قوله «أصاح ترى برقًا أريك وميضه في حبي مكلل» منه، هذا وصف صريح، وقوله منه «كلمع اليدين» تشبيه يجوز أن يكون فيه وصف ضمني لحركة اليدين المشار إليهما في قوله: «تصد وتبدي البيت» أو أيما يدين، ويجوز أن يكون من باب التوضيح لحركة البرق، فيكون بذلك أقرب إلى الوصف الصريح للبرق لا الوصف الضمني لحركة اليدين والأصابع.
وقول عدي بن الرقاع العاملي:
تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلمٌ أصاب من الدواة مدادها
فيه وصف صريح لروق الشادن حين برز كأنه بطرفه المحدد الصغير إبرة وكأنه حرف قلم أصاب سواد مداد. ثم هو بلا ريب وصف ضمني للقلم يوشك لقوة حيويته أن يكون صريحًا ويشعر بأن المقصود بالوصف هو القلم لا قرن الظبية.
وقول ذي الرمة:
كأن عمود الفجر جيدٌ ولبةٌ ... وراء الدجى من حرة اللون حاسر
هل هو صريح في نعت طلوع الفجر أو ضمني كصريح في نعت امرأة حسناء سافرة، جميلة واضحة الوجه، بادية خصل شعرها من الخمار الحاسر؟ هذه الصورة الرائعة شديدة الشبه برسم جيوكندا الذي لليوناردودا فنشي (١) ولو كان سبق زمان غيلان ما شككنا أن غيلان منه أخذ، كما قدمنا ذكره من تأثر القدماء في تصويرهم بمرأى ما رأوا من التماثيل وقد ذكروا ذلك في أشعارهم كقول امرئ القيس:
كأن دمى سقفٍ على ظهر مرمرٍ .... كسا مزبد الساجوم وشيًّا مصورا
стр. 1962
وقول عمر
دميةٌ عند راهب ذي اجتهاد ... صوروها بجانب المحراب
ولكن غيلان قد سبق ليوناردو، فينبغي أن يكون هذا قد أخذ فكرة رسمه منه. وقد يذكر أن ليوناردو سافر إلى بلد المسلمين وكان يعرف العربية، فتأمل وقول ذي الرمة:
ورملٍ كأوراك العذارى لبسته ... وقد لبسته المدجنات الحنادس
نعت للرمل صريح وللأوراك ضمني كصريح -وهذا الضرب المتداخل من النعت من طريق التشبيه والاستعارة كثير عند ذي الرمة- وتأمل قوله:
براقة الجيد واللبات واضحة ... كأنها ظبيةٌ أفضى بها لبب
اللبب ما استرق وامتد من الرمل.
بين النهار وبين الليل من عقدٍ ... على جوانبه الأسباط والهدب
ههنا صورة الظبية وقد امتد جيدها وهي خارجة من معظم الكثيب إلى مسترقه والوقت أصيل قد ألقى أضواءه على أمواج الرمال، وعلى أغصان الشجر وعلى متني الظبية. نعت المرأة كأنه وسيلة إلى هذا النعت المضمن في المشبه به. على أن صورة جيد المرأة ولباتها بعد مشرقة واضحة.
والوصف الضمني المذهل، أكثر ما يقع في الصور المنتزعة من التجارب المألوفة كالذي مر من مقال ابن الرقاع وكقول امرئ القيس:
كأن ذرا رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغثاء فلكة مغزل
وقوله:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
стр. 1963
وقوله:
مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
فالمشبه به في جميع هذا موصوف كما المشبه موصوف.
شبه القدماء ذا الرمة في التشبيه بامرئ القيس. والتأمل والأناة ونوعٌ من صناعة، أغلب على طريقة غيلان، ثم له ولعٌ بربط صور جمال النساء بصور جمال الطبيعة ويبث في ذلك أنفاسًا من حرارة صبابته. ومن الوصف الصريح الذي لا يخرج به التشبيه إلى وصف ضمني قول النابغة:
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآئب
فوصف الليل هنا صريح لا تلابسه صفة ضمنية لقطيع من الماشية غاب راعيه وإنما جيء بهذا توسعًا في الكلام.
وقوله:
وحلت بيوتي في يفاع ممنع ... تخال به راعي الحمولة طائرا
حذارًا على ألا تنال مقادتي ... ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا
فتشبيه راعي الحمولة بالطائر لا يدخل على النعت الصريح استطرادًا أو إضافة بنعت ضمني للطائر. البيوت التي في أعلى اليفاع واضحة الصورة وكذلك الراعي الذي لبعده دق فصار كأنه طائر.
وقال ذو الرمة:
أقامت به حتى ذوي العود في الثرى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر
فههنا نعت صريح للفجر. وصورة الملاءة توضيح لهذا النعت.
стр. 1964
وقال زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله
فههنا صورة مرحة للأفراس والرواحل، وإن كان المراد صفة الشباب، واستعارة هذه المعاني الدالة على الحيوية له.
وقال الهذلي يصف اقتراب السحاب:
كأن تواليه بالملا ... سفائن أعجم ما يحن ريفا
فههنا نعت للسفائن وهي المشبه به.
وكثيرًا ما يدل التشبيه على انطباعه وملاحظة يلاحظها الشاعر، فيكون بذلك معرضًا للتجارب ولوصف أحوال البيئة والمجتمع- كقول امرئ القيس: «نزول اليماني ذي العياب المحمل» فدل على مشهد التاجر اليمني المتنقل في ذلك الزمان وكقول لبيد:
كعقر الهاجري إذا ابتناه ... بأشباهٍ حذين على مثال
فدلنا على أن أهل هجر كانوا يعرفون عمارة المباني وعمل اللبن بقوالب يحذون اللبنات عليها، وقال:
جنوح الهالكي على يديه ... مكبًّا يجتلي نقب النصال
فدلنا على أن صناعة السيوف والنصال كانت معروفة. والهالكي الحداد.
وقال الآخر:
إني وقتلى سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر
فهذا كان من عاداتهم وزعم ابن أبي الحديد ينسبه إلى بعض الأذكياء أن العرب
стр. 1965
أخذوا هذا من تعظيم أهل الهند للبقر فتأمل ونحو منه قول النابغة:
لكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوى غيره وهو راتع
وكقوله:
فبت كأني ساورتني ضئيلةٌ ... من الرقش في أنيابها السم ناقع
يسهد بالليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
السليم هو من لدغته الحية، كأنهم يتفاءلون له بالنجاة. وكانوا لا يدعونه ينام يخافون أن يسري السم فيه، فيعلقون عليه حلي النساء ويقعقعون ذلك.
ويبدو لي أن بين الحية والذهب ضربًا من علاقة سحرية. ووصف النابغة للحية الضئيلة الرقشاء السامة مبين دقيق.
وقد جعل قدامة التشبيه من أغراض الشعر. ولا ريب أن الوصف من أغراض الشعر الكبرى، وصلة التشبيه به واضحة.
الوصف المعمود إليه بدءًا:
ونعني بقولنا بدءًا أن الشاعر غرضه الوصف منذ بداية قوله فيه، نجعل ذلك في مقابلة ما يكون البدء فيه بغير ما أخذ الشاعر فيه من ألوان الوصف.
قول امرئ القيس:
وقد اغتدى والطير في وكناتها ... بمنجردٍ قيد الأوابد هيكل
وقول طرفة:
وإني لأمضي الهم عند احتضاره ... بعوجاء مرقال تروح وتغتدي
стр. 1966
وقول أوس أو عبيد:
إني أرقت ولم تأرق معي صاح ... لمستكف بعيد النوم لماح
قد نمت عني وبات البرق يسهرني ... كما استضاء يهودي بمصباح
تهدي الجنوب بأولاه وناء به ... إعجاز مزنٍ يسوق الماء دلاح
كأن ريقه لما علا شطبا ... أقراب أبلق ينفي الخيل رماح
ههنا التفاتة إلى وصف هذا الحصان الأبلق الأرن.
كأن فيه عشارًا جلةً شرقًا ... عوذًا مطافيل قد همت بإرشاح
وههنا نعت للإبل -جعل البرق كألوان الخيل وجعل الرعد كأصوات الإبل وإرزامها.
دانٍ مسفٌّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح
ههنا مبالغة في الأداء من غير مبالغة في نفس الوصف لأن «يكاد» ههنا تدل على بعده إذ فيها معنى النفي.
فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواح
وأصبح الروض والقيعان ممرعة ... ما بين منفتق منه ومنصاح
وكثير من أوصاف الإبل والخيل وحيوان الدور والوحش والسباع منحو بها هذا النحو.
وقد مر حديثنا عن أوصاف الحسان بما يغني عن إعادته ههنا. وكثير من الأوصاف منحو به المنحى الآخر-وهو الاستطراد، ولعل هذا الضرب أكثر.
فمما يستطرد به الشاعر نعت النواضح والسانية والبساتين في معرض ذكر البكاء ومن أمثلة ذلك أبيات علقمة:
стр. 1967
فالعين مني كأن غربٌ تحط به ... دهماء حاركها بالقتب محزوم
تسقى مذانب قد زالت عصيفتها ... حدورها من أتى الماء مطموم
وأبيات زهير القافية وقد وصف فيها الناقة وأداة السانية والنخل وشربات الماء والفلاح صاحب السانية الذي يحيل في الجدول وهو يتغنى والسائق الذي يحث الناقة:
وخلفها سائق يحدو إذا خشيت ... منه اللحاق تمد الصلب والعنقا
وقابلٌ يتغنى كلما قدرت ... على العراقي يداه قائمًا دفقا
يحيل في جدول تحبو ضفادعه ... حبو الجواري ترى في مائه نطقا
يخرجن من شرباتٍ ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغم والغرقا
وقد أخذ بعضهم على زهير قوله «يخفن الغم والغرقا» بحجة أن الضفادع لا تغرق. وما أرى إلا أن زهيرًا قد انتقل من صفة السانية والناقة التي يستقي عليها والبستان إلى صفة بكائه هو حيث قال:
كأن عيني في غربي مقتلةٍ ... من النواضح تسقي جنةً سحقا
فالغرق ما أغرق إنسان عينه من الدمع- قال ذو الرمة وهو من شراح الشعر وعلمائه ومحسنيه:
وإنسان عيني يحسر الماء تارةً ... فيبدو وتارات يجم فيغرق
وقد حاكى غرق ضفادع زهير في نعته عينًا من الماء مطحلبة من بائيته وذلك حيث قال:
قغلست وعمود الفجر منصدعٌ ... عنها وسائره بالليل محتجب
عينا مطحلبة الأرجاء طاميةً ... فيها الضفادع الحيتان تصطخب
стр. 1968
فأخذوا عليه أن الحيتان لا تصطخب. ولغيلان في هذا البيت مخارج أقواها أن العين مصطخبة بنقيق الضفادع وحركة تضارب أعالي الماء وفيها الحيتان والضفادع أو الضفادع هي المصطخبة والفعل عائد عليها لا على الحيتان أو بعض الحيتان تثب ثم تعود إلى جوف الماء فهذا اصطخابها. ومما يرجح الوجه الأول عندي سياق الكلام وطريقة غيلان في اختيار الألفاظ المتشابهة الدلالة وجرس الحروف- عينًا مطحلبة طامية تصطخب فيها الضفادع والحيتان.
ولعلك ألا تباعد إن حسبت أن ابن الرومي نظر من طرفٍ خفي إلى قول زهير «ترى في مائه نطقا» في أبياته التي باهى بها، حيث قال: «في صفحة الماء يرمي فيه الحجر» فهذا بعينه قول زهير: «ترى في مائه نطقا» بضم النون والطاء ونطق الماء طرائقه ودوائره. وقد يستطرد بوصف الروضة والحديقة في نعت الظعائن- من ذلك ابتسامة سمية التي نعتها الحادرة:
وإذا تنازعك الحديث رأيتها ... حسنًا تبسمها لذيذ المكرع
بغريض سارية أدرته الصبا ... من ماء أسجر طيب المستنقع
ظلم البطاح له انهلال حريصةٍ ... فصفا النطاف له بعيد المقلع
فقد وصف ههنا انهمال المطر وصفاء الغدران- ثم خلص من ذلك إلى نعت المنظر الطبيعي كله.
لعب السيول به فأصبح ماؤه ... غللًا تقطع في أصول الخروع
أي في أصول ما لان ونعم من جديد النبات. وليس المراد هذا الخروع الذي يستخرج منه زيت الخروع أو ضربًا معينًا من النبات اسمه الخروع.
وقال عنترة:
وكأن فارة تاجرٍ بقسيمةٍ ... سبقت عوارضها إليك من الفم
стр. 1969
فهذا طيب فمها ثم استطرد إلى صفة الروضة.
أو روضةً أنفًا تضمن نبتها ... غيثٌ قليل الدمن ليس بمعلم
أي لا دمن في طينه بسبب تعاقب الناس وأنعامهم عليه إذ روضته أنف لم يرعها أحد.
جادت عليها كل بكرٍ حرةٍ ... فتركن كل قرارةٍ كالدرهم
هذا تشبيه جيد. وإليه نظر أبو الطيب في قوله «دنانيرًا تفر من البنان».
سحًّا وتسكابًا فكل عشيةٍ ... يجري عليها الماء لم يتصرم
وخلا الذباب بها فليس ببارحٍ ... غردًا كفعل الشارب المترنم
هزجًا يحك ذراعه بذراعه قدح المكب على الزناد الأجذم
وهل رأى عنترة أجذم مكبًّا على الزناد يفعل هكذا؟ أغلب الظن أن هذه صورة خيالية توهمها الشاعر توهمًا- المكب على الزناد الأجذم هو هذا الذباب المترنم نفسه. وهو أيضًا الشارب المترنم يدلك على ذلك أن الشاعر يشبه فعله كله بفعل الشارب ذو النشوة، نشوته من ن الروضة الأنف وعطرها وخصبها ودراهم غدرانها. ما أحذق عنترة حيث وصف الشراب فقال:
ولقد شربت من المدامة بعدما ... ركد الهواجر بالمشوف المعلم
والمشوف المعلم هو دينار الذهب.
بزجاجة صفراء ذات أسرة ... قرنت بأزهر في الشمال مفدم
فالدرهم المشبهة به قرارة الماء الصافي له صورة ومعنى مقابلان له في الدينار المنقوش المجلو. والشارب المنتشي ذو الشمائل الكريمة يقابله الذباب الهزج المنتشي القادح لزناد من السرور وهو أجذم لقصر ذراعيه كما ترى. الصورة مخترعةٌ
стр. 1970
اختراعًا، ولذلك زعم الجاحظ أن هذا من التشبيهات العقم وأن الشعراء لا يستطيعون أن يسرقوه- ذكر ذلك في الحيوان.
وشعراء هذيل يذكرون العسل ويصفون اشتياره وإلى ذلك أشار المعري في الدرعيات حيث قال:
ماذيةٌ هم بها عاسلٌ ... من القنا لا عاسلٌ من هذيل
وألغز ههنا بذكر الماذية يعني الدرع والعاسل أي الرمح لأنه يعسل أي يهتز والماذي هو العسل الأبيض، أجود العسل، وإياه عني ساعدة بن جؤية الهذلي في بائيته التي ذكر فيها العاسل من القنا كما ذكر العاسل من هذيل ولعل أبا العلاء لم يخل في بيته المتقدم من إشارة إلى هذا المعنى. وبيت ساعدة بن جؤية الذي يذكر فيه العاسل من القنا هو الشاهد النحوي المعروف:
لدنٌ بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب
وقد ذكر هنا عاسلًا ثالثًا كما ترى وهو الثعلب. ونعته للعسل وعاسله حيث يقول:
ومنصبٌ كالأقحوان منطقٌ ... بالظلم مصلوت العوارض أشنب
يعني فمها وأسنانها:
كسلافة العنب العصير مزاجه ... عودٌ وكافورٌ ومسكٌ أصهب
خصرٌ كأن رضابه إذ ذقته ... بعد الهدوء وقد تعالى الكوكب
أرى الجوارس في ذؤابة مشرفٍ ... فيه النسور كما تحبي الموكب
أرى الجوارس أي عسل النحل الذي جرسته، وقوله كما تحبي الموكب في صفة النسور كقول النابغة:
стр. 1971
تراهن خلف القوم خزرًا عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب
تراهن أي عصائب الطير الجوارح.
ثم أخذ ساعدة في صفة العسل الماذي الصافي الصريح:
من كل معنقٍ وكل عطافةٍ ... مما يصدقها ثوابٌ يزعب
منها جوارس للسراة وتأتري ... كربات أمسلةٍ إذا تتصوب
فتكشفت عن ذي متونٍ نيرٍ ... كالريط لاهفٌ ولا هو مخرب
الجوارس كما مر النحل وجرسها أكلها لتعمل العسل. تأتري تعمل الأري أي العسل وذلك بقصدها الكربات وهي الأماكن الغليظة من حيث كانت مسايل الماء. المعنقة أي الصخرة المادة عنقها. العطافة، الصخرة المنعطفة. ثوابٌ، أي شيء يثوب عني الماء الذي يزعب أي يتدافع سائلًا مما يصدقها أي نصب على مصداق هيئتها من الماء. فكشفت عن مكان خلايا العسل، لا هو هفٌّ بكسر الهاء أي خالٍ مكانه ولا مخرب أي متروك خراب اسم مفعول من أخرب يخرب:
وكأن ما جرست على أعضادها ... حين استقل بها الشرائع محلب
وهكذا هيئة العسل الأبيض في الخلايا والشرائع الطرائق في الجبل.
حتى أشب لها وطال إيابها ... ذو رجلةٍ شثن البراثن جخنب
أي قصير قليل هذا هو العاسل من هذيل وأحسبهم كانوا يجلبون العسل إلى مكة وإلى موسم الحج فذلك كان لهم مكسبًا:
معه سقاءٌ لا يفرط حمله ... صفن وأخراصٌ يلحن ومساب
الصفن بضم الصاد شيء كالسفرة لحمل الطعام والمسأب بكسر الميم السقاء
стр. 1972
الضخم كمنبر وزنا. ثم وصف كيف صعد العاسل إلى حيث كانت الخلية في ذؤابة الجبل التي عليها النسور:
صب اللهيف لها السبوب بطغية ... تنبي العقاب كما يلط المجنب
وكأنه حين استقل بريدها ... من دوم وقبتها لقًا بتذبذب
إذ قد صعد بحبال وهي السبوب إلى حيث مكان الخلية وهو الطغية أي الشمراخ من الجبل والمجنب الدرقة:
فقضى مشارته وحط كأنه ... خلق لم ينشب بها يتسبب
فأزال ناصحها بأبيض مفرطٍ ... من ماء ألهابٍ عليه التألب
ألهاب جمع لهب بكسر اللام وسكون الهاء. الناصح العسل الخالص. التألب ضرب من الشجر ثم جعل مزاجًا لذلك صهباء من الخمر. يتسبب يصعد بالحبال وهي الأسباب.
ولعلك أيها القارئ الكريم فطنت إلى أن العسل ههنا هو الأصل، والخمر والماء كل ذلك مزاج، وعند الشعراء عادة أن الخمر هي الأصل والماء والعسل والثلج كل ذلك مزاج.
وأوصاف الخمر كما تذكر بمعرض صفة ثغور الحسان تذكر أيضًا في نهايات القصائد على وجه الفخر أو التأمل والاعتبار بتذكر الماضي. فعل ذلك لبيد في المعلقة حيث قال:
بادرت حاجتها الدجاج بسحرةٍ ... لأعل منها حين هب نيامها
الأبيات. وفعل ذلك علقمة في أخريات الميمية عند قوله:
قد أشهد الشرب فيهم مزهر رنمٌ ... والقوم تصرعهم صهباء خرطوم
стр. 1973
قد يرد ذكر الخمر في مقدمات القصائد وهو ما صنعه عمرو بن مكتوم في معلقته.
وأكثر الاستطراد بالوصف أداته التشبيه الطويل- وقد يطول حتى يحتاج الشاعر إلى تكرار أداة التشبيه أو إلى ضرب من ذلك، مثلًا قول ساعدة بن جؤية بعد الذي سبق من قوله: «كأن رضابه ... أرى الجوارس ... البيتان».
فكأن فاها حين صفي طعمه ... والله أو أشهى إلي وأطيب
وكقول لبيد:
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أردية السراب إكامها
أقضى اللبانة ... إلخ.
ولا يخفى أن تكرار أداة التشبيه أو تكرار التشبيه بعد الوصف، إن هو إلا حيلة للإشعار بنهايته وللانصراف عن الاستطراد إلى عمود مسير القصيدة أو إلى استطراد آخر. وقد مرت بك أيها القارئ الكريم في الجزء الأول من كتابنا هذا أبيات المسيب بن علس التي وصف فيها اللؤلؤة وغواصها ثم قال:
فبتلك شبه المالكية إذ ... خرجت ببهجتها من الخدر
ولا يخفى أن هذه خاتمة خطابية النغمة، لولا أن الوصف قبلها جيد متخير لكانت جوفاء.
ومن جياد التشبيهات الطويلة وصف القوس في زائية الشماخ وقد استطرد به عن استطراد، إذا كان بمعرض وصف الحمر الوحشية ثم قال:
وحلأها دون الشريعة عامرٌ ... أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواحز
قالوا ولعامر هذا صحبةٌ ﵁ وكان راميًّا، ذكره السمعاني في
стр. 1974
الأنساب وله خبر متصل بأخبار ردة طليحة ورووا له حديثًا. وما أشبه أن يكون الشماخ عني بإيراد اسم عامر مجرد الدلالة على رامٍ من حذاق الرماة- كما قال امرؤ القيس:
تصد وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرةٍ من وحش وجرة مطفل
فذكر وجرة هنا يدل على مكن الظبية في أنها ظبية وفي أنها وحشية لا على استبعاد سوى ظباء وجرة من الظباء.
ثم أخذ يصف القوس من حين نمت:
تخيرها القواس من فرع ضالةٍ ... لها شذبٌ من دونه وحزائز
نمت في مكان كنها فاستوت به ... وما دونها من غيلها متلاحز
فأنحى عليها ذات حد غرابها ... عدو لأطراف العضاه معارز
يعني الفأس وغراب الفأس حدها.
فما زال ينجو كل رطبٍ ويابس ... وينغل حتى نالها وهو بارز
ثم بعد انغلاله وقطعه الغصن وصف تعتيقه للقوس:
فمظعها عامين ماء لحائها ... وينظر فيها أيها هو غامز
أي ترك عليها لحاءها لتشرب ماءها ولم يفتأ ينظر إليها من حين إلى حين ويتعهدها بالإصلاح والعناية، حتى إذا صارت قوسًا ورمى بها ورضي عنها وافى الموسم ليتكسب ببيعها وعزيز عليه لما كان من عنايته بها أن يفارقها:
فلما شراها فاضت العين عبرةً ... وفي الصدر حزاز من الوجد حامز
هذا، على أنه ليس بتشبيه مشعرٌ بالنهاية وفيه النفس الخطابي.
стр. 1975
وقد تناول الأستاذ العلامة محمود محمد شاكر هذه الزائية بالتعليق والتحليل في سفره الفذ النفيس «القوس العذراء» - جمع في طريقة نظمه بين عناصر الحوار الحي والقصص والتأمل والتحليل، كل ذلك في سلاسة رائعة ورنة. إيقاع متدفق فنحيل القارئ الكريم إليه إن شاء الله.
هذا وإنما يستطرد الشعراء إلى الوصف بالتشبيه الطويل لأن الوصف من أغراض الشعر أمر مقصود لذاته. يراد به الإمتاع ويراد به إظهار القوة على سحر البيان، وذلك مما تسمو به منزلة صاحبه؛ لأن القوة على سحر البيان تنبئ عن سر من أسرار الروح كمينٍ في صاحبها يرتفع به فوق المألوف من سائر ما عليه منازل الناس.
وقال أبو الطيب المتنبي:
أمط عنك تشبيهي بما وكأنه ... فما أحدٌ فوقي وما أحدٌ مثلي
وكأن الكاف وما أشبهها من أدوات التشبيه معروفة. وقل ما تذكر «ما» في أدوات التشبيه. وهي بلا ريب من أدوات التشبيه الطويل نحو قول الأعشى:
وما مزبدٌ من خليج الفرا ... ت جونٌ غواربه تلتطم
الأبيات إلى قوله:
بأجود منه بما عنده ... إذا ما سماؤهم لم تغم
وقول النابغة:
وما الفرات إذا جاشت غواربه ... ترمي أواذيه العبرين بالزبد
إلى قوله:
يومًا بأجود منه سيب نافلة ... ولا يحول عطاء اليوم دون غد
стр. 1976
وقول الخنساء:
وما عجولٌ على بوٍ تطيف به ... لها حنينان إعلان وإسرار
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبالٌ وإدبار
يومًا بأوجع مني يوم فارقني ... صخر وللدهر إحلاء وإمرار
وقد كان أبو الطيب ﵀ بأسرار الشعر عليمًا.
وقل شيء مما عرفته العرب أو توهمته لم تصفه. يدلك على ذلك ما استشهد به أبو عثمان في كتاب الحيوان، هذا على سبيل التمثيل، وصف حيوانهم كباره وصغاره أنعامه ودوابه وسباعه. ويوشك أبو زبيد الطائي أن يكون قد نظم ديوانًا في نعت الأسد كقوله:
فباتوا يدلجون وبات يسري ... بصير بالدجى هادٍ هموس (١)
على أن العتاق من المطايا ... أحسن به فهن إليهن شوس
فلما أن رآهم قد تدانوا ... أتاهم وسط رحلهم يميس
فثار الزاجرون فزاد منهم ... تقرابا وصادفه جبيس
فخر السيف واختلجت يداه ... وكان بنفسه فديت نفوس
ومن التشبيه الطويل في هذا الباب قول كعب بن زهير:
فلهو أخوف عندي إذ أكلمه ... وقيل إنك منسوب ومسئول
من ضيغمٍ بضراء الأرض مسكنه ... ببطن عثر غيلٌ دونه غيل
يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما ... لحمٌ من القوم معقورٌ خراديل
منه تظل سباع الجو خائفةً ... ولا تمشي بواديه الأراجيل
ولا يزال بواديه أخو ثقة ... مضرج البز والدرسان مأكول
стр. 1977
واستيعاب أمثلة من جميع أصناف الوصف المستطرد إليه بالتشبيه الطويل ونحوه أو المعمود إليه بذاته لا يستطاع في هذا الموضع من كتابنا غير أننا سنورد إن شاء الله أمثلة مما نأمل أن تتم به الفائدة.
هذا وصفات الخيل والإبل أبواب قائمات بذاتها. وما شيء من أطوار نماء هذين الصنفين الكريمين إلا قد ذكرته العرب ولهن أنساب معروفات وللعلماء فيهن كتب، فأغنى ذلك عن أن يطول منا حديث فيهما ههنا. وكما كان العرب يحسنون تربية الإبل كذلك كانوا يحسنون تربية الخيل. وجياد خيل العالم الآن أصولهن عربية. وبعض جياد خيل العرب أصولهن من خيل الجن فيما زعموا. وقال سلامة بن جندل من شعراء المفضليات.
والعاديات أسابي الدماء بها ... كأن أعناقها أنصاب ترحيب
احتج ليال فرد بهذا البيت على زعم من زعم أن سلامة كان نصرانيًّا. وأحسبه أصاب إذ يستبعد أن يظهر نصراني روح إعجاب بعمل مشركي العرب، إذ في أصل النصرانية كثير من معادن كبرياء الروم. وما ذكر الأخطل الحج في شعره إلا نفاقًا أو عزم عليه عبد الملك أن ذكر ذلك.
من كل حتٍ إذا ما ابتل ملبده ... صافي الأديم أسيل الخد يعبوب
حت: سريع، يعبوب أي طويل حسن.
ليس بأسفى ولا أقنى ولا سغلٍ ... يعطى دواء قفي السكن مربوب
أسفى قليل شعر الناصية وهو عيب في الخيل ممدوح في البغال لحمارية أصلها، أقنى أي في أنفه أحديداب وهو عيب في الخيل. سغل بفتح فكسر أي مضطرب الأعضاء هكذا ذكر ابن الأنباري ولعله للكلمة معنى محدد معين نسيه الناس أو جهلوه
стр. 1978
فجاء هذا التعميم الغامض من الشراح. الدواء الذي يطعمه الفرس على وجه التربية كأنه دواء له في أحوال إعداده وتضميره. السكن بسكون الكاف الحي من الناس والقفى بوزن فعيل هو الذي يؤثر أي هذا الفرس هو محبوب الحي المقدم على كل أحد سواه فيعطي أجود طعام الحي من محض اللبن ورائبه قال عنترة:
كذب العتيق وماء شنٍ باردٍ ... إن كنت سائلتي غبوقًا فاذهبي
أي أنت أطعمك التمر العتيق والماء أما الغبوق فللفرس. تقول كذب كذا أي عليك بكذا في هذا الموضع.
في كل قائمة منه إذا اندفعت منه أساوٍ كفرغ الدلو أثعوب
أساوٍ وأسابٍ وأساهٍ كلها بمعنى الدفعات جمع دفعة بضم الدال. أثعوب أي سائل والمعنى كفرغ أثعوب والفرغ ما بين عراقي الدلو لأن الدلو وهو من الجلد فيه خشبتان معترضتان هما العرقوتان. والوجه الظاهر أن يقال «الأثعوب» أو ترفع «أثعوب» فيكون إقواء. هذا هو الظاهر ولكن الرواية بالخفض وعليها المعول وتأويل ذلك أي كفرع الدلو فرغ -بالخفض- أثوب أو دلو أثعوب إذ المراد التنكير لا التعريف.
كأنه يرفئيٌّ نام عن غنمٍ ... مستنفرٍ في سواد الليل مذؤوب
وهذا تشبيه منتزع من ظروف الحياة فيه تسجيل انطباعه من تجارب ومستنفر لك فيه الرفع وترفع المذؤوب فيقع الإقواء وجاءت به الرواية والإقواء كان عندهم في الزمن الأول غير جد معيب على أن هذا البيت يروى على خفض المستنفر والمذوب وعليه فلا إقواء.
يرقى الدسيع إلى هادٍ له بتعٍ ... في جؤجؤٍ كمداك الطيب مخضوب
وهذا كقول امرئ القيس: «مداك عروس أو صلابة حنظل».
стр. 1979
الدسيع مغرز العنق في الكاهل والهادي هو العنق وبتع بفتح الكسر أي طويل وهو ممدوح في الخيل والعراب الجياد إذا وردت الماء لم تثن حوافرها لطول أعناقها.
تظاهر الني فيه فهو محتفلٌ ... يعطى أساهي من جري وتقريب
الني بفتح النون الشحم وتظاهره فيه قبل أن يراض للجري والضمر فإذا تم له ذلك:
يحاضر الجون مخضرًا جحافلها ... ويسبق الألف عفوًّا غير مضروب
أي يحاضر حمر الوحش التي قد رتعت واخضرت جحافلها أي أفواهها وهن من أقوى الحيوان على السير وقوله غير مضروب معنى أفاده من قصة أم جندب إذ فضلت علقمة على امرئ القيس حيث قال في فرسه: «فأدركهن ثانيًّا من عنانه» ولم يضربه وضرب امرؤ القيس فرسه. وبائية امرئ القيس من جيد الشعر إلا أن حكم أم جندب صدقت فيه إذ كانت المباراة في نعت الفرس (١). وقد ذكر الرواة أنها قالت له إنك سريع الإراقة بطيء الإفاقة وزعموا أن امرأ القيس كان مفركًا من النساء وكأنهم بذلك يجنحون إلى قبول اتهامه لها أنها صبت إلى علقمة. ومن شاء اعتذر لها، إن صحت الرواية بقولها ما قالته، بأنها أجابته لما اتهمها. وكان من عادة العرب إذا سب أحدهم بشيء لم ينفه ولكن تجاوزه إلى مهاجمة من سبه بحجة قوية يقيمها على تظاهره بقبول ما لم ينفه. وكانوا أكثر ما يصنعون هذا في باب الأنساب. إذا سب امرؤ فنسب إلى قوم، أثبت النسب الذي ادعى له وافتخر به على وجه لا يخلو من سخرية. وسنذكر أمثلة من ذلك إن شاء الله في موضعه.
ووصف الإبل كثير وقل باب أو غرض من أغراض الشعر لا يجيء فيه على
стр. 1980
أنه مما يكون وسيلة إلى الأوصاف- إذ يشبهون المطية بالنعامة وبالبقرة الوحشية والثور الوحشية والحمار الوحشي. ووصف مظاهر البيئة والطبيعة قوي الصلة بذلك. على أن أكثر ما يصاحب صفة سير الإبل نعت الصحراء ليلها ونهارها. ويقع نعت الرياض والخضرة مع ذكر الأطلال والظعائن والدموع.
ووصف الإبل في غير السير أكثر ما يقصد به إلى معنى المال والمرعى والخصب كالذي في آخر ميمية علقمة. وكقول عنترة:
ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم
فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودًا كخافية الغراب الأسحم
فهذه إبل كانت في المرعى، راع عنترة أنه احتمل بها، فدله ذلك على ما صار حتمًا من فراق الأحباب.
وكوصف زهير الإبل الحمالة والديات حيث قال:
فكلا أراهم أصبحوا يعقلونه ... صحيحات مالٍ طالعات بمخرم
وكوصف حميد بن ثور وكان وصافًا للجلبانة بضم الجيم واللام وتشديد الباء المفتوحة أي المرأة الكثيرة الصخب، حيث قال يذكر الإبل:
إذا ما دعا أجياد جاءت خناجرٌ ... لها ميم لا يمشي إليهن قائد
ولنا إلى هذه الكلمة رجعة إن شاء الله تعالى.
وإنما سمي عبيد بن حصين راعي الإبل، لوصفه إياها. وبه فيما ذكروا اقتدى ذو الرمة.
وقد كان ذو الرمة وصافًا للطبيعة في نوع من روح اتحادٍ وجداني مع مختلف مظاهرها. وصف لبيد للطبيعة حيث قال:
فعلًا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها
стр. 1981
ووصف عبيد للمطر وأوصاف امرئ القيس- كل أولئك مع ما يحملنه من معاني الجمال وقوة البيان ودقة الملاحظة ورقة الإحساس ونبالته (مثلًا أبيات امرئ القيس في المطر والسيل) كل هؤلاء ملابسهن مع صدق النعت انفصام ملاحظة الشاعر عنه انفصامًا يجعله كالمشرف على ما يصفه من عل. أما ذو الرمة فكأنه يروم تفسير الطبيعة بنوعٍ من الإخبات لها واتصال الروحي مع أصنافها والذوبان فيها- ذوبانًا شبيهًا بمعاني التصوف ووحدة الوجود و «الوجدانية الرومنسية» (١).
عنترة في نعت روضته:
أو روضة أنفًا تضمن نبتها ... غيث قليل الدمن ليس بمعلم
يقارب هذا الاتحاد جدًّا ولا سيما عند قوله: «وخلا الذباب بها فليس ببارح» البيتين اللذين قدمهما الجاحظ كل التقديم. على أن عنترة مع هذا الذي قاربه من الاتحاد، ما زال مشرفًا إشرافًا على ما يصنعه- وهو مذهب القدماء الواضح الصريح.
تأمل مثلًا قول ذي الرمة يذكر خرقاءه:
تثني الخمار على عرنين أرنبةٍ ... شماء مارنها بالمسك مرثوم
ظاهر النعت ههنا أنه في حسناء من البدويات لها خمار وعلى أنفها نقطة طيب حمراء وباطنه متضمن لقول علقمة «كأن إبريقهم ظبي على شرف البيت» ونعته للأترجة التي بها نصخ العبير.
كأنها خالطت فاها إذا وسنت ... بعد الرقاد فما ضم الخياشيم
مهطولة من خزامى الخرج هيجها ... من صوب غادية لوثاء تهميم
الوصف ههنا كقول عنترة «وكأن فأرة تاجر بقسيمة» البيت وكقوله: «أو
стр. 1982
روضة أنفًا تضمن نبتها» البيت. ولكن ههنا توفرًا وتأملًا وانصرافًا إلى خزامى الخرج وهطول المطر عليها. وما ذكر الخرج -وهو من أخصب بلاد نجد- لمجرد التزكية، كظباء وجرة ونعاج توضح- ولكن للتحديد الذي يمهد للشاعر أن ينصرف إلى ما حدد موضعه ويتحد معه. ثم قد تأمل هذه الغادية ولو كان قد قال «هيجها من صوب غادية تهميم» لأفاد معنى جيدًا؛ لأن التهميم هو الرذاذ المتصل وذلك يكون أفوح لطيب أريح الخزامى. وما جاء باللوثاء لإكمال الوزن فغير اللوثاء يمكن أن يكمل به الوزن ويستقيم عليه المعنى كأن يقول بالخرج أو تسقيه أو ترويه أو يا صاح أو ما هو أفصح من هذا وأجزل. ولكنه جاء باللوثاء لتقريب صفة المزنة الغادية وإعطائنا حيوية مغداها الذي هو قد أحسه وانصرف إليه وأوشك بل قد اتحد معه. وجعلها لوثاء لمصاحبة الريح إياها. وجعل صوبها تهميمًا لأن المزن كذلك أكثر ما يكون مع الريح الشديدة.
أو نفحة من أعالي حنوةٍ معجت ... فيها الصبا موهنًا والروض مرهوم
حواء قرحاء أشراطيةٍ وكفت ... فيها الذهاب وحفتها البراعيم
ههنا كما ترى وقفة تأملية للحنوة - أي الريحان- مع ما سبق ذكره من الخزامى وتكرار الصفات في نعت الروضة- حواء- قرحاء- أشراطية- ثم تكرار نعت همول المطر عليها- غادية لوثاء- تهميم- ذهاب واكفة بكسر الذال أي دفعات من المطر- ثم هذه الألوان. الخزامى كأنها بلونها البنفسجي ثم الريحان وهو الحنوة ونص الشاعر على أنها حواء أي شديدة الخضرة- وقرحاء أي بعضها طال وأزهر فخالف بذلك استمرار لون الخضرة- ثم هذه البراعيم التي حفت الحنوة والروضة. ههنا، في هذه الوقفة المتأملة شعور حب يروم الشاعر أن ينقله إليك بقوة البيان لتشاركه فيه ويؤكده بإشعارك أنه فيه ذائب ومعه مندمج.
стр. 1983
ثم يجيء بيت نهاية الوصف:
تلك التي تيمت قلبي فصار لها ... من وده ظاهر بادٍ مكتوم
وكما الود ظاهره ومكتومه لخرقاء، هو كذلك أيضًا ظاهره ومكتومه لهذه الطبيعة الكاملة الحسن والتأنيث مثلها.
ومع الإشعار بالنهاية تكرار التشبيه. وتلك ونحوها من الإشارة ينبغي أن تعد من أدزات التشبيه الطويل وألا يقحم هذا على ما يسمى التشبيه البليغ- أي المحذوفة منه الأداة ووجه الشبه، وذلك لما سبق من ذكر أداة التشبيه.
وتأمل قوله في صفة خرقاء قبل هذا:
كأنها أم ساجي الطرف أخدرها ... مستودعٌ خمر الوعساء مرخوم
أم ساجي الطرف الظبية، أخدرها الخدر فخذلت قطيع الظباء لتعكف على ولدها.
تنفي الطوارف عنه دعصتا بقرٍ ... ويافعٌ من فراندادين ملموم
دعصتا بقر أي كثيبًا ذي بقر وهو موضع والدعص كثيب من الرمل صغير وفرندادين عني به موضعًا هو الفرنداد وما حوله بكسر الفاء والراء المهملة وسكون النون وهو وزن نادر وراجع شرح البيت في كتابنا عن قصائد ذي الرمة الأربع ص ١٤٩ من طبع الخرطوم سنة ١٣٧٧ هـ- (١٩٥٨ م).
كأنه بالضحى ترمي الصعيد به ... دبابةٌ في عظام الرأس خرطوم
ولم يكن لذي الرمة علم بصفة الخمر إلا من روايته الشعر وتذوقه معانيه وما يخلو أن يكون رأى امرأ سكران فأسبغ من صفته على تناوم ولد الظبية.
لا ينعش الطرف إلا ما تخونه ... داعٍٍ يناديه باسم الماء مبغوم
стр. 1984
باسم الماء أي بالصوت ماء ماء وهو صوت الظبية. واستعمال ذي الرمة لاسم في هذا الموضع نحو من استعمال لبيد حيث قال:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر
أي بالذي اسمه ماء وهو داء الظبية ولدها رحمة وشفقة أو ما يدل عليه هذا الاسم عند الظباء. والذي اسمه السلام عليكما وهو معنى الوداع في بيت لبيد. وقوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم أي بما يدل عليه اسم الله في هذا الموضع فليس الاسم بزائد وهذا ما ذهب إليه جرير في تفسيره خلافًا لي عبيدة غير أنه زعم في بيت لبيد أن السلام اسم الله وهذا يجوز من حيث معاصرة لبيد لأوائل الإسلام وتأثره بذلك، غير أنه ليس يخلو من بعد، والله أعلم.
كأنه دملجٌ من قضةٍ نبهٌ ... في ملعبٍ من عذارى الحي مفصوم
نبه بالتحريك أي منسي. وقد أخذ ذو الرمة في مذهب من التشبيه الطويل في داخل التشبيه الطويل الأول- وهو تشبيه الحسناء بالظبية ثم انصرف عن الظبية إلى ولدها كما ترى- ثم عاد إليها مرة أخرى ليجعلها كمزنة أي سحابة بيضاء بعد أن كانت ظبية. ولا يخفى ان هذا كله تأمل للطبيعة واعتبار للجمال والوجدان به كلا واحدًا سواءٌ تمثله في المحبوبة وفي الظبية وفي المزنة، وهلم جرا:
أو مزنةٌ فارقٌ يجلو غواربها ... تبوج البرق والظلماء علجوم
هنا صورة المزنة بها البرق يجلو بياضها ومواضع الدكنة منها ظاهرةً بتألقه فيها وافترار إشراقه عليها. وفي الصورة بعد نوعٌ من اتحاد بين الموصوفة المشبهة والمزنة المشبه بها وبين هذا الشاعر المرهف الوجدان المتأمل.
ويجيء بيت النهاية من بعد ما فيه من تكرار التشبيه باسم الإشارة:
تلك التي أشبهت خرقاء جلوتها ... يوم النقا بهجة منها وتطهيم
стр. 1985
والبهجة صفة البرق والتطهيم صفة هذا الجسم الجميل. فهذا زعمنا أن ذا الرمة يجمع بين حسن جمال النساء وجمال الطبيعة وحرارة شوق المحب ودقة ذوق الفنان ذي الإحساس المرهف.
هل ظلم أبو عمرو والنقاد القدماء ذا الرمة حيث أخروه عن الفحول وقالوا إن شعره كبعر الظباء له طيب رائحة أولًا ثم يعود إلى رائحة البعر وكنقط العروس بهيجة المنظر أول الأمر ثم تضمحل؟
أم ليت شعري هل أزري بذي الرمة شبابه وفرط تأمله وتلمظه لما يتذوقه من المعاني والألفاظ؟
على أن أبا عمرو بن العلاء قد أنصفه إذ جعله خاتم الشعراء على منهج الأوائل، أحسب هذا ذكره الجاحظ، وقد لقي تلاميذه.
ومما جاء به ذو الرمة في الميمية التي منها ما قدمناه من الأبيات، على مذهب عنترة قوله في الجنوب وذلك بمعرض ذكره السير والصحراء حيث قال:
والركب تعلو بهم صهب يمانيةٌ ... فيفًا عليه لذيل الريح نمنيم
فالتفت كما ترى من نعت الركب والصهب وهي مطاياهم إلى نعت الصحراء ورملها الذي عليه نسج الريح.
كأن أدمانها والشمس جانحةٌ ... ودعٌ بأرجائه فضٌّ ومنظوم
وهذا كقوله من قبل في ولد الظبية «كأنه دملج نبهٌ البيت» والتشبيه جميل على أن فيه نعت الودع نفسه الفض منه والمنظوم. وأصل هذا التشبيه قول امرئ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
стр. 1986
غير أن معنى التشبيهع ههنا أظهر وأقوى ومعنى الالتفاتة إلى الودع نفسه أقوى في كلام غيلان.
يضحى بها الأرقش الجون القرا غردًا ... كأنه زجل الأوتار مخطوم
الأرقش الجون القرا هو الجندب والقرا أي الظهر وجعله كالعود ذي الأوتار الزجل ثم جعل العود الزجل بيدي ضاري ثمل.
من الطنابير يزها صوته ثملٌ ... في لحنه عن لغات العرب تعجيم
معروريًّا رمض الرضراض يركضه ... والشمس حيرى لها بالجو تدويم
كأن رجليه رجلا مقطفٍ عجل ... إذا تجاوب من برديه ترنيم
ذو الرمة ههنا ينظر نظرًا شديدًا إلى ذباب عنترة والقادح المكب على الزناد الأجذم والغرد الذي يحك ذراعه بذراعه وبلغ من تأثر ذي الرمة بتشبيه عنترة انه جاء بصفات على وزن فعل بفتح وكسر مثل غرد وهزج اللذين جاء بهما عنترة -فههنا عند ذي الرمة غردًا- زجل- ثمل- عجل. وقوله «يضحى بها» صدر البيت هو قول عنترة «وغدا الذباب بها البيت» بعينه إذ الإضحاء غدو ولم يجد ذو الرمة مهربًا من «غرد» - وقد جمع ذو الرمة في عجز البيت «كأنه زجل الأوتار» وصدر الذي يليه «من الطنابير» معنى عنترة حيث قال «كفعل الشارب المترنم» فههنا فعل شارب مترنم، وقول ذي الرمة مخطوم يعني به «مشدود» من شد الطنبور بالعصب كما يخطم البعير أي يشد فمه. وقوله «عن لغات العرب إلخ» جرى فيه على مذهب حميد حيث قال في الحمامة:
فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربيًّا شاقه صوت أعجما
وقد قال المثقب العبدي:
وتسمع للذباب إذ تغنى ... كتغريد الحمام على الوكون
стр. 1987
فانظر إلى جانب تداعي المعاني- ذباب عنترة- ذباب المثقب وحمامه- حمام حميد ولحنه الأعجمي ثم تناول الشعراء لهذا المعنى من بعد. فمع أنه لم يجيء به عنترة، مرده إلى قوله وهو الذي حذا عليه غيلان. وقوله «معروريًا رمض الرضراض إلخ» من أبيات طرب الجرس اللفظي الذي لا يخفى. وقد نظر في قوله «والشمس حيرى إلخ» إلى قول علقمة.
وقد علوت قتود الرحل يسعفني ... يومٌ تجيء به الجوزاء مسموم
حامٍ كأن أوار النار شامله ... دون الثياب ورأس المرء معموم
وقد انصرف ذو الرمة من صفة صوت الجندب إلى تصوير الشعراء له وهو يركض الحصى. ثم عاد إلى التشبيه العنتري في قوله:
كأن رجليه رجلا مقطفٍ عجلٍ ... إذا تجارب من برديه ترنيم
فصورة الرلجلين ههنا صورة الذراعين في قول عنترة «يحك ذراعه بذراعه» والمقطف بضم الميم على صيغة اسم الفاعل من الرباعي هو صاحب الدابة البطيئة فهو يغمزها معملًا رجليه. وههنا أخذ ومحاكاة للمكب الأجذم الذي في أبيات عنترة. وقوله «إذا تجاوب من برديه» فيه محاكاة لقول عنترة «يحك ذراعه بذراعه» - عنترة ذكر ترنمه وحال حركة ذراعيه يحك ذراعًا بذراع وليس الصوت صادرًا عن هذا الحك. وغيلان نسب الصوت إلى الجناحين في حال حركة الرجلين كرجل صاحب الدابة القطوف وليس الصوت صادرًا منهما ولكن من الجناحين أو من الجوف الذي هما عليه يكسوانه.
وأحسب أن نحو هذا الأخذ مما نقص بقدر ذي الرمة عند النقاد. على أنه كان من مذهبًا أشبه بالإشارة والتمتع بتذوق شعر القدماء مع ما هو فيه من التأمل
стр. 1988
والوصف. وإلى هذا الجانب من عمل غيلان فطن أبو تمام وأبو العلاء وكأن إشارتهما إليه نوع من الاتباع لمذهبه، وذلك كما ذكرنا من قبل حيث قال الأول:
ما ربع مية معمورًا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب
وحيث قال ثانيهما:
وإني تيممت العراق لغير ما ... تيممه غيلان عند بلال
ومما يعجبني من شعر ذي الرمة وشعره كله معجب، قوله:
وتيهاء تودي بين أسقاطها الصبا ... عليها من الظلماء جل وخندق
أي صحراء تهلك ربح الصبا بين أطرافها عليها كساء من الظلماء ضاف. وقد جسد ذو الرمة التيهاء فجعل عليها كساء ككساء الفرس وهو الجل بضم الجيم وفتحها، لغتان، ثم جعلها كالحصن دونها من الظلماء خندق- وهي مكسوة كساء الفرس من أداة الحرب ومخندق عليها والخندق من أداة الحرب. ولا أشك أن استعارته الجل ليكسو به الصحراء من قول امرئ القيس «فقلت له لما تمطى بصلبه» حيث جعل الليل كالبعير ومن قوله «وليل كموج البحر أرخى سدوله البيت» حيث جعل لليل سدولًا وهي من نوع الثياب وجعله بحرًا. والأخذ الذي أخذه ذو الرمة خفي جدًّا. والصورة التي انتزعها من الفروسية والحرب بارعة.
غللت المهارى بينها كل ليلةٍ ... وبين الدجى حتى أراها تمزق
وهذه متابعة منه لصورة الكساء. فجعل سيره وسراه ليلًا في الصحراء التي عليها جلٌّ من الظلام وخندق كالانغلال بين سطح الصحراء وبين هذا الكساء الذي يكسوها حتى يتمزق الكساء بهذا الانغلال. وتمزق الكساء -وهو الدجى- معناه طلوع الفجر بعمود ضوئه وخطوط شفقه وحمرته التي كالدم.
стр. 1989
ولا شك أن أبا تمام نظر نظرًا شديدًا إلى هذا التجسيد المفتن في هذين البيتين حيث قال هو في مدح أبي دلف:
وقد علم الأفشين وهو الذي به ... يصان رداء الملك عن كل جاذب
بأنك لما اسحنكك الأمر واكتسى ... أهابي تسفي وجوه التجارب
لاحظ طريقه تتابع جناس السينات هنا كما يتابع الجناس عند ذي الرمة ثم جعل أهابي الأمر حين أظلم واسحنكك تسفي، أي ترمي بالتراب في وجوه التجارب، يكنى بهذا عن تفاقم الأمر واشتداده حتى إن الرأي فيه ليضل عن أهل الرأي والتجربة.
تجللته بالرأي حتى أريته ... به ملء عينيه مكان العواقب
كما انغل ذو الرمة بين الصحراء وأكسية الدجى، ارتفع ممدوح حبيب فوق غبار ظلمات الأمر ليكشف برأيه للأفشين وجه العمل الذي يتوصل به إلى عواقب النصر المبين.
ومما يدلك على أخذ حبيب من غيلان واتباعه له، خلوص صدى لفظ غيلان في أسلوب نظمه- الجناس المتتابع في الحروف- الكاف والسين- والجل الغيلاني الذي قد بقيت روح معناه ورنة لفظه في قول حبيب: «تجللته» وحبيب لمتأمل شعره كثير الأخذ من غيلان.
ومن تشبيهات الوصف في هذه القافية قوله:
نظرت كما جلي على رأس رهوةٍ ... من الطير أقنى ينفض الطل أزرق
قولنا من تشبيهات الوصف، نعني أن المشبه به فيه أقرب إلى أن يكون المعمود إليه بالنعت أكثر من المشبه- يعني نظرت كما جلي الصقر أي نظر من بعيد ومن مكان عال.
طراق الخوافي. واقعٌ فوق ريعةٍ ... ندى ليله في ريشه يترقرق
стр. 1990
هذه صورة واضحة للصقر. ولا ريب أن ذا الرمة رأى الصقر ونعته هنا عن رؤية واعية، على أنه لم يخل من أخذ من زهير حيث قال:
فزل عنها وأوفى رأس مرقبةٍ ... كمنصب العتر دمي رأسه النسك
وهذا من أبيات رائعة شبه فيها زهير نجاء فرسه بنجاء الحمامة من الصقر- وهي في الكافية:
بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... وزودوك اشتياقًا آيةً سلكوا
وقال غيلان:
وماء قديم العهد بالإنس آجنٍ ... كأن الدبا ماء الغضى فيه تبصق
وهذه صورة منتزعة من الملاحظة وصغار الجراد من أقتل شيء للنبات
وردت اعتسافًا والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماءٍ محلق
وابن ماء أي طائر مائي وأحسب هذا البيت من شواهد أهل اللغة والنحويين ويذكرون معه قول الآخر.
ولا الحجاج عيني بنت ماءٍ ... تقلب طرفها حذر الصقور
وهذا عجب إذ كان الحجاج صقرًا على حين سائر الناس بنات ماء.
يرف على آثارها دبرانها ... فلا هي مسبوق ولا هو يلحق
والعرب تزعم أن الدبران هوى الثريا وساق لها مهرًا من نجوم.
بعشرين من صغرى النجوم كأنها ... وإياه في الخضراء لو كان ينطق
قلاصٌ حداها راكبٌ متعممٌ ... هجائن قد كادت عليه تفرق
هذا من قول ذي الرمة تثبيت للزعم الذي كانت تزعمه العرب من هوى
стр. 1991
الدبران الثريا وطلبه نكاحها. إن كان ينطق أي لو كان إنسانًا لكانت هذه النجوم بمنزلة القلاص التي تساق مهرًا للكريمة من النساء، ولكان هو الراكب المتعمم المنخرط بها في وسط النهار. يدل على النهار اعتمامه. وعندي أن أبا العلاء قد تبع ذا الرمة في الافتنان الذي افتتنه في نونينه:
عللاني فإن بيض الأماني ... فنيت والظلام ليس بفاني
حيث زعم أن الهلال يهوي الثريا وساق خبر سهيل وأختيه الشعريين العبور والغميصاء.
قرانًا وأشتاتًا أخب يسوقها ... إلى الماء من جوز التنوفة مطلق
أي سائر إلى الماء سائقٌ إبله إليه.
وقد هتك الصبح الجلي كفاءه ... ولكنه جون السراة مروق
ههنا عود إلى صورة الفرس التي مرت من قبل في قوله «جل وخندق» - والكفاء بكسر الكاف ستر عند مؤخر البيت. وهنا أيضًا عودة إلى قوله «بينها كل ليلة وبين الدجى حتى أراها تمزق» فجعل الكفاء الذي في المؤخر مشقوقًا وجعل الرواق وهو الستر الذي في مقدم البيت سالمًا- فهذا كما ترى تصوير للفجر الكاذب الذي يقال له ذنب السرحان.
فأدلى غلامي دلوه يبتغي بها ... سقاط الصدى والليل أدهم أبلق
فجاءت بنسج العنكبوت كأنه ... على عصويها سابريٌّ مشبرق
وهذه الخاتمة من قافية غيلان شديدة الشبه بما ختم به ابن أبي ربيعة رائيته ونعود إلى ما كنا وعدناك أيها القارئ الكريم من إيراد أمثلة من الوصف وتشبيهاته مما عسى ان تتم به الفائدة في هذا الباب.
стр. 1992
من ذلك قول ساعدة بن جؤية الهذلي في العسل:
وما ضربٌ بيضاء يسقي دبوبها ... دفاق وعروان الكراث فضيمها
الضرب العسل الصلب الشديد الأبيض. الكراث نبت. دفاق وعرزان وضيم أودية.
أتيج لها شثن البنان مكزم ... أخو حزن قد وقرته كلومها
أي هذا العاسل متعود على السير في الحزن بضم ففتح أي الأماكن الغليظة من الأرض جمع حزنة بضم فسكون.
قليل تلاد المال إلا مسائبا ... وأخراصه يعدو بها ويقيمها
أي هذا ماله، المسائب جمع مسأب بكسر الميم وهو السقاء والأخراص عني بها القصب الذي يتناول به من بعيد.
رأى عارضًا يهوي إلى مشمخرة ... قد أحجم عنها كل شيءٍ يرومها
العارض ههنا جماعة النحل، جعلها عارضًا لشبهها بالعارض من السحاب والريح وقد أحجم فيه نقل حركة الهمزة إلى دال قد.
فما برح الأسباب حتى وضعنه ... لدى الثول ينفي جثها ويؤومها
أي ما زالت حباله يصعد بها حتى وضعته لدى الثول أي جماعة النحل.
ينفي جثها أي الرديء مما حوله ويؤومها يدخن عليها ليطردها والإيام بكسرة الهمزة الدخان هكذا في شرح السكري.
ثم بعد أن علمنا أن العاسل قد أصاب منيته بذكر الشاعر على سبيل التتمة والحيلة الفنية أنه مزج ذلك العسل بنطفة ماءٍ صاف مما نشأ من صوب السحاب ثم
стр. 1993
جمت به الرمال فذلك المزاج الحلو هو فم المحبوبة وسماها أم معمر.
فلما دنا الإبراد حط بشوره ... إلى فضلاتٍ مستحيرٍ جمومها
فل فضلاتٍ من حبي مجلجل ... أضرت به أضواجها وهضومها
أضرت به أي دنت وكانت له سترًا. هضومها، ما انخفض منها.
فشرجها حتى استمر بنطفه ... وكان شفاءً شوبها وصميمها
فشرجها قال الشارح فعتقها وما أدري ما تعتيق العسل- ولعل المراد الخمر أنه عتقها ثم مزجها بالعسل وأستبعد هذا الوجه. وما أشبه أن يكون معنى شرجها مزجها، وذلك أنهم يقولون الشريج يعنون به المزيج.
فذلك ما شبهت فا أم معمرٍ ... إذا ما توالى الليل غارت نجومها
وقال طفيل الغنوي- قال أبو عبيدة في كتاب الخيل، كان يقال له طفيل الخيل وكان يقال له المحبر لحسن شعره:
رأيت رباط الخيل كل مطهم ... رجيلٍ كسرحان الغضى المتأوب
أي مثل هذا من الخيل هو الذي ينبغي أن يرتبط ومثل هذه من الأفراس:
وجرداء ممراحٍ نبيلٍ حزامها ... طموحٍ كعود الغيضة المتنخب
تنيف إذا اقورت من الغزو وانطوت ... بهادٍ رفيع يقهر الخيل سلهب
إذا اقورت من الغزو يعني ضمورها والهادي العنق والسلهب الطويل.
إذا قيل نهنها وقد جد جدها ... تبارى كخذروف الوليد المثقب
هذا كتشبيه امرئ القيس حيث قال «درير كخذروف الوليد» غير أن امرأ القيس أعمد إلى خذروف الوليد وذكرى ملاعب الصغار وبعض ذلك ذكرى لماضي
стр. 1994
طفولته هو. وطفيل ههنا أعمد إلى تشبيه حركة الحصان أنه درير كخذروف الوليد صورة حركة الخذروف ههنا أظهر. وأحسب أن بعض مرد ذلك إلى أن طفيلًا رجع إلى صورة الخذروف حيث وصفه بالمثقب ولكن امرأ القيس رجع إلى صورة الوليد حيث قال: «أمرة تتابع كفيه بخيط موصل» حتى موصل هذه فيها حركة الوليد.
قبائل من حيي غني تواهقت ... بها الخيل لا عزلٍ ولا متأشب
جلبنا من الأعراف أعراف غمرةٍ ... وأعراف لبنى الخيل يا بعد مجلب
ورادًا وحوًّا مشرفًا حجباتها ... بنات حصانٍ قد تعولم منجب
هذه ألوان الخيل.
وكتًا مدماةً كأن متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب
لك في «لون مذهب» رفع النون ونصبها والبيت من شواهد النحاة في باب التنازع ومن جيد الوصف.
نزائع مقذوفًا على سرواتها ... بما لم تخالسها الغزاة وتسهب
نزائع أي غرائب. مقذوفًا إلخ أي وضعت على سرواتها أي ظهورها السروج- أي ولدت من الفحول الغرائب وعودت على الغزو لم تخالسها الغزاة به ولم تسهب أي لم تترك وتهمل.
تباري مراخيها الرياح كأنها ... ضراءٌ أحسن نبأةً من مكلب
الضراء بكسر الضاد هي كلاب الصيد واحدها ضر وبكسر الضاد وسكون الراء.
إذا هبطت سهلًا كأن غبارها ... بجانبه الأقصى دواخن تنضب
التنضب من نبت البلاد الصحراوية دائم خضرة العيدان له شوك ولا ورق
стр. 1995
له وثمره أحمر أرجواني له لذعٌ وفيه حبه وله لزاجة منظره إذا نور وأثمر باهر وهو من العضاه ودخانه كثير كثيف إذا استوقد به وربما أمكن الاستيقاد به وهو أخضر.
وهصن الحصى حتى كأن رضاضه ... ذرى بردٍ من وابلٍ متحلب
ههنا تسجيل انطباعه هطول شؤبوب من وابل ذي برد- والألفاظ متخيرات أيما تخير.
يبادرن بالركبان كل ثنيةٍ ... جنوحًا كفراط القطا المتسرب
أعارضها رهوًا على متتابع ... شديد القصيرى خارجيٍّ محنب
التحنيب اعوجاج في قوائم الخيل محمود يدل على عتقها.
كأن على أعطافه ثوب ماتحٍ ... وإن يلق كلبٌ بين لحييه يذهب
يدل على عظم لحييه. وعلى ضمور الكلب. والتشبيه بدوي موغل في ذلك.
كأن بكتفيه إذا اشتد ملهبًا ... سنا ضرمٍ من عرفجٍ متلهب
هنا تأكد لصفته التي تقدمت حيث قال «جرى فوقها واستشعرت لون مذهب» فهذا لون أعرافها فإذا جرت مسرعة بدا ذلك كاللهب.
أزوم على فأس اللجام كأنما ... يرادى به مرقاة نحل مشذب
يصف ارتفاعه وأنه أجرد. أزوم أي عضوض وإذا عض اللجام رفع بذلك رأسه وعنقه الطويل وبدا بذلك وبأعرافه كأنه نخلة سحوق.
وقيل اقدمي واقدم وأخر وأخري ... وها وهلا واصرخ وقادعها هبي
أي تقدع بهبي
وللخيل أيامٌ فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيامها الخير يعقب
طوامح بالطرف الظراب إذا بدت ... محجلة الأيدي دمًا كالمخضب
стр. 1996
قوله وللخيل أيام أحسب أن أبا الطيب المتنبي قد نظر إليه في أبياته المشهورة.
وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب
أما قوله الظراب بكسر الظاء المعجمة فيعني الصخور الناتئات المرتفعات وأحسب أن الزمخشري سجع في أساسه فقال: نحن طراب وأنتم ظراب وأخذه والله أعلم- من قول أبي الطيب:
أصخرة أنا مالي لا تحركني ... هذي المدام ولا هذي الأغاريد
طراب الأولى بالمهملة والثانية بالمعجمة أختها.
وقال آخر وأحسبه ساعدة بن جؤية يصف الضبع وبعض ما ذكره فيه وصف الإبل وفيه وصف حال الموت ومخالط ذلك ما كنا قدمناه من معاني الحكمة:
وما يغني امرأً ولد أجمت ... منيته ولا مالٌ أثيل
أجمت منيته أي دنا موته ويجوز أن تمون الجملة وصفًا «امرأ» وهو الوجه الواضح المعنى غير أن فيه التقديم والتأخير حيث فصل بالولد بين الصفة والموصوف ويجوز أن تكون الجملة وصفًا للولد، أي الولد فانٍ والمال متروك وإن كثر كما سيأتي؛ لأن صاحب المال يموت:
ولو أمست له أدمٌ صفايا ... تقرقر في طوائفها الفحول
وههنا أوصاف جيدة لهجمات الإبل.
مصعدة حواركها تراها ... إذا تمشي يضيق بها المسيل
الحارك موضع منحدر ما بين السنام إلى العنق.
стр. 1997
إذا ما زار مجنأةً عليها ... ثقال الصخر والخشب القطيل
يعني حفرة القبر.
وغودر ثاويًّا وتأوبته ... مذرعة أميم لها فليل
أميم نداء وترخيم والمذرعة الضبع وفليلها عرفها.
لها خفان قد ثلما ورأس ... كرأس العود شهيرةٌ دؤؤل
أي لها رأس كرأس البعير ولها دألان في مشيها وذلك أنها تمشي كأنها مائلة. ثلبا أي ثلما بالبناء للمجهول أي كأنه كسر جانب منهما.
تبيت الليل لا يخفى عليها ... حمارٌ حيث جر ولا قتيل
أي تأكل الميتات وتعرف مكانها ثم وصف دألانها ومشيها.
كمشي الأقبل الساري عليها ... عفاءٌ كالعباءة عفشليل
الأقبل كالأحول والعفاء بكسر العين الشعر الذي عليها وعفشليل صفة تدل على التهويل كقوله شهبرة من قبل.
فذاحت بالوتائر ثم بدت ... يديها عند جانبه تهيل
الوتائر الطرائق بين القبور سارت هذه الطبع عليها متتبعة القبور حتى جاءت عند القبر الجديد فجعلت تنبشه لتستخرج ميتة فتأكل منها.
ومن نادر ما جاء في الوصف وجيده أبيات لامية أوردها المبرد في كامله وذكر أنها لأحد لصوص بني سعد وربما نسبها غيره إلى عبيد بن أيوب العنبري صاحب السعلاة. وقد ذكر فيها أمر الصقر حين يعزم على فراق سيده، والصقر مما يفعل
стр. 1998
ذلك، ومما يرجح نسبة الأبيات إلى عبيد بن أيوب أنه يروى في خبره أنه فارق الناس وتوحش، قال:
فإني وتركي الإنس من بعد حبهم ... وصبري عمن كنت ما إن أزايله
لكا لصقر جلي بعد ما صاد فتية ... قديرًا ومشويًّا عبيطًا خرادله
أهابوا به فازداد بعدًا وصده ... عن القرب منهم ضوء برقٍ ووابله
أي حالي كحال هذا الصقر الذي كان محبًّا لصاحبه ثم فارقه فراق نفور لا رجعة معه. جلي أي رأى واجتلى قديرًا أي لحمًا مطبوخًا وآخر مشويًّا عبيطًا خرادله أي قطعة أخذت من ذبيحةٍ ذبحت على فتاء سن ونت غير علةٍ. صاد فتيةً أي صاد لفتيةٍ. ويذكر أهل الصقور أن الصقر ربما فعل ذلك جنوحًا منه إلى الحرية. أهابوا به أي دعوه يتألفونه باللحم القدير والمشوي ولج نافرًا يدعوه البرق والوابل والحرية.
وبعد هذه الأبيات، ذكر حال توحشه وزعم أنه صحب الجن في الفلوات ولا صديق له إلا القوس الصفراء والسيف:
ألم ترني صاحبت صفراء نبعةً ... لها زبديٌّ لم تفلل معابله
وطال احتضاني السيف حتى كأنما ... يلاط بكشحي جفنه وحمائله
أخو فلوات صاحب الجن وانتفى ... عن الإنس حتى قد تقضت وسائله
له نسب الإنسي يعرف نجره ... وللجن منه شكله وشمائله
الصراء النبعة هي القوس الصفرة لونها والنبع خشبها. لها زبدي أي وتر رنان، سهامه غبر مفللات المعابل أي النصول. يلاط أي يلصق بالبناء للمفعول أخو فلوات يصف بذلك نفسه وعندي أن أبا الطيب نظر إلى هذا المعنى حيث قال:
صحبت في الفلوات الوحش مغتربًا ... حتى تعجب مني القور والأكم
стр. 1999
وقال أبو ذؤيب الهذلي يصف الخمر والثغر والعسل:
فأقسم ما إن بالة لطميةٌ ... يفوح بباب الفارسيين بابها
البالة الوعاء وتستعمل الآن استعمالًا عامًّا فنقول بالة القطن مثلًا ولطمية منسوبة إلى اللطيمة وهي قافلة الطب تجارتها والفارسيون تجار المشرق من العراق وما إليه هكذا ذكر الشراح ويكون هذا بعكاظ أو مكة لأن الشاعر من هذيل وهم بدو مكة، وبابها قالوا فم وعائها أو باب حانوتها. وهذا تشبيه طويل مصدر بما كما ترى وقد سبق التنبيه على أن أبا الطيب عدها من أدوات التشبيه.
ولا الراح راح الشام جاءت سبيئة ... لها غاية تهدى الكرام عقابها
عقابها أي رأيتها التي يرفعها التجار وذلك قول لبيد «وراية تاجر وافيت إذ رفعت وعز مدامها» البيت.
عقارٌ كماء النيء ليست بخطمةٍ ... ولا خلة يكوي الشروب شهابها
شهابها أي لذعها، وجعلها كماء النيء وهو اللحم الطازج لصفائها. وقوله شهابها من جيد الوصف إذ جعل لذع الخمر كضوء الشهاب في البريق والسرعة. النيء بكسر النون اللحم وبفتح النون وياء مشددة الشحم.
توصل بالركبان حينًا وتؤلف الـ ... جوار ويغشيها الأمان ربابها
أي تجارها يصحبون الركبان ركبًا بعد ركب يتوصلون بهم ليأمنوا بصحبتهم حتى يصلوا وتؤلف الجوار أي يجمع لها تجارها جوارًا إلى جوار ليضمنوا سلامة وصولها فكانت المجاورة كالتأمين عندنا الآن وفسر تؤلف الجوار بأن الجوار يصلح عليها لما تحدثه من المودة والأنس بين شاربيها وهو وجه وليس بقوي حقًّا وربابها بكسر
стр. 2000
الراء فسرت على وجوه أجودها المواثيق أي العهود وضروب الجواز المأخوذة عليها تغشيها الأمان والسلامة حتى تصل. وقيل ربابها بكسر الراء أي أربابها وقيل ربابها أي قداحها التي يضرب بها على سبيل الفأل فتخرج بأن يسيروا بها نهارًا إذا كانت بيضًا أو ليلًا إذ خرجت سودًا وهذان الوجهان دون الأول الذي ذكرناه.
فما برحت في الناس حتى تبينت ... ثقيفًا بزيزاء الأشاء قبابها
أي حتى تبينت عكاظ وهي في حيز ثقيف فهذا يدل على أن قول الشاعر «بباب الفارسيين بابها» أراد به سوق عكاظ. والزيراء الأرض الغليظة والأشاء النخيل.
فطاف بها أبناء آل متعب ... وعز عليهم ببيعها واغتصابها
أبناء آل متعب سادة ثقيف- وقوله اغتصابها فيه كالمعنى الجنسي وذلك من دأبهم في نعت الخمر يجعلونها كالجارية المشتهاة منالتها فقالوا في شرائها إنه سباء وهو قريب من سبي النساء في اللفظ والمراد. وعز عليهم اغتصابها أي شراؤها وفض ختامها لغلاء ثمنها. وقيل عز عليهم غصبها لأن الشهر الحرام، فمن قال بهذا القول جعل سباء الخمر ضربًا من السبي والسبي لا يكون إلا في الحرب ولا تجوز في الشهر الحرام.
فلما رأوا أن أحكمتهم ولم يكن ... يحل لهم إكراهها وغلابها
أحكمتهم أي غلبتهم في الحكومة والمعنى مأخوذ من القرآن إذ فيه ذكر التحكيم ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ وكان التحكيم بين الأزواج قديمًا من عرف العرب فأتم الإسلام جانب العدالة منه وقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ وكان الإكراه من عادة الجاهلية- وهذه المعاني الجاعلة الخمر كالمرأة على سبيل المثال كثر ورود أمثالها عند أبي نواس، وما سار أبو نواس في هذا إلا على