في الشعر دون النثر. (٦) التحام أجزاء النظم والتئامها. (٧) على تخير من لذيذ. (٨) الوزن. هؤلاء البواب الثلاثة (من ٦ إلى ٨) جعلهن المرزوقي بابًا واحدًا وجلي أن النظم (ولا يراد به الوزن) باب كما الوزن باب كما اختيار الوزن باب ... على

стр. 1649

أن للمرزوقي وجهًا في هذا الذي لجأ إليه من جعلهن بابًا واحدًا على ما تكلفه من ذلك، وسنذكر من ذلك بعد قليل إن شاء الله. (٩) مناسبة المستعار منه للمستعار له -وهذا كالتكرار لما تقدم من المقاربة في التشبيه، غير أن له ما يبرر جعله بابًا مفردًا. (١٠) مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية. فهذه عشرة أبواب. وقد يقال أن مشاكلة اللفظ للمعنى ينبغي أن تعد بابًا، وهو وجه إلا أن في ذلك كالتكرار للبابين أو الأربعة الأبواب الأول. وقد تصير الأبواب اثني عشر بجعل هذا الباب ثلاثة أبواب كما جعله قدامة إذ هو من قدامة مأخوذ وذلك أن يقال (١٠) مشاكلة اللفظ للوزن (١١) مشاكلة المعنى للوزن (١٢) مشاكلة المعنى للقافية -ولا يخفى تكلف المرزوقي حيث ضم اللفظ إلى المعنى وجعلهما معًا يقتضيان القافية اقتضاء شديدًا، فزاد على التكلف الذي جاء به قدامة تكلفًا آخر، وعبارة قدامة في مقدماته: «ألا إني نظرت فوجدتها (يعني قدامة القافية) من جهة ما أنها تدل على معنى، لذلك المعنى الذي تدل عليه ائتلاف مع سائر البيت من الشعر، ولها دلالة على معنى لذلك اللفظ أيضًا، والوزن شيء واقع على جميع لفظ الشعر الدال على المعنى، فإذا كان ذلك كذلك فقد انتظم تأليف الثلاثة أمور الخرى ائتلاف القافية أيضًا. إذ كانت لا تعدو أنها لفظة كسائر لفظ الشعر المؤتلف مع المعنى، فأما من جهة ما هي قافية فليس ذلك ذاتًا يجب بها أن يكون لها به ائتلاف مع شيء آخر، إذ كانت هذه اللفظة إنما قيل إنها قافية من أجل أنها مقطع البيت وآخره، وليس أنها مقطع ذاتيًّا لها وإنما هو شيء عرض لها بسبب أنه لم يوجد بعدها لفظ في البيت غيرها، وليس الترتيب، أن لا يوجد للشيء

стр. 1650

؟ يتلوه، ذاتًا قائمة فيه فهذا هو السبب في أنه لم يكن للقافية من جهة ما هي قافية تأليف مع غيرها» أ. هـ. (١). مما يبرر جعل التلاحم في النظم واختيار الوزن لذيذًا ثم الوزن نفسه كل أولئك الثلاثة بابًا واحدًا أن المرزوقي فيما ترى أراد أن ينبه على أن الكلام له نظم يلزمه عند من يريد تجويده أن يكون منتحمًا منتئيًّا من حيث هو نظم أسلوبي صياغي. وما نرى إلا أن الجاحظ لفق نظريته في النظم من قصة الإعجاز التي يقول بها كل متكلم وقصة الخلق التي هي مذهب عند المعتزلة، فابتعد من مذهبهم؟ مما كان عليه أهل السنة؟ ؟ ؟ الباقلاني وعبد القاهر وغيرهما صفحة ممسوحة ص ١٩٨

стр. 1651

العروض يستحسن الشعر من اجله وإن خلا من أكثر نعوت الشعر كقول حسان: ما هاج حسان رسوم المقام ... ومظعن الحي ومبنى الخيام وقال قدامة نحوًا من هذا في نعت اللفظ والذي عليه «رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة، مثلا أشعار يؤخذ فيها ذلك وإن خلت من سائر نعوت الشعر». وقد اتبع قدامة بن قتيبة حيث ذكر ما جاد لفظه وحلًا وما يختار لوزنه وفي الذي ذكره المرزوقي من التحام أجزاء النظم على تخير من لذيذ الوزن مشابه مما قدمنا ذكره من حديث كلردج عن الإرادة والوجدان من طريق الوزن وتواتر أشكال التعبير والمجاز. هل اطلع كلردج على مقدمة المرزوقي أو خلاصة منها؟ لا نستبعد ذلك لما سبق زمانه من ترجمة حماسة أبي تمام ومعرفة أهل الاستشراق بها. وفي حديث المرزوقي عن المعايير كلفة وغموض. وسائر كلامه راجع كما قدمنا إلى الجاحظ وابن قتيبة وقدامة وهلم جرا والأبواب السبعة أوضح من أن تذكر لها معايير تدل عليها وكلام النقاد عنها مستفيض. وأحسب أن المرزوقي أعجبه لفظ عيار السعر وقد استشهد بشيء من كلام ابن طباطبا في المقدمة وذكر مع اسمه كنيته وكأن قد كان به ذا إعجاب والله أعلم. رجع الحديث: هذا ونعود إل ما كنا فيه من حديث وجه الشبه بين أبي تمام وكلردج أن كليهما يزعم أن للفكر جانب مهم من اليد الطولى في عمل الشعر وثقافته وتهذيبه. صفحة ممسوحة ص ١٩٩

стр. 1652

قال أبو تمام يتغزل: كيف اعتدلت مع اعتدال الغصن في ... حركاته وفعلت فعل الجائر وعلمت إثم السحر حين ذممته ... وأراك متخذًا أداة الساحر يا شاعرًا في طرفه وبهائه ... وجماله عذبت قلب الشاعر وشاهدنا هنا أنه شبه جمال الجميل بالشعر بجامع السحر فيهما وقال: إليك أثرت من تحت التراقي ... قوافي تستدر بلا عصاب من القرطات في الآذان تبقى ... بقاء الوحي في الصم الصلاب عراض الجاه تجزع كل وادٍ ... مكرمةً وتفتح كل باب مضمنة كلال الركب تغني ... مكان الزاد منهم والركاب يعني أنها يتغنى بها الركبان فتغني مكان الزاد والراحلة. قوله مضمنة كلال الركب، فسره التبريزي قال «يريد أن هذه القوافي مضمنة إزالة كلال الركب فحذف لأن المعنى المفهوم» وأحسب أن الطائي أراد أنه قد ضمنها كلال الركب نفسه لملازمتها إياه في السفر الطويل المسافة ذات الكلال، فهي له ترياق لتضمنها معناه بملازمته وشاهدنا قوله «من تحت التراقي» أي من القلب قوله تستدر بلا عصاب أي يدر لبنها كثيرًا بلا حاجة إلى عصاب بكسر العين يعصب به فخذها لتدر. والقرطات بكسر القاف وفتح الراء أو بضمهما جمع قرط بضم فسكون الوحي الكتابة أو النقش. وقال يمدح أحمد بن أبي دؤاد: أخذت بأعضاد العريب وقد خوت ... عيونٌ كليلاتٌ وذلت جماجم فأضحوا لو استطاعوا لفرط محبةٍ ... لقد علقت خوفًا عليك التمائم فمال بال وجه الشعر أغبر قاتمًا ... وأنف العلي من عطلة الشعر راغم

стр. 1653

تداركه إن المكرمات أصابعٌ ... وإن حلي الأشعار فيها خواتم إذا أنت لم تحفظه لم يك بدعةً ... ولا عجبًا إن ضيعته الأعاجم فقد هز عطفيه القريض توقعًا ... لعدلك مذ صارت إليك المظالم ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... بغاة الندى من أين تؤتى المكارم والشاهد أن الشعر فيه الحكم وبيان العرف والفضائل، وهذا ما زعم له أبو عمرو بن العلاء فيما ذكر أبو حاتم الرازي في أوائل كتابة الزينة (أبو حاتم هذا من رجالات القرنين الثالث والرابع توفي في ربعه الأول) إن الشاعر في العرب كان كالنبي في بني إسرائيل. وتأمل قوله: إذا أنت لم تحفظه لم يك بدعةً ... ولا عجبًا إن ضيعته الأعاجم كأنه يشير بهذا إلى أن الشعر الحق أمرًا اختصت به العرب، فإن أضاعته سادتهم وأولوا الألباب منهم لم يكن العجم له بحافظين. وقد نبه أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني من كبار متكلمي القرن الرابع من أهل السنة في أوائل فصوله من كتابه إعجاز القرآن على أن الفلاسفة كانوا يطلقون على حكمائهم وأهل الفطنة منهم في وصفهم إياهم بالشعر، لدقة نظرهم في وجوه الكلام، وطرق لهم في المنطق، وإن كان ذلك خارجً عما هو عند العرب شعر على الحقيقة. أ. هـ. هذا موضع استشهادنا. وكأن ابن الباقلاني قد نظر إلى قول الجاحظ من قبل، الحيوان ١: ٧٥ «وفضيلة الشعر مقصورة على العرب وعلى من تكلم بلسان العرب» وقال المعري، وذهب عله المذهب على لسان ابن قارحة في رسالة الغفران يحكيه عن أحد خازني الجنة من أصحاب رضوان ﵇ إذ قال عن الشعر أن إبليس اللعين نفثه في إقليم العرب فتعلمته نساء ورجال (طبعة ابنة الشاطئ ص ٢٥٢).

стр. 1654

هذا ومن الأمور التي يفترقان فيها -أي أبو تمام وكلردج- زعم كلردج أن المنظومة الحقة لا تكون كلها شعرًا ولا ينبغي لها ذلك -وهذا باب أدخل في اللاهوتيات أو في ترف القول وسرفه منه في حاق النقد الذي يراد من معرفة وجوهه أن تستفاد المقدرة على تمييز الجيد من الرديء وإدراك المعاني والأساليب. ونأمل أن نعرض له في الموضع المناسب له، وننبه على أن مصدره من كلام ابن الباقلاني في إعجاز القرآن، أو ما يكون قد أخذ منه أو حذي على مثاله أو على تأثر قوي به، سنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى وبه التوفيق. خاتمة في الصياغة: المطالع والمقاطع بينهما سائر النظم، وهو الرابط بين كل مطلع ومقطع، وسنتناول ذلك ببعض التفصيل عند الحديث على العنصرين الثالث والرابع من عناصر الوحدة الأربعة وهما الأغراض ونفس الشاعر، إن شاء الله. على أن بين أول القصيدة وآخرها، وكلا هذين الطرفين متضمنان فيه، أسلوبًا من الأداء نرى أن نختم به الحديث عن الصياغة، ومع العودة إلى التنبيه بين العناصر الأربعة من الوزن والصياغة والأغراض ونفس الشاعر، متداخلات متحدات إنما نفصل بينها من أجل التحليل وبيان ما نعتقده من ضرورة الدفاع عن طبيعة القصيدة والشعر العربي القديم دفاعًا لقيمة أول من كل شيء عن الاجتهاد في فهمه وتبين أسراره، إذ أكثر ما مني به في عصرنا هذا من هجوم وتحامل عليه مصدره الجهل. تقدم منا القول في باب الإيقاع الخارجي «إن الغناء بالأصوات والألحان كان متممًا للشعر» ونريد ههنا أن نزعم أن الشاعر العربي كان يصوغ قصيدته كلها صياغة موسيقية الجوهر. أولًا الوزن وقد ذكرنا أن الأوزان ميادين لضروب من البيان. كل منها له ما يصلح له، ثم القافية قد ذكرنا أنها من معدن الوزن وبها يتم

стр. 1655

هيكله، ثم ضروب الجرس والحركات والسكتات. ويحسن أن ننبه ههنا إلى أن مرادنا بالجرس نغم الألفاظ ورنينها، كما سبق التبيين له في الجزء الثاني من المرشد، (وعند اللغويين أن الجرس هو صوت الحرف عندما يتذوقه ناطقة بأن يجعل قبله همزة ليتمكن بذلك من المجيء به من غير أن تخالطه حركة كأن تقول في بيان جرس الباء أب والفاء أف والراجح أن تكون الهمزة التي تسبق مفتوحة). ومما مثلنا له هناك أشياء من جناس الحروف كقول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب ومن التكرار كقول المهلهل «على أن ليس عدلًا من كليب» ومن التقسيم وهلم جرا. ثم مع هذا كله، وينتظمه كله، أسلوب من التأليف الموسيقي قوامه التجاوب كتجاوب الأصداء والتقابل والعودة بعد العودة، وهذا المذهب من التأليف الموسيقي لا يتناول اللفظ وحده ولا تفاصيل الوزن والقوافي والجرس فحسب، ولكن المعاني والأغراض وتفاصيل الأغراض ووسائل البيان كالتشبيه والاستعارة. ولكأن كلمة الشاعر تأتلف في نفسه أولًا تأليفًا موسيقيًّا ثم تلتمس العبارات التي تلائمها فتتحد معها. وليس هذا هو عين ما قال به كلردج، لا ولا هو داخل في حيز ما ذكره قدامة من أمر المؤالفة بين الوزن والمعنى -ففي كلا هذين المذهبين تنوع تصرف إرادي واختيار. الذي نراه أن تأليفًا موسيقيًّا كاملًا ينبعث من الشاعر وهذا هو تعبيره الباطن. ويتحد معه اللفظ والمعنى والبيان وهذا تعبيره الظاهر. وقد عيب على أبي الطيب المتنبي قوله: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوًّا له ما من صداقته بد يرى العائب له أن «مداراته» مثلًا أصوب في هذا الموضع. ومن انشد هذا البيت بـ «عدوًّا له ما من مداراته بد» فإنه سيجدها نابية ويهديه إلى ذلك تهافت

стр. 1656

المعنى معها لأن «صداقته» أدق وأصح ههنا. ولعلب أبا الطيب قد نظر إلى قول بشار: وصاحب كالدمل الممد ... حملته في رقعة من جلد أرقب منه مثل يوم الورد (١) حتى مضى غير فقيد الفقد ... وما درى ما رغبتي من زهدي غير أنه زاد عليه. واحسبه -والشيء بالشيء يذكر- أخذ من بشار «ارقب منه مثل يوم الورد» في بيت الحمى المشهور: أراقب وقتها من غير شوقٍ ... مراقبة المشوق المستهام وعاب ابن الأثير جحيشًا في البيت: يبيت بموماة ويمسي بغيرهما ... جحيشًا ويعروري ظهور المهالك وهو من كلمة تأبط شرًّا التي مطلعها: وإني لمهدٍ من ثنائي فقاصد ... به لابن عم الصدق شمس بن مالك وقد كان من مذهب ابن الأثيران الشعراء يجوز لهم ما لم يكن يرى أن يجوز للكتاب من استعمال الغريب، ومع هذا أنكر هذا اللفظ على تأبط شرًا وزعم أنه قبيح وأن الشاعر لو قال «فريدًا» لكان أصوب وأجود إذ هي بمعنى قوله «جحيشًا» ومن تأمل الأبيات وتذوقها لم يشك أن «فريدًا» لا تصلح ههنا، لا من حيث الرنة ولا الجرس ولا المعنى ولا التصوير. وفي لفظ الجحيش صورة فحل حمر الوحش الذي

стр. 1657

يشلها أمامه ويتقدمها ويربأ المراقب ويتلفت يمنة ويسرة ويطرد عنها كل عير سواه: شذابةٌ عنها شذى الربع السحق كما قال رؤبة أو كما قال لبيد: بأحزة الثلبوت يربأ فوقها ... قفر المراقب خوفها آرامها وأحسب أنه قد غلب على ابن الأثير ﵀ الله تنطس الحضارة الذي طاح ببغداد فحكم بما حكم وجودة بيت تأبط شرًّا لا تخفى. ومما يحسن أن نمثل به على ما نزعمه من الصياغة الموسيقية ذات الأصداء المتجاوبة والمتقابلة في الألفاظ والمعاني والصور والمجاز والإيقاع والجرس نونية المثقب العبدي، وقد سبق حديث عن صورها وطبيعة أدائها في الجزء الثالث من هذا الكتاب في باب الإيحاء بالتجارب الذاتية، وقد ذكرنا هناك أمر ملاحقة ذكر المواضع في إسراع وفي هذا محاكاة لما يكون في الخروج من قصة الرحلة وتشمير السير نعني الخروج من النسيب إلى ما بعده، وقلنا بعده: «ولولا خوف الاستطراد وسبق ما سيجيئ إن شاء الله، لوقفنا عند هذا المعنى، ولكن بابه الخروج» أقول فههنا موضع بابه وموضع الاستشهاد به. منع فاطمة مثل بينها -هكذا استهل الشاعر: أفاطم قبل بينك متعيني ... ومنعك ما سألت كأن تبيني هي لم تبن ظاعنة ولكنها بانت بامتناعها ومواعدها الكواذب فلا تعدى مواعد كاذباتٍ تمر بها رياح الصيف دوني فإني لو تخالفني شمالي ... خلافك ما وصلت بها يميني إذن لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك اجتوى من يجتويني

стр. 1658

لك في كاف كذلك الفتح والكسر -الكسر لخطاب المؤنث والفتح لأن كاف الخطاب ربما ألزموها حالة واحدة في الإفراد والتثنية والتذكير والتأنيث والجمع. قال تعالى (سورة مريم): ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ -فكسرت الكاف للتأنيث وقال تعالى (سورة مريم): ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ ففتحت الكاف للتذكير. وقال تعالى (الأعراف): ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾. فثنيت الكاف. وقال تعالى (النساء): ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ فجمعت الكاف للمذكرين. وقال تعالى (يوسف): ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ فجمعت الكاف للمؤنثات. وقال تعالى (البقرة): ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ فكاف الخطاب للجماعة مفردة ومجموعة، كما ترى. المعنى الذي في هذه الأبيات الخمسة هو موضوع القصيدة وعليه بنية تأليفها الموسيقي. حول الشاعر معنى البين المجازي -أي منعها ما سأله- إلى بين حقيقي وجعلها ظعينة في ظعائن -ثم بعد أن وصف هؤلاء الظعائن فقال: كغزلان خذلن بذات ضالٍ ... تنوش الدانيات من الغصون ظهرن بكلة وسدلن أخرى ... وثقبن الوصاوص للعيون رجع إلى فكرته الأولى، وهي منعها ومطالبته إياها ألا تعد مواعد كاذبات ولا تمنعه وألا تقف منه موقف المخالف المعاند وذلك قوله: وهن على الظلام مطلبات ... طويلات الذوائب والقرون ومن قبل قد قال بعد وصفه مراكبهن وهوادجهن: وهن على الرجائز واكنات ... قواتل كل أشجع مستكين

стр. 1659

فقواتل فيها معنى القسوة والمنع وفيها معنى «وهن على الظلام» بكسر وتشديد الظاء وفيها معنى «المواعد الكاذبات والخلاف» ورنة قوله: «وهن على الظلام» مردود لها صدى في قوله «وهن على الرجائز» لمكان قوله «وهن على» في كليهما، وقوله «واكنات» يرن له صدًى في قوله «مطلبات» و «طويلات الذوائب والقرون». ورنة إيقاع «طويلات الذوائب والقرون» كرنة إيقاع قوله في وصف إبلهن «عراضات الأباهر والشئون» -وقوله: «وثقبن الوصاوص للعيون» يجاوب بصدى رنينه قوله من قبل: «ونكبن الذرانح باليمين» وقوله: «علون رباوة وهبطن غيبًا» يجاوب ويحكي برنته قوله «ظهرن بكلةٍ وسدلن أخرى» - والقارئ الكريم لو تتبع البيات بعد بيتًا بيتًا لوجد فيها أصنافًا من تجاوب الحروف والكلمات وجزئيات الجناس مما نكتفي بالإشارة إليه حتى لا يطول القول فتنسى أوائله عند أوساطه ويمتد سياقه. الموضوع الذي يلي وصف الظعائن هو رحلة الشاعر نفسه، وهي رحلة رمزية كما أن رحلة الظعائن وتوديعهن رمزي، وذلك لتقرير معنى أن الصد والحرمان بينٌ وأحسب أنا أبا الطيب أخذ معنى بيته المشهور: إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم من معنى رحلة المثقب الرمزية هذه. وقد بينا من قبل دليلنا على أنها رمزية وهو قوله: فقلت لبعضهن وشد رحلي ... لهاجرةٍ نصبت لها جبيني لعلك إن صرمت الحبل مني ... كذاك أكون مصحبتي قروني

стр. 1660

وهذ تكرار وصدًى من قوله: فإني لو تخالفني شمالي ... خلافك ما وصلت بها يميني إذن لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك أجتوى من يجتويني ثم اخذ في وصف الناقة أول سيرها: فسل الهم عنك بذات لوثٍ ... عذافرةٍ كمطرقة القيون وهذه الصفة تقابل ركائب الظعائن: وهن كذاك حين قطعن فلجًا ... كأن حمولهن على سفين يشبهن السفين وهن بخت ... عراضات الباهر والشئون ويرى والمئون جمع مأنه بسكون الهمزة وهي شحمة البطن التي حول السرة والبخت بضم فسكون ضرب من الإبل ضخام تكون ببلاد المشرق، وأحسب أن المثقب أراد أنهن كبخت في ضخامتهن، على أنه يجوز أن تكون بلاد عبد القيس لقربها من بلاد العجم كانت فيها بعض البخاتي. والشاهد ههنا عنصر المقابلة بين ناقته التي كمطرقة القيون تماسكًا وصلابة وفي اجتماع شخص الجسد، وهذه الإبل العراضات الأباهر الكبيرات شخوص الأجساد كأنهن سفائن بما عليهن من حدوج وظعائن. وصفها بأنها كمطرقة القيون فيه تصوير حركة رأسها وعنقها. والإبل حين تسرع ترفع الأعناق وتهتز رؤوسهن. وفيه تمثيل لعنف قوله: «إذا لقطعتها ولقلت بيني» فهذا يشعر برفع اليد تحمل أداة قاطعة ثم أهوائها بذلك. وحركة المطرقة منها صدى في صفته الهر: بصادقة الوجيف كأن هرًّا ... يباريها ويأخذ بالوضين والصورة مراد بها تقوية معنى ما نسبه إليها من الجنون في انخراطها مسرعة مصممة ماضية في سبيل تسليها من غرام فاطمة.

стр. 1661

صورة الهر من الصور التي كان تدور في الشعر القديم. ومما يستشهد به في ذلك قول عنترة: وكأنما تنأى بجانب دفها الـ ... وحشي من هزج العشي مؤوم هر جنيبٍ كلما عطفت له ... غضبي اتقاها باليدين وبالفم فهذه الصورة ليست فيها حركة المطرقة، ولكن فيها خنزوانة الناقة وشراسة الهر وهذا بأرب ما كان فيه عنترة أشبه. وقول المثقب: كساها تامكًا قردًا عليها ... سوادي الرضيخ مع اللجين فيه رجعة إلى حالها قبل بدء السير، وفيه معنى المطرقة وصورتها لأن الرضيخ من نوى التمر إنما يرضخ بمرضاخ كالمطرقة. ومعنى النوى المتطاير وصورته تجدها في قوله: تصك الحالبين بمشفترًّ ... له صوت أبح من الرنين المشفتر هنا هو الحصى والمطرقة إخفاف الناقة. والصورة كلها رمز له -لجنون المرح الذي أخذ به حين سكر بخمر الإقدام على مكافأة المنع بالانصراف واللامبالاة أو كما قال: إذن لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك اجتوى من يجتويني أيضًا صورة المطرقة والحصى المشفتر ونوى التمر المتطاير تعود مرة أخرى في قوله: كأن نفي ما تنفي يداها ... قذاف غريبةٍ بيدي معين قالوا المعين الأجير هكذا فسرها الضبى والغريبة «المرضخة ترضخ بها النوى

стр. 1662

فيقفز في ذلك من شدته» هكذا فسرها أحمد بن عبيد بن ناصح فيما ذكره ابن الأنباري: والصورة تتكرر في صفة الذنب «تسد بدائم الخطر أن جثلٍ» ومعنى الشعور بمرح السير والتسلي تحسه في قوله: وتسمع للذباب إذا تغنى ... كتغريد الحمام على الوكون وفسروا الذباب بأنه حد نابها ويجوز أن يكون المراد بالذباب زنانير الرياض وما بمجراها وكلا التفسيرين مروي ويقوي الأول رواية هذا البيت: وتسمع للنيوب إذا تداعت ... كتغريد الحمام على الوكون وهي رواية أبي عبيدة. وكأن الشاعر جعل طربه لصوت صريف ناقته دليلًا على مرحه وتسليه وعدم مبالاته بأمر فاطمة. ومن جعله للذباب والرياض كما في قول عنترة: وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردًا لفعل الشارب المترنم ففيه أيضًا دلالة على روح التسلي ومرح السير. وقوله: «كتغريد الحمام على الوكون» مردود على قوله: «وهن على الرجائز واكنات» - أي طربي لصوت ناقتي الآن قد سد مكان طربي من قبل للظعائن اللواتي كأنهن حمامات على الأغصان واكنات وصورة الظعائن مكررة أيضًا في تشبيه الناقة بالسفينة. كأن الكور والانساع منها ... على قرواء ماهرة دهين يشق الماء جؤجؤها ويعلو ... غوارب كل ذي حدبٍ بطين ذلك أنه شبه إبل الظعائن العراضات الأباهر والشئون أو المئون، بالسفائن، وليقرب بين صورة السفائن وحركتها وما ذكره من قوله: كمطرقة القيون -جعلها

стр. 1663

ماهرة وأنها تشقف الماء وتعلو فوقف الموج ذي الغوارب والمنحدرات، وتعلو وتنخفض- والصورة تنظر إلى عدولية طرفة ولكن المعنى مختلف. ومكان استشهادنا هو ترداد صورة حركة المطرقة: غدت قوداء منشقًّا نساها ... تجاسر بالنخاع وبالوتين وهذا مردود على قوله: «كساها تامكًا قردًا» وعلى قوله: «عذافرة كمطرقة القيون». وقد فطنت بلا ريب أيها القارئ الكريم إلى مكان تجاوب الألفاظ والصياغات الإيقاعية مع هذا التجاوب الذي ترى في ظلال الصور وأساليب الرمز والمجاز -مثلًا «خواية فرج مقلابٍ دهين» - و- «على قرواء ماهرةٍ دهين» - و- «واكنات» - و- «على الركون» - «كأن الكور والانساع إلخ» - «قوي النسع المحرم». وقد مر في الموضوع الأول ترداده للفظ الحين -وقد أشرنا لذلك في حديثنا عن الظعائن- وذلك قوله: «فما خرجت من الوادي لحين» «يعز عليه لم يرجع بحين» «فلم يرجعن قائله لحين» - وقال في نعت الظعائن: «ونكبن الذرانح باليمين» - وقد مر ذكر اليمين في قوله: «ما وصلت بها يميني». وتأمل صياغة قوله: «كأن الكور والانساع منها» مع قوله «كأن مواقع الثفنات منها» مع قوله «يجد تنفس الصعداء منها» - وليس ببعيد من ذلك من في سنخ النغمة قوله: «كأن نفي ما تنفي يداها» وقوله: «كأن مناخها ملقي لجامٍ» وكأن هذين وسيطان في النغم بين نحو قوله: كان الكور والانساع منها وما أشبهه في الرنة وقوله: تسد بدائم الخطران جثلٍ

стр. 1664

فهذا أقرب إلى رنة «ملقي لجام» وإلى: «يشق الماء جؤجؤها ويعلو» ولقوله «جؤجؤها» ههنا صدى يجاوبه وظل يلوح منه في قوله: فأبقي باطلي والجد منها ... كدكان الدرابنة المطين الدرابنة البوابون ودكانهم الدكة التي يجلسون عليها عند الأبواب وتأمل بعد قوله: يجذ تنفس الصعداء منها ... قوى النسع المحرم ذي المتون فهذه تنفسة ذات حرارة. وهي تنفستها عندما بركت بعد السير لترتاح ويرتاح راكبها قليلًا- قوله بعد هذا البيت تصك الحالبين إلخ. ليس بعد تنفس الصعداء هذا منها، ولكنها رجعة من الشاعر إلى صفة السير الذي كنى به عن مجازاته منعًا بمنع وهجرانًا بهجران. ثم هو قد كنى بقوله «تنفس الصعداء منها» عن تنفسه هو الصعداء- وقد كرر المعنى وهو هنا صدًى متقدم منه في قوله من بعد: إذا ما قمت أرحلها بليلٍ ... تأوه آهة الرجل الحزين فهذه الآهة هي الصعداء التي تجذ قوى الحبل المحرم ذي المتون ثم قوله هذا «إذا ما قمت أرحلها» - فيه صفة حالٍ متقدمة على الذي كان فيه من نعت الرحلة والسير، وقد خلع بعض روح تساؤله هو على الراحلة حيث قالت: أهذا دينه أبدًا وديني وظاهر الكلام أنه سار بها وهي كمطرقة القيون ثم استراح واستراحت وذلك قوله: كأن مواقع الثفنات منها ... معرس باكرات الورد جون أي بركت قبيل الفجر وتركت ثفناتها الخمس كمثل آثار القطا، ومن عادة

стр. 1665

القطار أن ترد قبل الفجر- قال الشماخ ونظر إلى المثقب في الوزن والروى وجوانب من روح معنى كلمته: وماءٍ قد وردت لوصل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين ذعرت به القطا ... هذا محل الشاهد وقد مر من قبل: ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين وأيضًا مما يؤيد هذا الظاهر وهو قوله مجاوبٌ له: فألقيت الزمام لها فنامت ... لعادتها من السدف المبين أي أن تستريح عند الفجر وعني بالسدف أول ضوئه ههنا -قال ابن الأنباري والسدف النهار وهو من الأضداد وهو في هذا البيت الضوء- ثم قال: كأن مناخها ملقى لجامٍ ... على معزائها وعلى الوجين وأعجب إلى الرواية التي تقول: على تعدائها وعلى الوجين فهي أشبه بمطرقة القيون -قال الأنباري، التعداء والعدواء من الأرض ما لم يكن مستويًّا، يكون منخفضًا ومرتفعًا، هذا تفسير الضبي وروايته والطوسي كذلك. قلت فالعجب له لم يجعله أصل الرواية مع قوله في مقدمة شرحه في أوله: «عمود الكتاب على نسق أبي عكرمة وروايته» -وهو أبو عكرمة الضبي شيخ أبي محمد الأنباري والد أبي بكر بن الأنباري. وأضف لفظ العمود ههنا إلى ما تقدم من استشهادنا بهذا الحرف وزعمنا أنه ليس باصطلاح. يجوز في التعداء مع الذي ذكره الضبي معنى العدو وهو الأظهر والوجين ما غلظ من الأرض وكان فيها ارتفاع.

стр. 1666

وتأمل قوله: «إذا ما قمت أرحلها بليلٍ» يلائم به ما ذكر من التشبيه بالقطا البواك ونومها من السدف المبين ثم هو في نفس الوقت يجعله مقابلًا لقوله: وشد رحلي ... لهاجرةٍ نصبت لها جبيني وهذا فيه ظلالٌ وأصداءٌ من: تمر بها رياح الصيف دوني إذ الهجائر أشد ما تكون حرًّا في الصيف. يجوز- إن كان قوله «إذا ما قمت أرحلها بليلٍ» عني به أول ارتحاله أن يكون قصد إلى إعداده الراحلة ورحلها بهزيع من الليل، وهذا يناسب معنى الصارمة ومعنى البين والرحيل معًا- قال الحارث: اجمعوا أمرهم عشاء (البيت) وقال عنترة: زمت ركابكمو بليلٍ مظلم قال الشنفري: بعيني ما أمسست فبانت فأصبحت فقضت أمورًا (البيت) وقال إن كان قاله: فقد حمت الحاجات والليل مقمر ... وشدت لطيات مطايا وارحل ومهما يكن قائله فهو شاهدٌ في الذي قدمنا. ويكون قوله «لهاجرة نصبت لها جبيني» لأنه يرتحل فجرًا ثم يدأب فهذا نصبه وجهه للهاجرة وبين هذا المعنى زهير حيث قال: لأرتحلن بالفجر ثم لأدأبن ... إلى الليل إلا أن يعرجني طفل ثم لاحظ تجاوب أصداء اللفظ: «ما وصلت بها يميني» «الذرانح باليمين»

стр. 1667

«ونمرقةً رفدت بها يميني» - «الصيف دوني» - «دينه أبدًا» - «وديني» - «درأت لها وضيني» «أمام الزور من قلق الوضين» - «ذي حدب بطين» - الباء مفتوحة- «الدرابنة المطين» «المحرم ذي المتون» - على «صحصاحه وعلى المتون». ثم عمرو يقابل فاطمة وفيه أصداء وظلال منها وهو وهي رمزان كما ترى. وتأمل قوله: أما يبقى علي أما يقيني وقوله: عدوًّا أتقيك وتتقيني ألست ههنا أصداء متجاوبة في المعنى والنغم؟ وقوله: وإلا فاطر حني واتخذني أليست ههنا كرة أخرى إلى معنى: إذن لقطعتها ولقلت بيني فهذا إطراحٌ كما ترى. وقوله: كذلك: «أجتوي من يجتويني» له صدًى وظل في «أتقيك وتتقيني». صار الشاعر من منع فاطمة إلى توهم بينها إلى توهم مصارمتها إلى شد راحلة في الهاجرة- راحلة عذافرة كمطرقة القيون. ثم في مرحه إذ يتسلى من فاطمة بذات اللوث العذافرة هذه هش إلى ذكر عمرو- فتوهم الآن شدها بليلة وهي تشكو بآهة، هذه الآهة تحمل معنى التخوف وتوجش الخيبة عند عمرو أخي النجدات مع مرحه إلى السير إليه- إلى توهم السير حتى صارت عذافرته كدكان الدرابنة المطين- الدرابنة ضرب من القيون إذ كل

стр. 1668

صانع قين وكأن الدربان -أحد الدرابنة أي البوابين- لالتصاقه بدكته التي يجلس عليها، كأنه يصنعها. يشعرك بلونٍ من هذا قوله: المطين لأن التطيين تمليس وزينة. قد رحل أو توهم الرحلة عن فاطمة لما صارمته وصارمها. فهل هو بعد خيبة الأمل في عمرو مرتحل عنه أو متوهم رحلة عنه؟ ولكن إلى أين أن يكن ليس من الرحلة والمصارمة من بد؟ هنا تجيء الحكمة. المقاربة والمباعدة، العلو والانخفاض، القلق والاهتزاز، كل ذلك بعد ما تقابل منه ما تقابل في الصور والألفاظ والمعاني والأنغام ينتهي عند ذروة من الحكمة كما قدمنا وذلك قوله: وما أدري إذا يممت أمرًا ... أريد الخير أيهما يلبني أالخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني هذه المقابلة في البيت الأخير تحمل كل الأصداء والظلال التي مرت من قبل في إيجازها المذهل في عبارتيها: «أنا بتغيه» «هو يبتغيني» «هو يبتغيني» وتكرار إذا والذي، الذي رأيت. نحن نزعم أن هذا المذهب الذي ذهبه الشاعر من أول كلامه إلى ذروة الحكمة التي صار إليها، في لفظه ومعناه وإيقاعه، هو تأليف موسيقي محكم كما هو تأليف بياني ليست المسألة ههنا مسألة لفظ ومعنى أو اللفظ والمعنى فحسب. اللفظ والمعنى يحملان دلالات الأداء الظاهرة. كلا ولا هي مسألة ما يقال له موسيقا داخلية بمعنى الجناس وأنغامه، فذلك قد يبلغه بالغه من طريق تجويد صناعة زخرف البديع، فلا يعدو انه صناعة زائدة على التعبير لا أنه تعبير قائم بنفسه الأمر ههنا أمر تعبير قائم بنفسه مقصود لذاته من طريق جسم إيقاعي نوراني تنتظم فيه رنات اللفظ والمعاني والصور جميعًا في اتحاد عجيب متصل منفصل. متصل لأن دلالته واحدة وكنهه واحد. منفصل

стр. 1669

لأن الذي يظهر لك منه جانب، هو وحده الذي يستطيع أن تناوله بالدرس الملامس والتحليل- لفظ- معنى- وزن- جرس- نغم- إلخ- أشياء معروفة محسوسة في عرف النقد، والذي لا يظهر هو الذي يلج إلى القلب- وأحسن الجاحظ ﵀ حين تأمل التأمل الدقيق فذكر من المعنى ضربين: ضرب مطروح على قارعة الطريق تتناوله صناعة اللفظ والمعنى والبيان. وضرب هو سر في غيابات الأنفس يتناوله البيان والتبين، يخلص من القلب إلى القلب. هذا الذي هو سر طريق وصله بيننا وبين صاحبه وخلوصه منه إلينا هو جسم القصيدة الإيقاعي وتأليفها الموسيقي- لا بل جسم القصيدة الإيقاعي وتأليفها الموسيقي إطار يشع به كيانها النوراني الروحاني، والذي ذهبنا إليه من الإشارة إلى بعض جوانبه، إنما هو بمنزلة التقريب، فقد ولله در أبي الطيب إذ قال في نعت الخيل: وما الخيل إلا كالصديق قليلةٌ ... وإن كثرت في عين من لا يجرب إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب وهاك مثالًا آخر، هو ميمية علقمة بن عبدة، وهي من الروائع، وهي من ثلاثة أقسامٍ الأول نسيب وأوصاف والثاني حكم وأمثال والثالث فخر وأوصاف هن جزء منه، والقصيدة بعد كلٌ واحد، موصول أولها بآخرها، والذي ذكرنا تسميتنا له منها هو الدلالات الظاهرة- ومرادنا هنا التنبيه إلى ما ينبئ ويكشف بعض الكشف عن الدلالات الباطنة، التي هي تعبير إيقاعي موسيقي يشع به كيان روحاني مستقل منفصل متصل معًا، بالدلالات الظاهرة. الكيان الروحي في ميمية علقمة هذه قوى الحضور جهيره كل الجهارة، ومع ذلك هو شديد خفاء العناصر المنبئة عنه، غير أنها ثم بلا ريب، أول القصيدة قوله: هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... أثر الأحبة يوم البين مشكوم

стр. 1670

لم أدر بالبين حتى أزمعوا ظعنًا ... كل الجمال قبيل الصبح مزموم رد الإماء جمال الحي فاحتملوا ... فكلها بالتزيديات معكوم عقلًا ورقما تظل الطير تخطفه ... كأنه من دم الأحواف مدموم يحملن أترجة نضخ العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم كأن فأرة مسك في مفارقها ... للباسط المتعاطي وهو مزكوم خلاصة روح القصيدة كلها في هذه الأبيات السبعة وخلاصة هذه الأبيات السبعة في البيت الأول وكأن خلاصة في صدره وكأن خلاصة صدره في قوله هل الاستفهامية، وخلاصة هل في ---صفحة ٢١٨ ممسوحة---

стр. 1671

(حبلها) وصدى الجملتين اللتين في الصدر تجده في قوله (إذ نأتك اليوم). في البيت الثاني خبرٌ واحدٌ عند آخره هو مشكوم من الشكم بضم الشين وهو العطية- وقد تزحزحت هل عن مبدأ البيت فجاءت قبلها (أم) وبين (هل) وبين (مشكوم) أول شيءٍ المبتدأ من كلمة واحدة وهي نكرة متبوعة بوصف من جملتين فعليتين في صدر البيت تقابلان جملتي الصدر من البيت الأول، وفعلهما ضمير الغائب ولكنه يدل على نفس الضمير الحاضر المخاطب الذي في (علمت) و (استودعت) لأن الكبير الذي بكى هو نفس المخاطب، فتأمل. وقوله (أثر الأحبة يوم البين) يقابل (إذ نأتك اليوم) وفيه معناه. في البيت الثالث كأن الشاعر يجيب بقوله (لم أدر بالبين) عن قوله (هل؟ ) وكأنه يعتذر به عن بكاء الكبير. وبدأ الشاعر بجملة فعلية منفية، ومن قبل بدأ بهل وجمل اسمية. «لم» ومن إجابة «هل»، وقد تعلم قول أبي الطيب: من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤالٍ عن هلٍ بلم والبيت الرابع مبدوء بجملة فعلية إيجابية. صدر البيت الثالث فيه الجملتان (لم أدر) و (حتى أزمعوا) - والصدر كلام تام آخره قوله (ظعنًا). والعجز جملة اسمية لا فعل فيه ومبدوء بقوله (كل الجمال) وقوله (قبيل الصبح) معمول لقوله مزموم لاحق به. صدر البيت الرابع فيه جملتان فعليتان، والجمال التي في عجز البيت الثالث تقدمت ههنا إلى الصدر (رد الإماء جمال الحي) والصدر كلام تام آخره (فاحتملوا) لاحظ أن (أزمعوا) التي في البيت الثالث ليست عند عروض البيت ولكن (فاحتملوا) ههنا تقدمت حتى صارت عند عروضه، وعجز البيت جملة اسمية أولها (فكلها) وهي عبارة مردودة في الجرس والمعنى على قوله (كل الجمال) وقوله

стр. 1672

(بالتزيديات) مقابلٌ لقوله (قبيل الصبح) ومثله مقرونٌ بالقافية التي هي الخبر، معمولٌ لها. وتأمل الراء والدال في (لم أدر) (رد الإماء) مع اللام والميم. وتأمل الحاءات في (جمال الحي فاحتملوا) مع الميم واللام وقد مرت بك من قبل التاءات في «علمت» «استودعت» (نأتك) والكافات في (هل كبير بكى ... مشكوم) وقد رووا مشتوم وفيها التاء ولكن الكاف أوقع ههنا ومشكوم عمود الرواية بلا ريب. البيت الخامس أوله (عقلًا ورقمًا) وهي بداية اسمية رنانة وفيها معنى الفعل لمكان النصب والكلمتان متوازنتان، وفيهما استمرار لقوله بالتزيديات- كما أن فيهما نوع انتباهة إلى الوصف والتسلي بعد آهة البكاء ولوعة السؤال. وفي صدر البيت جملتان فعليتان- فهذه خمسة أبيات في صدورهن جملتان فعليتان، وهما في هذا البيت في حكم جملة واحدة، وفيهما معنى المضي ومعنى الإيجاب المخالط للنفي (تكاد الطير تخطفه) - ومع هذا التأمل الوصفي المشعر بالسلوان شيئًا ما، تجد رجعة إلى معنى اللوعة في قوله (كأنه من دم الأجواف مدموم) - وعجز البيت مع كونه جملة اسمية فيه روح من الحدث لمكان كأن. والبيت السادس فيه فعلٌ واحد هو المبدوء به (يحملن) وبعده كلمة واحدة منصوبة وهي (أترجة) وفيها من جهة اللون والمعنى والإيقاع مقابلٌة لقوله (عقلًا ورقمًا) - وفي النصف الثاني من الصدر جملة اسمية وصف بها الأترجة وهي قوله (نضخ العبير بها). وعجز البيت السادس مبدوءً بجملة «كأن» كعجز البيت الخامس. وبين هذين العجزين تجاوب ومقابلة ومشابهة معنوية إيقاعية استمر بها الشاعر إلى البيت السابع والأبيات التي بعده. قوله من دم الأجواف يعني به الدم الذي يخرج من أجواف ما يذبح من

стр. 1673

الحيوان أراد بذلك بيان لون الحمرة. هذا ظاهر المعنى. وفي قوله: (من دم الأجواف) أيضًا نوع دلالة على حزن القلوب- كأن هذه التزيديات ذوات النقوس من العقل والرقم (وهما ضربان من الزينة) مدمومات لا بلون احمر كالدم، ولكن بدم القلوب التي قطعها البين. وتقول العرب أن الغرب إذ رأى دبرًا أو جرحًا على سنام البعير وقع عليه فنتخ من ذلك. فقوله (تكاد الطير تخطفه) فيه إشارة إلى الغربان وشؤمها. وقالوا: «قد دمت الجارية جيبها بالزعفران أي طلته». فالمدموم هو المطلي على هذا المعنى. وقال هدبة. تضمخن بالجادي حتى كأنما الـ ... أنوف إذا استقبلتهن رواعف وذلك أنه كان من زينة النساء يضعن نقطة حمراء ذات ضرب من الطيب زينة على حرف الألف. وأشار إلى هذا المعنى حبيب حيث قال: وأعين ربرب كحلت بسحرٍ ... وأجسادٌ تضمخ بالجساد فقوله: عقلًا ورقمًا تكاد الطير تخطفه ... كأنه من دم الأجواف مدموم يستفاد منه أيضًا أن صواحبات الهوادج على أنوفهن نقطٌ حمر تتقطع لها الأفئدة. ويؤكد صحة ما نذهب إليه ههنا قوله في البيت السادس: يحملن أترجةً نضخ العبير بها هي كالأترجة حسنًا ولونًا وطيبًا عليها نقط الطيب، يدلك على ذلك قوله نضخ بالخاء المعجمة. قال ابن الأنباري العبير أخلاط من الطيب تجمع بالزعفران. قلت فهو الجادي الذي ذكره هدبة والجساد الذي ذكره أبو تمام. قال ابن الأنباري

стр. 1674

والنضج ما كان رشًّا. وذكر ابن الأنباري أقوالًا في «كأن تطيابها في الأنف مشموم» وما قلنا به من شمول المعنى في (هل ما علمت وما استوعت مكتوب البيت) نقول بمثله ههنا لأن الأنف ههنا يحتمل معنى أنفها وأنف من يشم طيبها، وكلاهما مراد، لما قدمنا من معنى الزينة كما في كلام هدبة واستشهد به أبو عبيد البكري في سمط اللئالي. والبيت السابع صارت فيه (كأن) التي قد كانت من قبل في إعجاز الأبيات إلى اول الصدر -وفيها نوع من المجاوبة لقوله (هل ٩ في البيتين الأولين. ولاحظ جرس الفاء في (في الأنف) (فأرة مسك في مفارقها). وموقع الطاء في (الطير) (تخطفه) (تطيابها) (للباسط المتعاطي). وقد اختفت الجملة الفعلية. وفي آخر البيت جملة اسمية بسيطة من ضمير وخبر لا يفصل فيها بين المبتدأ والخبر فاصل (وهو مزكوم) وتأمل الأصداء المعنوية المتجاوبة في قولة: (مدموم) وقد ذكرنا أن فيه إشارة إلى نقطة الطيب التي تدم أي تطلى بها الفتاة أنفها، وقوله (في الأنف مشموم) وقوله (وهو مزكوم) - هذا والقاف في قوله (مفارقها) تنظر من بعد إلى قافي (عقلًا ورقمًا). وهنا الطير تكاد تخطف العقل والرقم. وهنا تجد الباسط المتعاطي يمد يدًا إلى فأرة المسك والمفارق والأترجة ذات العبير. واستخراج أسرار الميمية، ومنهن ما هو أخفى من أن يستطاع استخراجه، مما يطول، فنكتفي من ذلك بوحي وإشارات نأمل أن تكون كافية. ومرادنا ما أسلفنا ذكره من تبيين طريقة التأليف الموسيقي السنخ، الذي يعمد إلى موضوعات من المعاني والنغم، فيصرفها على ضروب من التوازن والتجاوب والمقابلة والانسجام، بحيث متى انصرم منها جانب، جاءت أصداء تمهد بروح مما مضى لشيء يلي، حتى إذ ظننا أننا ابتعدنا عنه، جاءت رنات تذكرنا به من جديد.

стр. 1675

واعلم أصلحك الله أن بيان النغم والإيقاع لا يعمد إليه عند العجز عن البيان بالكلمات ذوات العبارة الواضحة، ولكنه أمرٌ من باب الإبلاغ قائم بنفسه، ويبين به الشاعر كما يبين بالكلمات. فالذين يكررون رنةً حرية أو عروضية يزخرفون بذلك من غير أن يكون هو صادرًا عن قصد إلى الإنابة، مبينًا بذلك، إنما فعلهم مكاءٌ وتصدية. وعلى هذا كثير من البهرج والزيف الصوتي المعاصر مما يظن به أنه جناسٌ داخلي وما أشبه، وحسبنا الله ونعم الوكيل. أول موضوعات القصيدة بعد اللوعة والشوق موضوع البين وتخوفه، ويدخل فيه موضوع الحبيبة، وموضوع الظعن والرحلة. فمن المعاني المتكررة روحًا ونغمًا وصورًا ومعنى التخوف والشؤم. أوله قوله (أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم) فقد وصف علامة البين الظاهرة في قوله: لم أدر بالبين حتى أزمعوا ظعنًا ... كل الجمال قبيل الصبح مزموم رد الإماء جمال الحي فاحتملوا ... فكلها بالتزيديات معكوم ثم أشار إلى طير البين حيث ذكر العلل والرقم. ثم صرح به في قوله إذ شحطوا في البيت: هل تلحقني بأخرى الحي إذ شحطوا ... حلذية كأتان الضحل علكوم ثم قال: بمثلها تقطع الموماة عن عرضٍ ... إذا تبغم في ظلمائه البوم والبوم من طير الشؤم بلا ريب. ويجيء من بعد معنى توجس الشر في تشبيه الناقة بالثور الوحشي: تلاحظ السوط شزرًا وهي ضامرة ... كما توجس طاوي؟ ؟

стр. 1676

وفي صفة الظليم من بعد جاء بما هو نقيض صفة الثور من الصمم وذلك قوله: فوه كشق العصا لأيًّا تبينه ... اسك ما يسمع الأصوات مصلوم ثم جعله كالثور متوجسًا خائفًا للشؤم: يكاد منسمه يختل مقلته ... كأنه حاذرٌ للنحس مشهوم وقوله يختل مقلته، فيه معنى الاختطاف الذي مر في قوله: عقلًا ورقمًا تكاد الطير تخطفه ... كأنه من دم الأجواف مدموم والظليم والبوم والغراب كل أولئك طير- وفراخ الظليم طير وقد جعلهن زعرًا حمرًا كالعقل والرقم الذي تكا تخطفه الطير. ثم كرر معنى الشؤم وجاء بعجز البيت الذي مر مكررًا كأنه يترنم بما يتوجسه فيه من معاني الخوف: فطاف طوفين بالأدحي يقفره ... كأنه حاذر للنخس مشهوم كل الفرق ههنا قوله النخس بالخاء المعجمة مكان النحس في بيت «يكاد منسمه يختل مقلته» وتأمل المقابلة حيث جاء بالخاء في الصدر وجاء بها ههنا في العجز. ثم يجيء التقويض وهو لاحق بالبين والفراق والأهبة للسفر، وفي معنى قوله من قبل «رد القيان جمال الحي». صعل كأن جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم وقد ترى ههنا إنه جعل الطائر نفسه بيتًا مهجومًا أي مهدومًا. واحتفظ بقوله «أطاف» وفيه صدى «فطاف طوفين» - والخرقاء معناها المرأة غير الصناع وذلك من صفات الحسن المنعمات، فههنا لمح خفي إلى سلمى التي هي سبب الدمع

стр. 1677

والفراق وفراقها النحس وقربها ووصلها وما علمه وما استودعته إياه واستودعه إياها ذلك هو السعادة. وبعد الظليم وفراخه تجيء النعامة وهي الهقلة وهي بلا ريب من رموز البين لأن الناقة بها تشبه، قال الحارث: غير أني قد أستنعين على الهـ ... ـم إذا خف بالثوى النحاء بزفوف كأنها هقلة أ ... م رئال دويةٌ سقفاء الزفوف السريعة، والرئال أولاد النعام. دوية منسوبة إلى الدو أي الصحراء، سقفاء طويلة مع انحناء. فجعلها الحارث ذات فراخ. وكذلك فعل علقمة وزاد أنه جعلها ذات زمار وترنيم وكذلك الظليم: يوحي إليها بإنقاض ونقنقةٍ ... كما تراطن في أفدانها الروم والروم شؤم لأنهم أعداء زرق العيون، وهي كما قال: تحفه هقلة سطعاء خاضعة ... تجيبه بمزمارٍ فيه ترنيم وهنا صرح علقمة بذكر الشر- وهذا أول القسم الثاني من كلمته: بل كل قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عريفهم بأثافي الشر مرجوم والأثافي فيها صدى البيت المهجوم- ثم أبيات الحكمة كلها فيها توقع الشر: ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بد مشئوم وهذه الغربان التي صرح باسمها آخر الأمر هي الطير التي جاء ذكرها أول شيءٍ: وكل حصن وإن طالت سلامته ... على دعائمه لا بد مهدوم

стр. 1678

فهذا فيه موضوع البيت المهجوم والعريف الذي بأثا في الشر مرجوم، وتأمل تكرار السلامة في طالت سلامته وعلى سلامته. هذا ومن موضوعات الحبيبية البكاء وقد جاء في قوله: «أم هل كبير بكي» ثم في: والعين مني كأن غربٌ تحط به ... دهماء حاركها بالقتب محزوم ثم في سقيا المذانب- ثم في هذا الحنين من الظليم حتى كأن حنينه أوتار مزهر: وضاعةٌ كعصي الشرع جؤجؤه ... كأنه بتناهي الروض علجوم وتناهي الروض ههنا فيها مجاوبة وأصداء من قوله: تسقي مذانب قد زالت عصيفتها ... حدورها من أتي الماء مطموم وأتي الماء ههنا هو الدمع كما هو الماء. وصوت النعامة الزمار والترنيم لا حق بهذا المعنى. ثم يجيء المزهر في قوله: قد أشهد الشرب فيهم مزهرٌ رنمٌ ... والقوم تصرعهم صهباء خرطوم وهذا أول القسم الثالث. والمعنى الترنمي نفسه في قوله: تتبع جونًا إذا ما هيجت زجلت ... كأن دفًّا على العلياء مهزوم ووازن بين قوله هيجت ههنا وقوله في الظليم: حتى تذكر بيضاتٍ وهيجه ... يوم رذاذ عليه الريح مغيوم والرذاذ كالدمع وكالمذانب وما فيه معاني الماء والسقيا. ولا نباعد إن زعمنا أن الريح والغيم فيهما ظلال الطير. كما لا نباعد إن زعمنا أن قوله: والمال صوف قرارٍ يلعبون به ... على نفاذته وافٍ ومجلوم

стр. 1679

فيه لون من العقل والرقم الذي تكاد الطير تخطفه. وهنا -واو الجماعة، وهي علم الناس -بمكان الطير. الطير تكاد تخطف، وهؤلاء يلعبون. وكالمقابل للعقل والرقم قوله: يظل في الحنظل الخطبان ينقفه ... وما استطف من التنوم مخذوم والحنظل الخطبان فيه لونان من الخضرة. وينقفه مثل يخطفه، والظليم طائر من جنس الطير. ورمزية الحنظل، وهي المرارة والحزن، واضحة. وناقف الحنظل تسيل دموعه كما ذكر امرؤ القيس. والتنوم المخذوم كالصوف المجلوم. والقرار ضرب من المعزى. والقرار من الأرض ينمو فيه الحنظل. والظليم فوه كشق العصا. وهو وضاعة كعصي الشرع جؤجؤه. ثم تأمل وصف سلمى بأنها أترجة ذات لون كالأترجة وطيب أريج. كأن تطيابها في الأنف مشموم للباسط المتعاطي وهو مزكوم وقد ذكرنا أن الحسناء تجعل في أنفها خضاب حمرة واستشهدنا ببيت هدبة. وقال ذو الرمة: تثني الخمار على عرنين أرنبةٍ ... شماء مارنها بالمسك مرثوم أي كأنه دامٍ- وقد جاء علقمة بالأريج والطيب والأنف في صفة الخمر حيث قال: قد أشهد الشرب فيهم مزهرٌ رنمٌ ... والقوم تصرعهم صهباء خرطوم ورنمٌ فيها رنة الترنيم والخرطوم سميت خرطومًا لأخذها بالخرطوم وهو الأنف: كأس عزيز من الأعناب عتقها ... لبعض أوقاتها حانيةٌ حوم

стр. 1680

تأمل حاءات عجز البيت وعينات صدره. تشفي الصداع ولا يؤذيك صالبها ... ولا يخالطها في الرأس تدويم وهذا كقوله للباسط المتعاطي وهو مزكوم، فطيب سلمى يشفي الزكام، وطيب الخمر يشفي الصداع. عانيةٌ قرقف لم تطلع سنةً ... يجنها مدمجٌ بالطين مختوم فالخمر محجوبة مصونة كسلمى التي قال فيها: كأنها رشأٌ في البيت ملزوم وأول البيت: صفر الوشاحين ملء الدرع خرعبةٌ ولعلك آنست بعض رنته في قوله «عانية قرقفٌ لم تطلع سنة» وقوله «يجنها مدمج إلخ» وهو عجز البيت فيه نظر إلى «أترجة نضخ العبير بها» كأن هذا العبير لها خاتم وهي خمر معتقة، والمسك تشبه به رائحة الخمر مبالغة في مدح طيبها، قال الأعشى: مثل ذكي المسك ذاكٍ ريحها ... صبها الساقي إذا قيل توح وخمر الجنة ختامها مسك لا كخمر الدنيا التي وإن شبهت رائحتها بالمسك فإن ختامها طين. وقد يدلك على أن علقمة أراد إلى تشبيه حسنائه بالخمر ذكره المسك بعد الذي ذكره من أنها أترجة بها نضخ العبير وهو قوله «كأن فارة مسك في مفارقها» ثم أتبع ذلك ما هو من معدن صفة الخمر في قوله: «للباسط المتعاطي وهو مزكوم» وقد ذكر معنى التشبيه بالخمر ابن الأنباري في شرحه حيث استشهد بقول الآخر يذكر الخمر:

стр. 1681

وتظل تنصفنا بها قروية ... أبريقنا بختامه ملثوم وإذا تعاورت الأكف زجاجها ... نفحت فنال رياحها المزكوم وقال علقمة في صفة أبريق الخمر: كأن أبريقهم ظبي على شرفٍ ... مفدم بسبا الكتان مرثوم والمرثوم هو الدامي الأنف وإنما جعل الأبريق دامي الأنف للون الخمر والغزال هو المحبوبة لقوله: «كأنها رشأٌ في البيت ملزوم»، وقوله (على شرف) ههنا مقابل ومناوح لقوله (في البيت) هناك. والفدام للخمر كما لا يخفى. والمرثوم من صفة الحسناء لأنها تضع نقطة العطر الحمراء على أنفها. وفي وصف الخمر لعلقمة قبل هذا البيت قوله: ظلت ترقرق في الناجود يصفقها ... وليد أعجم بالكتان مفدوم فمفدوم فيها صوت مفدم وصداها، ووليد أعجم أعطاه الشاعر ههنا صفة الأبريق الذي عليه سبائب الكتان، وفي صفة الأبريق أيضًا قوله: أبيض أبرزه للضح راقبه ... مقلد قضب الريحان مفغوم وهذا البيت صدًى من قوله: يحملن أترجةً نضخ العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم لمكان تفشي أريج العطر الطبيعي فيها، هناك الريحان وهناك الأترج- وقد مر التنبيه على مكان طيب الأنف وشفاء الزكان ونقطة الحسناء. وهذا وفي آخر القصيدة نعت الجمال بكسر الجيم: تتبع جونًا إذا ما هيجت زجلت ... كأن دفًّا على العلياء مهزوم

стр. 1682

وهذا المعنى في تشبيه حنين الإبل بصوت الدف والناي متكرر في الشعر الجاهلي، وعليه قول عنترة: بركت على جنب الرداع كأنما ... بركت على قصبٍ أجش مهزم والعجب للزوني يقول كأنما بركت هذه الناقة على قصب متكسر له صوت زعم بعضهم فيما روى أن عنترة شبه تكسر الطين اليابس الذي نضب عنه الماء بصوت تكسر القصب (راجع شرح المعلقات للزوني طبعة مصطفى البابي الحلبي ١٣٧٩ هـ- الهامش ٣ ص ١٥٥). وقال جابر بن حني التغلبي صاحب امرئ القيس إن كأنه: وصدت عن الماء الرواء لجوفها ... دويٌ كدف القينة المتهزم وقال علقمة وهو من موضوعات الرنة والترنيم والتهزم المتكررة في ميميته، وهو البيت التالي لما تقدم في صفة الإبل في آخر القصيدة: إذ تزغم من حافاتها ربعٌ ... حنت شغاميم في حافاتها كوم والربع هو الصغير من الإبل، وبكاؤه ههنا وبكاء الشغاميم وهي الحسان الطوال من الإبل، له صدًى وصوت يجاوب قوله في أول القصيدة: أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... أثر الأحبة يوم البين مشكوم الباكي ههنا صغير في بكائه، كبير في لوعته ونضج سنه وتجاربه، يبكي على أثر الذاهبين من الأحبة. والمتزغم صغير تجاوبه كبار. وتأمل قوله حافاتها في صدر البيت وعجزه. وقد مرت الحافة مفردة يصف الناقة الدهماء التي يستقي عليها فتسقى مذانب قد زالت عصيفتها: فالعين مني كأن غربٌ تحط به ... دهماء حاركها بالقتب محزوم قد عريت زمنًا حتى استلطف لها ... كترٌ كحافة كير القين ملموم

стр. 1683

وقد عادت كلمة (استطف) كما مر في قوله يصف الظليم (وما استطف من التنوم مخدوم) والكتر عني به سنامها، فهي كوماء- وقد جاء وصف الكوم في بيت (حافاتها) كما رأيت. وتأمل الكافات، في حاركها، كتر، كير. ثم لنا عودة يسيرة إلى كير القين وناره المتأججة إن شاء الله. هذه الدهماء التي في أول القصيدة، وهي كأنها رمز للشاعر في عنائه وألمه ودمعه، يقول: فالعين مني كأن غربٌ البيت وغرب الماء كأنما هو جزء من هذه الناقة لأنه منوطٌ إليها إلى قتبها وحزامها وحاركها- هذه الدهماء يقابلها فحل الإبل الشغاميم وهو أكلف الخدين. كلفة الخدين هذه التي نعت بها الفحل، تقابل خضرة التلغيم التي على خد الناقة النشيطة التي تمناها ليلحق بها الظعائن، ولحييها- الناقة النشيطة التي يريدها للحاق رمز السعادة والجد بكسر الجيم (١) والجد بفتحها والتشمير، وشارتها الخصب والخضرة، كالمحبوبة المشبهة بالأترجة وبالروضة، وكالظليم الخاضب، الذي يظلله الغيم، وحتى الحنظل الذي ينقفه خطبان، أي ذو ألوان من الخضرة، وحتى مشقة السفر لها لونٌ من الخضرة، لحم فيه الخضرة -التنشيم- ومزادات تعلوها خضرة: وقد أصاحب فتيانًا طعامهم ... خضر المزاد ولحم فيه تنشيم والفرس السهلبة أي الطويلة على ظهر الأرض شبهها الشاعر بالسلاءة بضم السين وتشديد اللام وهي شوكة النخل ولونها شديد الخضرة. والدهماء المذكورة قبل إنما كانت تسقي بستانًا من النخل والأعناب- يدلك على ذلك وصف القرآن لبساتين أهل البساتين. قال تعالى في الإسراء: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾. وقال تعالى في الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾.

стр. 1684

الفرس رمز للحسناء، لطولها وحسنها وتشبيهها بشوكة النخل، قال ابن الأنباري «وشبهها» يعني الفرس «بشوكة النخلة لإرهاف صدرها وتمام عجزها وكذلك خلقة الشوكة وقد يستحب في الإناث» أ. هـ. ثم الفرس قرينة الشباب والمرح كقول امرئ القيس: وقد اعتدى والطير في وكناتها ... لغيث من الوسمي رائده خالي بعجلزةٍ قد أترز الجرى لحمها ... كميتٍ كأنها هراوة منوال وقد عاد بوصفه الفرس ههنا إلى ما تقدم من صفته الناقة التي يتمناها ليلحق بالظعينة وذلك قوله: هل تلحقني بأخرى الحي إذ شحطوا ... جلذيةٌ كأتان الضحل علكوم وأتان الضحل صخرة تكون في الماء ملساء صلبة. وفي قوله: وقد أقوم أمام الحي سلهبةً ... يهدي بها نسبٌ في الحي معلوم لا في شظاها ولا أرساغها عتبٌ ... ولا السنابك أفناهن تقليم سلاءة كعصا النهدي غل لها ... ذو فيئةٍ من نوى قران معجوم ذو فيئة أي يتطاير حين يرضخ بالمرضاخ وعني بذلك العظام التي في حافر الفرس. قوله هل تلحقني يقابله قوله تتبع جونًا. وقوله كعصا النهدي- فقد مر تكرار العصا في صفة الظليم فوه كشق العصا- وضاعة كعصى الشرع. ونوى قران فيه معنى من أتان الضحل، كلا الأمرين حجرٌ أملس. وعصا النهدي لصلابتها مما يرضخ بمثلها النوى وقران بضم القاف قرية باليمامة كثيرة النخل.

стр. 1685

وكير القين فيه معنى من الفيئة لأنه يتطاير منه الشرر وللقين كما لا يخفى سندانٌ (بفتح السين). وتقليم السنابك إنما يصنعه القين. والسنابك فيها من معاني الصلابة والقوة. وقال علقمة يصف سفره أيام الفخر والقوة: وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم تجيء به الجوزاء مسموم والأكلف في خديه حمرة وسواد وتلك هي السفعة، فهذا يقوي ما ذهبنا إليه من أن الأكلف كناية عنه. وقتود الرحل فيه عودة إلى قتب الدهماء وحزامها. وقد قدمنا أن في جعل الأكلف في أخريات القصيدة كالعودة إلى معنى الدهماء العاملة التي في أولها والأكلف فحل هادٍ مقرمٌ مكرم. والسفعة والحر والسموم كل ذلك يقابل الرذاذ والغيم والبستان والعصيفة والأترجة ذات الطيب والرشأ الملزوم في الدار. حام كأن أوار النار شاملة ... دون الثياب ورأس المرء معموم هذا الحامي الذي كأن أوار النار شاملة فيه عودة إلى معنى القين وكيره الملموم: كتر كحافة كير القين ملموم لفظ الحامي فيه عودة إلى هذا. وقوله «كأن أوار الناس شاملة» فيه عودة إلى قوله: قد أدبر العر عنها وهي شاملها ... من ناصع القطران الصرف تدسيم (أدبر العر عنها) تقابلها (زالت عصيفتها) والتدسيم كالتدميم في قوله: كأنه من دم الأجواف مدموم إذ هو طلاء، والدسم والدم معنويًّا بينهما صلة كما في رنة اللفظ مشابه.
следующие страницы →