ينظموا الرجز في أغراض القصيد، ولجوا في ذلك أيما لجاج، فاتخذوا القصائد الجاهلية والمخضرمة -كمنظومات لبيد والشماخ- نموذجًا يحذونه. وأعانهم على هذا اللجاج ما نفق بين طوائف أهل الأدب ولا سيما النحاة من حب الغريب. فكان الرجاز يمدون هؤلاء العلماء والنحويين بضالتهم من الألفاظ النادرة والتراكيب الغريبة، وربما تزيدوا واخترعوا. وقد سمى العجاج، أو ابنه، نفسه في بعض أراجيزه نحويًا. فهذا يقوي ما نزعمه.
والذين ثبت لهم السبق في الرجز من الإسلاميين الأوائل أبو النجم العجلي وذو الرمة والعجاج ورؤبة. أما العجاج ورؤبة فعندي أنهما خرجا بالرجز عما أريد له من الخفة والترنم، لأنهما التزما فيه الإطالة المملة مع تعمد للقوافي الصعبة، واستكثار من الأوابد اللفظية، ولم يخرجا في كل ما نظماه عن محاكاة الشماخ ولبيد وليس في نظمهما الكثير ما يستحق الحفظ، اللهم إلا من حيث الفائدة اللغوية إلا قافية رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوية المخترق
فقد أحسن فيها كل الإحسان في صفة الحمار الوحشي - ولعل سر إحسانه أنه ذهب مذهب الحداء المطلق، واهتم بجرس الألفاظ، حتى لتكاد تسمع حركة الحمار ونهيقه منها، تأمل قوله:
حشرج في الجوف سحيلا وشهق
حتى يقال ناهق وما نهق
وقوله في الحمار:
إذا تتلاهن صلصال الصعق
يرمي الجلاميد بجلمود مدق
أي يصيب حجارة الصحاري بحافر له هو نفسه كالجلمود. وقد أعجب أبو
стр. 282
مسلم صاحب الدولة بهذه القصيدة جدًا، وقال لرؤبة وهو ينشده إياها: "أنا ذلك الجلمود المدق".
ومذهب أبي النجم وذي الرمة أسلم من مذهب العجاج وابنه، فالأول لم يخرج بنظمه -مع إطالته- عن مجرد الترنم، وما تجده في كلامه من الغريب فهو سليقي غير متكلف، إذا قد كان الرجل بدويًا قحا (١)، ومن خير ما نظمه أرجوزة في الحلبة أرودها صاحب العقد [١٧٢: ١] وهي غاية في الجودة، وإياها احتذى أبو نواس في طردياته المشهورة (٢):
أما ذو الرمة فكان رجلًا يعيش في الجاهلية بقلبه وعقله، وكان شديد المحاكاة للجاهليين والسرقة منهم ولا سيما في وصف البادية والإبل والآرام، وكان مغرمًا بالصحراء ومظاهرها - غرامًا ما أحسبه كان طرفًا من حبه للجاهلية ونزعته الرجعية، يدلك على ذلك إفراطه في اتباع التشبيهات الجاهلية مع اجتهاد متعمد منه ليحسنها ويوضحها وللرجل في هذا المضمار مذهب لفظي خاص كأنما كان يتنبأ به عن الإغراب الذي جاء به أبو تمام فيما بعد. وهاك منه على سبيل المثال قوله (٣)
وتيها تودي بين أسقاطها الصبا ... عليها من الظلماء جل وخندق
стр. 283
غللت المهارى بينها كل ليلة ... وبين الدجى حتى أراها تمزق
وعندي أن ذا الرمة كان يرتاح من القصيد إلى الرجز، إذ كان يهتم ويجد في نظم القصيدة ويتكلف التجويد. أما الرجز فكان يلقي الكلام فيه مترنمًا بلا كلفة. ولهذا فقد كان رجزه يتدفق سلسًا حلوًا، يقل فيه الإغراب بالنسبة إلى غيره من نظم الرجاز مثال ذلك أرجوزته:
هل تعرف المنزل بالوحيد ... قفرًا محاه أبد الأبيد
وفيها يقول:
يا مي ذات المبسم البرود ... بعد الرقاد والحشي المخضود
والكشح من أدمانة عنود ... عن الظباء متبع فرود
أهلكتنا باللوم والتفنيد
ويقول:
قد عجبت أخت بني لبيد ... وهزئت مني ومن مسعود
رأت غلامي سفر بعيد ... يدرعان الليل ذا السدود
ويقول في قصر الصلاة وكان من المحافظين على أوقاتهم:
إذا حدوهن بهيد هيد ... حتى استحلوا قسمة السجود
والمسح بالأيدي من الصعيد
ولاميته التي مطلعها:
ما هاج عينيك من الأطلال ... المقفرات بعدك البوالي
غيرها تقادم الأحوال ... وغير الأيام والليالي
حلوة النغم رشيقة الجرس، وقد مثل فيها كل ما تعرضه البادية من حسن
стр. 284
ومخافة في يسر وسلاسة مع لفظ شريف وصناعة متينة. خذ قوله مثلا:
إذا خرجن طفل الآصال ... يركضن ريطا وعتاق الخال (١)
سمعت من صلاصل الأشكال ... والشذر والفرائد الغوالي
أدبا على لباتها الحوالي
وقوله:
ومهمه دواية مثكال ... تقمست أعلامه في الآل (٢)
تسمع في تيهائه الأفلال ... عن اليمين وعن الشمال
فنين من لهاله الأغوال
ومذهب جرير في الرجز قريب من مذهب ذي الرمة، إلا أنه أبرع القصيد، ورجزه في جملته دون قصيده في الجودة.
ومن المحدثين جماعة تعاطوا الرجز وأطالوا فيه - من هؤلاء بشار بن برد، فقد أكثر من الرجز، وكان فيه كثيرًا ما يتشبه بمذهب جرير والتكلف ظاهر في أرجوزته؛ [ديوانه ١٤٣: ١].
عوجا خليلي لقينا حسبا ... من زمن ألقى علينا شغبا
وأرجوزته [نفسه ١٤٠: ١].
يا دار بين الفرع والجناب ... عفا عليها عقب الأعقاب
وقد حاكى بشار ذا الرمة في أبيات من الثانية كقوله:
وقد أراهن على المثاب ... يلهون في مستأسد عجاب
سهل المجاري طيب التراب ... حور العيون نزه الأحباب
فهن أتراب إلى أتراب
فهذا ينظر من بعد إلى قول ذي الرمة: "إذا خرجن طفل الآصال"، وقد سبق ذكره مع أشطار. وفي هذه البائية شطر سلخه بشار سلخًا من ذي الرمة وهو قوله:
فانقلبت والدهر ذو انقلاب
стр. 285
فهو من قول غيلان: "فاستبدلت والدهر ذو استبدال"، والسرقة في تركيب اللفظ ورصفه هنا، إذ المعنى معروف ليس فيه ابتكار، ولم يخل بشار من اتباع للعجاج وابنه لا سيما في المدح. تأمل قوله:
فالآن ودعت الفتو الحزبا ... أعتبت من عاتبني أو سبا
وراجعت نفسي حجاها عقبا ... وملك يحبي القرى لا يجبى
ضحم الرواقين إذا اجلعبا ... يخافه الناس عدًا وصحبا (١)
كما يخاف الصيدن الأزبا ... صب لنا من وده واصطبا (٢)
وفي الأخرى يقول:
يا عقب يا ذا القحم الرغاب ... في الشرف الموفي على السحاب (٣)
يربي على القوم بفضل الرابي ... وأنت شغاب على الشغاب
للخطة الفقماء آب آبي
وهذا، وإن كان ليس فيه غريب كثير، فإن فيه نفس رؤبة وأسلوبه. وخير أراجيز بشار هي داليته التي أوردها صاحب الأغاني على تمامها، وذكر أن سبب نظمها هو أن عقبة بن رؤبة تحدي بشارًا بمجلس عقبة بن سلم. وهي من أحلى شعر بشار.
стр. 286
مع سلاسة ودماثة قل نظيرها عنده، فقد كان الرجل جافًا، خشن الروح, مبغضًا للناس، ومما يختار له فيها (١):
واهًا لأسماء ابنة الأشد ... قامت تراءى إذ رأتني وحدي
كالشمس تحت الزبرج المنقد ... صدت بخد وجلت عن خد
ثم انثنت كالنفس المرتد ... عهدي بها سقيا له من عهد
تخلف وعدًا وتفي بوعد
وليس في هذا الكلام من عمق ولا ابتكار، ولكن لفظه ناصع. ولعله لم يحسن في هذه الأشطار حق الأحسان إلا في الأخيرين.
وقد شفت بعض أبياته عن كراهيته المتأصلة لبني آدم، وذلك قوله:
وصاحب كالدمل الممد ... حملته في رقعة من جلدي
حتى مضى غير فقيد الفقد ... وما درى ما رغبتي من زهدي
ولكن هذا السخط على شدته مقبول، لأنه ينم عن ألم ممض. ولا يدري الناقد إن كان عنى بشار بهذا الصاحب البغيض "زوجه" فقد ماتت قبله، إذ لا يذكر النقاد أن أحدًا تبع جنازته غير أمة له عجوز، أم أحد إخوانه الذين كانوا يلبسون ثيابه فيملئونها قملا ووسخا وهو يحتمل ذلك منهم ولا يشكو؟ !
وأبو نواس أبرع في الرجز من بشار، لأنه لم يسلك به مسلك القصيد من ذكر الأطلال إلى النسيب والمدح كما فعل بشار. وإنما سلك به في الغالب مسلك الحداء والطرد.
وكذلك فعل أبو تمام في أراجيزه المطرية؛ فقد كان الرجل من البصر بالشعر،
стр. 287
وسلامة الذوق، بحيث أدرك بفطرته أن الرجز لا يصلح إلا للوصف المستخف والترنم، والأشياء التي تجري مجرى الحداء. وقد سمع ابن الأعرابي -وهو من هو في حب القديم والمحافظة على أساليب العرب- قطعة من أرجوزته المطرية المطرية التي يقول فيها (١):
لما بدت للأرض من قريب ... تشوقت لوبلها السكوب
تشوق المريض للطبيب ... وطرب المحب للحبيب
وفرحة الأديب بالأديب ... وخيمت صادقة الشؤبوب
فقام فيها الرعد كالخطيب ... وحنت الريح حنين النيب (٢)
فالشمس ذات حاجب محجوب ... قد غربت في غير ما غروب
الخ
لما سمع ابن الأعرابي هذه الأرجوزة طرب لها، واستكتبها بعض الحاضرين، ثم لم أخبر أنها لأبي تمام قال لكاتبه: "مزق مزق"، وهذا من نادر التعصب.
ودالية أبي تمام:
حماد من نوء له حماد (٣)
لا تقل عن البائية في الجودة، ومما يعجبني فيها قوله:
هدية من صمد جواد ... ليس بمولود ولا ولاد
ممنوعة من حاضر وباد ... حتى تحل في الصعيد الثادي
فهذا من جوهر الرجز.
стр. 288
ومن حذق أبي تمام أنه لم يسرف في الإطالة كما كان يفعل بشار وغيره من المحدثين.
وقد اتبع البحتري نهج أبي تمام في مطريته:
ذات ارتجاز بحنين الرعد
وهي مشهورة ومن المختارات المدرسية.
ومطريات أبي تمام تدخلنا في باب من الرجز أستحسن أن أطلق عليه اسم "رجز الطبيعة". وهو من الشعر الخفيف الذي لا يعدو وصف الأزهار والمواسم كالصيف والخريف. وقد أكثر فيه المحدثون ولا سيما في أخريات القرن الثالث. وفي اليتيمة قطع صالحة منه؛ بعضها في وصف الفصول، وبعضها في صفة الشراب. وقد اختار أبو منصور الثعالبي لأبي فراس الحمداني أبياتًا عدة في جزئه الأول من هذا القبيل (١) ولابن الرومي أراجيز كثيرة في المأكولات كالموز والعنب وما بمجراها. وأبياته الرازقية:
ورازقي مخطف الخصور
مشهورة معروفة. وفيها لفتات بارعة كقوله: "كأنه مخازن البلور"، يعني العنب الرازقي. ولعلك تلاحظ أن هذا التشبيه خارج من الذهن لا من القلب الشاعر الصادق الحرارة - وكذلك أكثر شعر ابن الرومي كما أسلفت.
هذا، والغالب على أراجيز الطبيعة أن تكون مزدوجة الأبيات، أي كل شطرين منها بقافية موحدة، كما في كلمة أبي إسحق الصابي عن الببغاء:
أنعتها صحبية مليحة ... ناطقة باللغة الفصيحة
стр. 289
غدت من الأطيار، واللسان ... يوهمني بأنها إنسان
تنهي إلى صاحبها الأخبارا ... وتكشف الأسرار والأستارا
سكاء إلا أنها سميعه ... تعيد ما تسمعه طبيعه
وربما لقنت العضيهه ... فتغتدي بذيئة سفيهه
زارتك من بلادها البعيده ... واستوطنت عندك كالقعيده
ضيف قراه الجوز والأرز ... والضيف في أبياتنا يعز
تنظر من عينين كالفصين ... في النور والظلمة بصاصين
تميس في حلتها الخضراء ... مثل الفتاة الغادة العذراء
خريدة خدورها الأقفاص ... ليس لها من حبسها خلاص
نحبسها وما لها من ذنب ... وإنما نحبسها للحب
تلك التي قلبي بها مشغوف ... كنيت عنها واسمها معروف
نشرك فيها شاعر الزمان ... والكاتب المعروف بالبيان
وذك عبد الواحد بن نصر ... تقيه نفسي عاديات الدهر
لواحد هذا هو أبو الفرج الببغاء (١)
التعليمي
والحديث عن الرجز المزدوج يخرج بنا إلى الحديث عن الرجز التعليمي.
ما لدينا من الرجز المزدوج خطبة طريفة، قالها الوليد بن يزيد، وهي تجري الحكم والأمثال. روى صاحب الأغاني (٧٧: ٧) قال: إن الوليد بن يزيد كان يحاب له على الشراب، فقيل له: إن اليوم يوم الجمعة، وقد حان وقت الصلاة والله لأخطبنهم بشعر. فصعد المنبر فقال:
стр. 290
الحمد لله ولي الحمد ... أحمده في يسرنا والجهد
وما جاء العهد العباسي حتى كان فن الرجز المزدوج قد رسخت قدمه وفشا أمره. فنظم أبان بن عبد الحميد اللاحقي أرجوزة في الفقه، وأخرى حول بها كتاب كليلة ودمنة من منثور إلى موزون مقفي، ومطلعها:
هذا كتاب أدب وفطنه ... وهو الذي يدعي كليل ودمنة
ونظم أبو العتاهية أرجوزته الطويلة المسماة ذات الأمثال، وقد ضاع أكثرها فلم تبق منها إلا أبيات نحو:
إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة
يا للشباب المرح التصابي ... روائح الجنة في الشباب
وقد أكثر الناظمون بعد ذلك من هذا الفن حتى نظموا فيه لا في النحو والفقه والأمثال فحسب، ولكن في الرياضيات والمنطق وغير ذلك من العلوم. وقد سجل الخليفة الأديب الشهيد عبد الله بن المعتز أحداث عصره في مزدوجة طويلة. واحتذى حذوه ابن عبد ربه في العقد (الجزء الرابع) فنظم تاريخ الأندلس. وقد أثنى الدكتور أحمد أمين ثناء حسنًا على أرجوزة ابن المعتز في كتابه ظهر الإسلام وقال ما فحواه: إنها تسد بعض النقص في الشعر العربي من حيث إنه خال من الملاحم الشعرية (١).
ولولا ما اتصف به العلامة أحمد أمين من الجد في البحث وصدق الحدس ونفاذ البصيرة، لم يكن الناقد لينوط كبير اهتمام بملاحظته هذه. وآمل ألا يكون العلامة أحمد أمين قالها وهو جاد حقًا - أعني وهو يعتقد أن في أدب العربية نقصًا عظيمًا من حيث خلوه من الملاحم. فللعرب أسلوب في النظم يختلف اختلافًا ظاهرًا عن أسلوب
стр. 291
العجم. ولا يستطيع أحد أن يعيب الشعر الإنجليزي مثلا بأنه خال من نعت الأطلال والبكاء على الدمن، كما لا يستطيع أن يزعم أن قصيدة "جون كيتس" في "البلبل" تسد نقصًا في الشعر الإنجليزي لأنها تذهب إلى قريب من مذهب القصيدة العربية لاستهلالها بشيء شبيه بالنسيب والغناء الحزين من ذكر الهم والأشجان ونعت الخمر وصفتها بالعتق، وأنها خبئت في عمق الأرض.
على أن مزدوجة ابن المعتز لا يصدق عليها الوصف بأنها ملحمية اللون أبدًا، وفي الشعر العربي قصائد أخرى كثيرة، أكثر وأقوى شبهًا منها بالشعر الملحمي العربي، كلامية أوس بن حجر في السلاح والشطر الأكبر من لامية المزرد المفضلية، وكقصائد أبي تمام (١).
آلت أمور الشرك شر مآل ... وأقر بعد تخمط وصيال
و(٢):
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
و(٣):
الحق أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار
وكقصيدة البحتري (٤):
أأفاق صب من هوى فأفيقا
стр. 292
ولا أريد بهذا الاستدراك أن أنتصف للشعر العربي مدافعًا بأنه ليس بناقص من ناحية الملاحم، فليس خلوه من الملاحم والمسرحيات بنقص فيما أرى وهذا حديث يطول ولنا إن شاء الله إليه عودة في باب آخر.
هذا ومما يناسب ذكره هنا، أن الرجز التعليمي قد جنى جناية عظيمة على بحر الرجز، فصار الشعراء الفحول يتحامونه، وقل منهم من يستريح إليه. وبحسبك أن تنظر في أشعار المتنبي فإنك لا تجد الرجيز بينها إلا كالغريب مع أنه أجاد كل الإجادة في لاميته (١)
ما أجدر الأيام والليالي ... بأن تقول ما له ومالي
والمعري على مقدرته في الصناعة لم يلم به إلا يسيرًا. وكأنما رضي الشعراء بأن يتركوا هذا البحر الرشيق الخفيف الروح الحدائي المزاج لنظام الألفيات وما بمجراها، يعبثون به ما شاءوا، وفات الشعراء أن هؤلاء المعلمين ما اتخذوا الرجز مركبًا ذلولا إلا لما وجدوه من حلاوة نغمه وخفته في الإنشاد. ولأمر ما تجد التعليميات التي نظمت في غير الرجز، ثقيلة جدًا، كلامية الأفعال مثلا.
ومن عجيب الأمر أن التعليمات الرجزية على كثرتها لم يتأت فيها شعر جيد يستحق الاختيار. وقد حاول ابن الهبارية في منظوماته "الصادح والباغم" (٢) أن يمزج عنصر التعليم بالخيال، ولكن لم تكن ملكته من الطراز العالي، ولم تواته الإجادة إلا في أشياء نادرة كقطعته:
إني رأيت أحد الذئاب ... قام خطيبًا في وحوش الغاب
وقد سلمت له أبيات وأشطار تعد على الأصابع، سارت مسير الأمثال نحو:
стр. 293
إن العظيم يركب العظائما
ونحو:
وقد علمت واللبيب يعلم ... بالطبع لا يُرْحم من لا يرحم
ونحو:
ومن أغاث البائس الملهوفا ... أغاثه الله إذا أخيفا
وقد أدلى المرحوم شوقي دلوه مع أصحاب المدوجات التعليمية في ديوانه الرابع وفي تاريخه لملوك العرب، ولم يوفق في الأول كما وفق في الثاني؛ فإني أحسبه بذ جميع أصحاب المزدوجات بما نظمه في سيرة الإمام التي يستهلها بقوله:
أما الإمام فالأغر الهادي ... حامي عرين الحق والجهاد
وما نظمه في خبر عبد الله بن الزبير حيث يقول:
وضاق عبد الله عن عبد الملك ورأيه الوضاء في الخطب الحلك
فهذا الجزءان من تأريخه لملوك العرب فيهما شعر صاف لا مدفع لذلك.
وقد سلك الشيخ عبد الله محمد عمر البناء مسلك ابن الهبارية في بعض مزدوجات (١) نظمها لتلاميذ المدارس الأولية بالسودان. جاء فيها بأمثال وحكم على ألسنة الحيوان ومن خيرها محاورة جعلها بين بدوي وحضري حلوة فكهة، يقول فيها البدوي للحضري:
الشأن والمعزى تحوم حولنا ... نحبها كحبنا أطفالنا
وبقر الحي لها دوي ... كأنما قرنها العصي
стр. 294
ويقول الحضري للبدوي:
يا بدوي عيشكم جديب ... يزوركم في كل يوم ذيب
فسر معي أدخلك في المدينة ... وانظر إلى خيراتها والزينة
تلق بها الطب وجمع المال ... ومسرح الآداب والجمال
أبناؤنا شغلهم المدارس ... بهم يعز القطر والمجالس
ولا يسع المرء إلا أن يقول على وجه الإجمال إن الشعر التعليمي تغلب عليه الرداءة والجفاف إلا ما ندر كمنظومات الشيخ البناء والصابي وشوقي، وهذا لا حكم له.
هذا, وقد حاول بعض المعاصرين أن يحيوا من موات الرجز ويعودوا به إلى حالته المشطورة القديمة قبل أن يعبث به التعليميون. من هؤلاء المرحوم الرافعي؛ في بعض هجائياته، والأستاذ العقاد في قطع من ديوانه الأول. ومن عجيب الأمر أن الدكتور طه حسين، وهو لا ينظم الشعر، قد جاء بشيء منه في أثناء كتابه "على هامش السيرة" الأول (١)، وهو قوله:
لا هم قد لبيت من دعاني ... وجئت سعي المسرع العجلان
يتبعني الحرث غير وان ... ثبت اليقين الصادق الإيمان
لا هم فتلصدق لنا الأماني
وفي الشعراء السودانيين المعاصرين جماعة يحسنون هذا الصنف من النظم. ولكنهم يذهبون به مذهب البداوة. وذلك يناسب السودان، وإن كان لا يناسب كثيرًا غيره من بلاد العربية. ولا يحضرني شيء من أشعارهم فأستشهد به.
стр. 295
وخلاصة القول أن الرجز من الأوزان العذبة، وقد كان وزنًا شعبيًا ولا تزال تجده في الأوزان العامية. ولا يصلح للتطويل والاحتفال، وإنما يصلح للقطع وما بمجراها مما يراد به الترنم والهجاء ونحو ذلك ولا يقصد به العمق والتأمل. وكما يود الناقد أن يتنبه المعاصرون من الشعراء للرجز فيجعلوا منه وزنًا يرتاحون إليه من الجد والتقصيد. كما يود الناقد أن لو رجع به الشعراء إلى عهده الأول من قصر النظم على القطع دون المطولات كما كان يفعل الجاهليون. فطبع الرجز نفسه ينفر عن التطويل.
ولأمر ما كان المعري مغيظًا على رؤبة وأصحابه حتى إنه أسكنهم ناحية حقية من جنته في رسالة الغفران، واحتج بأن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها، وأن الرجز من رديء الشعر وسفاسفه (١). وما أظن المعري عنى بحر الرجز في ذاته، لا ولا الأراجيز القصار التي نجدها في أخبار أيام العرب، وسير الخوارج وغيرهم من رجال الإسلام وأصحاب الملاحم، وإنما عنى فيما رأى، ذلك الرجز المطول، ذا الألفاظ الغريبة والنسج الجافي، الذي كان ينظمه رؤبة ودكين وأضرابهما. ويصحح مزعمي هذا أن المعري كان يكثر من الاستشهاد بالأشطار من الرجز في رسائله وكتبه، ولا يصدر مثل هذا الاستشهاد إلا عن إعجاب.
وأختم كلمتي هذه عن الرجز بإيراد أشطار منه أستحسنها غاية الاستحسان مثل قول الراجز:
يا صاح هل تعرف رسمًا مكرسا ... قال نعم أعرفه وأبلسا
وانحلبت عيناه من فرط الأسى (٢)
стр. 296
وقال أصحاب الجمل:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل ... الموت أحلى عندنا من العسل
نبكي ابن عفان بأطراف الأسل ... ردوا علينا شيخنا ثم بجل
وقال ابن مطيع في يوم ابن الزبير بالحرم:
أنا الذي فررت يوم الحرة ... والحر لا يفر إلا مرة
فاليوم أجزى كرة بفرة ... لا بأس بالكرة بعد الفرة
وقال عمرو بن سالم الخزاعي يخاطب رسول الله ﷺ :
إن قريشًا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعًا وسجدا
فانصر هداك الله نصرًا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا ... إن سيم خسفًا وجهه تربدا
وقال هاشم بن عتبة في يوم صفين:
أعور يبغي أهل محلا ... قد عالج الحياة حتى ملا
يتلهم بذي الكعوت تلا ... لا بد أن يفل أو يفلا
كلمة عن الكامل
بحر الكامل التام ثلاثون مقطعًا، ولكنه لا يجيء تامًا في الغالب. وهو أكثر بحول الشعر جلجلة وحركات. وفيه لون خاص من الموسيقا يجعله -إن أريد به الجد- فخمًا جليلا مع عنصر ترنمي ظاهر، ويجعله إن أريد به إلى الغزل وما بمجراه من أبواب اللين والرقة، حلوًا مع صلصة كصلصة الأجراس، ونوع من الأبهة يمنعه أن يكون نزقًا أو خفيفًا شهوانيًا
стр. 297
وهو بحر كأنما خلق للتغني المحض سواء أأريد به جد أم هزل. ودندنة تفعيلاته من النوع الجهير الواضح الذي يهجم على السامع مع المعنى والعواطف والصور حتى لا يمكن فصله عنها بحال من الأحوال. ولهذا السبب فإن الشعراء المتفلسفين أو المتعمقين في الحكمة وما إلى ذلك من ضروب التأمل، قل أن يصيبوا فيه أو ينجحوا. ذلك بأن الحكمة والتأمل -مهما كانت مناسبتها- يحتاجان إلى هدوء وتؤدة، وفي النظم خاصة يحتاجان لأن يكون نغم الوزن شيئًا منزويًا يصل إلى الذهن من غير ما جلبة ولا تشويش، وكأنه إطار للكلام الموضوع فيه، لا جزء هام من صورته ورسمه.
خذ زينبية صالح بن عبد القدوس المشهورة في الحكم:
صرمت حبالك بعد وصلك زينب ... والدهر فيه تصرف وتقلب
وفيها من الأمثال نحو قوله:
واحذر مصاحبة اللئيم فإنها ... تعدي كما يعدي الصحيح الأجرب
ونحو قوله:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ... ويروغ منك كما يروغ الثعلب
تأمل هذه القصيدة تجد لفظها شريفًا ومعانيها كذلك. ولكنك تجدها مع كل هذا لا تهزك ولا تحركك، كما ينبغي للشعر العظيم أن يفعل. وليس السر في ذلك جفاف حكمها ومواعظها. فهي كلها نصائح غالية، وإنما السبب الرئيسي أن جوها جاد جدًا لا يسمح بالدندنة والجلجلة التي تنشأ عن تفعيلات الكامل.
وقد كان أبو الطيب المتنبي من رجال التأمل والحكم والوثبات العقلية العميقة وقد أدرك بفطرته الصادقة أن البحر الكامل لم يخلقه الله له فتحاماه في الكثير الغالب، على أنه قد تعاطاه في بعض القصائد نحو قوله:
стр. 298
لهوى النفوس سريرة لا تعلم (ديوانه ٢١٠)
ونحو قوله:
اليوم عهدكم فأين الموعد (نفسه ٤٢)
ونحو قوله:
جللا كما بي فليك التبريح (نفسه ٥٦)
ونحو قوله:
أمن ازديارك في الدجى الرقباء (نفسه ١٤٤)
ونحو قوله:
باد هواك صبرت أم لم تصبرا (نفسه ٥٣٧)
ونحو قوله:
هذي برزت لنا فهجت رسيسا (نفسه ٥٢)
ونحو قوله:
في الخد أن عزم الخليط رحيلا (نفسه ١٣٣)
ونحو قوله:
سرب محاسنه حرمت ذواتها (نفسه ١٧٠)
ومن تأمل كاملياته وجد جيادها يغلب عليها مذهب آخر غير مذهب التأمل والحكمة، الذي هو طبيعة المتنبي، مثال ذلك قطعة التوديع في قصيدته "جللا كما بي" فهي غناء غزلي مما قل أن يجيد المتنبي في مثله، ومثال آخر قصيدته: "في الخد أن عزم الخليط رحيلا" فإن إجادته في ناحسة الوصف حيث ذكر مبارزة بدر بن عمار للأسد، وقصيدته "سرب محاسنه حرمت ذواتها" غناء محض، ولو وقعت في ديوان البحتري ما استطاع تبيين انتحالها إلا ناقد فحل، وما كان ليمكنه أن يتحقق من ذلك
стр. 299
إلا بفن التخلص الغالب عليها، وهو قليل عند البحتري وببعض الزلات اللفظية التي لا تصدر إلا عن أبي الطيب نحو قوله:
إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها
ولا يكاد يشك من يعرف شعر المتنبي أن قصيدته:
أمن ازديارك في الدجى الرقباء
تخالف مذهبه في سائر شعره. وأما الميمية:
لهى النفوس سريرة لا تعلم
فرديئها أكثر من جيدها، وأبيات الحكمة فيها مفردة، وهي من طراز الحكم التي في زينبية صالح بن عبد القدوس.
وشاعر آخر غير المتنبي امتاز بالتأمل والحكمة -أعني أبا العلاء المعري- تعاطى الكامل وأجاد فيه. وهذا لا ينقض حجتنا في أن الكامل ليس ببحر تأمل. ذلك بأن المعري كان حاذقًا في صناعة الشعر، متعدد المواهب. وكاملياته في سقط الزند وهي قليلة نحو:
أودى فليت الحادثات كفاف
من الغناء المحض. وكاملياته في لزوم ما لا يلزم، إما أن يغلب عليها جانب الغناء، وإما أن يغلب عليها جانب الوصف التصويري نحو ميميته (١):
لو كان لي أمر يطاع لم يشن ... ظهر الطريق يد الحياة منجم
وقفت به الورهاء وهي كأنها ... عند الوقوف على عرين تهجم
стр. 300
فيقول ما اسمك واسم أمك إنني ... بالعلم عما في الغيوب أترجم
يولي بأن الجن تطرق بيته ... وله يدين فصيحها والأعجم
وشاعر آخر من شعراء الفكر والتأمل تعاطى الكامل وأكثر فيه إكثارًا بينًا مع إجادة في ذلك، أعني أبا تمام الطائي. وأبو تمام أبدًا عقدة من العقد، يخالف الناس في أكثر ما يأتي به، ويأبي مع ذلك إلا أن يجيء سابقًا مجليًا. ومن مخالفاته أنه جعل الكامل ميدانًا لتعمقه وتأمله حتى صار عنده أشد ملاءمة لذلك من سواه من البحور التي يجيء التأمل فيها طبيعيًا مناسبًا لسنخها وجوهر نغمها.
والسر في ذلك أن أبا تمام كان يتغنى أفكاره وتأملاته فلا تفسدها دندنة الكامل بحال من الأحوال. وقد كانت ملكة الرجل في الألفاظ بالغة في القوة وكلفه بها غاية في ذاته. فجمع في نفسه أمرين: حب الألفاظ لذاتها ورونقها الفني، وما يمكن أن يتأتى منها من الأجراس والأنغام، ثم مع ذلك حب المعاني والتأملات والأخيلة الغريبة. وكانت صناعته كلها مبنية على التأليف بين هاتين الناحيتين. ولذلك لاءمه بحر الكامل.
خذ مثلا بائيته في مالك بن طوق:
لو أن دهرًا رد رجع جوابي ... أو كف من شأويه طول عتابي (١)
وتأمل قوله في استعطاف مالك على قومه:
ورأيت قومك والإساءة منهم ... جرحى بظفر للزمان وناب
هم صيروا تلك البروق صواعقًا ... فيهم وذاك العفو سوط عذاب
فأقل أسامة جرمها واغفر لها ... عنه وهب ما كان للوهاب
стр. 301
رفدوك في يوم الكلاب وشققوا ... فيه المزاد بجحفل غلاب
وهم بعين إباغ راشوا للوغى ... سهميك عند الحرث الحراب
فمضت كهولهم ودبر أمرهم ... أحداثهم تدبير غير صواب
لا رقة الحضر اللطيف غدتهم ... وتباعدوا عن فطنة الأعراب
فإذا كشفتهم وجدت لديهم ... كرم النفوس وقلة الآداب
أسبل عليهم ستر عفوك مفضلا ... وانفح لهم من نائل بذناب (١)
لك في رسول الله أعظم أسوة ... وأجلها في سنة وكتاب
أعطى المؤلفة القلوب حقوقهم ... كملا ورد أخائذ الأحزاب
والجعفريون استقلت ظعنهم ... عن قومهم وهم نجوم كلاب
حتى إذا أخذ الفراق بقسطه ... منهم وشط بهم عن الأحباب
ورأوا بلاد الله قد لفظتهم ... أكنافها رجعوا إلى جواب
فأتوا كريم الخيم مثلك صافحًا ... عن ذكر أحقاد مضت وضباب (٢)
ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي
قد ذلك شيطان النفاق وأخفتت ... بيض السيوف زئير أسد الغاب
فاضمم قواصيهم إليك فإنه ... لا يزخر الوادي بغير شعاب
والسهم بالريش اللؤام ولن ترى ... بيتا بلا عمد ولا أطناب
يا مالك استودعتني لك منة ... تبقى ذخائرها على الأحقاب
يا خاطبًا مدحي إليه بجوده ... ولقد خطبت قليلة الخطاب
خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب
بكرا تورث في الحياة وتنثني ... في السلم وهي كثيرة الأسلاب
ويزيدها مر الليالي جدة ... وتقادم الأيام حسن شباب
стр. 302
انظر إلى هذا العبقري كيف يستعرض لك أيام الجاهلية - يوم الكلاب، ويوم عين أباغ وانتصار الحرث الغساني على المناذرة، ثم يوم حنين ومن النبي ﷺ على المشركين، ثم قصة جعفر بن كلاب لما خاصموا بني عمهم، ثم بعد هذا تأمل كيف يضرب الحكمة، ثم يختم كلامه بالمدح الفخم والفخر الذي لا يصدر إلا عن ذي عقل ناضج عميق التفكير عالم بما يفتخر به - كل ذلك قد ألف في لفظ رصين مع براعة في المطابقة والتجنيس، واستغلال لكل ما تخبؤه اللغة من جمال وجلال.
وانظر إلى قوله يعتذر إلى أحمد بن أبي دؤاد الإيادي، وكان بلغه أن أبا تمام وقع في معد (١):
أضحت إياد في معد كلها ... وهم إياد بنائها الممدود
تنميك في قلل المكارم والعلى ... زهر لزهر أبوة وجدود
إن كنتم عادي ذاك النبع إن ... نسبوا وفلقة ذلك الجلمود
وشركتموهم دوننا فلأنتم ... شركاؤنا من دونهم الجود
كعب وحاتم اللذان تقسما ... خطط العلى من طارف وتليد
هذا الذي خلف السحاب ومات ذا ... في المجد ميتة خضرم صنديد
إن لا يكن فيها الشهيد فقومه ... لا يسمحون به بألف شهيد
ما قاسيا في المجد إلا دون ما ... قاسيته في العدل والتوحيد (٢)
فاسمع مقالة زائر لم تشتبه ... آراؤه عند اشتباه البيد
يستام بعض القول منك بفعله ... كملا وعفو رضاك بالمجهود
стр. 303
قف عند هذا البيت قليلا وتخيل أن لو قاله لك معتذر أكنت تملك إلا أن تعفو عنه.
أسري طريدًا للحياء من التي ... زعموا وليس لرهبة بطريد
كنت الربيع أمامه ووراءه ... قمر القبائل خالد بن يزيد
وكان أبو تمام استشفع بخالد بن يزيد الشيباني
فالغيث من زهر سحابة رأفة ... والركن من شيبان طود حديد (١)
وغدًا تبين ما براءة ساحتى ... لو قد نفضت تهائمي ونجودي
هذا الوليد رأى التثبت بعدما ... قالوا يزيد بن المهلب مودي (٢)
فتزحزح الزور المؤسس عنده ... وبناء هذا الإفك غير مشيد
وتمكن ابن أبي سعيد من حجا ... ملك بشكر بني الملوك سعيد
ما خالد لي دون أيوب ولا ... عبد العزيز ولست دون وليد
نفسي فداؤك أي باب ملمة ... لم يرم فيه إليك بالإقليد (٣)
لمقارف البهتان غير مقارف ... ومن البعيد الرهط غير بعيد
لما أظلتني غمامك أصبحت ... تلك الشهود علي وهي شهودي
من بعد ما ظنوا بأن سيكون لي ... يوم ببغيهم كيوم عبيد
أمنية ما صادفوا شيطانها ... فيها بعفريت ولا بمريد
نزعوا بسهم قطيعة يهفو به ... ريش العقوق فكان غير سديد
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
стр. 304
لولا التخوف للعواقب لم تزل ... للحاسد النعمى على المحسود
خذها مثقفة القوافي ربها ... لسوابغ النعماء غير كنود
حذاء تملأ كل أذن حكمة ... وبلاغة وتدر كل وريد
كالطعنة النجلاء من يد ثائر ... بأخيه أو كالضربة الأخدود
كالدر والمرجان ألف نظمه ... بالشذر في عنق الكعاب الرود
كشقيقة البرد المنمنم وشيه ... في أرض مهرة أو بلاد تزيد
بشرى الغني أبي البنات تتابعت ... بشراؤه بالفارس المولود
كرقى الأساود والأراقم طالما ... نزعت حمات سخائم وحقود
تأمل الموازنة بين استشفاعه بخالد بن يزيد، واستشفاع يزيد بن المهلب بسليمان بن عبد الملك وابنيه، ثم ما حلى به كلامه من الإشارة إلى كعب بن مامة وحاتم طي وعبيد بن الأبرص، ثم إغرابه في تشبيه القطيعة بالسهم، وترشيح هذا التشبيه البليغ بالترع وبالريش ثم جعل هذا الريش لا ريشاً من النوع المألوف ولكن ريشاً عاطفياً عقلياً مخلوقاً من العقوق، ثم انظر في أمثاله «وإذا أراد الله» وما أتبعها به من اللفتة؟ ؟ ؟ البارعة في قوله (١):
لولا التخوف للعواقب لم تزل ... للحاسد النعمى على المحسود
ثم بعد ذلك انظر إلى هذا التغني الرصين العالي من أبي تمام بمدح شعره- هذا التغني المتخير من الألفاظ الجزلة والمحور الرائعة- صورة الطعنة النجلاء من صاحب الثأر-[كأنما كان ينظر أبو تمام في هذا إلى قول قيس بن الخطيم:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
стр. 305
ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من خلفها ما وراءها]
وصورة الحلي في عنق الكعاب، وصورة الثوب النادر الموشي المنمنم، ثم بعد هذا صورة الغني أبي البنات يبشر بمولود ذكر بعد طول يأس، ثم تختم كل هذه الصور الرفيعة بمقطع آية في البراعة وهو قوله:
كرقي الأسود والأراقم طالما ... نزعت حمات سخائم وحقود
وقد كان الغرض الذي قيلت القصيدة من أجله كما قدمنا اعتذاراً يستل سخيمة ابن أبي دؤاد، ويعيده إلى الرضا عن أبي تمام.
كل هذه البدائع التي تعرضها هذه القصيدة الفريدة من صنع الفكر المهذب في الدجى، والملكة اللفظية المتمكنة، مع شهوة للترنم ومعرفة بأصول الأنغام الشعرية.
وخذ مثالاً ثالثاً من كامليات أبي تمام: قصيدته: (١)
الحق أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار
فقد قال هذه القصيدة يبرر بها إيقاع المعتصم بالأفشين خيذر بن كاوس الأشروسني وقد كان سيد قواد الخلافة، وحامي حمى الدولة، والذي قهر بابك الخرمي الثائر، الذي كان شوكة في بضيع الدولة العباسية. قال، يتحدث بلسان السلطان، ويذكر أن خيذر بن كاوس كان يسر الكفر ويكيد للدولة المكائد:
جالت بخيذر جولة المقدار ... فأحله الطغيان دار بوار
كم نعمةٍ لله كانت عنده ... فكأنها في غربةٍ وإسار
كسيت سبائب لؤمه فتضاءلت ... كتضاؤل الحسناء في الأطمار
موتورة طلب الإله بثأرها ... وكفى برب الثأر مدرك ثار
стр. 306
الموتورة: هي نعمة الله التي كانت عند الأفشين فكفرها. فكفرانه لها جعلها موتورة، فشكته إلى الله، فهب ليدرك بثأرها من ظالمها- تأمل هذا الإغراب الفكري ثم انظر كيف لاءم الشاعر بينه وبين هذا الخرف اللفظي «وكفى برب الثأر مدرك ثار».
صادي أمير المؤمنين بزبرج ... في طيه حمة الشجاع الضاري
مكراً بني ركنيه إلا أنه ... وطد الأساس على شفيرٍ هاري
وفي هذا إشارة لكلام الله في سورة التوبة (١).
حتى إذا ما الله شق غباره ... عن مستكن الكفر والإصرار
ونحا لهذا الدين شفرته غداً ... والحق منه قانئ الأظفار
أتسحب أن لو كان المعتصم ملك من أعنة البلاغة ما ملكه سحبان أكان يستطيع أن يدافع عن إيقاعه بالأفشين بأبلغ من دفاع أبي تمام هذا؟
هذا النبي وكان صفوة ربه ... من بين باد في الأنام وقار
قد خص من أهل النفاق عصابة ... وهم أشد أذى من الكفار
واختار من سعد لعين بني أبي ... سرح لوحي الله غير خيار
حتى استضاء بشعلة السور التي ... كشفت له حجباً عن الأستار
وهنا يشير الشاعر إلى قصة استكتاب النبي لعبد الله بن سعد بن أبي السرح، فجعل هذا يبدل الآيات ويزعم أن محمداً لم يكن يبالي بتبديلها، وقد كان هذا طعناً خطيراً في صدق النبي، إذ معناه أن القرآن ليس بمنزل، وإنما كان يزوقه محمدٌ ويبدل فيه ويغير كما يفعل المؤلفون والكتاب. فلما بلغ النبي ذلك عنه أهدر دمه، ولم ينقذه
стр. 307
من القتل إلا شفاعة عثمان بن عفان، وكان أخاه من الرضاعة. ثم أسلم بعد ذلك وكان له شأن في الفتوح.
وقول أبي تمام: «حتى استضاء إلخ» مشكل. فهل عنى به أن ابن أبي سرح ظل في ضلاله حتى هداه الله للحق واستضاء بنور القرآن فأسلم وحسن إسلامه، أو عني أن ابن أبي سرح استضاء ببلاغة القرآن، فجعل يحاكي آياته لقريش ويتقول على النبي ما كان يتقول؟ أستبعد هذا الوجه لأنه يشتم منه رائحة الكفر. وما كان الشاعر ليجرؤ على الكفريات بحضرة المعتصم وابن أبي دؤاد. كما أستبعد الوجه الأول، إذ فيه حكم على ابن أبي السرح بأنه حسن إسلامه، وما أحسب المعتصم وابن أبي دؤاد كانا يرتضيان وصف ابن أبي السرح بحسن الإسلام، لما كانا عليه من الاعتزال والميل إلى التشيع وكراهية بني أمية.
ثم قال الشاعر:
والهاشميون استقلت عيرهم ... من كربلاء بأوثق الأوتار
فشفاهم المختار منه ولم يكن ... في دينه المختار بالمختار
حتى إذا انكشفت سرائره اغتدوا ... منه براء الشمع والأبصار
ولما فرغ الشاعر من ضرب هذه الأمثال ليبرر بها أن الخليفة حين قدم الأفشين لم يكن عالماً بحقيقة كفره، دخل في لب الغرض الذي نظم القصيدة من أجله فقال:
ما كان لولا فحش غدرة خيذر ... ليكون في الإسلام عام فجار
مازال سر الكفر بين ضلوعه ... حتى اصطلى سر الزناد الواري
ناراً يساور جسمه من حرها ... لهب كما عصفرت شق إزار
طارت لها شعل يهدم لفحها ... أركانه هدماً بغير غبار
فصلن منه كل مجمع مفصل ... وفعلن فاقرة بكل فقار
هذه صورة فظيعة- صورة جسم آدمي يحترق. ولكن «الفنان» الحق لا
стр. 308
يقصر فنه على الأشياء السارة. ولعلك ترى أن أبا تمام قد صبغ الصورة بصبغ قاتم من الحقد ونشوة الانتقام. ولكن هل كان يتحدث إلا بلسان المعتصم والخلافة، لسان السلطان المنتصر السكران بنشوة الانتقام والظفر.
ولم يقف أبو تمام عند وصف الجثة المحترقة وحدها، فقد أتبعها بصورة للنار، وثالثة بين فيها فرح العامة والغوغاء، لما أبصروه من هذه المشاهد الفظيعة، قال:
لله من نار رأيت ضياءها ... ما كان يرفع مثلها للساري
صلى لها حياً وكان وقودها ... ميتاً ويدخلها مع الفجار
وكذاك أهل النار في الدنيا هم ... يوم القيامة جل أهل النار
ما أصدق هذا الكلام فكم ترى الرذيلة والفقر يسيران معاً.
يا مشهداً صدرت بفرحته إلى ... أمصارها القصوى بنو الأمصار
رمقوا أعالي جذعه فكأنما ... رمقوا الهلال عشية الإفطار
واستنشقوا منه قتاراً نشره ... من عنبر ذفر ومسك داري
وتحدثوا عن هلكه كحديث من ... بالبدو عن متتابع الأمطار
وتباشروا كتباشر الحرمين في ... قحم السنين بأرخص الأسعار
تأمل الى هذا الغناء الوحشي، ألا تكاد ترى فيه صورة بعض القبائل الهمجية وهي ترقص ثملة حول أجساد ضحاياها؟ - وكأن أبا تمام أحس أن وحشية الثأر والانتقام والشماتة قد بلغت غايتها، فانحدر من هذه القمة المروعة إلى غرض آخر:
كانت شماتة شامت عاراً فقد ... صارت به تنضو ثياب العار
قد كان بوأه الخليفة جانباً ... من قلبه حرماً على الأقدار
فسقاه ماء الخفض غير مصردٍ ... وأنامه في الأمن غير غرار
стр. 309
ورأى به ما لم يكن يومًا رأى ... عمرو بن شأس قبله بعرار (١)
فإذا ابن كافرة يسر بكفره ... وجدًا كوجد فرزدق بنوار (٢)
وإذا تذكره بكاه كما بكى ... كعب زمان رثى أبا المغوار (٣)
هذه الإشارات إلى عمرو بن شأس والفرزدق وكعب الغنوي ليس المراد فيها التوضيح وضرب المثل، كما في الإشارات التي سبقت في أول القصيدة: وإنما أراد بها أبو تمام أن يريح السامع -من العنف الذي كان سمعه- شيئًا من الإراحة. وهي من هذه الناحية تخدم غرضًا معاكسًا لذلك الذي خدمته الإشارات التي في أول القصيدة، إذ تلك أراد الشاعر أن يهيء بها السامع لما خبأه له من عنف ووحشية من وصف النار والحريق.
وقال في شيء من العنف كيلا يخيل إليك أنه قد ضعفت منته، أو خارت ملكته أو نسي غرضه:
دلت زخارفه الخليفة أنه ... ما كل عود ناضر بنضار
يا قابضًا يد آل كاوس عادلا ... أتبع يمينًا منهم بيسار
ألحق جبينا داميا رملته ... بقفا وصدرًا خائنًا بصدار
واعلم بأنك إنما تلقيهم ... في بعض ما حفروا من الآبار
ثم انتقل الشاعر إلى الترويح، ومن بعده إلى عرض صورة المصلوب في غير ما بشاعة ومع تلطف وتعاط للفكاهة:
لو لم يكد للسامري قبيله ... ما خار عجلهم بغير خوار
стр. 310
وثمود لو لم يدهنوا في ربهم ... لم ترم ناقته بسهم قدار (١)
ولقد شفى الأحشاء من برحائها ... أن صار بابك جار مازيار
ثانيه في كبد السماء ولم يكن ... لاثنين ثانيًا إذ هما في الغار
بتسهيل همزة إذ. وهذه جراءه من أبي تمام
وكأنما ابتدرا لكيما يطويا ... عن ناطس خبرًا من الأخبار
سود اللباء كأنما نسجت لهم ... أيدي السموم مدارعًا من قار
بكروا وأسروا في متون ضوامر ... قيدت لهم من مربك النجار
لا يبرحون ومن رآهم خالهم ... أبدًا على سفر من الأسفار
كادوا النبوة والهدى فتقطعت ... أعناقهم في ذلك المضمار
ثم انتقل أبو تمام بعد ذلك إلى ذكر ولي العهد فأحسن، وبحسبنا هذا القدر من رائيته هذه العصماء.
وأحسب أن القارئ وجد في هذه القصيدة ما ذكرناه آنفًا من أن أبا تمام يفكر ويتعمق ولكنه يتغنى بهذه الأفكار ويترنم بها ترنما ٠ فطورًا يحلو لي، وتارة يعبث، وآنًا يمر، وهو في كل ذلك لا يفارق التغني.
ومن عجيب خصائص الكامل أنه من أصلح البحور لإبراز العواطف البسيطة غير المعقدة كالغضب والفرح والفخر والمحض، وما إلى ذلك. ورائية أبي تمام التي ذكرنا، مثال واضح لذلك، فقد أفصح فيها الشاعر عن الشماتة والحقد والانتقام أيما إفصاح.
وقريب من غناء أبي تمام الوحشي في هذه القصدة ما صنعه في لاميته:
стр. 311
آلت أمور الشرك شر مآل ... وأقر بعد تخمط وصيال (١)
وقد تحدث فيها عن انتصار الخلاقة على بابك الخرمي.
ولمذهب أبي تمام في القصيدة الرائية نظائر يجدها المتأمل في بعض نتف الأوائل، من ذلك قول باعث بن صريم اليشكري (٢):
سائل أسيد هل ثارت بوائل ... أم هل شفيت النفس من بلبالها
إذا أرسلوني مائحًا لدلائهم ... فملأتها علقا إلى أسبالها
آليت أثقف منهم ذا لحية ... أبدًا فتنظر عينه في مالها
وخمار غانية عقدت برأسها ... أصلا وكان منشرًا بشمالها
وعقيلة يسعى عليها قيم ... متغطرس أبديت عن خلخالها
ولكن هنا جفوة وقحة لا تجد مثلها في لفظ أبي تمام المهذب.
ومما يقارب مذهب أبي تمام في التغني بالنصر, ويخالفه في هجران الشماتة والقصد إلى النبل دون الشراسة الحيوانية قول عنترة (٣):
ومشك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوأم
стр. 312
لما رآني قد نزلت أريده ... أبدى نواجذه لغير تبسم
عهدي به مد النهار كأنما ... خضبب البنان ورأسه بالعظلم
فالبيت الأخير كما ترى فيه تحسر لا شماتة.
هذا وقد اتبع البحتري سبيل أبي تمام في قصيدته (١):
أأفاق صب من هوى فأفيقا
فأجاد، على أنه سار فيها على غير المألوف من طريقته ومنهجه.
وحقيقة بحر الكامل كما ذكرنا من قبل غنائية محضة - أعني بغنائية ترنمية موسيقية خالصة الموسيقا. وللشعراء في الأداء بواسطته مذهبان: الفخامة والجزالة - هذا مذهب والرقة واللطف هذا مذهب آخر.
وقد رأيت أمثلة من الفخامة في شعر أبي تمام، ولم يكن له من مصرف عنها إذ كانت طريقته تعتمد على الفكر، والفكر لا يناسبه الترقيق، وإنما تناسبه الصلابة. وليس معنى هذا أن طريقة الفخامة في بحر الكامل لا بد أن يصحبها مذهب فكر، فقد قررنا من قبل أن المذهب الفكري شيء انفرد به أبو تمام. وقد رأيت في مقطوعة باعث بن صريم فخامة لا يساعدها فكر.
وخير مثال للتغني مع الفخامة في البحر الكامل، معلقة لبيد بن ربيعة العامري، فألفاظ الرجل فيها صلبة قوية الأسر، وصفاته بدوية خالصة البداوة، ومشربه مشرب الفتيان ذوي الحماسة والمروة والندى والفتوة، لا تكاد تلمح فيه ضعفًا ولا لينًا. وقد جمع في معلقته مع الصور البارعة والدقة في الوصف (٢) حذقًا لا
стр. 313
يجاري في استغلال موسيقا الكامل.
ولعلك تذكر أيها القارئ أني قدمت لك أن الكامل ذو ثلاثين مقطعًا تغلب عليها الحركات. ولو التزم شاعر تفعيلاته التامة أوقعه ذلك في الرتابة. وسر الصناعة في الكامل كله يدور على تغليب السكنات على الحركات طورًا، ثم على تغليب الحركات على السكنات طورًا آخر، ثم على الموازنة بينهما أحيانا - ومعنى هذا أن يفتن الشاعر في استعمال الأحرف المتحركة والأحرف المشددة، وأحرف المد والإشباع وأنواع التنوين. وهذا ما فعله لبيد في معلقته. خذ قوله يصف الأطلال:
عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها فرجامها
فمدافع الريان عري رسمها ... خلقا كما ضمن الوحي سلامها
رزقت مرابيع النجوم وصابها ... ودق الرواعد جودها فرهامها
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها
والعين ساكنة على أطلائها ... عوذًا تأجل بالفضاء بهامها
وجلا السيول عن الطلول كأنها زبر تجد متونها أقلامها
تأمل لعبه بالراءات والتشديد في البيت الثاني. ألا تحسبه أراد بذلك أن ينقل إليك طرفًا من صوت خرير الماء وهو يتدفع في مدافع الريان. ثم البيت الثالث، كيف تحس فيه حروف الإشباع - ألا تجد بينها وبين هذا المطر المنهمر حينًا والرذاذ الدائم حينًا، من نسب وقرابة، ثم تأمل الفات المد في البيت الرابع، ألا تحسها تنسجم مع روح الحركة والنمو الذي يمثله لك الشاعر في وصفه لعلو فروع الأيهقان، وإطفال الظباء والنعام على جلهتي الوادي، أي جانبيه الرمليتين؟ ثم ماذا تقول في هذه الصورة الخاطفة المرحة الحية التي يرسمها لك البيت الخامس -الظباء العين تحنو على أطلائها، والبهام تتجمع قطعًا قطعًا وهي تلعب بالفضاء- ولا يفتك موقع التنوين في القسم الأول من كل شطر؟ وكيف أنت وواوات الصدر من البيت السادس ثم الهمزة
стр. 314
التي تتبع الألف بعد الهاء في الشطر الثاني، لقد روي الراوون أن الفرزدق سمع هذا البيت فسجد له إجلالًا وزعم لمن عابه على فعله هذا أنه يعرف سجدات الشعر كما يعرف القراء سجدات القرآن.
ولو ذهب تعدد المقاطع التي في هذه الأبيات لوجدتها تتراوح بين الثلاثين والتسعة والعشرين كما في البيتين. الأول والسادس، والسبعة والعشرين كما في البيت الخامس. ولا أزعم أن الشاعر تعمد كل هذا التنويع، ولكنها ملكته وبراعته ومقدرته. وإنما هو واجب النقد أن يكشف عن أسرار تلك المقدرة كيما يزيد استمتاع المستمتع بها.
وقال لبيد يشبه ناقته بحمار الوحش وأتانه وهما يجدان في طريقهما إلى موارد الماء.
فتنازعا سبطًا تطير ظلاله ... كدخان مشعلة يشب ضرامها (١)
مشمولة غلثت بنابت عرفج ... كدخان نار ساطع أسنامها
فمضى وقدمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت إقدامها
فتوسطا عرض السري وصدعا ... مسجورة متجاورًا قلامها
محفوفة وسط اليراع يظلها ... منه مصرع غابة وقيامها
تأمل من ناحية الموسيقا - مكان التنوين والمد. وأما من ناحية البلاغة والتصوير الشعري فهذه الأبيات نسج وحدها. خذ أولا تشبيه الغبار المتطاير من جري الحمار وأتانه بالدخان من نار مشعلة - وانظر كيف كرر الشاعر لك التشبيه ليقره في سمعك وقلبك. ثم انظر إلى قوله: "فتوسطا عرض السرى"، والسري)
стр. 315
الوادي- ألا ترى أمامك صورة هذين الحمارين وسط الوادي وقد خاضا عينًا مسجورة ممتلئة فصدعا هدوءها حتى صارت لها نطق تتتابع مستديرة، حلقة بعد حلقة. ثم تأمل صورة العين كيف رسمها لك الشاعر، قلامها المتجاور ذا الأوراق العراض، والقنا الطوال المشرف على جوانبها، الناشر ظله عليها، بعضه ساقط مصرع وبعضه مستقيم قائم.
وقال يشبه ناقته بالبقرة الوحشية أفردت بالقفر في ليلة حالكة الظلام، ذات مطر وبرد، فجعلت تلتمس لنفسها مأوى بين الكثبان المتهايلة، وتبحث عن أصل شجرة أو شيء نحوه لتدس رأسها فيه من قطرات الوابل، وهو يصوب على ظهرها متتابعًا - قال:
باتت وأسبل واكف من ديمة ... يروى الخمائل دائمًا تسجامها
تجتاف أصلًا قالصًا متنبذا ... بعجوب أنقاء يميل هيامها
الأصل؛ يعني به أصل شجرة. وعجوب الأنقاء: سفوح الكثبان وأصولها.
يعلو طريقة متنها متواتر ... في ليلة كفر النجوم غمامها (١)
وتضيء في وجه الظلام منيرة ... كجمانة البحري سل نظامها
فتوجست رز الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيس سقامها (٢)
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها
انظر كيف رجح الشاعر كفة التنوين في البيتين الأولين على المد المطلق والحركات كأنما يحكي بذلك حالة الاضطراب والفزع ووجيب القلب الخائف الولهان.
ثم فرغ من كل هذا إلى تشبيه الناقة فأبدع ما شاء وافتن في التغني واستغلال
стр. 316
الألفات تصحبها موسيقا منتشية مرحة:
فبتلك إذ رقص اللوامع باضحا ... واجتاب أردية السراب إكامها
أقضى اللبانة لا أفرط ريبة ... أو أن يلوم بحاجة لوامها
وتلك إشارة للناقة. ثم أخذ في الفخر:
أو لم تكن تدري نوار بأنني ... وصال عقد حبائل جذامها
تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها
يعني أو يرتبطني الحمام - هكذا فسره المعري في رسالة الغفران (١).
بل أنت لا تدري كم من ليلة ... طلق لذيذ لهوها وندامها
قد بت سامرها وغاية تاجر ... وافيت قد رفعت وعز مدامها (٢)
ولقد حميت الخيل تحمل شكتي ... فرط وشاحي إذ غدوت لجامها (٣)
فعلوت مرتقبًا على ذي هبوة ... حرج إلى أعلامهن قتامها (٤)
حتى إذا ألقت يدًا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها (٥)
أسهلت وانتصبت كجذع منيفة ... جرداء يحصر دونها جرامها (٦)
стр. 317
رفعتها طرد النعام وفوقه ... حتى إذا سخنت وخف عظامها
قلقت رحالتها وأسبل نحرها ... وابتل من زبد الحميم حزامها
تأمل موسيقا هذا البيت الأخير، مداته وحركاته، والشدة في قوله: "وابتل" التي كأنما أراد الشاعر أن يؤكد بها رنة كلامه ونغمة. والحاءات المتتابعة التي تكاد تسمع منها أنفاس الفرس-. هذا وأبيك السحر، وصقال الذوق والفكر. هذا وسائر هذه المعلقة رائع باهر ولا سيما من ناحيتي الوزن واللفظ. ولعل أضعف ما فيها أبيات الفخر القبلي التي ختم بها المعلقة من قوله: "إنا إذا التقت المجامع" إلى آخر كلامه. ومن عجب أن هذه الأبيات هي التي يختارها المختارون لطلبة المدارس من دون سائر أبيات القصيدة.
ولعل فيما ذكرناه من معلقة لبيد قدرًا كافيًا يوضح منهجه في الكامل من استعمال الرصانة والقوة والفخامة والشدة.
والطريقة الأخرى، وهي طريقة الرقة واللطافة، والتغني العذب، تجدها من شعراء الجاهلية عند عنترة في معلقته:
هل غادر الشعراء من متردم
فهي تكاد تذوب لطفًا، والتغني فيها مرح سلس منطلق خفيف، حتى لتوشك تظن أن الشاعر يترشف الألفاظ ترشفًا - ونكتفي في الاستشهاد بذكر طرف من ميمته في صفة الروضة - قال:
إذ تستبيك بذي غروب واضح ... عذب مقبله لذيذ الطعم
وكأن فارة تاجر بقسيمة ... سبقت عوارضها إليك من الفم
أو روضة أنفا تضمن نبتها ... غيث قليل الدمن ليس بمعلم
جادت عليها كل بكر حرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم
стр. 318
سحًا وتسكابا فكل عشية ... يجري عليها الماء لم يتصرم
وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردًا كفعل الشارب المترنم
هزجًا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم
ومما لاحظته بعد طول استقراء من الاختلاف اللفظي بين طريقتي عنترة ولبيد -لا في شعرهما فحسب- ولكن في شعر من اتبعوهما أيضًا، أن مذهب عنترة يغلب عليه استعمال المصادر الثلاثية من نوع "فَعْل" و"فَعَل"، والصفات الثلاثية من طراز "حسن" و"فرح"، والأفعال التي بمجراها نحو: "ضربا" و"ضربت"، والأسماء التي بمجراها نحو: "نخلة" و"كلم"، وكل ما كان على "فعلة" أو "فَعَل" أو "فَعْل"، وما عليك إلا أن تتأمل أبيات عنترة هذه لتجد مصداق ما أقول. ولا أعني أن أصحاب القوة كلبيد لا يكثرون من نحو هذه الألفاظ ولكنها عند عنترة وأصحابه أكثر.
ومن نظر في شعر جرير والفرزدق من الإسلاميين وجد مصداق ما أقول وما عليه إلا أن يقرأ كلمتي جرير (١):
أهوى أراك برامتين وقودا ... أم بالجنينة من مدافع أودا
و: حي الغداة برامة الأطلالا ... رسمًا تحمله أهله فأحالا (٢)
وكلمتي الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول (٣)
стр. 319
وقوله:
لا قوم أكرم من تميم إذ غدت ... عوذ النساء يسقن كالآجال (١)
على أن جريرًا أصدق في مذهب الرقة من الفرزدق في مذهب الفخامة. إذ الفرزدق ميال إلى الهزل والفكاهة. ولولا أن لي هذين الشاعرين عودة في موضع آخر لأكثرت لك من الاختيار منهما أيها القارئ الكريم. على أني لا أملك إلا أن أنشدك هذه الأبيات من الفرزدق، فإنني أستحسنها جدًا:
تبكي المراغة بالرغام على ابنها ... والناهقات ينحن بالإعوال
قالوا لها احتسبي جريرًا إنه ... أودى الهزبر به أبو الأشبال
ألقى عليه يديه ذو قومية ... ورد فدق مجامع الأوصال (٢)
قد كنت لو نفع النذير نهيته ... ألا يكون فريسة الرئبال
إني رأيتك إذ أبقت فلم تئل ... خيرت نفسك من ثلاث خلال (٣)
بين الرجوع إلى وهي فظيعة ... في فيك مدنية من الآجال (٤)
أو بين حي أبي نعامة هاربًا ... أو اللحاق بطيء الأجبال (٥)
ولقد هممت بقتل نفسك خاليا ... أو الفرار إلى سفين أوال
فالآن يا ركب الجداء هجوتكم ... بهجائكم ومحاسب الأعمال (٦)
وإني لأعجب للفرزدق كيف شبه نفسه بالأسد. وانظر إلى تهويله "ذو قومية" "دق مجامع الأوصال" .. ولا عجب، فقد لقي الرجل الأسد وخاف منه
стр. 320
خوفًا شديدًا ولا شك أنه كان يصف ذلك الأسد الذي أفزعه في أبياته هذه التي يهول بها على جرير.
وأصدق من الفرزدق في اتباع مذهب الفخامة اللبيدي، عبيد بن حصين الراعي في كلمته المجمهرة:
ما بال دفك بالفراش مذيلا ... أقذى بعينك أم أردت رحيلا (١)
لما رأت أرقي وطول تلددي ... ذات العشاء وليلى الموصولا
قالت خليدة ما عراك ولم تكن ... أبدًا إذا عرت الشئون سئولا
أخليد إن أباك ضاف وساده ... همان باتا جنبه ودخيلا
وقال في الإبل والورد فأحسن ما شاء:
في مهمه قلقت به هاماتها ... قلق الفئوس إذا أردن نصولا
يتبعن مائرة اليدين شملة ... ألقت بمنخرق الرياح سليلا (٢)
جاءت بذي رمق لستة أشهر ... قد مات أو حب الحياة قليلا
لا يتخذن إذا علون مفازة ... إلا بياض الفرقدين دليلا
حتى وردن لتم خمس بائص ... جدا تعاوره الرياح وبيلا (٣)
سدمًا إذا التمس الدلاء نطافه ... صادفن مشرفة المتان زحولا (٤)
جمعوا أقوى مما تضم رحالهم ... شتى النجار ترى بهن وصولا
فسقوا صوادي يسمعون عشية ... للماء في أجوافهن صليلا (٥)