ضمن الأوراد وأكثر الشعراء المداح من مجاراتها حتى نظم الشيخ يوسف النبهاني من المتأخرين، قصيدة طويلة بلغ بها ألف بيت على هذا الروي.
ولو قد وقف أمر الهمزيات عند هذا الحد لكان للناقد عن الإفاضة فيه مندوحة ومستماز إذ قل من المداح من أجاد إجادة البوصيري أو كاد يدنو من غباره. ولكن أبي شيطان الشعر الجموح إلا أن يغوي أحمد شوقيًا فيركبه مركب الحرث وابن قيس الرقيات بعد أن صار كودنا. وقد كان لشوقي من عظيم الثقة بنفسه ما اغراه بأنه عسى أن يعيد إلى همزيات الخفيف رونقها القديم - فاصطنع أسلوب البوصيري في التطويل والتفصيل، ونهج نهج الحرث في الفخر، والعنجهية القبلية. والجدل الذي لا يراد به رفع راية الإسلام، وإنما تمجيد الفراعنة ومدح بناة الأهرام والإشادة بالوطنية المصرية القديمة، فقال كلمته الطويلة المعروفة (١):
همت الفلك واحتواها الماء ... وحداها بمن تقل الرجاء
وقد كان شوقي ﵀ مولعًا بالتاريخ، حريصًا على نظمه. وقد كان غاب عنه أن أوميروس وأضرابه من قدماء الملحميين لم يكونوا علماء، وإنما كانوا رواة أخبار وخرافات وذوي إنشاد وتغن، فحسب أن ما أوتيه هو من مقدرة في النظم مع معرفة بالتاريخ وتأثر بتفصيله وإجماله، يكفي لإبراز ملحمة عظيمة كتلك الملحميات الأول- وهذا ما لا يكون ولا يمكن أن يكون، لأن من أهم العناصر اللازمة للملحمة، العقيدة الدينية القوية، ومهما يبلغ إيمان شوقي بوطنه وتعصبه لتاريخه، فإنه ما كان ليبلغ عمق اعتقاد أوميروس في خرافاته وآلهته، كلا ولا عمق اعتقاد دانتي في نصرانيته أو ملتون في بيورتانيته - أقول هذا على تقدير التسليم بأن شوقيًا لم يكن له من دين إلا حب مصر والتعصب لها، مع أن الحقيقة التي لا يمكن دفعها أنه كان
стр. 247
مسلمًا صادق العقيدة، وأن غرامه بمصر كان طرفًا من غرام أبرع وأوسع هو غرامه بلغة العرب ومدنيتهم وبالإسلام كما تجلى في أيام الرشيد وهشام. وكما كان يوده أن يتجلى في دولة بني عثمان.
والقاريء لهذه الهمزية الطويلة من شعر شوقي يؤسفه حقًا أن هذا الشاعر الفذ قد أفسد فنه بالأسلوب التأريخي التعليمي كما في قوله:
لا رعك التاريخ يا يوم قمبيز ولا ططنت بك الأنباء
وهذا فاتحة لدرس تأريخي بعده، وكقوله:
طلبة للعباد كانت لإسكندر في نيلها اليد البيضاء
وكقوله:
سجدت مصر في الزمان لإيزيس الندى من لها اليد البيضاء
وخاطب إيزيس بقوله:
لك آبيس والمجتب أوزيرس وابناه كلهم أولياء
مثلث للعيون ذاتك والتمثيل يدني من لا له إدناء
وادعاك اليونان من بعد مصر ... وتلاهم في حبك القدماء
فإذا قيل ما مفاخر مصر ... قيل منها إيزيسها الغراء
رحم الله شوقيًا ما كان أغناه عن هذا العناء، وهل عدا هنا أن نظم كلامًا كان وجهه أن يورد نثرًا، لا فنيًا، ولكن علميًا جافًا كنثر علماء الأنثروبولوجيا وتطور الأديان؟ وهل ترى، لو كانت إيزيس هذه قاعدة نحوية، وآبيس وأوزيريس متفرعات لها، أن شوقيًا كان يزيد على مثل قول ابن مالك:
مبتدأ زيد وعاذر خبر ... إن قلت زيد عاذر من اعتذر
стр. 248
وأول مبتدأ والثاني ... فاعل اغنى في: أسار ذان؟
وانظر إلى قوله "والتمثيل يدني من لاله إدناه" أليس أجدر بهذا القول قس لاهوتي ملكاني يناظر إمبراطور القسطنطينية "ليو"؟
وانظر إلى قوله:
هرمت دولة القياصر والدو ... لات كالناس داؤهن الفناء
ليس تغني عنها البلاد ولا مال الأقاليم إن أتاها النداء
نال روما ما نال من قبل آثينا وسيمته ثيبة العصماء
سنة الله في الممالك من قبل ومن بعد ما لنعمى بقاء
أشهد أن نفس شوقي في سردة لتأريخ هؤلاء القدماء، إغريقهم ورومانيهم وفرعونيهم بارد خال من العاطفة، مسيطرة عليه قبضة الفكر وعصا النظم وسوطه. ولقد كان ﵀ أصدق عاطفة وأحر نفسًا، حين نظم تأريخ الإسلام في بحر الرجز المزدوج (١) وهو من أضعف البحور. وأورد لك على سبيل المثال قوله هناك:
يا يوم صفين بمن قضاكا ... هل أنصف الجمعان إذ خاضاكا
فيك انتهى بالفتنة التراقي ... واصطدم الشام بالعراق
ونفدت بقية من صحب ... تلقت الطعن بصدر رحب
بنو القنا أبوة الأسنة ... أهل الكتاب نصراء السنة
وفت لهم بدر وهم أهله ... وخنتهم مشيخة أجله
ما كان ضر نصراء البيعة ... لو صبروا على الوغى سويعة
غادرهم بسحره معاوية ... كأنهم أعجاز نخل خاوية
ألقى القنا وشرع المصاحفا ... ينشد بالله الخميس الزاحفا
стр. 249
لا يرفع المصحف كالدفوف ... والسلم لا تذكر في الصفوف
انظر إليه هنا كيف حمي وتشيع، وفي الهمزية كيف برد وتعثر. وقد أتي شوقي من جهة عقله وثقافته وبيئته، فقد كان يحسب الإشادة بتأريخ مصر عن طريق النظم دينًا عليه واجبًا قضاؤه، وفرضًا لازمًا
أداؤه. وقد أعماه هذا الضلال والتمذهب الفكري عما في خويصة نفسه من حب مصر المسلمة حامية الإسلام. لا الوثنية بانية الأهرام، وهمزيته الطويلة هذه شاهد عدل على أن الشاعر إذا جرى على غير طبيعته زل وانكب، وما لقى ما أحب. إذ ليس فيها على طولها إلا رتابة تتبع رتابة، وقواف مفتعلة افتعالًا كأنما اقتنصها صاحبها من القاموس، وعنت شبيه بالعنت الذي في لا مية الأفعال، ولا تجد فيها مما يستحق الاستحسان إلا نتفا كقوله في أولها:
لجة عند لجة عند أخرى ... كهضاب ماجت بها البيداء
نازلات في سيرها صاعدات ... كالهوادي يهزهن الحداء (١)
رب إن شئت فالفضاء مضيق ... وإذا شيئت فالمضيق فضاء
فاجعل البحر عصمة وابعث الرحمة فيها الرياح والأنواء
أنت أنس لنا إذا بعد الأنس وأنت الحياء إذ لا حياء
يتولى البحار مهما ادلهمت ... منك في كل جانب لألاء
وإذا ما علت فذاك قيام ... وإذا ما رغت فذاك دعاء
فإذا راعها جلالك خرت ... هيبة فهي والبساط سواء (٢)
وهذا كأنما قاله وهو خائف من هيجان البحر وغطامطه المتلاطم، وكأنما لجأ إلى الله- كما لجأ البوصيري عند مرضه - ليستنقذه من دوار البحر وسقمه.
стр. 250
ومع هذا كله فليست هذه الأبيات من متقدم شعر شوقي. وليس في الهمزية بعدها ما يقرب منها في السلامة إلا مدح الرسول من قوله:
أشرق النور في العالم لما ... بشرتها بأحمد الأنباء
إلى قوله:
أيرى العجم من بني الظل والماء، عجيبًا أن تنجب البيداء
وهذا بيت جيد.
والقطعة التي مدح فيها الرسول جميعها تنظر إلى كلام البوصيري في همزيته، وكأنما قصد شوقي إلي مباراته عمدًا، وقد قصر عنه، وبيته الأول "أشرق النور الخ" كما ترى مستعار من قول البوصيري:
وتوالت بشرى الهواتف أن قد ... ولد المصطفى وحق الهناء
داليات الخفيف
تجاوزنا بائيات الخفيف وما بعد ذلك طلبًا للاختصار إذ هي كثير والحديث عنها يطول ومن أقدم ما جاء على الدال مجمهرة أبي زبيد التي قال فيها:
إن طول الحياة غير سعود ... وضلال تأميل طول الخلود
علل المرء بالرجاء ويضحى ... غرضًا للمنون نصب العود
كل يوم ترميه منها برشق ... فمصيب أوصاف غير بعيد (١)
كل ميت قد اغتفرت فلا أو ... جع من والد ولا مولود
غير أن الجلاح هد فؤادي ... يوم فارقته بأعلى الصعيد
стр. 251
وهي طويلة جيدة. ولا أحسب أن أبا زبيد هو أول هو أول من فرع هذا الروى في الرثاء، ولا أشك أنه قلد شاعرًا قبله من الجاهليين وإن كنت لا أملك على ذلك حجة، وما أحرى ذلك الشاعر أن يكون عدي بن زيد العبادي.
ولا ريب أن كلمة أبي زبيد كانت من المروي المستجاد، وفي رقتها ورنتها الشجية، ما حرك الشعراء على مجاراتها لا في الرثاء فحسب، ولكن في النسيب وما بمجراه من ضروب الرقة، فقال بشار كلمته (١):
أيها الساقيان صبا شرابي ... واسقياني من ريق بيضاء رود
إن دائي الصدى وإن شفائي ... شربة من رضاب ثغر برود
عندها الصبر عن غرامي وعندي ... زفرات يأكلن قلب الحديد
وعلى هذا النهج البشاري سار أبو عبادة البحتري في دالياته المخفوضة ككلمته (٢):
بعض هذا العتاب والتفنيد ... ليس ذم الوفاء بالمحمود
وهذه كانت مما يستحسنه البغداديون من الشعر، وفيها يقول واصفًا لقلم محمد بن عبد الملك الزيات وتفننه في الكتابة:
لتفننت في الكتابة حتى ... عطل الناس فن عبد الحميد
في نظام من البلاغة ما ... شك امرؤ أنه نظام فريد
وبديع كأنه الزهر الضا ... حك في رونق الربيع الجديد
стр. 252
مشرق في جوانب السمع ... ما يخلقه عوده على المستعيد
ما أعيرت منه بطون القراطيس وما حملت ظهور البريد
مستميل سمع الطروب المغني ... عن أغاني مخارق وعقيد
حجج تخرس الألد بألفا ... ظ فرادي كالجوهر المعدود
ومعان لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد
حزن مستعمل للكلام اختيارا ... وتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدركن به غاية المراد البعيد
كالعذارى غدون في الحلل البيض إذا رحن في الخطوط السود
وعلى مذهب هذه القصيدة سار المتنبي في قوله (١):
كم قتيل كما قتلت شهيد ... لبياض الطلى وورد الخدود
وعيون المها ولا كعيون ... فتكت بالمتيم المعمود
[وهي من كلمات صباه]، وقد تردد صدى هذه الدال الرقيقة البشارية من لدن ذلك العهد إلى عهدنا الحاضر، فنظم فيها حافظ قصيدته في السلطان عبد الحميد (٢):
لا رعى الله عهدها من جدود ... كيف أمسيت يا ابن عبد الحميد
مشبع الحوت من لحوم البرايا ... ومجيع الجنود تحت البنود
كنت أبكي بالأمس منك فمالي ... بت أبكي عليك عبد الحميد
فرح المسلمون قبل النصارى ... فيك قبل الدروز قبل اليهود
شمتوا كلهم وليس من الهمة ... أن يشمت الورى في طريد
стр. 253
وهي كلمة طويلة حسنة في جملتها، لولا بعض الضعف والركاكة في تراكيبها. وفيها من نفس الرثاء ما يذكر بكلمة أبي زبيد - لا من حيث المعنى ولكن من حيث الأصل الذي نبع منه هذا الروي.
ولعل دالية حافظ هذه كانت مقدمة للداليات الرقيقات الكثيرات التي نظمت بعد، وكلها تنظر إلى كلام البحتري وبشار نحو دالية أبي القاسم الشابي التي يقول فيها:
كل شيء موقع فيك حتى ... لفتة الجيد واهتزاز النهود
وهي طويلة، وقد كانت إلى عهد قريب غرام المراهقين في المدارس، وقد كان المرحوم الشابي شاعرًا واعدًا لو قد أمهلته الأيام.
والشعراء الذين سلكوا هذه الدال المرققة لم يقفوا عند الخفض وحده في المجرى فقد استعملوا الرفع والنصب وكلاهما في شعر البحتري، وقد سارت في الرفع وحيدية ابن الرومي سيرورة قل أن تجارى. وهي مشهورة جدًا فلا داعي لإنشاد قطع منها هنا. وفيها بلا شك براعة في العرض، وتظرف في الوصف، وتفصيل حسن. غير أني -والحق أجدر أن يقال- لا أجد لها رنينًا في الصدر، ولا تلك الطنة التي إن فقدها الخفيف صار نغمة رتيبًا فاقدًا للبهاء، وإني لأطيل قراءتها ثم أستذكر أبياتها فلا يكاد يليق بالنفس منها شيء إلا قوله:
أهي شيء لا تسأم العين منه ... أم لها كل ساعة تجديد؟
وهذا من قول أبي نواس:
يزيدك وجهه حسنًا ... إذا ما زدته نظرًا
وهذا أبلغ وأجود.
стр. 254
وإلا قوله:
مد في شأو صوتها نفس كا ... ف كأنفاس عاشقيها مديد
من سجو وليس فيه انقطاع ... وهدو وما به تبليد (١)
لا تراها هناك تجحظ عين ... سلك منها ولا يدر وريد
وهذا مدح سالب لا موجب، وقد كان ابن الرومي أعرف بمواضع الذم منه بمواضع المدح. أتراه لو كان قال لنا إن لهذه الفاتنة هدوا وسجوا، أكنا نتخيل أن مع هذا الهدو انقطاعًا، ومع ذاك السجو تبليدًا، ونحن نعلم أنه يريد مدحها؟ أم ترانا إذا وصفها لنا بكمال الأداء كنا نتساءل في أنفسنا: أتجحظ عينها حين تغني، أم يدر وريدها؟ لا هذا ولا ذاك - ولكن ابن الرومي كان رجلًا شكاكًا متطيرًا، يحسب أن أحدًا من البشر لن يصدقه إذا ألقى الصفة على وجهها بلا قيود ولا احتراس. وإنه بقوله "لا تراها هناك تجحظ عين" الخ، قد أدخل في نفوسنا الشك بلا ريب واستحضر في أنفسنا صورًا قبيحة لا نريد استحضارها. أم تراه كان يريد هو استحضارها أمام سامعيه من أجل أن يعرض ببعض من كان يعينهم من المغنين والمغنيات.
وقد سلك محمد بن مناذر -من طبقة بشار- سبيل أبي زبيد نفسها، من الاعتماد في الترقيق على المعنى دون اللفظ، ومن النظم على هذا الروي في الرثاء كما فعل أبو زبيد (٢) وذلك في كلمته:
كل حي لاقي الحمام فمودي
стр. 255
وهي من الكلمات المقدمات اختارها شيخ الأدب محمد بن يزيد المبرد، وقال في تقدمتها (١) (: "ومن حلو المراثي، وحسن التأبين شعر ابن مناذر، فأنه كان رجلاً عالماً مقدماً، شاعراً مفلقاً، وخطيباً مصقعاً، وفي دهرر قريب [يعني ومن المحدثين] فله في شعره شدة كلام العرب بروايته وأدبه، وحلاوة كلام المحدثين بعصره ومشاهدته ولا يزال قد رمى في شعره بالمثل السائر، والمعنى اللطيف، واللفظ الفخم الجليل، والقول المتسق النبيل، وقصيدته لها امتداد وطول ... قال يرثي عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي، وكان به صبا (٢) واعتبط عبد المجيد لعشرين سنة من غير ما علة، وكان من أجمل الفتيان وآدبهم وأظرفهم، فذلك حيث يقول ابن مناذر:
"حين تمت آدابه ... اهـ."
هذا، وقد كان المبرد يورد القصيدة كلها على طولها، إذ بدأ الأمر بما كان يستحسنه من رثاء عبد المجيد، ثم ذكر طرقاً من المطلع [وهو ظاهر التأثر بأبي زبيد وبعدي بن زبيد العبادي في كلمته:
أين كسرى كسرى الملوك انو شروان أم أين قبله سابور]
ثم بعد ذلك جعل يورد البيت والبيتين منها - وهذا كله يدل على أنه كان عظيم الاستجادة لها، حريصاً أن يشاركه القارئ في هذه الاستجادة، وقد رأيت أن أورد الجزء الذي ذكره المبرد مؤخراً بدءاً، لأنه هو مقدمة القصيدة، وعسى أن يكون في هذا الترتيب الجديد ما يعطينا صورة واضحةً عن القصيدة كلها في صورتها الأصلية، لأن الكامل- بحسب ما أعلم - هو المرجع الوحيد لها، ولم يذكر صاحب رغبة الآمل
стр. 256
زيادة على ما جاء في نصه. قال ابن مناذر (١):
كل حي لاقي الحمام فمودى ... ... ... ما لحي مؤمل من خلود
لا تهاب المنون شيئاً ولا تر ... ... ... عى على والدٍ ولا مولود
يقدح الدهر في شماريخ رضوى ... ... ... ويحط الصخور من هبود
ولقد تترك الحوادث والأيام وهيافي الصخرة الصيخود
أين رب الحصن الحصين بسورا ... ... ... ء ورب القصر المنيع المشيد
شاد أركانه وبوبه با ... ... ... بي حديدٍ وحفه بجنود
كان يجبى إليه ما بين صنعا ... ... ... ء فمصر إلى قرى بيرود
وترى خلفه زرافات خيلٍ ... ... ... جافلاتٍ تعدو بمثل الأسود
فرمى شخصه فأقصده الدهر بسهم من المنايا سديد
ثم لم ينجه من الموت حصن ... ... ... دونه خندق وبابا حديد
وملوك من قبله عمروا الأر ... ... ... ض أعينوا بالنصر والتأييد
فلو أن الأيام أخلدون حياً ... ... ... لعلاء أخلدن عبد المجيد
ما درى نعشه ولا حاملوه ... ... ... م على النعش من عفافٍ وجود
ويح أيدٍ حثت عليه وأيدٍ ... ... ... دفنته، ماغبيت في الصعيد
إن عبد المجيد يوم تولى ... ... ... هد ركناً ما كان بالمهدود
وأرانا كالزرع يحصده الدهـ ... ... ... ـر فمن بين قائم وحصيد
وكأنا للموت ركب مخبو ... ... ... ن سراعاً لمنهل مورود
هد عبد المجيد ركني وقد كنـ ... ... ... ـت بركن ألوذ منه شديد
فبعبد المجيد تأمور نفسي ... ... ... عثرت بي بعد انتعاش جدودي (٢)
стр. 257
وبعبد المجيد شلت يدي اليمنـ ... ... ... ـى وشلت به يمين الجود
فبرغمي كنت المقدم قبلي ... ... ... وبكرهي دليت في الملحود
كنت لي عصمة وكنت سماء ... ... ... بك تحيا أرضضي ويخضر عودي
حين تمت آدابه وتردى ... ... ... برداءٍ من الشباب جديد
وسقاه ماء الشبيبة فاهتز ... ... ... اهتزاز الغصن الندي الأملود
وسمت نحوه العيون وما كا ... ... ... ن عليه لزائد من مزيد
وكأني أدعوه وهو قريب ... ... ... حين أدعوه من مكان بعيد
فلئن صار لا يجيب لقد كا ... ... ... ن سميعاً هشاُ إذا هو نودي
يا فتى! كان للمقامات زيناً ... ... ... لا أراه في المحفل المشهود
لهف نفسي أما أراك وما عنـ ... ... ... ـدك لي إن دعوت من مردود
كان عبد المجيد سم الأعادي ... ... ... ملء عين الصديق رغم الحسود (١)
عاد عبد المجيد رزءاً وقد كا ... ... ... ن رجاءً لريب دهر كنود
خنتك الود لم أمت كمداً بعـ ... ... ... ـدك إني عليك حق جليد
لو فدى الحي ميتاً لفدت نفـ ... ... ... ـسك نفسي بطارفي وتليدي
ولئن كنت لم أمت من جوى الحز ... ... ... ن عليه لأبلغن مجهودي
لأقيمن مأتماً كنجوم اللـ ... ... ... ـيل زهراً يلطمن حر الخدود
موجعات يبكين للكبد الـ ... ... ... ـحرى عليه وللفؤاد العميد
ولعين مطروفة أبدا قا ... ... ... ل لها الدهر لا تقري وجودي
كلما عزك البكاء فأنفد ... ... ... ت لعبد المجيد سجلا فعودي
стр. 258
لفتي يحسن البكاء عليه ... ... ... وفتى كان لامتداح القصيد (١)
وقد تنسم أبو تمام عطر هذه المرثية الفريدة في داليته الخفيفية التي استعطف بها ابن أبي دؤاد، ومطلعها (٢).
سعدت غربة النوى بسعاد ... ... ... فهي طوع الإتهام والإنجاد
وأثر ابن مناذر واضح في أبياته التالية من حيث تركيب الكلام وصيغته، وإن كان أبو تمام قد أضفي عليها من إغرابه ما هو ديدنه وهجيراه:
يا أبا عبد الله أوريت زندا ... ... ... في يدي كاان دائم الإصلاد
كان في الأجفلي وفي النقري عر ... ... ... فك نضر العموم نضر الوحاد
حمل العبء كاهل لك أمسى ... ... ... لخطوب الزمان بالرصاد
مليتك الأحساب أي حياةٍ ... ... ... وحيا أزمةٍ وحية واد
كادت المكرمات تنهد لولا ... ... ... أنها أيدت بحي إياد
ولا يخفي ما في استعمال "تنهد" هنا من نظر إلى ابن مناذر.
وعلى منوال هذه القصيدة نسج أبو الطيب كلمته (٣):
حسم الصلح ما اشتهته الأعادي ... ... ... وأذاعته ألسن الحساد
стр. 259
وهي أجود من دالية أبي تمام، وأنسب وأوقع في بحر الخفيف منها، وقد أحسن المتنبي جداً إذ خلط كلامه ومدحه فيها بالتأمل التأريخي حيث يقول:
وإذا كان في الأنابيب خلف ... ... ... وقع الطيش في صدور الصعاد
أشمت الخلف بالشراة عداها ... ... ... وشفا رب فارس من إياد
وتولى بني اليزيدي بالبصـ ... ... ... ـرة حتى تمزقوا في البلاد
وملوكاً كأمس في القرب منا ... ... ... وكطسمٍ وأختها في البعاد
وقد جاء بنفس من جزالة ابن مناذر وابي زبيد قبله في قوله:
هذه دولة المكارم والرأ ... ... ... فة والمجد والندى والأيادي
كسفت ساعة كما تكسف الشمـ ... ... ... ـس وعادت ونورها في ازدياد
على أن هذه القصيدة في غير الغرض الذي نظم فيه ذانك ولا تشبههما. وغرضها شديد الشبه بغرض أبي تمام في داليته، ولاشك أن أبا تمام كان ينظر إلى ابن مناذر كما نظر ابن مناذر إلى أبي زبيد.
وقد جاء بعد المتنبي شاعر عظيم هو أبو العلاء المعري، نظر إلى ابن مناذر مباشرة في لفظه ومعانيه وطريقته في ضرب الأمثال، كما نظر إلى أبي تمام والمتنبي في روي والوزن وأسلوب التوليد بغرض المباراة لا المحاكاة، والمجاراة لا التبعية، وذلك في كلمته المشهورة (١):
غير مجد في ملتي واعتقادي ... ... ... نوح باكٍ ولا ترنم شاد
وهي كلمة قالها في رثاء فقيه حنفي. وقد صارت في العصر الحاضر من المختارات المدرسية إلا أن أكثر الاختيار يقع في أبيات الحكمة والتأمل منها. فلا بأس
стр. 260
أن نذكر هنا طرفا من القسم التأبيني فيها، وهو عندي لا يقل في الجودة عن أبيات التأمل إن لم يفقها، وذلك قوله:
ودعا أيها الحفيان ذاك الشخـ ... ـص إن الوداع أيسر زاد
واغسلاه بالدمع إن كان طهرا ... وادفناه بين الحشى والفؤاد
واحبواه الأكفان من ورق المصـ ... ـحف كبرًا عن أنفس الأبراد
واتلوا النعش بالقراءة والتسـ ... ـبيح لا بالنحيب والتعداد (١)
أسف غير نافع واجتهاد ... لا يؤدي إلى غناء اجتهاد (٢)
طالما أخرج الحزين جوى الحز ... ن إلى غير لائق بالسداد (٣)
مثلما فاتت الصلاة سليما ... ن فأنحى على رقاب الجياد (٤)
وهو من سخرت له الإنس والجـ ... ـن بما صح من شهادة صاد
خاف غدر الأنام فاستودع الريـ ... ـح سليلا نغذوه در العهاد (٥)
وتوخى له النجاة وقد أيـ ... ـقن أن الحمام بالمرصاد
فرمته به على جانب الكر ... سي أم اللهيم أخت النآد
كيف أصبحت في محلك بعدي ... يا جديرًا مني بحسن افتقاد
стр. 261
قد أقر الطبيب منك بعجز ... وتقضي تردد العواد
وانتهى اليأس منك واستشعر الوجـ ... ـد بأن لا معاد حتى المعاد
هجد الساهرون حولك للتمريض ويح لا عين الهجاد
أنت من أسرة مضوا غير مغرو ... رين من عيشة بذات ضماد
لا يغيركم الصعيد وكونوا ... فيه مثل السيوف في الأغماد
فعزيز علي خلط الليالي ... رم أقدامكم برم الهوادي
كنت خل الصبا فلما أراد الـ ... ـبين وافقت رأيه في المراد (١)
ورأيت الوفاء للصاحب الأو ... ل من شيمة الكريم الجواد
وخلعت الشباب غضا فياليـ ... ـتك أبليته مع الأنداد
فاذهبا خير ذاهبين حقيقيـ ... ـن بسقيا روائح وغواد
ومراث لو أنهن دموع ... لمحون السطور في الإنشاد
هذا، وليس على الدال من هذا الوزن والروي شيء يذكر بعد كلمة أبي العلاء هذه، وكأنه استفند بها جميع ما يمكن قوله في هذا القرى فلا يستطيع أحد أن يسلكه من بعده.
ضاديات الخفيف:
الضاد من القوافي النفر كما قدمنا، ولا أعلم شيئًا جاء عليها في بحر الخفيف في متقدم الشعر الجاهلي إلا أن يكون أبياتا، وقد جاءت في بحر الطويل في كلمة امريء القيس:
стр. 262
أعني على برق أراه وميض ... يضيء حبيا في شمارخ بيض (١)
وفي غيرها مما يستجاد كما في قول الحماسي:
وإني لأستغني فما أبطر الغنى ... وأبذل ميسوري على مبتغى قرضي
وأحسب أن أول خفيفة طويلة ذات بال نظمت فيها هي كلمة الطرماح:
طال في شط نهروان اغتماضي ... واعتراني هوى العيون المراض
ويبدو لي أنه كان ينظر فيها بعين المباراة إلى ضادية امريء القيس. ذلك بأن الطرماح كان معلمًا مولعًا بالغريب واتباع القدماء وتكلف الجزالة الجاهلية، فلا يستبعد أن يكون أراد بركوب الضاد إظهار مقدرته وبراعته وتبريزه، وأن يبهر الناس بكلام فصيح لا يجدون مثله عند الفردزق وجرير وشعراء الحجاز وغيرهم. وقد كان يشبه الطرماح في هذا المذهب ذو الرمة والكميت والعجاج وابنه.
على أن الطرماح كان في ذات نفسه شاعرًا فحلًا، واتفق له مع شغفه بالغريب والقديم النادر روح حضري فيه نعومة لا تجدها مثلا عند العجاج أو رؤبة، كلا ولا عند ذي الرمة مع رقته وتقدمه في الشعر وأصالته في الجزالة، واقتداره على اتباع مذاهب الجاهلية، من غير عنت أو تكلف. ومن أجل هذا فقد جاءت ضاديته فصيحة بارعة، وجمالها في نصوع ألفاظها وحسن تنسيقها وجلجلة جرسها - تأمل قوله مثلا (٢):
لا تأيا ذكرى بلهنية العيـ ... ـش وأني ذكرى السنين المواضي
стр. 263
سوف تدنيك من لميس سبنتاة ... أمارت بالبول ماء الكراض
ولا تجزع أيها القاريء من ذكر "البول" فلم يكن زمان هذا الرجل كزماننا.
وأضمرته عشرين يومًا ونيلت ... يوم نيلت يعارة في عراض
الضمير في أضمرته يعود على ماء الفحل، وقوله: "يعارة في عراض" يعني كرها وتزعم العرب أن ذلك من دواعي النجابة. وفي أخريات القصيدة:
إننا معشر شمائلنا الصبر ... إذا الخوف مال بالأحفاض
نصر للذليل في ندوة الحـ ... ـي مرائيب للثأي المنهاض
لم يفتنا بالوتر قوم وللضيـ ... ـم رجال يرضون بالإغماض
فسلى الناس إن جهلت وإن شئـ ... ـت قضى بيننا وبينك قاض
هل عدتنا ظعينة تبتغي العـ ... ـز من الناس في القرون المواضي
كم عدو لنا قراسية العـ ... ـز تركنا لحمًا على أوفاض
وجلبنا إليهم الخيل فاقتيـ ... ـض حماهم والحرب ذات اقتياض
فهذا الكلام كما ترى جزل فصيح كريم الألفاظ.
ولم يخف على أبي تمام وهو من هو في تذوق الشعر ما لهذه الضادية الطرماحية من رنين وجلجلة وفخامة، فجاراها بكلمته (١):
بدلت عبرة من الإيماض ... يوم شدوا الرحال بالأغراض
وقد تفصح فيها وتعمد الفخامة حتى تكلف في بعض قوله نحو:
ما شددت الأكراب في عقد الأو ... ذام حتى أردت ملء الحياض
стр. 264
ومن جيد أبيات هذه القصيدة قوله:
غربة تقتدي بغربة قيس بـ ... ـن زهير والحرث بن مضاض
من أبن البيوت أصبح من ثو ... ب من العيش ليس بالفضفاض
والفتى من تعرفته الليالي ... في الفيافي كالحية النضناض
صلتان أعداؤه حيث كانوا ... في حديث من ذكره مستفاض
كل يوم له بصرف الليالي ... فتكة مثل فتكة البراض
وقد عدل أبو تمام عن الروى الطرماحي إلى آخر مردف في كلمته (١):
وثناياك إنها إغريض ... ولآل توم وبرق وميض
وأقاح منور في بطاح ... هزه في الصباح روض أريض
وارتكاض الكرى بعينيك في النو ... م فنونًا وما لعيني غموض
لتكأدنني غمار من الأحـ ... ـداث لم أدر أيهن أخوض
وهي كلمة فصيحة وفيها أبيات تعمد فيها الشاعر أن يذهب مذهب العرب الأوائل في شدة الأسر نحو:
سعم حت ركنهن أمان ... فيك تترى حت القداح المفيض
وأخر أغرب فيها -كعادته- في توليد المعنى مع الإشارة إلى المأثور من كلام القدماء نحو قوله:
فاشمعلوا يلجلجون دؤوبًا ... مضغًا للكلال فيها أنيض (٢)
стр. 265
هذا وقد اتبع البحتري أبا تمام في قوله:
لابس من شبيبة أم ناض ... ومليح من شيبة أم راض (١)
وكذلك في كلمته (٢):
أيها العاتب الذي ليس يرضى ... نم هنيئًا فلست أطعم غمضا
وعلى منوال هذا الروي نسج المرحوم أحمد شوقي في: "أيها المنتحي بأسوان دارا". والضاديات بعد ليست بكثيرة جدًا، وإنما أفردنا لها بابًا لمكان كلمة الطرماح منها، ولما حاوله بعد ذلك جماعة من فحول العربية من ركوب الضاد في الخفيف وفي غيره كيما يأتوا بكلمة في جودة الطرماحية المجمهرة.
لاميات الخفيف ونونياته:
هذه عدد النجم والحصى والتراب. وفيها فرائد لا تجاري من عيون الشعر العربي. وسنحسب القاريء هنا بكلمة موجزة عنها، إذ لا سبيل إلى الإطناب إلا في كتاب منفرد.
أما اللاميات الخفيفة، فأول من كشف عن لجها بحسب ما بأيدينا من أصول، المهلهل التغلبي والحرث اليشكري، لا ندري أيهما سبق على وجه التحقيق، وإن كان الرواة مجمعين على أن الحرث قال لاميته:
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال
قبل اللامية التي جاراه بها المهلهل. ولا شك أن كلمة المهلهل التي يقول فيها:
стр. 266
ليس مثلي يخبر الناس عن آ ... بائهم قتلوا وينسى القتالا
لم أرم عرصة الكتيبة حتى انـ ... ـتعل الورد من دماء نعالا
عرفته رماح بكر فما يطـ ... ـلبن إلا جبينه والقذالا
قيلت بعد لامية الحرث، لأن المهلهل يتحدث فيها عن الهزيمة، ولم ينهزم المهلهل إلا بعد يوم الحرث وهو يوم تحلاق اللمم.
ومع هذا فلا يستبعد أن يكون المهلهل هو السابق لإكثاره من الخفيف واستعماله حروفًا كثيرة في غير اللام كما في قافيته:
طفلة ما ابنة المجلل بيضا ... ء لعوب لذيذة في العناق
ضربت صدرها إلي وقالت ... يا عديا لقد وقتك الأواقي
وقد كانت لاميات الحرث والمهلهل كلها في فن الرثاء وذكر الثأر - إلا أن كلا هذين الشاعرين كانا من الرقة بمكان عال. ومع ضيق الدائرة التي كانا ينظمان فيها من حيث الغرض، فإنهما هلهلا النظم وحسناه وبرعا فيه، حتى صار قدوة تحتذى.
ويظهر أن الشعراء الربعيين أكثروا من الخفيف وروي اللام، في أغراض أخر كثيرة غير الرثاء، بعد منظومات هذين الشاعرين. ويدل على ذلك أن لامية الأعشى (١):
ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي وما ترد سؤالي
تمثل طرازًا ناضجًا من القصيدة الجاهلية المادحة لا بد أن تكون سبقته أنواع كثيرة في ضروب مختلفة من الأغراض أدت إلى نموه ونضجه. وإلا فلا يتصور أن يكون الأعشى نظم معلقته الفخمة هذه وليس قبله من نموذج غير:
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال
стр. 267
ونقيضتها المهلهلية، وليس فيهما ما يمكن أن ينسج على منواله من وصف الهبوب والصحاري، والآتن والإبل، والنعوت التي تقع في المدح وما بمجرى ذلك من لوازم القصيدة الجاهلية. ولتتذكر مع هذا أن الأعشى كان كثير الأخذ، قليل الابتكار، يعتمد على جودة الديباجة، وجرس النغم, والتأثير المغناطيسي في السامع كل الاعتماد وأذكر للقاريء هنا طرفًا من لاميته هذه، فإنها غاية في الجودة, قال يمدح:
عنده الحزم والتقى وأسا الصر ... ع وحمل لمضلع الأثقال
وصلات الأرحام قد علم النا ... س وفك الأسرى من الأغلال
وهوان النفس العزيزة للذكـ ... ـر إذا ما التقت صدور العوالي
وعطاء إذا سألت إذا العذ ... رة كانت عطية البخال
ووفاء إذا أجرت فما غر ... رت حبال وصلتها بحبال
أريحي صلت يظل له القو ... م ركودًا قيامهم للهلال
إن يعاقب يكن غرامًا وإن يعـ ... ـط جزيلا فإنه لا يبالي
يهب الجلة الجراجر كالبسـ ... ـتان تحنو لدردق أطفال (١)
والبغايا يركضن أكسية الإضريح ... والشرعبي ذا الأذيال
وجيادا كأنها قضب الشو ... حط يحملن شكة الأبطال
والمكاكيك والصحاف من الفضـ ... ـة والضامزات تحت الرحال
وكأن معلقة الأعشى هذه كانت خاتمة لقصيدات اللام الخفيفيات في العهد الجاهلي وصدر الإسلام، إذ لم يجيء بعدها من قريها اللهم إلا لامية جيدة لأبي زبيد في
стр. 268
رثاء الوليد بن عقبة (١) - وهذه تتبع نهجًا أقدم من نهج الأعشى.
وقد نظم على قري المعلقة كثير عزة أبياتًا أراد أن ينقض بها بعض مزاعم ابن أبي ربيعة في نساء خزاعة، وأن يتغزل بذكر نساء من قريش، ثم أمسك بحسب ما يخبرنا صاحب الأغاني عن تصييرها قصيدة كاملة خوفا من رجالات الدولة، ولو قد أتمها لكانت من اللاميات التي تتبع سبيل الأعشى بلا ريب (٢). ولم يحتفظ لنا الرواة بلامية ذات بال غيرها.
ولم يرجع بلاميات الخفيف إلى ما كانت عليه من الأبهة أحد إلا البحتري في كلمته (٣):
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا ... مقصرًا من صبابة أو مطيلا
إن بالجزع فالكثيب إلى الآرام ربعا لآل هند محيلا
أبلت الريح والروائح والأيـ ... ـام منه معالما وطلولا
وخلاف الجميل قولك للذا ... كر عهد الأحباب صبرًا جميلا
لا تلمه على مواصلة الدمـ ... ـع ولؤم لوم الخليل الخليلا
وهي تنظر من بعد إلى كلمة للمهلهل أضاعتها أيدي الحدثان، ولا أشك أن البحتري اطلع عليها، وهي التي منها قوله:
أنبضوا معجس القسي وأبرقـ ... ـنا كما توعد الفحول الفحولا
وقد جاء المتنبي فنظم في اللام الخفيفة مرفوعة ومخفوضة، مردفة وغير مردفة، فأربى وزاد على من قبله وفتح الطريق لمن بعده، وذلك في كلماته (٤):
стр. 269
ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
شرف ينطح النجوم بروقيه ... وعز يقلقل الأجيالا
حال أعدائنا عظيم وسيف الدو ... لة ابن السيوف أعظم حالا
وكلمته (١):
ما لنا كلنا جو يا رسول ... أنا أهوى وقلبك المتبول
كلما عاد من بعثت إليها ... غار مني وخان فيما يقول
أفسدت بيننا المودات عينا ... ها وخانت قلوبهن العقول
وفيها من الجيد الرائع الذي يفصح بقلق الشاعر واضطرابه قوله:
نحن أدرى وقد سألنا بنجد ... أطويل طريقنا أم يطول
وكثير من السؤال اشتياق ... وكثير من رده تعليل
كلما رحبت بنا الروض قلنا ... حلب قصدنا وأنت السبيل
انظر إلى قوله: "رحبت بنا الروض" - ألا تحمل هذه الكلمات إليك ما كان يحس به المتنبي في أعماق نفسه من لذع القلق، أم لا تمثل لك ما كان يصبو إليه من الأمن والاستقرار؟
ومن خير ما جوري به المتنبي في رويه هذا كلمة قالها القاضي أبو محمد عبد الله ابن القاسم الشهر زوري [توفي سنة ٥٢٧ هـ] وانتحى منحى التصوف، منها (٢):
لمعت نارهم وقد عسعس ... الليل ومل الحادي وحار الدليل
فتأملتها وفكري من البين عليل ولحظ عيني كليل
وفؤادي ذاك الفؤاد المعنى ... وغرامي ذاك الغرام الدخيل
стр. 270
ثم قابلتها وقلت لصحبي ... هذه النار نار ليلى فميلوا
فرموا نحوها لحاظًا صحيحا ... ت فعادت خواسئًا وهي حول
ثم مالوا إلى الملام وقالوا ... خلب ما رأيت أم تخييل
فتجنبتهم وملت إليها ... والهوى مركب وشوقي الذميل (١)
ومعي صاحب أتى يقتفي الآ ... ثار والحب شرطه التطفيل
وهي تعلو ونحن ندنو إلى أن ... حجزت دونها طلول محول
فدنونا من الطلول فحالت ... زفرات من دونها وغليل
قلت من بالديار قالوا جريح ... وأسير مكبل وقتيل
ما الذي جئت تبتغي قلت ضيف ... جاء يبغي القرى فأين النزول
فأشارت بالرحب دونك فاعقر ... ها فما عندنا لضيف رحيل
من أتانا ألقي عضا السير عنه ... قلت من لي بها وأين السبيل
فحططنا إلى منازل قوم ... صرعتهم قبل المذاق الشمول
والقصيدة طويلة حسنة عامرة بمعاني الوجد الصوفي.
هذا، ولا يزال الشعراء ينظمون في هذا النهج الذي أحياه المتنبي، ولكن الجيد المستحق الاختيار قليل.
ونونيات الخفيف أكثر عددًا من لامياته. وتختلف عنها في شيء جوهري وهو أنها لم ينظم الأوائل فيها شيئًا على نهج القصائد المفخمة المطولة اللهم إلا أن يكون قد ضاع ذلك. ويوشك القديم منها أن يكون كله في الغزل. وأقدم ما بأدينا كلمة المرقش الأكبر:
لمن الظعن بالضحا طافيات ... شبهها الدوح أو خلايا سفين (٢)
ومن وزن هذه ورويها كلمة الجمحي:
طال ليلي وبت كالمحزون ... واعترتني الهموم في جيرون
стр. 271
وقد مر ذكرها. وقد كثرت الحفيفيات التي على النون في الشعر الحجازي الغزلي وجاءت منها كلمات حلوة لابن أبي ربيعة كالتي يقول فيها (١):
لا تلمني عتيق حسبي الذي بي ... إن بي يا عتيق ما قد كفاني
لا تلمني وأنت زينتها لي ... أنت مثل الشيطان للإنسان
وهذا الروي من النونيات هو الذي نفق عند شعراء المحدثين. ولعل لحلوانية مطيع ابن إياس أثرًا بعيدًا في تحبيبه إلى الطبقة الأولى من المحدثين ومن جاء بعدهم، وهي التي يقول في مطلعها:
أسعداني يا نخلتي حلوان ... وابكيا لي من ريب هذا الزمان
وهي مشهورة.
وممن أكثر في هذا الروي فأجاد شيئًا علي بن العباس الرومي في نونيته المشهورة التي وصف بها العود، وقد اختار له منها صاحب الأمالي قوله (٢):
وقيان كأنها أمهات ... عاطفات على بنيها حواني
مطفلات وما حملن جنينا ... مرضعات ولسن ذات لبان
ملقمات أطفالهن ثديا ... ناهدات كأحسن الرمان
مفعمات كأنها حافلات ... وهي صفر من درة الألبان
كل طفل يدعى بأسماء شتى ... بين عود ومزهر وكران
أمه دهرها تترجم عنه ... وهو بادي الغني عن الترجمان
стр. 272
وهذه الأبيات على سرمتها من حيث الصنعة لا تخلو من تكلف عقلي، ولا أظن القاريء يخالفني في أن الصورة التي يعرضها ابن الرومي هنا للعود، مع براعتها وطرافتها، ذهنية لفظية، صفر من العمق ودقة الإحساس - على أن ابن الرومي لم يخل فيها من نظر إلى سينية البحتري.
ولابن الرومي على النون قصيرة أخرى مختلفة المجرى مطلعها:
أيها المحتفي بحول وعور ... أين كانت عنك الوجوه الحسان
ولا بأس بها.
وأكثر شعراء القرن الرابع من الروي المخفوض. ودرة أشعارهم جميعًا في هذا الباب نونية المعري (١):
عللاني فإن بيض الأماني ... فنيت والظلام ليس بفاني
وقد أكثر فيها من التشبيهات الحسية، وقد يعاب ذلك عليه لعماه وجهله بالمنظورات. ومن أجل ذلك لم يعفه الدكتور طه حسين في كتابه "تجديد ذكرى أبي العلاء" من؟ ؟ ؟ على أني أرى أن أبا العلاء لم يذهب في تشبيهاته مذهب بشار من محاولة التفوق على المبصرين في نعت المنظورات، وإنما ذهب مذهبًا لغويًا صرفًا. سمع العرب تصف سهيلا بالحمرة والخفقان، فقال فيه:
وسهيل كوجنة الحب في اللو ... ن وقلب المحب في الخفقان
وسمع العرب تشبه الليل بالزنجي فقال:
ليلتي هذه عروس من الزنـ ... ـج عليها قلائد من جمان
стр. 273
وكأنما أراد الإشارة إلى التشبيهات القديمة المسموعة وتضمينها لفظًا موسيقيًا شريفًا - فقد كان الرجل عالمًا محبًا للعلم واللغة مولعًا بإيراد الأخبار القديمة والتلذذ بذكرها، فمن عرف هذا من مذهبه لم يعب عليه تشبيهاته، لا بل لم يعدها تشبيهات، وإنما ينبغي أن يعدها ضربًا من الزخرف اللفظي الجميل، إذ أبو العلاء لا يتعمد التشبيه والتصوير إلا في المسموعات والملموسات، وإذا أراغ شيئًا من المرئيات فإنه لا يعدو النار والنور وما كان له بريق، وما ذلك إلا لأنه كان يتذكر لون النار والنور إذ لم يفقد بصره جملة إلا عند المراهقة على الأرجح، ثم إنه لطبيعة عماه كان يتوهم النور جوهر الإبصار ويصبو إليه في أسمى مجاليه. ولعل غرامه بذكر الكواكب والأقمار وما بمجراها يدخل في هذا الباب.
الرجز والكامل:
حق هذين البحرين أن يذكرا معًا. ولكن العروضيين يجعلون الكامل في دائرة الوافر، ويلحقون بهما بحرًا مهملًا زعموا أن وزنه:
فاعلاتك فاعلاتك فاعلاتك ... فاعلاتك فاعلاتك فاعلاتك
وهذا عبث لا طائل وراءه.
ولا ريب أن الكامل والرجز أخوان. وكثيرًا ما يختلط على الناظم أمرهما فيضمن الكامل بيتًا من الرجز. على أن العكس نادر، إذ بيت الكامل أوسع وأرحب من بيت الرجز.
ووزن الكامل التام كأن تقول:
ولقد أرى تررن ترى بديارنا ... ودياركم وبيوتنا وبيوتكم
متفاعلن، تتن تتن ويزورنا ... ونزوره كلف بنا رشأ أغن
стр. 274
ولثمتها وحببتها وتحبني ... وأحبها وأحب لثم جبينها
متفاعلن متفاعلن متفاعلن ... متفاعلن متفاعلن متفاعلن
هذا وزن الكامل التام. ولكنه قل أن يجيء تامًا هكذا في كل الأبيات وفي كل الحالات. فالجزء "متفاعلن" كثيرًا ما يصير "متفاعلن"، ويسمى هذا التسكين بالإضمار عند العروضيين. و"متفاعلن" هو الجزء الدائر عليه وزن الرجز، فهذا معنى قولنا إن الرجز والكامل أخوان.
والفرق الرئيسي بين الوزنين أن الكامل لا تجيء "متفاعلن" مكررة ست مرات في بيته، والرجز مبني في وزنه التام على "متفاعلن" وقد ينقص عن ذلك.
وللكامل وزنان رئيسيان. الأول كما ذكرنا:
ولقد أرى ولقد ترى ولقد نرى ... وتزورنا ونزوركم ونزورهم
متفاعلن متفاعلن متفاعلن ... متفاعلن متفاعلن متفاعلن
ومثل من الشعر قول عنترة في المعلقة:
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
وقد يصير هذا الوزن:
متفعلن متفاعلن متفاعلن ×٢
أو متفاعلن مستفعلن متفاعلن ×٢
أو شيئًا من هذا القبيل. وأبيات عنترة في المعلقة كلها لا تتبع الوزن الأصلي.
مثال ذلك:
فإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
قوله: وإذا شرب - متفاعلن، وقوله: ت فإنني - متفاعلن، ولكن قوله:
стр. 275
مستهلك - مستفعلن أو متفاعلن بإسكان التاء، وكذلك قوله: "مالي وعر" وقوله: "ضي وافر"، وقوله: "لم يكلم".
فالشطر الثاني كما ترى من الرجز.
والوزن الثاني من الكامل يخالف الأول في أن عجزه أقصر من صدره، وفي التصريع يتساوى صدره وعجزه، ومثاله من الكلمات:
متقاتل متلاعب متعالي ... متعلم مستنصح يا غالي
فلو قلت:
متقاتل متلاعب متعالم ... متعلم مستنصح يا غالب
صار هذا الوزن من الأول.
ومثاله من الكلمات في غير التصريع:
متقاتل متلاعب متعالم ... متعلم مستنصح يا غالي
متعلم متقادم تن تن ت تن ... متفاعلن مستفعلن متفالي
ومثاله من الشعر (١):
آلت أمور الشرك شر مآل ... وأقر بعد تخمط وصيال
والرجز له وزنان؛ الأول تام، وهو من نسخ وزن الكامل كما قدمنا، ومثاله من الكلمات:
مستبشر مستضحك مستفعلن ... من ذالكم في دارنا يا صاحبي
بر برب بر قد جاءكم فسقاكم ... خمرًا ألذ ألذلذ لذلذ لذذ
стр. 276
كلب جرى لما رأى لما رأى ... لصًا أتى، يا لص لا يا لص لا
والقط في والقط في ساحاتنا ... والفأر لا يخشاه فلتعجب لذا
والشعر لا يتبع الوزن السالم، كهذا الذي ذكرناه، كل الاتباع. وإنما ينوع الشاعر في الأجزاء حتى يبعد بها عن الرتابة. ولهذا فكثيرًا ما تصير التفعيلة "مستفعلن متفعلن" أو "مفتعلن" وأحيانا "متعلن"، وهذا رديء غاية الرداءة - والنوع الأول من التغيير اسمه "الخبن" والثاني اسمه "الطي" والثالث اسمه "الخبل".
ومثل الرجز من الشعر قول المعري (١):
أهاجك البرق بذات الأمعز ... بين الصراة والفرات يجتزي
مثل السيوف هزهن عارض ... والسيف لا يروع إن لم يهزز
بدت لنا حاملة أغمادها ... حمائل من الدجى لم تخرز
والوزن الثاني من الرجز ينقص من ناحية العجز الأول، ومثاله من الكلمات:
مستفعلن مستفعلن مستفعل ... يا صاحبي يا صاحبي يا صاحبي
ومثاله من الشعر (٢):
ما هاج عينيك من الأطلال ... المقفرات بعدك البوالي
كلمة عن الرجز
من الأساطير الشائعة المقبولة بين الأدباء أن الرجز هو أقدم أوزان العرب،
стр. 277
وأنه اشتق من حركة البعير، وأن أول من نطق به معد بن عدنان، إذ كان راكبًا فسقط فانكسرت يده، فجعل يصيح "يدي يدي يدي يدي"، فكان هذا رجزًا. وقد وجدت في بعض ما قرأت من الكتب التي تذكر هذه الأسطورة، أن معد بن عدنان كان يقول "وايداه وايداه". وهذا ليس برجز بحال من الأحوال، وإنما هو رمل.
ولا أريد أن أتناول هذه القصة بالنقد والتمحيص، فليس ذلك بأمر ذي بال. وكل ما أريد أن أزعمه هو أن الرجز لا يمكن أن يكون أقدم أوزان العرب في صيغته التامة، ولا بد أن تكون الأوزان الأول قد بدأت بصفة أقصر وأقل نظامًا منه. ولا يخدعنك ما يزعمونه من أنه مشتق من حركة الإبل فتتفاعل في عقلك مسائل البيئة والطبيعة، إلى غير ذلك من الاصطلاحات السيكولوجية المستحدثة. فالرجز من أوتاد وأسباب كغيره من أوزان العرب التي تدور كلها على "كم" المقاطع الطويلة والقصيرة، وعلى هذا لا يكون حظه في شبه حركة الإبل أكثر من حظها. ولعلما يكون حظ الخبب - والخبب من أسماء المشيات التي تمشيها الإبل - أوفر منه.
فإذا سلمنا بأن حظ الرجز في الشبه بحركة الإبل، لا يزيد على غيره من الأوزان، أو على الأقل على كثير من الأوزان القصار، لزم أن نسلم بأنه -لطوله- لا بد أن يكون جاء بعد القصادر منها ولا سيما المكونات من مقطع واحد نحو "تن تن تن تن تن" أو مقطع طويل وقصير نحو "تنن تنن". وإنما غر الناس من أمر الرجز أنه صار وزنًا شعبيًا وكثر نظم العرب له في شتى المناسبات فحسبوه لذلك رأس الأوزان وأباها.
والمقصدات من الرجز - نحو الأبيات التي استشهدنا بها من شعر المعري، مما تلتزم القافية في عجزه دون صدره، ليست بكثير. والغالب على الرجز أن تلتزم القافية في كل شطر منه، ويسمى حينئذ مشطورًا، ورأي العلماء أن يعدوا كل شطر من الرجز في هذه الحال بيتًا - وهذا مجرد اصطلاح ليس إلا؛ إذ قل أن تجد شاعرًا جاء بشطر
стр. 278
مفرد من الرجز ليس له أخ. والتقصيد في الرجز قبيح في الغالب وبحسبك منه أبيات المعري على الزاي، ومقصورة ابن دريد، وبعض متكلفات مهيار.
والقطع في الرجز أنسب من الطوال. لأنه كما قدمنا وزن شعبي. وقد كانوا يكثرون منه في المبارزات، والخصومات، والحداء وهلم جرا. والإيجاز أحسن في كل هذه المقامات من الإطناب. مثال ذلك قول عمار بن ياسر (١).
نحن ضربناكم على تنزيله ... فاليوم نضربكم على تأويله
ضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحق ... إلى سبيله
وقول العنبري (٢):
باتوا نيامًا وابن هند لم ينم ... بات يقاسيها غلام كالزلم
خدلج الساقين خفاق القدم ... هذا أوان الشد فاشتدي زيم
قد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر وضم
وكقول الهذلي (٣):
إني امرؤ أبكي على جارية ... أبكي على الكعبي والكعبيه
ولو هلكت بكيا عليه
стр. 279
وقول الجرهمية وهي تطوف:
أنت وهبت الفتية السلاهب ... وهجمة يحار فيها الحالب (١)
وثلة مثل الجراد السارب ... متاع أيام وكل ذاهب (٢)
وقالت الأخرى:
ما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظل في البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البنينا ... تالله ما ذلك في أيدينا
وإنما نأخذ ما أعطينا
وقال الآخر يستسقي ربه:
رب العباد مالنا ومالكا ... قد كنت تعطينا فما بدالكا
أنزل علينا الغيث لا أبا لكا
وقال منظور بن مرثد الأسدي:
جارية في سفوان دارها ... معصرة أو قددنا إعصارها (٣)
تمشي الهويني، مائلا خمارها ... يسقط من غلمتها إزارها
وقال عبيدة بن هلال الخارجي:
أنا ابن شيخ قومه هلال ... شيخ على دين أبي بلال
وذاك ديني آخر الليالي
стр. 280
وقال القطامي:
يا ناق سيري عنقا زورا ... وقلبي منسمك المغبرا (١)
فسوف تلقين جوادا حرا ... سيد قيس زفر الأغرا
ذاك الذي بايع ثم برا ... وكان في الحرب شهابًا مرا
وقال عبد الله بن همام يهنيء أحد الخلفاء:
الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها
عنك ويأبي الله إلا سوقها ... إليك حتى قلدوك طوقها
وقطع الرجز لا تكاد تحصى، ولا يكاد يخلو منها كتاب من كتب السير والأخبار وقد كان دأب العرب فيه القطع القصار، حتى جاء الإسلام فجعلوا يسلكون به مسلك التطويل. والسبب في ذلك عندي أنهم احتاجوا إليه في القصص الشعبي وأخبار الفتوح. ويخبرنا الرواة أن أول من طوله الأغلب العجلي، وهو من المخضرمين. وهذا خبر لا نستطيع أن نجزم بصحته. ولعل مصدره أن الأغلب العجلي اشتهر بالرجز دون القصيد وأن أكثر أرجازه كانت من الهجاء المراد به السيرورة.
وقد استفحل أمر الرجز عندما استقر العهد الأموي. وظهرت طبقة من الشعراء اشتهروا باسم الرجاز. وكان أكثر هؤلاء, كما يستدل من الأخبار، وكتب الأدب، بالعراق، والحاجة كانت ماسة هنالك إلى أنواع الشعر التي تلقى على البديهة أو الارتجال في مقام الرد والمنافرة والمفاخرة. ومصداق ذلك ما تجده من كثرة الرجز في شعر جرير على أن الذوق العام كان يفضل القصيد على الرجز لاتساع مجال القول فيه، ولأبهته وجلاله؛ ولذلك كان الراجز دون منزلة الشاعر. ولا ريب أن هذا قد أدى إلى شعور بالنقص بين الرجاز جعلهم يحاولون أن يبذوا أصحاب القصيد بأن
стр. 281
ينظموا الرجز في أغراض القصيد، ولجوا في ذلك أيما لجاج، فاتخذوا القصائد الجاهلية والمخضرمة -كمنظومات لبيد والشماخ- نموذجًا يحذونه. وأعانهم على هذا اللجاج ما نفق بين طوائف أهل الأدب ولا سيما النحاة من حب الغريب. فكان الرجاز يمدون هؤلاء العلماء والنحويين بضالتهم من الألفاظ النادرة والتراكيب الغريبة، وربما تزيدوا واخترعوا. وقد سمى العجاج، أو ابنه، نفسه في بعض أراجيزه نحويًا. فهذا يقوي ما نزعمه.
والذين ثبت لهم السبق في الرجز من الإسلاميين الأوائل أبو النجم العجلي وذو الرمة والعجاج ورؤبة. أما العجاج ورؤبة فعندي أنهما خرجا بالرجز عما أريد له من الخفة والترنم، لأنهما التزما فيه الإطالة المملة مع تعمد للقوافي الصعبة، واستكثار من الأوابد اللفظية، ولم يخرجا في كل ما نظماه عن محاكاة الشماخ ولبيد وليس في نظمهما الكثير ما يستحق الحفظ، اللهم إلا من حيث الفائدة اللغوية إلا قافية رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوية المخترق
فقد أحسن فيها كل الإحسان في صفة الحمار الوحشي - ولعل سر إحسانه أنه ذهب مذهب الحداء المطلق، واهتم بجرس الألفاظ، حتى لتكاد تسمع حركة الحمار ونهيقه منها، تأمل قوله:
حشرج في الجوف سحيلا وشهق
حتى يقال ناهق وما نهق
وقوله في الحمار:
إذا تتلاهن صلصال الصعق
يرمي الجلاميد بجلمود مدق
أي يصيب حجارة الصحاري بحافر له هو نفسه كالجلمود. وقد أعجب أبو
стр. 282
مسلم صاحب الدولة بهذه القصيدة جدًا، وقال لرؤبة وهو ينشده إياها: "أنا ذلك الجلمود المدق".
ومذهب أبي النجم وذي الرمة أسلم من مذهب العجاج وابنه، فالأول لم يخرج بنظمه -مع إطالته- عن مجرد الترنم، وما تجده في كلامه من الغريب فهو سليقي غير متكلف، إذا قد كان الرجل بدويًا قحا (١)، ومن خير ما نظمه أرجوزة في الحلبة أرودها صاحب العقد [١٧٢: ١] وهي غاية في الجودة، وإياها احتذى أبو نواس في طردياته المشهورة (٢):
أما ذو الرمة فكان رجلًا يعيش في الجاهلية بقلبه وعقله، وكان شديد المحاكاة للجاهليين والسرقة منهم ولا سيما في وصف البادية والإبل والآرام، وكان مغرمًا بالصحراء ومظاهرها - غرامًا ما أحسبه كان طرفًا من حبه للجاهلية ونزعته الرجعية، يدلك على ذلك إفراطه في اتباع التشبيهات الجاهلية مع اجتهاد متعمد منه ليحسنها ويوضحها وللرجل في هذا المضمار مذهب لفظي خاص كأنما كان يتنبأ به عن الإغراب الذي جاء به أبو تمام فيما بعد. وهاك منه على سبيل المثال قوله (٣)
وتيها تودي بين أسقاطها الصبا ... عليها من الظلماء جل وخندق
стр. 283
غللت المهارى بينها كل ليلة ... وبين الدجى حتى أراها تمزق
وعندي أن ذا الرمة كان يرتاح من القصيد إلى الرجز، إذ كان يهتم ويجد في نظم القصيدة ويتكلف التجويد. أما الرجز فكان يلقي الكلام فيه مترنمًا بلا كلفة. ولهذا فقد كان رجزه يتدفق سلسًا حلوًا، يقل فيه الإغراب بالنسبة إلى غيره من نظم الرجاز مثال ذلك أرجوزته:
هل تعرف المنزل بالوحيد ... قفرًا محاه أبد الأبيد
وفيها يقول:
يا مي ذات المبسم البرود ... بعد الرقاد والحشي المخضود
والكشح من أدمانة عنود ... عن الظباء متبع فرود
أهلكتنا باللوم والتفنيد
ويقول:
قد عجبت أخت بني لبيد ... وهزئت مني ومن مسعود
رأت غلامي سفر بعيد ... يدرعان الليل ذا السدود
ويقول في قصر الصلاة وكان من المحافظين على أوقاتهم:
إذا حدوهن بهيد هيد ... حتى استحلوا قسمة السجود
والمسح بالأيدي من الصعيد
ولاميته التي مطلعها:
ما هاج عينيك من الأطلال ... المقفرات بعدك البوالي
غيرها تقادم الأحوال ... وغير الأيام والليالي
حلوة النغم رشيقة الجرس، وقد مثل فيها كل ما تعرضه البادية من حسن
стр. 284
ومخافة في يسر وسلاسة مع لفظ شريف وصناعة متينة. خذ قوله مثلا:
إذا خرجن طفل الآصال ... يركضن ريطا وعتاق الخال (١)
سمعت من صلاصل الأشكال ... والشذر والفرائد الغوالي
أدبا على لباتها الحوالي
وقوله:
ومهمه دواية مثكال ... تقمست أعلامه في الآل (٢)
تسمع في تيهائه الأفلال ... عن اليمين وعن الشمال
فنين من لهاله الأغوال
ومذهب جرير في الرجز قريب من مذهب ذي الرمة، إلا أنه أبرع القصيد، ورجزه في جملته دون قصيده في الجودة.
ومن المحدثين جماعة تعاطوا الرجز وأطالوا فيه - من هؤلاء بشار بن برد، فقد أكثر من الرجز، وكان فيه كثيرًا ما يتشبه بمذهب جرير والتكلف ظاهر في أرجوزته؛ [ديوانه ١٤٣: ١].
عوجا خليلي لقينا حسبا ... من زمن ألقى علينا شغبا
وأرجوزته [نفسه ١٤٠: ١].
يا دار بين الفرع والجناب ... عفا عليها عقب الأعقاب
وقد حاكى بشار ذا الرمة في أبيات من الثانية كقوله:
وقد أراهن على المثاب ... يلهون في مستأسد عجاب
سهل المجاري طيب التراب ... حور العيون نزه الأحباب
فهن أتراب إلى أتراب
فهذا ينظر من بعد إلى قول ذي الرمة: "إذا خرجن طفل الآصال"، وقد سبق ذكره مع أشطار. وفي هذه البائية شطر سلخه بشار سلخًا من ذي الرمة وهو قوله:
فانقلبت والدهر ذو انقلاب
стр. 285
فهو من قول غيلان: "فاستبدلت والدهر ذو استبدال"، والسرقة في تركيب اللفظ ورصفه هنا، إذ المعنى معروف ليس فيه ابتكار، ولم يخل بشار من اتباع للعجاج وابنه لا سيما في المدح. تأمل قوله:
فالآن ودعت الفتو الحزبا ... أعتبت من عاتبني أو سبا
وراجعت نفسي حجاها عقبا ... وملك يحبي القرى لا يجبى
ضحم الرواقين إذا اجلعبا ... يخافه الناس عدًا وصحبا (١)
كما يخاف الصيدن الأزبا ... صب لنا من وده واصطبا (٢)
وفي الأخرى يقول:
يا عقب يا ذا القحم الرغاب ... في الشرف الموفي على السحاب (٣)
يربي على القوم بفضل الرابي ... وأنت شغاب على الشغاب
للخطة الفقماء آب آبي
وهذا، وإن كان ليس فيه غريب كثير، فإن فيه نفس رؤبة وأسلوبه. وخير أراجيز بشار هي داليته التي أوردها صاحب الأغاني على تمامها، وذكر أن سبب نظمها هو أن عقبة بن رؤبة تحدي بشارًا بمجلس عقبة بن سلم. وهي من أحلى شعر بشار.