بديباجة لا يدانيه فيها من المحدثين شاعر. وسر جودة ديباجته أنه كان يغني من أعماق قلبه. وقد عرف القدماء هذا من أمره والخصه ابن الأثير في قوله: «وأراد أن يشعر فغنى» وقبله «وأما البحتري فقد أجاد سبك اللفظ على المعنى». ونحن فصلنا بين جزئي السجع، لننبه على أن أمر البحتري متجاوز لمجرد سبك اللفظ على المعنى إلى درجة هي أسمى من ذلك. وعلى أن ابن الأثير كأنه قد أضرب بقوله: وأراد أن يشعر فغني عن قوله الأول. وقد وفق في هذه العبارة أيما توفيق. ذلك بأن الشعر إنما وضع للغناء والترنم. فقد تجاوز البحتري مرتبة الشعر الأولى إلى الثانية. ذلك بأن الشعر معان وألفاظ يلبسها التعبير بالإيقاع. ثم يجيء الغناء فيجعل جميع هذا يلبس ألوانًا من الإيقاع بعد ذلك فتغلب روحانية الإيقاع على كل مادة من الأجناس الأخرى المؤتلفة والمؤلف منها الشعر. ولقد كنت في الدهر الأول أتأمل كلمات لمصطفى لطفي المنفلوطي ﵀ في النظرات يذكر فيها الشعر، ثم يقول بعد ذلك أن هذا الشعر إذا صير به إلى الغناء ملك على الفؤاد نواحيه، أو شيئًا هذا معناه، واستشهد على الغناء بقول الآخر:
يا لهفتا للغريب في البلد ... النازح ماذا بنفسه صنعا
فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا
فكنت أقول هذا أيضًا شعر فكيف فرق المنفلوطي بينه وبين الآخر فجعله غناء. ومراد المنفلوطي أحسبه الآن قد وضح لي. وهو نحو ما عناه ابن الأثير حيث قال ما قاله عن البحتري.
كان أبو تمام يتغنى ويحسن رنة الترنم بلا ريب. من شواهد ذلك قوله:
أبقى أبوك ومزيد وأبوهما ... وأبوه ركنك في الفخار شديدا
стр. 2242
وقوله:
طلبت ربيع ربيعة الممهى لها ... وتفيأت ظلالها ممدودا
بكريها علويها صعبيها الـ ... حصنى شيبانيها الصنديدا
ذهليها مريها مطريها ... يمنى يديها خالد بن يزيدا
نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورا ومن فلق الصباح عمودا
ولكنه لم تكن له، على جزالته ومتانه أسره، ديباجة البحتري حين يبلغ بها أسماها. ديباجة البحتري هبة وهبها الله. أصاب ابن رشيق حيث ذكر أنه كانت للبحتري صناعة خفية. ولكنه كان مطبوعًا مع ذلك. وامتزاج الصنعة مع الطبع عنده نشأ منه «سلسال ديباجته الحصب» ونستعير بعض هذا اللفظ من أبي تمام الذي هو كما قال ابن الأثير رب معان وصيقل الباب وأذهان، وهذه الإضافة ليست لمجرد إكمال السجع ولكن مكانها في مقاله كمكان إضافات ابن المعتز التي تقدم ذكرها.
ديباجة البحتري تنعيم للمذهب الجلد الجبار الذي جاء به أبو تمام: ولكنها هي في ذات نفسها فتح مبين ومسلك فذ. وبداوة شعرية قائمة بذاتها. فأصبحت أمام رواد الشعر بداوتان منبعثتان من صميم حضارة المائتين الثانية والثالثة، إحداهما كأنها فحل أبي تمام القطم الذي وصفه في بائيته فقال:
على كل موار الملاط تهدمت ... عريكته العلياء وانضم حالبه
والأخرى كقلوص أبي عبادة النفيسة التي ذكرها فقال:
حنت قلوصي بالعراق وشاقها ... في ناجر برد الشام وريفه
أشبه شيء برنة ديباجة كامل عنترة في المعلقة:
ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم
فيها اثنتان وأربعون حلوبةً ... سودا كخافية الغراب الأسحم
стр. 2243
وبرنة ديباجة كامل جرير:
إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينيك لا يزال معينا
غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
وقد نظم البحتري في الطويل والبسيط والخفيف وسواهن ورنة ديباجته في جميع أولئك لها نغم وإيقاع واقد وهاج. إلا أنها في الكامل أظهر وأشد وقدة ووهجًا. وقد استشهد الدكتور طه حسين ﵀ في معرض التنبيه على إحسانه بعينيته:
منى النفس من أسماء لو تسطيعها ... بها وجدها من غادة وولوعها
وبشيء من خفيفه:
لي حبيب قد لج في الهجر جدا
وأيها العاتب الذي ليس يرضى
وأحسب أن كامل البحتري هو خاصة أدل شيء على مذهبه الفذ. وقد كان أبو تمام يجيد رنين الكامل ويواتيه مذهبه الفحل فيه كل مواتاة وكأن فيه أصداء من أسر لبيد.
وتأمل هذه الأبيات، وقد استشهدنا بالأربعة الأوليات منها في الجزء الثاني في باب التكرار، وقد جارى برويها وبحرها معلقة عنترة:
هذي المعاهد من سعاد فسلم ... واسأل وإن وجمت ولم تتكلم
آيات ربعٍ قد تأبد منجد ... وحدوج حيٍ قد تحمل متهم
لؤم بنار الشوق إن لم تحتدم ... وضنانة بالدمع إن لم يسجم
وبمسقط العلمين ناعمة الصبا ... حيرى الشباب تبين إن لم تصرم
стр. 2244
حيرى ينظر فيها إلى كلمة عمر «تحير منها في أديم الخدين ماء الشباب».
هل ركب مكة حاملون تحيةً ... تهدى إليها من معنًى مغرم
رد الجفون على كرًى متبدد ... وحنى الضلوع على جوى متضرم
إن لم يبلغك الحجيج فلا رموا ... في الجمرتين ولا سقوا في زمزم
ومنوا برائعة الفراق فإنه ... سلم السهاد وحرب نوم النوم
غير خاف ههنا موضع الصنعة الحبيبية في سلم السهاد إلخ «وفي رائعة الفراق».
ألوى بأربد عن لبيد واهتدى ... لابني نويرة مالك ومتمم
وهذا أيضًا نفس حبيبي.
سائر القصيدة بعد بيت ابني نويرة دون المستوى الرائع في ديباجة مقدمتها. وللبحتري قصائد كثيرة يهبط فيها عن المستوى الذي يبلغه في المقدمة، ومن أجل هذا أحسب أن ابن المعتز أخره عن أبي تمام، كما أحسب أنه من أجل هذا الانسياب والحرارة في بداياته نسبة الناسبون إلى الطبع البدوي. والحق أنه لو تأملناه طبع مع الذي قدمناه من أمر بداوته الفنية، حضرى؛ لأن بداياته وأوساطه ونهاياته في المتوكل ديباجتهن جميعًا عالية. وكأنه كان يصنع شعره على قدر مراتب ممدوحيه. فههنا موضع الحضارية.
وسينية البحتري، وهي من ذراه بل من ذرى الشعر على وجه الإجمال، جمع فيها بين الديباجة والمهارة والتحليق والعمق، وفيها حزن يجعلها هي مرثيته الحقة للمتوكل والفتح ليست رائيته المشهورة «محل على القاطول أخلق دائره» بأخلق منها
стр. 2245
لهذا الوصف في هذا الصدد. وإنما وصف حال نفسه من قبل ومن بعد حيث قال:
وبعيد ما بين وارد رفه ... عللٍ شربه ووارد خمس
وقد جرد فيها مع نعومة ريشة المصور حدًّا مرهفًا من جسارة حسام قلب مفكر -تأمل قوله:
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
وهم خافضون في ظل عال ... مشرف يحسر العيون ويخسي
مغلقٍ بابه على جبل القبـ ... ـق إلى دارتي خلاطٍ ومكس
أي كأن الإيوان هو جبل القبق، وذلك أنه في أرض منبسطة هو فيها كالجبل بإشرافه وارتفاعه، وقد فصل هذا المعنى من بعد عند قوله «جوب في جنب أرعن جلس البيت».
حللٌ لم تكن كأطلال سعدي ... في قفارٍ من البسابس ملس
لا يقصد ههنا إلى الزراية بأطلال سعدى على طريقة التبرم بالأطلال النواسية وغير النواسية وما أشبه وإن يك في ظاهر اللفظ نفس من ذلك، ولكنه قصد إلى أن ينبهنا أنه الآن واقف على طلل، غير أن طلله ليس بطلل بداوة صحراوية هو طلل بداوة شعرية، هو أثر بنيان حضارة ضخمة عفاها الزمان، وليس مجرد ادعاء تعريج على رسم متوهم لحبيبة بالصحراء. التبرمة التي ههنا من جنس تبرمة الكميت حيث قال:
ولم تلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنان مخضب
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى ... وخير بني حواء والخير يطلب
ثم وقف البحتري عند تأمل هذه الآثار وما تدل عليه من حضارة كانت ضخمة
стр. 2246
الأكناف عالية الذرى مثل هذا البنيان الذي بقيته التي كأنها فتحة كهف جسيم فاغرة من جنب جبل عظيم.
ومساعٍ لولا المحاباة مني ... لم تطقها مسعاة عنس وعبس
أي قيس واليمن، عبس قبيلة قيسية وعنس قبيلة يمنية. وتأمل الصنعة في سينات السعدي- بابس- ملس- مساع- مسعاة- عنس- عبس. وهل تزندق البحتري شيئًا بذكره عبسًا وعنسًا وهو العربي البعيد كل البعد عن الزندقة والشعوبية؟ كان لعبس في الجاهلية نبيٌّ أضاعوه فلم يتبعوه هو خالد بن سنان وكان لعنس في الإسلام متنبئ من أصحاب الردة هو الأسود العنسي. وسواد اللون يجمع بينه وبين أشهر أبطال جاهلية فروسية العرب وهو عنترة بن شداد العبسي- فسين القافية مع تداعي بعض هذه المعاني هو على اراجح مما يكون قاده إلى الجمع بين عنس وعبس. وجعل الثانية هي القافية لورود عنس بالنون قافية من قبل.
هذا ويجوز -ولا تستبعد ذلك أيها القارئ الكريم- يجوز أنه أورد كلامه هذا كله على سبيل الكناية، وإذ هو يبكي على المتوكل والفتح، فما هذا الإيوان إلا رمز للجعفري وحسنه، وقد تعلم قوله في ذلك.
تغير حسن الجعفري وأنسه ... وقوض بادي الجعفري وحاضره
أما حاضر الجعفري فلا يخفى، إذ كان هو بحبوحة حضارة ذلك الزمان، فما باديه؟ هل أراد ببادي الجعفري عربيته التي يمثلها الخليفة وبحاضره أعوان الخلافة من بقية حضارة فارس: الفتح وعبيد الله وآل طاهر في خراسان؟ وتأمل قوله: وأنسه -وهو إنما قصد «أبيض المدائن». لما غلبته الوحشة وفقد الأنس والأنيس:
ولقد رابني نبو ابن عمي ... بعد لين من جانبيه وأنس
стр. 2247
من ابن عمه هذا؟ أهو الخليفة الجديد، جعله ابن عمه لأنه عربي مثله؟
وإذا ما جفيت كنت حريًّا ... أن أرى غير مصبح حيث أمسي
حضرت رحلي الهموم فوجهت ... إلى أبيض المدئن عنسي
وهذه العنس هنا، وهي الناقة، نادت عنسًا في قوله «عنسٍ وعبس» من بعد. فإذا حملنا العنس هنا على معنى العنس الأولى أي مسعاة ناقتي مسعاة القوم الذين اسمهم كاسم ناقتي. فهل يجوز أن نتوهم شيئًا من إشارة إلى بني العباس في قوله «عبسي»؟
بل هو يجوز أن نتوهم أيضًا إشارة لبني أمية في قوله عنس إذ كان بنو حرب وهم الذين أسسوا دولة بني أمية يقال لهم العنابس أي الأسود؟ أم هل أراد بعنس وعبس فقط بني أمية حملًا للفظين على عنبسة وعنابس فنرجع إلى المعنى الأول وهو العرب على تقدير أن دولة بني العباس هي كما زعم صاحب الفخري دولة عجمية؟
وتأمل قوله:
فكأن الجرماز من عدم الأنـ ... ـس وأخلاقه بقية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتمًا بعد عرس
أليس هذا مثل قوله:
تحمل عنه ساكنوه فجاءة ... فعادت سواء دوره ومقابره
إذ نحن زرناه أجد لنا الأسى ... وقد كان قبل اليوم يبهج زائره
ثم كأن البحتري يعيش فترة أخرى من عهد منادمته المتوكل -وقد بدأ كأنما هو يتحدث بموضوعية عن الإيوان وما مني به من تقلب صروف الزمان:
وهو ينبيك عن عجائب قوم ... لا يشاب البيان فيهم بلبس
стр. 2248
ما دلالة قوله: «لا يشاب البيان فيهم بلبس» - أهذه تتمة أتم بها البيت على سبيل المبالغة في أمر عظمة ملوك الفرس؟ ألا يكون ذلك مما يخس بقيمة هذا البيت البيانية إن كان أمره لا يعدو أنه تتمة بمغالاة ليس غير؟ أليس أقرب أن يكون قوله:
لا يشاب البيان فيهم بلبس
ما عني به في أعماق نفسه إلا الخليفة المقتول؟ أليس من شأن الشعر أن يكون فيه من المعاني مما يوحي به أكثر مما هو في ظاهر لفظه؟ وكثير من ذلك قد يجيء عن قصد وتعمد له من الشاعر، وكثير منه ربما جاء على غير قصد منه، حتى إنه لا يكون ممن يفطن إليه. وقد تعلم خبر المتنبي إذ قال في كافيته التي ودع فيها عضد الدولة.
وأيا كنت يا طرقي فكوني ... أذاة أو نجاة أو هلاكا
فتطير عضد الدولة من ذلك. وما كان لو لم يقله أبو الطيب ليدفع ذلك عنه القدر، ولكنه ما كان ليثبته لو أحس بقلبه الواعي ما قد وصل إليه فيه قلبه من طريق كأنه كشف.
ومما يقوي زعمنا أن الذي لا يشاب البيان فيه بلبس قوله في الرائية:
كأن لم تبت فيه الخلافة طلقة ... بشاشتها والملك يشرق زاهره
ولم تجمع الدنيا إليه بهاءها ... وبهجتها والعيش غض مكاسره
فأين الحجاب الصعب حيث تمنعت ... بهيبتها أبوابه ومقاصره
وأين عميد الناس في كل نوبةٍ ... تنوب وناهي الدهر فيهم وآمره
هذا هو الذي لا يشاب البيان فيه بلبس. وليس الأمر مجرد تتمة بيت وجعل البحتري يتأمل صورة أنطاكية. وأحسب أن المتنبي لم يخل من نظر إلى تصوير
стр. 2249
البحتري ووصفه ههنا إذ أخذ هو في نعت فازة سيف الدولة والصور التي فيها وذلك حيث قال:
وأحسن من ماء الشبيبة كله ... حيا بارق في فازةٍ أنا شائمه
الأبيات وقد وقف عندها يتأمل صور الضراغم والصيد كوقفة البحتري ههنا يتأمل صورة عراك الرجال بين يدي كسرى- وتأمل قوله:
والمنايا مواثل وأنوشر ... وأن يزجي الصفوف تحت الدرفس
قوله المنايا مواثل من أجود التصوير إذ هو يقص علينا فيه أن الصورة التي تأملها ناطقة لا بعراك الرجال الذي كان بين يدي الملك وحده، ولكن بمثول المنايا، تتخطف من تتخطفه السيوف وارماح. مع جودة التصوير هذه وحي خفي بإحساس البحتري مثول المنايا. ولقد رأى المنايا بعينه ماثلات لما أصاب السيف جعفرًا وتخطف الفتح بن خافقان وهو ينظر وقد ملأ الرعب فؤاده. وصدق الله جل من قائل إذ يقول: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران]. إلى هذه الآية نظر البحتري ومنها أخذ البيان الرائع الذي جاء به.
ثم انظر إلى حذق البحتري لما أحيا الصورة فقال:
في اخضرار من اللباس على أصـ ... ـغر يختال في صبيغة ورس
وعراك الرجال بين يديه ... في خفوت منهم وإغماض جرس
لأنهم الآن صور حيويتها ناطقة وصخبها في قلب الشاعر ولكنها بعد صور على حيويتها وحركتها صوامت.
من مشيح يهوى يعامل رمح ... ومليح من السنان بترس
تصف العين أنهم جد أحيا ... ء لهم بينهم إشارة خرس
يغتلى فيهم ارتيابي حتى ... تتقراهم يداي بلمس
стр. 2250
وكأن البحتري ههنا في حلم، يريه منامه مشهدًا من مناظر المواكب والأبهة التي كان عليها زمان المتوكل.
هنا ينسى المأساة. وينتشي من هذا الحلم -هذا الحلم الذي ما عدا بعد أنه تأمل هذه الصور الخرس النواطق الحية:
قد سقاني ولم يصرد أبو الغو ... ث على العسكرين شربة خلس
ولكأن أبا عبادة الآن نديم المتوكل مرة أخرى.
قد سقاني ولم يصرد أبو الغو ... ث على العسكرين شربة خلس
ما مراده من شربة خلس؟ إما اختلسها مع المنايا المواثل والحرب القائمة، أشركه حلم مذهل فيها ثم فصله عنها لحظة إلى هذه الشربة الخلس. وإما اختلسها من المجتمع المحيط به وكأنه يصف شرابًا صلبًا يسيغه صاحبه دفعة واحدة.
من مدام تقولها هي نجم ... أصوأ الليل أو مجاجة شمس
وتراها إذا أجدت سرورًا ... وارتياحًا للشارب المتحسي
أفرغت في الزجاج من كل قلب ... فهي محبوبةٌ إلى كل نفس
كانت خلسًا ثم صارت أنسًا ومتعة واحتساء ذا تمهل. هذه شراب المتوكل وهو كسرى وهو الآن معه.
وتوهمت أن كسرى أبرويـ ... ـز معاطي والبلبهذ أنسي
لاحظ تكرار الأنس في قافية أبي عبادة مع الذي نبهنا إليه من وروده في الرائية «تغير حسن الجعفري وأنسه». وقد تعلم قول أبي عبادة إذ العيش رغد والمتوكل أمام:
هل العيش إلا ماء كرم مصفق ... يرقرقه في الكأس ماء غمام
وعود بنان حين ساعد شدوه ... على نغم الألحان ناي زنام
стр. 2251
لاحظ اقتنان تخير الألفاظ هنا- شدوه- نغم- الألحان.
البلبهذ هنا هو بنان وهو زنام، يدلك على ذلك قوله أنسي، وأنس الجعفري كان بهذين كما كان أنس كسرى بالبلبهذ.
حلم مطبق على الشك عيني ... وامان غيرن ظني وحدسي
جعله مع كونه حلمًا مطبقًا لعينيه على شك لأنه يعلم أن المتوكل قد قتل وأن الأنس قد زال وأن ابن عمه قد نبا عنه بعد قرب ومودة وإيناس. لا بل هو ليس بشك، ولكنها أمان من فؤاد محزون. وإذا هذا الإيوان الذي كان حيًّا بكسرة والبلبهذ والمجد المنيف قد عاد مغارة كمغارة أهل الكهف. قد عاد قبرًا. قد صار خرابًا.
وكأن الإيوان من عجب الصنعة ... جوب في جنب أرعن جلس
قوله «عجب الصنعة» -أي حتى صار الأمر يبدو كأنه كهف طبيعي من عمل بد الطبيعة ليلها ونهارها وأرواحها وأمطارها. أجود الصنعة ما بدا كأن ليس للصنعة فيه يد، مثل شعر أبي عبادة هذا السهل الممتنع، الطبيعي المصنوع، البدوي الحضري، الناعم. تأمل قوله «جوب في جنب» - ثم «جلس» عند القافية.
يتظنى من الكآبة أن يبـ ... ـدو لعيني مطبح أو ممسي
مزعجًا بالفراق عن أنس ألفٍ ... عز أو مرهقًا بتطليق عرس
مرة أخرى تأمل قوله «أنس» والذي أزعج بالفراق عن أنس إلفه هو البحتري وإلفه الفتح أو هو المتوكل وإلفه الفتح أو هو الفتح وإلفه القصر ومجده أو جميع هؤلاء وإلفهم ما كانوا فيه من مدامة وانس. وأما العرس فهي الخلافة والمرهق هو الخليفة إذ طلقها يعلوه الحسام أو كما قال الآخر:
فطلقها فلست لها بكفء ... وإلا يعل مفرقك الحسام
стр. 2252
أو العروس هي بغداد وقد توحشت للبحتري. أو عرائس الشعر التي قد كسدت بعد دهر المتوكل أليس البحتري هو القائل يخاطب علي بن يحيى المنجم:
شوق له بين الأضالع هاجس ... وتذكر للصدر منه وساوس
ولربما نجى الفتى من همسه ... وخد القلاص وليلهن الدامس
إذ ليل بغداد بالأنس منير.
ما أنصفت بغداد حين توحشت ... لنزيلها وهي المحل الآنس
لم يرع لي حق القرابة طيء ... فيها ولا حق الصداقة فارس
أعلى من يأملك بعد مودةٍ ... ضيعتها مني فإني آيس
أوعدتني يوم الخميس وقد مضى ... من بعد موعدك الخميس الخامس
وقد يعلم القارئ أصلحه الله خبر يوم الخميس في الحديث الشريف وأسف ابن عباس ﵄ على ذلك فيما رووا، وما كان مثله ليغيب عن أبي عبادة وما أخال إلا أن ههنا نفحة من الإشارة إليه والله تعالى أعلم.
قل للأمير فإنه القمر الذي ... ضحكت به الأيام وهي عوابس
قدمت قدامي رجالًا كلهم ... متخلف عن غايتي متقاعس
وأذلتني حتى لقد أشمت بي ... من كان يحسد منهم وينافس
وأنا الذي أوضحت غير مدافع ... نهج القوافي وهي رسم دارس
بعد أن ذهب أبو تمام. وقد أوضح النهج الذي انتهجه غير مدافع عن ذلك.
وشهرت في شرق البلاد وغربها ... وكأنني في كل نادٍ جالس
هذي القصائد قد زففت صباحها ... تهدي إليك كأنهن عرائس
ولك السلامة والسلام فإنني ... غادٍ وهن على علاك حبائس
стр. 2253
فقد جعل القصائد عرائس كما ترى وشكا أن الناس قد خسوا بقدرهن بعد أن ذهب الناس -أو كما قال في السينية الكبرى، وكأنما يصف نفسه، إذ هو بقية أنس الجعفري كما الإيوان بقية مجد كسرى:
عكست حظه الليالي وبات الـ ... مشتري فيه وهو كوكب نحس
فهو يبدي تجلدًا وعليه ... كلكل من كلاكل الدهر مرسي
ثم أخذ ينصرف إلى الإيوان، يعجب به، كما قد اعتبر بما كان من مصيره وفي إعجابه هذا رجعة إلى أول الإعجاب الذي كان منه حيث قال:
وهو ينبيك عن عجائب قوم ... لا يشاب البيان فيهم بلبس
ثم انصرف من هذا الإعجاب إلى العبرة والتأمل، وإنما الشعر الجيد أصداء معان تتجاوب وأنغام ألحان تتناوح:
لم يعبه أن بر من بسط الديـ ... ـباج واستل من شفوف الدمقس
هذه الصفة هي عين قوله من قبل في الرائية:
وإذ صيح فيه بالرحيل فهتكت ... على عجل أستاره وستائره
أي أستاره وما ستر فيهن.
قوله:
مشمخر تعلو له شرفات ... رفعت في رؤوس رضوى وقدس
رضوى كسكرى جبل بالمدينة وقدس بضم فسكون اسم جبل بنجد وبسواها من بلاد العرب. وما ينبغي أن تكون هذه المرفوعة في رؤوس رضوى وقدس هي شرفات إيوان بنته الكفرة فرسًا كانوا أو غيرهم، ولكن شرفات الخليفة والخلافة،
стр. 2254
وإذ جعل الإيوان رمزًا للجعفري وقتيله ساغ له مثل هذا القول من غير ما شعوبية هو بعربيته أبعد شيءٍ عنها، ولا زندقة هو عنها بسذاجة إيمانه جد غريب.
مما يرجح ما نزعمه من أنه ما أراد إلا الخليفة والخلافة وأصول ذلك في آل البيت والنبوة قوله يمدح المتوكل ويذكر بناء الجعفري، هذا القصر الذي قتل فيه من بعد:
قد تم حسن الجعفري ولم يكن ... ليتم إلا بالخليفة جعفر
ملك تبوأ خير دار أنشئت ... في خير مبدًى للأنام ومحضر
في رأس مشرفةٍ حصاها لؤلؤٌ ... وترابها مسكٌ يشاب بعنبر
مخضرة والغيث ليس بساكبٍ ... ومضيئة والليل ليس بمقمر
ظهرت لمخترق الشمال وجاوزت ... ظلل الغمام الصائب المستغزر
تقدير لطفك واختيارك أغنيا ... عن كل مختارٍ لها ومقدر
وعلو همتك التي دلت على ... صغر الكبير وقلة المستكثر
فرفعت بنيانًا كأن مناره ... أعلام رضوى أو شواهق ضيبر
عالٍ على لحظ العيون كأنما ... ينظرن منه إلى بياض المشتري
بانيه باني المكرمات وربه ... رب الأخاشب والصفا والمشعر
ملأت جوانبه الفضاء وعانقت ... شرفاته قطع السحاب الممطر
وتسير دجلة تحته ففناؤه ... من لجةٍ غمرٍ وروضٍ أخضر
شجر تلاعبه الرياح فتنثني ... أعطافه في مائح متفجر
فاسلم أمير المؤمنين مسربلًا ... سربال منصور اليدين مظفر
واستأنف العمر الجديد ببهجة الـ ... ـقصر الجديد وحسنه المتخير
ثم يقول:
الله أعطالك المحبة في الورى ... وحباك بالفضل الذي لم ينكر
стр. 2255
قد جئته فنزلت أيمن منزلٍ ... وأممته فرأيت أحسن منظر
فاعمره بالعمر الطويل ونعمةٍ ... تبقى بشاشتها بقاء الأعصر
قوله: «كأن مناره أعلام رضوى إلخ» هو بعينه قوله في السينية «رفعت في رؤوس رضوى وقدس» -وضيبر بالضاد المعجمة في أوله بوزن حيدر جبل «بالحجاز» والتشبيه مراد به هنا الرمز والتنويه بقدر الجعفري إذ أرض العراق منبسطة فهو فيها بمنزلة جبل حجازي وساكنه سيد قريش الخليفة وهم سادة الناس، من أجل جوار البيت الذي بناه إبراهيم وإسماعيل ﵉ وأحيت دينه الحنيف رسالة محمد الهاشمي القرشي سيد الأنبياء والمرسلين ﷺ .
قول البحتري:
ملأت جوانبه الفضاء وعانقت ... شرفاته قطع السحاب الممطر
فيه لفظ الشرفات والمعنى هو زيادة توضيح لما ذكره من ارتفاعه فوف ذرا رضوى وضيبر هنا- ورضوى وقدس في السينية. وغير خاف حسن تجانس ضادي رضوى وضيبر.
وقوله:
عالٍ على لحظ العيون كأنما ... ينظرن منه إلى بياض المشتري
هو عين قوله من بعد في السينية:
مشمخر تعلو له شرفات ... رفعت في رؤوس رضوى وقدس
لا بسات من البياض فما تبـ ... ـصر منها إلا فلائل برس
فلائل جمع فليلة والفليلة هي الليف وهي الشعر المجتمع والمراد هنا الليف أي فما تبصر منها إلا أليافًا من برس بكسر الباء -ويجوز ضمها وهو دون الكسر-
стр. 2256
وسكون الراء وهو القطن. شبه الشرفات برؤوس الجبال عليهن بياض عمائم الثلوج وتشبيه الثلج المتساقط بالقطن قديم في الشعر، قال الفرزدق:
مستقبلين شمال الشام تضربنا ... بحاصبٍ كنديف الثلج منثور
وقال:
وأقبل موضوع الصقيع كأنه ... على سروات النيب قطن مندف
ولا يعقل أن يكون عني بياض طلاءٍ على شرفات الإيوان. إذ على تقدير بقاء الطلاء على زمان البحتري، فإنه لا يكون كالبياض الذي يرفعه الثلج على رؤوس الجبال. وقوله «بياض المشترى» يقوي ما نزعمه من أن جميع هذا رمز به عن الخليفة والخلافة والقصر الجعفري- ألا تجده في السينية يقول:
عكست حظه الليالي وبات الـ ... ـمشترى فيه وهو كوكب نحس
والمشترى مذكور في الرائية لأنه كوكب سعادة. والبياض هنا بياض طلاء وبسعد الجعفري والخليفة جعفر فإن منزله في السماء مع الكواكب. وقد جعله منارًا وما شبهه برضوى وضيبر إلا لمكان معالم النبوة وقداسة الحرمين هناك. وكأن نصًّا قاطعًا برهانه على هذا الذي نذهب إليه قوله:
بانيه باني المكرمات وربه ... رب الأخاشب والصفا والمشعر
والأخاشب والصفا والمشعر كل ذلك بحرم مكة والخلافة هي ذات السيادة والشرف الذي أصله من هناك. وربه أي رب هذا القصر وسيده وهو سيد هذه المواضع بسيادة الخلافة. أو باني هذا القصر هو الخليفة باني المكرمات وعابد ربه بما يتقرب به إليه منها وربه هو رب الحرم والصفا والمروة والمشعر الحرام. والمعنى الأول أوضح وأقرب وأشبه بسياق أسلوب البحتري.
стр. 2257
ثم يقول أبو عبادة:
ليس يدرى أصنع إنس لجنٍ ... سكنوه أم صنع جن لإنس
ظاهر المعنى للإيوان كما لا يخفى وباطنه للمتوكل والجعفري- وكأنه البحتري لما قال فصرح في الرائية:
حرامٌ على الراء بعدك أو أرى ... دمًا بدمٍ يجري على الأرض مائره
وهل أرتجي أن يطلب الدم واترٌ ... يد الدهر والموتور بالدم واتره
أكان ولي العهد أضمر غدرة ... فمن عجبٍ أو ولي العهد غادره
فلا ملي الباقي تراث الذي مضى ... ولا حملت ذاك الدعاء منابره
ولا وال المشكوك فيه ولا نجا ... من السيف ناضي السيف غدرا وشاهره
لنعم الدم المسفوح ليلة جعفر ... هرقتم وجنح الليل سود دياجره
لم يخل من نضح شر أصابه به تصريحه، فكان أن يعمد إلى التعمية بالرمز أحجى.
هذا، وقوله أصنع إنس لجنٍ، فالأغلب الأشهر أن تصنع الجن للإنس بتسخير يسخرونه. وما أشبه أن يكون مراده من صنع الإنس للجن جواري المتوكل لأن الحسان يشبهن بالوحش وبالجن وقال الشنفري:
فدقت وجلت واسبكرت وأكملت ... فلو جن إنسان من الحسن جنت
أي لو كان إنسانًا جنيًّا من الحسن لكانت كذلك.
وزعم أصحاب الأخبار أن أم بلقيس كانت من الجن تمثلت لأبيها غزالة وأن سليمان ﵇ بنى الصرح وكان قد قيل له أن لها حافرًا، إذ الجني عندما يتحول إلى صورة إنسية يبقى له مع ذلك حافر فيستره لكيلا يستدل به عليه، فلما كشفت عن
стр. 2258
ساقيها كانت كأجمل ما تكون النساء ساقًا، وكان بساقيها هبوٌٌ من شعر فأزالته النورة. فالصرح بناء إنس لجن على هذا المعنى، إذ لبلقيس نسب أسطوري في الجن، وانتساب إلى الجن بحسنها -قال أبو الطيب:
لجنية أم غادة رفع السجف ... لوحشية، لا، ما لوحشيةٍ شنف
أي لا تلبس الوحشية الأقراط.
والصرح أيضًا بناء جن لإنس إذ الجن كانوا مسخرين لسيدنا سليمان -وقد شبه البحتري المتوكل بسليمان ﵇ حيث قال في القصيدة التي وصف فيها البركة:
كأن جن سليمان الذين ولوا ... إبداعها فأذقوا في معانيها
فلو تمر بها بلقيس عن عرضٍ ... قالت هي الصرح تمثيلًا وتشبيهًا
وقالت إن أمير المؤمنين كسليمان- هذا المعنى متضمن كما لا يخفى.
وقد صرح به في كلمة على هذا الروى أولها «أنافعي عند ليلى فرط حبيها» فقال:
فلا فضيلة إلا أنت لابسها ... ولا رعية إلا أنت راعيها
ملك كملك سليمان الذي خضعت ... له البرية قاصيها ودانيها
وصورة الثلج على الجبال شامية. ومناظر الشام وجبال لبنان مما يتردد في شعر البحتري تصريحًا وتلميحًا- وقد زعمت العرب أن الجن بنت تدمر لسليمان وتدمر من بلاد الشام، قال النابغة:
ولا أرى فاعلًا في الناس يشبهه ... ولا أحاشي من الأقوام من أحد
إلا سليمان إذ قال إلا له له ... قم في البرية فاحددها عن الفند
وخيس الجن أني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد
стр. 2259
وفي صورة الثلج على الجبال يقول البحتري، ويذكر دارًا للفتح بن خاقان، وقد تعلم أمر مقتله مع المتوكل:
تلفت من عليا دمشق ودوننا ... للبنان هضبٌ كالغماء المعلق
ثم يقول البحتري في السينية:
غير أني أراه يشهد أن لم ... يك بانيه في الملوك بنكس
أي بضعيف ذي تقصير عن مدى المجد. ولا ريب أن الإيوان عمارة مجيدة لملك ماجد وأن هذا المعنى الظاهر من التنبيه على مجد فارس والأكاسرة أراده البحتري ولكنه يلابسه أيضًا معنى القصد إذ ذكر المتوكل، وجعفريه ورثائهما -يدل على ذلك انصراف البحتري من عظمة الصورة المعمارية التي أمامه بشموخها وبراعة هندسة عقد قوسها العجيب، إلى تأمل مناظر المراكب والوفود وأبهة الملك كما عهد ذلك عند المتوكل- في أيام الأعياد كما وصفه في الرائية.
أظهرت عز الملك فيه بجحفل ... لجب يحاط الدين فيه وينصر
خلنا الجبال تسير فيه وقد غدت ... عددًا يسير بها العديد الأكبر
فالخيل تصهل والفوارس تدعي ... والبيض تلمع والأسنة تزهر
والأرض خاشعة تميد بنقلها ... والجو معتكر الجوانب أغبر
والشمس ماتعة توقد بالضحى ... طورًا ويطفئها العجاج الأكدر
حتى طلعت بنور وجهك فانجلت ... تلك الدجى وانجاب ذاك العثير
وافتن فيك الناظرون فإصبع ... يومى إليك بها وعين تنظر
وعند مجيء الوفود -كقوله في اللامية التي مطلعها: «قل للسحا إذا حدته الشمأل».
ورأيت وفد الروم بعد عنادهم ... عرفوا فضائلك التي لا تجهل
стр. 2260
لحظوك أول لحظةٍ فاستصغروا ... من كان يعظم فيهم ويبجل
متحيرون فباهت متعجب ... مما رأى أو ناظر متأمل
وعندما يؤذن له -قال وهو من مأثور قوله ومشهوره:
ولما حضرنا سدة الأذن أخرت ... رجالٌ عن الباب الذي أنا داخله
فأفضيت من قرب إلى ذي مهابة ... أقابل بدر الأفق حين أقابله
فسلمت واعتاقت جناني هيبةٌ ... تنازعني القول الذي أنا قائله
فلما تأملت الطلاقة وانثنى ... إلي ببشر آنستني مخايله
دنوت فقبلت الندى في يد امرئ ... جميلٍ محياه سباط أنامله
وهذه الأبيات في الفتح وزير المتوكل -وإنما كان مدح البحتري له طرفًا من مدحه المتوكل كما قد كان مجد الفتح ظلًّا من مجد المتوكل.
قال يصف وفود قبائل ربيعة إليه:
أتوك وفود الشكر يثنون بالذي ... تقدم من نعماك عندهم قبل
فلم أر يومًا كان أكثر سؤودًا ... من اليوم ضمتهم إلى بابك السبل
تراءوك في أقصى السماط فقصروا ... خطاهم وقد جازوا الستور وهم عجل
ولما قضوا صدر السلام تهافتوا ... على يد بسام سجيته رسل
إذا شرعوا في خطبةٍ قطعتهم ... جلالة طلق الوجه جانبه سهل
إذا نكسوا أبصارهم من مهابة ... ومالوا بلحظ خلت أنهم قبل
القبل بالتحريك ضرب من الحول أو شبيه به وقد وصف به الهذلي نظر الخيل ونظر الجدأة- قال وهومن شواهد شرح الألفية:
وتبلى الألى يستلئمون على الألى ... تراهن يوم الروع كالحدا القبل
стр. 2261
القبل هنا وفي بيت البحتري بضم القاف ويسكون الباء جمع أقبل وقبلاء من القبل بالتحريك.
ثم يقول البحتري:
نصبت لهم طرفًا حديدًا ومنطقًا ... سديدًا ورأيًّا مثلما انتضى النصل
وعندي، كأن البحتري قد نظر إلى معلقة زهير في كلمته التي مدح بها المتوكل وذكر الفتح في أمر الصلح الذي كان بين بطون بني ربيعة والعفو الذي عفاه الخليفة عن جناتها:
منى النفس من أسماء لو تستطيعها ... بها وجدها من غادة وولوعها
وبحرها من المقبوض الضرب والعروض وقافيتها من المتدارك والنظر فيه من غير إسراف سرق إلى صور المعلقة قوي- ولكأن قوله:
شروبًا تساقى الراح رفها شروعها
فيه صدى وظلال من قول زهير:
فلما وردن الماء رزقًا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم
وفي هذه اللامية نظر إلى:
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو
جد في أمر الحرب والسلم في العينية كجد زهير في الميمية، وأخلص في المدح وخلص بكل شعره إليه في اللامية كما فعل زهير.
ونعود بعد إلى ما دعا إلى الإشارة إلى أصناف هذه الأبيات، وهو ما قدمناه من انصراف أبي عبادة عن تأمل هيئة الإيوان وهندسته إلى ذكريات من ماضي تجاربه عند عظمة الخليفة ووزيره الجليل.
стр. 2262
فكأني أرى المراتب والقو ... م إذا ما بلغت آخر حسي
وكأن الوفود ضاحين حسرى ... من وقوف خلف الزحام وخنس
هذه صورة مختصرة من «الشمس ماتعة توقد بالضحى» ومن زحام موكب العيد ومن مقدم أصناف وفود الروم والقبائل- ثم خلص إلى تصوير مناظر من تجربته في المنادمة عند الخليفة ووزيره الفتح:
وكأن القيان وسط المقاصيـ ... ـر يرجعن بين حوٍ ولعس
فدل بقوله «محمود ولعس» على اختلاف ألوان الجواري وأجناسهن، إذ اللعساء بيضاء اللون فيها حمرة واللعس بالتحريك سواد في لون الشفة يستحسن فاستحسانه في الشفة دل على أن سائر الجسد بلون آخر. والحواء أمنا، وحوتها بإزاء أدمة زوجها آدم والأدمة السمرة، والحواء الشديدة السمرة، أو الشفة الضاربة الحمرة إلى السواد- فجميع هذا منبئٌ عما قدمنا من إرادة البحتري الدلالة على اختلاف ألوان الجواري والقيان. وكان القوم كأنما كانوا يرومون أن يجعلوا من قصورهم فراديس في هذه الدنيا. ومن أوصاف الحور العين في ما ذكروا أنهن من أجناس أربعة، بيض وحمر وصفر وخضر والحوة واللعس كلاهما من ألوان النبات، فتأمل:
وكأن اللقاء أول من أمـ ... ـس ووشك الفراق أول أمس
وهذا إنما عني به لقاء المتوكل وأنسه وفراق جميع ذلك. أول من أمس وأول أمس بمعنى واحد وهو المراد ههنا، لا أن اللقاء كان أول من أمس ثم مرت ليلة الأمس ثم كان الفراق صباح أمس. المعنى أن عهد اللقاء والفراق كل ذلك قريب، كل ذلك كأنما كان أول أمس ثم أصبح صباح الأمس بالدواهي، وذلك أن مقتل المتوكل كان ليلًا فأصبح الناس والدنيا غير ما عهدوه:
وكأن الذي يريد اتباعًا ... طامع في لحوقهم صبح خمس
стр. 2263
هذا استعارة من أسلوب النسيب، أن المحبوبة والخليط والظعن، كل أولئك يبين ويعمل الشاعر المطي ليلحق بهم. يقول البحتري كأنما رحلوا مسرعين أول من أمس، فمن أراد بهم لحاقًا وأسرع -وقد فاتوه بليلتين سيدركهم إذا وردوا في الخامس بعد رحيلهم والخمس بفتح الخاء أي خمس ليالٍ ودل بهذا على ورود الإبل الخمس بالكسر والخمس بكسر الخاء وسكون الميم من أظماء الإبل أن ترعى ثلاثة أيام ثم ترد الرابع والليلة التي بعد ورودها هي ليلة اليوم الخامس بعد مرعاها فمن أجل هذا سمى هذا الورد خمسًا وهو أطول أظماء الإبل، والمجد في السير هو الذي يريد خمسًا- وقول البحتري «وكأن الذي تريد اتباعًا» إنما جاء به على سبيل التأكيد لما كان من قرب اللقاء وقرب الفراق وهو يعلم أن لا سبيل إلى اللحاق.
ثم انظر إلى هذا البيت:
عمرت للسرور دهرًا فصارت ... للتعزي رباعهم والتأسي
فقد انصرف به من معنى اللحاق النسيبي إلى معنى اللالحاق، المشعر بالحزن الداعي إلى الاعتبار والعظات.
ههنا التقت الحالتان الموقوف عندهما -حال الإيوان المنبئ عن حضارة فارسية قد انقضى زمانها، وحال الجعفري الذي عاش في نعمائه البحتري دهرًا ثم انقضى عهد ذلك كل انقضاء.
فلها ان أعينها بدموع ... موقفات على الصبابة حبس
قوله «موقفات على الصبابة» فيه رجعة إلى موضوع النسيب، الذي تقدم من قبل حيث زعم أن اللقاء أول من أمس والفراق أول أمس والذي يريد اتباعًا إلى آخر ما قاله- فإذا جعل الأمر نسيبيًّا صح له أن يزعم أن دموعه صبابة وعشق وما هو إلا واقف على ربع أحباء أو رسم وأثر شبيه بما يعلم أنه تعفى من رسم الأحباء.
ذاك عندي وليست الدار داري ... باقتراب منها ولا الجنس جنسي
стр. 2264
باقتراب منها، أي وقوفه الذي وقفه عند الإيوان، وإنما برر وقوفه أن أصحاب هذا الرسم وإن لم يكونوا قومه فهم أهل نعماء على قومه -وهنا معنى عام أثنى فيه ثناء كريمًا على ما كان من مشاركة الفرس بعقولهم وقلوبهم في بناء حضارة الإسلام، وحسبك شاهدًا على ذلك سيبويه في علم العربية ونافع في علم القراءات والبخاري في علم الحديث وهذا باب واسع.
أيدوا ملكنا وشدوا قواه ... بكماةٍ تحت السنور حمس
وقد قام ملك بني العباس على جند خراسان وكان عنصر الفرس وغير العرب فيهم فاشيًّا- وعمى البحتري مراده فزعم أنه يشير إلى ما كان من إعانة كسرى لسيف بن ذي يزن سيد اليمن وملكه، وطي قبيلة البحتري يمانية الأصل، فعمى البحتري بظاهر هذه العصبية اليمنية، ولم يخل في ذلك من نظر إلى أن أول أمر بني العباس قد كانت لطيء فيه مشاركة قوية على يدي آل قحطية وقد استمر الشرف فيهم من زمان أبي العباس وأبي مسلم إلى زمان البحتري، وقد كان محمد بن حميد وآل حميد ممن مدح ورثى.
وأعانوا على كتائب أريا ... ط بطعن على النحور ودعس
السنور في البيت الذي تقدم أي الدروع. وأرياط هو قائد النجاشي الذي وجهه إلى اليمن فدوخها. ما يخلو هذا البيت من نوع إشارة خفية ومن نوع كشف معًا. وذلك أن «أرياط» موازن لأشناس فكأنه جعل «أرياطـ» رمزًا لجند الترك الذين اصطنعتهم فأودوا آخر الأمر بالخليفة وبالخلافة. وكأن البحتري يحرض عليهم أهل الحمية من رجال فارس. وقد كانت إزالة دولة الترك على أيدي بني بويه من بعد. على أن سلطان الترك وبلاد ما وراء النهر جميعًا إنما كان طرفًا من دولة سلطان فارس القديم.
وأراني من بعد أكلف بالأشـ ... ـراف طرًّا من كل سنخ واس
стр. 2265
وهذا معنى إنساني عظيم ومقطع لهذه الكلمة الرائعة جيد. ومناسب كل المناسبة لما كان فيه من صفة الإيوان وعظمة بناته، ولما تضمنه ذلك من رمز كني به عن الجعفري والمتوكل والفتح بن خاقان.
وقولنا من بل في باب القوافي عن هذه السينية أن بعض الناس يوازنون بينها وبين سينية شوقي وذلك عندي من العناء والتكلف لا تزال نقول به. وذلك أن السينية البحترية لم يكن دافعها مجرد طلب الافتنان بانتزاع صورة شعرية من الإمام بالإيوان وتأمل بنائه ونقشه واستثارة ذكريات حول ذلك. وإنما كان دافعها ما نبأنا عنه البحتري نفسه في أولها حيث قال:
واشترائي العراق خطة غبن ... بعد بيعي الشام بيعة وكس
لا ترزني مزاولًا لاختباري ... عند هذي البلوى فتنكر مسي
البلوى مقتل المتوكل، وقوله لا ترزني بتقديم الراء المهملة على الزاي المعجمة أي لا تختبرني وقوله فتنكر مسي إشارة إلى خبر السامري: وإن لك في الحياة أن تقول لا مساس.
ولقد رابني نبو ابن عمي ... بعد لين من جانبيه وأنس
وأشبه شيء أن يكون عني بابن عمي الخليفة ودار الخلافة وسادة العرب بها.
وإذا ما جفيت كنت حريًّا ... أن أرى غير مصبح حيث أمسي
حضرت رحلي الهموم فوجهت ... إلى أبيض المدائن عنسي
أتسلى عن الحظوظ وآسى ... لمحل من آل ساسان درس
وكما أرياط موازن لأشناس فساسان موازن لخاقان كما ترى.
البحتري ينبئنا أنه ذهب إلى الإيوان فرارًا إليه بهمومه. وذهب ثم ليتسلى
стр. 2266
بالذهاب إلى نوع من البرية. بعيدًا عن الألي جفوه -وإذا به يرى الجعفري وأنسه متمثلًا في الإيوان الذي قاومت آثاره مر الزمان. فشرب وبكى وتسلى وانثال عليه الشعر.
كان شوقي في المنفى يحن إلى مصر وألمت به نكبة وبعرض مصر نكبة -ولكن لم يكن هول ذلك ولا فجعه ولا فظاعته كما كان من مقتل المتوكل- ولقد بقي شوقي زمانًا بمصر بعد خلع عباس وقال السينية بعد أن عاد إلى الأندلس زائرًا.
جارى شوقي البحتري، وقد قص علينا هو نفسه قصة ذلك حيث قال:
«لما وضعت الحرب الشؤمى أوزارها وفضحها الله بين خلقه وهتك أزارها، ورم لهم ربوع السلم وجدد مزارها، أصبحت وإذا العوادي مقصرة، والدواعي غير مقصرة، وإذ الشوق إلى الأندلس أغلب، والنفس بحق زيارته أطلب، فقصدته من برشلونة وبينهما مسيرة يومين بالقطار المجد، والبخار المشتد أو بالسفن الكبرى الخارجة إلى المحيط، الطاوية القديم نحو الجديد من هذا البسط. فبلغت النفس بمرآه الأرب. واكتحلت العين في ثراه بآثار العرب، وإنها لشتى المواقع، متفرقة المطالع، في ذلك الفلك الجامع، يسري زائرها من حرم إلى حرم كمن يمسي بالكرنك ويصبح بالهرم، فلا تقارب غير العتق والكرم: طليطلة تطل على جسرها البالي، وأشبيلية تشبل على قصرها الخالي، وقرطبة منتبذة ناحية بالبيعة الغراء، وغرناطة بعيدة مزار الحمراء، وكان البحتري ﵀ رفيقي فق هذا الترحال، وسميري في الرحال، والأحوال تصلح على الرجال، كل رجال لحال، فإنه أبلغ من حلى الأثر، وحيا الحجر، ونشر الخبر، وحشر العبر، ومن قام في مأتم على الدول الكبر، والملوك البهاليل الغرر، عطف على الجعفري حين تحمل عنه الملا، وعطل من الحلى، ووكل بعد المتوكل للبلي. فرفع قواعده في السير، وبنى ركنه في الخبر، وجمع معالمه في الفكر، حتى عاد كقصور الخلد امتلأت منها البصيرة وإن خلا البصر، وتكفل بعد
стр. 2267
ذلك لكسرى بإيوانه، حتى زال عن الأرض إلى ديوانه وسينيته المشهورة في وصفه، ليست دونه وهو تحت كسرى في رصه ورصفه، وهي تريك حسن قيام الشعر على الآثار، وكيف تتجدد الديار فبيوته بعد الاندثار. قال صاحب الفتح القسي في الفتح القدسي بعد كلام: «فانظروا إلى إيوان كسرى وسينية البحتري، تجدوا الإيوان قد خرت شغفاته وعريت شرفاته وتجدوا سينية البحتري قد بقي بها كسرى في ديوانه، أضعاف ما بقي شخصه في إيوانه» وهذه السينية هي التي يقول في مطلعها:
صنت نفسي عما يدنس نفسي ... وترفعت عن ندى كل جبس
والتي اتفقوا على أن البديع الفرد من أبياتها قوله:
والمنايا مواثلٌ وأنوشر ... وأن يزجي الجيوش تحت الدرفس
فكنت كلما وقفتن بحجر أو طفت بأثر تمثلت بأبياتها واسترحت من مواثل العبر إلى آياتها وأنشدت فيما بني وبين نفسي:
وعظ البحتري إيوان كسرى ... وشفتني القصور من عبد شمس
ثم جعلت أروض القول على هذا الروي وأعالجه على هذا الوزن حتى نظمت هذه القافية المهلهلة، وأتممت هذه الكلمة الربضة. وأنا أعرضها على الفراء، راجيًّا أن سيلحظونها بعين الرضاء، ويسحبون على عيوبها ذيل الأغضاء، وهذه هي:
اختلاف الليل والنهار ينسي ... اذكرا لي الصبا وأيام أنسي
وصفا لي ملاوة من شباب ... صورت من تصورات ومس
عصفت كالصبا اللعوب ومرت ... سنة حلوة ولذة خلس
وسلا مصر هل سلا القلب عنها ... أو أسا جرحة الزمان المؤسي
كلما مرت الليالي عليه ... رق والعهد في الليالي تقسي
مستطارٌ إذا البواخر رنت ... أول الليل أو عوت بعد جرس
стр. 2268
راهبٌ في الضلوع للسفن فطن ... كلما ترن شاءهن بنقس
يا ابنة اليم ما أبوك بخيل ... ما له مولعًا بمنع وحبس
أحرامٌ على بلابله الدو ... ح حلال للطير من كل جنس
كل دارٍ أحق بالأهل إلا ... في خبيث من المذاهب رجس
نفسي مرجلٌ وقلبي شراع ... بهما في الدموع سيري وأرسي
(قلت هذا مأخوذ منقول البحتري فلها أن أعينها البيت).
واجعلي وجهك الفنار ومجرا ... ك يد الثغر بين رمل ومكس
وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي
وهفا بالفؤاد فق سلسبيل ... ظمأ للسواد من عين شمس
(ليس لعين شمس سواد وزعم الشارح أنه ما حول البلدة من القرى، وعندي أن شوقيًّا لما ذكر عين شمس جعل لها ككل عين سوادًا فيكون المراد أخص من يخص في عين شمس وهذا يرجحه قوله من بعد).
شهد الله لم يغب عن جفوني ... شخصه ساعة ولم يخل حسي
يصبح الفكر والمسلة ناديـ ... ـه وبالسرحة الزكية يمسي
وكأني أرى الجزيرة أيكا ... نغمت طيره بأرخم جرس
هي بلقيس في الخمائل صرح ... من عباب وصاحب غير نكس
(العمل في هذا البيت كثير، وأخذه من تشبيه البحتري في صفة البركة إذ جعلها على لسان بلقيس المتوهمة صرحًا، وخلع شوقي هذه الصفة على الجزيرة فجعلها بلقيس والخمائل صرحها والصاحب هو سليمان في خبر بلقيس وهو الخديوي في قصة الجزيرة وهذا قول البحتري: «لم يك بانية في الملوك بنكس» وتعب العمل في جميع هذا لا يخفى).
стр. 2269
حسبها أن تكون للنيل عرسًا ... قبلها لم يحن يومًا بعرس
لبست بالأصيل حلة وشى ... بين صنعاء في الثياب وقس
(وقس من أرض مصر، وزعم بعض المؤرخين أنه كانت بين أقباط مصر وأهل اليمن علاقات في صناعة النسيج الفاخر).
قدها النيل فاستحت فتوارت ... منه بالجسر بين عري ولبس
وأرى النيل كالعقيق يواديـ ... ـه وإن كان كوثر المتحسي
أين ماء السماء ذو الموكب الفخـ ... م الذي يحسر العيون ويخسي
(محل التضمين من السينية هنا غير خاف -وهم خافضون في ظل عال إلخ. ومراده خفض العيش لا المنزلة).
لا ترى في ركابه غير مئن ... بجميل وشاكر فضل غرس
وأرى الجيزة الحزينة ثكلى ... لم تفق بعد من مناحة رمسي
(رمسي أي رمسيس وفسر زعمه بأنها ثكلى بصفة السواقي).
أكثرت ضجة السواقي عليه ... وسؤال اليراع عنه بهمس
(عني باليراع النصب النابت على مجاري الماء وهمسه حركة نسيم الريح فيه).
وقيام النخيل ضفرن شعرا ... وتجردن غير طوق وسلس
(وسلس قافية أبعد اصطيادها- وعني به ما يبدو من النخلة تحت الجريد والعرجون كالعنق وكأن البلح عقود).
وكأن الأهرام ميزان فرعو ... ن بيوم على الجبابر نحس ...
وما كان فرعون إلا من الجبابر. والقصيدة فيها نيف ومائة من الأبيات
стр. 2270
وجعل شوقي الحنين في أولها بمنزلة الهموم التي ذكرها البحتري. وقد نبأنا صادقًا أن أول بيت همس به وتغنى وترنم به منها:
وعظ البحتري إيوان كسرى وشفتني القصور من عبد شمس
وإنما وعظ الإيوان أبا عبادة بعد ما بكى- بكاء العشاق على الربوع، فظهر نفسه بالدموع من حرارة همه وشكواه، كما قال غيلان:
خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوي فابكيا في المنازل
لعل انهمال الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجى البلابل
وأحدث له تذكر ما كان من أيام المتوكل «كالكاثا رسيس» المزعوم عن أرسطوطاليس أما شوقي فقد بدأ مشتفيًّا -شفته القصور من عبد شمس ولم يذكر أنها وعظته ولا تقدم هم أحسه. وأقصى ما يبلغه الحدس في أمر هذا الاشتفاء والشفاء أنه سلا وذهل عن مصر- يدلك على ذلك قوله:
وسلا مصر هل سلا القلب عنها ... أو أسا جرحه الزمان المؤسى
ولم يسألان مصر، إنما ينبغي أن يسألاه هو- وما استفهم منكرًا ولكن شاكا بدليل سياق قوله، وبدليل بيته السائر:
وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي
فزعم أن الخلد -على الفرض الذي فرضه- شغله عنه. والأندلس مما يشار إليها بالفردوس المفقود وبالخلد وقال ابن خفاجة:
لله دركم يأهل أندلس ... ماء ونبت وأشجار وأنهار
ما جنة الخلد إلا في دياركم ... ولو تخيرت هذي كنت أختار
فقد سماها جنة الخلد كما ترى. وكان شوقي يعرف هذا من قوله، ومنه أخذ،
стр. 2271
ومقال ابن خفاجة أقوى من مقال شوقي. وأحسبه أيضًا أخذ من قول أبي العلاء:
فيا وطني إن فاتني بك سابق ... من الدهر فلينعم لساكنك البال
وإن أستطع في الحشر آتك زائرًا ... وهيهات لي يوم القيامة أشغال
هذه الالتفاتة إلى أشغال يوم القيامة يروح من فكاهة وذكاء وفقه ضرير تحمل من تعلق أبي العلاء بحب بلدته أعماقًا بعيدة وفي خبر أشغال القيامة أنه ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ فكان هولًا على أبي العلاء أن يتخيل نفسه يفر من أمه وكانت أحب الناس إليه وما كان حنينه إلى وطنه إلا طرفًا من حبه لها- فتأمل عمق قوله: «وهيهات لي يوم القيامة أشغال» في نطاق هذا المعنى وما عسى أن يماثله.
قال شوقي:
وعظ البحتري إيوان كسرى ... وشفتني القصور من عبد شمس
ومع الاشتفاء الشعور بالراحة والهدوء، بدأ شوقي بهذا الهدوء وبدأ البحتري بهموم وانفعال. وشتان بين المذهبين.
وبعيد ما بين وارد رفه ... علل شربه ووارد خمس
خمس هنا بكسر الخاء قولًا واحدًا والأخرى بالفتح كما تقدم.
كان شوقي إذا أراد نظم قصيدة جمع قوافيها حتى يصيب من ذلك قدرًا يرضاه ثم ينظم ولا ملامة على شوقي أن تكون هذه طريقته، يستعين بها على الترنم، وهذا الخبر في جملته أفدناه من مصدر ثقة.
على أنه قد يقع في مثل هذه الطريقة شيء من تكلف الصنعة ومزلاتها.
وأوشك مارون عبود أن يتهم كل الشعراء بطريقة قريبة من مذهب شوقي، ولعله
стр. 2272
كان يعلم من بعض أمر شوقي في هذا الصدد، وذلك أنه قال في بعض ما كتب يوصي الشاعر بأن ربك القاموس فاعبده.
تعمد شوقي مجاراة البحتري في حالة هدوء وصناعة ورياضة قواف. وقد حكك وجود ما شاء إلا أنه لا يعجبني قوله:
ورهين الرمال أفطس إلا ... أنه صنع جنةٍ غير فطس
وله مثابة في شدة تعب العمل ورشحه -ومع ذلك استعانات مرهقات بعبارات وألفاظ من أبي عبادة نحو:
وبساط طويت والريح؟
ونحو:
وعلى الجمعة الجلالة والنا ... صر نور الخميس تحت الدرفس
فما زاد على أن جعل الناصر مكان أنو شروان- وفاته جملة المعنى الذي ذكر الإجماع على أنه بديع فرد.
ونحو:
مرمر تسبح النواظر فيه ... ويطول المدى عليها فترسى
وهو كالتكرار لاستعانته قبل بقوله:
أين ماء السماء ذو الموكب الفخـ ... ـم الذي يحسر العيون ويخسي
ونحو:
جلل الثلج دونها رأس شيري ... فبدا منه في عصائب برس
وشيري أراد به جبل الشرف المطل على حمراء غرناطة ويسميه الإفرنج
стр. 2273
سيرانوادا- وأخذ شوقي من قول البحتري:
لا بسات من البياض فما تبـ ... ـصر منها إلا فلائل برس
فجعل عصائب مكان فلائل ونحو:
لم يرعني سوى ثرى قرطبي ... لمست فيه عبرة الدهر خمسي
فهذا من «لم يعبه أن بزمن بسط الديباج» أخذ شوقي إيقاع «لم يعبه» فجعل مكانه «لم يرعني» وأبي البحتري إلا أن يفرض نفسه عليه فرضًا فترجم قوله: «تتقراهم يداي بلمس» في عجز هذا البيت حيث قال: «لمست فيه عبرة الدهر خمسي». ونحو:
بلغ النجم ذروة وتناهي ... بين ثهلان في الأساس وقدس
فهذا بيت رضوى وقدس واستحيا شوقي من رضوى فجعل كلا الجبلين نجديين وكأن شوقيًّا كان يعجبه بيت «تتقراهم يداي بلمس» فكرر الأخذ منه في قوله:
ومكان الكتاب يغريك ريا ... ورده غائبًا فتدنو للمس
والموازنة بين السينيتين بعد تكلف وعناء وما أراه حكمًا شططًا أن زعم زاعم أن شوقي ﵀ ما عدا أن أخلى بعد قوله:
اختلاف الليل والنهار ينسي ... اذكر إلي الصبا وأيام أنسي
وهو المطلع ونحن ننتظر ذكر الصبا وأيام الأنس فلا نصيب من ذلك طائلًا والبيت الذي بنيت عليه القصيدة:
وعظ البحتري إيوان كسرى ... وشفتني القصور من عبد شمس
ما كان إلا ترنمًا ورياضة قول.
стр. 2274
شتان ما هدوء السائح الشرقي ببلاد الإفرنج في القرن العشرين من حال شاعر كان جليس الخليفة ثم صار مجفوًا- أو كما قال في كلمته التي خاطب بها أبا العباس محمد بن يزيد المبرد:
مضى جعفر والفتح بين مرمل ... وبين صبيغ بالدماء مضرج
أأطلب أنصارًا على الدهر بعدما ... ثوى منهما في الترب أوسي وخزرجي
أولئك ساداتي الذين برأيهم ... حلبت أفاويق الربيع المثجج
مضوا أممًا قصدًا وخلفت بعدهم ... أخاطب بالتأمير والي منبج
بعد أن كان يخاطب بالكاف الفتح ونظراءه فتأمل.
وقد حذا البحتري في بحر السينية وروبها على مثال من كلمة أبي العباس الأعمى وما أصبنا منها إلا أبياتًا في أغاني أبي الفرج:
ليت شعري أفاح رائحة المسـ ... ـك وما إن أخال بالخيف أنسي
حين غابت بنو أمية عنه ... والبهاليل من بني عبد شمس
خطباء على المنابر فرسا ... ن عليها وقالة غير خرس
لا يعابون صامتين وإن قا ... لوا أصابوا ولم يقولوا بلبس
بحلوم إذا الحلوم تقضت ... ووجوه مثل الدنانير ملس
والكلمة في مدح بني أمية لإرثائهم على أن أبا العباس هذا كان في أخريات دولتهم وفي رنة أبياته كنبأة كشف غيبي عن نهايتهم- وقول البحتري:
وهو ينبيك عن عجائب قوم ... لا يشاب البيان فيهم بلبس
فيه نظر إلى «ولم يقولوا بلبس» وكالإشارة إليه إذ هذا الشعر قد كان معروفًا عند طبقة البحتري ونظرائه من أهل العلم والأدب وبين الأخذ والسرق والإشارة فرق.
стр. 2275
وأحسب شاعر بني العباس نظر إلى أبيات أبي العباس الأعمى هذه حيث قال:
أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العباس
كأنه ينقض به: «والبهاليل من بني عبد شمس».
وشيء من روح هذا النقض في كلام البحتري إذ سينيته مضمنة معنى الرثاء لخليفة من بني العباس، جعلهم لا يشاب البيان فيهم بلبس كما قال شاعر بني أمية عنهم «لم يقولوا بلبس».
وقول أبي العباس الأعمى:
ليت شعري أفاح رائحة المسـ ... ـك وما إن أخال بالخيف أنسي
فيه نفس من قول شاعر آل الزبير وهو ابن قيس الرقيات:
ليت شعري أأول الهرج هذا ... أم زمان من فتنة غير هرج
والنفس إيقاعي كما ترى، ومن شاهده بعد «ليت شعري» الهمزة وتوازن المسك والهرج ومذهب السؤال.
وهل نظر ابن قيس الرقيات إلى كلمة أبي طالب في الجاهلية:
ليت شعري مسافر ابن أبي عمـ ... ـرو وليت يقولها المحزون
والسؤال آت من بعد ومسافر ابن أبي عمرو من بني أمية، كان لأبي طالب صديقًا وانظر خبره في الأغاني.
هذا، وقد عاصر البحتري شاعران كبيران فضل ابن رشيق أحدهما على الطائيين في الصنعة البديعية وفضل الآخر عليهما في الغوص على المعاني ولكنه فعل ذلك بنوع ضعيف. فهل كان يصانع به سيده أبا الحسن؟
стр. 2276
أما صاحب الصنعة والبديع فهو الأمير والخليفة السيء الحظ عبد الله بن المعتز (٢٤٧ - ٢٩٦ هـ) وشعره شديد النظر إلى أبي تمام وقد كان له مقدمًا أيما تقديم- فمن أمثلة اقتدائه به قوله في أول قصيدة له:
أي رسم لآل هند ودار ... درسًا غير ملعب ومنار
وأثاف بقين لا لاشتياق ... جالساتٍ على فريسة نار
أراد به الرماد والاستعارة حبيبية المذهب كما ترى:
ومنها (١):
أيا سدرة الوادي على المشرع العذب ... سقاك حيًّا حي الثرى ميت الجدب
كذبت الهوى إن لم أقف أستكي الهوى ... إليك وإن طال الطريق على صحبي
هذا المعنى على قدم أصول حبيبي، إذ قد ألح حبيب على الوقوف بالديار وحبس صحبه بها.
وقفت بها والصبح ينتهب الدجى ... بأضوائه والنجم يركض في الغرب
أصانع أطراف الدموع فمقلتي ... موقرة بالدمع غربًا على غرب
فهذه الأبيات ما خلا بيت منها من طريقة حبيبية- مقلة موقرة بالدمع. مصانعة أطراف الدموع. انتهاب الصبح الدجى بأضوائه.
وتأمل قوله:
بنت شريرة عنك إذ بانوا بها
هذا التعليل ورد أطراف الكلام بعضه على بعض مذهب حبيبي- زار الخيال لها لا بل أزاركه وهلم جرا ...
стр. 2277
بانت شريرة عنك إذا بانوا بها ... واستخلفت في مقلتيك خيالًا
كم كان المسكين يحلم بالخلافة.
بيضاء آنسة الحديث كأنها ... قد أشعلت من حسنها إشعالًا
في وجهها ورق النعيم ملا العيو ... ن ملاحة وظرافة وجمالا
وفي التعريض ببعض الأعداء والحساد من هذه القصيدة:
قوم هم كدر الحياة وسقمها ... عرض البلاء بهم علي وطاللا
يتأكلون ضغينة وخيانة ... ويرون لحم الغافلين حلالا
وهم فراش السوء يوم ملمة ... يتهافتون تعاشيا وخبالا
وهم غرابيل الحديث إذا دعوا ... شرا تقطع منهم أوسالا
صرفت وجوه اليأس وجهي عنهم ... وقطعت منهم خلة ووصالا
أليس هذا كله نفس أبي تمام- حتى في صرف وجوه اليأس.
ووهبتهم للصرم وابتل الثرى ... ووجدت عذرًا فيهم ومقالا
ولقد أجاري بالضغائن أهلها ... وأكون للمتعرضين نكالا
ولا يستنكر على ابن المعتز نعت الخيل والبساتين -وقد يكون أراد ان يحاكي امرأ القيس فيجمع بين نعت الخيل والرياض والمطر، غير أنه حتى في هذا لم يسلم من أثر أبي تمام عليه، ولا سيما في وصف المطر إذ هو مما أجاد فيه أبو تمام وقد استسهل به بعض قصائده مكان النسيب، كما في كلمته البائية:
ديمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثرى المكروب
وقد جاء ابن المعتز بنعت المطر في قصائد وفي أراجيز كما صنع أبو تمام مثل:
стр. 2278
وسارية لا تمل البكا ... جرى دمعها في خدود الثرى
سرت تقدح الصبح في ليلها ... ببرق كهندية تنضى
فلما دنت جلجلت في السما ... ء رعدًا أجش كجر الرحى
ضمان عليها ارتداع اليفاع ... بأنوارها واعتجار الربى
فالارتداع هو التضميخ بردع الطيب، والاعتجار هو لبس العمامة، فكأن جوانب الأودية والأهضام أكمام من قميص عليها ردع الخلوق ولونه اصفر وكأن الربى قد اعتجرت بعمائم من النبت والزهر، وهذا من قول أبي تمام:
حت تعمم صلع هامات الربا ... من نبته وتأزر الأهضام
ومن نعوت الرائية:
رقت حواشي الدهر فهي تمرمر ... وغدا الثرى في حليه يتكسر
وإلى بيت «تريا نهارًا شابه إلخ» نظر ابن المعتز في قوله:
في ليلة مقمرة بالزهر
من أرجوزته التي مطلعها:
وليلة من حسنات الدهر ... ما ينمحي موضعها من ذكر
ولابن المعتز أراجيز ملاح ومزدوجة حاكى بطريقة عرضها الأحداث بغدادية أبي يعقوب الخريمي.
ولابن المعتز شعر تناول فيه السياسة وهجاء لبني عمومته الطالبيين ينكر عليهم حقهم في الخلافة بدعوة إرث النبي ﷺ من طريق العباس، والملك بيد مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء.
стр. 2279
وما يزيد غضب ابن المعتز على امتعاضة مترف. ولله در أبي الطيب إذ يقول:
توهمها الأعراب سورة مترف ... تذكره البيداء ظل السرادق
وقد كان ابن المعتز ذا فضل وعلم وملكة ولكن حر بداوة الشعر لم يكن ممن يقدرون على توسط صيهوده مع أبي تمام.
كان ناعم الشعر مترف روحه مفرطًا في لين الحضارة حتى حين يركب مذهبًا جاهليًّا من رنة الإيقاع وقوة اللفظ- كما في جيميته:
حث الفراق بواكر الأحداج
وفيها يقول:
بل مهمة عافى المناهل قاتم ... قطعته بمواعس معاج
حتم على الفلوات يطوي بعدها ... بالنص والإرمال والإدلاج
ممتد أنبوب الجران كأنه ... من تحت هامته نحيتة ساج
وإذا بدا تحت الرحال حسبته ... متسربلًا ثوبًا من الديباج
صدق السرى حتى تعرف واضح ... كالقرن في خلل الظلام الداجي
في ليلة أكل المحاق هلالها ... حتى تبدي مثل وقف العاج
والصبح يتلو المشتري فكأنه ... عريان يمشي في الدجى بسراج
حتى استغاث من الشروق بمنهل ... فيه دواح من قطًا أفواج
وكأن رحلي فوق أحقب لاحه ... لفح الهجير بمشعل أجاج
الأحقب الحمار الوحش. لاحه غيره. أجاج بتشديد الجيم أي متقد. وقد يعلم القارئ الكريم أصلح الله خبر ابن الرومي إذ أنشد قول ابن المعتز يصف هلال شوال:
стр. 2280
أهلا بفطر قد أنار هلاله ... فالان فاغد إلى الدام وبكر
وانظر إليه كذورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
فقال ما معناه أنه يصف ماعون بيته.
وقد تراه وهو في قافية جرير وبحره:
هاج الهوى بفؤادك المهتاج
ومع الجاهلية بأحقبه وأجاجه- ومع ذلك فرقبة البعير (جرانه) نحيتة ساج (وهو خشب جيد يجلب من الهند وأحسبه الذي نقول له الآن تيك) وكأنه -أي البعير- متسربل ثوبًا من الديباج. فهو كما ترى بين البعران أمير- ولله در الأعرابي البدوي القح حقًّا إذ يقول فأراك فرق ما بين الديباج والبعير:
تالله على النوم على الديباج ... على الحشايا وسرير العاج
مع الفتاة الطفلة المغناج ... أفضل يا عمرو من الإدلاج
وزفرات البازل العجاج
وكأن الصبح شخص مبتلعه الظلام وفي يده سراج. صورة جميلة لمنظر الفجر الأول وهو الذي يقال له ذنب السرحان، دقيقة جدًّا- ولكنها من ماعون بيته. هذا الخادم او هذه الجارية التي جردها وفي يدها سراج تسعى به في الدجى. الصورة منتزعة ممن له عهد بسرج يسعى إليه بها في ظلام الدجى. ثم هذا التجريد لمجرد إكمال التشبيه إذ بعيد أن يجرد امرؤ في «وقع الحياة» ويسعى بسراج.
وهذا الهلال المحاقي كأنه سيوار عاج -هذا أيضًا من ماعون بيته إذ الفيل والعاج كل ذلك كان مما لا يستطيعه إلا أهل الترف. فيه دواح أي ذوات أداح ولعلها أداح إذ الخطأ والتحريف كثير في هذه الطبعة. وقوله «حتى استغاث إلخ» أخذه من قول زهير: