ههنا فكاهة لا تخلو من عنصر سوقي.
ولم أتعلم قط من ذي سباحة ... سوى الغوص والمضعوف غير مغالب
تتمة البيت «والمضعوف غير مغالب» فيها تعب، وكأنها ملصقه بما قبلها إلصاقًا إذ لا تتم بها فائدة حقًّا ولا تتناسب ما قبلها كل المناسبة ثم لو قد فطن فالغوص من صميم السباحة، ولا يمت إلى ضعف بشيء وفي صفة الغائص يقول المخبل السعدي:
كعقيلة الدر استضاء بها ... محراب عرش عزيزها العجم
أغلى بها ثمنًا وجاء بها ... شخت العظام كأنه سهم
قال الشارح وهو الأنباري الكبير «كأنه سهم في سرعته ومضائه» شخت العظام أي دقيق العظام وشرح بعضهم كأنه سهم: لدقته وهو وجه ولكن الأول أقوى وأدل.
بلبانه زيتٌ وأخرجها ... من ذي غوارب وسطه اللخم
اللخم ضرب من الحوت ودواب البحر وإنما أراد ابن الرومي أنه يغطس فيرسب وأراد التنبيه على هذا المعنى بقوله والمضعوف غير مغالب أي حين يرسب فلضعفه لا يقدر أن يغالب فيطفو سابحًا، وهذا من معنى قوله لا نصل إليه إلا بكد وجهد وتأويل.
هذا وقوله من ذي سباحة يجوز لمن شاء حمله على معنى من سباحة وزيادة ذي كقول الآخر «فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا» أي «من عندهم» والوجه الظاهر عندي أجود.
فأيسر إشفاقي من الماء أنني ... أمر به في الكوز مر المجانب
стр. 2312
وهنا مبالغة أراد بها الفكاهة إذ لا يعقل أنه كان يكره الماء وينفر منه نفور المسعور، وهو بعد القائل في بائية له من جيد شعره:
ومزاج الشراب إن حاولوا المز ... ج رضاب يا طيب ذاك الرضاب
من جوار كأنهن جوار ... يتسلسلن من مياه عذاب
فجعل مزاج الشراب ماء وصفه بما وصفه كما ترى.
وقال في أبياته الحكيمة المنزع التي أولها:
غدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الماء أكثر ما تراه ... يحول من الطعام أو الشراب
قال:
فدع عنك الكثير فكم كثير ... يعاف وكم قليل مستطاب
وما اللجج الملاح بمرويات ... وتلقى الري في النطف العذاب
وما ذكرنا هذين الشاهدين على سبيل التعقب لابن الرومي، ولكن لنسبق بالرد على من يستنتج من قول ابن الرومي: «وأيسر إشفاقي إلخ» أكثر مما يجيزه ظاهر معناه الذي للفكاهة. ثم يقول الشاعر:
وخشى الردى منه على كل شارب ... فكيف بأمنيه على كل راكب
أظن إذا هزته ريح ولألأت ... له الشمس أمواجًا طوال الغوارب
كأني أرى فيهن فرسان بهمة ... يليحون نحوي بالسيوف القواضب
هذه الصورة منتزعة من تشبيه أمواج البحر بالخيل البلق وهو استعمال لغوي في العربية وغير العربية ولعله منها أخذ لقدم علاقة العرب بالخيل.
فإن قلت لي قد يركب اليم طاميًّا ... ودجلة عند اليم بعض المذانب
стр. 2313
فلا عذر فيها لامرئ هاب مثلها ... وفي اللجة الخضراء عذر لهائب
فإن احتجاجي عنك ليس بنائم ... وإن بياني ليس عني بعازب
هذا كما ترى أسلوب كلام وجدل وطريقة نثر جاحظي لا شعر.
والشعر وحي تكفي إشارته ... وليس كالنثر طولت خطبه
هكذا قال أبوة عبادة وهل عني بهذا طريقة ابن الرومي الذي لما شب وتم استواء نضجه وثب عليه فهجاه بعد أن كان يحاكيه ونفس عليه مكانه؟ ؟ وأخذ ابن الرومي في الاحتجاج:
لدجلة خبٌّ ليس لليم إنها ... ترائي بحلم تحته جهل واثب
تطامن حتى تطمئن قلوبنا ... وتغضب من مزح الرياح اللواعب
جمع لاعبة.
وأجرافها رهنٌ بكل خيانة ... وغدر ففيها كل عيب لعائب
مثل هذه اللفتة جاحظية ولها نظيرات في البخلاء وغيره مما خطه قلم ذلك البارع.
ترانا إذا هاجت بها الريح هيجة ... تزلزل في حوماتها بالقوارب
نوائل من زلزالها خوف خسفها ... فلا خهير في أوساطها والجوانب
زلازل موج في غمار زواخر ... وهدات خسف في شطوط خوارب
ثم أخذ يعتذر لليم أي البحر الكبير على دجلة حيث وصفها بالغدر وإن اليم له عذر في عرضه واتساعه وكثرة مائه وليس لها مثل ذلك العذر.
ولليم أعذار بعرض متونه ... وما فيه من آذيه المتراكب
ولست تراه في الرياح مزلزلًا ... بما فيه إلا في الشداد الغوالب
وإن خيف موجٌ منه عيذ بساحل ... خلي من الأجراف ذات الكباكب
стр. 2314
أي ذات الطين، وما أجهل ابن الرومي بالبحر إذ لم إذ لم ير منه إلا الساحل، فكيف إذا هاج البحر حيث لا ساحل تراه العين أو تأمل بلوغه، وربما سطا بعبابه على الشاطئ الآمن فاجتاحه ...
ويلفظ ما فيه فليس معاجلًا ... غريقًا بغت يزهق النفس كارب
أي بخنق أخذ بغت من الحديث أن جبريل غت النبي ﵊ وهذا كله توهم ووسوسة ومغالطة معًا.
يعلل غرقاه إلى أن يغيثهم ... بصنع لطيف منه خير مصاحب
فتلفى الدلافين الكريم طباعها ... هناك رعالًا عند نكب النواكب
أخذ هذا من أقاصيص البحريين، وقصص السندباد وما أشبه.
مراكب للقوم الذين كبا بهم ... فهم وسطه غرقى وهم في مراكب
وينقض ألواح السفين فكلها ... منج لدى نوب من الكسر نائب
وعمري من فاتح المركب الضخم فليس اللوح بمنجبيه إلا أن يلطف المولى، وأخبار السندباد مشحونة بنحو هذا. وأدرك ابن الرومي أنه لجج في وجه من وجوه الباطل والمراء فقال:
وما أنا بالراضي عن البحر مركبًا ... ولكنني عارضت شغب المشاغب
وليس المشاغب إلا وهمه، إذ هو يخاطب ممدوحًا بهذه القصيدة- وكأن قد فطن لهذه الزلة فقال:
صدقتك عن نفسي وأنت مراغمي ... وموضع سري دون أدنى الأقارب
وجربت حتى ما أرى الدهر مغربًا ... علي بشيء لم يقع في تجاربي
стр. 2315
ثم أخذ في أبواب من العظة والاعتذار وتشقيق الحجج لينال بر ممدوحه من دون تكليف نفسه جهد السفر إليه:
أرى المرء مذ يلقى التراب بوجهه ... إلى أن يوارى فيه رهن النوائب
فدلنا على أن النساء كن يلدن وليس بينهن وبين تراب الأرض سرير أو نحوه. ومن أجود الولادة ما كان عليه العرف عندنا من أن تمسك المرأة بما تعتمد عليه باركة وتحتها حفير لدم النفاس، فأحسب الذي وصفه ابن الرومي شيئًا من هذا النوع.
ولو لم يصب إلا بشرخ شبابه ... لكان قد استوفى جميع المصائب
ومن صدق الأخيار داووا سقامه ... بصحة آراء ويمن نقائب
يعني أن صدق عن نفسه وممدوحه في الأخيار، ومن مثله يستفاد الرأي الحسن والنصيحة النافعة بعد هذا الذي قد سمعه من الصدق. واضطر إلى جمع النقائب للقافية، وكأنه حسب أن ذلك يناسب الجمع قبله وقد يعلم أن العرب تقول هو ميمون النقيبة وهم ميامين النقيبة ثم زعم ابن الرومي أنه تحدث صادقًا إلى ممدوحه فهذا منه كالاستشارة ومن كان لك حزبًا صدقته إذ تستشيره أعانه ذلك على تجويد الرأي لك وأخذ في التفصيل هذا المعنى على الطريقة الجدلية.
وما زال صدق المستشير معاونا ... على الرأي لب المستشار المحازب
أي الذي من حزب المستشير وقد استكره هذه الكلمة استكراهًا.
وأبعد أدواء الرجال ذوي الضنى ... من البرء طب المستطب المكاذب
ثم أخذ يستعطف ممدوحه ولم يفارق طريقة التعليل والقياس والجدل.
فلا تنصبن الحرب لي بملامتي ... وأنت سلاحي في الحروب النوائب
стр. 2316
وأجدي من النعنيف حسن معونة ... برأي ولين من خطاب المخاطب
وفي النصح خيرٌ من نصيح موادع ... ولا خير فيه من نصيحٍ مواثب
وكيف يكون نصيحًا وهو مواثب- وقد أصاب جميع الذي طول فيه ههنا، بشار من قبله في بيت واحد:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بري نصيح أو نصيحة حازم
والحازم ليس بمواثب ولكنه ليس بموارب.
ومثلي محتاجٌ إلى ذي سماحة ... كريم السجايا أريحي الضرائب
أي السجايا وجمع هنا كما جمع النقائب من قبل.
يلين على أهل التسحب مسه .... ويغضي لهم عند اقتراح الغرائب
له نائلٌ ما زال طالب طالب ... ومرتاد مرتاد وخاطب خاطب
ورنة هذا البيت من أبي تمام. وعلى هذا فهو أكثر ماء مما تقدمه.
ألا ماجد الأخلاق حر فعاله ... تبارى عطاياه عطايا السحائب
كمثل أبي العباس إن نواله ... نوال الحيا يسعى إلى كل طالب
ونظر ابن الرومي هنا إلى قول حبيب:
تكاد مغانيه تهش عراصها ... فتركب من شوقٍ إلى كل راكب
وعلى أنه لم يرد أن يكون راكب بر وراكب بحر فقد فرع من هذا المعنى قوله آنفًا ومن بعد:
يسير نحوي عرفه فيزورني ... هنيئًا ولم أركب صعاب المراكب
يسير إلى ممتاحة فيجوده ... ويكفي أخا الأمحال زم الركائب
стр. 2317
ومن يك مثلًا للحيا في علوه ... يكن مثله في جوده بالمواهب
وأن نفاري منه وهو يريغني ... لشيءٌ لرأى فيه غير مناسب
قال الشيخ محمد شريف سليم ﵀ في شرحه (ص ٢٧٢/ ٢٧٣). نفاري منه: تباعدي عنه. يريغني: يطلبني، لشيء غير مناسب: لأمر غير ملائم. لرأى فيه أي لما يرى فيه. فعبارة لرأى فيه متعلقة بغير مناسب وتقديم المتعلق على المتعلق جعل في الشطر الثاني من هذا البيت شيئًا من ضعف التأليف المنافي للبلاغة. أ. هـ.
الذي ذهب إليه الشيخ سليم ﵀ وجه.
ولعل وجهًا آخر أن يقال: يريغني لشيء -لشيء جار ومجرور متعلق بالفعل أي يطلبني من أجل شيء يعطينيه مثلًا.
ثم قوله «لرأى» ليس بجار ومجرور ولكنها لام الابتداء المزحلقة بعد إن ورأى خبر إن مرفوع وفيه جار ومجرور متعلق بصفة لرأى وغير مناسب صفة الخبر إن أي إن نفارى منه وهو يريغني من أجل منفعة ينفعني بها وشيء يحبونيه ذلك لعمري رأى غير مناسب.
وعلى هذا فالصياغة مستقيمة ليس فيها ضعف تأليف.
وإلى ههنا نكون قد أوردنا واحدًا وتسعين بيتًا من هذه البائية وذلك نصفها ولا يقدح في هذا أنه قد ذهب مذهب أبي تمام في الإشارة وضمن القسم الثاني بيتًا من النابغة ونصفي بيت وقطعة من بيت بعد ذلك، وذلك قوله:
إذًا لم يقل أعلى النوابغ رتبةً ... لمقول غسان الملوك الأشائب
«علي لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب».
стр. 2318
هذا هو البيت المضمن من النابعة.
وأما نصف البيت فقوله:
ومن أجل ما راعى بين البين قوله ... «كليني لهم يا أميمة ناصب».
وقوله:
ولم يمش قيد الشبر إلا وفوقه ... «عصائب طير تهتدي بعصائب»
وأما القطعة من البيت فقوله:
وفي مستماحي العرب بارق خلبٍ ... ولامع رقراق «ونار حباحب»
فهذه من:
تقد السلوقى المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب
وعندي أن: لمقول غسان الملوك الأشائب
قد وقع فيها خطأ من ناسخ وتصحيف؛ لأن النابغة يقول:
وثقت له بالنصر إذ قيل قد غزت ... كتائب من غسان غير أشائب
فكيف يجعلهم ابن الرومي أشائب أي أخلاطًا جمع أشابة ولا يصح في الملوك بغض النظر عن مقال النابغة الذي أوردناه، أن يوصفوا بأنهن أشائب. وأحسب أن الشيخ سليمًا قد وهم ﵀ إذ قال (ص ٢٨٠ الهامش الأول تابع ٥ ص ٢٧٩): «والأشائب جمع أشابة بمعنى الأخلاط لأن غسان كان منها رهط مختلف من الملوك» قلت هذا التفسير غير واضح مراده منه. ولعل الصواب -والله أعلم-:
لمقول غسان الملوك الأشاهب
стр. 2319
جمع الأشهب وهو من سباع الطير وهو مما يوصف به البازي.
هذا والنصف الذي بقي من القصيدة ليس بدون ما تقدم في نفس الصياغة وطريقة الجدل. وابن الرومي مشهور بطول النفس لا في القوافي الركب الذلل كهذه الباء ذات التأسيس ولكن في ما هو أعوص، كالثاء التي بنى عليها كلمته:
مطايب عيش زايلته مخابثه ... ومقبل حظ أطلقته روابثه
أي محبوساته. فهي من أربعين بيتًا على هذا الروي والجيمية التي بها رثى الطالبي «أمامك فانظر أي نهيجك تنهج» زادت على مائة بيت بعشرة أو نحوها وله في الحاء والخاء وهلم جرا. وقال فيما بين الثلث والربع الأخير من هذه القصيدة البائية.
ألم ترني أتعبت فكري محبكا ... لك الشعر كيلا أبتلي بالمتاعب
نحلتك حليًّا من مديح كأنه ... قوي كل صب من عناق الحبائب
أنيقًا حقيقًا أن تكون حقاقه ... هي الدر لا بل من ثدي الكواعب
وأنت له أهل فإن تجزني به ... أزدك وإن تمسك أقف غير عاتب
فهذا كانتهاءات أبي تمام حيث يقول مثلًا:
خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب
بكرا تورث في الحياة وتغتدي ... في السلم وهي كثيرة الأسلاب
ويزيدها مر الليالي جدة ... وتقادم الأيام حسن شباب
وحيث يقول:
خذها مثقفة القوافي ربها ... لسوابغ النعماء غير كنود
حذاء تملأ كل أذن حكمة ... وبلاغة وتدر كل وريد
стр. 2320
كالطعنة النجلاء من يد ثائر ... بأخيه أو كالضربة الأخدود
كالدر والمرجان ألف نظمه ... بالشذر في عنق الكعاب الرود
كشقيقة البرد المنمنم وشيه ... في أرض مهرة أو بلاد تزيد
يعطى بها البشري الكريم ويحتبي ... بردائها في المحفل المشهود
بشرى الغني أبي البنات تتابعت ... بشراؤه بالفارس المولود
كرقي الأوساد والأراقم طالما ... نزعت حمات سخائم وحقود
وقد نظر ابن الرومي إلى قول حبيب «ابنة الفكر» كما نظر إلى تشبيهاته وبغى أن يزيد عليها جودة وحذقًا. وأبو تمام ألبق وأوفر حظًّا من العقل والاحتراس فقد شبه بأمور مما يهز الممدوح السامع ويطرب له كالطعنة من الثائر وشقيقة البرد والبشرى بالغلام للغني أبي البنات والدر والمرجان في نحور الحسان وما عدا ابن الرومي قول أبي تمام.
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب
في قوله:
«أتعبت فكري ... كيلا أبتلى بالمتاعب»
تشبيهه مديحه بأنه «قوي كل صب في عناق الحبائب» آبدة وزلة.
وهو بعد القائل في هجاء أحد ممدوحيه:
على بن موسى يحب المديح ... ويفزع من صلة المادح
كبكرٍ ترجي لذيذ النكاح ... وتفرق من صولة الناكح
فما عدا أن وصف حلي مديحه بأنه صولة ناكح. وأفسد هذا الظل عليه جناسه من بعد حيث قال «حقيقًا أن تكون حقاقه» والحقاق جمع حقق ومما يبادر مع
стр. 2321
ما سبق أنها جمع حقه بكسر الحاء- ثم جعل الثدي حقاقًا للحلي غير مستقيم. وأتى من قول ابن كلثوم:
وثديا مثل حق العاج رخصا ... حصانًا من أكف اللامسينا
وقد احترس صاحب المعلقة كما ترى بجعله حصانًا إلخ. وقد أكفأه ابن الرومي وجعله وعاء للحلي، وإنما يكون الحلي زينة عليه كما قال الذي هو أحذق منه وأدق:
كالدر والمرجان ألف نظمه ... بالشذر في عنق الكعاب الرود
فدل بقوله الكعاب على ثديها الناهد من دون أن يجعله وعاء.
ويستوقفني في هذه البائية قول ابن الرومي:
حنانيك قد أيقنت أنك كاتب ... له رتبة تعلو به كل كاتب
فدعني من حكم الكتابة إنه ... عدو لحكم الشعر غير مقارب
وإلا فلم يستعمل العدل جاعلٌ ... أجدٌ مجدٍ قرن ألعب لاعب
فهل أجد مجد هو الكاتب؟ ظاهر السياق يدل على ذلك، إذ ما كان ليجعل ممدوحه ألعب لاعب، ولكن يجعل الشاعر ألعب لاعب، فيدل ذلك على مهارته بلعب الكلام، ولا يكلف من كلفة الجد ما يكلفه الكاتب الذي إنما عمله التدبير ومعاونة الأمير والوزير في طبيعة عملهما نفسها؟
ثم هل عد ممدوحه منهجه كتابيًا، فأقام عليه حكم الكتاب من أجل ذلك؟ ثم إن كان ابن الرومي وهو شاعر ينفر من أن يقام عليه حكم الكتاب فلم اصطنع في شعره أساليب الكتاب؟
الجواب عن هذا أن ابن الرومي ﵀ قد كان كاتبًا وشاعرًا معًا، قوي
стр. 2322
التحصيل، عظيم ملكة البيان. غير أن الدولة في زمانه قد اضمحل أمرها. فأصاب من هذا الاضمحلال كلا صنفي الأدب من كتابة وشعر كساد عظيم. غير أن حظ الشعر من هذا الكساد كان أكبر. فكان ذلك يضطر الشعراء إلى أن يجتهدوا في إظهار براعتهم وحذقهم بأشد ما يقدرون عليه من امتراء الطبع وتكلف الصنعة، حتى يستيقن الممدوح أن السلعة جيدة وأنه لن يغبن إن شرى، وإنما كانت قصيدة المدح بالنسبة إلى أمثال ابن ثوابة وأبي الصقر ضربًا من الزينة التي يتباهون بها ... لم تكن أمرًا له من سند السياسة والتحزب والعصبية ما لشعر جرير والفرزدق مثلًا بالنسبة لبني أمية وما لشعر ابن قيس بالنسبة لآل الزبير وما لشعر الكميت بالنسبة لآل البيت، ولا أمرًا من دعاية الملك كشعر مروان بن أبي حفصة وأبي العتاهية بالنسبة إلى الأمر الأول من خلافة بني العباس، ولا من تمام أبهة الملك وسعادته وترفه والدعاية له كشعر أبي نواس ومسلم في الخلفاء وأمرائهم وأبي تمام والبحتري في المعتصم والواثق والمتوكل وكبار رجالات الدولة .. كانت بقية عرف، كما الخلافة كانت بقية خلافة وأمراؤها ووزراؤها كانوا بقية من أمر قد كان وهو الآن آخذ بسبيل الاضمحلال ثم الزوال.
وكان الشاعر يضطر مع اجتهاد في إظهار البراعة إلى أن يطيل لأن المستقى بعيد فلا بد من طول الرشاد للورود، ولأن الدر بكيء فلا بد من مسح بعد مسح ومرى بعد مرى وإبساس بعد إبساس.
وكثيرًا ما احتاج الشاعر مع ذلك إلى أن يشفع شعره بتصريح من الاستجداء الصلت كالذي صنع ابن نباته مع ابن العميد إن صحت رواية التوحيدي وربما آل أمر الشاعر بعد الإخفاق إلى هجاء من كان قصده بالمدح وهذا عند ابن الرومي كثير.
وعل هذا الذي ذكرناه أن يفسر لنا لماذا أطال مهيار الدليمي مدائحه ولماذا
стр. 2323
صنع شعراء الأندلس عند ملوك الطوائف وأهل السيادة والغنى بالأندلس والمغرب مثل هذا الصنع.
كان أبو الطيب المتنبي وممدوحوه بعد أن اشتهر وفلج أمره، وخاصة سيف الدولة، كاشتعالة السراج قبل انطفائه بالنسبة إلى قصيدة المدح. كانت اشتغال قوية أضاءت الظلمات حولها بنور وهاج.
أخذ أبون الطيب من ابن الرومي حب المعاني والغوص عليها وأقدم كمثله على أن يستعمل لغة أهل الكلام والفلسفة، ولكنه لم يجعله قدور في استعمال أساليب الكتاب وتشقيقهم، بل جعل قدوته حرص أبي تمام على الجزالة وخشونة البداوة الفكرية، وشفع أبو الطيب ذلك بأصالة بداوة روحية نابعة من ثورة فؤاد طموح. وتجربة تمردٍ عاتٍ ومخالطة للصحراء وأهلها منذ نعومة الصبا.
وزعم الثعالبي أن هوس الملك وحب السلطان ظل ملازم أبي الطيب حتى تضاعفت عقود عمره وما عدا في استشهاده على هذا الزعم الذي زعمه أشعار المتنبي التي قالها في صباه وأول شبابه نحو:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ونحو:
لقد تصبرت حتى لات مصطبر ... فالآن أقحم حتى لات مقتحم
لأتركن وجوه الخيل ساهمةً ... والحرب أقوم من ساقٍ على قدم
وقول أبي الطيب لكافور:
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية ... فجودك يكسوني وشغلك يسلب
لا يصح الاستشهاد به في هذا الباب ولا أحسب أبا منصور استشهد به، إنما استشهد به بعض نقاد زماننا هذا. وقد ترى أن أبا الطيب ساوى بين الصنيعة
стр. 2324
والولاية فما كان يريد إلا نحوًا من أن يضمن له دعة العيش، على نحو ما صنع الحسن بن وهب لأبي تمام.
وقد صنعوا حكاية نسبوها إلى كافور أنه قال يا قوم من ادعى النبوة على محمد ألا يدعي الملك على كافور. وقد كان أبو الطيب محسودًا كثير الأعداء والخصوم. فلا يستبعد أن يكون هذا بعض ما كيد بشيء يشبهه عند كافور.
والصحيح الذي لا ريب فيه أن أبا الطيب مدح الملوك ولم يطلب السلطان وقد مانت مدائحه بضاعة رائجة يتنافس ملوك الطوائف فيها ليكون لهم منها مثل حظ سيف الدولة.
وقد كانت الحرب التي خاضها أبو الطيب هي حرب القوافي والبيان وهي التي قتلته آخر الأمر وأحيت ذكره كما لم يحي ذكر شاعر من معاصريه. كلمة ابن رشيق: «ثم جاء أبو الطيب فملأ الدنيا وشغل الناس» من الكلام المشهور المحفوظ في هذا.
وقد عرضنا لبداوة أبي تمام الفكرية ولمذهب أبي الطيب في معركة الشعر في كلمتين لنا نشرتا في عددي المناهل بالرباط رقم ١٢ و ١٣، وإنما نذكر ههنا في هذا الكتاب منهما ما نذكره مختصرًا كراهة التكرار.
ومما قد يحسن ذكره هنا أن الثعالبي جعل من مساوئ أبي الطيب ما سماه إساءة الأدب بالأدب. والمتأمل لشعر أبي الطيب واجد أن هذا الذي جعله أبو منصور من مساوئه، هو في الحق سر تفوقه وجوهر إحسانه. وما أحسب أن ذلك قد كان خافيًّا على أبي منصور، ولكنه قد كان صاحب دهاء وتقيةٍ ثعلبية «ومما يدل على هذا المعنى زعمه أن: «واحر قلباه ممن قلبه شبم» توشك أن تدخل في باب إساءة الأدب بالأدب، وقد عدها مع ذلك، وهي بلا ريب كذلك، من محاسنه.
стр. 2325
إساءة الأدب بالأدب شيء نبز به مذهب أبي الطيب في حسر اللثام عن الشاعرية ومكافحة القول بلا تردد ولا تهيب ولا وجل:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فمن شحمه ورم
قالوا عني بذلك أبا فراس. والمعنى أوسع من أن يخص به أبو فراس وحده. فما أكثر من كانوا في مجلس سيف الدولة، وبين من مارسهم أبو الطيب آنئذ ومن قبل، ورمًا يلوح كأنه شحم. وجدير بمن يكون ورمًا في الحقيقة وهو يلوح مثل الشحم أن يغيظه مقال أبي الطيب هذا وأن يزعم أنه قد أساء الأدب بنسبة الغباوة والطيش في الحكم إلى الأمير الذي هو سيد الناس.
بعد أبي الطيب خبت وقدة سراج المدح الوهاجة. واستمرت من بعد ومضات يختلفن بين خابٍ وباهت وثويقب. وقل من ملوك الطوائف من ضاهي سيف الدولة في الفضل والأريحية، أو ضاهي معاصريه كأبي المسك وعضد الدولة مثلًا في مباراة فضله ونداه. هذا بالمشرق. وقد استمر لقصيدة المدح شأن عند ملوك الطوائف بالمغرب. وعراها ما عرا المشرقية من فرط التطويل والجد في إظهار قوة الملك. وقد صنع ابن خميس التلمساني، من رجال القرنين السابع وأوائل الثامن، طويلة على الخاء قارب بها تسعين بيتًا أو زاد وقصد بها العزفيين بسبته فما حظي بطائل. وكان ابن زيدون آخر شعراء المدح الكبار ذوي الحظوة بعدوة الأندلس. وكان المعتمد بن عباد آخر أجواد ملوك الطوائف، وكان امرأً مترفًا مثل ابن المعتز وأبي فراس إلا أنه كان دونهما ملكة شعر وفوقهما مرارة شكيمة مع قساوة مفرطة وشراسة في الانتقام. وكثير من مؤرخي الأدب يرق له إذ سجن بأغمات وعمل ابنه مع الصاغة ولا يرقون للمسكين ابن عمار إذ ضرب على أم رأسه
стр. 2326
بالطبرزين. ولقد كان البطل المجاهد الصالح يوسف بن تاشفين أسمح نفسًا وأرق فؤادًا من المعتمد بلا ريب. ﵏ إنه غفور رحيم.
وإذا الشيء بالشيء يذكر فإن أبيات المعتمد التي أولها:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورًا
مما ينبغي أن ينبه أنه مما يروى لأن قائله كان ملكًا من شأنه كذا وكذا. وكذلك أبيات ابن اللبانة في ابن المعتمد وقد رآه صائغًا بعد الملك:
أذكى القلوب أسى أجرى الدموع دمًا ... خطب وجودك فيه يشبه العدما
وعاد كونك في دكان قارعةٍ ... من بعد ما كنت في قصر حكى ارما
يعني قارعة الطريق.
صرفت في آلة الصواغ أنملة ... لم تدر إلا الندى والسيف والقلما
يد عهدتك للتقبيل تبسطها ... فتستقل الثريا أن تكون فما
يا صائغًا كانت العليا تصاغ له ... حليًّا وكان عليه الحلي منتظمًا
للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى ... يوم رأيتك فيه تنفخ الفحما
وددت إذ نظرت عيني إليك له ... لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى
لح في العلى كوكبًا إن لم تلح قمرا ... وقم بها ربوة إن لم تقم علما
زعم صاحب معاهد التنصيص أن هذه الأبيات من محاسن المبالغة. وعندي أن شأنها قصة من قيلت فيه.
وكان عبد المؤمن بن علي من رجالات المغرب شاعرًا جوادًا ذا بأس شديد وكان ناقدًا ذا بصر في ذلك. رووا أن شاعرًا أنشده كلمة أولها:
ما للعدة جنة أوقى من الهرب
стр. 2327
فأمره ألا ينشده ما بعده واستحسنه وأجازه عليه. وكأنه خشي على هذا المطلع الهجير أن يكون ما بعده دون مستواه. ونحو هذا قد كان كثيرًا عند شعراء ذلك الزمان. منه مثلًا كلمة ابن الأبار التي مطلعها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسًا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
فإن ما بعد هذا البيت من القصيدة على طولها دونه جودة ورنة. وقد فرغ ابن الأبار من كل ما كان يختلج في نفسه أن يقوله في مصراعي هذا البيت وضمنه الشعور القوي الذي كان كأنه يرى به من وراء الغيوب، أن لا سبيل إلى منجاة الأندلس، وأن خيله لن تدركها إلا أن تكون خيل الله التي تدركها وقد قضى الله قضاءه. فقوله بخيلك خيل الله إنما كشيء تمناه.
كان ابن الرومي على تقدمه على زمان أبي الطيب، وانتفاع أبي الطيب بدراية شعره وروايته في الحقيقة إرهاصًا لما سيئول إليه أمر القصيدة بعد أبي الطيب من ضياع ثواب وطول نفس وقلة بهاء.
وقد كثر مقلدو أبي الطيب في ي حياته وبعد مماته. وصدق إذ قال:
ودع كل صوتٍ غير صوتي فإنني ... أنا الطائر المحكي والآخر الصدى
ومن هؤلاء من حرص على أن يضاهيه أو يزيد عليه كالشريف الرضي وأبي فراس الحمداني وأكثر روميات هذا جارى بهن قصائد بأعيانها من أبي الطيب وأخذ ما شاء من معانيه وألفاظه كمجاراته مثلًا لبائية أبي الطيب:
منى كن لي أن البياض خضاب
وفيها يقول:
إذا نلت منك الود فالمال هين ... وكل الذي فوق التراب تراب
стр. 2328
فقال الحمداني:
إذا نلت منك الود فالكل هين إلخ
وكأن حسب أنه بالكل يزيد على قول أبي الطيب فالمال -وقد نقص عن مستواه من جهتي الإيقاع والمعنى هنا.
وحاكى الشريف قول أبي الطيب:
ألا كل ماشية الخيزلي ... فدى كل ماشية الهيدبي
وكل نجاة بجاوية ... خنوفٍ وما بي حسن المشي
فقال في مطلع بائية له:
لغام المطايا من رضابك أعذب ... ونبت الفيافي منك أشهى وأطيب
فالأول خشن جاف جاس وما زاد فيه شيئًا على مقال أبي الطيب وقد فسر أبو الطيب نفديته للناقة بالمحبوبة النسيبية- إذ جلي أن هذا مراده ولم يفعل الرضى شيئًا من ذلك بل حاول أن يؤكد معناه بعجز البيت فأفسده إذ نبت الفيافي معروف بالطيب. فأن يجعله أطيب منها نسبة منه لها إلى عكس طيب الرائحة، على وجه تخالطه معاني ملابسة الواقع. ولا يخفى ما في هذا من فساد المعنى وقبحه.
وقد نظم البحتري قصيدته في الذئب التي أولها:
سلام عليكم لا وفاء ولا عهد ... أما لكم من هجر أحبابكم بد
وأكثر غرضها جار على معنى شكوى الحال والفخر، قال:
يود رجال أنني كنت بعض من ... طوته الليالي لا يروح ولا يغدو
ولولا احتمالي ثقل كل ملمةٍ ... تسوء الأعادي لم يودوا الذي ودوا
ذريني وإياهم فحسبي صرامتي ... إذا الحرب لم يقدح لمخمدها زند
стр. 2329
وجارى بوصف الذئب امرأ القيس وحميدًا والشنفري والمرقش والفرزدق، وباين هذين بأن هو الآكل من لحم الذئب لا الباذل له قرى. وهل كنى بالذئب عن بعض لئام الناس:
طواه الطوى حتى استمر مريره ... فما فيه إلا العظم والروح والجلد
يقضقض عصلا في أسرتها الردى ... كقضقضة المقرور أرعده البرد
سما لي وبي من شجة الجوح ما به ... ببيداء لم تعرف بها عيشة رغد
عوى ثم أقعى فارتجزت فهجته ... فأقبل مثل البرق يتبعه الرعد
فأوجرته خرقاء تحسب ريشها ... على كوكب ينقض والليل مسود
وكان الحذاق من رماة العرب ربما رموا الليل على حسن ركز الصوت وعلى لمع الأعين ومما روى صاحب الكامل يقوله الخوارج:
لا شيء للقوم سوى السهام ... مشحوذة في غلس الظلام
وهل أراد المعري أن يشير إلى مزعم البحتري في هذه الكلمة الذئبية حيث قال هو في طائيته:
ونبالة من بحترٍ لو تعمدوا ... بليل أناسي النواظر لم يخطوا؟
قال البحتري وقد زعم أنه رمى الذئب فجرحه:
فما ازداد إلا جرأة وصرامة ... وأيقنت أن الأمر منه هو الجد
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد
فهذا ينبئ عن آدمي لا ذنب ويكون الرمي والقتل والاشتواء كل ذلك كجازٌ.
فخر وقد أوردته منهل الردى ... على ظمأ لو أنه عذب الورد
ونلت خسيسًا منه ثم تركته ... وأفلت عنه وهو منعفر فرد
стр. 2330
وكأنه يحاكي بالخسيس هنا قول المرقش:
نبذت إليه حزةً من شوائنا ... حياء وما فحشي على من أجالس
فهذا مقال الجاهلي. ومقال الإسلامي:
قبت أقد الزاد بيني وبينه ... على ضوء نارٍ مرة ودخان
وهو مرتاب به، فزعٌ منه وقائم سيفه من يده بمكان.
وأما العباسي المتحضر فأكله وزعم أنه إنما نال منه حزة ليس غير ... فتأمل هذا الانحدار من المرقش ودهره إلى البحتري ودهره.
وختم البحتري بشكوى الدهر.
لقد حكمت فينا الليالي بجورها ... وحكم بنات الدهر ليس له قصد
وشكوى الدهر عند البحتري قد أخلص لها قصيدة كاملة لا يخلطها بمدح وهي السينية وهي كثير عن أبي الطيب. وله قطعة في أسد الفراديس تجري مجرى ذئبية البحتري إلا أنها على قصرها أجود، إذ تحدث فيها عن تجربة حقيقية وذلك أنه مر بمكان سمع فيه الزئير، وفزع أن يصيبه من أسده شر، ثم جعل كل ذلك رمزًا وكنايةً عما كان عليه من أمل ووجل وثورة فؤاد. صرح وكنى معًا، وهي الكلمة التي أولها:
أجارك يا أسد الفراديس مكرم ... فيأمن سار أم مهان فمسلم
ورائي وقدامي عداة كثيرة ... أحاذر من لص ومنك ومنهم
ثم يقول:
فهل لك في حلف على ما أرومه ... فإني بأسباب المعيشة أعلم
إذن لأتاك الرزق من كل وجهة ... وأثريت مما تغنمين وأغنم
стр. 2331
وقد نظر هنا إلى قول القتال في صاحبه النمر:
فأغلبه في صنعة الزاد أنني ... أميط الأذى عنه وما إن يهلل
وقد رجع أبو الطيب عن هذه الأمنية في قوله المشهور كما تعلم:
ومن جعل الضرغام بازًا لصيده ... تصيده الضرغام فيما تصيدا
وقد خلصت لأبي الطيب قصائد في الشكوى وقطع لا يخالطهن مدح منها ميمية الحمى:
ملومكما يجل عن الملام ... ووقع فعاله فوق الكلام
وكان الطبيب البارع التيجاني الماحي (١) ﵀ تعجبه هذه الميمية ويطيل تأمل صفة الحمى فيها ويقول هي الملاريا- ونسميها بدارجتنا الوردة (أي الورد) ويستحسن قول الأخنس بن شهاب التغلبي:
ظللت بها أعرى وأشعر سخنة ... كما اعتاد محمومًا بخيبر صالب
وقول عبدة بن الطبيب:
رس كرس أخي الحمى إذا غبرت ... يومًا تأوبه منها عقابيل
وكان ﵀ يقول إن مرض النبي ﷺ الذي توفى فيه ما كان إلا الورد، فالله أعلم أي ذلك كان وصلى الله على نبينا أفضل صلاة وتسليم وعلى آله وصحبه أجمعين، ورحم الله التيجاني الماحي، أدبيا وعالمًا وطبيبًا، رحمة واسعة أنه سميع مجيب.
стр. 2332
وكأن الذي صنعه البحتري وأبو الطيب من قصائد الشكوى هذه إن كان إلا تمهيدًا لما أخذ فيه الشعراء من بعد من أصناف التأمليات وما أشبه مما يجعله الشاعر خالصًا للشكوى وللفن ولا يعمد فيه إلى المدح.
وقد أصاب أبو العلاء من المدح جانبًا ثم أضرب عنه. وقد نظم في عينيته:
لا وضع للرحل إلا بعد إيضاع
فخاطب بها الإسفرائيني أبا حامد فلم يجد عنده عونًا. وقصيدته في رثاء ذي المناقب والد الشريف الرضي:
أودى فليت الحادثات كفاف ... مال المسيف وعنبر المستاف
كأنها لون من المدح وقد مدح فيها الرضي والمرتضى والمرضي أبناء ذي المناقب.
الموقدي نار القرى الآصال والـ ... أسحار بالأهضام والأشعاف
حمراء ساطعة الذوائب في الذرى ... ترمي بكل شرارةٍ كطواف
وهذا كما فطن الزمخشري يشير به أبو العلاء إلى آية «المرسلات» إلا أنني أحسب جار الله قد جار شيئًا على رهين المحبسين.
وكانت مدائح الشريف من مدحهم بمنزلة الإخوانيات لعلو مرتبته حتى لم يكن فوقه إلا الخليفة وقد ذكر ذلك صريحًا حيث قال:
مهلًا أمير المؤمنين فإننا ... في دوحة العلياء لا نتفرق
إلا الخلافة ميزتك فإنني ... أنا عاطل منها وأنت مطوق
وكانت مراثية بمنزلة المدائح، وحتى فيهن لم يكن ينسى علو منزلته وشرفه كقوله في الصابي:
стр. 2333
ألا تكن من أخوتي وعشيرتي ... فلأنت أعلقهم يدًا بفؤادي
وكقوله في الصاحب:
قد كنت آمل أن أراك فأجتني ... فضلًا إذا غيري جنى أفضالا
وأفيد سمعك منطقي وفضائلي ... وتفيدني أيامك الإقبالا
فهو سيجني من الصاحب لو كان لقيه فضلًا واحدًا وهو جاهه كما فسره من بعد في قوله «وتفيدني أيامك الإقبالا» ولكن الصاحب سيفيد منه منطقه وفضائله من شرف وبركة ويمن، ولا ريب أن الشريف كان يطمع في الخلافة لو وجد إليها سبيلًا، وقد كان لها أهلًا بنسبه الشريف وعلمه وعلو منزلته إلا أنه حرص على منازعة المتنبي لواء الشعر، ولا ريب أن أهليته له كانت دون أهليته للخلافة، ولله در لبيد إذ يقول:
فاقنع بما قسم المليك فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها
هذا، وبعد فمن أصناف التأمليات لزوميات المعري وقد أعجب بها جماعة من المستشرقين أشد الإعجاب لما تضمنته من الطعون في الإسلام وقد صرح نيكلسون بهذا في كتابه عن تأملات المعري وقد ترجم منه قطعًا واختيارات عددًا. وفي اللزوميات أشعار جياد مما ضمنه أبو العلاء غضبة أو حزنًا أو رنة جزالة مثل القطعة الأولى:
أولو الفضل في أوطانهم غرباء ... تشذ وتنأى عنهم القرباء
وبعض ما جاء فيها لم يخل من أنفاس زندقة كقولة:
وقد زوحمت بالجيش رضوى فلم تبل ... ولز برايات الخميس قباء
هل ضلع مع أبي سفيان ووحشي في أحد ههنا أو ضلع مع جيش مسلم بن
стр. 2334
عقبة؟ وبعض ما جاء فيها موغل في الجبر:
إذا نزل المقدار لم يك للقطا ... نهوضٌ ولا للمخدرات إباء
وكأن قد نظر من طرف خفي ههنا إلى قول بشار:
عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعد ما جمحا
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ نعوذ بالله من ذلك ومن الشيطان الرجيم عياذًا.
ومثل القطع التي هجا أو عرض فيها بطارق وهو امرؤ ارتد عن الإسلام فتنصر وقد كان فيما يبدو من حفظة القرآن، وجاوز الثلاثين وتنصر بعد وفاة أمه، فقال أبو العلاء:
ألا هل أتى قبر الفقيرة طارق ... ينبئها بالغيب عن فعل طارق
تنصر من بعد الثلاثين ضلة ... وكم لاح شيب قبلها في المفارق
وكان امرأ ما لم يخل من روح تعصب كره ضلة هذه فجعل مكانها «حجة» في إحدى طبعات اللزوميات، وليست بشيء إذ في الثلاثين دلالة على أنها سنوات. وقد تلتبس حجة بمعنى الحج وليس هذا مراد المعري. وإنما مراده الإشارة إلى ما فسروا به قوله تعالى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فالمغضوب عليهم اليهود والضالون النصارى.
وبلغني في عصورنا هذه عن بعض أهل بلاد المسلمين بأفريقية حج ثم استزله الشيطان فتنصر مرجعه من الحج وحول زاويته فصارت كنيسة وتابعه على ذلك نفر فأدر عليهم مات صنعوا بعض أخلاف الدنيا ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
стр. 2335
ثم يقول المعري في طارق هذا:
وفارق دين الوالدين بزائل ... ولولا ضلال بالفتى لم يفارق
فعاد إلى معنى الضلال كما ترى. ولم يخل من خطأ إذ جعل أمر الدين عصبية نسب، وكأن هذا راجع إلى ما قال به في اللزوميات أيضًا:
وينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ما كان عوده أبوه
ثم أصلح ما أفسده بقوله من بعد يخاطب طارقًا ويذكره أيام كان مسلمًا حافظًا:
عددت زمانًا في السيوف وفي القنا ... فأصبحت نكسًا في السهام الموارق
وحسبك من عارٍ يشب وقوده ... سجودك للصلبان في كل شارق
وما حزن الإسلام مغداك زاريا ... عليه ولكن رحت روحه فارق
تركت ضياء الشمس يهديك نورها ... وتبعت في الظلماء لمحة بارق
صلاة الأمير الهاشمي بمسجد ... أبر وأزكى من صلاة البطارق
مخاريق تبدو في الكنيسة منهم ... بلحن يهم ويحكى غناء مخارق
رأيت وجوهًا كالدنانير أحكمت ... زنانير فانظر ما حديث المفارق
فدونك خنزيرًا تعرق عظمه ... لتوجد كالطائي تدعى بعارق
جعل صلاة الأمير الهاشمي أزكى لعدم الاختلاط وكأنه يتهم طارقًا بأن أغوته امرأة وقوله فانظر ما حديث المفارق لعب لفظي جيد أي نظرت إلى الوجوه وإلى الخصور فانظر إلى الشعور فهذا كله غزل. ثم ضمن هذا لعبًا بقولهم وجوه الحديث ومفارق الحديث، فكأن مراده إذ قال رأيت وجوهًا كالدنانير أحكمت على الخصور الزنانير فتأمل ماذا وراء ذلك من حديث إذن فاكفر وكل الخنزير وسيكون ذلك عارًا عليك فتلقب بعارق من عرقك عظمه كما لقب الطائي عارق بهذا من قبل.
стр. 2336
ولعل خبر ردة طارق هذا يصحح ما زعموه من أن أبا العلاء لقي في بعض أسفار صباه من قسس النصارى من شككه في دينه لما فيه من الدلالة على نشاط مبشري النصرانية في ذلك الزمان ليفتنوا من يقدرون على فتنته عن الإسلام.
ومن كلمات اللزوميات الحسان ذوات الغضب كلمته في قصة المرأة التي أتت الجامع تشكو إلى الناس عدوانًا من أهل الفجور:
أتت جامعٌ يوم العروبة جامعًا ... تقص على الشهاد بالمصر أمرها
فلو لم يقوموا ناصرين لصوتها ... لخلت سما الله تمطر جمرها
فهدوا بناء كان يأوي فناءه ... فواجر؟ للفواحش خمرها
أي كان يأوي إلى فنائه. ولعلها كان يؤوي فناؤه فواجر بالنصب فهذا أجود من حذف الخافض وما أشبه أن يكون من تحريف الناسخ.
وزامرةٍ ليست من الريد خضبت ... يديها ورجليها تنفق زمرها
الزامرة عني بها امرأة. ثم جاء بلعب لفظي استعمل فيه مذهب أهل الفقه والضرر- يقول زامرة بشرية لا نعامة وتسمى النعامة زامرة لأن لها زمارًا فيه ترنيم كما مر من كلام علقمة والريد النعام، ثم ليؤكد إنها امرأة قال خضبت يديها ورجليها للفتنة. ولا يخلو هذا الوصف من فكاهة فقهاء- ثم يقول:
ألفنا بلاد الشام ألف ولادة ... نلاقي بها سود الخطوب وحمرها
فطورًا نداري من سبيعة ليثها ... وحينًا نصادي من ربيعة نمرها
وما العيش إلا لجة باطلية ... ومن بلغ الخمسين جاوز غمرها
ومن أجود كلمات اللزوميات أبيات رثى بها أبا القاسم الوزير. وكان له ذا مودة:
стр. 2337
ليس يبقى الضرب القصير هذا الدهـ ... ـر ولاذو العبالة الدرحاية
يا أبا القاسم الوزير تغيبت ... وغادرتني ثفال رحايه
وتركت الكتب الكثيرة للنا ... س وما فزت منهم منهم بسحاية
إن نحتك المنون قبلي فإني ... منتحاها وإنها منتحايه
إن يخط الذنب الصغير حفيظا ... ك فكم من فضيلةٍ محايه
ولأبي العلاء غير اللزوميات فنون فيما يجري مجرى الفن الخالص والتأمل والبديع مثل ملقى السبيل وما ألفه الألغاز وديوان له يقال له استغفر واستغفري وأحسب منه كلمته:
أستغفر الله في أمني وأوجالي
وقد مر الاستشهاد بها من قبل.
وله الدرعيات وقد نبهنا إلى أمرها من قبل وذكرنا منها قطعًا وقد نشرت لنا كلمة عنها في مجلة المجمع وفي كتابنا «القصيدة المادحة» وأكثر ما هناك منشور في مواضع من هذا الكتاب.
وقد نبهنا إلى مكان الشعر الذي صنعه أبو العلاء على لسان أبي هدرش جني رسالة الغفران.
ولقد كان أبو العلاء ضخم الملكة غزير العلم عجيب البيان. وقد كان شديد التقديم لأبي الطيب. ولا أشك أنه كانت تدفعه إلى طلب التفوق عليه رغبات غير أنه كان أعقل من أن يخدع نفسه أو تخدعه بأنه سيربي عليه.
نتساءل لماذا قدموا أبا الطيب على أبي العلاء، وقد طرق كل فنون الشعر التي طرقها أبو الطيب، وزاد عليه فنونًا- نتساءل على لسان الذين اتبعوا نيكلسون وغيره من المستشرقين في تقديم أبي العلاء؟
والجواب عن ذلك قريب غير عسير إن شاء الله.
стр. 2338
أولًا: إن أكثر شعر الفلسفة وما يذهب به مذهب الكلام مما يكون في الغالب خاليًّا من جمال الشعر. وقد أخذوا على صاحب الزينبية هذا المذهب. ولم يبق بأيدينا من طويلة أبي العتاهية ذات الأمثال شيء كثير إنما بقيت أبيات، وقد ذهبت أكثر الطرافة التي كان يجدها معاصروه غف زهدياته مع أنه ذهب بأكثرها مذهبًا وعظيًّا وجدانيًّا لا جدليًّا فكان ذلك أقرب بها إلى الناس، مثل كلمته:
خانك الطرف الطموح ... أيها القلب الجموح
لدواعي الخير والشر ... دنو ونزوح
لتموتن وإن عمر ... ت ما عمر نوح
وقد نظم اللاحقي كليلة ودمنة فلم يحفظ منها شيء. وقد أورد الجاحظ شعرًا كثيرًا لأصحابه المعتزلة يتحدثون فيه عن مسائل فكرية وكونية في كتابيه الحيوان والبيان، وقل من أصحاب الاختيارات ونقاد الأدب من يهتم بذلك في باب الجودة، مع أن دالية صفوان الأنصاري التي يحتج فيها للأرض على النار لا تخلو من بعض الإحسان.
نبه أبو العلاء إلى أن الشعر متى حمل على وجه الحق أدركه الضعف وإنما يقوى في الباطل، ذكر هذا يعتذر به في مقدمة اللزوميات عما عسى أن يفتقده القارئ فيها من جمال الشعر الجيد. وجانب من هذا الذي اعتذر به لا يخلو من صواب. إلا أنه كله لا يمكن أن يقبل هكذا بلا تأمل ونظر. كثير من الشعر الذي يراد به الحق لا الباطل يجود وتطرب له الأسماع والقلوب.
مثلًا شعر الحكمة الذي تخالطه حرارة روح الفؤاد، مثل قول زهير:
ومن يوف لا يذمم ومن يهد قلبه ... إلى مطمئن البر لا يتجمجم
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... بهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
стр. 2339
الأبيات- وقول طرفة:
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخي وثنياه باليد
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقول علقمة:
بل كل قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عريفهم بأثافي الشر مرجوم
والمال صوف قرار يعلبون به ... على نفاذته وافٍ ومجلوم
وقول عنترة:
نبئت عمرًا غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم
وقول حبيب:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
وكان عبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁ رقيق أنفاس الشعر ساخنها صادق حرارة إيمانها، فهذا شهر لم يحمل على وجه من الباطل، وهو مع ذلك قوي جيد لا ريب في ذلك ما كان منه رجزًا وما كان قصيدًا. وقد ذكروا أنه كان يهجو المشركين بكرهم فكانوا كأنهم لا يبالون بذلك ثم لما أسلم منهم من أسلم تبينت لكثير منهم قوة مذهبه.
وقد ذكروا أن الأخطل لما سمع بيت جرير:
فمالك في نجدٍ حصاة تعدها ... ومالك في غوري تهامة أبطح
زعم أنه لا يبالي بذلك وحق الصليب. وقد نرى أنه بالى لما في هذا القسم من الدلالة على أنه فطن لمراد جرير أن ينفيه من باحة الشرف التي شرفها العرب برسول الله ﷺ وبالإسلام.
стр. 2340
وتأمل حلاوة هذه الأبيات والأشطار ورنة إيقاعهن:
بسم الإله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا
تقول بدى بيدي كيرمي ويبدي كيسعى ويبدو كيرجو وقد استشهد بهذين الشطرين أبو عبيدة في مجاز القرآن. والعجب ممن زعم أن أبا عبيدة كان يلحن مع هذا العلم العميق الغزير. وكان بينه وبين الأصمعي تنافر. وكان هذا مقربًا عند الخلفاء فمن الراجح عند الظن أن يكون هذا ونحوه من دعاية تلاميذ الأصمعي وحزبه وكانوا على ذلك قادرين، والله تعالى أعلم.
وقال ابن رواحة ﵁:
لاهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
إن الأعداء قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينةً علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
وهذه الأشطار مما رواها البخاري في صحيحة كما رويت في السيرة.
وقال:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله
نحن ضربناكم على تنزيله ... كما ضربناكم على تأويله
ضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
وقد تمثل بهذه الأشطار أو ببعضها عمار بن ياسر ﵄ في صفين وقال:
فثبت الله ما أتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرًا كالذي نصروا
وقال:
إذا بلغتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء
فسيري وأربعي وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي
стр. 2341
قال هذا في مسيره إلى مؤتة وبها استشهد وبيده اللواء ﵀ ورضي عنه وأرضاه.
وإذن فالذي ينبغي أن يؤخذ على الأشعار التي يزعم أنه يراد به وجه الحق ثم توجد ضعيفة أنها لم تصدر عن حرارة عاطفة أو عن ملكة جيدة- وإذ ملكة أبي العلاء لا ريب في جودتها، فالذي يؤخذ عليه الوجه الأول مع ما صحب ذلك من الصناعة وتعب العمل.
ثانيًّا: إن أبا العلاء في اللزوميات وفي كثير مما نظمه، لم يعط الشعر من انطلاق النفس وقيادها كمثل ما أعطاه الشعر من الملكة والمقدرة على تجويد الصناعة. وقد فطن ﵀ إلى هذا الجانب من نفسه إذ قال:
خليلي لا يخفى انحساري عن الصبا ... فحلا إساري قد أضر بي الربط
كان أبو العلاء عالمًا ذكيًّا حر الفكر وقد اتهم بالزندقة وكتب الأدب والتراجم التي تذكره يذكر فيها الاستشهاد بما يريب من مقالاته مثل:
هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت ... ويهود حارث والمجوس مضللة
اثنان أهل الأرض ذو عقلٍ بلا ... دين وآخر دينٌ لا عقل له
ومثل:
أتى عيسى فأبطل دين موسى ... وجاء محمد بصلاة خمس
وقبل يجيء دينٌ بعد هذا ... فأودى الناس بين غد وأمس
ويقال إن الإمبراطور فردريك الثاني (٥٨٩ - ٦٤٧ هـ- ١١٩٤ - ١٢٥٠ م) كان يتمثل بمعنى أبيات المعري هذه قالوا وكان يعرف العربية وقيل كان مسلمًا في السر. وقد حاربته كنيسة روما ثم حاربت أسرته من بعده حربًا كبيرة لا هوادة فيها.
стр. 2342
على أن أبا العلاء إنما كان جريئًا مقداما على القول في العموميات من مسائل الفكر والسياسة والاجتماع والدين، والشواهد على ذلك كثيرة، وكان مع هذا كثير الاحتراس، مستعملًا لأسلوب التقية يخاتل به نحو: «وقيل يجيء دين بعد هذا» ونحو:
جائز أن يكون آدم هذا ... قبله آدم على إثر آدم
وقوله:
ما الحج في رأي قوم لست أذكرهم ... إلا بقية أوثان وأنصاب
وأشياء كثيرة من هذا المجرى في اللزوميات ورسالة الغفران.
ولم يكن أبو العلاء جريئًا مقدامًا على القول الصريح فيما يتناول أناسًا بأعيانهم أو قضايا بأعيانها. وقد فطن لهذا من أمره ياقوت حيث أورد المناظرة الرسائلية بينه وبين داعي الدعاة. وجلي أن أبا العلاء آثر التقية والمراوغة. وأما نحو قوله الذي مر في طارق الذي ارتد فإنما جسره عليه أن الرجل قد غيظ منه المسلمون بذلك الصقع أجمعون فكان أبو العلاء في مأمن إذ هجاه وقد سر الناس بما قال وصحح أمر عقيدته عند من عسى أني كون شاكًّا غف أمره، إذ الغضب للإسلام من أدلة صحة العقيدة وصدق الإيمان. ونحو قوله:
أقيمي لا أعد الحج فرضًا ... على عجز النساء ولا العذارى
فما عدا فيه قول من منع النساء من المساجد، ثم قد احتج بقوله:
ففي بطحاء مكة شر قوم ... وليسوا بالحماة ولا الغيارى
ترى أبناء شيبة سادنيها ... إذا راحت لكعبتها الجمارى
قيامًا يدفعون الناس شفعا ... إلى البيت الحرام وهم سكارى
وهذا إنما حكى به بعض ما روى له، وكان في بعد المسافة بين الشام
стр. 2343
والحجاز ما يؤمنه ألا يؤاخذه على مقالته هذه من يغضب لها من خادمي البيت الحرام، وعسى ألا تبلغهم.
وازن بين تحرز أبي العلاء وبين جسارة أبي الطيب حيث يقول:
بأي لفظ تقول الشعر زعنفةٌ ... تجوز عندك لا عرب ولا عجم
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
فهذه مواجهة صارحة وقد قاتل مقالًا بمشهد من زعانف الشعر المعنيين بهذا الهجوم وذوي الورم المحسوم أنه شحم.
وقال بشامة بن الغدير وهو جاهلي. خال زهير بن أبي سلمى:
وخبرت قومي ولم ألقهم ... أجدوا على ذي شويسٍ حلولا
فأمل هلكت ولم آتهم ... فأبلغ أماثل سهم رسولا
بأن قومكم خيروا خصلتين ... كلتاهما جعلوها عدولا
خزي الحياة وحرب الصديق ... وكلا أراه طعامًا وبيلا
فإن لم يكن غير إحداهما ... فسيروا إلى الموت سيرًا جميلًا
ولا تقعدوا وبكم منة ... كفى بالحوادث للمرء غولا
وحشوا الحروب إذا أوقدت ... رماحًا طوالًا وخيلًا فحولا
ومن نسج داود موضونة ... للقواضب فيها صليلا
قال بشامة هذا ونصح قومه وتنحل لهم الرأي، وفيه ما ترى من جراءة، ومن وضوح فهم للقضية وشرح لها: أنتم بين أمرين أن تقبلوا خطة استسلام تكون عليكم عارًا وخزيًّا، وأن تحاربوا من يسومكموها وهم كانوا حتى الآن لكم صديقًا
وإذ لا بد من الاختيار فأنا أختار لكم الحرب، وإن يكن فيها هلاككم، على أن
стр. 2344
فيكم قوة، وكل ذي قوة فليس من حدثان الدهر ولا من حمام الموت بمأمن، فسيروا إلى الموت سيرًا جميلًا- سير شجعان مقدمين على الحرب معدين لها عدتها رماحًا وخيلًا ودروعًا جيادًا.
تربص أبو العلاء وتريث حتى ثار أهل المعرة بصاحب الماخور ثم قال:
أنت جامع يوم العروبة جامعا
الأبيات، وفيها غضبة، ولكنها تتضمن مدحًا لقوم غضبوا قبله، فقال ما قال وهو آمن.
وتأمل قوله لصالح بن مرداس، وقد بعثه قومه بالمعرة شفيعًا فيهم:
ولما مضى العمر إلا الأقل ... وحان لروحي فراق الجسد
بعثت شفيعًا إلى صالح ... وذاك من القوم رأى فسد
فيسمع مني سجع الحمام ... وأسمع منه زئير الأسد
فلا يعجبني هذا النفاق ... فكم نفقت محنة ما كسد
يعني بهذا النفاق، الملق الذي تملق هو به صالحًا في سجعات ذكروها. وقد ذهب أبو العلاء في هذه الأبيات مذهب أهل الزهد والمسكنة- وعسى أن يكون عبر بها عن ندم صادق.
وتأمل أبيات بشامة، كيف رتب على الفكرة الواضحة عنده، إما الذل وإما حرب الصديق، اختيار الحرب ثم فرع من ذلك أمر السير إلى الموت والاستعداد للحرب وألا يقعدوا وبهم منة- ونقول على باب الاستطراد والشيء بالشيء يذكر أن زهيرًا إنما نظر في المعلقة إلى أبيات خاله هذه، حيث قال:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو ... وما هو عنها بالحديث المرجم
الأبيات، فرع من معاني شؤم الحرب وكراهتها ما يشبه في طريقة التفريع
стр. 2345
والتدرج مذهب خاله الذي قدمنا. وعندنا أن جعل زهير تلميذًا لأوس حج أمرٌ فيه نظر. وقد نبهنا القدماء إلى تعلمه الشعر من خاله بشامة في خبر الميراث الذي ذكروه.
هذا ولم يكن المعري جبان القلب، أمرًا حتمًا نقول به، لا ولا منافقًا عن غريزة نفس. ولكنه قد صار ضريرًا. فأكثر تهيبه وتحرزه راجع إلى ضرره. وقد مر بك قوله يعتذر عن ترك الحج:
فقلت إني ضرير والذين لهم ... رأي رأوا غير فرضٍ حج أمثالي
ولقد كان بارعًا ﵀ في الاحتماء بما أتاح له ضرره، وعلمه وذكاؤه وهو ضرير، من أساليب التقية. وقد أمكنه هذا المذهب من التقية من ضروب من حرية القول في الأديان وأحوال المجتمع- ولكنه قد جعل النظم مركبًا ذلولًا، فينبغي التنبيه ههنا على أن شعره إنما هو في سقط الزند والدرعيات وأشياء قليلة بعد ذلك. وقد كان الدكتور طه حسين على شدة حبه لأبي العلاء يرى أن شعره الجيد في سقط الزند. وكان في سقط الزند متبعًا لأبي الطيب وأبي تمام معًا وللبحتري أحيانًا.
واعلم أصلحك الله أن الشعر حق الشعر والتقية لا يجتمعان لأن الشعر من أصل معدنه ألا يتهيب.
وقد كان بشار ضريرًا ولكنه لم يكن صاحب تقية، فجر ذلك عليه أن قتله خليفة كان يسعه عفوه وهو له نديم. وأشد من ذلك جر عليه أن أهمل شعره الذي هجا فيه بعض من له خطر من أهل المقالات في زمانه. وأورد له الجاحظ البيت والبيتين في هجاء واصل:
مالي أشايع غزالًا له عنق ... كنقنق الدو إن ولى وإن مثلا
стр. 2346
وينبغي أن يكون بعض خلصاء بشار قد وصف له هيئة واصل مقبلًا وموليًّا.
عنق الزرافة ما بالي وبالكمو ... تكفرون رجالًا كفروا رجلا
وأتبع ذلك بهجاء من هجوه فأفاض.
وقد كان شعر أهل الزندقة وأهل الأهواء المحفوظ لدى المروي كثيرًا. من شواهد ذلك إثبات أبي العلاء ما أثبت منه في رسالة الغفران ولكنه أضاعه عدم التقية فكره أهل الصلاح روايته من بعد فأضيع.
ومما أعان على بقاء لزوميات أبي العلاء على ما فيها من التقية والعقربيات (بتقديم العين على القاف) ما حلاها به من صناعة البديع ومن الإشارات اللغوية والغريب- وكأن هذا انحراف انحرف به أبو العلاء عن مذهب أبي الطيب لما تبين له أنه غير مستطيعه. وقد كان بهذا أحزم في باب الأدب، وأعلم بحدود ملكته ومدى مقدرته على جسارة الشعر الضرورية للتبريز به والبلوغ مبلغ أبي الطيب وأبي تمام وأبي عبادة من معاصره الشريف الرضي.
وقد افتن الناس في البديع وصناعة الشعر عليه افتنانًا -ما كان لفظيًّا منه وما كان معنويًّا- مثلًا كلمة الأرجاني في صفة الشمعة، التي حاكى بوزنها ورويها أبيات القطاة:
أما القطاة فإني سوف أنعتها ... نعتًا يوافق نعتي بعض ما فيها
وقد أورد صاحب معاهد التنصيص قطعًا منها وهي طويلة- مثلًا منها:
نمت بأسرتار ليلٍ كان يخفيها ... وأطلعت قبلها للناس من فيها
قلب لها لم يرعنا وهو مكتمن ... ألا ترى فيه نارًا من تراقيها
فيهة لم يزل طول اللسان لها ... في الحي يحني عليها خ=حذف هاديها
غريقة في دموع وهي تحرقها ... أنفاسها بدوام من تلظيها
يخشى عليها الردى مهما ألم بها ... نسيم ريح إذا وافى يحييها
стр. 2347
لها غرائب تبدو من محاسنها ... إذا تفكرت يومًا في معانيها
فالوجنة الورد إلا في تناولها ... والقامة الغضن إلا في تثنيها
قد أثمرت وردة حمراء طالعة ... تجني على الكف أن أهويت تجنيها
صفر غلائلها حمر عمائمها ... سودٌ ذوائبها بيض لياليها
وصيفة لست منها قاضيًّا وطرًا ... إن أنت لم تكسها تاجًا يحليها
صفراء هندية في اللون إن نعتت ... والقد واللين إن أتممت تشبيها
قال صاحب المعاهد في التقديم لهذه القصيدة لما اختاره منها (طبعة مصطفى محمد- القاهرة- ١٣٦٧ هـ- ح ٣ - ص ٤٢/ ٤٣): «وله قصيدة يصف فيها الشمعة وقد أحسن فيها كل الإحسان واستغرق سائر الصفات ولم يكد يخلى لمن بعده فيها فضلًا، ولنذكر منها طرفًا منها إلخ».
والمتأمل لأبيات الشمعة هذه واجد فيها مذهبًا بين اللغز والتشبيه- وهذا هو جانب البديع المعنوي فيها، غوص وتصيد. والبديع اللفظي ظاهر في الجناس والطباق والتقسيم وما هو بهذا المجرى.
هذا وقد بلغ الافتنان البديعي أوجه في مقامات الحريري- وقد جمع فيها بين جاحظية بديع الزمان ومعاصريه من بلغاء أهل الرسائل وصناعة أبي العلاء الفلسفية اللغوية الآخذة بمظهر وقار العلماء وسمت جدهم وفكاهتهم.
وقد كتب الدكتور زكي مبارك ﵀ وغيره فصولًا صالحة عن المقامة وأصولها وزعم أن ابن دريد وأحاديثه أصل ذلك. ولعل هذا الوجه الذي ذهب إليه هو الصواب. غير أن في كتب الأدب التي بين أيدينا ما يدل على أن المقامة شيء قديم عرفه العرب في جاهليتهم وإسلامهم. قال زهير:
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
وقال تعالى انبينا عليه أفضل الصلاة والسلام: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
стр. 2348
مَحْمُودًا﴾ والمقامة المجلس وكذلك المقام ولا يكون المجلس مجلسًا إلا وفيه حديث وقد كان في كلتا الدولتين الأموية والعباسية أصحاب مقامات، مثل سحبان وخالد بن صفوان من أهل الخطابة وغيرها من ضروب الوعاظ والقصاص الذين أورد الجاحظ نوادر وملحًا عنهم وأصحاب الكدية ومن إليهم. ومقامات الزمخشري قد نحا فيها نحو الوعاظ وليس له فيها عيسى ولا حارث. وما كان مكان الراوي في نهج البديع والحريري عليه بذي خفاء وهو بعد الذي قال:
«إن الحريري حريٌّ بأن ... نكتب بالتبر مقاماته»
وقد كان بديع الزمان حاد الذهن، ذا جرأة وشر وخبث لسان ودهاء وبديهة وارتجال، نقل الشريشي عن بعض أشياخه أن البديع أملى مقاماته كلها ارتجالًا قال كان يقول لأصحابه في آخر مجلسه اقترحوا غرضًا نبني عليه مقامه فيقترحون ما شاءوا فيملي عليهم المقامة ارتجالًا في الغرض الذي اقترحوه وهذا أقوى دليل إن صح على فضل البديع. أ. هـ.
وإن صح وهو صحيح إن شاء الله تعالى لما عرف من بديهة البديع وفوران مرجله قال البديع لا يكون قد اخترع فن المقامة، ولكنه حاكاه، إذ هو لم يقم بما صنع مقام خطيب سحباني أو صفواني أو مقام مكد ساساني أو واعظ أو قاص- ولكن صنع صناعة أديب يحاكي عمل هؤلاء، على سبيل المباراة والمباهاة والإمتاع. مثلًا في المقامة الأذربيجانية: «قال عيسى بن هشام، لما نطقني الغنى بفاضل ذيله، اتهمت بمالٍ سلبته أو كنز أصبته. فحفزني الليل، وسرت بي الخيل. وسلكت في هربي مسالك لم يرضها السير ولا اهتدت إليها الطير. حتى طويت أرض الرعب وتجاوزت حده، وصرت إلى حمى الأمن ووجدت برده. وبلغت أذربيجان وقد حفيت الرواحل وأكلتها المراحل. ولما بلغتها:
نزلنا على أن المقام ثلاثة ... فطابت لنا حتى أقمنا بها شهرًا
стр. 2349
فبينا أنا يومًا في بعض أسواقها إذ طلع رجل بركوةٍ اعتضدها وعصا قد اعتمدها ودنيةٍ قد تقلسها، وفوطة قد تطلسها. فرفع عقيرته وقال: اللهم يا مبدئ الأشياء ومعيدها، ومحيي العظام ومبيدها، وخالق المصباح ومديره، وفالق الإصباح ومنيره، وموصل الآلاء سابغة إلينا، وممسك السماء أن تقع علينا. وبارئ النسم أزواجًا، وجاعل الشمس سراجًا، والسماء سقفًا والأرض فراشًا، وجاعل الليل سكنًا والنهار معاشًا. ومنشئ السحاب ثقالًا، ومرسل الصواعق نكالًا. وعالم ما فوق النجوم، وما تحت التخوم. أسألك الصلاة على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين، وأن تعينني على الغربة أثنى حبلها، وعلى العسرة أعدو ظلها، وأن تسهل على يدي من فطرته وأطلعته الطهرة، وسعد بالدين المتين، ولم يعم عن الحق المبين، راحلة تطوي هذا الطريق، وزادًا يسعني والرفيق. قال عيسى بن هشام: فناجيت نفسي بأن هذا الرجل أفصح من إسكندرينا أبي الفتح، والتفت لفتةً فإذا هو والله أبو الفتح. فقلت يا أبا الفتح بلغ هذه الأرض كيدك، وانتهى إلى هذا الشعب صيدك، فأنشأ يقول:
أنا جوالة البلا ... د وجوابة الأفق
أنا خذروفة الزما ... ن وعمارة الطرق
لا تلمني لك الرشا ... د على كديتي وذق»
أ. هـ.
فهذه كما ترى مقامة مكد غير أن البديع إنما كان معلمًا يحكي بصناعة بيانه مقامة المكدين.
على هذا تكون المقامة شيئًا بين القصص والدرامة ثم لا هو بقصص ولا بدرامة. إما كونها ذات طبيعة قصصية لأن السياق خبرٌ وحكاية عن أشخاص وأحداث. وإما كونها ذات طبيعة درامية لأنها تحكي حال أشخاص من طريق مقال
стр. 2350
على ألسنة مزعومة لهم. وإما كونها غير قصصية لأن قوام القصة على العقدة والعقدة هنا معروفة منذ البدء ان المتكلم مكد وهو أبو الفتح وأن الراوي سيفطن أو قد فطن له. اللهم إلا أشياء شذت كخبر الهزبر وبشر، والقصد إلى الإمتاع بخبر قصير أو نادرة أغلب وأظهر من القصد إلى إيراد حكاية قصة متسلسلة الأحداث منيرة العقدة محكمتها. وإما كونها غير درامية لأنها رواية مملاة ليستمتع ببلاغتها كما يستمتع ببلاغة الرسائل والخطب والقصائد وليست مرادة للتمثيل بالفعل أو بالقوة أو على سبيل التوهم.
المقامة فن جاء به البديع للإمتاع وللسخرية من أناس بأعيانهم وأحوالٍ بأعيانها في عصره وتقمص به من طريق الإملاء في مجالسه قميص صاحب المقامة المكدي، واستعمل أسلوب أصحاب الحديث والجد في العلوم فأسند كلامه إلى راوٍ مزعوم عن بطل مزعوم، الراوي عيسى بن هشام، والبطل أبو الفتح الإسكندري، نسبة إلى إسكندرية الأندلس، بلدة كانت بالوادي الكبير درست معالمها كما ذكر الشيخ محمد عبده ﵀ في شرحه.
وسوغ له هذا الوجه ما كان من مذهب العرب في الرواية في الشعر والأخبار. وكان قد ألمع إلى هذا من مذهبه حيث زعم في إحدى مقاماته أن راويه عيسى بن هشام لقي عصمة الفزاري راوية غيلان ذي الرمة، وهي المقامة الغيلانية. وعيسى بن هشام والإسكندري كلاهما جعله البديع كناية عن نفسه ليتقمصه ويملي ما عن له وما اقترح عليه على لسانه. وأن يقترح عليه أشبه لما كان مطبوعًا عليه من الجرأة والدهاء والسخرية والهجاء، ولا يخفى أن المقترحين يعمدون إلى أحداث وأحوال وأشخاص مما يعهد فيلتمسون أن يجعله البديع بعبقريته موضوع مقامة.
وكون البديع هو عيسى وأبو الفتح كلاهما، سوغ له مثل إيراد خبر بشر