وهذا الوزن يدخله التحوير والتغيير فيصير:
فعلاتن مستفعلاتن فعولن ... فاعلاتن متفعلاتن فعولن
ملكات مستحكمات علينا ... مالكات مهذبات حسان
وأحيانا يقصر آخر جزء من عجز البيت هكذا:
فاعلاتن مستفعلاتن فعولن ... فاعلاتن مستفعلاتن فاعي (١)
وكأنك قد قلت مترنما: فأاعي مع تسهيل الهمزة الأولى.
تن فعلون تن تن فعولن فعولن ... فاعلاتن تن تن فعولن عولو
ناضرات مستبشرات ضحوك ... فاتنات في البيت هر يجري
وموضع الترنم عند الباء من يجري ههنا.
ومثال كل هذا من النظم قول بشار (٢):
حييا صاحبي أم العلاء ... واحذرا طرف عينها الحوراء
стр. 212
إن في عينها دواء وداء ... لمحب والداء قبل الدواء
أسقمت ليلة الثلاثاء قلبي ... وتصدت في السبت لي لشقائي
وغداة الخميس قد فارقتني ... ثم راحت في الحلة الحمراء
والبيتان الأول والرابع من هذه الأبيات فيهما تقصير الجزء الأخير وتصييره إلى "عولو" بدل "فعلولو" - الحور أعي. الحمر آءي
والتغييرات التي تحدث في عمود وزن الخفيف كثيرة. فبعضها حسن وبعضها مستقبح. فلو جاء شاعر في قصيدة لامية خفيفة من طراز قول المتنبي:
ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
بقوله:
ليس منا قط الرضا بالدنية ... ولكن نقارع الأبطالا
كان هذا بيتًا جيدًا. ويشبهه أن تجيء في قصيدة قافية بقولك:
تبلتك ولم تكن تعرف الحب ... فذق ما يذوقه العشاق
وهذا أقل اضطرابًا من الأول. ويحتمل نحو:
الملوك من حمير وبني الأصفر ... بادوا وهل يدوم نعيم
هذا وقد قدمت لك أن كلا البحرين الخفيف والمنسرح، حقهما أن يذكرا مع أنواع الأحذ والسريع. ذلك بأن نغمهما كالمتمم لأنغام أولئك. خذ المنسرح وامتحن نغمته بالنسبة إلى السريع والأحذ، وافعل مثل ذلك بالخفيف. تجد أنه بينما ينحو الأخذ منحى الحوار والهمس، والسريع منحى الخطابة المسجعة والنثر، يجنح المنسرح صوب الرقص والتغني، والخفيف صوب الفخامة. ولهذا القول تفصيل سأوضحه لك:
стр. 213
المنسرح
إذا صورنا نغم السريع بصورة الخطيب وتكراره وجلجلته، والكامل الأحذ بصورة التأني والتلطف والهمس التي تكون عند المحدث البارع، فإننا لا نملك إلا أن نصور المنسرح بصورة الراقص المتكسر أو المغني الخنث. وهذا التصوير والتقريب لا يناقض ما قدمناه قبل من أن هذه الأبحر جميعًا تصلح للغناء. ومع التكسر والرقص والتثني تجد في المنسرح لونًا جنسيًا يشبه لون المتقارب المجزوء. وقد سبق أن لمحنا إلى هذه الصفة في المنسرح عند كلامنا على المنسرح القصير، وعلى أمثال:
حدبدبا بدبدبا منك الآن
وإذا بحثت في الشعر الجاهلي لم تجد المنسرحيات فيه تخرج عن أحد غرضين:
الرثاء المراد به النوح، والنقائض. ولا يخفى على القارئ أن الرثاء إذا أريد به النوح حوى عنصرًا قويًا من التأنث واللين - وكيف لا والنوح إنما كانت تقوم به النساء، ولا شك أنهن كن يتخذن منه معرضًا للفتنة والتبرج، أليس الربيع بن زياد العيسى، من الأوائل يقول (في الحماسة):
من كان مسرورًا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسرًا يندبنه ... يلطمن أوجههن بالأسحار
قد كن يخبأن الوجه تسترًا ... فاليوم حين برزن للنظار
أم ليس أبو نواس يقول:
يا قمرا أبصرت في مأتم ... يندب شجوًا بين أتراب
يبكي فيذري الدمع من نرجس ... ويلطم الورد بعناب
ولا داعي للتطويل هنا في تبين ما بين الرثاء والغزل من قربى، فأقل ما في موت الفقيد من الرؤساء والفتيان، أنه يجعل حرمه أيامى بعده معرضات لمن يريد
стр. 214
انتهابهن. وربما يحسن أن نستشهد في هذا الموضع بقصة صخر بن عمرو بن الشريد [ذكرها الميداني في أمثاله ج ٢ ص ٤٣] (١) إذ كان صخر طريح فراشه على شفا الموت، فسمع سائلا يسأل سليمى زوجته: "يباع الكفل؟ " فقالت: "نعم عما قليل".
هذا وفي الرثاء بعد تعمد من جهة الرائي أن يحاكي النساء، فيدعى حز الكبد وتفتت الأحشاء وتدفق الدموع، وانقصام الظهر إلى غير ذلك من المعاني التي تنسب في العادة إلى النساء دون الرجال.
وقد ألمعنا عما بين المناقضات والزفن الجنسي من قرابة، في كلامنا عن المنسرح القصير و"الجابودي". ونضيف هنا أنه لا يستبعد أن كثيرًا من الناقضات كانت تدفع إلى الجواري لينشدنها ويرقصن عليها. ومما يدل على هذا ما نجده في بعضها من إقذاع يندر في الشعر القديم، مثلا قول الجميح (٢):
أنتم بنو المرأة التي زعم النا ... س عليها في الغي ما زعموا
يمرج جار استها إذا ولدت ... يهدر من كل جانب خصم
وأمها خيرة النساء على ... ما خان منها الدحاق والأتم
فهذا لا يعقل أنه كان ينشده ناظمه، وهو من السادة، في ندى القوم ومجمع سراة الحي، وإنما المعقول أن يكون منشده جارية أو دنيئًا من الأدنياء.
هذا، والكلمات المنسرحيات التي تخرج عن الرثاء كما وصفناه، وعن المناقضات قلة نادرة، وليست ببعيدة الصلة -إن تأملناها- عن أحد هذين الغرضين.
خذ كلمة المهلهل:
стр. 215
أعزز على تغلب بما لقيت ... أخت بني الأكرمين من جشم
أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم
لو بأبانين جاء يخطبها ... زمل ما أتف خاطب بدم (١)
فهذه فيها نفحة من النوح، كما فيها نفس من "الردح".
ومن المنسرحيات الشاذة كلمة الأعشى (٢):
إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضى مهلا
وابن قتيبة يرى أنها منحولة، وما أجدر ذلك أن يكون (٣):
وأما كلمة امريء القيس (٤):
إن بني عوف أنلو حسبا ... ضيعه الدخللون إذ غدروا
أدوا إلى جارهم ذمامهم ... ولم يضيعوا بالغيب من نصروا
لم يفعلوا فعل حنظل بهم ... بئس لعمري بالغيب ما ائتمروا
لا حميري وفي ولا عدس ... ولا است غير يحكها ثفر
لكن عوير وفي بذمته ... لا عور ضره ولا قصر
стр. 216
كالبدر طلق حلو شمائله ... لا البخل أزرى به ولا الحصر
من معشر ليس في نصابهم ... ضعف ولا في عيدانهم خور
فهي من صميم ما قدمناه، إذ فيها شتم ظاهر للدخللين من بني حنظلة الذين فروا عن شرحبيل بن الحارث عم امريء القيس يوم الكلاب، ومحد العوير فيه مبالغة في سبهم والزراية عليهم - وأظن القاريء لم يفته هنا موضع قوله: "ولا است عير يحكمها ثفر".
ولعله يحسن أن يوازن بين هذه الكلمة وأخرى قالها امرؤ القيس في هذا الغرض بعينه (إلا مدح العوير) من رثاء عمه وهجو بني حنظلة (١):
بلغ ولا تترك بني ابنة منقر ... وفقرهم إني أفقر خابرا (٢)
وأبلغ بني زيد إذا ما لقيتهم ... وأبلغ بني لبنى وأبلغ تماضرا
أليس ابنكم أم ليس وسط بيوتكم ... بني دارم أم ليس جارًا مجاورا؟ (٣)
ألم تك آلاء توالت وأنعم ... له فيكم يا شر من حل غائرا (٤)
ومن حل في نجد ومن حل مخيفًا ... يسوف آناء العشي البرائرا (٥)
أحنظل إذ لم تشكروا وغدرتم ... فكونوا إماء ينتسجن المعاصرا (٦)
أحنظل لو كنتم كرامًا صبرتم ... حياء ولا تلقى التميمي صابرا
стр. 217
فهذا كلام مهتاج فخم يناسب بحر الطويل بخلاف المتكفيء المتكسر الذي كأن صاحبه يرقص على دقات طبل.
والمناقضات القديمة في بحر المنسرح كثيرة، وأشير منها على سبيل التمثيل إلى نقائض الأنصار الفائيات، وفيها من الغزل الجنسي ما فيها. وهاك طرفًا من عينيه في المنسرح لذي الإصبع العدواني (١):
إنكما صاحبي لن تدعا ... لومي ومهما أضع فلن تسعا
إنكما من سفاه رأيكما ... لا تجنباني السفاه والقذعا
إلا بأن تكذبا علي ولم ... أملك بأن تكذبا وأن تلعا (٢)
إن تزعما أنني كبرت فلم ... ألف بخيلا نكسا ولا ورعا
أجعل مالي دون الدنا غرضًا ... وما وهي ملأمور فانصدعا
إما ترى شكتي رميح أبي ... سعد فقد أحمل السلاح معا (٣)
السيف والرمح والكنانة والنبل جيادًا محشورة صنعا (٤)
وهذه القصيدة على سمو معانيها فيها المنزع الرقصي والتكفؤ، وهي تمثل روح شيخ هدم ضاق ذرعًا بأعدائه من الشبان. ولا أحسب القاريء تفوته لمحة الحسرة على فوات الغزل في قوله: "إما تري شكتي رميح أبي سعد".
ومثال آخر من الهجائيات المنسرحيات دالية صخر الغي الهذلي (٥):
стр. 218
إني بدهماء عز ما أجد ... عاودني من حبابها زؤد
عاودني حبها وقد شحطت ... صرف نواها فإنني كمد
والله لو أسمعت مقالتها ... شيخًا من الزب رأسه لبد
مآبه الروم أو تنوخ أو الآطام من صوران أو زبد
لفاتح البيع عند رؤيتها ... وكان قبل ابتياعه لكد
أبلغ كبيرًا عني مغلغلة ... تبرق فيها صحائف جدد
الموعدينا في أن تقتلهم ... أفناء فهم وبيننا بعد
إني سينهى عني وعيدهم ... بيض رهاب ومجنأ أجد
وصارم أخلصت خشيبته ... أبيض مهو في متنه ربد
فليت عنه سيوف أريح حتى ... باء بكفي ولم أكد أجد
وسمحة من قسي زارة صفر ... اء هتوف عدادها غرد
كأن إرنانها إذا ردمت ... هزم بغاة في إثرها فقدوا
ذلك بزي فلن أفرطه ... أخاف أن ينجزوا الذي وعدوا
فلست عبدًا للموعدي ولا ... أقبل ضيما يأتي به أحد
جاءت كبير كيما أخفرها ... والقوم صيد كأنما رمدوا
في المزني الذي حششت به ... مال ضربك تلاده نكد
تيس تيوس إذا يناطحها ... يألم قرنًا، أرومه نقد
إن أمتسكه فبالفداء وإن ... أقتل بسيفي فإنه قود (١)
стр. 219
وهذه الكلمة في مشربها تشبه عينية العدواني. ولعلك لم يفتك جانب الرقص الثقيل فيها، تراه أظهر شيء في تكرار الصفات والمواضع نحو:
مآبه الروم أو تنوخ أو الـ ... ـآطام من صوران أو زبد
وهذه القصيدة نمط صعب، وقد جاراها طريح الشاعر بكلمة جيدة في مدح الوليد بن يزيد ذكرها صاحب الأغاني (١).
ومن أمثلة الرثاء في المنسرح قول لبيد في أربد أخيه (٢).
أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السماك والأسد
стр. 220
ما إن تعرى المنون من أحد ... ولا والد مشفق ولا ولد
فجعني الرعد والصواعق بالفارس يوم الكريمة النجد
يا عين هلا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام العدو في كبد
والتأنث وتعمد النوح بين ههنا، ووازن بين هذه الكلمة وبين قوله من الكامل:
طرب الفؤاد وليته لم يطرب ... وعناه ذكرى خلة لم تصقب
سفهًا ولو أني أطعت عواذلي ... فيما يشرن به بسفح المذنب
لزجرت قلبًا لا يريع لزاجر ... إن الغوي إذا نهي لم يعتب
فتعز عن هذا وقل في غيره ... واذكر شمائل من أخيك المنجب
يا أربد الخير الكريم جدوده ... غادرتني أمشي بقرن أعضب
يتحدثون مخافة وملاذة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب (١)
إن الرزيئة لا رزيئة مثلها ... فقدان كل أخ كضوء الكوكب
فهذه البائية تأبين صلب فيه شدة أسر لبيد، وليس كالدالية، فقد لان فيها الشاعر وقصد إلى التفجع والتوجع كما تفعل النساء.
وإذا شئت فوازن بين قول لبيد في الدالية "أخشى على أربد". وبين قوله في العينية من الطويل (٢):
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
وقد كنت في أكناف جار مضنة ... ففارقني جار بأربد نافع
فال جزع إن فرق الدهر بيننا ... فكل فتى يومًا به الدهر فاجع
стр. 221
وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وغدوًا بلاقع
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادًا بعد إذ هو ساطع
أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
أخبر أخبار القرون التي مضت ... أدب كأني كلمة قمت راكع
فهذا كلام جليل شديد الأسر، لم يقصد به إلى رقص أو نياحة، وإنما أريد به الرثاء على طريقة الشعر الرصين التي يعرفها لبيد ويجيدها. ومثل هذه الموازنة بين منسرحية لبيد الدالية وسائر مراثيه في أربد من البحور الطوال يمكن أن نجريها بين عينية أوس بن حجر في المنسرح (١):
أيتها النفس أجملي جزعا
وعينية مالك بن نويرة في الطويل (٢):
لعمري وما دهري بتأبين هالك
وسيأتي الكلام على هاتين القصيدتين عندما نتحدث عن البحر الطويل.
وخلاصة ما قدمناه لك من القول أن بحر المنسرح -بحسب ما نجده في أشعار الجاهليين- بحر لين ذو لين جنسي لم يكد يخرج عن صنفي الرثاء النائح والنقائض الهجائية وما يتبعهما من غزل أو شبهة. وقد وجد فيه الإسلاميون الحجازيون بحرًا يلائم مذاهبهم اللينة الغنائية -كما وجدوا في السريع والأحذ- فأكثروا منه ولا سيما ابن قيس الرقيات وابن أبي ربيعة. ولابن قيس الرقيات في المنسرح كلمته المشهورة (٣):
стр. 222
عاد له من كثيرة الطرب ... فعينه بالدموع تنسكب
ومدائح حسان في عبد العزيز بن مروان، وقد تحدث عن كل ذلك الدكتور طه حسين بما لا مزيد عليه (١).
ولابن أبي ربيعة قوله (الأغاني ١ - ١٠٣):
يا من لقلب متيم كلف ... يهذي بخود مريضة النظر
تمشي الهويني إذا مشت فضلا ... وهي كمثل العسلوج في الشجر
ما إن طمعنا بها ولا طمعت ... حتى التقينا يومًا على قدر
أي مصادفة.
قالت لترب لها تحدثها ... لنفسدن الطواف في عمر
قومي تصدي له ليعرفنا ... ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرت تسعى على أثري
من يسق بعد المنام ريقتها ... يسق بمسك وبارد خصر
(أي بارد) - وهذه أبيات لينة في لغتها ونغمها وأسلوبها الحواري المملوء شيطنة وخبثًا.
وقد شاع المنسرح بني طوائف المرققين في العصر الأموي، وقل عند شعراء الفخامة أمثال كثير والأخطل والقطامي وجرير وابن الرقاع والفرزدق، ولم يتعاطه طلاب الجزالة والفحولة إلا الكميت والطرماح. أما الكميت فلأنه أراد أن ينقض بائية ابن قيس الرقيات في عبد الملك ببائية في بني هاشم، وأما الطرماح، فلأن غرامه بالغريب أبي عليه إلا أن يستعمل المنسرح في قافية من أصعب قوافيه، ولغرض جاف
стр. 223
غير الأغراض التي خلقه الله لها، ليشق بذلك على نفسه وعلى من بعده. وقد وجد في المولدين من أبي تمام مقلدًا مخلصًا. وذلك في قوله (١):
ما لكثيب الحمى إلى عقده ... ما بال جرعائه إلى جرده (٢)
ما خطبه ما دهاه ما غاله ... ما ناله في الحسان من خرده
وفيها يقول في نعت البعير:
سأخرق الخرق بابن خرقاء كالهيق إذا ما استحم من نجده (٣)
مقابل في الجديل، صلب القرا لو ... يحك من عجبه إلى كتده (٤)
تامكه، نهده، مداخله ... ملمومه، محزئله أجده
وهذه الأبيات مما عابه ابن الأثير في المثل السائر (طبعة مصر ١٢٨٢ هـ ص ١٨٢).
وقد أكثرت طبقات المولدين الأولى من النظم في المنسرح، كما قد أكثروا من الأحذ والسريع، إذ كانوا يحرصون على محاكاة ابن أبي ربيعة وأضرابه، ويدعون لأنفسهم من الظرف واللين ما كان لأولئك. وقصيدة بشار (٥):
قد لامني في خليلتي عمر ... واللوم في غير كنهه ضرر
стр. 224
تنظر نظرًا بينًا إلى رائية عمر ولا تخالفها في المجرى، فهو هنا رفع وهناك خفض وكلام عمر:
يا من لقلب متيم كلف ... يهذي بخود مريضة النظر
لطيف يتجلى فيه لين المنسرح كأحلى ما يكون. ولكن كلام بشار لتكلفه ومغالاته في إبراز ناحية الرفث لا يخلو من قساوة وغلطة، وهو مع هذا كله جار على ما في سنخ المنسرح من حركة رقص جنسية متهالكة - نقول: ذلك إنصافًا له ولا نملك بعد إلا أن نستهجن منجه وأسلوبه كما استهجنه إسحق الموصلي (١) وهدك من ناقد.
ومنهج الحسين بن الضحاك في كلمته (٢):
تيسري للمام من أمم ... ولا تراعي حمامة الحرم
قد غاب لا آب من يراقبنا ... ونام لا قام سامر الخدم
أجود وأرق وأحلى. ولولا ما تكلم الدكتور طه حسين في هذه الميمية كلامًا وافيًا في كتابة "حديث الأربعاء" لأوردناها هنا وأطلنا التحدث عنها (٣).
ومما يظهر روح المنسرح المخنث كما استعمله المولدون أيما إظهار، قول أبي العتاهية يمدح الرشيد (٤):
الله بيني وبين مولاتي ... أبدت لي الصد والملالات
لا تغفر الذنب إن أسأت ولا ... تقبل عذري ولا مواتاتي
منحتها مهجتي وخالصتي ... فكان هجرانها مكافاتي
стр. 225
أقلقني حبها وصيرني ... أحدوثة في جميع جاراتي
ثم انتقل من هذا إلى وصف الناقة والمدح، فقال:
ومهمة قد قطعت طامسة ... قفر على الهول والمحاماة
بحرة جسرة عذافرة ... خوصاء غيرانة علنداة (١)
تبادر الشمس كلما طلعت ... بالسير تبغي بذاك مرضاتي
يا ناق خبي بنا ولا تعدي ... نفسك مما ترين راحات
حتى تناخي بنا إلى ملك ... توجه الله بالمهابات
عليه تاجان فوق مفرقه ... تاج جلال وتاج إخبات
يقول للريح كلما عصفت ... هل لك يا ريح في مباراتي؟
من مثل ابن عم الرسول ومن ... أخواله أكرم الخئولات
وقد كان أبو العتاهية كما قدمنا رجلا لينا فلا يستغرب مجيء مثل هذا الكلام منه. وقد قدم صاحب الأغاني هذه القطعة من تائيته في وصف الناقة والمدح بقوله: "وقال حين جد". وفي هذه الكلمة القصيرة من النقد النافذ ما فيها.
ومما يدل على أن المنسرح كان من مستخفات البحور لدى الطبقة الأولى من البغداديين أن الخريمي ألف منه قصيدة فيها مائة وخمسة وثلاثون بيتًا يصف بها الفتنة ببغداد أيام الأمين والمأمون. ولولا ما آنسه من استخفاف الناس لهذا البحر ما اجترأ على الإطالة فيه هكذا، وهو بمعرض نظم يريده أن ينفق بينهم ويكثر منشدوه.
وفي إيراد الطبري لكلمته الطويلة هذه على تمامها في كتاب تاريخ الأمم
стр. 226
والملوك ما يدل على أن ما أراده الخريمي لمنسرحيته من السيرورة قد تأتي (١). ونورد لك منها على سبيل المثال قوله:
الكرخ أسواقها معطلة ... يسنن عيارها وعائرها (٢)
أخرجت الحرب من سواقطها ... آساد غيل غلبًا تساورها (٣)
من البواري تراسها ومن الخو ... ص إذا استلأمت مغافرها (٤)
تعدو إلى الحرب في جواشنها الصوف إذا ما عدت أساورها
كتائب الهرش تحت رايته ... ساعد طراها مقامرها
لا الرزق تبغي ولا العطاء ... ولا يحشرها للقاء حاشرها (٥)
في كل درب وكل ناحية ... خطارة يستهل خاطرها
والنهب تعدو به الرجال وقد ... أبدت خلاخيلها حرائرها
كل رقود الضحا مخبأة ... لم تعد في أهلها محاجرها
بيضة خدر مكنونة برزت ... للناس منشورة غدائرها
معصوصبات وسط الأزقة قد ... أبرزها للعيون ساترها (٦)
تعثر في ثوبها وتعجلها ... كبة خيل زيغت حوافرها
تسأل أين الطريق والهة ... والنار من خلفها تبادرها
стр. 227
يا هل رأيت الثكلي مولولة ... في الطرق تسعي والجهد باهرها
في إثر نعش عليه واحدها ... في صدره طعنة يبادرها
وقد رأيت الفتيان في عرصه المعرك معفورة مناخرها
ولا يخفى أن هذه الكلمة مرثية ونوح على بغداد. ومع أن غرضها جاد، فإن الشاعر قد أوردها على هذا المذهب المنسرحي نزولًا على حكم البيئة، وجريًا مع طبيعة الذوق البغدادي الناعم.
ومن منسرحيات المولدين التي تجري هذا المجري النائح قول مطيع بن إياس يرثي يحي بن زياد:
يأهل بكوا لقلبي القرح ... وللدموع الهوامل السفح
راحوا بيحيى إلى مغيبة ... في القبر بين التراب والصفح
راحوا بيحيى ولو تطاوعني الـ ... ـأقدار لم يبتكر ولم يرح
يا خير من يحسن البكاء له اليوم ومن كان أمس للمدح (١)
وقول الأخرى ترثي زوجها:
أبكيك لا للنعيم والأنس ... بل للمعالي والرمح والفرس
أبكي على فارس فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس
يا فارسًا بالعراء مطرحًا ... خانته قواده مع الحرس
من لليتامى إذا هم سغبوا ... وكل عان وكل محتبس
أم من لبر من لفائدة ... أم من لذكر الإله في الغلس (٢)
стр. 228
وقول العتبي يرثي صديقًا له (١):
يا خير إخوانه وأعطفهم ... عليهم راضيًا وغضبانا
أمسيت حزنًا وصار قربك لي ... بعدًا، وصار اللقاء هجرانا
إنا إلى الله راجعون لقد ... أصبح حزني عليك ألوانا
وهذه المقاطيع الثلاث من اختيار المبرد، وقد كان من نقدة الكلام. إلا أني أحسبه -في استحسانه هذه الكئمات - كان متأثرًا بروح عصره وذوقه اللين، لأنه ليس فيها -في حد ذاتها- ما هو جيد بالغ في الجودة. بل إن أسلوبها إلى الضعف أدنى، وليست بشيء إذا وازنتها بالكلمات الجياد حقًا مما اختاره هو للمولدين وغيرهم كدالية ابن مناذر (٢) في الثقفي، ودالية المهلبي في المتوكل (٣)، وعينيتي أوس (٤) ومتمم (٥).
وقد أخذ أبو تمام بطرف من المنسرح في بعض قصائده، فجاء به على غير وجهه كما في الدالية التي جارى بها الطرماح، التي مر ذكرها، وكما في البائية التي جاري بها بعض مدائح ابن قيس الرقيات في عبد العزيز بن مروان ومطلعها (٦):
إن بكاء في الربع من أربه ... فشايعا مغرمًا على طربه
وفيها يقول محاكيًا للأعراب:
стр. 229
دع عنك هذا إذا انتقلت إلى المدح وشب سهله بمقتضبه (١)
إني لذو ميسم يلوح على ... صعود هذا الكلام أو صببه (٢)
لست من العيس أو أكلفها ... سيرًا يداوي المريض من وصبه
إلى المصفى مجدًا أبي الحسن انصعن انصياع الكدري في قربه (٣)
وهذا كلام يجفو عن رقة المنسرح كما جفت رائية زهير "دع ذا وعد القول في هرم" عن السريع. وقس كلام أبي تمام هذا إلى جانب كلمة ابن قيس الرقيات التي يقول فيها:
أمك بيضاء من قضاعة في البيت الذي يستظل في طنبه
وتأمل ما في هذا من السلاسة وما عند حبيب من التكلف تجد فرقًا عظيمًا، شبيهًا بما بين كلام زهير والمسيب بن علس في الرائيتين الحذاوين. ولم يأت أبو تمام بما يستحسن في بائبته هذه إلا بقوله:
نرمي بأشباحنا إلى ملك ... نأخذ من ماله ومن أدبه
وهذا سرقه من قول بشار بمدح نفسه (٤):
تلعابة تعكف النساء به ... يأخذن من جده ومن لعبه
يزدحم الناس كل شارقة ... ببابه مشرعين في أدبه
стр. 230
وحوله لممدوحه. ومن الإنصاف له أن نقول: إن كلام بشار لا ماء فيه ولا رونق في بائيته هذه جميعها.
ولقد تحامى البحتري بفطرته وحدسه الصادق بحر المنسرح، فلم يقع فيما وقع فيه أستاذه من الإسفاف. وقد كان في تقصير هذين الشاعرين العظيمين: أبي تمام وأبي عبادة، عن أن يجيدا في هذا البحر أثر خطير عليه، إذ انحدر فيما بعد عن مكانته بين البحور المهايع التي ذللها المولدون الأولون إلى مكانة ثانوية، فصار يتعاطاه أمثال أبي بكر بن العلاف في داليته المشهورة:
يا هر فارقتنا ولم تعد ... كنت فينا بمنزل الولد
وأبي سعيد الرستمي في بائيته (١):
لهفي على ذلك الجواد وهل ... يفك رهن المنون نادبه
لو كان غير الممات حاوله ... لفللت دونه مخالبه
أو كان غير المنون يخطبه ... زمل أنف أبداه خاطبه
أو حارب الدهر مشفق حدب ... لقمت في وجهه أحاربه
والأولى في رثاء هر، والثانية في رثاء فرس، وشبيه بهذا العبث والهزل ما جاء به الواساني في لاميته المقذعة التي وصف بها حادث لواط آية في البشاعة (٢).
ولم يرفع المنسرح من الوهدة التي قذفه فيها تنكب أبي تمام له [إلا فيما قل] وإعراض البحتري عنه على وجه الإجمال، شاعر بعدهما إلى يومنا هذا -اللهم إلا ما حاوله المتنبي في كلماته (٣):
стр. 231
أهلًا بدار سباك أغيدها ... أبعد ما بان عنك خردها
وكلمته (ص ١٢٥):
أبعد نأي المليحة البخل ... في البعد لا ما تكلف الإبل
وقوله (ص ٥٥٢):
أوه بديل من قولتي واها ... لمن نأت والبديل ذكراها
وقوله (ص ٨٤):
أحق عاف بدمعك الهمم ... أحدث شيء عهدًا بها القدم
وكلها - فيما عدا اللامية - من حسن القول، وقد جاء في بعضها بابداع لا ينكر. ولكن نغمها جميعًا غير جار على طبيعته هو المرة الشديدة، وإنما كان يكره القول عليه بما أوتيه من مقدرة فائقة في الصناعة، وطبع نادر في تصريف أعنة القول.
ولهذا السبب ليس لهذه القصائد جميعًا من الرنين في نفس من يقرأ شعر المتنبي ما لقصائده الفخمات الطنانات أمثال:
بم التعلل لا أهل ولا وطن
وليالي بعد الظاعنين شكول
وطوال قنا تطاعنها قصار
وفديناك من ربع وإن زدتنا كربا
وغير ذلك مما هو مشهور معروف.
وقد تبع المعري أثر المتنبي في بعض درعياته، فلم يسف -كعادته في التجويد ولكنه لم يعد هذا البحر اللين القديم نفس الحياة الذي خمد بعد أيام البحتري.
стр. 232
وشعراء العصر يتحامون المنسرح لأن وزنه غير ثابت عندهم، وليس في يسر السريع ولا الكامل الأحذ، ولو قد كان كذلك لأكثروا منه لما يغلب على المعاصرين من تكلف الرقة واللين.
الخفيف
قد سبق أن قلنا إن الخفيف يجنح صوب الفخامة. وهذا النعت ينطبق عليه إذا قسناه إلى جنب السريع والأخذ والمنسرح. أما إذا وازناه بالطويل والبسيط فهو دونهما في ذلك. والسر في فخامته بالنسبة إلى البحور التي ذكرنا، أنه واضح النغم والتفعيلات، فلا يقرب من الأسجاع قرب السريع، وأنه ذو دندنة لا تمكن من الحوار الطبعي كما يمكن الأحذ، فإذا وقع الحوار فيه جاء كأنه مسرحي، وأنه مشابه للمديد، والمديد مشابه له، وفي كليهما صلابة تمنعهما أن يلينا لين المنسرح فيصلحا لما يصلح له من تأنث (١). وهذه الصفات التي ذكرناها جميعًا صفات سلبية. فإذا نظرنا إلى الناحية الإيجابية: وجدنا الخفيف مزيجًا من الرمل والمتقارب:
"فا فعولن فا فا فعولن فعولن" × ٢
فهذا يكسبه شيئًا من ملنخوليا الأول وشيئًا من تدفق الثاني وتلاحقه أنغامه. ويجعله ذا أسر قوي معتدل مع جلجلة لا تخفي. وقد كان كثير الاستعمال بين شعراء ربيعة والحيرة تجده في شعر المهلهل والحرث بن عباد وعدي بن زيد والأعشى، قليلًا بين شعراء مضر المغاربة حتى لا تكاد تجده في دواوين زهير والنابغة وعنترة. ولعل صلة هذا البحر القوية بالحيرة هي التي هيأته لأن يصلح للغناء والترقيق، لأن الحيرة كانت
стр. 233
مدينة الحضارة في الجاهلية، وأسلوب عدي والأعشى والمهلهل من الرقة في جانب عظيم إذا وازنته بأساليب النابغة وزهير.
ولرسوخ الخفيف في الحضارة وقدمه فيها، وكثرة ما نظمه الجاهليون المشارقة فيه، صار من بحور الشعر المقدمات عند إسلاميي الحجاز، بل صار البحر الأول بلا ريب. ومما يجدر بالذكر هنا أن المشارقة المستمسكين بالنهج القديم الرصين أمثال جرير والفرزدق والأخطل تحاموه كأنهم عدوه مثل سائر بحور الترقيق الحجازية مع علمهم بأنه يصلح للتفخيم. وقد سبق إلى النظم فيه من شعراء الحجاز ومغرب الجزيرة حسان بن ثابت في قصيدة اللواء (١):
منع النوم بالعشاء الهموم ... وخيال إذا تغور النجوم
ومنها بيته المشهور:
لم تفتها شمس النهار بشيء ... غير أن الشباب ليس يدوم
وابنه عبد الرحمن بن حسان أو أبو دهبل الجمحي في كلمته (٢):
طال ليلي وبت كالمحزون ... ومللت الثواء في جيرون
وأطلت المقام بالشام حتى ... ظن أهل مرجمات الظنون
فبكت خشية التفرق جمل ... كبكاء القرين إثر القرين
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوا ... ص ميزت من جوهر مكنون
وإذا ما نسبتها لم تجدها ... في سناء من المكارم دون
ثم خاصرتها إلى القبة الخضراء تمشي في مرمر مسنون
قبة من مراجل ضربوها ... عند أهل الشناء في قيطون (٣)
стр. 234
عن يساري إذا دخلت من البا ... ب وإن كنت خارجًا فيميني
ليت شعري أمن هوى طار نومي ... أم براني الباري قصير الجفون
ثم جاء ابن أبي ربيعة وأضرابه، فأكثروا من هذا البحر واتخذوا من وزنه الرصين القوي ذي الرنة الملنخولية مركبًا لكلامهم الناعم المرقق أكسبه موسيقا حية تجل عن رتابة السريع، وتعثر الأحذ، وتكسر المنسرح وتثنيه، وتصبغ غزل الرجال في النساء بما هو حقه من فحولة في تأت وتلطف - مثال ذلك:
فالتقينا فرحبت حين سلمت وكفت دمعًا من العين مارا
ثم قالت عند العتاب رأينا ... منك عنا تجلدًا وازورارا
قلت كلًا لاه ابن عمك بل خفنا أمورًا كنا بها أغمارًا (١)
فجعلنا الصدود لما خشينا ... قالة الناس للهوى أستارًا
فلذاك الإعراض عنك وما آ ... ثر قلبي عليك أخرى اختيارا
ما أبالي إذا النوى قربتكم ... فدنوتم من حل أو من سارا
فالليالي إذا نامت طوال ... وأراها إذا قربت قصارا
وفي القصيدة أبيات جياد غير ما أوردناه تحدث عنها الدكتور زكي مبارك بأسلوبه المعروف فوفاها حقها (٢)، وهذا الذي اخترناه مما اتفق الأولون على تقديمه وعدوه من إحسان بن أبي ربيعة الذي لا ينكر.
ومثال آخر قوله:
أصبح القلب في الحبال وهينًا ... مقصدًا يوم فارق الظاعنينا
стр. 235
قلت من أنتم فصدت وقالت ... أمبد سؤالك العالمينا
نحن من ساكني العراق وكنا ... قبله قاطنين مكة حينا
قد صدقناك إذا سألت فمن أنت عسى أن يجر شأن شنونا
ونرى أننا عرفناك بالنعت بظن وما قتلنا يقينا
بسواد الثنيتين ونعت ... قد نراه لناظر مستبينا (١)
وجلا بردها وقد حسرته ... نور بدر يضيء للناظرينا (٢)
ومثال ثالث قوله (٣):
من رسولي إلى الثريا بأني ... ضقت ذرعًا بهجرها والكتاب
أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس كواعب أتراب
وهي مكنونة تحير منها ... في أديم الخدين ماء الشباب
ثم قالوا تحبها قلت بهرا ... عدد النجم والحصى والتراب (٤)
وقد اتبع متحضر وبغداد مذهب ابن أبي ربيعة، ثم جاء بعدهم الطائيان فلم يتنكبا هذا البحر كما تنكبا كثيرًا غيره من بحور التغني، إذ قد وجدا في رصانة نغمة ما يتسع لجدهما وكذلك فعل المتنبي وأبو العلاء وما بعدهما إلى عصرنا هذا، فخفيفيات
стр. 236
شوقي معروفة. وقد أكثر المعاصرون من هذا البحر حتى أطلق عليه بعض المتهكمين لقب "بحر الشباب" لكثره ما تنشره الصحف منه.
وقد اختلفت أغراض هذا البحر بين طرفي الغزل والحماسة، والمديح والهجاء والرثاء والفخر، لما قدمناه لك من عراقته في الاستعمال. ومع ذلك فقد كان ذا طابع واحد في جميع هذا، من وضوح النغم واعتداله، بحيث لا يبلغ حد اللين ولا حد العنف ولكن يأخذ من كل بنصيب.
وقوافي الخفيف عظيمة الأثر في طبع أنغامه بطابع خاص. ولهذا فقد جرت قصائد منه منذ عهد بعيد على مذهب المجاراة، بحيث تشتم في المتأخر منها نفسًا من المتقدم. لن نحاول في هذا السفر المختصر أن نستقصي أنواع القصائد الأول التي سارت على نهجها قصائد عدة من بعدها على توالي العصور، ونكتفي بايراد أمثلة قليلة.
همزيات الخفيف
الهمزة طريق منكوب كما زعم المعري، وقد تحدثنا عن هجنتها في باب القوافي ومع هجنتها هذه فقد أكسبها الخفيف دولة واسعة. والسبب في ذلك أن وزن الخفيف كامل الاعتدال. ولذلك يقع التشعيث في آخره فلا يضيره كما في "ثم راحت في الحلة الحمراء". ولو وقع التشعيث في بحر غيره لا ضطرب جدًا. ولعل اعتدال الخفيف هذا جعله يلائم الألف الممدودة [فمدها ينبو في كثير غيره من البحور]. وإنما لاءمها لأنها تصادف تفعيلته الأخيرة المطاطة المرنة فتنسجم وإياها ويخفي نفورها، ولا سيما إن كان المجري رفعًا أو خفضًا، وذلك يجيء بواو أو ياء مشبعة، وهما من سنخ مباين للألف. ولا تنس أن كثيرًا من العرب كانوا يسهلون الهمزة. والتسهيل يصير نحو: "حمراءو" إلى "حمراوو" ونحو "حمراءي" إلى "حمرابي". وأقدم ما عندنا من
стр. 237
الهمزات معلقة الحرث "آذنتنا يبينها أسماء" وهي من رصين النظم، ومن أفصح ما قالته العرب، وفيها إمتاع لأحد له بنغم الخفيف لا يكاد يفوقه شيء إلا مذهب البحتري في السينية والأعشى في معلقته:
ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي وما ترد سؤالي
وأعجب لماذا أهملها صاحب جمهرة أشعار العرب.
ولولا أن كلمة الحرث هذه مشهورة ومن مقررات المنهج الثانوي في أكثر البلاد العربية لاستمررت أستشهد لك منها بالأبيات، إذ فيها من اللفظ المرقص المطرب نحو قوله:
بعد عهد لنا ببرقة شما ... ء فأدني ديارها الخلصاء (١)
فرياض القطا فأودية الشر ... بب فالشعبتان فالإبلاء
تأمل إلى هذه الباءات والشينات كيف جاء بها الشاعر كأنما يضرب على عود أبح. وانظر إلى تكرار التاءات في قوله:
وصتيت من العواتك لا تنسهاه إلا مبيضة رعلاء (٢)
стр. 238
وانظر إلى جدله الرائع:
وأتانا من الحوادث والأنباء خطب نعني به ونساء
أن إخواننا الأراقم يغلو ... ن علينا في قيلهم إحفاء (١)
يخلطون البريء منا بذي الذنب ولا ينفع الخلي الخلاء
زعموا أن كل من ضرب العير موال لنا وأنا الولاء (٢)
عننا باطلًا وظلمًا كما تعتر عن حجرة الربيض الظباء (٣)
تأمل اتصال صدور الأبيات بأعجازها، وانظر إلى الجلبة والدندنة في البيت الأخير. وقد أحسن الأستاذ البهبيتي (لولا مبالغته) إذ يقول: "والحرث سيد شعراء الجاهلية جميعًا في القدرة الخارقة على استغلال موسيقا الألفاظ".
هذا ورأس الهمزيات التي جوريت بها معلقة الحرث في الإسلام (٤). طويلة ابن قيس الرقيات:
أقفرت من آل عبد شمس كداء ... فكدي فالركن فالبطحاء
وهي من القصائد المدرسيات المشهورة. وقد تخير منها أصحاب "كتاب المنتخب من أدب العرب" قطعة صالحة. وقد أثنى عليها الدكتور طه حسين في كتابه
стр. 239
حديث الأربعاء ثناء حسنًا، فأحسب (١) وهي بلا ريب من عيون الشعر العربي. وقد مزجت بين صلابة الأسر والرقة وصدق العاطفة وحرارتها. خذ منها على سبيل المثال:
حبذا العيش حين أهلي جميع ... لم تفرق قلوبها الأهواء
قبل أن تطمع القبائل في ملك قريش وتشمت الأعداء (٢)
إن تودع من البلاد قريش ... لا يكن بعدهم لحي بقاء
كيف نومي على الفراش ولما ... تشمل الشام غارة شعواء
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن براها العقيلة العذراء
إنما مصعب شهاب من الله تجلى عن نوره الظلماء
ملكه ملك قوة ليس فيه ... جبرت ترى ولا كبرياء
وهذا الكلام ثمد من بحر. وقد كان عبد الملك بن مروان من نقدة الكلام وصاغته، كما كان من أغير الناس وأحرصهم على ملك وتفرد بالسلطان. فلما بلغته هذه القصيدة مع نظائر لها دونها، أهدر دم ابن قبس الرقيات، ولم ينج الشاعر إلا بشفاعة ابن جعفر وقصيدته هو البائية:
عاد له من كثير الطرب ... فعينه بالدموع تنسكب
وهي من جيد الشعر. ومع جودتها فإن عبد الملك لم يرضها لأنه رآها دون الهمزية (٣) وقد تبع بشار طريق ابن قيس في همزيته المرفوعة (٤):
علليني يا عبد أنت الشفاء
стр. 240
فلم يصنع شيئًا لأنه تكلف في غزلها وتعمل. وجاراه أيضًا في همزيته المخفوضة المجرى (وليس اختلاف المجرى مما يؤبه له في المجاراة)، فقال:
حييا صاحبي أم العلاء ... واحذر طرف عينها الحوراء
وأطال في نسيب هذه الكلمة وتشبه بابن أبي ربيعة وليس التقليد كالأصل، ثم خلص إلى وصف الفلاة والناقة تبعًا للقدماء، وما أخلى نفسه من نظر إلى الحرث صاحب المعلقة قال:
وفلاة زوراء تلقى بها العين رفاضًا يمشين مشي النساء (١)
من بلاد الخافي تغول بالركب فضاء موصولة بفضاء
قد تجشمتها وللجندب الجون نداء في الصبح أو كالنداء
حين قال اليعفور وارتكض الآ ... ل بريعانه ارتكاض النهاء (٢)
ولا إخال القاريء يخالفني في أن هذا كلام خال من الماء، ظاهر التكلف، وفيه تحايل على القوافي كقوله "أو كالنداء" و"موصولة بفضاء"، ثم انتقل إلى المدح فقال:
ما لكي تنشق عن وجهه الحر ... ب كما انشقت الدجى عن ضياء
أيها السائلي عن الحزم والنجدة والبأس والندى والوفاء
إن تلك الخلال عند ابن سلم ... ومزيدًا من مثلها في الغناء
كخراج السماء سيب يديه ... لقريب ونازح الدار ناء (٣)
حرم الله أن ترى كابن سلم ... عقبة الخير مطعم الفقراء
стр. 241
يسقط الطير حيث يلتقط الحب وتغشى منازل الكرماء
ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف ولكن يلذ طعم العطاء
أريحي له يد تمطر النيل وأخرى سم على الأعداء
قد كساني خزا وأخدمني الحو ... ر وخلى بنيتي في الحلاء
فجزى الله عن أخيك ابن سلم ... حين قل المعروف خير الجزاء
صنعتني يداه حتى كأني ... ذو ثراء من سر أهل الثراء
لا أبالي صفح اللئيم ولا تجري دموعي على الخئون الصفاء
؟ ؟ ؟ اني امرأ أبر على البخل بكف محمودة بيضاء (١)
يسري الحمد بالثنا ويرى الذ ... م فظيعًا كالحية الرقشاء
ملك يفرع المنابر بالفضل ويسقي الدماء يوم الدماء (٢)
قائم باللواء يدفع بالمو ... ت رجالًا عن حرمة الخلفاء
فعلى عقبة السلام مقيما ... وإذا سار تحت ظل اللواء
وهذا كلام شاكر لاريب. وقد رق بشار به رقة لا تجدها في مقدمته النسبية، ورصن رصانة أفاده إياها قوة طبعه ومعرفته بكلام العرب، ومقدمته على الابتكار والتصرف كقوله "خراج السماء"، وكقوله "صنعتني يداه" وكقوله "لا أبالي صفح اللئيم" وكقوله "يفرع المنابر بالفضل" وهذا كله در عزيز وجوهر نادر وإحسان لا يدفع.
وقد جاء البحتري بهمزيات وسط، منها همزية مفتوحة في أبي سعيد الثغري، ولا شر من الهمزة المفتوحة، على أنه أحسن في قوله منها (٣):
стр. 242
يتعثرن بالرؤوس وبالأعـ ... ـضاء سكرًا لما شربن الدماء
وإنما حسن هذا لخلو القصيدة مما هو أحسن منه. وقد جاء ابن الرومي بهمزيتين إحداهما مفتوحة المجرى والأخرى مخفوضته، طويلتين جدًا، ولا يطاول طولهما إلا ما فيهما من الإملال والثرثرة. أما المفتوحة فهي قوله:
أيها القاسم القسيم رواء
وأما المخفوضة فهي:
يا أخي أين ريع ذاك الإخاء
وكلتاهما في أول ديوانه المرتب على الحروف. وأولاهما غاية من الاضطراب والثرثرة. والثانية فيها قطعة حسنة في وصف الشطرنج. وقد أوردها أصحاب المنتخب في المختارات المدرسية، والدكتور طه حسين في كتابه "من حديث الشعر والنثر". وكلتا القصيدتين خاليتان من الرنة والجلجلة التي لا بد منها للخفيف كما يصل إلى القلوب. ولأمر ما زعم الدكتور طه حسين أن مذهب ابن الرومي أشبه بمذاهب الكتاب منه بمذاهب الشعراء.
ونسبة ابن رشيق إلى الطبع وقرنه بأبي الطيب ولذلك وجه بعيد، جد بعيد وفي ديوان المتنبي همزية مخفوضة على روي ابن الرومي وبحره قالها في كافور وهي من بارد شعره، وقل فيه البرود، وأحسن ما فيها قوله (١):
وفؤادي من الملوك وإن كا ... ن لساني يرى من الشعراء
وقد جاء المعري بهمزية مرفوعة طويلة في اللزوميات (٢) أغرب فيها ما شاء ولم
стр. 243
يحسن إلا في أبيات معدودة. وكأن بشارًا كان خاتمة أصحاب الهمزيات الجياد من الشعراء المحدثين المعروفين، ومن أجل هذا زعم المعري أن الهمزة طريق منكوب غير أن عجز فحول المحدثين أن يجيدوا في هذا المضمار إجادة الحرث اليشكري وابن قيس الرقيات وبشار، لم يقف الشعراء كلهم عن المحاولة ولا سيما المتأخرون منهم، فقد أكثروا من الهمزة في الخفيف، ونجم من بينهم الإمام شرف الدين أبو عبد الله محمد ابن سعيد البوصيري (المتوفي سنة ٦٩٤ هـ) فنظم مطولته في مدح النبي (١) ﷺ :
كيف ترقى رقيك الأنبياء ... يا سماء ماطاولتها سماء
فجاء بها سليمة النظم في جملتها، حسنة اللفظ، وأبدع في مواضع منها إبداعًا بينًا كقوله يصف مولد النبي ﷺ :
ليلة المولد الذي كان للدين سرور بيومه وإزدهاء
وتوالت بشرى الهواتف أن قد ... ولد المصطفى وتم الهناء
مولد كان منه في طالع الكفر وبال عليهم ووباء
فهنيئًا به لآمنة الفضل الذي شرفت به حواء
ومنها في مبدأ أمر النبي ﷺ ومعجزاته:
ثم قام النبي يدعو إلى الله وللكفر نجدة وإباء
أممًا أشربت قلوبهم الكفر، فداء الضلال فيهم عياء
رب إن الهدى هداك وآيا ... تك نور تهدي به من تشاء
قد رأينا ما ليس يعقل قد ألهم ما ليس يلهم العقلاء
إذ أبى الفيل ما أتى صاحب الفيل وما ينفع الذكي الذكاء
والجمادات أفصحت بالذي أخرس عنه لأحمد الفصحاء
стр. 244
ويح قوم جفوا نبيًا بأرض ... ألفته ضبابها والظباء
أخرجوه منها وآواه غار ... وحمته حمامة ورقاء
وكفته بنسجها عنكبوت ... ما كفته الحمامة الحصداء (١)
وهذا كلام أقل ما يقال عنه أنه رصين. وانظر إلى قوله يصف المعراج:
فصف الليلة التي كان للمختار فيها على البراق استواء
وترقى به إلى قاب قوسين وتلك السيادة القعساء
رتب تسقط الأماني حسري ... دونها ما وراءهن وراء
ثم وافى يحدث الناس شكرًا ... إذ أتته من ربه النعماء
وتحدى فارتاب كل مريب ... أو يبقى مع السيول الغثاء
وهو يدعو إلى الإله وإن شق عليه كفر به وازدراء
ويدل الورى على الله بالتو ... حيد وهو المحجة البيضاء
فبما رحمة من الله لانت ... صخرة من إبائهم صماء
ومن خير ما جاء في هذه الهمزية الجليلة قول البوصيري وهو يجادل النصارى وغيرهم من أصحاب الملل:
ما أتى بالعقيدتين كتاب ... واعتقاد لا نص فيه ادعاء (٢)
والدعاوى ما لم تقيموا عليها ... بينات أبناؤها أدعياء
ليت شعري ذكر الثلاثة والوا ... حد نقص في عدكم أم نماء
كيف وحدتم إلهًا نفى التو ... حيد عنه الآباء والأبناء
أإله مركب ما سمعنا ... بإله لذاته أجزاء
стр. 245
ألكل منهم نصيب من الملك، فهلا تميز الأنصباء
أتراهم لحاجة واضطرار ... خلطوهم وما بغى الخلطاء (١)
أهو الراكب الحمار فيا عجز إله يمسه الإعياء (٢) أم جميع على الحمار لقد جل حمار بجمعهم مشاء
أم سواهم هو الإله فما نسبة عيسي ليه والانتماء (٣)
أم أردتم بها الصفات فلم خصت ثلاث بوصفه وثناء (٤)
أم هو ابن الله ما شاركته ... في معاني النبوة الأنبياء (٥)
قتلته اليهود فيما زعمتم ... ولأمواتكم به أحياء
إن قولا أطلقتموه على الله، تعالى ذكرًا، لقول هراء
فهذا جدل قوي كما ترى، وفيه مشابه من جدل الحرث بن حلزة في المعلقة، وأرجح أن البوصيري نظر إلى ذلك في صناعته، ومما لا ريب فيه أن همزية البوصيري هذه من جليل النظم، وهي تفصح بحجة الإسلام، كما تفصح قصيدة دانتي بحجة المسيحيا (٦).
وقد أعجب المتصوفة وغيرهم من الصالحين بهذه القصيدة حتى جعلوها من
стр. 246
ضمن الأوراد وأكثر الشعراء المداح من مجاراتها حتى نظم الشيخ يوسف النبهاني من المتأخرين، قصيدة طويلة بلغ بها ألف بيت على هذا الروي.
ولو قد وقف أمر الهمزيات عند هذا الحد لكان للناقد عن الإفاضة فيه مندوحة ومستماز إذ قل من المداح من أجاد إجادة البوصيري أو كاد يدنو من غباره. ولكن أبي شيطان الشعر الجموح إلا أن يغوي أحمد شوقيًا فيركبه مركب الحرث وابن قيس الرقيات بعد أن صار كودنا. وقد كان لشوقي من عظيم الثقة بنفسه ما اغراه بأنه عسى أن يعيد إلى همزيات الخفيف رونقها القديم - فاصطنع أسلوب البوصيري في التطويل والتفصيل، ونهج نهج الحرث في الفخر، والعنجهية القبلية. والجدل الذي لا يراد به رفع راية الإسلام، وإنما تمجيد الفراعنة ومدح بناة الأهرام والإشادة بالوطنية المصرية القديمة، فقال كلمته الطويلة المعروفة (١):
همت الفلك واحتواها الماء ... وحداها بمن تقل الرجاء
وقد كان شوقي ﵀ مولعًا بالتاريخ، حريصًا على نظمه. وقد كان غاب عنه أن أوميروس وأضرابه من قدماء الملحميين لم يكونوا علماء، وإنما كانوا رواة أخبار وخرافات وذوي إنشاد وتغن، فحسب أن ما أوتيه هو من مقدرة في النظم مع معرفة بالتاريخ وتأثر بتفصيله وإجماله، يكفي لإبراز ملحمة عظيمة كتلك الملحميات الأول- وهذا ما لا يكون ولا يمكن أن يكون، لأن من أهم العناصر اللازمة للملحمة، العقيدة الدينية القوية، ومهما يبلغ إيمان شوقي بوطنه وتعصبه لتاريخه، فإنه ما كان ليبلغ عمق اعتقاد أوميروس في خرافاته وآلهته، كلا ولا عمق اعتقاد دانتي في نصرانيته أو ملتون في بيورتانيته - أقول هذا على تقدير التسليم بأن شوقيًا لم يكن له من دين إلا حب مصر والتعصب لها، مع أن الحقيقة التي لا يمكن دفعها أنه كان
стр. 247
مسلمًا صادق العقيدة، وأن غرامه بمصر كان طرفًا من غرام أبرع وأوسع هو غرامه بلغة العرب ومدنيتهم وبالإسلام كما تجلى في أيام الرشيد وهشام. وكما كان يوده أن يتجلى في دولة بني عثمان.
والقاريء لهذه الهمزية الطويلة من شعر شوقي يؤسفه حقًا أن هذا الشاعر الفذ قد أفسد فنه بالأسلوب التأريخي التعليمي كما في قوله:
لا رعك التاريخ يا يوم قمبيز ولا ططنت بك الأنباء
وهذا فاتحة لدرس تأريخي بعده، وكقوله:
طلبة للعباد كانت لإسكندر في نيلها اليد البيضاء
وكقوله:
سجدت مصر في الزمان لإيزيس الندى من لها اليد البيضاء
وخاطب إيزيس بقوله:
لك آبيس والمجتب أوزيرس وابناه كلهم أولياء
مثلث للعيون ذاتك والتمثيل يدني من لا له إدناء
وادعاك اليونان من بعد مصر ... وتلاهم في حبك القدماء
فإذا قيل ما مفاخر مصر ... قيل منها إيزيسها الغراء
رحم الله شوقيًا ما كان أغناه عن هذا العناء، وهل عدا هنا أن نظم كلامًا كان وجهه أن يورد نثرًا، لا فنيًا، ولكن علميًا جافًا كنثر علماء الأنثروبولوجيا وتطور الأديان؟ وهل ترى، لو كانت إيزيس هذه قاعدة نحوية، وآبيس وأوزيريس متفرعات لها، أن شوقيًا كان يزيد على مثل قول ابن مالك:
مبتدأ زيد وعاذر خبر ... إن قلت زيد عاذر من اعتذر
стр. 248
وأول مبتدأ والثاني ... فاعل اغنى في: أسار ذان؟
وانظر إلى قوله "والتمثيل يدني من لاله إدناه" أليس أجدر بهذا القول قس لاهوتي ملكاني يناظر إمبراطور القسطنطينية "ليو"؟
وانظر إلى قوله:
هرمت دولة القياصر والدو ... لات كالناس داؤهن الفناء
ليس تغني عنها البلاد ولا مال الأقاليم إن أتاها النداء
نال روما ما نال من قبل آثينا وسيمته ثيبة العصماء
سنة الله في الممالك من قبل ومن بعد ما لنعمى بقاء
أشهد أن نفس شوقي في سردة لتأريخ هؤلاء القدماء، إغريقهم ورومانيهم وفرعونيهم بارد خال من العاطفة، مسيطرة عليه قبضة الفكر وعصا النظم وسوطه. ولقد كان ﵀ أصدق عاطفة وأحر نفسًا، حين نظم تأريخ الإسلام في بحر الرجز المزدوج (١) وهو من أضعف البحور. وأورد لك على سبيل المثال قوله هناك:
يا يوم صفين بمن قضاكا ... هل أنصف الجمعان إذ خاضاكا
فيك انتهى بالفتنة التراقي ... واصطدم الشام بالعراق
ونفدت بقية من صحب ... تلقت الطعن بصدر رحب
بنو القنا أبوة الأسنة ... أهل الكتاب نصراء السنة
وفت لهم بدر وهم أهله ... وخنتهم مشيخة أجله
ما كان ضر نصراء البيعة ... لو صبروا على الوغى سويعة
غادرهم بسحره معاوية ... كأنهم أعجاز نخل خاوية
ألقى القنا وشرع المصاحفا ... ينشد بالله الخميس الزاحفا
стр. 249
لا يرفع المصحف كالدفوف ... والسلم لا تذكر في الصفوف
انظر إليه هنا كيف حمي وتشيع، وفي الهمزية كيف برد وتعثر. وقد أتي شوقي من جهة عقله وثقافته وبيئته، فقد كان يحسب الإشادة بتأريخ مصر عن طريق النظم دينًا عليه واجبًا قضاؤه، وفرضًا لازمًا
أداؤه. وقد أعماه هذا الضلال والتمذهب الفكري عما في خويصة نفسه من حب مصر المسلمة حامية الإسلام. لا الوثنية بانية الأهرام، وهمزيته الطويلة هذه شاهد عدل على أن الشاعر إذا جرى على غير طبيعته زل وانكب، وما لقى ما أحب. إذ ليس فيها على طولها إلا رتابة تتبع رتابة، وقواف مفتعلة افتعالًا كأنما اقتنصها صاحبها من القاموس، وعنت شبيه بالعنت الذي في لا مية الأفعال، ولا تجد فيها مما يستحق الاستحسان إلا نتفا كقوله في أولها:
لجة عند لجة عند أخرى ... كهضاب ماجت بها البيداء
نازلات في سيرها صاعدات ... كالهوادي يهزهن الحداء (١)
رب إن شئت فالفضاء مضيق ... وإذا شيئت فالمضيق فضاء
فاجعل البحر عصمة وابعث الرحمة فيها الرياح والأنواء
أنت أنس لنا إذا بعد الأنس وأنت الحياء إذ لا حياء
يتولى البحار مهما ادلهمت ... منك في كل جانب لألاء
وإذا ما علت فذاك قيام ... وإذا ما رغت فذاك دعاء
فإذا راعها جلالك خرت ... هيبة فهي والبساط سواء (٢)
وهذا كأنما قاله وهو خائف من هيجان البحر وغطامطه المتلاطم، وكأنما لجأ إلى الله- كما لجأ البوصيري عند مرضه - ليستنقذه من دوار البحر وسقمه.
стр. 250
ومع هذا كله فليست هذه الأبيات من متقدم شعر شوقي. وليس في الهمزية بعدها ما يقرب منها في السلامة إلا مدح الرسول من قوله:
أشرق النور في العالم لما ... بشرتها بأحمد الأنباء
إلى قوله:
أيرى العجم من بني الظل والماء، عجيبًا أن تنجب البيداء
وهذا بيت جيد.
والقطعة التي مدح فيها الرسول جميعها تنظر إلى كلام البوصيري في همزيته، وكأنما قصد شوقي إلي مباراته عمدًا، وقد قصر عنه، وبيته الأول "أشرق النور الخ" كما ترى مستعار من قول البوصيري:
وتوالت بشرى الهواتف أن قد ... ولد المصطفى وحق الهناء
داليات الخفيف
تجاوزنا بائيات الخفيف وما بعد ذلك طلبًا للاختصار إذ هي كثير والحديث عنها يطول ومن أقدم ما جاء على الدال مجمهرة أبي زبيد التي قال فيها:
إن طول الحياة غير سعود ... وضلال تأميل طول الخلود
علل المرء بالرجاء ويضحى ... غرضًا للمنون نصب العود
كل يوم ترميه منها برشق ... فمصيب أوصاف غير بعيد (١)
كل ميت قد اغتفرت فلا أو ... جع من والد ولا مولود
غير أن الجلاح هد فؤادي ... يوم فارقته بأعلى الصعيد