أما صاحب الصنعة والبديع فهو الأمير والخليفة السيء الحظ عبد الله بن المعتز (٢٤٧ - ٢٩٦ هـ) وشعره شديد النظر إلى أبي تمام وقد كان له مقدمًا أيما تقديم- فمن أمثلة اقتدائه به قوله في أول قصيدة له:
أي رسم لآل هند ودار ... درسًا غير ملعب ومنار
وأثاف بقين لا لاشتياق ... جالساتٍ على فريسة نار
أراد به الرماد والاستعارة حبيبية المذهب كما ترى:
ومنها (١):
أيا سدرة الوادي على المشرع العذب ... سقاك حيًّا حي الثرى ميت الجدب
كذبت الهوى إن لم أقف أستكي الهوى ... إليك وإن طال الطريق على صحبي
هذا المعنى على قدم أصول حبيبي، إذ قد ألح حبيب على الوقوف بالديار وحبس صحبه بها.
وقفت بها والصبح ينتهب الدجى ... بأضوائه والنجم يركض في الغرب
أصانع أطراف الدموع فمقلتي ... موقرة بالدمع غربًا على غرب
فهذه الأبيات ما خلا بيت منها من طريقة حبيبية- مقلة موقرة بالدمع. مصانعة أطراف الدموع. انتهاب الصبح الدجى بأضوائه.
وتأمل قوله:
بنت شريرة عنك إذ بانوا بها
هذا التعليل ورد أطراف الكلام بعضه على بعض مذهب حبيبي- زار الخيال لها لا بل أزاركه وهلم جرا ...
стр. 2277
بانت شريرة عنك إذا بانوا بها ... واستخلفت في مقلتيك خيالًا
كم كان المسكين يحلم بالخلافة.
بيضاء آنسة الحديث كأنها ... قد أشعلت من حسنها إشعالًا
في وجهها ورق النعيم ملا العيو ... ن ملاحة وظرافة وجمالا
وفي التعريض ببعض الأعداء والحساد من هذه القصيدة:
قوم هم كدر الحياة وسقمها ... عرض البلاء بهم علي وطاللا
يتأكلون ضغينة وخيانة ... ويرون لحم الغافلين حلالا
وهم فراش السوء يوم ملمة ... يتهافتون تعاشيا وخبالا
وهم غرابيل الحديث إذا دعوا ... شرا تقطع منهم أوسالا
صرفت وجوه اليأس وجهي عنهم ... وقطعت منهم خلة ووصالا
أليس هذا كله نفس أبي تمام- حتى في صرف وجوه اليأس.
ووهبتهم للصرم وابتل الثرى ... ووجدت عذرًا فيهم ومقالا
ولقد أجاري بالضغائن أهلها ... وأكون للمتعرضين نكالا
ولا يستنكر على ابن المعتز نعت الخيل والبساتين -وقد يكون أراد ان يحاكي امرأ القيس فيجمع بين نعت الخيل والرياض والمطر، غير أنه حتى في هذا لم يسلم من أثر أبي تمام عليه، ولا سيما في وصف المطر إذ هو مما أجاد فيه أبو تمام وقد استسهل به بعض قصائده مكان النسيب، كما في كلمته البائية:
ديمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثرى المكروب
وقد جاء ابن المعتز بنعت المطر في قصائد وفي أراجيز كما صنع أبو تمام مثل:
стр. 2278
وسارية لا تمل البكا ... جرى دمعها في خدود الثرى
سرت تقدح الصبح في ليلها ... ببرق كهندية تنضى
فلما دنت جلجلت في السما ... ء رعدًا أجش كجر الرحى
ضمان عليها ارتداع اليفاع ... بأنوارها واعتجار الربى
فالارتداع هو التضميخ بردع الطيب، والاعتجار هو لبس العمامة، فكأن جوانب الأودية والأهضام أكمام من قميص عليها ردع الخلوق ولونه اصفر وكأن الربى قد اعتجرت بعمائم من النبت والزهر، وهذا من قول أبي تمام:
حت تعمم صلع هامات الربا ... من نبته وتأزر الأهضام
ومن نعوت الرائية:
رقت حواشي الدهر فهي تمرمر ... وغدا الثرى في حليه يتكسر
وإلى بيت «تريا نهارًا شابه إلخ» نظر ابن المعتز في قوله:
في ليلة مقمرة بالزهر
من أرجوزته التي مطلعها:
وليلة من حسنات الدهر ... ما ينمحي موضعها من ذكر
ولابن المعتز أراجيز ملاح ومزدوجة حاكى بطريقة عرضها الأحداث بغدادية أبي يعقوب الخريمي.
ولابن المعتز شعر تناول فيه السياسة وهجاء لبني عمومته الطالبيين ينكر عليهم حقهم في الخلافة بدعوة إرث النبي ﷺ من طريق العباس، والملك بيد مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء.
стр. 2279
وما يزيد غضب ابن المعتز على امتعاضة مترف. ولله در أبي الطيب إذ يقول:
توهمها الأعراب سورة مترف ... تذكره البيداء ظل السرادق
وقد كان ابن المعتز ذا فضل وعلم وملكة ولكن حر بداوة الشعر لم يكن ممن يقدرون على توسط صيهوده مع أبي تمام.
كان ناعم الشعر مترف روحه مفرطًا في لين الحضارة حتى حين يركب مذهبًا جاهليًّا من رنة الإيقاع وقوة اللفظ- كما في جيميته:
حث الفراق بواكر الأحداج
وفيها يقول:
بل مهمة عافى المناهل قاتم ... قطعته بمواعس معاج
حتم على الفلوات يطوي بعدها ... بالنص والإرمال والإدلاج
ممتد أنبوب الجران كأنه ... من تحت هامته نحيتة ساج
وإذا بدا تحت الرحال حسبته ... متسربلًا ثوبًا من الديباج
صدق السرى حتى تعرف واضح ... كالقرن في خلل الظلام الداجي
في ليلة أكل المحاق هلالها ... حتى تبدي مثل وقف العاج
والصبح يتلو المشتري فكأنه ... عريان يمشي في الدجى بسراج
حتى استغاث من الشروق بمنهل ... فيه دواح من قطًا أفواج
وكأن رحلي فوق أحقب لاحه ... لفح الهجير بمشعل أجاج
الأحقب الحمار الوحش. لاحه غيره. أجاج بتشديد الجيم أي متقد. وقد يعلم القارئ الكريم أصلح الله خبر ابن الرومي إذ أنشد قول ابن المعتز يصف هلال شوال:
стр. 2280
أهلا بفطر قد أنار هلاله ... فالان فاغد إلى الدام وبكر
وانظر إليه كذورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
فقال ما معناه أنه يصف ماعون بيته.
وقد تراه وهو في قافية جرير وبحره:
هاج الهوى بفؤادك المهتاج
ومع الجاهلية بأحقبه وأجاجه- ومع ذلك فرقبة البعير (جرانه) نحيتة ساج (وهو خشب جيد يجلب من الهند وأحسبه الذي نقول له الآن تيك) وكأنه -أي البعير- متسربل ثوبًا من الديباج. فهو كما ترى بين البعران أمير- ولله در الأعرابي البدوي القح حقًّا إذ يقول فأراك فرق ما بين الديباج والبعير:
تالله على النوم على الديباج ... على الحشايا وسرير العاج
مع الفتاة الطفلة المغناج ... أفضل يا عمرو من الإدلاج
وزفرات البازل العجاج
وكأن الصبح شخص مبتلعه الظلام وفي يده سراج. صورة جميلة لمنظر الفجر الأول وهو الذي يقال له ذنب السرحان، دقيقة جدًّا- ولكنها من ماعون بيته. هذا الخادم او هذه الجارية التي جردها وفي يدها سراج تسعى به في الدجى. الصورة منتزعة ممن له عهد بسرج يسعى إليه بها في ظلام الدجى. ثم هذا التجريد لمجرد إكمال التشبيه إذ بعيد أن يجرد امرؤ في «وقع الحياة» ويسعى بسراج.
وهذا الهلال المحاقي كأنه سيوار عاج -هذا أيضًا من ماعون بيته إذ الفيل والعاج كل ذلك كان مما لا يستطيعه إلا أهل الترف. فيه دواح أي ذوات أداح ولعلها أداح إذ الخطأ والتحريف كثير في هذه الطبعة. وقوله «حتى استغاث إلخ» أخذه من قول زهير:
стр. 2281
حتى استغاثت بماء لا رشاء له ... من الأباطح في حافاته البرك
كما استغاث بسيء فز غيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك
وهي أبيات مشهورة:
وما أشبه نعومة ابن المعتز بنعومة الوليد بن يزيد. إلا أنه كان أقعد في الفضل. وكان الوليد فاسقًا. ومع هذا كأن له بكاء ولد صغير مدلل في الأبيات التي صرخ بها لما عاين الموت:
دعوا لي هندًا والرباب وفرتني ... ومسمعة حسبي بذلك مالا
خذوا ملككم لا بارك الله ملككم ... فليس يساوي عند ذاك قبالا
وخلوا سبيلي قبل عير وما جرى ... ولا تحسدوني أن أموت هزالا
وقد أبوا أن يخلوا سبيله.
ومن أدل شعر ابن المعتز على ما قد يتأتى له من الجودة أبياته الرائية:
سقى المطيرة ذات الظل والشجر ... ودير عبدون هطال من المطر
فطالما نبهتني للصبوح بها ... في غرة الفجر والعصفور لم يطر
أصوات رهبان دير في صلاتهم ... سود المدارع نعارين بالسحر
مزنرين على الأوساط قد جعلوا ... هذا الرؤوس أكاليلا من الشعر
كم فيهم من مليح الوجه مكتمل ... بالسحر يطبق جفنيه على حور
لاحظته بالهوى حتى استقاد له ... طوعًا وأسلفني الميعاد بالنظر
وجاءني في قميص الليل مستترا ... يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
فقمت أفرش خدي في الطريق له ... ذلًّا وأسحب أذيالًا على الأثر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر
فكان ما كان مما لست اذكره ... فظن خيرًا ولا تسأل عن الخبر
стр. 2282
قوله دير عبدون، أقول عسى أن يكون ذكر هذا الاسم وترنم به مما حدا ابن عبدون الوزير أن يركب هذا البحر والروي في مرثيته لبني الأفطس. وصفة الرهبان كما ترى حية جيدة منبئة بمشاركة من تجربة رؤيتهم وسماع نشيد صلواتهم. وقوله كم فيهم ظاهره وصف عام ولكن البيت الذي بعده فيه تخصيص، فإن يكن عني غلامًا فقد صدق جان جاك روسو في الذي وصف من عمل أهل القريات في أديرة اعترافاته (عند براتراند رسل أن جان جاك ما بنى اعترافاته إلا على أساس من قلة احترام للصدق وفي هذا من التحامل ما لا يخفى). وآخر كلام ابن المعتز ينبئ عن صفة أنثى وهو قوله وأسحب أذيالًا على الأثر. وقوله لاحظته بالهوى حتى استقاد له من معنى أبي تمام «له رسفان في قيود المواعد» أعني قوله «واأسلفني الميعاد» وأبى الأخذ من أبي تمام إلا أن يبدي صفحته في كلمة استقاد المستفادة من الرسفان كما ترى. وقوله في قميص الليل من قول حبيب: «حتى كأن جلابيب الدجى» ولا يعني غلالة النوم -هذا واضح). وقوله وقمت أفرش معنى ظريف كان متداولًا وذكره صاحب الأغاني عن أبي السائب المخزومي فإن صحت روايته فهذا أصل ما قاله ابن المعتز. يقول يسير المحبوب بقدميه على خدي المفروش لهما دربًا. وأنا أمسح بذيل ثيابه آثار قدميه على خدي لكيلا يراها الناي. فتأمل هذه النعومة وهذا الترف. وقوله «ولاح ضوء هلال» ينظر إلى قول عمر «وغاب قمير» والموصوف ههنا هلال ليلة محاق ولكن قمر عمر من ليالي أوائل الشهر. وإنما أراد ابن المعتز معنى اقتراب الصبح لأضواء الهلال الذي قد اضمحل. وتأمل ضادي الصدر وحائية وقافات العجز ودالاته وكأن دال المصراع الأول تمهد لأخواتها في الثاني وكأن الظاء التي في القافية صدى من ضادي صدر البيت. والبيت الأخير حلو فيه ملاحة وأنفاس عفاف وأحسب هذا المعنى مما جعل بعض المتصوفة يستحسنونه، والله أعلم.
стр. 2283
أما صاحب المعاني والغوص فهو أبو الحسن علي بن العباس بن جريج الرومي (٢٢١ - ٢٨٢ هـ). ابن الرومي أسن من ابن المعتز بستة وعشرين عامًا. وقد جعل العقاد هذا سببًا كافيًّا يستبعد به أن يكون ابن الرومي أخذ شيئًا عن ابن المعتز، أو كما قال: «وقد ولد ابن المعتز في سنة سبع وأربعين ومائتين فلما أيفع وبلغ السن التي يقول فيها الشعر كان ابن الرومي قد جاوز الأربعين أو ضرب في حدود الخمسين، ولما نبغ واشتهر له كلام يروى في مجالس الأدباء كان ابن الرومي قد أوفى على الستين وفرغ من التعلم والاقتباس».
فهذا موضع استشهادنا. ثم يقول العقاد ﵀ وهو من استنتاجاته التي يجزم بها ويوردها مورد الحتميات: «ولو انعكس الأمر وكان ابن المعتز هو السابق في الميلاد لما أخذ منه ابن الرومي شيئًا ولكان أفسد سليقته بالأخذ عنه؛ لأن ابن المعتز إنما امتاز بين شعراء بغداد في عصره بمزاياه الثلاث وهي البديع والتوشيح والتشبيه بالتحف والنفائس، وابن الرومي لم يرزق نصيبًا معدودًا من هذه المزايا ولم يكن قد من أصحاب البديع وأصحاب التوشيح أو أصحاب التشبيهات التي تدور على الزخرف وتستفيد نفاستها من نفاسة المشبهات» أ. هـ. «ابن الرومي حياته من شعره، بقلم عباس محمود العقاد، مصر، الطبعة الرابعة ١٩٥٧ م ص ٢٤٨ - ٢٤٩» (١).
والبحتري أسن من ابن الرومي بقريب مما ابن الرومي أسن به من ابن المعتز. البحتري مولده كان سنة ٢٠٥ ووفاته ٢٨٤ بلغ الثمانين أو قاربها. وينبغي أن يكون قد اشتهر وطبق ذكره الآفاق لما شب ابن الرومي، إذ ممدوحه ورب نعمته المتوكل توفي قتيلًا سنة ٢٤٧ هـ، وهو ابن اثنتين وأربعين وابن الرومي ابين ست وعشرين ولم يزل في أوج الشباب. والعجب للعقاد لم يجعل هذا مما يحرس البحتري
стр. 2284
أن يكون أخذ من ابن الرومي كما جعله حارسًا لابن الرومي أن يكون أخذ عن ابن المعتز. ثم كما ترى، قد زعم أن اختلاف مذهبي ابن الرومي وابن المعتز مما يعدو عن الأخذ وأن ابن الرومي لو أتيح له الأخذ عن ابن المعتز -جدلًا- لكان ذلك قد أفسد عليه سليقته. ومع هذا لم يجعل اختلاف المذهبين في الشعر مانعًا للبحتري أن يأخذ من ابن الرومي، بل زعم أنه قد أخذ ولم ينفعه ذلك بزيادة في اتقان ما نبغ فيه، كأنه يتهمه في هذا الوجه بقصور ما في ملكته أو كما قال: (ص ٢٤٧ نفسه) «عرف ابن الرومي البحتري، وابن الرومي شاعر مشهور بالافتنان في المعاني والقدرة على الهجاء. وكان البحتري يحب مجاراته في بعض قصائده فقال له في أول لقاء بينهما أنه عزم على أن يعمل قصيدة على وزن قصيدته الطائية في الهجاء فنهاه ابن الرومي عن ذاك لأنه ليس من عمله فإذا كان بينهما اقتباس أو معارضة فالبحتري هو المقتبس وهو الراغب في المعارضة».
قلت هذا موضع الشاهد على ما قدمناه. ثم يقول العقاد ﵀ «على أننا لا نخاله» -يعني البحتري- «استعار من ابن الرومي شيئًا يزيد في مذهبه الذي نبغ فيه لأنهما نمطان متباينان، ولكل منهما اعتداد بنفسه يكفيه ويغنيه». أ. هـ.
غلا العقاد ﵀ في أمر ابن الرومي. وما أحسبه، والله أعلم بسرائر النفوس وهو عليم بذات الصدور، خلا من أن يكون تقمص بعض أمر ابن الرومي لنفسه، وتبحتر له بذلك بعض أمر خصومه هو ولعلما تصور لونًا في البحتري من شوقي، وهذا قد جارى السينية كما تقدم، فخالط بهذا نقد العقاد وموازنته بين لبن الرومي والبحتري جانب عاطفي، وآفة الرأي الهوى.
من غلو العقاد ﵀ في ابن الرومي قوله: «فلست أعرف فيمن قرأت لهم من مشارقة ومغاربة أو يونان أقدمين وأوربيين محدثين شاعرًا واحدًا له من الملكة المطبوعة في التصوير ما كان لابن الرومي في كل شعر قاله مشبهًا أو حاكيًّا على قصد
стр. 2285
منه أو على غير قصد؛ لأنه مصور بالفطرة المهيأة لهذه الصناعة، فلا ينظر ولا يلتفت إلا تنبهت فيه الملكة الحاضرة أبدًا، وأخذت في العمل موفقة مجيدة سواء ظهر عليها أو سها عنها كما قد يسهو المصور وهو عامل في بعض الأحايين» ص ٣٠٠ نفسه «واستشهد العقاد بأبيات سنعرض لبعضها إن شاء الله ومكان الغلو نفيه أن يكون لم يعرف شاعرًا واحدًا له من الملكة المطبوعة إلى آخر ما قال فالمعلقات وقد كان يعرفها أحفل بالصور المطبوعة والمصنوعة ذات الحيوية الباهرة من جميع ما صوره ابن الرومي. وقد قتل النقاد القدماء ابن الرومي درسًا وبحثًا فكان غاية ذلك أن اتفقوا على أنه هجاء خبيث وأنه كان صاحب غوص على المعاني وقدمه في هذا الباب ابن حزم صاحب طوق الحمامة والملل، وجنح إلى تقديمه فيه ابن رشيق ثم تردد وعندنا أن تردده هذا هو المنبئ عن حقيقة رأيه، ولم نجد أحدًا من النقاد القدماء قدمه على البحتري في الوصف والتصوير. وقد أضرب صاحب المثل السائر عنه كما أضرب عن كثير غيره لما حصر حسنات الشعر كلها في ولاته وعزاه ومناته وهم حبيب والوليد وأحمد، وما كان مع هذا ممن يجهل قدر ابن الرومي أو يقصد إلى أن ينقص من قدره، ولكنه قد وجد إجماع النقاد على ذلك قد انعقد.
مما تمثل به العقاد لتصوير ابن الرومي وصفة الرقاقة:
ما بين رؤيتها في كفه كرة ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمي فيه بالحجر
التشبيه دقيق ذكي وقد نبهنا على أنه من قول زهير:
يحيل في جدول تحبو ضفادعه ... حبو الجواري ترى في مائه نطقا
هنا صورة القابل الذي يستقبل دلاء السانية كلما قدرت يداه تناولها ودفقها وكلما دفق اندفع الماء فاستدار طرائق وانتسج. رأى ابن الرومي خبازًا يتناول عجينة ويلقيها فتندفق طرائق طرائق متتابعات فنقل وصف زهير كله إلى ههنا.
стр. 2286
وبقيت من وصف زهير صورة الضفادع يحبون كحبو الجواري في لعبهن وهن يتساببن على النحو الذي رواه أبو تمام:
سبي أبي سبك لن يضيره
ولا تزال صور من نحو هذا الحبو باقية ولها مشابه عند سائر الأمم. ومما تمثل به صفة حقل الكتان:
وجلسٍ من الكتان أخضر ناعم ... توسنه داني الرباب مطير
إذا درجت فيه الشمال تتابعت ... ذوائبه حتى يقال غدير
وحسن الصورة ههنا في حركة الشمال وتتابع الذوائب، أما التشبيه بالغدير فمن معنى انتساج الريح، وقد شبهت الشعراء الغدير الذي تنسجه الريح بالدرع وشبهت الرمل إذ نسجته الريح بالثوب فما عدا ابن الرومي أن نقل من هناك فجعل المنسوج بالريح غديرًا كما جعل الغدير من قبل منسوجًا- قال البحتري في بركة المتوكل:
إذا علتها الصبا أبدت لها حبكا ... مثل الجواشن مصقولًا حواشيها
وقد أخذ ابن الرومي وصفة الحقل من ذي الرمة حيث قال في الخزامي:
كأنها من خزامي الخرج حركها ... من نفخ سارية لوثاء تهميم
ويروي «من خزامي الرمل» والخرج موضع خصب بناحية الرياض من أرض نجد، وحركة الخزامي والريح والسارية اللوثاء، ورشها ههنا واضحة حية.
وقال ذو الرمة:
أو نفحة من أعالي حنوة معجت ... فيها الصبا موهنًا والروض مرهوم
أخذ الرومي ذوائب كتانه من أعالي حنوة غيلان وجاء بدرجت مكان
стр. 2287
معجت، وحركة الأعالي المتتابعة ينبئ عنها مع «معجت وأعالي حنوة» قوله أول البيت «أو نفحة» فالأعالي تحركت ونفحت طيبها من أجل معج الصبا فيها ونفحها لها ثم أعطاك صورة الروض كله ورذاذ المطر هام رقيقًا طلا رشا عليه- ومع أن الصورة ليلية في ظاهر المعنى القريب إلا أن ذا الرمة إنما عني حالها أول الصبح، إذ على ذلك بني روح تشبيهه، أن ريق خرقاء بعد انقضاء الكرى، هكذا صفة طيبه كما تكون حال الروضة بعد أن نفحت فيها الصبا وهمي تهميم المطر وأصبحت يتنفس عليها الصباح.
الصورة جلية واضحة وذو الرمة قد كان للمحدثين أستاذًا.
وقال ابن الرومي وهو مما تمثل به العقاد ﵀:
ويجور الخريف وهو ربيع ... وتسور المياه في العيدان
وهذا فيه أخذ عكسي من قول ذي الرمة:
أقامت به حتى ذوي العود في الثرى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر
فصورة المياه في العيدان عكس لذوي العود في الثرى.
واستشهد على وصف الحركة البطيئة بقول ابن الرومي في سير السحائب:
سحائب قيست بالبلاد فألفيت ... غطاء على أغوارها ونجودها
حدتها النعامي مثقلات فأقبلت ... تهادي رويدًا سيرها كركودها
ووصف السحائب والمطر عند القدماء كثير وما عدا ابن الرومي الأخذ منه فأول قوله هذا من كلمة امرئ القيس:
ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحري وتدر
طبق الأرض هو عين قوله: غطاء على أغوارها ونجودها.
стр. 2288
وبيت عبيد أو أوس:
دان مسفٌ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يلمسه من قام بالراح
من الوصف السائر وإليه نظر بيت ابن الرومي الثاني ونسب العقاد إلى ابن الرومي براعة التشخيص وأفرد لذلك فصلًا (ص ٢٩٦) والتشخيص في العربية كثير، ومكان أبي تمام -من بين المحدثين فيه لا يخفى، وبه اقتدى ابن الرومي وكان شديد الاتباع لطريقته في المعاني ولذلك ووزن بينهما عند بعض النقاد فيما بعد، كالذي صنع ابن رشيق في العمدة، وتأمل قوله يصف الغيث والروض:
ديمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثرى المكروب
لو سعت بقعة لا عظام فعمي ... لسعي نحوها المكان الجديب
لد شؤبوبها وطاب فلو تسـ ... ـطيع قامت فعانقتها القلوب
فهي ماء يجري وماء يليه ... وعزال تنشى وأخرى تذوب
كشف الروض رأسه واستسر ... المحل منها كما استسر المريب
وهذا ذروة في التشخيص والتجسيد وما خلا بيت قبله من تجسيد.
واستشهد العقاد على إحسان ابن الرومي عامة في التصوير بنونيته في المهرجان قال (ص ٣٠٢ نفسه) «وبودنا أن نثبت الآن قصيدة المهرجان النونية برمتها لأنها نموذج واف لشعر ابن الرومي في هذا الباب ولكنا نجتزئ منها بما يأتي وفيه الدلالة الكافية على هذه الملكة النادرة قال:
يمن الله طلعة المهرجان ... كل يمن على الأمير الهجان
مهرجان كأنما صورته ... كيف شاءت مخيرات الأماني
وأديل السرور واللهو فيه ... من جميع الهموم والأحزان
стр. 2289
لبست فيه حفل زينتها الدنيا ... وزافت في منظر فتان (١)
وأزلت من وشيها كل برد ... مكان قد ما تصونه في الصوان
وتبدت مثل الهدي تهادى ... رادع الجيب عاطل الأبدان
فهي في زينة البغي ولكن ... هي في عفة الحصان الرزان
كادت الأرض يوم ذلك تفشى ... سر بطنا نها إلى الظهران
وتعود الرياض مقتبلات ... ناعمات الشكير والأفنان
زخرفت يوم نعمة حجرات ... جد موطوءة من الضيفان
حجات ميممات بناها ... من فضول المعروف أكرم بان
لم يكن يقتني المساكن حتى ... يتقن المجد أيما إتقان
فأذيلت فيها تهاويل رقم ... قائمات بزينة المردان
ثم قام الكماة صفين من كـ ... ـل عظيم في قومه مرزبان
كلهم مطرق إلى الأرض مغض ... وعلى سيفه هنالك حان
وتجلى على السرير جبين ... ذو شعاع يحول دون العيان
يمكن العين لمحةً ثم ينهى ... طرفها عن إدامة اللحظان
فله منه حاجب قد حماه ... كل عينٍ ترومه بامتهان
فاستوى فوق عرشه بوقار ... وبحلم من الحلوم الرزان
ثم قام الممجدون مثولًا ... ضاربين الصدور بالأذقان
ليس من كبرياء فيه ولكن ... كل وجه لذلك الوجه عان
فثنوا سؤود الأمير وعدوا ... فيه آلاءه بكل لسان
حين لم يحشموا التزيد لا بل ... ما تعدوا ما حصل الكاتبان
стр. 2290
فقضوا من مقالهم ما قضوه ... ثم آبوا بالرفد والحملان
بعد ما أرتعوا الأنامل فيما ... لا تعداه شهوة الشهوان
من خوان كأنه قطع الرو ... ض وإن كان في مثال خوان
فوقه الطير والصحاف وحاشى ... ذلك الطير من جفاء الجفان
ثم سام الأمير سوم الملاهي ... وخلا بالمدام والندمان
وقيان كأنها أمهاتٌ ... عاطفات على بنيها حوان
مطفلات وما حمان جنينا ... مرضعات ولسن ذات لبان
ملقماتٌ أطفالهن ثديا ... ناهدات كأحسن الرمان
مفعمات كأنها حافلاتٌ ... وهي صفرٌ من درة الألبان
كل طفل يدعى بأسماء شتى ... بين عود ومزهر وكران
أمه دهرها تترجم عنه ... وهو بادي الغنى عن الترجمان
أوتي الحكم والبيان صبيًّا ... مثل عيسى بن مريم ذي الحنان
لو تسلى به حديثة رزء ... لشفي داء صدرها الحران
عجبًا له كيف يسلي ويلهي ... مع تهييجه على الأشجان
فترى في الذي يصيخ إليه ... أمرات المحزون والجذلان
فتأمل فهل ترى في وسع المصور القدير أن يلتفت إلى لون أو ظل أو شكل أو خط أو حركة في المهرجان لم يلتفت إليها ابن الرومي في هذه القصيدة؟ وتأمل الشاعر هل تراه في قصيدته إلا كما قلنا في بعض مقالاتنا، كالرسام الذي بسط أمامه لوحته وأقبل على الوجوه والأشكال يتفرسها ويطيل النظر إلى ملامحها وإشارتها وما تشف عنه من المعاني، وتشير إليه من الدلائل ويراقبها في التفاتاتها ومواقفها وحركاتها لينثني بعد ذلك إلى لوحته فيثبت عليها ما توارد على بصره
стр. 2291
وقريحته من الألوان والمعارف والهيئات إلى آخر ما قاله ص ٣٠٥ - ٣٠٦ أ. هـ.».
أول شيء ينبه عليه أن المتوكل قتل سنة ٢٤٧ هـ وقد كان البحتري نظم في مدحه وصفات قصور ومجالسه ما نظم وكل ذلك قد اشتهر ورواه أهل الأدب، وكان المبرد مثلًا عامر المجلس بالطلاب، وكان ينبه طلابه لمحاسن البحتري، وكان له صديقًا وبه معجبًا. وكان ابن الرومي آنئذ في قريب من السن التي زعمها العقاد لابن المعتز إذ كان هو في الأربعين أو حدود الخمسين كان ابن الرومي آنئذ حدثًا لا ينكر على مثله الأخذ والتقليد، ولقد قال البحتري:
حتى طلعت بنور وجهك فانجلت ... تلك الدجى وانجاب ذاك العثير
وملك الملوك، أي المتوكل كما كان يسميه ابن ابنه عبد الله بن المعتز، حي مهيب وكذلك قال البحتري:
ولما حضرنا سدة الإذن أخرت ... رجالٌ عن الباب الذي أنا داخله
الأبيات التي مر ذكرها قريبًا، والفتح والمتوكل كلاهما حي وابن الرومي ابن ست وعشرين وأبيات ابن الرومي:
وتجلي على السرير جبين ... ذو شعاع يحول دون العيان
يمكن العين لمحة ثم ينهي ... طرفها من إدامة اللحظان
فله منه حاجب قد حماه ... كل عين ترومه بامتهان
مأخوذات أخذ تقليد ومحاكاة مما سبق أن قاله البحتري. وقول ابن الرومي «يحول دون العيان» تطويل لا طائل فيه بعد قوله «ذو شعاع» وأدركته وسوسته فاحتاج أو ظن ثم حاجةً إلى الشرح فشرح «يحول دون العيان» بقوله «يمكن العين لمحة» ولله در أبي العلاء إذ قال: «وأما ابن الرومي فهو أحد من يقال إن أدبه كان أكثر من عقله وكان يتعاطى علم الفلسفة» فمن شواهد ذلك هذا البيت
стр. 2292
الذي نقل فيه إلى هذه الصياغة المتهافتة- تأمل قوله (ثم ينهي طرفها عن إدامة اللحظان) - قول الله : ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ - هذا ولم يكن أبو العلاء بالمتحامل غير المنصف، يدلك على ذلك اعتذاره عن ابن الرومي في الذي ذكروه من تطيره حيث قال في رسالة الغفران: «وكان ابن الرومي معروفًا بالتطير ومن الذي أجرى على التخير؟ وقد جاءت عن النبي ﷺ أخبار كثيرة تدل على كراهة الاسم الذي ليس بحسن مثل مرة وشهاب والحباب لأنه يتأوله في معنى الحية إلى آخر ما قال- ص ٤٧٨ من رسالة الغفران» - ومن شواهد وسوسة ابن الرومي أيضًا هذا البيت الثالث، وكأنه قد وقع في وهم ابن الرومي أن معنى النهي عن إدامة اللحظان ينافي معنى المحبة لأن المحب يديم النظر، فكأنه أراد أن يحترس لهذا ويستثنى نظر الحب بزعمه أن هيبته تردع نظر كل عين ترومه بامتهان. وقد أساء ههنا من حيث أراد الإحسان، إذ زعم أن ثم اعينًا تريده عن قصد بامتهان فتحول هيبته دون مرادها. ولو قد فطن حقًّا لعلم أن الهيبة في ذات نفسها حجاب عام لا بد معه من علامة إذن كالابتسام مثلًا، كما قال الشاعر:
يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
فالمغضون هنا ما أغضوا لأنهم هموا بامتهان ولمن منهم من عسى أن يكون شديد الحب لمن أغضى عنه شديد الرغبة أن يديم إليه النظر وقول البحتري:
فسلمت واعتاقت جناني هيبة ... تنازعني القول الذي أنا قائله
فلما تأملت الطلاقة وانثنى ... إلي ببشر آنستني مخايله
جار على هذا المذهب مع التفصيل والتصوير النفسي الدقيق، وقد كان البحتري بلا ريب عالمًا بأمر لقاء أولى المهابة ممارسًا له.
стр. 2293
ووصف ابن الرومي للدنيا أنها تزينت للمهرجان وتبدت مثل الهدي بفتح الهاء وكسر الدال وتشديد الياء بوزن فعيل أي العروس ثم بعد أن كانت هديًّا جعلها بغيًّا في قوله فهي في زينة البغي، ما عدا أن نقله من كثير في كلمته التي خاطب بها عمر بن عبد العزيز فقال:
وليت فلم تشتم عليًّا ولم تخف ... بريًّا ولم تقبل إشارة مجرم
وصدقت بالفعل المقال مع الذي ... أتيت فأمسي راضيًّا كلٌّ مسلم
ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه ... من الأود الباقي ثقاف المقوم
كأن كثيرًا يعني بهذا أن بني أمية قد كانوا في زيغ وجور حتى جاء عمر بن عبد العزيز فأصلح من أمرهم فكان بمنزلة الثفاف الذي يقوم به، أود القناة أي اعوجاجها وكان عمر بن عبد العزيز بمنزلة المقوم الذي ثقافه يصلح ما كان من اعوجاج الفتى وعني به أمر بني أمية قبله كله وكان كثير يتشيع معروفًا له ذلك، ثم تنأتي الصورة التي أخذ منها ابن الرومي وإياها اتبع بلا فضل من زيادة:
وقد لبست لبس الهلوك ثيابها ... وأبدت لك الدنيا بكف ومعصم
وتومض أحيانًا بعين مريضة ... وتبسم عن مثل الجمان المنظم
وأوشك كثير ههنا أن يخرج إلى الغزل.
فأعرضت عنها مشمئزًا كأنما ... سقتك مدوفًا من سمام وعلقم
وفي هذا البيت نوع من الكشف إذ قد مات عمر بن عبد العزيز مسمومًا فيما ذكروا والله تعالى أعلم.
وقول ابن الرومي:
كادت الأرض يوم ذلك تفشى ... سر بطنانها إلى الظهران
وتعود الرياض مقتبلات ... ناعمات الشكير والأفنان
стр. 2294
الشكير عني به هنا شطوء النبات وأوائل ما يخرج من صغاره ويطلق أيضًا على أوائل الشعر والريش. وإنما حاكى ابن الرومي ههنا مذهب أبي تمام وكان له شديد الاتباع، وقد زعم العقاد أن ابن الرومي لم يكن من أصحاب البديع وما كان ما اشتهر به من الغوص والتوليد إلا من بحبوحة دار البديع وقد مر بك قبل أيها القارئ الكريم أمر مفاضلته بين النرجس والورد الذي إنما هو زخرف معنوي محض، وههنا في هذه النونية وصف القيان وسنعرض له بعد قليل إن شاء الله والذي حاكاه من أبي تمام رائيته:
رقت حواشي الدهر فهي تمومر ... وغدا الثرى في حليه يتكسر
وقد مر الحديث عنها.
وقوله:
زخرفت يوم نعمه حجرات ... جد موطوءة من الضيفان
لا يخفى تعب العمل فيه عند «جد موطوءة من الضيفان».
وقوله: «ثم قام الكماة صفين» إلخ «كلهم مطرق إلخ».
وقوله: ثم قام الممجدون صفوفًا- هذا جميعه من مقال البحتري في السينية حيث وصف صورة أنطاكية وعراك الرجال من مشيح بعامل رمح مليح بترس وحيث ذكر الوفود فقال «وكأن الوفود ضاحين حسرى» البيت. وقول ابن الرومي في الخوان عن الأمير ما عدا فيه مجاراة البحتري وهو من مشهور مقاله في المتوكل وهو في أوج مجده الشعري وقد بلغ أشده وبلغ أربعين سنة أو زاد أو دون ذلك بقليل وابن الرومي فويق العشرين بقليل.
نظروا إليك فقدسوا ولو أنهم ... نطقوا الفصيح لكبروا ولهللوا
حضروا السماط فكلما راموا القرى ... مالت بأيديهم عقول ذهل
стр. 2295
تهوى أكفهم إلى أفواههم ... فتحيد عن قصد السبيل وتعدل
متحيرون فباهت متعجب ... مما رأى أو ناظر متأمل
وإنما اضطربت أيدي وفد الروم لن الطعام أجود مما اعتادوا وأشهى وأدسم. وتأمل قول البحتري: «نظروا إليك فقدسوا» وقول ابن الرومي: «ثم قام الممجدون» ولا يخفى ما في قول ابن الرومي:
من خوان كأنه قطع الرو ... ض وإن كان في مثال خوان
فوقه الطير في الصحاف وحاشى ... ذلك الطير من جفاء الجفان
من مذهب حبيب والشاهد «جفاء الجفان». وولع ابن الرومي ببديع حبيب ومعانيه يشهد به الخبر الذي ذكره ابن رشيق في الحافر الوأب والحافر المعقب في باب المطبوع والمصنوع.
ولعلك لم يخف عليك محاكاة ابن الرومي لإيقاع البحتري في «من خوان كأنه قطع الروض» فهو مثل قول أبي عبادة:
من بديع كأنه الزهر الضا ... حك في رونق الربيع الجديد
وقوله من قبل «يمكن العين لحظة» حاكى به إيقاع:
مشرق في جوانب السمع ما يخـ ... لقه عوده على المستعيد
وقل ابن الرومي:
ثم سام الأمير سوم الملاهي
من حماقاته في التعبير ومن باب أن أدبه كاتن أكثر من عقله. والوجه أن يصف الملاهي من دون أن يقول «ثم سام الأمير سوم الملاهي» وفي القول بعد متسع كان أولى به أن يصرفه إليه.
стр. 2296
ثم تجيء الأبيات القيان وهي أجود ما في المهرجانية وأوردها صاحب الأمالي واختارها المختارون مرارًا من بعدي وعندي أن ابن الرومي قد فرغ من الصفة كلها في قوله:
وقيان كأنها أمهات ... عاطفات على بنيها حوان
صفة جيدة وصورة واضحة- وسائر ما جاء بعد افتنان من تطويل، ومذهب الزخرفة البديعية فيه لا يخفى من زعمه أنهن مطفلات من غير سابق حمل ومرضعات بلا لبان فهذا جار على مذهب اللغز ثم رجع إلى صفة الأمهات بنوع من شرح في قوله «ملقمات أطفالهن ثديا» وخرج من صفة الأمهات إلى نعت النهود وأنهن رمان كأحسن الرمان- وليس ضربة لازم في جودة غناء المغنية أن يكون نهدها غير منكسر ولا في جودة ضرب ضاربة العود- وإنما هذه انصرافة عن حاق جودة التصوير انزلق إليها ابن الرومي انزلاقًا مع الغزل. والبحتري أجود وصفًا وأدق حيث قال في السينية:
وكأن القيان وسط المقاصيـ ... ـر يرجعن بين حو ولعس
فنبه على الحسن واختلاف الألوان وأنهن في المقاصير، وأعطى صفتهن كما تبدو من بعد- ترجيع وحو ولعس وسحر أنهن مقصورات. هذا بلا ريب أجود من الإدناء الذي أدناه ابن الرومي حتى ذهل فيه عن الترجيع ونغمات العود إلى ثدي كالرمان، ثم جعلهن حافلات كضروع البقر في قوله: «مفعمات كأنها حافلات» والشاهد قوله: كأنها حافلات.
وأحسب أنه ما أوقع ابن الرومي في ذكر الدرة والحافلات إلا أنه حين حاكى البحتري في قيان سينيته قصد أن يزيد عليه بأبي تمام في صفة عوادته التي قال فيها.
ومسمعة يحار السمع فيها ... ولم تصممه لا يصمم صداها
стр. 2297
زعم أنها مرت أعوادها- قال:
مرت أعوادها فشفت وشاقت ... فلو يستطيع حاسدها فداها
والمرى يكون للضرع وقد تعلم قول الحطيئة:
لقد مريتكم لو أن درتكم ... يومًا يجيء بها مسحى وابساسي
وأبو تمام قد جعل العود هو الضرع والغانية المغنية تمريه، فكس ابن الرومي الأمر وجعل للغانية المغنية ضرعًا حافلًا- وما أرى إلا أنه بهذا قد أفسد الصورة الجميلة التي جاء بها بدءًا حيث قال كأنها أمهات، لأن هذا فيه تصوير إقبال القيان على عزفهن بروح ذي إخلاص وحب، شبيه بحنان الأمهات على أطفالهن. وهذا معنى تام لا يحتاج إلى زيادة وتفصيل بذكر أطفال وحمل وإلقام وإرضاع وثدي نواهد كالرمان- إسراف كما ترى.
هذا، ونونية المهرجان، هذه التي أطنب العقاد في مدحها إنما نظمها ابن الرومي يحاكي بها السينية، إذ السينية نظمها البحتري بعيد مقتل المتوكل وابن الرومي شابٌّ لم يجز بعد طور المحاكاة والتقليد إلى النضج الذي يولد ولا يقلد. ولوشك ترتيب الموضوعات والأوصاف يباري ترتيبهن في السينية وحسبك شاهدًا أن البحتري يقول في أول نعته في الإيوان: «جعلت فيه مأتمًا بعد عرس» ثم يحاول أن يعطينا بعض صور هذا العرس من صورة أنطاكية واختلاف ألوان الأزياء:
في اخضرار من اللباس على أصفر يختال في صبيغة ورس
ثم يذكر العراك، ثم ينصرف إلى شربة خلس ثم يعود إلى صفة الإيوان وقد خالطه حلم الذكرى لمجد فات، ويصف المراتب والوفود والقيان ويشير إلى حال السرور بقوله:
عمرت للسرور دهرًا فصارت ... للتعزي رباعهم والتأسي
стр. 2298
ونظر ابن الرومي إلى صدر هذا البيت فجاء بآبدته:
ثم سام الأمير سوم الملاهي ... وخلا بالمدام والندمان
وما أقبح خلا هنا ونظر شوقي إلى عجز البيت فجاء بالبيت الذي ولد منه مائة وعشرة لم يزد بها على معناه كبير شيء:
وعظ البحتري إيوان كسرى ... وشفتني القصور من عبد شمس
وقد اتبع العقاد ﵀ ترتيب النونية في الأبيات التي اختارها منها وقد بدأ بموضوع الهدي والبغي وألوان العرس ثم ذكر صورة وتهاويل رقم يجعل ذلك في مكان صورة أنطاكية ثم جاء بالكماة صفين وحبسهم مطرقين مغضين ولو كانت القافية سينية لعمرك لقد قال: «ولهم بينهم إشارة خرس» - ثم جاء بالأمير وهو ينظر في ذلك إلى ترتيب السينية ومكان الشربة الخلس وتوهم البحتري أن كسرى معاطية والبلهبذ أنسه، فقدم ابن الرومي الأمير وأخر الشربة وجعل في مكانها الخوان، وجاء بمتوكل الرائية «حتى طلعت بنور وجهك» فحذا عليه «وتجلى على السرير» كما تقدم ذكره، وبوليمة اللامية لوفد الروم فحذا عليها الخوان، ثم صار إلى القيان المطفلات المرضعات الملقمات. قال البحتري:
فكأني أرى المراتب والقو ... م إذا ما بلغت آخر حسي
وكأن الوفود ضاحين حسرى ... من قيام خلف الزحام وخنس
وكأن القيان وسط المقاصيـ ... ـر يرجعن بين حو ولعس
قالت العرب: حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.
والناظر المشاهد زحام موكب لا يرى أكثر من هذا. والزيادة في التفصيل قد تذهب بقوة الانطباعة وتبوخ بتأثيرها. وقد فعل ابن الرومي هذا حين تجاوز صفة البحتري للوفود كما قال البحتري قوله إلى قوله هو: «كلهم مطرق هنالك مغض
стр. 2299
إلخ» و «مثولًا ضاربين الصدور بالأذقان»، وحين تجاوز صفته للقيان أنهن في المقاصير يرجعن بين حو ولعس إلى «ملقمات وناهدات» (ولا يضير المغنية إن كان صوتها بارعًا ألا تكون ناهدة الثدي رمانيته أو حافلته ضأنيته) وهلم جرا مما خرج به عن وصف منظر عام إلى تدقيق بين ثرثرة الفلسفة وشهوانية الغزل. ومع الذي وصف من الوفود بتفصيله ومن القيان بتدقيقه وتفريعه، غفل عن أمرين جاء بهما البحتري هما من حاق الوصف والتصوير في هذا الباب وذلك قوله: «وكأني أرى المراتب والقوم» ... فدل على أمر هام وهو ترتيب الناس حسب مراتبهم ومن يكون من قوم الدولة يرتبهم هذه المراتب وقوله: «يرجعن بين حو ولعس» والناظر إلى قيان يغنين من على بعض لا يفوته مرأى الأفواه وهي ترجع وكونها حوًّا ولعسًا، جلي أن هذا جاء به الشاعر على وجه الحدس، ولكنه تمثل منظر الترجيع والأفواه الظريفات التي ترجع.
غلا العقاد ﵀ في أآمر ابن الرومي عامة وفي أمر هذه المرجانية على وجه الخصوص، وما أرى إلا أنها من نظم شباب ابن الرومي، وليس فيها من شيء يستجاد غير أبيات القيان، وسائر القصيدة بعد ظاهر فيه تعب العمل، شديد الظهور.
بين ابن الرومي وابن المعتز وجها تشابه، أولًا كلاهما يحاكي أبا تمام وكانا كلاهما معجب به ويقدمه، وثانيًّا كلاهما إنما حاكيا أبا تمام وأعجبا به من أجل البديع، وباب التشبيه خاصة، واختلفت طريقتاهما فيه، فاهتم ابن المعتز بفسيفساء زخرفة لفظية معنوية من معدن ماعون بيته وحال ترفه واهتم ابن الرومي بفسيفساء زخرفة معنوية فلسفية كلامية أشبه بمذهب الكتاب، وقد كان هو من الكتاب، وإلى هذا من مذهبه قد فطن الدكتور طه حسين في كتابه من حديث الشعر والنثر.
стр. 2300
وجه شبه ثالث بين ابن الرومي وابن المعتز هو قلة ماء الشعر. سبب هذا عند ابن المعتز ترفه ومع الترف برود أنفاس، وقل شعر له فيه حرارة، حتى ما تناول فيه حساده بالهجاء وما دفع فيه عن بيت بني العباس واحتج له بما زعم من ميراثهم النبي ﷺ دون بني بنته- ولا يخفى أن ههنا مغالطة على تقدير التسليم بالميراث إذ لا يمكن للعم أن يرث دون البنت وإن أمكن له أن يرث دون بني البنت، ومع تعصيبه للبنت ليس نصيبه بأكبر من نصيبها، وكان فاطمة ﵂ حية بعد وفاة أبيها ﵊. ومقال سيدنا أبي بكر ﵁ في نفي الإرث وعليه مذهب أهل السنة والجماعة من المسلمين.
وقد كانت في ابن الرومي حرارة انفاس وملكة بيان والمذهب الكلامي والإطناب الكتابي هو الذي أفسد عليه ماء شعره ورونقه. وأحسب أن أبا العلاء أراد هذا المعنى. وهو في ظاهر عبارته يصف الدهر حيث قال:
لو أنصف الدهر هجا أهله ... كأنه الرومي أو دعبل
وهو لعمري شاعر معزر ... لكنه في لفظه مجبل
ولم يكن ابن الرومي مجبلًا ولكنه كانت في لفظه وطريقة أدائه جسارة وجفاف وإنما استجيد هجاؤه لأن الجساوة والجفاف ربما ناسبا الهجاء وقد كان مما يفحش فيه إفحاشًا. ودعبل أهجى منه. وظاهر كلام المعري يدل على هذا إذ كأن في «أو» نوعًا من إضراب.
ومن أدل شعر ابن الرومي على مذهبه قصيدته البائية التي ذم فيها السفر وأتعابه وهي في مدح أحمد بن ثوابة:
دع اللوم إن اللوم عون النوائب ... ولا تتجاوز فيه حد المعاتب
وقد جارى بائية أبي تمام على مثلها من أربع وملاعب. واشتم أنفاسًا من
стр. 2301
بشار والنابغة- بشار في الميمية التي قيل هجا بها أبا جعفر ثم حولها في أبا مسلم، والنابغة في «كليني لهم».
فما كل من حط الرحال بمخفق ... ولا كل من شد الرحال بكاسب
ومن قبل ما قال امرؤ القيس:
وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
قد ترى أن ابن الرومي استهل بجدل وقياس فلسفي:
وفي الشعر كيسٌ والنفوس نفائسٌ ... وليس بكيس بيعها بالرغائب
وما زال مأمول البقاء مفضلًا ... على الملك والأرباح دون الحرائب
هنا كما ترى حجة بعضها من المنطق وبعضها من مأثور الأخبار. الشعر فيه الحكمة وهو نفس الشاعر ولذلك فهو نفيس بالنسبة إليه فلا ينبغي أن يباع بالمال. ثم هو مأمول البقاء على وجه الدهر وأفضل من الملك مفضل على الأرباح دون كل حريبة قد يحربها المرء- أي هو مال مفضل على كل مال وعلى كل ربح يخشى المرء أن يسلبه والحريبة هي المال وحربه ماله أي سلبه إياه وأخذ ابن الرومي هذا من مقال عمر ﵁ لأبناء هرم بني سنان أن ما أعطاهم زهير باق وما أعطوه إياه قد فنى -ومراد ابن الرومي ههنا أن يقول لممدوحه أن شعره أفضل مما سيناله منه هو جائزة إن أجازه.
حضضت على حطبي لناري فلا تدع ... لك الخير تحذيري شرور المحاطب
جعل الشعر نارًا وطلب المكسب به احتطابًا وأخذه هذا المعنى، على قدمه، من أبي تمام، وكان أبو تمام مما يذكر النار والزند، يصف بذلك شعره أحيانًا كقوله:
يا أبا عبد الله أوريت زندًا ... في يدي كان دائم الأصلاد
стр. 2302
وقوله:
بزهر والحذاق وآل برد ... ورت في كل صالحة زنادي
وقوله:
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
وهذا وإن جرى مجرى المثل فإنما جاء به ذكر حساده على فضيلة البيان التي امتاز بها.
ويصف بذلك ممدوحيه أحيانًا مثل قوله:
تضرم ناراه في قرى ووغي ... من حد أسيافه ومن زنده (١)
وقد جاء ابن الرومي بهذا المعنى بعينه؛ وهو بعد كثير) في قوله:
له ناران نار قرى وحربٍ ... ترى كليتها ذات التهاب
ومثل قوله:
لا تفت تزجى فتي العيس ساهمةً ... إلى فتى سنها منها وقارحها
حتى تناول تلك القوس باريها ... حقًّا وتلفى زنادًا عند قادحها
وقوله تحذيري شرار المحاطب يشير إلى أن بعض وجوه التكسب يوقع في الشر كأن يمدح بخيلًا أو لئيمًا فيشيم بذلك برق سوء ويحتطب ما لا تضيء به نار وما قد تكون مكتمنة فيه حية.
وأنكرت إشفاقي وليس بمانعي ... طلابي إن أبقى طلاب المكاسب
ومن يلق ما لاقيت في كل مجتبى ... من الشوك يزهد في الثمار الأطايب
وقد صدق فإن المدح قد دالت دولته العظيمة بعد مقتل المتوكل، فلم تعد
стр. 2303
إلى قريب مما كانت عليه إلا فترة أبي الطيب وممدوحيه، وإلا شيئًا يسيرًا عند ملوك الطوائف بالأندلس والمغرب.
أذاقتني الأسفار ما كره الغنى ... إلي وأغراني برفض المطالب
فأصبحت في الإثراء أزهد زاهد ... وإن كنت في الإثراء أرغب راغب
حريصًا جبانًا اشتهى ثم انتهى ... بلحظي جناب الرزق لحظ المجانب
تأمل الطباق في أزهد زاهد وأرغب راغب والجناس في اشتهى وانتهى.
ومن راح ذا حرص وجبن فإنه ... فقيرٌ أتاه الفقر من كل جانب
من هنا أخذ أبو الطيب قوله:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي صنع الفقر
فجاء به مثلًا وحكمة كما ترى. وما قصر ابن الرومي في لفظ ولا معنى ولكنه لم ينفخ في كلماته الروح الذي يقفز بشعرها إلى درج الحكمة العلى وقد ترى مكان الإطناب -على صحته- في قوله «فقير أتاه الفقر من كل جانب» فهذا ضرب من الزوائد يقصر بالقول الذي تراد به الحكمة عما ينبغي أن يصل إليه من ذروة الوحي والإيجاز القارع للسمع الوالج على القلب.
ولما دعاني للمثوبة سيد ... يرى المدح عارًا قبل بذل المثاوب
وكأن قد اضطرته القافية إلى جمع المثوبة وقد كشف هذا المعنى أبو الطيب ومن ههنا اخذه فيما ترجحه:
تهلل قبل تسليمي عليه ... وألقى ماله قبل الوساد
ثم يقول ابن الرومي:
стр. 2304
تنازعني رغبٌ ورهبٌ كلاهما ... قويٌّ وأعياني اطلاع المغايب
فقدمت رجلًا رغبة في رغيبة ... وأخرت رجلًا رهبة للمعاطب
مسكين ابن الرومي. هذا الشك وهذه الوسوسة هي التي قصرت به عن نيل العطاء ولماذا كان يطمع أن يصله العطاء ولما يرتحل له ويسمع ممدوحه مدحته -بل كما قد ترى قد قدم رجلًا وأخر أخرى، واعتمد آخر الأمر على التي أخرها، فأخره ذلك، فصار بعد المديح إلى الهجاء.
أخاف على نفسي وأرجو مفازها ... وأستار غيب الله دون العواقب
ألا من يبريني غايتي قبل مذهبي ... ومن أين الغايات بعد المذاهب
ولكنه لم يمض على سبيل اللوم لنفسه، وإذن لوجد منجاة، بل أقبل يعتذر عن هذا الجبن والتردد:
ومن نكبة لاقيتها بعد نكبة ... رهبت اعتساف الأرض ذات المناكب
وصبري على الإقتار أيسر محملًا ... علي من التغرير بعد التجارب
الإقتار الفقر. وعاد ههنا فأكد معنى الشك والخوف من أن يصل إلى الممدوح فلا يجد عنده كبير شيء -والتجربة قد علمته ذلك. أو كما قال:
ذهب الذين تهزهم مداحهم ... هز الكماة عوالي المران
أو كما قال:
وإذا امرؤٌ مدح امرأً لنواله ... وأطال فيه فقد أطال هجاءه
لو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه
أي لو لم يقدر أن مكان الماء في تلك البئر بعيد لم يجيء ليرد برشاء طويل أي حبل طويل. وهكذا كان يفعل ﵀.
стр. 2305
لقيت من البر التباريح بعدما ... لقيت من البحر ابيضاض الذوائب
سقيت على ري به ألف مطرة ... شغفت لبغضيها بحب المجادب
ألح ابن الرومي على صيغة مفاعل في قوافيه وما خلا ذلك من تصيد وعمل كقوله المجادب ههنا يريد به الجدب وكقوله المثاوب يريد به المثوبة والمحاطب يريد به الاحتطاب والمعاطب يريد به العطب وقد ترى أن قوله «اعتساف الأرض ذات المناكب» وقوله «طلاب المكاسب» و «برفض المطالب» كل ذلك قافيته ذات أسماح لا تكلف فيها، فهذا يدل على مكان التكلف في المحاطب والمثاوب والمجادب مثلًا.
ولم أسقها بل ساقها لمكيدتي ... تحامق دهر جده كالملاعب
لاحظ أسلوب أبي تمام في لم أسقها بل ساقها -جده كالملاعب.
إلى الله أشكي سخف دهري فإنه ... يعابثني مذ كنت غير مطايبي
أبي أن يغيث الأرض حتى إذا ارتمت ... برحلي أتاها بالغيوث السواكب
غير مطايبي أي غير قاصد لمفاكهتي وممازحتي بطيب نفس ومسرة، وهذا الاستعمال عباسي من أساليب الكتاب تجده عند الجاحظ إذ هو يتحدث عمن يصفهم بالطياب بتشديد الياء.
سقى الأرض من أجلي فأضحت مزلةً ... تمايل صاحبها تمايل شارب
لتعويق سيري أو دحوض مطيتي ... وإخصاب مزور عن المجد ناكب
ههنا روح فكاهي مع أنفاس خطابة يراد بها المبالغة وتأكيد المعنى الفكاهي- هو الفتى الصالح المبدع تصب الأمطار لتعويقه، ويستفيد بهطولها آخر ممن لا خير عندهم. ولا يفتأ ابن الرومي يوازن بين حظه المنحوس وحظوظ التجار وأهل
стр. 2306
المزارع المثرين فيمتلئ قلبه غيظًا وقيح هجاء من ضرب الشعر الذي عنه جاء نهي الحديث الشريف. مسكين ابن الرومي.
وما خلا ابن الرومي هنا من نظر إلى قول حبيب:
منع الزيارة والوصال سحائب ... شم الغوارب جأبة الأكتاف
وأبت أريحية أبي تمام أن يجعل من عوق المطر له مسببًا إلى أن ينفس على من يكون قد انتفع بذلك، وقد مكرت هذه الأبيات الفائية ونذكر القارئ الكريم بقوله:
ظلمت بني الحاج الملح وأنصفت ... عرض البسيطة أيما إنصاف
وأتت بمنفعة البلاد وضرها ... أهل المنازل السن الوصاف
وفكاهة ابن الرومي تأبى ألا يخالطها شوبٌ من الشكوى وشؤبوب من الهجاء.
فملت إلى خانٍ مرث بناؤه ... مميل غريق الثوب لهفان لاغب
فلم ألق فيه مستراحًا لمتعب ... ولا نزلًا أيان ذاك لساغب
فما زلت في خوف وجوع ووحشة ... وفي سهر يستغرق الليل واصب
ولقد كان القطامي، وإلى بائيته نظر، بلا ريب أحذق منه إذ قال:
فلما بدا حرمانها الضيف لم يكن ... علي مناخ السوء ضربة لازب
وذلك أنه كان موطنًا نفسه على السفر. أما ابن الرومي فما سافر إلا كارهًا فمال إلى الخان بطبيعة حرصه على الإقامة كما ترى، وهو ما خبرنا به ودعا إليه من أول قصيدته.
يؤرقني سقف كأني تحته ... من الوكف تحت المدجنات الهواضب
стр. 2307
أي السحب الداكن الهاطلة، فكان ينبغي عليه أن يصبر لها، فذلك خير من المكان الذي مال إليه فأوشك أن يميل به.
تراه إذا ما الطين أثقل متنه ... تصرٌّ نواحيه صرير الجنادب
وكم خان سفر خان فانقض فوقهم ... كما انقض صقر الدجن فوق الأرانب
لاحظ الجناس في خان سفر خان. ويعني أنه يسقط فجأة. وهذا التشبيه لا يخلو من عنصر قصد إلى الإضحاك. وصقر الدجن أي صقر يوم الغيم وفسره الشيخ محمد شريف سليم بصقر الظلمة (الهامش مع ص ٢٦١ م ج أ. ديوان ابن الرومي، تصوير بيروت) وما أحسب أن صقرًا يصيد في الظلمة والدجن الغيم يدلك على ذلك قول البكري:
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الطراف المعمد
ويوم الدجن لا يحجب الرؤية. ومثل نازلي الخان بالأرانب والحق أن الصقر ينقض فوق الأرنب ولعل ابن الرومي قصد إلى تمثيل حال المسافرين في الخان في ازدحامهم عند مكانة الضيق بحال الأرانب التي يجاء بها في قفص أو نحوه لتباع وتؤكل.
ولم أنس ما لاقيت أيام صحوه ... من الصر فيه والثلوج الأشاهب
واحتاج إلى الجمع كما ترى من أجل القافية:
وما زال ضاحي البر يضرب أهله ... بسوطى عذاب جامد بعد ذائب
فإن فاته قطر وثلجٌ فإنه ... رهين بسافٍ تارة وبحاصب
وكأن في أسلوب الرومي ههنا نفسًا جاحظيًّا فتأمله. وأحسب أنه من أجل
стр. 2308
هذا ما زعم الدكتور طه حسين ما زعمه في «من حديث الشعر والنثر».
فذاك بلاء البر عندي شاتيا ... وكم لي من صيف به ذي مثالب
مثالب ههنا مستقيمة المكان.
ألا رب نار بالفضاء اصطليتها ... من الضح يودي لفحها بالحواجب
أراد ابن الرومي هنا أن يربي على قول علقمة:
وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم تجيء به الجوزاء مسموم
حام كأن أوار النار شامله ... تحت الثياب ورأس المرء معموم
وهيهات، من ههنا جاء بلفحها «الذي يودي بالحواجب» - ولماذا الحواجب دون غيرها من الجسد؟ لا ريب لأن الرأس والوجه عليهما العمامة بلثامها وهذا قول علقمة كما ترى.
إذا ظلت البيداء تطفو أكامها ... وترسب في غمر من الآل ناضب
جعله غمرًا وناصبًا لأنه سراب: ثم أدركته بقية من العقل لعلمه أن هذا الباب قد استوعبه كله القدماء فلا معنى لمباراتهم.
فدع عنك ذكر البر إني رأيته ... لكن خاف هول البحر شر المهاوب
وفي المهاوب قبح تكلف كما ترى. جمع مهوب أي المكان الذي يهاب. قال الشيخ محمد شريف سليم ﵀ (٢٦٢ هامش ٥) «من هوب الرجل بمعنى هيب».
كلا نزليه صيفه وشتاؤه .... خلاف لما أهواه غير مصاقب
غير مصاقب مزاوجة تصلح في النثر الجاحظي ولكن مكانها في الشعر ناب.
стр. 2309
ولله در الجاحظ حيث نبه أن الكلام إذا نقل من النثر إلى الموزون بدا ذلك جانب نقص فيه.
لهاث مميت تحت بيضاء سخنة ... وريٌّ مفيت تحت أسيحم صائب
يجف إذا ما أصبح الريق عاصبًا ... ويغدق لي والريق ليبس بعاصب
فيمنع مني الماء واللوح جاهدٌ ... ويغرقني والري رطب المحالب
هذه الأبيات الثلاثة إجمال لما سبق قبل تفصيله. وهذا مذهب نثري وما عدا الشاعر هنا أن كرر ما قاله ولم يزد شيئًا، بل وقع في شيء من عناء التكلف كقوله «والري رطب المحالب» على ما احتال به من شبه المجانسة في «والري رطب ... » «واللوح جاهد» أي والعطش شديد. والبيضاء السخنة الشمس والأسحم الصائب المطر وقد سبق هذا المعنى في قوله «أبى أن يغيث الأرض» والأبيات التي معه.
وما زال يبغيني الحتوف مواربًا ... يحوم على قتلي وغير موارب
فطورًا يغاديني بلص مصلت ... وطورًا يمسيني بورد الشوارب
فسر الشيخ سليم ﵀ هذا البيت بقوله: مصلت يركض فرسه والشوارب لعله يريد بيها جمع شاربة وهم القوم يسكنون ضفة النهر، يعني ويضطرني إلى أآن أرد الماء في المساعد عند القوم الذين يسكنون ضفاف الأنهار لقلة الماء في البراح الذي أسلكه. أقول ما ذهب إليه وجه، ولعل أقرب من ذلك أن يقال مصلت بتشديد اللام مكسورة أي خبيث كأنه من قولهم صلت بكسر الصاد وهو اللص كأنه قال لص ملصص أو هو من إصلات السيف فيكون جاء باسم لفاعل من فعل مضعف كثر به فعلًا ثلاثيًّا من مادة صلت يدلك عليه قولهم انصلت وبورد الشوارب لعل صوابه بورد الشوارب بفتح الواو الشوارب جمع شارب عني به الأسد أو أي سبع مخشى أحمر الشوارب وإنما سمت العرب الأسد وردًا لحمرة شعره وهذا أقرب
стр. 2310
في التفسير لأنه كان سالك بر وفيه للص والسبع كلاهما مخشيان ويدلك إنه إنما أراد أمرًا فردًا لصًّا أو أسدًا قوله بعد:
إلى أن وقاني الله محذور شره ... بعزته والله أغلب غالب
فأفلت من ذوبانه وأسوده ... وخرابه إفلات أتوب تائب
فهذا يقوي ما ذهبنا إليه والذؤبان اللصوص والذئاب والخراب جمع خارب وهو قاطع الطريق ومن شواهد كتاب سيبويه:
أن بها أكتل أو رزاما ... خوير بين ينقفان إلهاما
وقوله «إفلات أتوب تائب» تشبيه بعيد ضعيف في هذا الموضع جره إليه شدة غوصه على المعاني لأن التائب توبة نصوحًا يفلت من النار والعذاب إفلاتًا ثم أخذ في صفة سفر البحر:
وأما بلاء البحر عندي فإنه ... طواني على روع مع الروح واقب
جاء بواقب من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ - ولو كانت واقبة هذه بعد روع لكان لها جرس ورنين ولكن مكانها بعد أن فرق بينهما بشبه الجملة «مع الروح» فيه قلق، وذلك أنه جعل نفسه مطويًّا على روع فالفصل بين هذا الروع ووقوبه يباين شيئًا معنى الطي وقد فصل الشعراء بأكثر من هذا وأطول ولكن قد جاء حذاقهم به وكأنه لا فصل فيه كقول ذو الرمة:
كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج
وذلك أن الأصوات تطلب أواخر الميس وإيغالهن بنا فيه تشويق.
ولو ثاب عقلي لم أدع ذكر بعضه ... ولكنه من هوله غير ثائب
ولم لا ولو ألقيت فيه وصخرةً ... لوافيت منه القعر أول راسب
стр. 2311
ههنا فكاهة لا تخلو من عنصر سوقي.
ولم أتعلم قط من ذي سباحة ... سوى الغوص والمضعوف غير مغالب
تتمة البيت «والمضعوف غير مغالب» فيها تعب، وكأنها ملصقه بما قبلها إلصاقًا إذ لا تتم بها فائدة حقًّا ولا تتناسب ما قبلها كل المناسبة ثم لو قد فطن فالغوص من صميم السباحة، ولا يمت إلى ضعف بشيء وفي صفة الغائص يقول المخبل السعدي:
كعقيلة الدر استضاء بها ... محراب عرش عزيزها العجم
أغلى بها ثمنًا وجاء بها ... شخت العظام كأنه سهم
قال الشارح وهو الأنباري الكبير «كأنه سهم في سرعته ومضائه» شخت العظام أي دقيق العظام وشرح بعضهم كأنه سهم: لدقته وهو وجه ولكن الأول أقوى وأدل.
بلبانه زيتٌ وأخرجها ... من ذي غوارب وسطه اللخم
اللخم ضرب من الحوت ودواب البحر وإنما أراد ابن الرومي أنه يغطس فيرسب وأراد التنبيه على هذا المعنى بقوله والمضعوف غير مغالب أي حين يرسب فلضعفه لا يقدر أن يغالب فيطفو سابحًا، وهذا من معنى قوله لا نصل إليه إلا بكد وجهد وتأويل.
هذا وقوله من ذي سباحة يجوز لمن شاء حمله على معنى من سباحة وزيادة ذي كقول الآخر «فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا» أي «من عندهم» والوجه الظاهر عندي أجود.
فأيسر إشفاقي من الماء أنني ... أمر به في الكوز مر المجانب
стр. 2312
وهنا مبالغة أراد بها الفكاهة إذ لا يعقل أنه كان يكره الماء وينفر منه نفور المسعور، وهو بعد القائل في بائية له من جيد شعره:
ومزاج الشراب إن حاولوا المز ... ج رضاب يا طيب ذاك الرضاب
من جوار كأنهن جوار ... يتسلسلن من مياه عذاب
فجعل مزاج الشراب ماء وصفه بما وصفه كما ترى.
وقال في أبياته الحكيمة المنزع التي أولها:
غدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الماء أكثر ما تراه ... يحول من الطعام أو الشراب
قال:
فدع عنك الكثير فكم كثير ... يعاف وكم قليل مستطاب
وما اللجج الملاح بمرويات ... وتلقى الري في النطف العذاب
وما ذكرنا هذين الشاهدين على سبيل التعقب لابن الرومي، ولكن لنسبق بالرد على من يستنتج من قول ابن الرومي: «وأيسر إشفاقي إلخ» أكثر مما يجيزه ظاهر معناه الذي للفكاهة. ثم يقول الشاعر:
وخشى الردى منه على كل شارب ... فكيف بأمنيه على كل راكب
أظن إذا هزته ريح ولألأت ... له الشمس أمواجًا طوال الغوارب
كأني أرى فيهن فرسان بهمة ... يليحون نحوي بالسيوف القواضب
هذه الصورة منتزعة من تشبيه أمواج البحر بالخيل البلق وهو استعمال لغوي في العربية وغير العربية ولعله منها أخذ لقدم علاقة العرب بالخيل.
فإن قلت لي قد يركب اليم طاميًّا ... ودجلة عند اليم بعض المذانب
стр. 2313
فلا عذر فيها لامرئ هاب مثلها ... وفي اللجة الخضراء عذر لهائب
فإن احتجاجي عنك ليس بنائم ... وإن بياني ليس عني بعازب
هذا كما ترى أسلوب كلام وجدل وطريقة نثر جاحظي لا شعر.
والشعر وحي تكفي إشارته ... وليس كالنثر طولت خطبه
هكذا قال أبوة عبادة وهل عني بهذا طريقة ابن الرومي الذي لما شب وتم استواء نضجه وثب عليه فهجاه بعد أن كان يحاكيه ونفس عليه مكانه؟ ؟ وأخذ ابن الرومي في الاحتجاج:
لدجلة خبٌّ ليس لليم إنها ... ترائي بحلم تحته جهل واثب
تطامن حتى تطمئن قلوبنا ... وتغضب من مزح الرياح اللواعب
جمع لاعبة.
وأجرافها رهنٌ بكل خيانة ... وغدر ففيها كل عيب لعائب
مثل هذه اللفتة جاحظية ولها نظيرات في البخلاء وغيره مما خطه قلم ذلك البارع.
ترانا إذا هاجت بها الريح هيجة ... تزلزل في حوماتها بالقوارب
نوائل من زلزالها خوف خسفها ... فلا خهير في أوساطها والجوانب
زلازل موج في غمار زواخر ... وهدات خسف في شطوط خوارب
ثم أخذ يعتذر لليم أي البحر الكبير على دجلة حيث وصفها بالغدر وإن اليم له عذر في عرضه واتساعه وكثرة مائه وليس لها مثل ذلك العذر.
ولليم أعذار بعرض متونه ... وما فيه من آذيه المتراكب
ولست تراه في الرياح مزلزلًا ... بما فيه إلا في الشداد الغوالب
وإن خيف موجٌ منه عيذ بساحل ... خلي من الأجراف ذات الكباكب
стр. 2314
أي ذات الطين، وما أجهل ابن الرومي بالبحر إذ لم إذ لم ير منه إلا الساحل، فكيف إذا هاج البحر حيث لا ساحل تراه العين أو تأمل بلوغه، وربما سطا بعبابه على الشاطئ الآمن فاجتاحه ...
ويلفظ ما فيه فليس معاجلًا ... غريقًا بغت يزهق النفس كارب
أي بخنق أخذ بغت من الحديث أن جبريل غت النبي ﵊ وهذا كله توهم ووسوسة ومغالطة معًا.
يعلل غرقاه إلى أن يغيثهم ... بصنع لطيف منه خير مصاحب
فتلفى الدلافين الكريم طباعها ... هناك رعالًا عند نكب النواكب
أخذ هذا من أقاصيص البحريين، وقصص السندباد وما أشبه.
مراكب للقوم الذين كبا بهم ... فهم وسطه غرقى وهم في مراكب
وينقض ألواح السفين فكلها ... منج لدى نوب من الكسر نائب
وعمري من فاتح المركب الضخم فليس اللوح بمنجبيه إلا أن يلطف المولى، وأخبار السندباد مشحونة بنحو هذا. وأدرك ابن الرومي أنه لجج في وجه من وجوه الباطل والمراء فقال:
وما أنا بالراضي عن البحر مركبًا ... ولكنني عارضت شغب المشاغب
وليس المشاغب إلا وهمه، إذ هو يخاطب ممدوحًا بهذه القصيدة- وكأن قد فطن لهذه الزلة فقال:
صدقتك عن نفسي وأنت مراغمي ... وموضع سري دون أدنى الأقارب
وجربت حتى ما أرى الدهر مغربًا ... علي بشيء لم يقع في تجاربي
стр. 2315
ثم أخذ في أبواب من العظة والاعتذار وتشقيق الحجج لينال بر ممدوحه من دون تكليف نفسه جهد السفر إليه:
أرى المرء مذ يلقى التراب بوجهه ... إلى أن يوارى فيه رهن النوائب
فدلنا على أن النساء كن يلدن وليس بينهن وبين تراب الأرض سرير أو نحوه. ومن أجود الولادة ما كان عليه العرف عندنا من أن تمسك المرأة بما تعتمد عليه باركة وتحتها حفير لدم النفاس، فأحسب الذي وصفه ابن الرومي شيئًا من هذا النوع.
ولو لم يصب إلا بشرخ شبابه ... لكان قد استوفى جميع المصائب
ومن صدق الأخيار داووا سقامه ... بصحة آراء ويمن نقائب
يعني أن صدق عن نفسه وممدوحه في الأخيار، ومن مثله يستفاد الرأي الحسن والنصيحة النافعة بعد هذا الذي قد سمعه من الصدق. واضطر إلى جمع النقائب للقافية، وكأنه حسب أن ذلك يناسب الجمع قبله وقد يعلم أن العرب تقول هو ميمون النقيبة وهم ميامين النقيبة ثم زعم ابن الرومي أنه تحدث صادقًا إلى ممدوحه فهذا منه كالاستشارة ومن كان لك حزبًا صدقته إذ تستشيره أعانه ذلك على تجويد الرأي لك وأخذ في التفصيل هذا المعنى على الطريقة الجدلية.
وما زال صدق المستشير معاونا ... على الرأي لب المستشار المحازب
أي الذي من حزب المستشير وقد استكره هذه الكلمة استكراهًا.
وأبعد أدواء الرجال ذوي الضنى ... من البرء طب المستطب المكاذب
ثم أخذ يستعطف ممدوحه ولم يفارق طريقة التعليل والقياس والجدل.
فلا تنصبن الحرب لي بملامتي ... وأنت سلاحي في الحروب النوائب