قوله وللخيل أيام أحسب أن أبا الطيب المتنبي قد نظر إليه في أبياته المشهورة.
وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب
أما قوله الظراب بكسر الظاء المعجمة فيعني الصخور الناتئات المرتفعات وأحسب أن الزمخشري سجع في أساسه فقال: نحن طراب وأنتم ظراب وأخذه والله أعلم- من قول أبي الطيب:
أصخرة أنا مالي لا تحركني ... هذي المدام ولا هذي الأغاريد
طراب الأولى بالمهملة والثانية بالمعجمة أختها.
وقال آخر وأحسبه ساعدة بن جؤية يصف الضبع وبعض ما ذكره فيه وصف الإبل وفيه وصف حال الموت ومخالط ذلك ما كنا قدمناه من معاني الحكمة:
وما يغني امرأً ولد أجمت ... منيته ولا مالٌ أثيل
أجمت منيته أي دنا موته ويجوز أن تمون الجملة وصفًا «امرأ» وهو الوجه الواضح المعنى غير أن فيه التقديم والتأخير حيث فصل بالولد بين الصفة والموصوف ويجوز أن تكون الجملة وصفًا للولد، أي الولد فانٍ والمال متروك وإن كثر كما سيأتي؛ لأن صاحب المال يموت:
ولو أمست له أدمٌ صفايا ... تقرقر في طوائفها الفحول
وههنا أوصاف جيدة لهجمات الإبل.
مصعدة حواركها تراها ... إذا تمشي يضيق بها المسيل
الحارك موضع منحدر ما بين السنام إلى العنق.
стр. 1997
إذا ما زار مجنأةً عليها ... ثقال الصخر والخشب القطيل
يعني حفرة القبر.
وغودر ثاويًّا وتأوبته ... مذرعة أميم لها فليل
أميم نداء وترخيم والمذرعة الضبع وفليلها عرفها.
لها خفان قد ثلما ورأس ... كرأس العود شهيرةٌ دؤؤل
أي لها رأس كرأس البعير ولها دألان في مشيها وذلك أنها تمشي كأنها مائلة. ثلبا أي ثلما بالبناء للمجهول أي كأنه كسر جانب منهما.
تبيت الليل لا يخفى عليها ... حمارٌ حيث جر ولا قتيل
أي تأكل الميتات وتعرف مكانها ثم وصف دألانها ومشيها.
كمشي الأقبل الساري عليها ... عفاءٌ كالعباءة عفشليل
الأقبل كالأحول والعفاء بكسر العين الشعر الذي عليها وعفشليل صفة تدل على التهويل كقوله شهبرة من قبل.
فذاحت بالوتائر ثم بدت ... يديها عند جانبه تهيل
الوتائر الطرائق بين القبور سارت هذه الطبع عليها متتبعة القبور حتى جاءت عند القبر الجديد فجعلت تنبشه لتستخرج ميتة فتأكل منها.
ومن نادر ما جاء في الوصف وجيده أبيات لامية أوردها المبرد في كامله وذكر أنها لأحد لصوص بني سعد وربما نسبها غيره إلى عبيد بن أيوب العنبري صاحب السعلاة. وقد ذكر فيها أمر الصقر حين يعزم على فراق سيده، والصقر مما يفعل
стр. 1998
ذلك، ومما يرجح نسبة الأبيات إلى عبيد بن أيوب أنه يروى في خبره أنه فارق الناس وتوحش، قال:
فإني وتركي الإنس من بعد حبهم ... وصبري عمن كنت ما إن أزايله
لكا لصقر جلي بعد ما صاد فتية ... قديرًا ومشويًّا عبيطًا خرادله
أهابوا به فازداد بعدًا وصده ... عن القرب منهم ضوء برقٍ ووابله
أي حالي كحال هذا الصقر الذي كان محبًّا لصاحبه ثم فارقه فراق نفور لا رجعة معه. جلي أي رأى واجتلى قديرًا أي لحمًا مطبوخًا وآخر مشويًّا عبيطًا خرادله أي قطعة أخذت من ذبيحةٍ ذبحت على فتاء سن ونت غير علةٍ. صاد فتيةً أي صاد لفتيةٍ. ويذكر أهل الصقور أن الصقر ربما فعل ذلك جنوحًا منه إلى الحرية. أهابوا به أي دعوه يتألفونه باللحم القدير والمشوي ولج نافرًا يدعوه البرق والوابل والحرية.
وبعد هذه الأبيات، ذكر حال توحشه وزعم أنه صحب الجن في الفلوات ولا صديق له إلا القوس الصفراء والسيف:
ألم ترني صاحبت صفراء نبعةً ... لها زبديٌّ لم تفلل معابله
وطال احتضاني السيف حتى كأنما ... يلاط بكشحي جفنه وحمائله
أخو فلوات صاحب الجن وانتفى ... عن الإنس حتى قد تقضت وسائله
له نسب الإنسي يعرف نجره ... وللجن منه شكله وشمائله
الصراء النبعة هي القوس الصفرة لونها والنبع خشبها. لها زبدي أي وتر رنان، سهامه غبر مفللات المعابل أي النصول. يلاط أي يلصق بالبناء للمفعول أخو فلوات يصف بذلك نفسه وعندي أن أبا الطيب نظر إلى هذا المعنى حيث قال:
صحبت في الفلوات الوحش مغتربًا ... حتى تعجب مني القور والأكم
стр. 1999
وقال أبو ذؤيب الهذلي يصف الخمر والثغر والعسل:
فأقسم ما إن بالة لطميةٌ ... يفوح بباب الفارسيين بابها
البالة الوعاء وتستعمل الآن استعمالًا عامًّا فنقول بالة القطن مثلًا ولطمية منسوبة إلى اللطيمة وهي قافلة الطب تجارتها والفارسيون تجار المشرق من العراق وما إليه هكذا ذكر الشراح ويكون هذا بعكاظ أو مكة لأن الشاعر من هذيل وهم بدو مكة، وبابها قالوا فم وعائها أو باب حانوتها. وهذا تشبيه طويل مصدر بما كما ترى وقد سبق التنبيه على أن أبا الطيب عدها من أدوات التشبيه.
ولا الراح راح الشام جاءت سبيئة ... لها غاية تهدى الكرام عقابها
عقابها أي رأيتها التي يرفعها التجار وذلك قول لبيد «وراية تاجر وافيت إذ رفعت وعز مدامها» البيت.
عقارٌ كماء النيء ليست بخطمةٍ ... ولا خلة يكوي الشروب شهابها
شهابها أي لذعها، وجعلها كماء النيء وهو اللحم الطازج لصفائها. وقوله شهابها من جيد الوصف إذ جعل لذع الخمر كضوء الشهاب في البريق والسرعة. النيء بكسر النون اللحم وبفتح النون وياء مشددة الشحم.
توصل بالركبان حينًا وتؤلف الـ ... جوار ويغشيها الأمان ربابها
أي تجارها يصحبون الركبان ركبًا بعد ركب يتوصلون بهم ليأمنوا بصحبتهم حتى يصلوا وتؤلف الجوار أي يجمع لها تجارها جوارًا إلى جوار ليضمنوا سلامة وصولها فكانت المجاورة كالتأمين عندنا الآن وفسر تؤلف الجوار بأن الجوار يصلح عليها لما تحدثه من المودة والأنس بين شاربيها وهو وجه وليس بقوي حقًّا وربابها بكسر
стр. 2000
الراء فسرت على وجوه أجودها المواثيق أي العهود وضروب الجواز المأخوذة عليها تغشيها الأمان والسلامة حتى تصل. وقيل ربابها بكسر الراء أي أربابها وقيل ربابها أي قداحها التي يضرب بها على سبيل الفأل فتخرج بأن يسيروا بها نهارًا إذا كانت بيضًا أو ليلًا إذ خرجت سودًا وهذان الوجهان دون الأول الذي ذكرناه.
فما برحت في الناس حتى تبينت ... ثقيفًا بزيزاء الأشاء قبابها
أي حتى تبينت عكاظ وهي في حيز ثقيف فهذا يدل على أن قول الشاعر «بباب الفارسيين بابها» أراد به سوق عكاظ. والزيراء الأرض الغليظة والأشاء النخيل.
فطاف بها أبناء آل متعب ... وعز عليهم ببيعها واغتصابها
أبناء آل متعب سادة ثقيف- وقوله اغتصابها فيه كالمعنى الجنسي وذلك من دأبهم في نعت الخمر يجعلونها كالجارية المشتهاة منالتها فقالوا في شرائها إنه سباء وهو قريب من سبي النساء في اللفظ والمراد. وعز عليهم اغتصابها أي شراؤها وفض ختامها لغلاء ثمنها. وقيل عز عليهم غصبها لأن الشهر الحرام، فمن قال بهذا القول جعل سباء الخمر ضربًا من السبي والسبي لا يكون إلا في الحرب ولا تجوز في الشهر الحرام.
فلما رأوا أن أحكمتهم ولم يكن ... يحل لهم إكراهها وغلابها
أحكمتهم أي غلبتهم في الحكومة والمعنى مأخوذ من القرآن إذ فيه ذكر التحكيم ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ وكان التحكيم بين الأزواج قديمًا من عرف العرب فأتم الإسلام جانب العدالة منه وقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ وكان الإكراه من عادة الجاهلية- وهذه المعاني الجاعلة الخمر كالمرأة على سبيل المثال كثر ورود أمثالها عند أبي نواس، وما سار أبو نواس في هذا إلا على
стр. 2001
طريقة الأوائل. فمن زعم أن ذلك كان منه عن عقدة انحراف جنسي فقد تفرأد من غير وجه فرأدةٍ.
أتوها بربحٍ حاولته فأصبحت ... تكفت قد حلت وساغ شرابها
تكفت أي تحول من إناء إلى إناء وهو التصفيق وفي العامية يقال كفته أي «ضربه كفتةً على وجهه أي لطمة على وجهه» وصفقه فتأمل. وقيل في تكفت غير هذا من التفسير والذي أوردناه قول أبي عمرو (١) - أي لما وجب على هؤلاء السادة حكمها ودفعوا مهرها الغالي، حينئذ يصفقوها في الآنية لإبرادها ومزاجها ثم شربها ثم أتوها بعسل فمزجوها به والأري بفتح الهمزة وسكون الراء هو العسل.
بأري التي تأري إلى كل مغربٍ ... إذا اصفر قرن الشمس حان انقلابها
بأري التي تأري اليعاسيب أصبحت ... إلى شاهقٍ دون السماء ذؤابها
جوارسها تأري الشعوف دوائبًا ... وتنصب ألهابًا مصيفًا كرابها
إذا نهضت فيه تصعد نفرها ... كقتر الغلاء مستدرًّا صيابها
يظل على الثمراء منها جوارسٌ ... مواضيع صهب الريش زغبٌ رقابها
فلما رآها الخالدي كأنها ... حصى الخذف تهوى مستقلًا إيابها
أجد بها أمرًا وأيقن أنه ... لها أو لأخرى كالطحين ترابها
فقيل تجنبها حرام وراقه ... ذراها مبينًا عرضها وانتصابها
فأعلق أسباب المنية وارتضى ... ثقوفته إن لم يخنه انقضابها
تدلى عليها بين سبٍ وخيطةٍ ... بجرداء مثل الوكف بكبو غرابها
فلما اجتلاها بالأيام تحيرت ... ثباتٍ عليها ذلها واكتئابها
فأطيب براح الشام صرفًا وهذه ... معتقة صهباء وهي شيابها
стр. 2002
فما إن هما في صفحة بارقية ... جديد حديثٍ نحتها واقتضابها
بأطيب من فيها إذا جئت طارقًا ... من الليل والتفت عليها ثيابها
في شعر هذيل عسر ولكنه بدوي جيد. أما بداوته فأنه فيه طعم بلاغة البليغ المتحدث وهو يمثل لسامعين أمامه ما يصف تمثيلًا. والوصف مما يعمد فيه إلى الإمتاع بجودة التصوير وتخير الألفاظ والمعاني. فلا تضيقن أيها القارئ الكريم ذرعًا بظاهر عسر الكلمات وتتبع أصلحك الله دقة تتبع الشاعر لما يصنعه، فإنك إن شاء الله مصيب من ذلك لذة بيان عظيمة، قال الشاعر، لما أحكمت هذه الراح حكمها وجاء أبناء معتب بثمنها الذي فيه ربح تجارها وأخذوها وصفقوها، أتوها من بعد بأري النحل التي تأرى أي تصنع وتجمع العسل وتعمل عملها له وتنصرف إلى مساكنها عند اصفرار الشمس فهي تعمل نهارها إلى وقت اقتراب المغيب وتعمل يعاسيبها في أماكن شاهقات ذؤاباتها دوين السماء وأصل الذؤابة للشعر ثم أطلقت على قمم الجبال وأعاليها ويقال أيضًا شعاف الجبال بكسر الشين وشعفة الجبل ذؤابته وشعفة الصبي ذؤابته وكلمة الشعفة بمعنى الشعر الكثير على رأس الصبي مستعملة في العامية عندنا. جوارس النخل أي عوامله التي تجني العسل تصعد به إلى الشعوف أي رؤوس الجبل دائبة في العمل وتنصب في ألهاب أي في شقوق من الجبال -جمع لهب بكسر فسكون- هذه الألهاب ممطورة جوانب الأودية التي تفصل بينها في زمان الصيف فيكون ذلك أبرد لها والعسيل يصلح في الأماكن المعتدلة الهواء. مصيفًا أي هاطلًا عليه المطر صيفًا. كرابها جمع كربة وهي صدر الوادي وفي النيل بإقليمنا الشمالي موضع ضيق يقال له الكربة بالتحريك. وإذا نهضت النحل رأيتها في نفرها إلى أعالي الجبل تتصعد جماعات كأنها سهام الأهداف الدقيقات. قالوا القتر بكسر القاف سهام كمسامير الدرع صغار ترمى بها الأهداف. قلت: إذا نظرت إلى سواد النحل مع ريشها الذي يكاد يشف وهي صاعدة جماعات فإن
стр. 2003
التشبيه الذي ذكره أبو ذؤيب دقيق. وما خلافيه من نظر خفي إلى تشبيه عنترة. والغلام السهام يتغالون بها أي يرمون بها غلوة غلوة. قال السكري في شرحه القتر نصال سهام الأهداف مؤخوذ من قتير الدرع لدقتها وصغرها شبهها بها في ذهابها وسرعتها والواحدة قترة. صيابها قواصدها. أ. هـ. قلت هي جمع صائب. الجوارس من هذه النحل تظل في الموضع الذي يقال له الثمراء. مراضيع أي صغار فيما أرى وزعم السكري أن المراد: مراضيع أي معها أولادها يروى هذا القول عن أبي حبيب قال وليس ترضع ولكن سماها لأن الأمهات من غير الطير تسمى مراضيع إذا أرضعن. وعن الأخفش في شرح السكري أن المراضيع نحل أي معها نحل صغار. قلت وهذا أشبه لأن النساء يسمين مراضيع إذا كن مهزولات نواحل. وهل سمي النحل إلا لدقته ونحوله بهذا الاسم أو سمي الناحل ناحلًا على التشبيه لما في النحل من دقة ومظهر كأنه شفاف -قال الهذلي- وهو أمية بن عائذ يصف الصائد:
له نسوةٌ عاطلات الصدو ... ر عوج مراضيع مثل السعالي
قال في الشرح: عوج مهازيل، فجعل المراضيع بمعنى المهازيل كما ترى وهذا أقرب إلى ما ذهبنا إليه وإلى ما ذكر عن الأخفش من معنى النحل الصغار.
ويقول أمية بن عائذ بعد البيت الذي تقدم:
تراح يداه لمحشورةٍ ... خواظي القداح عجاف النصال
أي ترتاح يداه إلى مس سهام محشورة أي ذوات ريش ملصق بها أعوادها خاظيات أي متينة ونصالها دقيقات ثم شبهها في ابنعاثها بالخشرم بفتح الخاء والسين الساكنة والراء المفتوحة ثم الميم والخشرم جماعة النحل أو الدبر وهنا نص على أنه الدبر.
كخشرم دبرٍ له أزمل ... أو الجمر حش بصلبٍ جزال
стр. 2004
بضم الجيم وكسرها وهو الخشب الغليظ شبه السهام في انبعاثها بجماعة الدبر وفي أزملها أي صوتها بالجمر أوقد بالخشب الجزل. وإنما ذكرنا هذين البيتين لأنهما يوضحان معنى ما كنا فيه من نعت أبي ذؤيب النحل بأنهن مراضيع وإنما أخذ أمية منه على الأرجح. وأدق أبو ذؤيب وصفه فذكر أنهن صهب الريش وكذلك النحل ياد ريشها يشف أو هو يشف فتكون الصهبة من مخالطة لون أجسادها لنقاء لونه الشفاف. زغب رقابها أي لا ريش عليها.
بعد هذا الوصف الحي البارع لجماعة النحل وأفرادها أقبل الشاعر على نعت مشتار النحل، الذي قدمنا نعت المعري له وإشارته إليه حيث قال:
ماذيةٌ هم بها عاسلٌ ... من القتا لا عاسلٌ من هذيل
فقال:
فلما رآها الخالدي كأنها ... حصى الخذف تهوي مستقلًا إيابها
أجد بها أمرًا وأيقن أنه ... لها أو لأخرى كالطحين ترابها
الخالدي هو العاسل. رأى هذه النحل كأنها الحصى الصغار الذي يرمي بسبابة اليد وهو صغار. فدبر لها أمرًا يكيدها به وهو أن يرتفع إلى حيث العسل بالحبال. والمكان بعيد مرهوب الجانب. وقد أيقن أنه أمام إحدى خطتين، إما أن ينال العسل وذلك نجاحه ومكسبه وإما أن ينقضب الحبل ويهوي على أرض رملها كالطحين وهو معه طحين مرضوض هالك.
والذروة التي فيها العسل عالية ولها جانب صخرة جرداء. قال الشاعر فقال له أصحابه تجنبها يا حرام، هذا اسمه، ينهونه عنها ويخوفونه الهلاك ولكنه أعجبته القمة ذات الجانب الواضح والارتفاع الرهيب. هذا المعنى عندي بليغ بالغ. وذلك أن الذي دعا الخالدي إلى الصعود وارتكاب الهول الذي يخاف منه الهلاك ليس فقط
стр. 2005
طلب العسل والاكتساب به، ولكنه أيضًا حب المغامرة إذ قد راقه منظر هذه الصخرة فرام صعودها. ويدلك على صواب هذا الذي نذهب إليه قوله:
فأعلق أسباب المنية وارتضى .... ثقوفته لو لم يخنه انقضابها
فقوله: «وارتضى ثقوفته» ينبئ عن ثقة الخالدي بمهارة نفسه. وقوله لو لم يخنه يعني إن لم واستعمل الشاعر لو للتهويل لأن لو لما كان سيقع لوقوع غيره، وقد جعل الشاعر الحبال التي توصل بها الشاعر حبال المنية وذلك قوله «فأعلق أسباب المنية» وإنما هي حبال النجاة، وإنما جعلها حبال المنية لأنها الخطة الأخرى المخشية، فناسب قوله أسباب المنية قوله لو لم يخنه انقضابها- كأنه حقق أنه قد وقع في المنية لأنها بحكم أنها أسباب المنية، قد انقضبت، ولو لم تنقضب لكان قد نجا، ونحن كما يدل السياق نعلم أنها لم تنقضب وأنه نجا، فهذا مكان صحة ارتضائه لثقوفته، فتأمل هذا البيان.
ثم تدلى هذا العاسل بالحبال بين سب بكسر السين وهو الحبل كأن أصله السبب وخيطة والخيطة هو الوتد الذي يناط به الحبل في لغة هذيل وكأن إعلاق أسباب الحبال بالأوتاد ضرب من الخياطة والجرداء الصخرة الملساء والوكف النطع وهو بساط من الجلد. هذا العاسل تدلى بحباله على صخرة ملساء كأن سطحها جلد لو وقع الغراب عليها لكبا ولانزلق. ثم إن الصائد اجتلاها من حيث اجتمعت أي كشفها وأجلاها وطردها بالإيام وهو الدخان. قال الشارح وهو السكري:
«والذي يأخذ العسل لا يصعد إلا ومعه شيء يدخن به عليهن لا يلسعنه يقال منه آمها يؤومها أوما وإياما إذا دخن عليها» أ. هـ. قلت فالإيام هو تدخينه عليها ثم أطلق على الدخان كما ترى. فلما دخن عليها تحيرت وتفرقت جماعات أو فرقًا فرقًا مسكينات مهزومات.
стр. 2006
يقول فالراح الشامية طيبة وهي معتقة صرف صهباء. ثم أطيب بها حين يكون هذا العسل الذي وصفته شيابُا أي مزاجًا لها. ثم الراح والعسل ممزوجان معًا في قدح بارقي جديد زاكي الرائحة بجدته وأريج خشبه الذي لم يذهب به طول الاستعمال -هما معًا ليسا بأطيب من فم المحبوبة- وهذه خاتمة التشبيه وإشعار بالخروج من الوصف. وإنما ذلك حيلة من حيل البيان لا ينبغي أن يطال الوقوف عنده على أنه داخل في حاق التشبيه.
على أن أبا ذؤيب ههنا كأن يرض أن يكون غرامه مجرد حيلة يحتال بها إلى الوصف، فقال بعد أن أتم نعت الخمر والعسل:
رأتني صريع الخمر يومًا فسؤتها ... بقران إن الخمر شعثٌ صحابها
هذا البيت جيد. وفيه كما ترى صدق بلوم الشاعر لنفسه وأسفه على ما فرط منه إذ رأته الفتاة سكران فلم ترض حاله وحز ذلك في إحساسه. ويعجبني قوله: «إن الخمر شعث صحابها» ومجيثه في هذه الأبيات يصحح شرح من شرح قوله قبل: «وتؤلف الجوار» أنها يجمع لها جوار إلى جوارٍ حرصًا على تأمين سبيلها ويكون به ضعيفًا تفسير من فسره بأنها تؤلف بين الجيران فيحب بعضهم بعضًا إذ كأن قوله «شعث صحابها» ينقضه.
ثم يقول:
لو عثرت عندي إذن مالحيتها ... بعثرتها ولا أسيء جوابها
وههنا رقة وأدب نفس عميق.
وقد كان أبو ذؤيب من العشاق كما كان من مجيدي وصف الخمر والعسل والإبل ومن أصحاب الرثاء والحكمة مقتنًا صاحب حكمة وقواف متغلغلات في معدن
стр. 2007
الفصاحة. وفي شعره عند النحويين شواهد مشهورات مثل قوله:
وتبلى الألى يستلئمون على الألى ... تراهن يوم الروع كالحدق القبل
وقوله:
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج
وقوله:
جمالك أيها القلب القريح ... ستلقى من تحب فنستريح
نهيتك عن طلابك أم عمرو ... بعاقبة وأنت إذٍ صحيح
أي إذ نهيتك- ثم شبه ريق أم عمرو بالخمر فقال:
وما إن فضلةٌ من أذرعاتٍ ... كعين الديك أحصنها الصروح
جمع صرح وهو القصر.
مصفقه مصفاة عقارٌ ... شأميه إذا جليت مروح
إذا فضت خواتمها وفكت ... يقال لها دم الودج الذبيح
بأطيب من مقبلها إذا ما ... دنا العيوق واكتتم النبوح
وإنما أودنا هذه الابيات الحائية معًا لننبه على مكان تشبيه أبي ذؤيب للخمر بعين الديك وبالدم المتفجر من الودج الذبيح وقد مر بك وصفه لها بأنها كماء النيء أي اللحم فوصفها صهباء وحمراء وأدق الوصف كما ترى.
ومن جيد غزل أبي ذؤيب كلمته التي أولها.
هل الدهر إلا ليلة ونهارها ... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
أبي القلب إلا أم عمرو وأصبحت ... تحرق ناري بالشكاة ونارها
стр. 2008
فدل أنها تحبه كما أحبها.
وغيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
أي ليس حبي لها بعار عليها ثم شبهها بعد بالغزالة فقال:
فما أم خشف بالعلاية فاردٍ ... تنوش البرير حيث نالٍ اهتصارها
بأحسن منها حين قامت فأعرضت ... تواري الدموع حين جد انحدارها
وهذا في معاني الغرام والحب النفيس ثم إنه شبه فمها بالمدامة.
كأن على فيها عقارًا مدامة ... سلافة راح عتقتها تجارها
وافتن في وصف المدامة.
وفي اللامية التي أولها:
أساءلت رسم الدار أم لم تسائل ... عن السكن أو عند عهده بالأوائل
وصف الحديث في البيتين المشهورين.
وإن حديثًا منك لو تبذلينه ... جنى النحل في ألبان عوذٍ مطافل
مطافيل أبكارٍ حديث نتاجها ... تشاب بماء مثل ماء المفاصل
وقد فسرت المفاصل بأنها مسايل الأودية وفسرت بأنها مفاصل العظام وهذا أشبه بمذهب أبي ذؤيب التشريحي- فقد رأيت ذكره ماء النيء وعين الديك.
ومن أجود ما في هذه القصيدة غزلًا قوله:
رآها الفؤاد فاستضل ضلاله ... نيافًا من البيض الحسان العطابل
فإن وصلت حبل الصفاء فدم لها ... وإن صرمته فانصرف عن تجامل
стр. 2009
تجامل بالجيم المعجمة وههنا رقة وأدب نفس من معدن قوله من قبل:
ولو عثرت عندي إذن مالحيتها ... بعثرتها ولا أسيء جوابها
وجميع هذا منبئٌ بصدق الصبابة والحس المرهف. وكأنه قد دب بينه وبين محبوبته هذه ما يدب من فتور الوصل وما يعقب ذلك من هجران- آية ذلك قوله:
فلا يهنأ الوشين أن قد هجرتها ... وأظلم دوني ليلها ونهارها
فإن اعتذر منها فإني مكذب ... وإن تعتذر يردد عليها اعتذارها
فقد تهاجرا كما ترى وفي القلوب الصبابات.
وقد وصف أبو ذؤيب العسل في اللامية التي ذكر فيها الحديث.
وأتقن نعت العاسل في أنصع لفظ وأوضحه حيث قال:
وما ضربٌ بيضاء يأوي مليكها ... إلى طنفٍ أعيا براقٍ ونازل
مليكها أي يعسوبها والطنف بضمتين الصخرة الناتئة والحيد والرأس من رؤوس الجبل.
تهال العقاب أن تمر بريده ... وترمي دورءٌ دونه بالأجادل
الريد ما نتأ من الجبل والريود جمع والأجادل الصقور أي دروء الجبل أي جوانبه المعوجة عالية رهيبة تسقط الصقور دون بلوغها.
تنمى بها اليعسوب حتى أقرها ... إلى مألفٍ رحب المباءة عاسل
أي ارتفع اليعسوب حتى أقر العسل في مكان متسع صالح للعسل كثيره- وقد عزم الذي يريد أن يشتار هذا العسل عزمًا قويًّا على أن يصل إليه:
فلو كان حبلٌ من ثماني قامةً ... وتسعين باعًا نالها بالأنامل
стр. 2010
أي لصعد إلى هذه المباءة حتى ينال ما فيها من عسل يأنامله.
تدلى عليها بالحبال موثقًا ... شديد الوصاة نابل وابن نابل
أي أوصاه أبوه بذلك أو هو أوصى أصحابه بالحبل أن يشدوه ويمسكوا به والوجه الأول أقوى.
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوبٍ عواسل
قالوا لم يرج لسعها أي لم يخفه وبه فسر قوله تعالى ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾، على أن ظاهر المعنى أنه قد خالفها وهي غائبة فأخذ العسل من بيتها وهو الذي نعته بأنه «بيت نوب عواسل» أي بيت منتابات للزهر يجنين منه العسل. وهل المعنى أنه إذا لسعته النحل كره أن ينتظر لسعها وترقب غيابها فخالفها في بيت نوب عواسل؟ وقد يقال في العامية رجا بمعنى انتظر وهو من أصل فصيح ... بدليل قوله تعالى ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ وقرئ أرجئه وأخاه فلهذا الرباعي أصل ثلاثي بلا ريب وما أشك أنه الذي في العامية إذ يقولون أرجاه أي انتظره ولا ترجاه أي لا تنتظره وتفسير بيت أبي ذؤيب بهذا أوضح والله تعالى أعلم.
ثم بعد إصابة العسل يمضي أبو ذؤيب ليصف مزجه بالراح فما ذلك:
بأطيب من فيها إذا جئت طارقًا ... وأشهى إذا نامت كلاب الأسافل
إلى آخر ما قاله:
ولأبي ذؤيب خبر من أخبار الغراميات القديمة سبقت منا الإشارة إليه وذلك أنه فيما روى عن أبي عمرو أحسبه الشيباني كان «يبعث ابن عم له يقال له خالد ابن زهير إلى امرأه كان يختلف إليها يقال لها أم عمرو وهي التي كان يشبب بها فأرادت الغلام على نفسه فأبى ذلك حينًا وقال أكره أن يبلغ أبا ذؤيب ثم طاوعها فقالت ما يراك إلا الكواكب. فلما رجع إلى أبي ذؤيب قال والله إني لأجد ريح أم عمرو منك، ثم جعل لا يأتيه إلا استراب به». إلى آخر الخبر. أ. هـ.
стр. 2011
وقد فسد ما بين خالد وأبي ذؤيب وحفظ لنا ذلك الشعر الذي روي عنهما كقول أبي ذؤيب:
خليلي الذي دلى لغيًّ خليلتي ... جهازًا فكلًّا قد أصاب غرورها
أي شرها وعارها.
فشأنكها إني أمين وإنني ... إذا ما تحالى مثلها لا أطورها
أي لا أدنو منها.
أحاذر يومًا أن تبين قرينتي ... ويسلمها إخوانها ونصيرها
قرينتي أي نفسي يريد الموت.
وما أنفس الفتيان إلا قرائن ... تبين ويبقى هامها وقبورها
فنفسك فاحفظها ولا تفش للعدى ... من السر ما يطوى عليه ضميرها
فقد جعل خالدًا ههنا من العدى وأسر الندامة على أنه أطلعه على سره فخانه فيه.
رعى خالدٌ سري ليالي نفسه ... توالى على صد السبيل أمورها
أي تتوالى.
فلما تراءاه الشباب وغيه ... وفي النفس منه فتنةٌ وفجورها
لوى رأسه عني ومال بوده ... أغانج خودٍ كان فينا يزورها
تعلقه منها دلالٌ ومقلةٌ ... تظل لأصحاب الشقاء تديرها
فقد انصرف غيظ أبي ذؤيب وندامته ههنا من خالد إلى المحبوبة التي بانت وخانت.
فإن حرامًا أن أخون أمانةً ... وآمن نفسًا ليس عندي ضميرها
стр. 2012
أي وآمن نفسًا غير نفسي- وإنما جره إلى ذلك ضلال الشباب وغيه كما فعل غلامه خالد. وقد زعم خالد أن أبا ذؤيب قد لقي جزءًا من جنس عمله إذ كان من قبل هو رسولًا إلى عمرو فخان مرسله إليها ويقوي هذا المزعم قول أبي ذؤيب:
«ومقلة تظل لأرباب الشقاء تديرها» - وقال خالد بن زهير:
لا يبعدن الله لبك إذ غزا ... وسافر والأحلام جمٌّ عثورها
وكنت إمامًا للعشيرة تنتهي ... إليك إذا ضاقت بأمر صدورها
لعلك إما أم عمرو تبدلت ... سواك خليلًا شاتمي تستخيرها
أي تستعطفها وأصله من أن يأتي الصائد لولد الظبية في كناسة فيعرك أذنه فيخور أي يصيح، فيكون ذلك سببًا لصيدها إذ من طبعها تفقد ولدها والعطف عليه إذا سمعت الخوار:
ثم اتهم خالد أبا ذؤيب بأن خطة الخيانة التي شتمه بها هي أيضًا فيه هو لأنه كان رسولًا لابن عويمر إلى أم عمرو فخانه فيها وقال لها أنت ألذ من العسل وقد مر هذا من قوله في اللامية وغيرها مما استشهدنا به:
فإن التي فينا زعمت ومثلها ... لفيك ولكني أراك تجورها
أي تجور في القضية وتنسى ما صنعته بصاحبك.
ألم تنتقدها من ابن عويمر ... وأنت صفي نفسه وسجيرها
أي حبيبها وخليلها وقد استعمل توفيق البكري ﵀ هذه الكلمة في إحدى متنوقاته في صهاريج اللؤلؤ أولها «أما الأخلاء والصحب والسجراء»،
فلا تحزعًا من سنةٍ أنت سرتها ... فأول راضي سنة من يسيرها
стр. 2013
وفيها يذكر إفساد أبي ذؤيب لأم عمرو ومحاولة ابن عويمر استعطافها واستخارتها واستعصاءها عليه لما مال بها هوى الهوى إلى أبي ذؤيب ويضرب ذلك مثلًا للحال التي صار إليها أمر أم عمرو ومع أبي ذؤيب لما أمالها الهوى إلى من هو أشب منه:
يطيل ثواءً عندها ليردها ... وهيهات منه دورها وقصورها
وقاسمها بالله جهدًا لأنتمو ... ألذ من السلوى إذا ما نشورها
السلوى العسل.
فلم يغن عنه خدعه حين أزمعت ... صريمتها والنفس مر ضميرها
فلم يلف جلدًا حازمًا ذا عزيمةٍ ... ولا قوةٍ ينفي بها من يزورها
وهذا منه نهاية التنكر وشديد الإغاظة لأبي ذؤيب إذ فيه ما ترى من التحدي، أي لا أنت أقدر على استمالة قلبها ولا لك مخلب أسد ونابه فأخافك- وعلى هذا المعنى قوله من قبل:
فإن كنت تشكو من خليلٍ مخانة ... فتلك الجوازي عقبها ونصورها
قالوا نصور جمع نصر وجمع المصدر قليل وهذا من قول الأصمعي وما أشبه أن يكون النصور نفسه مصدر كالقعود والجلوس.
وإن كنت تبغي للظلامة مركبا ... ذلولًا فإني ليس عندي بعيرها
وهذا مثل -أي لا أقبل الظلم. فهذا من حديث أبي ذؤيب سقناه لمناسبة ما أوردنا له من الوصف.
وقد طال هذا الفصل وباب الأوصاف واسع وإنما ذكرنا الوصف في معرض
стр. 2014
الأغراض وما ذكرنا الأغراض إلا أنها من أركان وحدة القصيدة ونظامها، وقد حرصنا على أن نذكر من الأوصاف نماذج تشهد بافتنان الشعراء الأوائل في هذا الباب، وإن ند شيء مما يحسن ذكره أو ينبغي فإنا إن شاء الله سنستدرك ما يحضرنا منه في موضع يكون ذا مناسبة له، وإن كان هذا الموضع به أحق. ولنا فيما صنعه ابن رشيق في مواضع من كتابه العمدة قدوة صالحة إن شاء الله. وسنذكر أشياء نجعلها كالخاتمة لهذا الفصل ونذكر ذرءًا يسيرًا عن أوصاف المحدثين نكتفي من الغرفة بالوشل. هذا وقد سبق أن لفتنا نظر القارئ الكريم إلى أن قصة خالد بن زهير وأبي ذؤيب وابن عويمر كأنها قد أخذ منها أبو الطيب قوله:
كلما عاد من بعثت إليها ... غار مني وخان في ما يقول
أفسدت بيننا المودات عينا ... ها وخانت قلوبهن العقول
وصدق الله جل من قائل: ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾.
قال يزيد بن معاوية يذكر الخمر والخيل وكان شاعرًا وصاحب خمر وصيد فيما ذكروا ومع ذلك أمرأً شديد المراس ما هم بأمر إلا ركبه وقد صنع ما صنع بأهل الحرة من استباحة المدينة ومقتل الحسين السبط الشهيد ورمي الحرم بالمنجنيق:
وداع دعاني والنجوم كأنها ... قلائص قد أعنقن خلف فنيق
وناولني كأسًا كأن بنانه ... مخضبة من لونها بخلوق
إذا ما طفا فيها المزاج حسبتها ... كواكب در في سماء عقيق
وإني من لذات دهري لقانع ... بحلو حديثٍ أو بمر عتيق
أي جرى فرس عتيق ففرن بين أنس النديم ولذة الخيل كما ترى.
هما ما هما لم يبق شيءٌ سواهما ... حديث صديق أو عتيق رحيق
стр. 2015
فعاد بالعتيق على معنى الخمر وضمن حديث الصديق معنى المصاحبة في حالي الصيد والشراب وما أشبه. وبقي شيء سواهما وهو الموت وقد تردى ساقطًا من فرس. إن ربك لبالمرصاد.
وسقنا هذه الأبيات لمناسبتها بعض ما كنا فيه وبعض معاني ما يلي. فقوله: «قلائص» في تشبيه النجوم نظر إليه ذو الرمة في قوله «قلاص حداها راكب متعمم» البيت. وصفته الساقي كصفات الجاهلين من نحو قول الأسود بن يعفر:
يسعى بها ذو تومتين منطقٌ ... قنأت أنامله من الفرصاد
وتشبيهه لفقاقيع الخمر بكواكب در في سماء عقيق من نوع التشبيهات الحضارية المتصنع لها نحو «زورق من فضة» و «حمولة من عنبر» إلا أنه أقرب مثالًا وأكثر حيوية روح وأوغل في حاق عنصر التأمل الجمالي وإليه بلا ريب نظر أبو نواس في كلمته المشهورة.
كأن كبرى وصغرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب
وبيت يزيد أجود لأن الكواكب الدرية والسماء العقيقية أشبه بأثيرية نشوة الخمر من الحصباء وأرض الذهب وفي هذين كلفة تصنيع وقد تعلم ما أخذه عليه النحويون من قوله كبرى وصغرى وقد دوفع عنه في ذلك- هذا ومن جيد ما جاء في الخمر ومن نادره في بابه قول الأقيشر وقد ترجم له صاحب الأغاني وأحسب أن هذه الأبيات في الحماسة البصرية:
ومقعد قوم قد سعى في شرابنا ... وأعمى سقيناه ثلاثًا فأبصرا
شرابًا كريح العنبر الورد نشره ... ومسحوق هنديٍّ من المسك أذفرا
إذا ما رآها بعد إنقاء غسلها ... تدور علينا صائم القوم أفطرا
من القهوات الغر من أرض بابل ... إذا صبها الحاني في الكأس كبرا
стр. 2016
في هذا الوصف نوع من الغرام والشهوة ومع ذلك شيء كالروحانية والتصوف ألا ترى أنه نسب إلى الكأس المعجزة بسعي المقعد وإبصار الأعمى لما ذاقها ثم زعم أن الصائم يفطر بها وجعل إفطاره بها نوعًا كالرفث لقوله بها إنقاء غسلها فكأنها امرأة تغتسل وتتزين وتتعطر ويفوح نشرها فيترك صائم القوم لفتنتها له صومه. وقوله «إذا صبها الحاني في الكأس كبرا» فيه شريجان من عبادة ومجون وكالنظر إلى قول الأخطل:
تمر بها الأيدي نسيحا وبارحًا ... وتوضع باللهم حي وتحمل
وكان الأخطل نصرانيًّا فجعلها الأقيشر من مجونه كأسًا إسلامية يكبر عليها ساقيها فتأمل:
وقال أبو محجن الثقفي:
إذا مت فادفني إلى أصل كرمةٍ ... يروي عظامي في التراب عروقها
ولا تدفنني في العراء فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
هذا يقوله أبو محجن قبل إسلامه على مذهب إنكار البعث وكان لصناديد المشركين وزنادقة قريش مذهبًا وكان طريق ثقيف في الشرك كطريق قريش.
ويروى بخمر الحص لحدي فإنني ... أسيرٌ لها من بعد ما قد أسوقها
أباكرها عند الشروق وتارة ... يعاجلني بعد العشي غبوقها
وللكأس والصهباء حظ منعمٌ ... فمن حظها ألا تضاع حقوقها
أقومها زقا بحقٍ بذلكم ... يساق إلينا تجرها ونسوقها
وهذا من تباهي الجاهلية وكانت الخمر عزيزة.
وعندي على شرب العقار حفيظة ... إذا ما نساء الحي ضاقت حلوقها
стр. 2017
وذلك يكون من الخوف والهلع وقد وضحه في قوله من بعد:
وأعجلن عن شد المآزر ولها ... مفجعة الأصوات قد جف ريقها
وأمنع جار البيت مما ينوبه ... وأكرم أضيافًا قراها طروقها
أي يكفي أن يطرفوا بليل فأنا أقربهم ولا أسأل وراء ذلك من سؤال:
وإذ الشيء بالشيء يذكر فإن من جيد شعر أبي محجن، وليس من هذا الباب، قوله نورده لما فيه الحكمة وهي مع حرارة الصدق من انفعال القلب، هما جوهر الشعر:
لا تسألي الناس عن مالي وكثرته ... وسائلي القوم عن بذلي وعن خلقي
قد يعلم القوم أني عن سراتهم ... إذا سما بصر الرعديدة الفرق
أعطي السنان غداة الروع نحلته ... وعامل الرمح أرويه من العلق
وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض ... تنفي المسامير بالإزباد والفهق
أي بفوران الدم منها واتساع خرقها.
عف الإياسة عما لست نائله ... وإن ظلمت شديد الحقد والحنق
وأكشف المأزق المكروب غمته ... وأكتم السر فيه ضربه العنق
أي أكشف الغماء عن المكان الضيق الذي فيه الكرب.
قد يقتر المرء يومًا وهو ذو حسبٍ ... وقد يثوب سوام العاجز الحمق
ويكثر المال يومًا بعد قلته ... ويكتسي العود بعد الجدب بالورق
ويعجبني مما يجري نحوًا من هذا المجرى من قديم مقالات الحكمة قول عمرو بن قميئة صاحب امرئ القيس:
كبرت وفارقني الأقربون ... وأيقنت النفس أن لا خلودا
стр. 2018
وبان الأحبة حتى فنوا ... ولم يترك الدهر منهم عميدا
فيا دهر قدك فأسمح بنا ... فلسنا بصخر ولسنا حديدا
ولا يبقى الصخر ولا الحديد.
هذا والقصص في باب الوصف متمكن، وحسبك شاهدًا قافية رؤية:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق ... مشتبه الأعلام لماع الخفق
تبدو لنا أعلامه بعد الغرق ... في قطع الآل وهبوات الدقق
خارجة أعناقها من معتنق
وقد ذكرنا في الجزء الأول أنه جاء بها على مذهب الحداء وآية ذلك أن هذا سير وانخراط وهو الذي بدأ به من دون توطئة من نسيب- أخذ في الخروج رأسًا واكتفى به، وذلك أنه إنما كان يفد حين يفد بفصاحة البداوة ومعرض ذلك الخروج ووصف السير وطبيعة الصحراء وحيوانها.
هذا المعتنق، أي المكان الذي تعتنق فيه أعلام الصحراء خارجة من قطع السراب وتكسو البعد دونها هبوات الدق من الغبار.
تنشطته كل مغلاة الوهق ... مضبورة قرواء هرجاب فنق
هذه ناقة كما ترى ثم شبهها لتأنيثها -هكذا يقتضي السياق- بأتان وحشية.
كأنها حقباء بلقاء الزلق
الحقباء الأتان الوحشية لها خط صوف كالحزام في بطنها وفي وركيها الأملسين لون أبلق أي ذو سواد وبياض. ثم أضرب عن الأتان وشبه الناقة بالحمار إذ ذلك أدل على القوة ثم هو مدخل إلى الوصف الذي هو حقًّا غرض الشاعر:
أو جادر الليتين مطوي الحنق
стр. 2019
جعله جادر الليتين لأنه معضض يكدم الحمير يطردها عن آتنه وتكدمه والليت جانب العنق ومطوي الحنق أي ضامر مطوي الضمور:
محملجٌ أدرج إدراج الطلق
أي مكروب مدرج الجسم كالحبل. وقد كان ذا بدن لما رعي الربيع فضمره تعداؤه وعضاضة الحمر الأخرى ونزوانه على حلائله الثمان حتى حملت منه ولما حملت امتنعت عليه فأمسك عنها ولكنه يكون معها يحرسها ويسير بها بعد جفاف المرعى والغدران يلتمس بها، له ولها، أماكن الورد، أو يتأخر عنها، وهو في كل ذلك يتلفت ويشرف من فوق الربوات، خشية الصيادين وما عسى أن يكون مختبئًا أو متربصًا من أصناف الغوائل:
لوح منه بعد بدنٍ وسنق
تلويحك الضامر يطوي للسبق
أي ضمره كتضمير حصان السبق.
قود ثمانٍ مثل أمراس الأبق
قودٌ جمع قوداء وهي الطويلة هذا ظهر الأرض، عني أتنه وجعلها مدرجة مكروبة الأجسام مثل حبال القنب وهي أمراس الأبق:
قد أحصنت مثل دعاميص الرنق
أجنةً في مستكنات الحلق
فعف عن أسرارها بعد العسق
ولم يضعها بين فرك وعشق.
(بالكسر وبالتحريك).
стр. 2020
مستكنات الحلق عنى بها أرحامها وهو من صفة القرآن لأرحام النساء ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات] ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر] أي هذه الأتن الثمان قد حملت وأحصنت في أرحامها أجنة مثل الدعاميص التي ترى في بقايا الغدران وماؤها كما وصفه رنق أي ذو كدرة. وصفة الأجنة بالدعاميص من دقيق الملاحظة. والعلماء الطبيعيون يرون في باب التطور أن الجنين في الرحم يحكي الضروب التي كان قد مر بها نوعه قبل أن يصير إلى تقويمه النهائي فالبشر مثلًا كانوا كالأحياء المائية قبل ان يصيروا برمائيين وأصنافًا من الزواحف فالثدييات فالقردة فالنسانيس. وفي أمثال الميداني أن النسناس خلق كالناس، غلبه الناس وأكلوه، وكان ضعيف الكيد مهذارًا فذلك كان يدل الناس على مكانه فيأخذونه ويأكلونه. فزعموا أن آخرهم هلاكًا خاف فلزم الصمت وقال لما رأى صاحبيه المهذارين يقتلان: «أما أنا فصميميتٌ» فأرسلها مثلًا فسمعه الناس فصعدوا إليه فقتلوه وأكلوه. ويزعم بعض الباحثين أن أصنافًا من النسناس لا تزال باقية في بعض الأصقاع النائية من منغوليا وجبال القوقاز. فالله أعلم ما صحة ذلك.
ثم أخذ رؤبة في صفة الصيف وأعاصيره وسفاه -والسفا شوك ذو أسنة لذاع وجفافه وعطشه وما تدعو إليه الحاجة عند ذلك من التماس الورد، وأن الحمار يكون في هذه الحال لآتنه بمنزلة السيد والدليل والقائد والحارس كما قدمنا من ذكر أمره:
ألف شتى ليس بالراعي الحمق
شذابة عنها شذى الريع السحق
الربع جمع الرباعي من الفحول والسحق جمع سحوق أي طويل.
قباضة بين العنيف واللبق
стр. 2021
وهذا كأنه نعت قائد سياسي محنك من البشر.
إذ تتلاهن صلصال الصعق
معتزم التجليح ملاخ الملق
أي سريع انطلاقات الجري.
يرمي الجلاميد بجلمود مدق
وقد ذكرنا قبل خبر أبي مسلم إذ سمع هذا البيت فقال أنا ذلك الجلمود المدق.
حشرج في الجوف سحيلًا وشهق
حتى يقال ناهق وما نهق
ثم بعد افتنان رؤية في وصف الأتن وفحلها وطريقها الوعر وحراسته لها- صار إلى وصف العين وقصبائها والصائد المختبئ فيها:
فجئن والليل خفيٌّ المنسرق
أي خفي الانسراق وذلك أوائل الفجر الأول في الثلث الأخير- فجئن أي الحمر.
في الماء والساحل خضخاض البثق
وهن حرار الأجواف.
يمصعن بالأذناب من لوح وبق
هن يمصعن بالأذناب يطردن بذلك الحشرات من بعوض ونحوه وهو الذي سماه بالبق ههنا- وهن لا يمصعن بسبب العطش، ولكن هذا البق البغيض أقلقهن إذ أقبل ليشرب من دمائهن وهن إلى الشراب أحوج، فلذلك جعل رؤية ضربهن بأذنابهن بسبب العطش مع البق أيضًا- ثم ذكر الصائد المختبئ في الزرب وأنه
стр. 2022
قد احتفره بمقدار ما يتمكن فيه من الرؤية والقعود والارتفاق متهيئًا للرمي. وقد سكن وتجنب كل حركة حتى لا يشعرن به، حتى إنه من التزامه عدم الحركة، لو يمضغ «شريا» أي حنظلًا ما بصق:
فبات والنفس من الخوف الفشق
في الزرب لو يمضغ شريا ما بصق
وافتن في صفة الصائد من قبل- صبره ومهارته ومثابرته وجودة بصره، إذ لم يشك من داء بصدغيه.
وما بعينيه عواوير البخق
كسر من عينيه تقويم الفوق
أي تعوده أن يقوم أفواق السهام على ذلك جعله ينظر بطرف منكسر النظر إلى تحت. فوق السهم بضم الفاء حيث يوضع من الوتر. وجعل من آية صبره صفة امرأته وهي كما قال:
يأوي إلى سفعاء كالثوب الخلق
أي هي مسودة البشر من الشقاء والشمس شاحبة رثة كالثوب القديم البالي.
مسموعة كأنها إحدى السلق
أي لها عواء كالسلقة أي الذئبة وكأنها ذئبة من الذئاب وإنما يكون عواء الذئاب مع جوعها. فكنى بهذا الوصف أنها تعوي عليه بملامتها وصخبها إذا لم يجيء بصيد يطعم به أطفالها. سلقه بكسر السين وسكون اللام والجمع بكسر السين وفتح اللام.
لو صخبت حولًا وحولًا لم تفق
تشتط في الباطل منها الممتذق
أما هو فمع صبره جواد.
стр. 2023
ولا يحميه من صخب المرأة إلا أن يعمل ويختبئ للصيد ويصيب وأن يسأل الله أن يوفقه -وجاءت الحمر خائفة تترقب، ثم خاضت الماء، ثم غلبها عطشها فشربن وأون (بفتح الهمزة وتشديد الواو مفتوحة ونون مشددة إحداهما أصلية والثانية ضمير عائد على الحمر) أي امتلأن. هناك أرتاز الصائد وسط نصل سهمه- والخط الذي في نصف النصل يقال له العير بفتح العين المهملة وسكون الياء وأرتاز أي اختبر بمس إصبعه ثم سمى الله ورمى.
فارتاز عير سندريٌ مختلقٌ
السندري السهم. مختلق أي مقدر تقدير صناعة حسنة.
لو صف أدراقًا مضى من الدرق
فلما رضى مس سهمه هذا الماضي الفتول وسوس في ساعة انهاكها تمتلئ شربًا حتى كأنهن غفق (بالضم جمع عقوق بوزن فعول المفتوح الأول وهي الحبلى من الخيل والحمر المثقلة بالحبل):
وسوس يدعو مخلصًا رب الفلق
سرًّا وقد أون تأوين العقق
أي شربن وامتلأن كالحوامل شربهن وامتلاؤهن. وقد نعلم أنهن حوامل ولكن ذلك كان في أول حملهن وقد أحصنت أرحامهن أجنةً خلقتهن في الطور الدعموصي. والعقوق كما قدمنا مثقلة.
وإذا بالأسهم، والحمار شديد التنبه، اشتلاهن أي ناداهن ودفعهن بقوة لينقذهن ولكن الأسهم كن أسرع من انتباهته واشتلائه لهن بأسرع ما يقدر عليه:
فما اشتلاها صفقه للمنصفق
стр. 2024
حتى تردت أربعٌ في المنعفق
بأربعٍ ينزعن أنفاس الرمق
وتساقط الدم قطعًا:
ونجا الحمار بالأربع الباقيات وقد انخرطن في عدو له غبار مستنات هربًا- حتى إذا ابتعدن جعل الحمار كلما تذكر ما كان:
كاذب لوم النفس أو عنها صدق
هل قصر في حراستهن فأضاع ذلك ما ضاع منهن؟ أهل حقًّا بذل أقصى جهده، وليس من القدر فرار؟
لقد عطف رؤبة على الصائد فلم يرده خائبًا. وعلى الفحل فلم يكن هو المصاب ولا ماتت كل حلائله. وكأن رؤبة قد انتقم من امرأة الصائد إذ كان الأربع المترديات بعض صورة منها. ثم الصائد لجوده لم يفحش ...
كما وصفه من قبل ...
لم يفحش عند صيدٍ مختزق
نيء ولا يذخر مطبوخ المرق
ونهيب بالقارئ الكريم أن يرجع إلى نص هذه الأرجوزة الجيدة كاملًا في ديوان رؤية وفي شرح البكري المختصر لها في كتابه أراجيز العرب وفي شرحها الذي بهامش الخزانة وغيرها. وحسبك ما قدمنا ذكره من قبل من إجماع النقاد على تزكيتها. وقال المعري في اللزوميات يشير إليها:
مالي غدوت كقاف رؤية قيدت ... في الدهر لم يقدر لها أجراؤها
стр. 2025
مل المقام فكم أعاشر أمة ... أمرت بغير صلاحها أمراؤها
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها ... وعدوا مصالحها وهم أجراؤها
ولولا خشية أن نفرط في الإطالة لأوردناها كاملة.
هذا ومن قصص الوصف الجيد في باب الخروج من قديمات القصيد قطاة زهير بن أبي سلمى وقد شبه بها فرسه ثم خلص إلى صفة نجائها من الصقر:
كأنها من قطا الأجباب حلأها ... وردٌ وأفرد عنها أختها الشرك
أي كأن فرسي قطاة من القطا التي ترد الأجباب أي البئار، حلأها أي منعها من الورود أن رأت وردًا أي جماعة من الناس واردة فأخافها ذلك. وكانت لها رفيقة أصابها شرك فزادها ذلك ذعرًا. ثم أهوى لها صقر أسفع الخدين ليصطادها:
جونية كحصاة القسم مرتعها ... بالسي ما تنبت القفعاء والحسك
أهوى لها أسفع الخدين مطرق ... ريش القوادم لم ينصب له الشبك
أي صقر. وقول ذي الرمة «طراق الخوافي» الذي مر مأخوذ من ههنا.
لا شيء أسرع منها وهي طيبة ... نفسًا بما سوف ينجيها وتترك
تأمل صناعة زهير كيف جعل آخر البيت السابق صفة منونة بعدها تمييز وكذلك فعل في هذا البيت إلا أن التمييز هنا منون وفي البيت السابق مضاف إلى ما فيه الألف واللام- وتترك أي تدخر بعض سرعتها إلى حين تحزبها مضايقة الصقر لها.
دون السماء وفوق الأرض قدرهما ... عند الذنابي فلا فوتٌ ولا درك
عند الذنابي له صوتٌ وأزملةٌ ... يكاد يخطفها طورًا وتهتلك
стр. 2026
الآن وقت جدها وطيبها نفسًا بكل ما عندها من سرعة الطيران. وتأمل دقة الصورة وحيويتها حتى لتكاد تسمع حفيف أجنحة الصقر المطرق ريش القوادم الشرس المخيف.
حتى إذا ما هوت كف الوليد لها ... طارت وفي كفه من ريشها بتك
كأن الصقر أهوى هنا ليخطفها. وهو الإهواء الذي بدأ به الشاعر وهو وقت أشد خوفها فلما أهوى إليها هوت منه في أشد إسراع. ودانت الأرض، فمد غلام إليها يده، فكأنما نجت من مصيبة لتقع في أشد منها. فطارت صاعدة وقد انتزع بتكا من ريشها بكسر الباء وفتح التاء جمع بتكة يكسر فسكون. واستمرت ببقية قوة طيرانها إلى الوادي. ودل على قرب الوادي منها هذا الغلام. وحاد عنها الصقر لخوفه حيث كثرة الناس.
ثم استمرت إلى الوادي فألجأها ... منه وقد طمع الأظفار والحنك
وكيف لا تطمع أظفاره وحنكه وقد كان عند ذناباها يكاد يخطفها.
حتى استغاثت بماء لا رشاء له ... من الأباطح في حافاته البرك
والبرك من الطير بضم وفتح فيئس الصقر وزل عنها وارتفع إلى صخرة يراقب منها.
فزل عنها وأوفى رأس مرقبة ... كمنصب العتر دمى رأسه النسك
ومن هنا أخذ ذو الرمة طريقة سائر وصفه الصقر حيث قال:
طراق الخوافي واقع فوق ربعةٍ ... ندى ليله في ريشه يترقرق
فجعل الندى مكان السفعة التي بدأ بها الصقر فوق صخرته كأنه نصب قد اسودت
стр. 2027
عليه حمرة دماء العتائر وهي من ذبائح المشركين لأصنامهم، وقد سبق ذكرنا مطلع قصيدة هذه الأبيات الكافية.
بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... وزودوك اشتياقًا أيةً سلكوا
وغنها سيدة الكافيات عند الأوائل من النقاد.
ومن أمثلة القصص الوصفي الجياد حمار لبيد وأتانه ولا سيما حيث يقول:
فتوسطا عرض السرى وصدعا ... مسجورة متجاور أقلامها
محفوفة وسط اليراع يظلها ... منه مصرع غابة وقيامها
وحيث وصف البقرة المسبوعة وقد أوردنا ذلك مع أبيات الحمر وأبياتًا أخر من المعلقة في الجزء الأول ومن بعد فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.
وثور النابغة وكلا به في «يا دارمية».
وثور عبدة بن الطبيب في اللامية:
هل حبل خولة بعد الهجر موصول
وهي السادسة والعشرون من المفضليات. وقد أحسن في صفة قتال الثور الكلاب ونصره عليهن.
حتى إذا مض طعنًا في جواشنها ... وروقه من دم الأجواف معلول
ولى وصرعن في حيث النيسن به ... مضرجات بأجراح ومقتول
كأنه بعد ما جد النجاء به ... سيف جلا متنه الأصناع مصقول
مستقبل الريح يهفو وهو مبتكر ... لسانه عن شمال الشدق معدول
وذلك لاشتداده في الجري وهو يلهث مما نهكه القتال. فكأن قد خلع عليه
стр. 2028
شيئًا من صفة الكلاب التي قتلها. وقد جعله عمود وصفه. ولم يخل من نظر إلى النابغة إذ وصف طعن الثور فرائص الكلب وأحشاءه.
شك الفريصة بالمدري فأنفذها ... شك المبيطر إذ يشفى من العضد
فظل يعجم أعلى الروق منقبضا ... في حالك اللون صدقٍ غير ذي أود
عمود الوصف هنا صورة الكلب المتضور وقد أحاط به الموت ونزعه.
كأنه خارجًا من جنب صفحته ... سفود شربٍ نسوه عند مفتأد
الكلب لا يزال بعد هو عمود الصورة؛ لأن فرث أحشائه هو الذي صار به قرن الثور كالسفود المنسي. وصفحة الكلب ههنا شيء ظاهر الصورة غير منسي. تصوير النابغة لوحة تامة ناطقة. وتصوير عبدة يلائم ما كان هو آخذًا فيه من معاني الحركة والبسالة والقتال.
ولكأن الكلب المتضور في دالية النابغة هو أحد هؤلاء الوشاة.
ومن الأمثلة ما مر من صفة العاسل. ومن ذلك ما افتن فيه الأعشى من صفة سباء الخمر.
وهلم جرا.
هذا وربما جاء وصف الطبيعة في أثناء القصص أو كالالتفات منه، فكان في الغاية من الحسن مثل قول قيس بن العيزارة:
سقى الله ذات الغمر وبلًا وديمة ... وجادت عليه البارقات اللوامع
ذكر الضمير من عليه لأن المعنى واد. والبيت من العينية التي أوردنا منها طرفًا في معرض من حديثنا عن طبيعة البحر الطويل وصلاح القصص عليه.
بما هي مقناة أنيقٌ نباتها ... مربٌّ فتهواها المخاض النوازع
مقناة أي موافقة لكل من نزلها، أو لا تطلع عليها الشمس، وهو قريب من
стр. 2029
المعنى الأول لما ينبئ عنه من ظلها البارد بالضحى. مرب أي مألف تألفه المخاض أي الإبل الحوامل وتنزع إليه وتشتهيه.
إذا سأل ذو الماوين أمست قلاته ... لها حبب تستن فيه الضفادع
قلات بكسر القاف جمع قلت بفتح القاف وسكون اللام والقلت النقرة فيها الماء بالجبل والكلمة معروفة في دارجتنا تستن فيه أي في ذي الماوين.
إذ حضرت عنه تمشت مخاضها ... إلى السر يدعوها إليه الشفائع
أي إذا صدرت عن الماء مضت إلى سر الوادي (أي وسطه وأجود مكان فيه) الممرع ذي النبت المتراكم الألوان. قالوا الشفائع تؤام النبت اثنين اثنين وألوان المرعى ما نبت منه اثنين اثنين.
لها هجلات سهلةٌ ونجادة ... دكادك لايوبي بهن المراضع
ويروى المراتع وهو حسن والمراضع السحاب والهجلات ما لأن من بطون الأرض.
كأن يلنجوجًا ومسكًا وعنبرا ... بإشرافه طلت عليه المرابع
هذه الأبيات في صفة الطبيعة آخر القصيدة العينية التي يذكر فيها أسره. وفيها من معنى الكناية عن التماس الحرية من الأسر والشوق إلى ديار قومه ما لا يخفى. وحين أوردنا من هذه العينية أبياتًا في الجزء الأول لم يكن بأيدينا ديوان هذيل وندعن الذاكرة آنئذ أولها وهو قوله:
لعمرك انسى روعتي يوم أقتدٍ ... وهل تتركن نفس الأسير الروائع
غداة تنادوا ثم قاموا وأجمعوا ... بقتلى سلكي ليس فيها تنازع
وقالوا عدوٌ ليس فيه هوادةٌ ... وهاجٍ لأرحام العشيرة قاطع
стр. 2030
وهي في الجزء الثاني من طبعة القاهرة. ومن شعر هذيل الجيد الوصف للطبيعة قول أبي ذؤيب:
سقى أم عمرو كل آخر ليلة ... حنا تم سودٌ ماؤهن ثجيج
إذا هم بالإقلاع هبت له الصبا ... فأعقب نشء بعدها وخروج
تروت بماء البحر ثم ترفعت ... متى حبشيات لهن نئيج
أي هذه السحائب أصل مائها من البحر، شربن من مائه ثم ترفعن من لحجه ولا يخفى ما هننا من معاني علم الجغرافيا كقول أبي الطيب من بعد:
كالبحر يقذف للقريب جواهرا ... كرمًا ويبعث للبعيد سحائبا
وهذيل كانوا قريبًا من البحر ولهم بوصفه علم.
يضيء سناه راتقٌ متكشف ... أغر كمصباح اليهود دلوج
كما نور المصباح للعجم أمرهم ... بعيد رقاد النائمين عريج
أي نوره عريج أي شخص يعرج على الكنيسة يوقد سراجها.
أرقت له ذات العشاء كأنه ... مخاريق يدعى تحتهن خريح
خريج لعبة للصبيان يصيحون بها كما يصيح (أو قل كما كان يصيح) صبياننا:
شليل وينو (أي وأين هو).
أكله الدودو.
شليل وين راح.
أكله التمساح.
стр. 2031
البرق الذي كالمخاريق هو الشديد اللمع ذو التعاريج والهول الهائل.
تكركره نجدية وتمده ... مسفسفة فوق التراب معوج
أي تجره ريح نجدية وتردده- معوج سريعة المر.
له هيدبٌ يعلو الشراج وهيدبٌ ... مسفٌّ بأذناب التلاع خلوج
أي له أطراف فوق طرائق الحجارة السود وأطراف فوق مسايل الماء والأماكن المنخفضة.
ضفادعه غرقى رواءٌ كأنها ... قيان شروب رجعهن نشيج
ثم سالت السيول.
لكل مسيل من تهامة بعدما ... تقطع أقران السحاب عجيج
كأن ثقال المزن بين تضارعٍ ... وشابة بركٌ من جذام لبيج
أي إبل ضاربات الأرض بأجرنتهن.
فذلك سقيا أم عمرو وإنني ... بما بذلت من سيبها لبهيج
وقد كنا وعدنا أن نذكر باب الخروج منفردًا وما يفتن فيه الشعراء من أساليب الوصف عنده. وفي الذي تقدم، وفي الذي يلي إن شاء الله عندما نذكر طرق الربط والتخلص وما هو من هذا المجرى من مذاهب الشعراء ما عسى أن يغني عن الإفاضة فيه، إذ نخشى ما يكون مع ذلك من الإطالة اللازمة؛ لأن استطراد الشعراء بضروب الأوصاف في باب الخروج كثير- بل هو طريقهم الذي يندر أن يسلكوا غيره. وذلك لأن الوصف من مقاصد الشعر كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرارًا.
стр. 2032
وقال كعب بن زهير في خروجه من النسيب عندما صار إلى صفة ناقته فنعتها نعتًا محضًا في أربعة عشر بيتًا من نحو قوله:
غلباء وجناء عكلوم مذكرة ... في دفها سعةٌ قدامها ميل
حرف أخوها أبوها من مهجنة ... وعمها خالها قوداء شمليل
ثم عمد إلى التشبيه المخالط للقصص في البيت الخامس عشر فما بعده:
كأن أوب ذراعيها إذا عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيل
القور الجبال الصغار واحدها قار والعساقيل السراب- أي وقد لبست التلال وصغار الجبال أكسية السراب.
يومًا يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحية بالشمس مملول
مصطخدًا أي مصطليًّا بحر الشمس.
وقال للقوم حاديهم وقد جعلت ... ورق الجنادب يركضن الحصى قيلوا
أي قال لهم قيلوا في ساعة اشتداد الحر. ورق الجنادب أي الجنادب الورق أي الرماديات الألوان.
شد النهار ذراع عيطلٍ نصفٍ ... قامت فجاوبها نكدٌ مثاكيل
أي كأن أوب ذراعي هذه الناقة أي رجع ذراعيها، كأنه رجع ذراعي امرأة عيطل أي طويل عنقها وهي طويلة حسنة الجسم. وجعلها نصفًا لأنه ههنا يعنيه أمر نضجها ونشاطها في النوح لشدة مصابها -هي ثكلى ومعها نكد مثاكيل- لم يعطهن من وصف غير أنهن مشؤمات منكودات، وهي أصبحهن وجهًا وأرفعهن قامة وأحدثهن فجعًا.
نواحة رخوة الضبعين ليس لها ... لما نعى بكرها الناعون معقول
стр. 2033
أي جنت لهزل المصيبة أو كأم جنت. معقول أي عقل.
تفري اللبان بكفيها ومدرعها ... مشقق عن ... تراقيها رعابيل
وازن بين هذه الصورة وصور ضروب الحسان اللاتي مرت أوصافهن من قبل- ثم رجع كعب إلى وصف الناقة وكنى بها عن نفسه إذ قال:
تسعى الوشاة جنابيها وقولهم ... إنك يابن أبي سلمى لمقتول
وأم البكر الثكلى النائحة كثيرة في شعر هذيل- مثلًا قول عبد مناف بن ربع يذكر نائحتين يخصهما ويذكر النائحات عامة:
ماذا يغير ابنتي ربع عويلها ... لا ترقدان ولا بؤسي لمن رقدا
كلتاهما أبطنت أحشاؤها قصبا ... من بطن حلية لا رطبًا ولا نقدا
إذا تجرد نوحٌ قامتا معه ... ضربًا أليمًا بسبب يعلج الجسدا
قوله كلتاهما إلخ هذا كقول عنترة في ناقته:
بركت على جنب الرداع كأنما ... بركت على قصب أجش مهضم
أي لصدرها صوت كصوت القصب الذي يزمر به وهاتان النائحتان كأن في أحشائها قصب زامر. وقوله إذا تجرد نوح بفتح النون وسكون الواو أي إذ كشفن صدورهن للنوح والنوح مصدر والنوح هنا جماعة النائحات كقولهم السفر بفتح فسكون لجماعة المسافرين والتجر بفتح فسكون الجماعة التجار. والسبت بكسر السين هو الجلد وعني به النعال يضربن بها صدورهن مبالغة في إظهار الحزن.
وغلا حميد بن ثور الهلالي في تشبيه ساقه كالقصة فزعم أن الابن البكر قاد
стр. 2034
جمعًا. وكان فارسًا يلقي إليه القوم مقاليد أمرهم فما هو إلا أن كان القتال.
فلم يستطع من نفسه غير طعنة ... سوًى في ضلوع الجوف نافذة الوغل
فخر وكرت خيله يندبونه ... ويثنون خيرًا في الأباعد والأهل
فلما دنوا للحي أسمع هاتفٌ ... على غفلة النسوان وهي على رحل
فقامت إلى موسى لتذبح نفسها ... واعجلها وشك الرزية والثكل
ثم زعم حميد أن ذلك النعي كان خبرًا غير صحيح وإذا بابنها يئوب سالمًا فزعم أن وجده بصاحبته جمل كوجد تلك المرأة إذ جاءها النعي فهمت بقتل نفسها وفرحته كفرحتها إذ نجا.
فوجدي بجملٍ وجدتيك وفرحتي ... بجملٍ كما قد بابنها فرحت قبلي
وهذا الشعر وسط. ولحميد نفس أعلى منه في ميمية الحمامة وفي سرحة مالك التي يقول فيها:
أبى الله إلا ان سرحة مالك ... على كل أصناف العضاة تفوق
والدالية التي وصف فيها ماخضة اللبن فقال:
جلبانة ورهاء تخصي حمارها ... بفي من بغي خيرا لديها الجلامد
وزعم المعري أن القطامي نظر إليها في بائيته:
تلفعت في طل وريح تلفني ... وفي طرمساء غير ذات كواكب
إلى حيزبونٍ توقد النار بعدما ... تلفعت الظلماء في كل جانب
وقد أحسن حميد نعت المرأة إذ هي نصف جلدة لها بقية من جمال غير ن العمل وشدة العيش أحدث في ملاسة بشرتها التي كانت أخاديد:
عريبية لا ناحضٌ من قدامة ... ولا معصرٌ تجري عليها القلائد
стр. 2035
أي ليست كبيرة مترهلة ولا هي من الصغيرات الدقيقات الرقبات حتى أن القلائد حول أعناقهن تجول.
إزاء معاش لا يزال نطاقها ... شديدًا وفيها سورة وهي قاعد
كني بشدة النطاق عن نشاطها وبقية قوة شبابها وفسر محقق طبعة الديوان (دار الكتب) وهو العلامة الميمني ﵀ القاعد بأنها التي غادرت زمن الولادة وهو وجه قوي إذ من عادة الشعراء في الوصف أن تجعل عدم الولادة من شواهد القوة يذكرون ذلك في نعت النوق وقل شيء ينعتون به إناث الإبل لا ينعتون به إناث البشر.
على أني أرجح أن المراد بالقاعد في هذا البيت هو معنى القعود الذي هو ضد القيام. ذلك بأن قوله: «لا يزال نطاقها شديدا» يستفاد منه أنها قائمة نشيطة عاملة متحركة وعقد نطاقها محكم الربط لا يتهافت إلى سقوط، فقوله: «وهي قائد» جعله في مقابلة هذه الصفة. ويقويه أن المرأة تمخض وهي قاعدة وهذا يدرك بالمشاهدة.
وأحسب أن دعا الميمني إلى الأخذ بمعنى القاعد إحدى القواعد كما في قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [سورة النور] أن اللفظ بوزن فاعل بدون التاء المفيدة للتأنيث وهذا مما يجاء به لتخصيص المعنى كما في قولهم حائض وطامث. والمعنى عندي في قاعد: «ذات قعود» فمن أجل ذلك جاء الشاعر بالوصف على صيغة فاعل. والسياق يدل على أن ضد القيام هو المراد:
مداخلة الأرساغ في كل إصبع ... من الرجل منها واليدين زوائد
والزوائد من أثر العمل.
كان مكان العقد منها إذا بدا ... صفا من حزيز سهلته الموارد