إلى مه وإلى من هذا السير وقد عدم فاتكًا. وما أمامه إلا العدم وكأنما هو سائر بآماله إليه هل عند الدنيا زيادة على هذا العدم يبتغي أن تزيده إياها؟ فيم هذا العناء وإلام هذا السير؟
ومتصل بالسير ذكر الإبل. وفيه أنفاس من ذكريات الماضي ومن هاهنا مبدأ التوشيح والتنطيق:
ما زلت أضحك إبلي كلما نظرت ... إلى من اختضبت أخفافها بدم
أسيرها بين أصنام أشاهدها ... ولا أشاهد فيها عفة الصنم
جاء ذكر الأصنام وتفسير رمزها أوضح في المقصورة حيث قال:
وقد ضل قوم بأصنامهم ... وأما بزق رياح فلا
ومراده بالأصنام هنا كافور وكثير غيره ممن قصدهم ولم يجدهم عندهم إلا قليلاً مما كان يأمله كأنه لا شيء. ولعله لا يخرج سيف الدولة كل الإخراج من نفحة هذا الذم. إلا أن قصده إلى كافور أوضح، لأن عهده به كان أقرب، وأمله فيه كان أضخم لما كان يعتقده في نفسه من نقص فيه ربما ييسر له سبيل ذلك. فكانت خيبة ذلك الأمل شديدة مرارة الوقع.
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم
стр. 2802
وما كان مجد كافور بالسيف ولكن بالدهاء مع الذكاء
اكتب بنا أبدًا بعد الكتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم
أسمعتني ودوائي ما أشرت به ... فإن غفلت فدائي قلة الفهم
من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن عل بلم
فهذا آخر التخصير وماله من وشاح
وآخر القصيدة ذكريات وحكمة وعزاء وأسى واعتذار عن هذا الدأب الذي إنما هو عناء وضياع وقت في غير ما طائل:
توهم القوم أن العجز قربنا ... وفي التقرب ما يدعو إلى التهم
القوم هم كافور وسائر الملوك ولعل القصد إلى سيف الدولة هنا أظهر لأن دلالة ما يلي من الأبيات عليه أقوى:
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال وإن كانوا ذوي الرحم
هنا إشارة إلى بيت طرفة
فلا زيارة إلا أن تزورهم ... أيد نشأن مع المصقولة الخذم
من كل قاضية بالموت شفرته ... ما بين منتقم منه ومنتقم
صنا قوائمها عنهم فما وقعت ... مواقع اللؤم في الأيدي ولا الكزم
فسروا هذا البيت بأن المراد أنهم لم يسلبونا سيوفنا، فقد نجونا منهم وهي بأيدينا التي لا هي ذوات قصر ولا بذوات لؤم. والكزم قصر اليد. ومعناه هنا الجبن لأن الشجاع يمضي قدمًا كما قال قيس بن الخطيم:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
وفي القاموس: «وككتف الرجل الهيبان» أي الهيوب والكزم بالتحريك البخل وقصر في الأنف والأصابع. وفي قول أبي الطيب معنى القصر والبخل والجبن جميعًا. وعندي أن قوله صنا قوائمها كأن قد قال صناها عنهم ثم اعتذر بأن ذلك لم يكن بسبب أن قوائمها وقعت من أيدينا موقع لؤم وجبن. وأضرب أبو الطيب عن ذكر السبب الذي من أجله صان سيوفه عن تضريب أعناق هؤلاء الملوك. وقد كان قال من قبل:
وجنبني قرب السلاطين مقتها ... وما يقتضيني من جماجمها النسر
وقال:
стр. 2803
وتضريب أعناق الملوك وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجر
وكأن أبا الطيب بقوله: «صنا قوائمها عنهم» يتندم على تركه قتالهم واستبداله ذلك بالتقرب منهم فحسبوه عجزًا «وفي التقرب ما يدعو إلى التهم» وكأنه يعتذر مع ذلك بأن ما ترك من قتلهم أو قتالهم إنما كان صيانة لهذه السيوف. فإلى متى هذه الصيانة؟ لا عجب إذن أن بادر أعداؤه فقتلوه مرجعه من عضد الدولة. فقد جمع من المال وبعد السمعة ما كان عسى أن يهيئ له سبيل الوثوب- على أني أرجح أن هوس طلب السلطان الذي اتهمه به أبو منصور ما كان إلا أحلام شاعر وأن معاركه التي خاضها أو كان ينبغي بعد أن يخوضها ما كانت إلا معارك هذا القريض. وصدق الله : ﴿يقولون ما لا يفعلون﴾.
هون على بصر ما شق منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم
برفع منظره أي ما بدا شاقًا كريهًا فليهن أمره عندك إذ هذه الدنيا ما هي إلا حلم، ومن نصب منظره عمم المعنى، أي كل ما تراه فليهن عليك إذ حقائق هذه الدنيا كباطل الأحلام
ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم
ذكر الغربان مفردها وجمعها كثير عند أبي الطيب. وهنا لا يخلو من أن يكون فيه صدى من غربان علقمة التي هي طير في أول الميمية (عقلاً ورقمًا تظل الطير تخطفه) وهي غربان سافرة في آخرها حيث قال: (ومن تعرض للغربان يزجرها البيت)
وكن على حذر للناس تستره ... ولا يغرك منهم ثغر مبتسم
هذا المعنى يتكرر عند أبي الطيب «إذا رأيت نيوب الليث» «ولما صار ود الناس خبا»
ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم
وكن على حذر للناس تستره ... ولا يغرك منهم ثغر مبتسم
غاض الوفاء فما تلقاه في عدة ... وأعوز الصدق في الأخبار والقسم
ثم تبلغ الحكمة ذروتها في قول بعد، ويخالط ذلك نفس المأساة والغناء الحزين: -
سبحان خالق نفسي كيف لذتها ... فيما النفوس تراه غاية الألم
الدهر يعجب من حملي نوائبه ... وصبر نفسي على أحداثه الحطم
يقول شكسبير في كلمته المشهورة على لسان هامليت: (٣ - ١ - س ٥٦ - ٩٠)
To be or not to be: That is the question
стр. 2804
البقاء أم اللابقاء- ذلك هو السؤال
في السطر (٧٦) ... ... who would fardels bear,
من كان يحتمل هذه الأعباء (١) ...
هل اطلع شكسبير على قول أبي الطيب: «الدهر يعجب من حملي نوائبه؟ » أليست في حكمته في هذه القطعة من مشهور قوله أنفاس من أصداء حكمة أبي الطيب:
وقت يضيع وعمر ليت مدته ... في غير أمته من سالف الأمم
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم
فيزعم بعض البلاغيين أنا ها هنا إيجازًا بالحذف أي فساءنا والمعنى يفسد بهذا التفسير، والصواب أن نأخذه كما أعطاه الشاعر، ومن أتبعه «فساءنا» تفسيرًا له فقد حد من سعة آفاقه.
ما أشد تقلب قلوب البش ولا سيما الشعراء. قد قال أبو الطيب في مقطوعة له نونية نظمها بمصر قبل نظمه هذه الميمية:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ... وعناهم من شأنه ما عنانا
تولوا بغصة كلهم منـ ... ـه وإن سر بعضهم أحيانا
فهل أراد بقوله: «أتى الزمان بنوه في شبيبته فسرهم» تفسير قوله من قبل «وغن سر بعضهم أحيانا» فهؤلاء البعض، إنما كان سرورهم على زمان شبابه وهو المرموز له بقوله «أحيانا»، أو رجع أبو الطيب عن ذلك القول بنسبة العناء والشر إلى زمانه هو؟ ها هنا تقلب قلب الشاعر. وذلك أن روح الميمية روح حزن وغضب وهجاء.
وقد صار من بكاء فاتك وهجاء حاسده الخصي الأوكع إلى الأسف على نفسه والعبرة بموت فاتك وهجاء الناس كلهم، فكلهم خصي أوكع ودهرهم هرم برم.
وما خلا أبو الطيب في اختتامه هذه الميمية الرائعة بالزمان الهرم من تأثر بأواخر أبيات ميمية علقمة حيث ذكر النوق الحسان ومعها صغارها تتزعم ووراءها فحل أكلف مختبر كثير اللحم.
стр. 2805
فحل علقمة فتي قوي ضخم كالفيل أسود كالليل الظليل ليس بأسيود رهل خصي رخو مداهن ككافور وأشباه كافور ممن ليسوا بسود ولا خصيان ولكنهم - أو كما قال:
كأن الأسود اللابي فيهم ... غراب حوله رخم وبوم
رحم الله أبا الطيب. إنما كان شارعًا عظيم الخيال ضعيف المحال.
وقد كان ناقدًا ذواقة مبينا عالما بمكان نفسه من ذلك كله عالما أيضًا بأنه غير مصيب على ما يحسنه من جزاء مكافئء له. وقد أحسن إذ يقول لسيف الدولة:
ومالي ثناء لا أراك مكانه ... فهل لك نعمى لا تراني مكانها
وكأن قال «وكم لك من نعمى أنا استحقها وعداي الذين سيتغلبون على آخر الأمر عندك لا يرونني أهلا لذلك ولا مكانا له».
وفي هذه النونية أبيات جياد في نعت بعض ما كان من زخارف وتصاوير على ما أهدى له سيف الدولة من ثياب الدياج.
ترينا صناع الروم فيها ملوكها ... وتجلو علينا نفسها وقيانها
ولم يكفها تصويرها الخيل وحدها ... فصورت الأشياء إلا زمانها
وهذا من عجيب القول وبعيد أغواره إذ الزمان هنا عنده بعد من الأبعاد عجز الرسام أن يقيده أو يرمز له بقيد كما قد فعل بالبعاد المكانية.
وما ادخرتها قدرة من مصور ... سوى أنها ما أنطفت حيوانها
فهذا ينقل معني حيوية ما صورته من حيوان إذ لم تدخر قدرة تصويرية إلا أتت بها إلا أن ينطق الحيوان. وما خلا أبو الطيب هنا من أخذ دقيق من قول أبي عبادة
يغتلى فيهم ارتيابي حتى ... تتقراهم يداي بلمس
هذا
ومن أعجب شعر أبي الطيب ميميته:
ملومكما يجل عن الملام ... ووقع فعاله فوق الكلام
وهي قصيدة عتابية، عاتب بها كافورا كما عاتب سيف الدولة «بواحر قلباه» من قبل، غير أنه رام فيها أن يكون ألأبق، وأبعد عن تهمة إساءة الأدب بالأدب، فلم يكافح كافورا بخطاب. كلا ولم يقارب أن يكافحه بتلميح. ومع هذا فقد روى عنه أنه
стр. 2806
قال «كنت إذا دخلت على كافور أنشده، يضحك إلى ويبش في وجهي حتى أنشدته هذين البيتين يعني:
فلما صار ود الناس خبا ... جزيت على ابتسام بابتسام
وصرت أشك فيمن اصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام
فما ضحك بعدها في وجهي إلى أن تفرقنا. فعجبت من فطنته وذكائه». قلت إن صحت هذه الرواية فإنها لا تدل على ذكاء كافور ولكن على غفلة أبي الطيب، إذ البيتان واضحا الدلالة على إرادته كافروا إن صح ما ذكره عنه أنه كان يضحك إليه ويبش في وجهه وبعيد عن أبي الطيب أن يكون في مثل هذا الموضع صاحب غفلة.
وفي هذه القصيدة أشياء تعمد بها التعريض بالفراق. وأشياء أفلتت منه فيها تعريض بالهجاء. وينبه ها هنا على أن أبا الطيب لم يضمن شيئًا من الهجاء في كلماته اللواتي أرادهن مدحًا لكافور. ومن زعم ذلك له، ونسب في ذلك رواية عنه، فإن ذلك يناقض ما في هذا الخبر من إقراره بذكاء كافور. اللهم إلا أن يزعم زاعم أن أبا الطيب قد ضمن مدح كافور هجاء في طيه له، ولم يكن يخطر بباله أن كافورا من أجل سواده وانه مع ذلك خصي له من الذكاء ما يفطن به إلى ذلك، فلما تبين له أنه قد فطن له، عجب لذلك. فإقراره الذي أره بالعجب لا باعتقاد وجود الذكاء.
هذه القصيدة محكمة اتصال المعاني والأبيات. وهي مع ذلك من الضرب المخصر. شأنها فيه شأن: «واحر قلباه» و» حتام نحن نسارى النجم في الظلم». وقد قدمنا أن أصل نظره في ذلك إلى «بانت سعاد» في «واحر قلباه» ثم سواها من الشعر القديم ونظره في «حتام نحن نسارى النجم» إلى ميمية علقمة أشد. ولعلنا لا نباعد إن زعمنا أن من بواعث تأثر أبي الطيب لامية كعب، سابقة تأثره بالتصوف. وفي بعض مدائح صباه ما هو من سنخ كلام المتصوفة كقوله:
يأيها الملك المصفى جوهرا ... من ذات ذي الملكوت أسمى من سمى
نور تظاهر فيك لاهوتية ... فتكاد تعلم علم ما لن يعلما
ويهم فيك إذا نطقت فصاحة ... من كل عضو منك أن يتكلما
أي النور اللاهوتي
أنا مبصر وأظن أني نائم ... من كان يحلم بالإله فأحلما
كبر العيان على حتى إنه ... صار العيان من العيان توهما
стр. 2807
ومن سنخ المدائح النبوية قوله:
لقد حسنت بك الأوقات حتى ... كأنك في فم الدهر ابتسام
وأعطيت الذي لم يعط خلق ... عليك صلاة ربك والسلام
وإنما لم يعط خلق ما اعطيه هو الرسول ﵊، وأبو الطيب يعلم حديث الشفاعة- وفي القصيدة قبل هذين البيتين مما معدنه ديني قوله:
تحايده كأنك سامري ... تصافحه يد فيها جذام
والضمير في تحايده يعود على المال. والجذام مبالغة لأن السامري أمره أن يقول لا مساس نافرًا من كل الناس.
إذا ما العالمون عروك قالوا ... أفدنا أيها الحبر الإمام
فلما جعله حبرًا وإماما، قارب به النبوة فزعم أنه أعطى ما لم يعطه الله خلقا غيره.
ويجوز لمن يعتذر لأبي الطيب أن يزعم أنه لم يرد ممدوحه العجلى بهذا ولكنه التفت إلى مدح الرسول ﵊ وجعل ذلك ختام مسك. وهو جواز ذو بعد.
وقول أبي الطيب: «أنا مبصر وأظن أني نائم» يستوقفني منه كسماع أصداء منه في قول شكسبير.
Is this adagger I see before me ... ..
أهذا الذي أراه أمامي أخنجر هو ....
(انظر الفصل الثاني -المنظر الأول ص ٣٣ - ٤٠ من ماكبيث)
الكلمة التي يزعم بها أنه يرى شبح الخنجر الذي يريد أن يرتكب به جريمة الغدر» بدنكان» الملك. وهو بعد باب من البحث لا يتسع له مجال هذه الفصول.
وما أشك أن أخذ شكسبير من أبي الطيب خاصة ومن أبي تمام وشعراء آخرين كثير وينبغي أن يدرس ويكشف عنه.
مثلا قال أبو الطيب:
كريم نفضت الناس لما رأيته ... كأنهم جف من زاد قادم
قال شكسبير
Time hath, my lord, awallet at his back
Wherein he puts alms for oblivion
(الفصل ٣ انظر س ١٤٥ - نزويلس وكوسيدا)
стр. 2808
«الدهر على ظهره خريطة، يضع فيها أزواد الصدقة لتنسى».
ومما يشعر من بالأخذ هنا أن المكدي الذي يشبه شكسبير الزمان به هاهنا يضع ما يعطاه من صدقات (وإنما ذلك الخبر الجاف ونحوه) للنسيان. والسائل لا ينسى ما تصدق به عليه ولا يدعه للنسيان. إنما الذي يطرح زاده من حقيبته وينفض ذلك نفضا هو القادم الواجد القرى والضيافة. وفي القطعة الشكسبيرية ما ينم بمعنى الضيافة، إذ شبه الزمن فيما بعد بصاحب الخان وهذا كما تقدم باب مجال القول فيه سوى هذا الموضع.
القسم الأول من القصيدة فيه، في أول بيت وهو المطلع:
ملومكما يجل عن الملام ... ووقع فعاله فوق الكلام
نفس نهاية للنسيب. واللائمان هما صاحبا المرئ القيس اللذان صارا صحبا كثيرين في قوله:
وقوفا بها صحبي علي مطيهم
وهما صاحبا بشار اللذان قال لهما:
واسقياني من ريق بيضاء ورد
وهما صاحبا أبي نواس:
أيها الرائحان باللوم لوما
وهما الشاعر نفسه جرد من نفسه آخر فصارا اثنين وثلاثة، يلومونه إذ وقف على الطلل ثم بعد أن بكى واستبكي لم يجد شفاء إلا أن ينخرط في السير. وحبوب أبي الطيب الذي وقف على طلله هو الأمل الذي خاب عند كافور كما خاب عند كثيرين ممن حسن الظن فيهم وعقد الرجاء عليهم من قبل:
ذراني والفلاة بلا دليل ... ووجهي والهجير بلا لئام
فإني أستريح بذي وهذا ... وأتعب بالإناخة والمقام
عيون رواحلى إن حرت عيني ... وكل بغام رازحة بغامي
جعل نفسه ورواحله شيئًا واحدًا. وهذا المعنى الذي في شعر الجاهلين جاء به أبو الطيب ها هنا بارزا مكشوفا. وقوله «إن حرت عيني» أي هن يهتدين لأنهن يشممن الماء ويعرفن موارده فإذا حرت فتكفيني هداية عيونهن.
وقوله: «وكل بغام رازحة» إنما أردا به الإشارة على قول العبدي!
стр. 2809
إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين
فآهتها بغامها وهو الرجل الحزين. وأما قول التبريزي: «وصوتها إذا احتجت إلى أن أصوت ليسمع الحي يقوم مقام صوتي، وإنما قال بغامي على الاستعارة» (شرح البرقوقي ٤/ ٢٧٣ - تصوير بيروت) - فوجه واضح والتبريزي أقرب إلى زمان أبي الطيب منا، وليس الذي قاله بمبعد معنى الإشارة الذي ذكرناه، وقد سبق منا القول إن أبا الطيب كان يخفي إشاراته ولا يظهرها إظهار أبي تام إلا ما قل من ذلك.
فقد أرد المياه بغير هاد ... سوى عدى لها برق الغمام
يذم لمهجتي ربي وسيفي ... إذا احتاج الوحيد إلى الذمام
ولا أمسى لأهل البخل ضيفا ... وليس قري سوى مخ النعام
يعني وليس من قرى يلفى إذ النعام لا مخ له. ومن روى مح النعام بالحاء يعني بيض النعام ويعرفون كيف يهتدون إليه فيكره من يطاردهم اتباعهم. والمح «صفار» البيض وأطلقه على البيض كله، وكذلك يقال في ناحية «بحر أبيض» (أي النيل الأبيض) عندنا للبيض إذ يباع «المح المح» إلا أنهم يكسرون الميم.
وهذا البيت فيه مواجهة لكافور وتعريض به بالبخل، وقد كشف هذا المعنى في هجائه الصريح له من بعد. ثم يقول:
ولما صار ود الناس خبا ... جزيت على ابتسام بابتسام
وصرت أشك فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام
يحب العاقلون على التصافي ... وحب الجاهلين على الوسام
أي أنت لست بحسن الوسام من أجل ذلك، ولكني إنما أحببتك رجاء التصافي بيننا، هذا هو المعنى المستكين، وتعمده أبو الطيب، وأراد به عتاب كافور فقارب توبيخه، على شدة ما احترس.
ثم جاء بالدواهي، وكأن قد تعمد ذلك إذ قال من بعد: -
وآنف من أخي لأبي وأمي ... إذ لم أجده من الكرام
ولم يكن له أخ من أب وأم. وإنما كان أقرب الناس إليه جدته التي فيها قوله:
ولو لم تكوني بنت أكرم والد ... لكان أباك الضخم كونك لي أما
стр. 2810
وما يخلو قوله من معنى فكيف بم أيها العبد الزنيم
أرى الأجداد تغلبها كثيرا ... على الأولاد أخلاق اللئام
أي إذا لؤمت أخلاق الأولاد، وهذا كثير، غلب لؤمها شرف أنساب أجدادهم. هذا ظاهر المعنى. ولكن خطاب كافور به قد تشتم منه رائحة تفريع قول قائل، فكيف بالأمر إذ ساءت أخلق الأولاد مع النسب الدنئ المجهول؟
ولست نقانع من كل فضل ... بأن أعزي إلى جد همام
فأنا لا أهتم بالنسب ولا أفتخر به. وإنما لا نسب لك. وأنا قد اخترتك فاشكر لي هذا الاختيار
قد اخترتك الأملاك فاختر لهم بنا ... حديثا وقد حكمت رأيك فاحكم
فأحسن وجه في الورى وجه محسن ... وأيمن كف فيهم كف منعم
وأشرفهم من كان أشرف همة ... وأكبر إقداما على كل معظم
ثم يعود أبو الطيب بعد هذه الحكمة التي طيها ما ترى من هفوات إلى التعريض بالفراق:
عجبت لمن له قد وحد ... ويبنو نبوة القضم الكهام
هذا سيف الدولة، لذكر القد ولم يكن لكافور من قد، ولذكره الحد والحد للسيف الماضي. والقضم الكهام هو السيف الرديء، به تقليل من رداءة حديده، وكهام أي غير قاطع.
ومن يجد الطريق إلى المعالي ... فلا يذر المطي بلا سنام
هذا عنى به نفسه، إذ هو صاحب الأسفار. وفي هذا من قوله ما زعمنا من التعريض بالفراق والتهديد.
ولم أر في عيوب الناس شيئًا ... كنقص القادرين على التمام
هذا عنى به كافورا، والدليل على ذلك قوله «في عيوب الناس» ومن قبل قد قال: «ولما صار ود الناس خبا» والرواية التي رووا سواء أصحت أملم تصح تشهد بأن المعنى بالناس ثم هو كافور، فذلك ينساق على معناها أيضًا في هذا البيت. ودليل آخر ما كان يتوهمه أبو الطيب في كافور من القدرة على أنيهبه ضيعة أو ولاية وأن يجعله
стр. 2811
سيدا على مصر ثم على الناس جميعا - أليس يقول له:
لك الحيوان الراكب الخيل كله ... وان كان بالنيران غير موسم
وهذا الذي يرى فرسان كافور وأجناده وعظماء دولته جميعا هو الحيوان الراكب الخيل، ماذا عسى أن يكون رأيه في كافور نفسه؟
هذا آخر القسم الأول.
ويبدأ القسم الثاني من عند قوله: «أقمت بأرض مصر». وهو من عزيز الحكمة جاء فيه بوصفه الباهر التأمل للمحى:
أقمت بأرض مصر فلا ورائي ... تخب بي الركاب ولا أمامي
كافور عن التمام أنه خام دون الثقة به وتبليغه ما كان يؤمله منه أو بعضه من تنويل ضيعة أو ولاية. والذي سأله أبو الطيب ليس ببدع أن يعطاه شاعر فقد ولى أبو تمام بريد الموصل. فكأن أبا الطيب بهذه الوثبة يلفتنا إلى ما آلت إليه حاله من السقم بعد ما كان له من تأميل عند قادر مستطيع تحقيقه، ولكنه عجر عن ذلك- وهذا يا للأسف من عيوب طبيعة البشر.
ولعلك أيها القارئ الكريم قد ترى كيف صار ما كان أوجزه أبو الطيب في معاتبته سيف الدولة إذ قال:
واحر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن لجسمي وحالي عنده سقم
ههنا مفصلا مشروحا.
ضعف أبي الطيب وحسرته عند كافور، ذلك الذي أحوجه إلى شرحه سقم جسمه وحاله، شرحا مفصلا يستدر به عطف هذه القلوب القاسية.
وملني الفراش وكان جنبي ... يمل لقاءه في كلل عام
قليل عائدي .......
ولو كان أثير المكان عند دولة كافور لكان عوداه قد كثروا
. سقم فؤادي .....
هذا كأنه تكرار لقوله من قبل «واحر قلباه»
كثير حاسدي، صعب مراي
هنا انتفاضة مما سبق مما كأنه قد استكان به.
ولكن أبت الحمى إلا أن تضرعه:
стр. 2812
عليل الجسم ممتنع القيام ... شديد السكر من غير المدام
هذا يدل على أنه هذي. وقد كانت قلة العواد بهذا له رحمة، إذ لم يكن هذيان مثله ليسلم من معاني ما أخذ فيه بعد من مسالك الهجاء المقذع المر. قوله شديد السكر هو شاهد الهذيان، وحمى الورد -وهي التي يقال لها الآن الملاريا- مما يكون معها الهذيان.
وزائرتي كأن بها حياء ... فليس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا ... لعافتها وباتت في عظامي
وكذا تفعل حنى الورد
يضيق الجلد عن نفسي وعنها ... فتوسعه بأنواع السقام
من فتور وصداع وانقباض نفسي وصنوف أوجاع
إذا ما فارقتني غسلتني ... كأنا عاكفان على حرام
انتقده بعضهم بأن الحرام ليس بأخص أن يغتسل منه من الحلال وأحسن ابن الشجري الدفاع عنه إذ قال وإنما خص الحرام لأنه جعلها زائرة غريبة ولم يجعلها زوجة ولا مملوكة. [انظر شرح البرقوقي ٤ - ٢٧٦/ ٢٧٧ - الهامش] قلت أفسد ابن الشجري إحسانه شيئًا بذكره الزوجة والمملوكة. وقد أعلمنا أبو الطيب أن زائرته هي الحمى بقوله كأن بها حياء لها إذ ليست مما يوصف بذلك ولما صار على ذكر العرق وإنها غسلته به، رد ذلك إلى معنى الزائرة، ولا يكون الكلام إلا كما قال: كأنا عاكفان على حرام «ومفهوم» أنها زائرة مجازية ليست بعاكفة معه على شيء غير هذا السقم الذي هذه صفته. فذكر الزوجة والمملوكة هنا لا معنى له. ونقد من نقده بأن الحلال ليس بأخص من الحرام. تافه باطل.
كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعة سجام
وهذا تأكيد للمعنى التشبيهي المتقدم- لما جعلها غاسلة له، وذلك لامتناع قيامه، جعلها باكية لفراقه وذلك لشدة شغفها به، وقد تقدم قوله: «فعافتها وباتت في عظامي». ولما جعل لها بكاء المحب الشديد الشغف ومن قبل قال: «كأنا عاكفان على حرام» صح أن يصف نفسه على وجه التشبيه، بحال المشتاق، وإن كان حقا ليس بمشتاق ولكن مترقب أمر محتوم ليس منه من مفر.
أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام
стр. 2813
ويصدق وعدها والصدق شر ... إذا ألقاك في الكرب العظام
وكم ألقاه صدقه هو في الكرب العظام.
وقد ترى كيف مزج نعته الحمى بالحكم، بل نعته نفسه من الحكمة
وهذا آخر التخصير. ويبدأ القسم الثالث من بعد وأوله مخاطبة الحمى، مع التزام مذهب الأوائل في جعلهم بداية هذا القسم بالذكرى وإتباع ذلك ما يناسبها من أغراض البيان كما رأيت من قول علقمة.
قد أشهد الشرب فيهم مزهر رنم ... والقوم تصرعهم صهباء خرط
وقول امرئ القيس:
وقد أغتدى والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
وما أشبه ذلك.
قال أبو الطيب:
أبنت الدهر عندي كل بنت ... فكيف وصلت أنت من الزحام
عندي كل بنت هو موضع الذكرى، وما جعله بمنزلة «وقد أشهد» «وقد أغتدى» وهلم جرا
جرحت مجرحا لم يبق فيه ... مكان للسيوف وللسهام
وهنا موضع تمني الخلاص منها والشفاء والنجاة والانطلاق والحرية والفراق:
ألا ياليت شعر يدي أتمسي ... تصرف في عنان أو زمام
فقد سوى بين الخيل والإبل كما ترى، ثم عول من بعد على الإبل، خلافا لما زعم ابن رشيق من إيثاره الخيل:
وهل أرمي هواى براقصات ... محلاة المقاود باللغام
فربتما شفيت غليل صدري ... بسير أو قناة أو حسام
وضاقت خطة فخلصت منها ... خلاص الخمر من نسج الفدام
وفارقت الحبيب بلا وداع ... وودعت البلاد بلا سلام
يجوز أن يكون مراده بالحبيب معنى ما درج عليه من الكناية عن الممدوح بالمجبوب, ويجوز -والله تعالى أعلم- أن يكون له حبيب بحلب فارقه بلا وداع. وقوله بلا سلام: أي خائفا محاربا.
هذا وفي البائية «أغالب فيك الشوق» ما يفيد أنه ترك وراءه أسرة وأهلا:
стр. 2814
أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب
وأستبعد أن يكون يعني هؤلاء. فمن زعم أنه أحب امرأة بعينها بحلب من آل سيف الدولة فربما احتج بهذا البيت. وهذا أيضًا مما استبعده.
وعسى بعضه أن يكون مرده إلى روح «رومنسية» عصرنا الحديث.
يقول لي الطيب أكلت شيئًا ... وداؤك في شرابك والطعام
عاد إلى معنى «بنت الدهر» التي خاطبها قبل
وما في طبه أني جواد ... أضر بجسمه طول الجمام
ولعل أبا لطيب لو رأى عصرنا هذا الحديث أن يعجب لغلو الطب الآن في كراهية طول الجمام والنصح بالرياضة البدنية ولعجب من كثرة من يهرولون كل صباح من غير دواعي العجلة خوفا من أن يفاجئهم الموت إن لم يفعلوا ذلك.
وما في طبه أني جواد ... أضر بجسمه طول الجمام
تعود أن يغبر في السرايا ... ويدخل من قتام في قتام
فأمسك لا يطال له فيرعى ... ولا هو في العليق ولا اللجام
لعل ابن رشيق أن يقول -لو أمكنه ذلك- إن مما يدل على إيثار أبي الطيب الخيل تشبيه نفسه بالجواد هاهنا ولم يشبهها ببكر أو فنيق. ويرد على مثل هذا أن التشبيه بالجواد في باب هذا المعنى الذي قصد إليه أصح.
وإذ قد وضحت لأبي الطيب أسباب علته وسقمه، فإن ذلك أول سبيل الشفاء:
فإن أمرض فما مرض اصطباري ... وإن أحمم فما حم اعتزامي
وإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام
الأمل كل الأمل في البيت الأول. ومع الأمل انتفاضة العزم والتصميم. ولكن البيت الثاني فيه التأمل ومع التأمل الأسى واستشعار مأساة المصير -وقد صدق ما سلم من حمام الحمى إلا إلى حمام مقتله بدير العاقول:
تمتع من سهاد أو رقاد ... ولا تأمل كرى تحت الرجام
ومعنى تشبيه الموت بالنوم في الشعر- ومقبال شكسبير على لسان هامليت (٣ - س ١ - س ٥٣ - ٦١)
стр. 2815
To die: to sleep
No more; and by asleep, to say we end
The heart ache ...
«إنما الموت كالنوم ليس غير، أليس بالنوم تنتهي أوجاع القلب.»
لا يخلو من سهاد أو رقاد ... ولا تأمل كرى تحت الرجام
أي القبر.
فإم الثالث الحلين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام
وكونه مختلفا عن المنام هو ما أراده الشاعر الإنجليزي شكسبير بقوله: «٣ - ١ - س ٦٥»
To sleep: perchance to dream, ay. There's the rub
«منام وربما أحلام، أمر ما هنالك».
ومع أن مثل هذه المعاني مشترك بين البشر، مع ذلك لا نشك في أن شكسبير بلغه من علم آداب العربية في شعرها ونثرها وفي شعر أبي الطيب خاصة ما ولد منه كثيرًا من محاسنه أو أخذه أخذا.
قول أبي الطيب «فإن لثالث الحالين معنى»، ليس منشأه من فلسفة قلب زنديق أو نزعة إلحاد، لكنه من باب الفطنة والحكمة والتأمل والموعظة الحسنة مع ما يلابسه من حزن الشك العميق. فقل هذا من قبيل النزغ الذي نزل فيه قول الله تعالى: «وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم».
وقد جاء أبو الطيب بهذا المعنى الوجز جدًا ههنا أكثر تفصيلا في قوله:
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلا على شجب والخلف في الشجب
أي الهلاك
فقيل تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل تشرك جسم المرء في العطب
ومن تفكر في الدنيا وغايته ... أقامه الفكر بين العجز والتعب
وهذه الخاتمة أنسب للرثاء. وقوله:
стр. 2816
تمتع من سهاد أو رقاد ... ولا تأمل كرى تحت الرجام
فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك المنام
وقد أخل شكسبير من معنى هذين البيتي مع قوله «الدهر يعجب من حملي نوائبه» (١)
في كلمته: (هامليت ٣ - ١ س ٧٦ - ٨٢)
Who woud fardels bear,
To grunt and sweat under ameary life,
But that the dread of something after death,
The undiscover'd country from whose bourn
No traveller reurns, puzzles the will,
And makes us rather bear those ills we have
Than fly to others that we know not of?
من كان سيحمل الأعباء
ويزحر وعرق تحت نصب العيش
لولا المخافة من شيء يكون بعد الموت
الدار التي لم تكتشف ولا من حدودها
عاد مسافر، هي التي تحير الإرادة
وتجعلنا نؤثر ما عندنا من شرور
على أن نفر إلى أخرى لا نعلم أمرها.
ولا يخفى أن نظام الشعر العرب- وهذا المعنى قد ذكرناه مرات من قبل، «وعلى الله قصد السبيل ومنها جزالة شعر العرب- وهذا المعنى قد ذكرناه مرات من قبل، «وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين».
فصل ملحق بما يقع من تشابه أشكال القصائد
سبق الحديث عن الرثاء وعن الوصايا. ورب قائل فلم لا نجد لذلك من مثال بين السبع الطوال والعشر الطوال. وقد يجاب عن هذا بأن العرب اكتفت في هذا الباب بما اشتهر من المراثي مثل كلمات الخنساء وجنوب وأعشى بأهله وأوس بن حجر ومتمم. وفي الوصايا بمأثور ما جاء من ذلك في شعر ذي الأصبع وعبدة بن الطيب ولامية عبد قيس بن خفاف البرجمى.
ومع ذلك يحسن أن ننبه ههنا على أن المعلقات قد جاءت فيهم أبيات من غرض الرثاء
стр. 2817
ومن غرض الوصايا أو مدانية لذلك.
في معلقة طرفة ذكر الموت ومعاني الرثاء مصرحا بهن في قوله:
إذا مت فاتبعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الحبيب يابنة معبد
ولا تجعلني كامرئ ليس همه ... كهمي ولا يغني غنائي ومشهدي
بطيء عن الجلى سريع إلى الخنى ... ذلول بإجماع الرجال مهلد
وله كما تعلم أبيات في الموت تجرى مجرى عظات الرثاء
أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوى في البطالة مفسد
ترى جثوتين من تراب عليهما ... صفائح صم من صفيح منصد
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدد
أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر ينفذ
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخي وثنياه باليد
وفي كلمة عبيد عظات تجري هذا المجرى، وقد ختمها بافتراس العقاب الثعلب ومع أن هذا جاء به على مذهب الشعراء في تشبيه فرسه بالعقاب، روحه في جملتها روح حزن، إذ إنما جاء به في معرض الذكرى وتوجس دنو الموت.
وكلمة زهير تجري مواضع الحكمة منها مجرى الوصايا. وليس يقدح في قولنا هذا أن جعلنا الوصايا في جملتها بابا من معدن المراثي. فهذا هو الأصل، إذ الوصية أكثر ما تكون عند الموت. ثم جرت الأسفار وما أشبه من أحوال المفارقة مجرى الموت. ثم صار الوصية من باب الحكمة ومن باب النصيحة وكأنها أمر مستقل بنفسه. وقد جعل أبو تمام وصية يزيد بن الحكم الكلابي:
يا بدر والأمثال يضـ ... ـربها لذي الب الحكيم
في باب الأدب وهو الثالث في ترتيب أبواب كتاب الحماسة.
والحق أن قول زهير
ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة ... وذبيان هل أقسمتم كل مقسم
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو ... وما هو عنها بالحديث المرجم
стр. 2818
إنما هو وصية وإن يك قد سماها رسالة.
وقد ذكر عنترة الوصية في قوله:
ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى ... إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
والحرب فيها مقاربة الموت.
ومما يدلك على ملابسة الموت للوصية قوله تعالى: (ووصى بها أبراهي بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ... )
وقال تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانًا﴾ أو «حسنا» (قراءتان) ﴿ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون﴾ ... ﴿لعلكم تذكرون﴾ (بتشديد الذال وتخفيفها) ﴿لعلكم تتقون﴾ ... آيات الأنعام.
وأدب الوصايا في العربية كثير. يوصي الآباء الأبناء، وسادة القوم عشائرهم والأمهات بناتهن وكذلك الآباء. وفي كتاب الأمالي من ذلك أمثلة جياد. والمتأمل لمسرحيات شكسبير واجد فيها وصايا كثيرة، مثل وصية يوليسيس لأخيل «ترويليس وكريسيدا ١ - ٣ - ٣» ومثل وصايا كثيرة، مثل وصية بولونيوس لابنته (١ - ٣ - س ١٢٠ - ١٢٤ ... ) ولابنه (١ - ٣ ص س ٦٦ - ٨١) وهذه الوصية من مشهور كلامه ومما يختار ويحفظ وفيها مشابه قوية من بعض ما جاء في كلمة عبد قيس بن خفاف البرجمي وهي في المفضليات وأوردها صاحب اللسان كاملة وأحسب أنحبيبا لم يوردها في حماسته لشهرتها إذ ليس يخفي عن مثله مكانها:
أجبيل إن أباك كارب يومه ... فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل
كارب يومه أي دنا، وهذا سبب الوصية. وقال بولونيوس polonius وكان صاحب حجاب الملك ومن وزرائه يعظ ابنه ويوصيه وهو يودعه ما معناه «أذهب مباركتي لك وهذه الكلمات القلائل من وصيتي خطهن في قلبك خطا» (انظر هاملت الفصل الأول المنظر الثالث).
أوصيك إيصاء امرئ لك ناصح ... طبن بريب الدهر غير مغفل
فهذا ونحوه مما يقع في كثير من كلام أهل الحكمة عند وصيتهم البنين ومن
стр. 2819
بمنزلتهم ممن يهمهم أمره، وقول بولونيوس الذي قر بنا تعريبه آنفًا
There my blessing with thee!
And these few precepts in memory
Look thou character.
الله فاتقه وأوف بنذره ... وذا حلفت مماريا فتحلل
والضيف أكرمه فإن مبيته ... حق ولاتك لعنة للنزل
وأعلم بأن الضيف مخبر أهله ... بمبيت ليلته وإن لم يسأل
وهذا من صميم أدب العرب، أعني قرى الضيف ومبيته.
ودع القوارص للصديق وغيره ... كيلا يروك من اللئام العزل
وصل المواصل ما صفا لك وده ... وأحذر حبال الخائن المتبدل
وقد كشف ما تضمنه هذان البيتان من ثمين المعاني صالح بن عبد القدوس حيث قال في موضع من بائيته الطويلة الزينبية: -
ودع الكذوب فلا يكن لك صاحبا ... إن الكذوب يشين حرا يصحب
وأحذر مصاحبة اللئام فإنها ... تعدي كما يعدي الصحيح الأجرب
إن القلوب إذا تنافر ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يشعب
إن العدو وإن تقادم عهده ... فالحقد باق في الصدور مغيب
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ... ويروغ منك كما يروغ الثعلب
وقال أبو الطيب:
لا يخدعنك من عدو دمعه ... وارحم شبابك من عدو ترحم
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
يؤذي القليل من اللئام بطبعه ... من لا يقل كما يقل ويلؤم
أي أذاه للعدد الكثير على مقدار عظم لؤمه وجسامة خساسة قدره وقلته. أي كلما كان أقل والأم كان أذاه أكثر وأشد.
الظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم
стр. 2820
والذل يظهر في الذليل مودة ... وأود منه لمن يود الأرقم
ومن العداوة ما ينالك نفعه ... ومن الصداقة ما يضر ويؤلم
فهذا جار مجرى النصيحة والوصية- وقال البرجمي، وإنما ذكرنا أبيات أبي الطيب هذه لما فيها من معنى الصداقة، وتناول أبي الطيب له كثير: -
واترك محل السوء لا تحلل به ... وإذا نبا بك منزل فتحول
دار الهوان لمن رآها داره ... أفراحل عنها كمن لم يرحل
فكيف إذ ضرب الهوان بجرانه في كل دار. قال تعالى جل من قائل: ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا﴾
وقال عبد قيس:
وإذا هممت بأمر شر فائتد ... وإذا هممت بأمر خير فافعل
قال الضبي -أي أبو عكرمة- هذا مأخوذ من قول لبيد:
واكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل
غير أن لا تكذبنها في التقي ... واخزها بالبر لله الأجل
قال الشارح واخزها يعني سسها يقال قد خزاه الله يخزوه قال الشاعر:
«ولا أنت دياني فتخزوني» - قلت يجوز أن يكون الضبي قال ما قال يريد به محض المشابهة، وإلا فعبد قيس بن خفاف البرجمي من معاصري نابغة بني ذبيان وحاتم طي ولبيد بعد زمانهما، إلا أن يقال قد طال عمر لبيد، وليس ذلك بدافع ما تقدم.
وقال شكسبير على لسان بولونيوس بعد الفاتحة التي مضى ذكرها:
Give thy thoughts no tongue
Nor any unproportion'd thought his act
Be thou familiar; but by no means vulgar;
The friends thou hast and their adoption tried
Grapple them to thy soul with hoops of steel;
But do not dull thy palm with entertainment
Of each new- hatch'd; unfleg'd comrade. Beware,
Of entrance to quarrel, but being in
Bear't that th' oppsosed may beware of thee.
Give every man thy ear, but few thy voice;
Take each man's censure, but reseve thy judgement.
ترجمة تقريبية
لا تعط آراءك لسانا
ولا رأيًا غير ممحص فعله
عليك بالألفة، ولكن إياك والابتذال
أصدقاؤك الذين بلوت مودتهم
стр. 2821
نطهم إلى نفسك بأطواق من حديد
ولكن لا تكلن راحتك باستطراف
كل حديث انفلاق الصحبة عنه أزعر واحذر
الدخول في الشر ولكن متى كنت فيه
فاثبت له، لعل الخصم يخشاك
أعط كل امرئ سمعك، وقليلاً منهم صوتك
خذ من كل حديث خلاصته، واحتفظ بحكمك
لعل القارئ أحس شبهًا بين قول بولونيوس شكسبير «ولا رأيًا ممحصًا فعله» وما مر من كلام عبد قيس «وإذا هممت بأمر شرد فاتئد» - وانظر بعد قوله:
وإذا أتتك من العدو قوارص ... فاقرص كذاك ولا تقل لم أفعل
فهذا مشبه لقوله واحذر الدخول في الشر
وإذا افتقرت فلا تكن متخشعًا ... ترجو الفواضل عند غير المفضل
وصاحب شكسبير ينهى ابنه أن يسلف أو أن يستدين في قول له من بعد
Neither a borrower, nor a lender be
«لا تكن آخذ دين ولا مسلفه»
وكلام عبد قيس ذو عموم وكلام بولونيوس أشبه بطبيعة الطبقة التي منها هو وابنه على زمان شكسبير.
وإذا لقيت القوم فاضرب فيهم ... حتى يروك طلاء أجرب مهمل
هذا أشبه يقول صاحب شكسبير «ولكن متى كنت فيه فاثبت لعل الخصم يخشاك»
واستغن ما أغناك ربك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتجمل
стр. 2822
أي استغن عن الناس إذا اغتنيت من غير تضييع غير للحقوق. وهذا البيت غير جد بعيد عن معنى النهي عن التسليف وعن الدين
واستأن حلمك في أمورك كلها ... وإذا عزمت على الهوى فتوكل
وهذا مقارب لما نصح به بولونيوس من الإصغاء وتأجيل الحكم حتى يتبين أمره.
وإذا تشاجر في فؤادك مرة ... أمران فاعمد للأعف الأجمل
وإذا لقيت الباهشين إلى الندى ... غبرًا أكفهم بقاع ممحل
فأعنهم وأيسر بما يسروا به ... وإذا هم نزلوا بضنك فانزل
وهذا من آداب مجتمع العرب. وفي كلمة شكسبير مما لم نذكره ما يقابله من آداب مجتمع الإفرنج من هيئة الزي وإظهار يسار الحال من غير تباه بذلك.
هذا وليس الأرب من إيراد كلمة عبد قيس وما استشهدنا به من كلام شكسبير الموازنة في باب الأخذ والسرقات والتوليد وما يجري هذا المجرى من تشابه ألوان البيان وخواطره.
وإن كان ذلك مما لا يخرج عن أربنا كل الخروج. ولكنا إذ نحن بمعرض الحديث عن أشكال القصيد أردنا أن نتساءل، هل لناقد أن يعد كلام شكسبير على لسان بولونيوسه هذا قطعة شعر غنائي؟ وظاهر أن الجواب نفي إذ هذه قطعة من مسرحية معروفة.
أفسنخ كلام بولونيوس هذا من حيث هو نصيحة وخطاب حكيم مختلف عن سنخ كلام عبد قيس، وما استشهدنا به من كلام صالح بن عبد القدوس وأبي الطيب؟ فلماذا يعد كلام هؤلاء غنائيًا؟
الفرق في طريقة التناول. الشاعر العربي مكافحنا لا يحجبه حجاب.
وقد وضحنا القول وفصلناه من قبل أن هذه المكافحة ليست بالغناء (بمعناه النقدي الاصطلاحي الإفرنجي) ولا ينبغي لها أن يلتبس أمرها بأمره. الأديب الإفرنجي والرومي واليوناني من قبل كل أولئك يستتر مستترهم وراء المسرحية ووراء الملحمة فلا يكافح مكافحة صارحة وقولهم غنائي (ليريك بالمعنى الاصطلاحي) لا يعنون به الغناء والترنم وما هو من هذا الباب من الموسيقا. فهذا أبدًا ملازم للشعر. وقد كانت مسرحيات يونان فيما ذكر تصحبها الموسيقا والغناء. ومسرحيات شكسبير فيها الخطب والأسجاع والمرسل المزدوج والقطع الرنانة الوزن من الأغاني. الشعر -كما قال سيبويه- وضع
стр. 2823
للغناء والترنم. وهو كما قال الفارابي رئيس الهيئة الموسيقية. من أجل ذلك الشعر موزون. والقافية عندنا من الوزن طرف.
والإيقاع والبيان وضروب الأشكال كل ذلك مذاهب وأداء والله أعلم وهو الموفق للصواب.
أسلوب المقالة: تمهيد: أولاً: -
نبه الدكتور طه حسين ﵀ في «من حديث الشعر والنثر» إلى أثر الشعراء على الكتاب. كما قد نبه على أثر أساليب الشعراء من قبل على أساليب الكتاب، حتى صارت كثير من الأغراض التي إنما كانت للشعر يتناولها الكتاب. وقد عرضنا لجوانب من هذا كله في معرض الحديث عن الرومي.
وقد ذكرنا أن ابن الرومي قد اتبع في الذي صنعه مذاهب أبي تمام كما اتبع أساليب أهل ضروب البيان من كتاب وخطباء من قبل. وقد ذكروا أن بشارًا أبا المحدثين قد كان خطيبًا متكلمًا كما قد كان شاعرًا وراجزًا.
والقارئ أصلحه الله يذكر ما قلنا عن أطوار قصيدة المدح وما أشبهها كيف لما كسدت أخذ الشعراء في مسالك من النظم كالمقامات والألغاز والأوصاف البديعية الزخارف، حتى نهضت قصيدة المدح النبوي فكانت هي سيدة مجال الشعر- إلى أن أحدقت بنا غوائل العصر الحديث من تفوق أوربا الحربي واستعمارها.
ثم جاء رواد النهضة فانعرجوا بما أفادوه من أوزان المدائح النبوية إلى نظم جديد نظروا فيه إلى أحوال دنياهم، وجعلوا له نماذج من الشعر القديم يجرونها على أساليب بلاغته وبيانه. وكان أبو الطيب المتنبي رأس ما حذوا عليه أولاً ذلك ظاهر في شعر الطهطاوي. ثم صير من بعد إلى الحذو على غيره: أبي تمام، وأبي عبادة والقدماء من إسلاميين وجاهليين:
كانت المعلقات حينًا من الدهر لا تدرس ولا تحفظ لأنها شعر يحرك القلوب ولكن لأنها من متون العلوم، شأنها في ذلك شأن ألفية ابن مالك من حيث رفعة المنزلة العلمية. وقد ألحقت البرد والهمزية وبانت سعاد بهذا الضرب من الرفعة أيضًا. إلا أن ثلاثتهن كان لهن مع ذلك حظ تغني المداح بهن والذاكرين، فكن بهذا في باب ما يراد له الشعر من تحريك القلوب أدخل.
كانت ديباجة الشعراء الذين انحرفوا بالفصيح الموزون المقفي من طريقه في المدحة النبوية إلى طريق دنيوي، أول الأمر ضعيفة، ثم جعلت تداخلها المتانة. وكان من أسباب ذلك النظر المتذوق للشعر القديم. وقد سبق أن ذكرنا ما كان للشناقيط العلماء
стр. 2824
خاصة من تأثير في هذا الباب.
ثم جاء محمود سامي البارودي.
ولا ريب أنه أصاب ملكة الإيقاع والوزن من المديح النبوي. ولكنه عكف على الشعر القديم عكوف محب. وأتيح له من درس أساليب الجزالة ومن مختار بلاغات العربية حظ عظيم. ومختاراته تشهد بسعة اطلاعه وجودة نقده الشعر وتذوقه له. وقصيدة البارودي شكلها وديباجتها كل ذلك عربي نقي أصيل.
بردة البارودي التي جاري بها البوصيري ليست من جياده. ومن عجب الأمر لم تكن للبوصيري، وهو في الشعر قمة، جياد في ما نظمه للدنيا. فأنظر كيف دار تاريخ الأدب دورة كان ناطقها عهد انتصار الإسلام على الصليبين من لا يجيد حقًا إلا في مدح الرسول ﵊ والدفاع عن الإسلام، وكان ناطقها عهد تغلب خلفاء الصليبيين على أبناء المسلمين من لا يجيد حقًا في هذا الباب، ولكن في القريض الذي يجيش من قلب كقلب أبي الطيب ولسان من معادن النابغة وزهير وأمرئ القيس.
البارودي سيد «الرومانسية الحديثة» في الشعر العربي. الرومانسية اصطلاح أدبي عصري أخذناه من الإفرنج. ومعناه الوجدانية أو وجدانية الأسلوب. وصدق «برتراندرسل» إذ زعم أن كل الشعر الجيد لا بد فيه من «الرومانسية» إذ كل الشعر الجيد قلبي الجوهر وجدانيه. غير أن الوجدانية الاصطلاحية -التي هي الرومانسية- يدخل فيها مع الوجدان نوع من التكلف له والغلو فيه والتواجد به. البارودي من كل ذلك برئ.
قال الدكتور محمد صبري السوربوني ﵀ في كتاب له اسمه «نشأ البارودي في بيت مجد مؤثل، هو ابن حسن بك حسني الذي كان من أمراء المدفعية ثم صار مديرًا لدنقلة وبربر على عهد محمد علي باشا، ابن عبد الله بك الجركسي ينتهي نسبه إلى المقام السيفي نوروز الأتابكي أخي برسباي قرأ المحمدي. والترك والجركس هم آخر طبقة من الغرباء وفدوا إلى مصر واتخذوها وطنًا وتوالدوا فيها فأصبحوا «مولدين» - روى صاحب الهلال أن البارودي كان شديد الحرص على معرفة نسبه وأنه
стр. 2825
بذل نحو ٣٠٠٠ جنيه في سبيل البحث عنه في أنحاء القطر ومراجعة النصوص وغير ذلك. ولد صاحب الترجمة بسراي باب الخلق لثلاث بقين من رجب سنة ١٢٥٥ هجرية وفي سنة ١٢٦٢. توفي والده بناحية دنقلة وكان عمره إذ ذاك سبع سنين وفي ذلك يقول لما ناهز العشرين:
لا فارس اليوم يحمي السرح بالوادي ... طاح الردى بشهاب الحرب والنادي
مات الذي ترهب الأقران صولته ... ويتقي بأسه الضرغامة العادي
مضى وخلفني في سن سابعة ... لا يرهب الخصم إبراقي وإرعادي
فإن أكن عشت فردًا بين آصرتي ... فهأنا اليوم فرد بين أنداد
هذا الشعر كما تراه متين محكم النسج نظمه في سن صغيرة، فما سر هذه القوة التي تجلت قبل الأوان في عصر مقفر من الشعر الجيد؟ أهو في تربيته القومية أم في طبعه واستعداده.
شرح محمود سامي في سن الثامنة يتلقى مبادئ العلم على أساتذة كانت تحضر في منزله ودخل سنة ١٢٦٧ هـ أي في سن الثانية عشرة مدارس الحربية وتخرج منها برتبة باشجاويش سنة ١٢٧١ في أوائل تولية سعيد باشا، وكان عمره إذ ذاك ست عشرة سنة ويقال إنه كان يتعاطى صناعة الشعر في أثناء دراسته. أما تربيته الأدبية فإليك ما قاله عنه الشيخ حسين المرصفي في الوسيلة الأدبية وكان من أعرف الناس به: «محمود سامي الباردوي» لم يقرأ كتابًا في فن من فنون العربية غير أنه لما بلغ سن التعقل وجد في طبعه ميلاً إلى قراءة الشعر وعمله فكان يستمع بعض من له دراسة وهو يقرأ بعض الدواوين أو يقرأ وهو بحضرته حتى تصور في برهة يسيرة هيئات التراكيب العربية فصار يقرأ ولا يكاد يلحن ... ثم استقل بقراءة دواوين مشاهير الشعراء من العرب وغيرهم حتى حفظ الكثير منها دون كلفة واستثبت جميع معانيها ناقدًا شريفها من خسيسها ثم جاء من صنعة الشعر اللائق بالأمراء.» أ. هـ قال أبو العلاء المعري في رسالة الغفران بمعرض الحديث عن بيت لبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها
على لسان ابن القارح يسأل لبيدا: «هل أردت ببعض معنى كل؟ فيقول لبيد: كلا إنما أردت نفسي. وهذا كما تقول للرجل إذا ذهب مالك أعطاك بعض الناس مالاً وأنت تعني نفسي في الحقيقة وظاهر الكلام واقع على كل إنسان وعلى كل فرقة تكون
стр. 2826
بعضًا من الناس.» (ص ٢١٦ من تحقيق ابنه الشاطئ، مصر، دار المعارف ١٩٥٢ م).
مقال المرصفي الذي نقله السوربوني (١) رحمهما الله فيه «بعض من له دراسة» وما أرى المرصفي أراد غير نفسه. ولنعم كان حظه من التوجيه إن كان صاحب الوسيلة قد تولى جانبًا من ذلك من أمره.
قال السوربوني (ص ٢٢ من أدب وتاريخ): لم يكن عصره يساعد على تكوين ملكة البلاغة لأن حامل لواء الشعر إذ ذاك محمود صفوت الساعاتي الذي أعقب الدرويش، حدثني المرحوم حفني بك ناصف مرة أن أجود قصيدة نظمت في عهد محمد علي هي القصيدة التي مطلعها:
يا آل طه عليكم حملتي حسبت ... إن الضعيف على الأجواد محمول
والتي ما زال إلى اليوم بعض سكان الريف يحفظونها، وكان الليثي والنجاري والأبياري والنديم ورفاعة وأبو النصر وغيرهم من معاصري الساعاتي مولعين بالبديع محتذين مثل البهاء زهير وابن خفاجة وغيرهما من المتأخرين الذين ليسوا من حلبة هذا الميدان. أما فيما يتعلق بالوراثة فقد قال الباردوي:
أنا في الشعر عريق ... لم أرثه عن كلالة
كان إبراهيم خالي ... فيه مشهور المقالة
وسما جدي علي ... يطلب النجم فناله
لا أظن أن خال البارودي كان شاعرًا يمتاز عن أهل عصره، ولكن لعل البارودي وجد فيه مشجعًا على قول الشعر كما وجد في المعالي التي يفخر بها، وفي معاهد العز والشباب التي درج فيها. ولكن هذا لا يكفي لأن يبرز شاعر غض الإهاب على معاصريه ثم يجري على غاربه حتى يلحق بفحول المتقدمين قبل أن يطوي برد الشباب. إذن كان سر قوة هذا الشاعر في طبعه، وكانت في قرارة نفسه عين كامنة ما
стр. 2827
لبثت إن وجدت منفذًا ضئيلاً فتفجرت بالسحر الحلال ولم ينضب، روى الأستاذ خليل مطران في فصل رائع: «لقد تسامحت يومًا بدالة الود فسألته أية حال من أحوال حياتك كنت فيها أميل إلى الشعر وأكثر استغالاً به، فأجابني أن خطرات الشعر صحبتني في أيامي كلها ولم تفارقني إلا في أقلها.».أ. هـ.
قلت، ليت شعري هل حسب مطران البارودي صناعًا مثله؟ وإذن لكان أجابه، آخذًا من كلام ابن قتيبة، يوم شرب الدواء، ويوم المنفى. وصدق مطران لقد تسامح بأيما دالة حين سأله. وصدق البارودي في الجواب، وكان صدوقًا.
قولهم البارودي نسبة إلى محله بمصر يقال لها إيتاي البارود «إحدى بلاد مديرية البحيرة، ذلك أن أحد أجداده الأمير مرادًا البارودي بن يوسف شاويش كان ملتزمًا لها، وكان كل ملتزم ينسب في ذلك العهد إلى التزامه» - كما في مقدمة ديوانه بقلم محمد حسين هيكل باشا (طبعة دار المعارف ١٣٩١ هـ-١٩٧١ م ص ٦).
بلغني أن كتابًا صدر رسالة في إحدى جامعات مصر، عن نشأة البارودي فلعله يضئ لنا بعض السبيل عن أوائل تعليمه، فإن في النفس شيئًا من أن يكون بدأ التعلم بعد موت أبيه كما هو أول ما يتبادر من ظاهر ترجمة السوربوني ﵀ له. وكما في مقدمة الديوان (ص ٦) حيث قال: «مات أبوه بدنقلة وهو في السابعة من عمره فكفله بعض أهله وضموه إليهم وقد تلقى في بيتهم دراسته الأولى من الثامنة إلى الثانية عشرة من عمره ثم التحق بالمدرسة الحربية أ. هـ» - قلت بعيد جدًا أن يكون أبوه وهو مدير دنقلة وبربر ومن بيت فضل وسراوة عريق أن يغفل عن قرآن ابنه في السن التي يؤخذ فيها الصغار بذلك. لعلهم حين يبلغون السابعة -وذلك حين يؤمرون بالصلاة ويضربون عليها- يكونون قد حفظوا من المفصل قدرًا صالحًا. وقد كانت في دنقلة وبربر خلاوي (أي كتاتيب) قرآن.
وكان في بربر فقهاء على المذهب الشافعي وهو مذهب أهل مصر الغالب، وقرأة لهم علم بالتجويد من طريق الشاطبية وغيرها. فما يبعد أن يكون أبوه وقد كان حاكمًا قادرًا على ذلك، يستقدم منهم إلى داره، أو يبعث بابنه إلى بعضهم في الخلوة مع خادم
стр. 2828
يحرسه. وهذا الوجه أقرب وأشبه ببداوة أحوال تلك البلاد وذلك الزمان. مهما يكن من الأمر، فإنه بعيد كل البعد أن يكون أبواه أهملاه لا يقرأ ولا يكتب حتى السابعة.
ورواية السوربوني التي روى عن حفني ناصف رحمة الله عليهما تفيد مثل ما قدمناه من غلبة المديح النبوي على الشعر إذ واضح أن:
يا آل طه عليكم حملتي حسبت ... إن الضعيف على الأجواد محمول
مدحة نبوية على روي بانت سعاد وبحرها.
ومجاراة البارودي للبردة منبئة بسماعه لها، ويكون ذلك منذ أيام الصبا إذ كانت هي المدحة الكبرى المعروفة في جميع آفاق الإسلام.
وبردته كما قدمنا دون شعره. وله جيمية نبوية يشوب نصوع الديباجة فيها شوائب تكدره شيئًا من أساليب الشعر التي لا تلائم روحانية التعبد والتوسل. وهذا ما حذرت منه الباعونية رحمها الله. ونظم البارودي المديح النبوي منبئ عن تأثره به في زمان باكر.
أول الجيمية التي أشرنا إليها:
يا صارم اللحظ من أغراك بالمهج ... حتى فتكت بها ظلمًا بلا حرج
ومما قال في نسيبها:
أبيت أرعى نجوم الليل في ظلم ... يخشى الضلالة فيها كل مدلج
كأن أنجمه والجو معتكر ... غيدا بأخبية ينظرن من فرج
وهذا مما يقع تحت طائلة نقد الباعونية.
ثم هذا كأن قد ابتعد كل البعد عن القصد بمقدمته إلى المديح النبوي إذ أخذ في بعض مسلك هيام صناعة الشعراء:
ليل غياهبه حيرى وأنجمه ... حسرى وساعاته في الطول كالحجج
كأنما الصبح خاف الليل حين أرى ... ظلماءه ذات أسداد فلم يلج
وهذا يذكر ببعض أضرب تعب المتنبي- وما أشبه أن يكون نظر في قوله كأنما الصبح إلخ إلى قول أبي الطيب كأن الصبح يطردها وليس مما تعب أبو الطيب فيه- ولكن من أمثلة تعبه ﵀.
فليت من لامني لانت شكيمته ... فكف عني فضول المنطق السمج
стр. 2829
ما أحسب البارودي كان يقدم على استعمال «السمج» لولا ما آنسه بها أبو تمام في قوله: «سماجة غنيت البيت» ونحو ذلك.
يظن بي سفها أني على سرف ... ولا يكاد يرى ما فيه من عوج
فاعدل عن اللوم إن كنت امرأ فطنًا ... فاللوم في الحب معدود من الهوج
في قوله «الهوج» عناء ما. وقد اتبع سبيل النواسي حيث قال:
لا تحظر العفو إن كنت امرأ حرجًا ... فإن حظركه بالدين إزراء
ثم صار إلى خروج المدح النبوي
هيهات يسلك لوم العاذلين إلى ... قلب بحب رسول الله ممتزج
هو النبي الذي لولا هدايته ... لكان أعلم من في الأرض كالهمج
وهذا مأخوذ من قول البوصيري ومحذو عليه، أعنى قوله:
هو الحبيب الذي ترجى شفاعته ... لكل هول من الأهوال مقتحم
ولا يعجبني قوله «كالهمج» ههنا على استقامة معناه- ولا عجز البيت بأسره. تأمله:
لكان أعلم من في الأرض كالهمج
تجده منخفض الدرجة عن الديباجة العالية. وأتى البارودي من متابعة بيت البوصيري المتقدم، وعجز ذلك قوي الارتباط بصدره. وعجز بيت البارودي كأنه تعليق منفصم. وهذا يجعل نفسًا من أنفسا الكلام العامي يوشك أن يخالطه. فذلك مما يكون قد قصر به. ثم يقول ﵀:
أنا الذي بت من وجد بروضته ... أحن شوقًا كطير البانة الهزج
قوله «أنا الذي» من أبي الطيب، وهو ظاهر. وقوله كطير البانة الهزج هل عنى به أنه كان يتغنى وهو ينظم من هذه الجيمية وينشد كإنشاد مدائح الرسول ﷺ ؟
وياليت شعري إذ يشتاق البارودي إلى الروضة الشريفة ها هنا ويحن، هل كان في صباه الأول ابن ست سمع بدنقلا أو ببربر أو بسواكن إذ يصحب أباه فقراء تلك البلاد ينشدون المدائح مما كان قد ازدهر ازدهارًا وخاصة في هذه الأقاليم التي ذكرنا هل سمع مثلاً:
стр. 2830
لقد طال شوقي يا أميني لطيبة ... أشخصها طورًا وطورًا أناظر
تذكرت يا خلي ليالي مبيتنا ... بمسجدها والقوم باك وذاكر
تهيج شوقي قبة النور وهي في ... ضياء له العافون شاموا وسامر
وإن لها نورًا إلى العرش ساطعًا ... تشاهده أبصارنا والبصائر
صاحب هذه القصيدة توفى قبل مولد البارودي بسبع سنين أو نحوها وكان صيته قد طبق الآفاق ومدائحه تنشد في الأقاليم التي ذكرنا وكثير غيرها، وكان قد صنع للبجاة بناحية سواكن مدائح بالعربية السهلة على أنغامها في صيد السمك فكانوا ينشدونها، وأخذت عنهم فكانت بلا ريب تنشد في نواحي بربر. والله تعالى أعلم.
كان البارودي مثقفًا بثقافة الضباط، وكانت من أعلى ضروب الثقافة الحديثة التي يحصل عليها في ذلك الزمان. ومع الثقافة الحربية كانت الممارسة وأنه من طبقة الجاه والرياسة. ثم مع ذلك سعة الاطلاع والعلم بالعربية القليل النظير. ثم ما من الله عليه من تفتح آفاق النفس بتجارب السفر- فرأى مع بلاد الإسلام بلاد الكفر أيضًا وقد صحب اسمعيل باشا الخديوي الطموح وزار اصطمبول وفرنسة وانجلترا وخاض غمار السياسة وتولى أعباء الوزارة. ثم مع هذا كله وفوقه كان شاعرًا. شاعرًا فارسًا كربيعة بن مكدم وكعنترة بن شداد وكعامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب وامرئ القيس وطفيل الغنوي وعمرو بن كلثوم جميعًا، أم ليس هو القائل:
ولقد هبطت الغيث يلمع نوره ... في كل وضاح الأسرة أغيد
تجري به الآرام بين مناهل ... طابت مواردها وظل أبرد
بمضمر أرن كأن سراته ... بعد الحميم سبيكة من عسجد
هذا من قول طفيل:
وكمتا مدماة كأن متونها ... جزى فوقها واستشعرت لون مذهب
وأحسبه قد مر مع الكلمة التي هو منها في باب الأوصاف
خلصت له اليمنى وعم ثلاثة ... منه البياض إلى وظيفة أجرد
وكأنما انتزع الأصيل رداءه ... سلبًا وخاض من الضحى في مورد
هذا كقول الكلحبة ويروى بعضه لسلمة بن الخرشب وكلاهما مفضلي:
تسائلني بنو جشم بن بكر ... أغراء العرادة أم بهيم
هي الفرس التي كرت عليهم ... عليها الشيخ كالأسد الكليم
أي هو الكليم أو نعت رد على الشيخ ولا إقواء
стр. 2831
إذا تمضيهم عادت عليهم ... وقيدها الرماح فما تريم
تعادى من قوائمها ثلاث ... بتحجيل وقائمة بهيم
كميت غير محلفة ولكن ... كلون الصرف على به الأديم
وقد تصرف البارودي فجعل الأصيل ومورد الضحى مكان «غير محلفة إلخ» ونظر من طرف خفي إلى قول أبي الطيب «كأنه من الليل باق إلخ بيت البائية»
زجل يردد في اللهاة صهيله ... رفعًا كزمزمة الحبي المرعد
هذا عجزه من بيت كعب:
من سره ضرب يمعمع بعضه ... بعضًا كمعمعة الآباء المحرق
وما خلا أوله من وحي من بيت طفيل: «وإن يلق كلب بين لحييه يذهب» وقد ترى ذكره اللهاة، فما بدت لهاته إلا لشحوه فاه، فهذا قول طفيل.
متلفتا عن جانبيه يهزه ... مرح الصبا كالشارب المتغرد
فإذا ثنيت له العنان وجدته ... يمطو كسيد الردهة المتورد
يشير إلى قول طرفة وليس هذا بأخذ ولا توليد ولا سرقة ولكن تلذذ وترنم.
وإذا أطعت له العنان رأيته ... يطوى المهامه فدفدا في فدفد
يكفيك منه إذا أحس بنبأة ... شد كمعمعة الأباء الموقد
يشير إلى بيت كعب والأخذ في الحذو الذي أشرنا إليه من قبل لا هنا.
صلب السنابك لا يمر بجلمد ... في الشد إلا رض فيه بجلمد
نعم العتاد إذا الشفاه تقلصت ... يوم الكهريهة في العجاج الأربد
هذا يشير به إلى قول عنترة «إذ تقلص الشفتان البيت»
ولقد شربت الخمر بين غطارف .. شم المعاطس كالغصون الميد
هنا نغم عنترة وإيقاعه وإشارة إليه. رنة هذا البيت مثل رنة بيت عنترة:
ولقد شهدت الخيل يوم طرادها ... بسليم أوظفة القوائم هيكل
وأوله كأول قوله «ولقد شربت من المدامة البيت» - وفي أبيات البارودي من قبل «ولقد شهدت الحرب في إبانها». وسائر البيت من قول حسان: «شم الأنوف من الطراز الأول».
стр. 2832
يتلاعبون على الكئوس إذا جرت ... لعبا يروح الجد فيه ويغتدى
لا ينطقون بغير ما أمر الهوى ... فكلامهم كالروض مصقول ندى
من كل وضاح الجبين كأنه ... قمر توسط جنح ليل أسود
هنا شريحان من أدب كئوس ضباط الحربية العصرية الأوروبية بعض السمت، ومن أدب «وإذا شربت» و «إذا صحوت» «وفتية كسيوف الهند» ذلك قد يستفاد من قوله: «يروح الجد فيه ويغتدى». وفي قوله، «لا ينطقون» رنة من إيقاع «لا يستفيقون منها وهي راهنة». وقوله: «ما أمر الهوى» يوقف عنده شيئًا: أكان في المجلس نساء أم هي أنفاس نواسية أم معاذ الله- بل لا يعدو أن يكون أراد الغناء من عود ونحوه، فهذا الذي يأمر به الهوى في مثل هذا المجلس. وقوله «من كل وضاح» بحتري الصياغة والرنة- قال أبو عبادة:
وتراه في ظلم الوغى فتخاله ... قمرًا يغير على الرجال بكوكب
ثم صار بعد مجلس الشراب إلى ذكر مغامرة الغرام. والقصيدة شبه مخصرة. بدأها بخلط ذكر الهم بالرحيل من الأحباب وشكوى الصبابة وهو قوله:
ظن الظنون فبات غير موسد ... حيران يكلأ مستنير الفرقد
تلوي به الذكرات حتى إنه ... ليظل ملقى بين أيدى العود
طورًا يهم بأن يزل بنفسه ... سرفًا وتارات يميل على اليد
وكأنما افترست بطائر حلمه ... مشمولة أو ساغ سم الأسود
قالوا غدًا يوم الرحيل ومن لهم ... خوف التفرق أن أعيش إلى غد
هي بهجة ذهب الهوى بشغافها ... معمودة إن لم تمت فكأن قد
هنا تروض الملكة القوية سبيل فض مكنون قلب الشاعر إلى ما يرومه من اغراض البيان الجهير على نمط القصيدة العربية الأصيلة- هنا النابغة، تحس صدى إيقاعه في «غير موسد» «أيدى العود» «يميل على اليد» «غدًا يوم الرحيل» - وتحس عنترة في «طورًا يهم» [تذكر طورًا يجرد للطعان]- وتحس نغم الحماسي في «وكأنما افترست» ذلك قول سلمى بن ربيعة.
стр. 2833
وكأن في العينين حب قرنفل ... أو سنبلا كحلت به فانهلت
وقوله: «وكأن قد»، نابغي. والمطلع كله بعضه نابغي وبعضه كالأسود بن يعفر ثم إذ مهد سبيل النسيب صار إليه:
يأهل ذا البيت الرفيع مناره ... أدعوكم يا قوم دعوة مقصد
إني فقدت اليوم بين بيوتكم ... عقلي فردوه علي لأهتدي
أو فاستقيدوني ببعض قيانكم ... حتى ترد إلي نفسي أو تدي
قول البارودي «يأهل ذا البيت» بشعرنا أنه بإزاء الوداع. ولا سبيل إليه إلا بحديث العيون: -
بل يا أخا السيف الطويل نجاده ... إن أنت لم تحم النزيل فأغمد
جعل نفسه ضيفًا على حي المحبوبة ولكن فارس الحي لا يستطيع حمايته من فتك عيون حسانه، وها هم هؤلاء قد أجمعوا أمرهم للرحيل وارتهنوا فؤاده عندهن.
هذى لحاظ الغيد بين شعابكم ... فتكت بنا خلسا بغير مهند
من كل ناعمة الصبا بدوية ... ريا الشباب سليمة المتجرد
ما أرى إلا أن ها هنا خطأ في الطبع أو قراءة من قرأ من خط البارودي، وما أشبه أن يكون عجز البيت «ريا الشباب سلبية المتجرد» أي لو قد سلب متجردها لألفيت ريا الشباب. أما سليمة المتجرد فضعيفة لا تشبه أسر القصيدة ونغم جزالتها. فإن تكن هي الصواب، فلرب كبوة من جواد. وإن تكن هي التي قالها البارودي فما جرتها إليه إلا إشعاره بأنه حضري حيث جعلها بدوية، ثم أتبع ذلك ما عند الحضر من توهم سلامة الجسم وصحته في البادية- والمعنى على هذا التأويل يسوغ ولكنه يفقد رنة قوة أسرة. إذ البدوي حقًا هو شاعرنا لا هذه التي زعمها بدوية. وسلبية بالباء الموحدة التحتية يستقيم بها المعنى -وباؤها أشد ملاءمة لما من قبل من الباءات- والله أعلم.
هيفاء إن خطرت سبت وإذا رنت ... سلبت فؤاد العابد المتشدد
سلبت ها هنا ما زعمنا من «سلبية» قبل وتكون حالاً منصوبة.
ثم يجئ شيء كالتحضير، أوله نظر في أمر النساء فيه مشابه من مقال علقمة حيث قال: «فإن تسألوني بالنساء ... »، ثم بعد ذلك تنويه بفروسيته ويكون ذلك كالنطاق وكالتوشيح يصل به إلى تذكر الخيل والشراب والمغامرة الغرامية. وفي هذه الدالية بعد، لبدئها بالليل، ثم جعل بداية الذكريات اغتداء بالفرس، كالحذر على
стр. 2834
نموذج من دالية الأسود بن يعفر «نام الخلي وما أحس رقادي» وقد بينا من قبل أن هذه الدالية تساير المعلقة من عند ذكر الليل إلى نهايتها أو قريب من ذلك. -قال البارودي-:
يخفضن من أبصارهن تختلا ... للنفس فعل القانتات العبد
«فعل القانتات العبد» يشير إلى قوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات﴾ وقوله: ﴿يغضضن من أبصارهن﴾ في صياغة ورنة إيقاعه نظر إلى قول الأسود: «ينطقن معروفًا وهن نواعم البيت» ينطقن مخفوض الحديث تهامسًا»
فإذا أصبن أخا الشباب سلبنه ... ورمين مهجته بطرف أصيد
وإذا لمحن أخا المشيب قلينه ... وسترن ضاحية المحاسن باليد
فهذا ما زعمنا من اتباعه مقال علقمة- ثم يجئ حديثه عن نفسه:
فلئن غدوت دريئة لعيونها ... فلقد أفل زعارة المتمرد
الدريئة الهدف وأشار إلى قول قطري:
فلقد أراني للرماح دريئة ... من عن يميني مرة وأمامي
وهذه الإشارة صارت به إلى ذكر الحرب:
ولقد شهدت الحرب في إيانها ... ولبئس راعي الحي إن لم أشهد
وقد ذكرنا من قبل أخذ البارودي هنا من إيقاع عنترة وحذا على حذوه حيث قال:
ولقد شهدت الخيل يوم طرادها ... بسليم أوظفة القوائم هيكل
فدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
هذا العجز من بيت عنترة صداه في قول شاعرنا «ولبئس راعي الحق» وفي روى البارودي وبحره وبعض صياغته أصداء من كلمة عامر بن الطفيل
ولتسألن أسماء وهي حفية ... نصحاءها أطردت أم لم أطرد
وأظهر ما في دالية البارودي من أصداء هذه الكلمة العامرين بعد الروي والقافية رنة المضارع المنفي بلم- لم أطرد- لم يسند- لم يقصد- لم توقد. وجاء به البارودي مرتين
стр. 2835
في القافية -لم أشهد- لم ينفد وقارب في قوله: إن لم تحم النزيل فأغمد». وفي لو لم ينقض» (١).
تتقصف المران في حجراتها ... ويعود فيها السيف مثل الأرد
أي ذا فلول
عصفت بها ريح الردى فتدفقت ... بدم الفوارس كالآتي المزبد
ما زلت أطعن بينها حتى انثنت ... عن مثل حاشية الرداء المجسد
قوله ما زالت ينظر إلى قول عنترة: «ما زلت أرميهم بثغرة نحره البيت- وهذا آخر ما شبهناه بتخصير المتنبي والقدماء من قبل. ومن بعده ما ذكرنا من أبيات الذكرى، وختم بمغامرة الغرام وبأبيات الحكمة على النحو الذي ختمت به دالية الأسود في رواية من روى:
فإذا وذلك لا مهاه لذكره ... والدهر يعقب صالحًا بفساد
واستهل أبيات المغامرة بنمط جاهلي ثم مضى فيه:
بل رب غانية طرقت خباءها ... والنجم يطرف عن لواحظ أرمد
قالت وقد نظرت إلى فضحتني ... فأرجع لشأنك فالرجال بمرصد
فخلبتها بالقول حتى رضتها ... وطويتها طي الجبيرة باليد
أي كما تطوي الثياب الناعمة بيد طاويها- أخذ هذا من قول جرير:
» طي التجار بحضر موت برودًا»
هذا من حيث ظاهر اللفظ وفي المعنى أنفسا امرئ القيس:
стр. 2836
هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... على هضيم الكشح ريا المخلخل
والمرأة الشابة الجميلة كالمهرة الضامر- «طي التجارب بحضرموت برودًا»
وفي المعنى أيضًا أنفاس سحيم عبد بني الحسحاس:
» افرجها فرج القباء ... »
قاتله الله ... زعموا أن عمر قال له إنك مقتول ... ولعله ما قتله إلا الأساطير
ما زلت أمنعها المنام غواية ... حتى لقد بتنا بليل الأنقد
يقال بات بليل أنقد وبليل الأنقد أي ساهرًا وأنقد كأحمد (علم غير منون مطلق على الجنس) وقد تدخله اللام، هو القنفذ وما أشبه عندي أن يكون الشاعر قد قال «بليلة أنقد» كقول الأعشى «ألم تغمض عيناك ليلة ارمدا» لذكره السهر في قوله «امنعها المنام» - بالإشارة إلى قول الأعشى موجودة على كل حال، «إلا إن ليلة انقدا» أشد شبهًا وما بلغنا جيد قوي فلا ينبغي أن نعدل عنه «وغواية» تنظر إلى قول امرئ القيس «وما أن أرى عنك الغواية تنجلي» وما زلت منها في صياغة حذو على «ما زلت أرميهم» ... بيت عنترة.
روعاء تفزع من عصافير الضحى ... ترفا وتجزع من صياح الهدهد
فترفها على هذا أنها عذراء إذ قد زعم أنها بدوية من قبل
حتى إذا نم الصبا وتتابعت ... زيم الكواكب كالمها المتبدد
الصبا يجوز إنها ريح الصبا وهذا من قوله تعالى: ﴿والصبح إذا تنفس﴾ .. وما استبعد أن يكون أراد الصباح فحذف على مذهب الفصحاء كقول علقمة: «بسبا الكتان» وقول لبيد: «درس المنا بمتالع فأبان» زيم الكواكب، أي متفرقاتها والتشبيه بقطيع المها المتبدد من امرئ القيس:
فأدبرن كالجزع المفصل بينه ... بجيد على معم في العشيرة مخول
اللاتي أدبرن هن بقر الوحش. وفي اللامية قوله: «إذا ما الثريا في السماء تعرضت تعرض أثناء الوشاح» وهو وشاح التي في جيدها هذا الطوق. والمعاني تتداعى فمن هنا جاء البارودي بتشبيهه. وقد كان قلب البارودي وخياله مفعمًا بصور بيان الشعراء، وما أجاب به سؤال مطران يدل على ذلك.
стр. 2837
قالت دخلت وما إخالك بارحًا ... إلا وقد أبقيت عار المسند
أي عار الدهر فهذا يدل على أنها عذراء- كعذراء امرئ القيس وسحيم.
وما عدا البارودي ﵀ أن أضفي لونًا جاهليًا على مغامرة مما أتيح على التوهم أو حقًا في بعض دار الحرب أو السلم، وكأن قوله: «متلثما والسيف يلمع في يدي» كناية ورمز:
فمسحتها حتى اطمأن فؤادها ... فنفيت روعتها برأي محصد
وخرجت اخترق الصفوف إلى العدا ... مثلثما والسيف يلمع في يدي
فلنعم ذاك العيش لو لم ينقضي ... ولنعم هذا العيش لو لم ينفذ
برأي محصد تنظر إلى قول عنترة «وأحفزه بأمر مبرم». وقوله «وخرجت إلخ» يخالف ما قال ابن ربيعة ويؤثر مذهب جميل:
إذا ما رأوني طالعًا من ثنية ... يقولون من هذا وقد عرفوني
وقوله «لو لم ينقضي» فيه إشباع كسرة الضاد لشبه التصريع أو هو تصريع على مذهب من قال:
رأى من رفيقية جفاء وبيعه ... إذا قام يبتاع القلاص ذميم
خليلي حلا واتركا الرحل إنني ... بمهلكة والعاقبات تدور
فبيناه يشري رحله قال قائل ... لمن جمل رخو الملاط نجيب
ذكره الأخفش [القوافي لأبي الحسن الأخفش دمشق ١٣٩٠ هـ س ٤٧] أو أشبه بقول الآخر [نفسه ٥٢]:
إذا نزلت فاجعلاني وسطًا
إني شيخ لا أطيق العندا
لقرب تشابه الحروف. ولعل البارودي لم يقل «لو لم ينقض» ولكن: «لولا ينقضي» وهو أشبه بأسلوبه، وقد يسبق قلم أو يقع من طابع خطأ في مثل هذه الأشياء. والله أعلم.
يرجو الفتى في الدهر طول حياته ... ونعيمه والمرء غير مخلد
هذا كما تقدم محذو على قول الأسود بن يعفر، في رواية من رواه له: -
فإذا وذلك لا مهاه لذكره ... والدهر يعقب صالحًا بفساد
وفي أوله نظر إلى كلمة النمر بن تولب:
стр. 2838
يود الفتى طول السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل
جمع البارودي في هذه الدالية بين الضابط الحربي ابن الطبقة العالية على زمان افندينا الخديوي وبين الشاب المثقف المتحرر المتحمس المفعم بروح الثورة والقومية وحرارتهما وبين الفارس الأمير المصري الجركسي وبين البطل العربي الأسطوري المثالي، عنترة بن شداد وربيعة بن مكدم وعامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب.
شخصية البارودي من فوق صهوة جواده: جواد ضباط السواري العزيز الطموح وجواد الأسود بن يعفر، جواد الجاهلية ذات الحمية:
بمضمر أرن عتيد شده ... قيد السوابق والرهان جواد
وجواد امرئ القيس، جواد الفتوة والملك الضليل والأحلام العراض:
على الذبل جياش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلي مرجل
شخصية فذة نادرة، يتجسد فيها كل ما كانت توهمه الرومانسية في ريعان إبانها من المثل العليا الشامخات. شخصية هي جوهر الرومانسية التي يروم الانتماء إلى نموذجها «المترمنسون»: فهذا تأويل قولنا آنفًا إن البارودي هو سيد «الرومانسية» الحديثة في الشعر العربي وهذا لا يدخله في نطاق ما نطلق عليه الآن اسم «الرومانسية» في الشعر العربي ولكن يخرجه من ذلك إخراجًا.
رثى برتراند رسل في فصله عن الرومنسية في كتابه عن تاريخ الفلسفة الغربية الأوائل شبان الشعراء الرومنسيين الألمانيين من مات منهم صغيرًا ومن عمر من بعد.
إذا الضرب الأول قد اختضر قبل استوائه ونضجه والضرب الثاني قد زعم إن الذين اختضروا أسعد منهم لأنهم، أي الضرب الذي عمر، قد ماتوا موتًا أكبر باعتناقهم الكثلكة على فرط «ترمنمس». وقسا في ترجمته لفيلسوف الرومنسية الكبير جان جاك روسو وليس ذلك لعمري بضائره. وقد كان جسيم الفكر شجاعة على لين وشذوذ في الطباع، وفي اعترافاته ما يدل على اطلاع على بعض ما في إحياء علوم الدين لأبي حامد. ومما يذكر في هذا الصدد أنه مرت عليه فترة وهو ضيف أو صديق لدافيد هيوم DAVID HUME الفيلسوف الأسكتلندي صاحب إنكار السببية وأصول فلسفته هذه في تهافت أبي حامد. كما أن أصولا من النسبية في تهافت أبي حامد أيضًا. ودل برتراند رسل أما على جهل أو تجاهل عن تعصب في الفصل القصير له عنه وعن فلسفة المسلمين وناقض نفسه في كتابته عن روجر بيكون إذ مدحه بمعرفته علوم المسلمين
стр. 2839
وقل عالم أوربي يسلم من روح التعصب العنصري والديني والانطلاق من نقطة دعوى تسليم الناس له بالتفوق، كالذي مر من قول نيكلسون بحسب مقاييس الذوق الأوروبي بمعرض حديثه عن أبي الطيب وعند القوم أمثالها.
هذا ومن أوائل الشعراء الرومانسيين الإفرنج وردزورث Wordsworth، وكان أقرب إلى نموذج الجنتلمان الإنجليزي، وتأثر بروسو في حبه الطبيعة ودعواه التصوف بها، وله كلمات حسان، وربما أدركه الفتور. وشعره من الضرب الغنائي الذي يصوغه ذا موضوع وفكرة كالمقالة الإنشائية، ويضمنه إحساسه الذاتي، ومن أشهر كلماته في هذا المعنى كلمة له عما تشعر به النفس من معاني الخلود تستمده من ذكريات الطفولة الأولى.
ODE ON INTIMATIONS OF IMMORTALITY FROM RECLLECTIONS OF EARLY CHILDHOOD)
وأحسبها كان لها على بعض أوائل الرومانسيين العرب أثر كبير إذ كانت من مقررات المدارس في مختارات الأدب الإنجليزي. واشترك وردزورث في أول أمره مع «صموئيل تيلور كلردج» في إصدار الأغاني الشعبية، ديون شعر دافعًا فيه بما أنشأ وما قدما عن قضية التجديد وكلردج أقوى اندفاعًا وأحر أنفاسًا من ورد زورث إلا أنه قد ابتلى بتخدير الأفيون، فذهب ذلك بملكة شعره، واشتغل بالفلسفة والدين، وله الترجمة الأدبية التي تعد من أهم من أمهات كتب النقد الحديث. ومن أشهر شعره قصة الملاح العجوز، وفيها نغم جيد وأضغاث أوهام. وقطعة عنوانها «قبلاى خان» قيل نظمها دفعة واحدة ثم طرق عليه الباب فانقطع عنه نفس القطعة عند الموضع الذي اتفق مع بلوغه إياه طرق ذلك الطارق. وقيل نظمها تحت تأثير وآخرها كأنه مستعار من ساحرات شكسبير الثلاث في مسرحيته ماكبيث. ومن كبار شعراء الإنجليز الرومانسيين بعد هذين:
ثلاثة متقاربو السن، اللوردبيرون (١٧٨٨ - ١٨٢٤ م) وكان من سفهاء الطبقة العالية متوسط الشعر في نظر النقاد الإنجليز وشيلى (١٧٩٢ - ١٨٢٤) وكان حاد الذكاء ملحدًا في شعره اندفاع، واشتهرت له خاصة بين العرب كلمتاه عن الطائر وعن الريح الغربية، وتحمسه ومده بيديه يعطو ولا ينال من خصائص أسلوبه التي انتقل بعض طابعها إلى مقلديه. وأصغر الثلاثة سنا ولعله أشعرهم «جون كتيس» (١٧٩٥ - ١٨٢١) وقتله السل وكان طبيبًا. وجميع الرومانسيين لآداب الشرق والعربية خاصة أثر بين في ما نظموه. وذلك في «كيتس» أشد ظهورًا وقد استهل كلمته عن البلبل بمطلع نسيبي الروح وذكر فيه الخمر وتعتيقها مع تخير دقيق متذوق لحلاوة الألفاظ، وتعجبني كلمة
стр. 2840
له أسطورية الطابع عندي أن بعض أصلها من ألف ليلة وليلة، من طريق مباشر أو غير مباشر وهي التي عنوانها فرنسي.
La Belle DAME SANS MERCI
أي «المرأة الحسناء بلا رحمة». وقد بين ماريو براز أن لها أصولاً قديمة كثيرة.
وأضع ترجمتها التقريبية بين يدي القارئ الكريم، لا لأنها ترجمة حسنة، فالشعر مما تعسر ترجمته وقد نبه الجاحظ لذلك. [وأذكر إذ قال الأستاذ غرى GURRY بمعهد التربية بجامعة لندن سنة ١٩٤٦ لأحد الطلبة إذ زعم أنه يستحسن تقديم قطع مبسطة من الشعر الجيد ليتذوق جودتها الصغار: «ولكنك لن تستطيع تبسيط الشعر، هل تستطيع ذلك؟ ».
But you can't simplify poetry, can you?
فهذا في التبسيط فكيف بالترجمة؟ ﴾. ولكني أضع هذه الترجمة لما تنم به هذه الكلمة خاصة من معاني «الترمنس». ولصاحب كتاب «احتضار الرومانسية» The Romantic Agony «ماريوبراز» MARIO PRAZ فصل كامل هو الرابع من كتابه قدم للفصل بأبيات منها وعنونه بعنوانها وبنى تحليل جوانب من زعمه احتضار الرومانسية على معان منها وأصل الكتاب باللغة الطليانية، وترجمة منها إلى الإنجليزية بالعنوان الإنجليزي الذي ذكرناه «انغس دافدسن» ANGUS DA VIDSON» (الطبعة الثانية من طبعة أكسفورد، لندن ونيويورك ١٩٧٠ ص ٢٠٠ - ٣٠٠).
فآمل أن يقع مرادي موقعًا من بعض ما عسى أن يفيد:
يأيها الفارس في الدرع، ما ... تألم فذا في شحوب تسير
قد صوح النبت الذي في الغدير
والطير لا يلفى له من هدير
يأيها الفارس في الدرع ما ... تألم مهمومًا كئيب الفؤاد
قد ملأ الغرفة بالغلة السـ ... ـنجاب وإنجاب أوان الحصاد
أرى على حاجبكم زنبقا ... به ندى الحمى وطل الشجن
وقد أرى في خدكم وردة ... حالت فما أسرع ما تذبلن
رأيت في الروضة إنسانية ... كاملة الحسن ومن نسل جن
طويلة الشعر ووحشية الـ ... ـعينين والخطو خفيفًا وزن
ألبستها إكليل غار وسو ... ـورت بأزهار ومنطقتها