هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... على هضيم الكشح ريا المخلخل
والمرأة الشابة الجميلة كالمهرة الضامر- «طي التجارب بحضرموت برودًا»
وفي المعنى أيضًا أنفاس سحيم عبد بني الحسحاس:
» افرجها فرج القباء ... »
قاتله الله ... زعموا أن عمر قال له إنك مقتول ... ولعله ما قتله إلا الأساطير
ما زلت أمنعها المنام غواية ... حتى لقد بتنا بليل الأنقد
يقال بات بليل أنقد وبليل الأنقد أي ساهرًا وأنقد كأحمد (علم غير منون مطلق على الجنس) وقد تدخله اللام، هو القنفذ وما أشبه عندي أن يكون الشاعر قد قال «بليلة أنقد» كقول الأعشى «ألم تغمض عيناك ليلة ارمدا» لذكره السهر في قوله «امنعها المنام» - بالإشارة إلى قول الأعشى موجودة على كل حال، «إلا إن ليلة انقدا» أشد شبهًا وما بلغنا جيد قوي فلا ينبغي أن نعدل عنه «وغواية» تنظر إلى قول امرئ القيس «وما أن أرى عنك الغواية تنجلي» وما زلت منها في صياغة حذو على «ما زلت أرميهم» ... بيت عنترة.
روعاء تفزع من عصافير الضحى ... ترفا وتجزع من صياح الهدهد
فترفها على هذا أنها عذراء إذ قد زعم أنها بدوية من قبل
حتى إذا نم الصبا وتتابعت ... زيم الكواكب كالمها المتبدد
الصبا يجوز إنها ريح الصبا وهذا من قوله تعالى: ﴿والصبح إذا تنفس﴾ .. وما استبعد أن يكون أراد الصباح فحذف على مذهب الفصحاء كقول علقمة: «بسبا الكتان» وقول لبيد: «درس المنا بمتالع فأبان» زيم الكواكب، أي متفرقاتها والتشبيه بقطيع المها المتبدد من امرئ القيس:
فأدبرن كالجزع المفصل بينه ... بجيد على معم في العشيرة مخول
اللاتي أدبرن هن بقر الوحش. وفي اللامية قوله: «إذا ما الثريا في السماء تعرضت تعرض أثناء الوشاح» وهو وشاح التي في جيدها هذا الطوق. والمعاني تتداعى فمن هنا جاء البارودي بتشبيهه. وقد كان قلب البارودي وخياله مفعمًا بصور بيان الشعراء، وما أجاب به سؤال مطران يدل على ذلك.
стр. 2837
قالت دخلت وما إخالك بارحًا ... إلا وقد أبقيت عار المسند
أي عار الدهر فهذا يدل على أنها عذراء- كعذراء امرئ القيس وسحيم.
وما عدا البارودي ﵀ أن أضفي لونًا جاهليًا على مغامرة مما أتيح على التوهم أو حقًا في بعض دار الحرب أو السلم، وكأن قوله: «متلثما والسيف يلمع في يدي» كناية ورمز:
فمسحتها حتى اطمأن فؤادها ... فنفيت روعتها برأي محصد
وخرجت اخترق الصفوف إلى العدا ... مثلثما والسيف يلمع في يدي
فلنعم ذاك العيش لو لم ينقضي ... ولنعم هذا العيش لو لم ينفذ
برأي محصد تنظر إلى قول عنترة «وأحفزه بأمر مبرم». وقوله «وخرجت إلخ» يخالف ما قال ابن ربيعة ويؤثر مذهب جميل:
إذا ما رأوني طالعًا من ثنية ... يقولون من هذا وقد عرفوني
وقوله «لو لم ينقضي» فيه إشباع كسرة الضاد لشبه التصريع أو هو تصريع على مذهب من قال:
رأى من رفيقية جفاء وبيعه ... إذا قام يبتاع القلاص ذميم
خليلي حلا واتركا الرحل إنني ... بمهلكة والعاقبات تدور
فبيناه يشري رحله قال قائل ... لمن جمل رخو الملاط نجيب
ذكره الأخفش [القوافي لأبي الحسن الأخفش دمشق ١٣٩٠ هـ س ٤٧] أو أشبه بقول الآخر [نفسه ٥٢]:
إذا نزلت فاجعلاني وسطًا
إني شيخ لا أطيق العندا
لقرب تشابه الحروف. ولعل البارودي لم يقل «لو لم ينقض» ولكن: «لولا ينقضي» وهو أشبه بأسلوبه، وقد يسبق قلم أو يقع من طابع خطأ في مثل هذه الأشياء. والله أعلم.
يرجو الفتى في الدهر طول حياته ... ونعيمه والمرء غير مخلد
هذا كما تقدم محذو على قول الأسود بن يعفر، في رواية من رواه له: -
فإذا وذلك لا مهاه لذكره ... والدهر يعقب صالحًا بفساد
وفي أوله نظر إلى كلمة النمر بن تولب:
стр. 2838
يود الفتى طول السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل
جمع البارودي في هذه الدالية بين الضابط الحربي ابن الطبقة العالية على زمان افندينا الخديوي وبين الشاب المثقف المتحرر المتحمس المفعم بروح الثورة والقومية وحرارتهما وبين الفارس الأمير المصري الجركسي وبين البطل العربي الأسطوري المثالي، عنترة بن شداد وربيعة بن مكدم وعامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب.
شخصية البارودي من فوق صهوة جواده: جواد ضباط السواري العزيز الطموح وجواد الأسود بن يعفر، جواد الجاهلية ذات الحمية:
بمضمر أرن عتيد شده ... قيد السوابق والرهان جواد
وجواد امرئ القيس، جواد الفتوة والملك الضليل والأحلام العراض:
على الذبل جياش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلي مرجل
شخصية فذة نادرة، يتجسد فيها كل ما كانت توهمه الرومانسية في ريعان إبانها من المثل العليا الشامخات. شخصية هي جوهر الرومانسية التي يروم الانتماء إلى نموذجها «المترمنسون»: فهذا تأويل قولنا آنفًا إن البارودي هو سيد «الرومانسية» الحديثة في الشعر العربي وهذا لا يدخله في نطاق ما نطلق عليه الآن اسم «الرومانسية» في الشعر العربي ولكن يخرجه من ذلك إخراجًا.
رثى برتراند رسل في فصله عن الرومنسية في كتابه عن تاريخ الفلسفة الغربية الأوائل شبان الشعراء الرومنسيين الألمانيين من مات منهم صغيرًا ومن عمر من بعد.
إذا الضرب الأول قد اختضر قبل استوائه ونضجه والضرب الثاني قد زعم إن الذين اختضروا أسعد منهم لأنهم، أي الضرب الذي عمر، قد ماتوا موتًا أكبر باعتناقهم الكثلكة على فرط «ترمنمس». وقسا في ترجمته لفيلسوف الرومنسية الكبير جان جاك روسو وليس ذلك لعمري بضائره. وقد كان جسيم الفكر شجاعة على لين وشذوذ في الطباع، وفي اعترافاته ما يدل على اطلاع على بعض ما في إحياء علوم الدين لأبي حامد. ومما يذكر في هذا الصدد أنه مرت عليه فترة وهو ضيف أو صديق لدافيد هيوم DAVID HUME الفيلسوف الأسكتلندي صاحب إنكار السببية وأصول فلسفته هذه في تهافت أبي حامد. كما أن أصولا من النسبية في تهافت أبي حامد أيضًا. ودل برتراند رسل أما على جهل أو تجاهل عن تعصب في الفصل القصير له عنه وعن فلسفة المسلمين وناقض نفسه في كتابته عن روجر بيكون إذ مدحه بمعرفته علوم المسلمين
стр. 2839
وقل عالم أوربي يسلم من روح التعصب العنصري والديني والانطلاق من نقطة دعوى تسليم الناس له بالتفوق، كالذي مر من قول نيكلسون بحسب مقاييس الذوق الأوروبي بمعرض حديثه عن أبي الطيب وعند القوم أمثالها.
هذا ومن أوائل الشعراء الرومانسيين الإفرنج وردزورث Wordsworth، وكان أقرب إلى نموذج الجنتلمان الإنجليزي، وتأثر بروسو في حبه الطبيعة ودعواه التصوف بها، وله كلمات حسان، وربما أدركه الفتور. وشعره من الضرب الغنائي الذي يصوغه ذا موضوع وفكرة كالمقالة الإنشائية، ويضمنه إحساسه الذاتي، ومن أشهر كلماته في هذا المعنى كلمة له عما تشعر به النفس من معاني الخلود تستمده من ذكريات الطفولة الأولى.
ODE ON INTIMATIONS OF IMMORTALITY FROM RECLLECTIONS OF EARLY CHILDHOOD)
وأحسبها كان لها على بعض أوائل الرومانسيين العرب أثر كبير إذ كانت من مقررات المدارس في مختارات الأدب الإنجليزي. واشترك وردزورث في أول أمره مع «صموئيل تيلور كلردج» في إصدار الأغاني الشعبية، ديون شعر دافعًا فيه بما أنشأ وما قدما عن قضية التجديد وكلردج أقوى اندفاعًا وأحر أنفاسًا من ورد زورث إلا أنه قد ابتلى بتخدير الأفيون، فذهب ذلك بملكة شعره، واشتغل بالفلسفة والدين، وله الترجمة الأدبية التي تعد من أهم من أمهات كتب النقد الحديث. ومن أشهر شعره قصة الملاح العجوز، وفيها نغم جيد وأضغاث أوهام. وقطعة عنوانها «قبلاى خان» قيل نظمها دفعة واحدة ثم طرق عليه الباب فانقطع عنه نفس القطعة عند الموضع الذي اتفق مع بلوغه إياه طرق ذلك الطارق. وقيل نظمها تحت تأثير وآخرها كأنه مستعار من ساحرات شكسبير الثلاث في مسرحيته ماكبيث. ومن كبار شعراء الإنجليز الرومانسيين بعد هذين:
ثلاثة متقاربو السن، اللوردبيرون (١٧٨٨ - ١٨٢٤ م) وكان من سفهاء الطبقة العالية متوسط الشعر في نظر النقاد الإنجليز وشيلى (١٧٩٢ - ١٨٢٤) وكان حاد الذكاء ملحدًا في شعره اندفاع، واشتهرت له خاصة بين العرب كلمتاه عن الطائر وعن الريح الغربية، وتحمسه ومده بيديه يعطو ولا ينال من خصائص أسلوبه التي انتقل بعض طابعها إلى مقلديه. وأصغر الثلاثة سنا ولعله أشعرهم «جون كتيس» (١٧٩٥ - ١٨٢١) وقتله السل وكان طبيبًا. وجميع الرومانسيين لآداب الشرق والعربية خاصة أثر بين في ما نظموه. وذلك في «كيتس» أشد ظهورًا وقد استهل كلمته عن البلبل بمطلع نسيبي الروح وذكر فيه الخمر وتعتيقها مع تخير دقيق متذوق لحلاوة الألفاظ، وتعجبني كلمة
стр. 2840
له أسطورية الطابع عندي أن بعض أصلها من ألف ليلة وليلة، من طريق مباشر أو غير مباشر وهي التي عنوانها فرنسي.
La Belle DAME SANS MERCI
أي «المرأة الحسناء بلا رحمة». وقد بين ماريو براز أن لها أصولاً قديمة كثيرة.
وأضع ترجمتها التقريبية بين يدي القارئ الكريم، لا لأنها ترجمة حسنة، فالشعر مما تعسر ترجمته وقد نبه الجاحظ لذلك. [وأذكر إذ قال الأستاذ غرى GURRY بمعهد التربية بجامعة لندن سنة ١٩٤٦ لأحد الطلبة إذ زعم أنه يستحسن تقديم قطع مبسطة من الشعر الجيد ليتذوق جودتها الصغار: «ولكنك لن تستطيع تبسيط الشعر، هل تستطيع ذلك؟ ».
But you can't simplify poetry, can you?
فهذا في التبسيط فكيف بالترجمة؟ ﴾. ولكني أضع هذه الترجمة لما تنم به هذه الكلمة خاصة من معاني «الترمنس». ولصاحب كتاب «احتضار الرومانسية» The Romantic Agony «ماريوبراز» MARIO PRAZ فصل كامل هو الرابع من كتابه قدم للفصل بأبيات منها وعنونه بعنوانها وبنى تحليل جوانب من زعمه احتضار الرومانسية على معان منها وأصل الكتاب باللغة الطليانية، وترجمة منها إلى الإنجليزية بالعنوان الإنجليزي الذي ذكرناه «انغس دافدسن» ANGUS DA VIDSON» (الطبعة الثانية من طبعة أكسفورد، لندن ونيويورك ١٩٧٠ ص ٢٠٠ - ٣٠٠).
فآمل أن يقع مرادي موقعًا من بعض ما عسى أن يفيد:
يأيها الفارس في الدرع، ما ... تألم فذا في شحوب تسير
قد صوح النبت الذي في الغدير
والطير لا يلفى له من هدير
يأيها الفارس في الدرع ما ... تألم مهمومًا كئيب الفؤاد
قد ملأ الغرفة بالغلة السـ ... ـنجاب وإنجاب أوان الحصاد
أرى على حاجبكم زنبقا ... به ندى الحمى وطل الشجن
وقد أرى في خدكم وردة ... حالت فما أسرع ما تذبلن
رأيت في الروضة إنسانية ... كاملة الحسن ومن نسل جن
طويلة الشعر ووحشية الـ ... ـعينين والخطو خفيفًا وزن
ألبستها إكليل غار وسو ... ـورت بأزهار ومنطقتها
стр. 2841
ونظرت لي نظرات الهوى ... ثمت أنت حلوة صوتها
حملتها فوق جوادى بنا ... يخطو لا شيئًا سواها أرى
طوال يومي حين مالت إلى ... جنبي وتشدو اللحن من عبقرا
ووجدت لي من عروق شهيـ ... ـات وحلوات لدى المأكل
والعسل البري جاءت به ... والمن يغشاه ندى السلسل
ثمت قالت بلسان غريـ ... ـب إنني أهواك يا ويح لي
ثمت صارت بي إلى كهفها الـ ... ـمسحور صارت بي إلى كهفها
وحدقت ثم ومقروحة الـ ... ـفؤاد بالآهة من جوفها
عندئذ قبلتها أربعا ... أغلقن جفن الوحش من طرفها
ووسدتني ساعديها وغنـ ... ـت لي إلى أن نمت في حجرها
حلمت في نومي ويا حسرة النـ ... ـفس على ما كان من أمرها
آخر حلم كان لي ذاك في ... جانب سفح الجبل البارد
آخر حلم أبصرت مقلتي ... من بعد ذاك السكر الخالد
ثم ملوكًا شاحبي أوجه ... رأيتهم وأمرًا مثلهم
وبشحوب كشحوب الردي ... فرسان حرب أخذوا قبلهم
جميعهم قالوا معًا إنها الـ ... ـحسنا بلا قلب رحيم سبتك
والغادة الحسنا بلا رحمة ... يا ويح ما نفسك قد أحرزتك
رأيت في ضوء المكان الضعيف ... شفاههم فالقلب مني أسيف
ضورها الجوع ويفغرن تلـ ... ـقائي فغرا بنذير مخيف
صحوت والآن أنا واجدي ... بجنب هذا الجبل البارد
من أجل هذا وفؤادي كسير ... وحدي ألفى في شحوب أسير
من بعد ما جف نبات الغدير ... والطير لا يلفى له من هدير
وإليك النص الإنجليزي لتصحح به ما قد يكون مما اضطريت به الترجمة:
What can ail thee knight - at - arms,
Alone and palely loitering?
The sedge is wither'd from the lake,
And no birds sing
What can ail thee knight - at -arms,
So haggard and woe-begone?
стр. 2842
The squirrel's granry is full.
And the harvest's done
I see a lily on they brow
With anguish moist and fever dew;
And on they cheek a fading rose
Fast withereth too.
I met a lady in the meads,
Full beautiful - afaery's child
Her hair was long, her foot was light,
And her eyes were wild
I made a garland for her head,
And bracelets too and fragrant zone
She look'd at me as she did love,
And made a sweet moan
I set her on my pacing steed,
And nothing else saw all day long,
For side ways would she lean, and sing
A faery's Song
She found me roots of relish sweet,
And honey wild, and mana dew;
And sure in language strange she said I love thee true
She took me in her elfin grot,
And there she gazed and sighed full sore,
And there I shut her wild wild eyes
With kisses four.
And there she lulled me asleep,
And there I dream'd-ah! woe betide!
The latest dream I ever dream'd
On the cold hill side.
I saw pale kings and princes too,
Pale warriors, death-pale were they all;
They cried - «la Belle Dame sans merci
Thee hath in thrall! »
I saw their starv'd lips in the gloam,
With horrid warning gaped wide,
And I awoke, and found me here,
On the cold hill side ..
стр. 2843
And this is why I sojourn here,
Alone and palely loitering,
Though the sedge is wither'd from the lake
And no birds sing.
» الترمنس» الكنين في هذه القطعة هو هذا العش المسحور، وهذه الحسناء القتول التي تشرب دماء معشوقيها.
كانت «رومنسية» فرنسة الكبيرة هي ثورتها. وأبطالها المثاليون أولو الطموح والدموية المرعبة: ميرابو- دانتون- مارا- روبسبير- ثم نابليون، الذي أعاد ذكرى الإسكندر، وهنيبعل وقيصر وتيمورلنك، وفتح باب هول أوربا وحروب دمارها وتفوق استعمارها وهلم جرا فتحًا كما لم يتح له من قبل- وخاصة بتوجيهه الأنظار إلى مصر والشام كما عهدت أوربا أيام الحروب الصليبية. وقد كان من أوائل الرومنسية الأدبية في فرنسة، مدام دي شتايل وأبوها كان وزير لويس السادس عشر قتيل الثورة وكانت امرأة قوية الشخصية (١٧٦٦ - ١٨١٧) دميمة ومع ذلك ذات فتنة. ومن مقالاتها: «إن النواوير ومجاري الأنهار كانت ذات كفاية للشعراء غير المسيحيين. أما قلوب المسيحيين فإن لا أبدية ولا نهائية أرواحها تقصر عن مدى التعبير عنها البحار التي لا ساحل لها والسماوات الملأي بالنجوم والغابات العظيمة الوحشة.» فتأمل هذه الأصل من مسيحية الرومنسية ووثنيتها معًا. وقالوا إن بنيامين كونستان B.Constant (١٧٦٧ - ١٨٣٠)، السويسري، صاحب قصة «أدلف» (١)، كان لها خليلاً. وقصته هذه تعد من أوائل «الترمنس» الفرنسي، وعليها حذا دوماس غادته التي مثلتها في زماننا نجمة السينما غريتا غاربو وصاحب غادة الكاميليا أجود عشقًا من أدولف، الذي كأنما رمز به المؤلف إلى نفسه إذ سلا حب مدام دي شتايل، وجعل صاحبه أدلف تموت من حبه، كما ماتت ليلى من حب قيس. وقد كانت الرومنسية الفرنسية في الأدب أحدث عهدًا، وأدخلها فتور ما بعد الثورة، وروح ثورات ما بعد الثورة- الثورة الصناعية مثلاً. ومن أشهر أدباء فرنسة وشعرائها الرومنسيين «الفريدي موسيه»
стр. 2844
«ولا مرتين». وقد تأثر أدباء النهضة وروادها الأولون بعد البارودي وقبله، في مصر والشام وغيرهما، أول شيء بالثقافة الفرنسية ثم من بعد بالإنجليزية وغيرها من آداب أوربا.
أما البارودي فقد كان صاحب سيف ورجل دولة ونضال. كان تأثره بأوروبا محصورًا في الجانب العلمي الحربي والسياسي. ولكن الجانب الأدبي لم يفتنه. كان له عنه شغل شاغل بما فتنه وملك عليه جوانب قلبه من أشعار العرب. حتى نثره المسجوع بالنسبة لبعض ما لا نقول به من بعض الأقاويل المعاصرة، ينبغي أن يكون هو ضربًا من الشعر. شخصيته التي نعتناها بأنها في الرومنسية ذروة، هي حقًا أصل في ذاتها، من نوع تلك البطولات المثالية التي كانت تعطو إليها رومنسية شعراء أوروبا الأولى وأدباءها، بأحلامها ونماذج صناعتها وإلهامها. البارودي بأنه أصل ومثل، لا فرع ضعيف ولا حذو على مثال، ذلك مخرجه من زمرة الرومنسية الحديثة إخراجًا.
قصيدة البارودي لا ملحمية ولا مسرحية ولا غنائية هي عربية صلته صوت مكافح جهير، كصوت زهير وجرير وأبي تمام وأبي الطيب. الدالية التي أوردناها منذ حين أغلب عليها روح المجاراة على مالها من معدن أصالة وقوة. وقد استقام للبارودي حين بلغ أشده في الشعر واستوى نهج القصيدة، كما استقام من قبل، لأبي تمام وأبي عبادة وأبي الطيب، ومن بعد هؤلاء للصرصري والبوصيري والبرعي وابن الخطيب والبقية الباقية من شعراء مدح الرسول ﷺ في شتى بلاد العربية وآفاق الإسلام.
خذ قوله المشهور في موقفه من ثورة عرابي باشا:
نصحت قومي وقلت الحرب مفجعة ... وربما تاح أمر غير مظنون
تأمل تاح هذه في زمان لا يكاد يعرف فيه هذا الفعل إلا رباعيًا مبنيًا للمجهول. المبني للمعلوم هنا هو المعبر الأصيل.
فخالفوني وشبوها مكابرة ... وكان أولى بقومي لو أطاعوني
إذ كان هو الرئيس الأمير العالم الشاعر- ولكن التأثر العملي بأوروبا تخطى حنكته وتجاربه إلى مذهب من «الغوغاء» كان هو منه جد بعيد. وما أرى هيكيلاً على جودة رأيه إلا قد ظلمه حيث قال: «واندفع الضباط يفكرون في خلع توفيق. وقد نازعته نفسه يومئذ إلى مكان المجد وتحركت فيها أسباب الاعتداد بمكان أجداده المماليك الذين
стр. 2845
حكموا مصر وقصيدته التي مطلعها:
قلدت جيد المعالي حلية الغزل ... وقلت في الجد ما أغنى عن الهزل
لا تبرئه من هذا التفكير وإن ذكر في الديوان إنها قيلت في عهد إسماعيل «.أ. هـ. قلت ما قاله الديوان أصدق عند المتأمل من ظن هيكل الذي ظنه، ﵀، وذلك أن هذه اللامية على وضوح مجاراتها للامية الطغرائي -فارس آخر من معادن كمعادنه روحًا وأدبًا وشعرًا- فيها من حرارة الشباب وطيشه ما يشهد بصدق سبق تاريخ نظمها لزمان توفيق. وقال هيكل في موضع آخر: «ولكن اندفاعه في حركة الضباط من بداءتها حال بينه وبين التخلص منهم، فلم يكن له بد من أن يسير معهم وأن يربط حظه بحظهم». لو اكتفى هيكل بقوله: «أن يسير معهم» لكان قد أصاب.
وصار إلى ما قاله البارودي في أبياته النونية ولكن قوله: «وأن يربط حظه بحظهم «مشعر بمعنى» الانتهازية» والدهاء الذي زعم من قبل. وشعر البارودي وسمت صدقه يشهد ببطلان هذه التهمة.
نصحت قومي وقلت الحرب مفجعة ... وربما تاح أمر غير مظنون
فخالفوني وشبوها مكابرة ... وكان أولى بقومي لو أطاعوني
تأتي الأمور على ما ليس في خلد ... ويخطئ الظن في بعض الأحايين
كأنه يعاتب نفسه شيئًا ههنا.
حتى إذا لم يعد في الأمر منزعة ... وأصبح الشر أمرًا غير مكنون
أجبت إذ هتفوا باسمي ...
هنا البطولة والمأساة معًا ....
ومن شيمي ... صدق الولاء وتحقيق الأظانين
تأمل جودة المقابلة في اللفظ والمعنى بين قوله: «ويخطئ الظن إلخ» وقوله: «صدق الولاء وتحقيق الأظانين» - ومكنونة تحت ذلك مقابلة تحمل معنى الأسف الروحي وعتاب النفس، يكره أن يكون ندما على اتباع ما اتبع، ويقارب ذلك الندم، ﵀، وسقت قبره شأبيب المغفرة والرضوان.
стр. 2846
من أحب شعره إلى وأجوده قوله بسرنديب:
لكل دمع جرى من مقلة سبب ... وكيف يملك دمع العين مكتئب
المطلع بوصيري الروح. ولعله ﵀ كان ينشد من البردة، يتبرك بها ويتوسل بروحانيتها في منفاه.- تأمل «دمع جرى من مقلة»: قال البوصيري:
أمن تذكر جيران بذي سلم ... مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم
والبحر بحر البردة. وقد رأيت مجاراة أبي الطيب باء «السيف أصدق» بميم «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم». وفي بائية البارودي هذه أيضًا نوع من المجاراة لميمية أبي الطيب:
واحر قلباه ممن قلبه شبم
روح البحر ونظر روي الباء إلى الميم نسب بين هذه الكلمة وبردة المديح، ومجرى الضم مع ما تقدم نسب بينها وبين «واحر قلباه ممن قلبه شبم» - ثم للبارودي بعدما انفرد به من بث الشكوى والخطاب الصريح وأمل القومية والمجد والحفاظ الذي ضاع.
قال ﵀:
لكل دمع جرى من مقلة سبب ... وكيف يملك دمع العين مكتئب
لولا مكابدة الأشواق ما دمعت ... عين ولا بات قلب في الحشا يجب
فيا أخا العذل لا تعجل بلائمة ... على فالحب سلطان له الغلب
ولو تبين ما في الغيب من حدث ... لكان يعلم ما يأتي ويجتنب
لكنه غرض للدهر يرشقه ... بأسهم ما لها ريش ولا عقب
فكيف أكتم أشواقي وبي كلف ... تكاد من مسه الأحشاء تنشعب
أم كيف أسلو ولى قلب إذا التهبت ... بالأفق لمعة برق كاد يلتهب
أصبحت في الحب مطويًا على حرق ... يكاد أيسرها بالروح ينتشب
إذا تنفست فاضت زفرتي شررًا ... كما استنار وراء القدحة اللهب
لم يبق لي غير نفسي ما أجود به ... وقد فعلت فهل من رحمة تجب
لم يبق لي غير نفسي ما أجود به ... وقد فعلت فهل من رحمة تجب
كأن قلبي وقد هاج الغرام به ... بين الحشا طائر في الفخ يضطرب
стр. 2847
صورة الطائر المضطرب تتردد عند البارودي. وله رائية قصيرة حسنة ذكر فيها الطائر الحذر:
يهفو به الغصن أحيانًا ويرفعه ... دحو الصوالج في الديمومة الأكرا
ما باله وهو في أمن وعافية ... لا يبعث الطرف إلا خائفًا حذرًا
وذكر طيف غانيه:
حوراء كالريم ألحاظا إذا نظرت ... وصورة البدر إشراقًا إذا سفرا
وكأنما حذا ههنا على رائية أبي الحسن التهامي التي يقول فيها يذكر امرأة حسناء
ترمي الحجيج فتصميم ويرشقها ... راميهم فيولي سهمه هذرًا (١)
ثم يقول البارودي
لا يترك الحب قلبي من لواعجه ... كأنما بين قلبي والهوى نسب
فلا تلمني على دمع تحدر في ... سفح العقيق فلى في سفحه أرب
منازل كلما لاحت مخايلها ... في صفحة الفكر منى هاجني طرب
لي عند ساكنها عهد شقيت به ... والعهد ما لم يصنه الود منقضب
وعاد ظني عليلاً بعد صحته ... والظن يبعد أحيانًا ويقترب
стр. 2848
هذا آخر القسم الأول. وهو من مرحلتين، الأولى تأمل يخالطه شيء من أسى كالندم- ندم يروم التأسي بالعظة والعبرة والحكمة، والثانية إعلان للشوق والحب والصبابة. يهيمن على المرحلة الأولى طائف من روحانية البوصيري. يرفرف على المرحلة الثانية جناح من صوت أبي الطيب.
قد مرت الإشارة إلى «مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم». وقوله «لولا مكابدة إلخ» فيه أنفاس:
لولا الهوى لم ترق دمعًا على طلل ... ولا أرقت لذكر البان والعلم
وقوله: «يا أخا العذل» كقول البوصيري «يا لائمي أي يا عاذلي» أي يا أخا العذل: -
يا لائمي في الهوى العذري معذرة ... مني إليك ولو أنصفت لم تلم
لأن الهوى العذرى لا يتبغي أن يعذل عليه صاحبه. وقول البارودي: «فالحب سلطان له الغلب» يقابل قول البوصيري: «معذرة مني إليك» - وفي قول البوصيري جناس معنوي لفظي (العذرى ... معذرة) وفي قول البارودي مجانسة معنوية «سلطان ... له الغلب» وقول البارودي «لا تعجل علي» ... يقابل قول البوصيري: «لو أنصفت لم تلم» قول البارودي من بعد «لو كان للمرء عقل إلخ» يحمل رنة من إيقاع صياغة البوصيري:
لو كنت أعلم أني ما أوقره ... كتمت سرًا بدا لي منه بالكتم
وكتمان البوصيري هنا فيه نفحات من كتمان أبي الطيب:
مالي أكتم حبًا قد برى جسدي ... وتدعي حب سيف الدولة الأمم
وقد كرر البارودي نغم البوصيري حيث قال:
ولو تبين ما في الغيب من حدث ... لكان يعلم ما يأتي ويجتنب
وكأن ههنا سريرة ندم- وكأن نفحة من قول الإمام شرف الدين: -
стр. 2849
من لي برد جماح من غوايتها ... كما يرد جماح الخيل باللجم
وفي قول الباوردي: «فخالفوني وشبوها مكابرة» معنى غواية مستكن. وفي قول البارودي «لكنه غرض للدهر إلخ» معنى التسليم للقدر. قوله «بأسهم مالها ريش ولا عقب» أخذ لفظه أخذ إشارة من بائية غيلان، والعقب هو العصب تشد به السهام عند أفواقها وحيث موضع النصل وفي الشرح (١) العقب بفتح العين والقاف العصب بفتحتين تعمل منه الأوتار والمراد الأوتار نفسها أ. هـ والمعنى أوضح من هذا لمتأمله أي بسهام القدر التي لا تعان بالريش ولا تشد بالعقب وهو العصب.
وإذ هو المسكين غرض الدهر، فقد رماه الدهر بالبعاد ولا يستطيع أن يكتم الشوق. ومن هنا تبدأ المرحلة الثانية- رفرفة صوت المتنبي في قوله: «فكيف أكتم أشواقي- أبو الطيب: «مالي أكتم حبًا» - البوصيري:
فكيف تنكر حبًا بعدما شهدت ... به عليك عدول الدمع والسقم
ثم كرر البارودي نغم الإيقاع ومعنى الشوق في قوله: «أم كيف أسلو ولي قلب إلخ» - وهنا صدى من البوصيري:
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
البيت الذي يعيبه بعض المتشددين يرون ذلك حنبلية في التشدد، ولعل ابن حنبل ﵁ لو سمع هذا البيت ما عابه، وكيف وهو صاحب حديث الشفاعة وحديث عرباض ﵁؟
والشاهد تشابه النغم في: كيف تدعو .. كيف يسلو ... وفي بيت البارودي بعد صورة تبدو كما يقول عصريو النقاد -مثلاً- تقليدية: وذلك قوله:
. إذا التهبت ... بالأفق لمعة برق كاد يلتهب
وما أرى إلا أنها مغترفة من بحر تجربة الشاعر غرفًا- ومثلها قوله من بعد:
إذا تنفست فاضت زفرتي شررًا ... كما استنار وراء القدحة اللهب
عجز البيت وصف دقيق لاستيقاد النار، ولقدحة عود الثقاب
стр. 2850
ولكن الصورة الكبيرة الكامنة التي زعمنا أنها مغترفة غرفًا من بحر التجربة هي صورة برق بلاد سرنديب. برق ركام السحب الاستوائية يتطاير شرره وتروع ألوانه منها ما يبتدئ بنفسجيًا ثم يبيض أبهر وأنصع من لهب «المغنيسيوم»، ومنها ما يحمر ومنها ما يتطاير شررًا وجمرات- تشبيهات البارودي ها هنا مأخوذات من هذه التجارب. ومن براعته الفائقة أنه جعل جميع ذلك يبدو وكأنه «تقليدي»، ما عدا فيه مذهب ما أمر به ابن قتيبة من نعت المياه الأواجن السدم واجتناب التفاح والإجاص! ! !
قول البارودي: «أصبحت في الحب مطويًا إلخ» - فيه نفس أبي الطيب:
مالي أكتم حبًا قد برى جسدي ... وتدعي حب سيف الدولة الأمم
وقوله: «لم يبق لي إلخ» - كقوله:
لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي ... شيئًا تتيمه عين ولا جيد
وكأنه في قوله «لم يبق لي غير نفسي ما أجود به» أيضًا أنفاس من قول أبي الطيب
ولكني حسدت على حياتي ... وما طعم الحياة بلا سرور
وقد كرر أبو الطيب هذا المعنى في دالية هجاء كافور
إذا أردت كميت اللون صافية ... وجدتها وحبيب النفس مفقود
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه ... أني بما أنا باك منه محسود
وجاء البارودي بنغمة «لم يترك الدهر إلخ» في قول «لا يترك الحب قلبي إلخ» - وقوله «فلا تلمني على دمع» فيه رجعة إلى نغم «يا لائمي في الهوى إلخ» - وفيه صدى غيلان الذي مر صداه في الريش والعقب، ولكأن غيلان فيه نوع رمز لأبي تمام. وفي قوله «فلي في سفحه أرب» إما سفح العقيق وإما سفح الدمع وكلاهما جيد وينظر إلى قول غيلان:
خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوى فابكيا في المنازل
لعل انهمال الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل
وقول البارودي: «منازل كلما لاحت مخايلها» فيه رفرفة صوت أبي الطيب:
منازل لم يزل منها خيال ... يتابعني إلى النوبنذجان
ورفرفة أبي الطيب ليست إيقاعية ولفظية فحسب، ولكنها مع ذلك فيها حذو
стр. 2851
على المعاني والشكل وطريقة الخطاب، إذ قد جعل أبو الطيب حبه لسيف الدولة في القسم الأول مكان النسيب وحمله معنى لواعج الشوق. وكذلك قد جعل البارودي حبه لقومه وضمنه ما مر من تأمل شاك وأنفاس عتاب. وقوله: «وعاد ظني عليلاً بعد صحته» - فيه إيجاس دبيب من الندم واستشعار لأن القوم قد تناسوا عهده «والعهد ما لم يصنه الود منقضب» - «والظن يبعد أحيانًا ويقترب»، هذا يذكرك بقوله من قبل: «ويخطئ الظن في بعض الأحايين» - بعد الظن، سعة الأمل، واقترابه مواجهته هذا الذي هو بإزائه من الواقع المر. وهنا موضع الصيحة. ويبدأ القسم الثاني من القصيدة: -
فيا سراة الحمى، ما بال نصرتكم ... ضاقت علي وأنتم سادة نجب
أضعتموني وكانت لي بكم ثقة ... متى خفرتم ذمام العهد يا عرب
أليس في الحق أن يلقى النزيل بكم ... أمنا إذا خاف أن ينتابه العطب
فكيف تسلبني قلبي بلا ترة ... فتاة خدر لها في الحي منتسب
مرت علينا تهادي في صواحبها ... كالبدر في هالة حفت به الشهب
تهتز من فرعها الفينان في سرق ... كسمهري له من سوسن عذب
كأن غرتها من تحت طرتها ... فجر بجانبه الظلماء تحتجب
فهل إلى نظرة يحيا بها رمق ... ذريعة تبتغيها النفس أو سبب
أبيت في غربة لا النفس راضية ... بها ولا الملتقي من شيعتي كثب
فلا رفيق تسر النفس طلعته ... ولا صديق يرى ما بي فيكتئب
هذا آخر القسم الثاني وهو الأوسط وهو خصر القصيدة. وإنما القصيدة غادة، كذلك قال أبو تمام:
بكر تورث في الحياة وتغتدى ... في السلم وهي كثيرة الأسلاب
وقال أبو عبادة وجعل القصائد عذارى أبكارًا:
كالعذارى غدون في الحلل البيـ ... ـض إذا رحن في الخطوط السود
وهذا ونظائره كثيرة.
وقد ترى هذا التخصير كأوله عند أبي الطيب في «واحر قلباه» حيث قال: «يا أعدل الناس إلا في معاملتي» - وهنا يقول البارودي: «فيا سراة الحمى- ما بال نصرتكم البيت». وكأنه هنا خلط بين احتجاج أبي الطيب واحتجاج أبي فراس حيث قال:
стр. 2852
وأبطأ عني والمنايا سريعة ... وللموت ظفر قد أطل وناب
فإن لم يكن ود قريب نعده ... ولا نسب بين الرجال قراب
فأحوط للإسلام أن لا يضيعني ... ولي عنه فيه حوطة ومناب
وحيث قال
تنكر سيف الدين لما عتبته ... وعرض بي تحت الكلام وقرعا
فقولا له من صادق الود إنني ... جعلتك مما رابني منك مفزعًا
ولأبي فراس في هذا الباب كلمات من رومياته (١). وقد أخذ من أبي الطيب وحذا على نموذجه. إلا أن البارودي كما تأثر بأبي الطيب تأثر به أيضًا. وزاد من قوة تأثيره على البارودي، إنه كان أسيرًا ولم يخف سيف الدولة إلى نجدته، وكان البارودي بمنفاه في نوع من الأسر المر، ولم يخف السراة إلى نجدته ورعاية سابقته وقوله «أضعتموني» لا يخفى أنه من قول العرجي، وكان من فرسان بني أمية من ذرية أمير المؤمنين عثمان ﵁:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم ملمة وسداد ثغر
وفي هذا القسم بعد رفرفة من أبي تمام ومن غيلان ومن أبي الطيب ومن غير هؤلاء من مأثور أساليب أهل الجزالة القدماء. فمن نفس أبي الطيب وأصدائه:
[مرت علينا تهادى في صواحبها]
فهو كقوله: «مرت بنا بين تربيها فقلت لها البيت» وقوله «في صواحبها» فيه شيء من ابن أبي ربيعة بلا ريب. قوله «كالبدر في هالة إلخ» كثير مثله في الشعر إلا أن الصياغة فيها نغم بوصيري: «كالزهر في ترف والبدر في شرف» - الشبه قوله: «البدر في» ثم جاء بقوله «حفت» وقوله «الشهب»، أبت شين الشرف وفاؤه إلا أن تنما بأنفسها
стр. 2853
فتأمل. وقوله: «تهتز من فرعها» لا يخفى أنه من قول حبيب.
كم أحرزت قضب الهندي مصلته ... تهتز من قضب تهتز في كثب
الشبه في الصورة ونغم اللفظ معًا. قوله «في سرق» مكان قول حبيب «في كثب» عنى ثقل الكفل بإزاء لين القامة واستقامة رشاقتها. والسرق الحرير، واهتزاز الفرع الفينان فيه مشعر بالصدر والخصر والكفل، وأخذه من قول امرئ القيس: «إذا ما اسبكرت بين درع ومجول» من قول الآخر «أبت الروادف والثدي لقمصها البيت» - وفي جميع هذا لا يخفى أن أصل أخذه من بيت حبيب، وهذه المعاني والصور الأخريات وحي وإشارة. والسمهري الرمح، وجعله غصنا لما جعل له عذبات من الوسن، وذكر السوسن لا يخفى معه أن أصل المعنى مأخوذ من قول حبيب: «قضب الهندي» - «قضب تهتز في كثب» والقضب الأولى السيوف وجعل البارودي مكانها هنا السمهري والكثب مزدوجة المعنى، إذ القضب في الكثب هي الأغصان في الكثبان وهي القامات ذوات الأكفال، وسرق اللفظ والمعنى على بن العباس في نونيته:
أجنت لك الوجد أغصان وكثبان ... فيهن لونان تفاح ورمان
الشاهد قوله «أغصان وكثبان» فهو قضب حبيب وكثبه.
وقول البارودي: «كأن غرتها» هو من غيلان:
فغسلت وعمود الفجر منصدع ... عنها وسائره بالليل محتجب
وليس بمخفيه قوله: فجر بجانحة الظلماء محتجب». ثم بقية التشبيه من قول غيلان المشهور:
كأن عمود الفجر جيد ولبة ... وراء الدجى من حرة الوجه حاسر
وقد ذكرنا من قبل ما بين هذا وبين صورة جيوكندا لليوناردو دافنشى من قوة الشبه، وقوله: «كانت آية لنا في الحسن فاحتجبت إلخ» يحمل أنفاس قول أبي تمام وله نفس البحر والروي وإن كان أصل هذا مجاراته لبائية غيلان إذ أمرها في هذا الروى وهذا البحر أشهر:
أطاعها الحسن وانحط الشباب على ... قوامها وجرت في وصفها النسب
بضمتين جمع النسيب
ألقت نقابًا على الخدين وانتسبت ... للناظرين بقد ليس ينتسب
كانت لنا ملعبا نلهو بزخرفه ... وقد ينفس عن جد الفتى اللعب
стр. 2854
وهذا النغم نفسه في الميمنة التي على بحرها ورويها بردة المديح وفي نسج البوصيري ما يدل على نظر منه إليها وقد ألمنا بهذا المعنى في كتابنا «التماسة عزاء» (١): -
كانت لنا صنمًا نحنو عليه ولم ... نسجد كما سجد الافشين للصنم
هل حقًا سجد الافشين للصنم، أم كان في سيوف بني العباس رهق؟
وقد افتن البارودي في هذا القسم إذ كنى فيه عن مصر بفتاة بارعة الجمال سلبت فؤاده ثم حجبت عنه. تفصيل الوصف الغزلي الذي فصله ذو مشابه من الذي صنعه كعب إذ قال: وما سعاد إلا أغن غراء فرعاء وما ذكره من أوصاف، غير أن سعاد كعب هي ذات الفجع والولع والإخلاف، وسعاد البارودي ليست ذلك، هي بدر حجبته عوادى الزمان كما يحتجب البدر بليل من الغمام ويالخسوف.
كانت لنا آية في الحسن فاحتجبت ... عنا بليل النوى والبدر يحتجب
وهذا الغزل مع أنه في حب الوطن، يقع موقع الاستراحة والتخفيف من حدة انفعال لوعة الشوق والوجدان وشعوري العتاب والندم اللذين في القسم الأول.
وعلى وضوح الرمز والكناية بالفتاة الحسناء عن مصر، فسره البارودي تفسيرًا لا يدع محلاً للشك بقوله:
فهل إلى نظرة يحيا بها رمق ... ذريعة تبتغيها النفس أو سبب
أبيت في غربة لا النفس راضية ... بها ولا الملتقى من شيعتي كثب
فلا رفيق تسر النفس طلعته ... ولا صديق يرى ما بي فيكتئب
وهذه الأبيات الثلاثة التي جاء بها بعد رمز الغزل تفسيرًا له، تقابل الأبيات الثلاثة التي افتتح بها هذا القسم صارحًا بالشكوى صائحًا:
فيا سراة الحمى ما بال نصرتكم ... ضاقت علي وأنتم سادة نجب
أضعتموني وكانت لي بكم ثقة ... متى خفرتم ذمام العهد يا عرب
أليس في الحق أن يلقى النزيل بكم ... أمنا إذا خاف أن ينتابه العطب
стр. 2855
ولكنها فيها عودة إلى روح اللوعة والانفعال.
ثم يجئ القسم الثالث، وهو في عادة الشعراء للذكرى، ويخالطها فخر ودفاع عن الماضي، يجعله الشاعر في مقابلة ما رمي به من نوائب الدهر- كقول امرئ القيس «وقد أغتدى والطير في وكناتها» وقول علقمة «قد أشهد الشرب فيهم مزهرة وقول الأسود بن يعفى «فلقد أروح على التجار» وهلم جرا. وقد جعله البارودي مجالاً لتبرير موافقة والاعتزاز بما كان من ماضي أمره:
ومن عجائب ما لاقيت من زمني ... أني منيت بخطب أمره عجب
لم أقترف زلة تقضي على بما ... أصبحت فيه فماذا الويل والحرب
قوله ومن عجائب إلخ مر تشبيهنا له بقول أبي الطيب «ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه» وفيه نفس من قول على بن العباس:
ومن عجائب ما تمنى الرجال به ... مستضعفات لهم منهن أقران
ثم يجئ هذا النمط الحر النبيل الجزل:
فهل دفاعي عن ديني وعن وطني ... ذنب أدان به ظلمًا وأغترب
فلا يظن بي الحساد مندمة ... فإنني صابر في الله محتسب
أثريت مجدًا فلم أعبأ بما سلبت ... أيدي الحوادث منى فهو مكتسب
لا يخفض البؤس نفسًا وهي عالية ... ولا يشيد بذكر الخامل النشب
ثم يجيء الفخر الصريح- كقول أبي الطيب «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي» وهو بعد فيه صادق، إذ قوله مخالطه الأسى لا الغضب، الأسى الذي هو أخو الغضب كما قال أبو الطيب:
فحزن كل أخي حزن أخو الغضب
وذلك قوله
إني امرؤ لا يرد الخوف بادرتي ... ولا يحيف على أخلاقي الغضب
ملكت حلمي فلم أنطق بمندية ... وصنت عرضي فلم تعلق بي الريب
وما أبالي ونفسي غير خاطئة ... إذا تخرص أقوام وإن كذبوا
وإذا برر البارودي موقفه وجلى باعتذاره عن نفسه، له أن يقول، كالنابغة في آخر «يا دار مية»
ها إنها فرية قد كان باء بها ... في ثوب يوسف من قبلي دم كذب
الإشارة إلى قول النابغة: «ها إن ذي عذرة إن لا تكن قبلت» وإلى سورة يوسف «وجاءوا على قميصه بدم كذب»
فإن يكن ساءني دهري وغادرني ... في غربة ليس لي فيها أخ حدب
فسوف تصفو الليالي بعد كدرتها ... وكل دور إذا ما تم ينقلب
وهكذا تنتهي هذا القصيدة الرائعة بنفس من الأمل الديني الصادر عن تسليم العبد إلى قضاء مولاه، وثقته بأن الموقف الذي وقفه لم يكن فيه عليه من مذمة أو عار:
فهل دفاعي عن ديني وعن وطني ... ذنب أدان به ظلما وأغترب
стр. 2856
فكرة الدفاع عن الوطن مع الدفاع عن الدين معنى قديم عند العربي المسلم. ومع هذا، لا أحسب قوله «وعن وطني» هنا خاليًا من معنى روح الوطنية الحديثة التي إنما كانت ثورة عرابي باشا من بعض انفجاراتها وسائر الثورات التي جاءت من بعد.
في كتاب الدكتور محمد صبري السوربوني أدب وتاريخ في الفصل الذي جعله للبارودي، قال (ص ٧٢ - ٧٧): روى الكاتب (١): «ومر بقصر الجزيرة بعد عودته من سيلان فتذكر أيام إسماعيل ونظم معتبرًا ومذكرًا:
هل بالحمى عن سرير الملك من يزع ... هيهات قد ذهب المتبوع والتبع
هذى الجزيرة فأنظر هل ترى أحدًا ... ينأى به الخوف أو يدنو به الطمع
أضحت خلاء وكانت قبل منزلة ... للملك منها لوفد العز مرتبع
فلا مجيب يرد القول عن نبأ ... ولا سميع إذا ناديت يستمع
كانت منازل أملاك إذا صدعوا ... بالأمر كادت قلوب الناس تنصدع
عاثوا بها حقبة حتى إذا نهضت ... طير الحوادث في أوكارها وقعوا
لو أنهم علموا مقدار ما فغرت ... به الحوادث ما شادوا ولا رفعوا
دارت عليهم رحى الأيام فانشعبوا ... أيدي سبا وتخلت عنهم الشيع
كانت لهم عصب يستدفعون بها ... كيد العدو فما ضروا وما نفعوا
стр. 2857
أين المعاقل بل أين الجحافل بل ... أين المناصل والخطية الشرع
لا شيء يدفع كيد الدهر إن عصفت ... أحداثه أو يقي من شر ما يقع
زالوا فما بكت الدنيا لفرقتهم ... ولا تعطلت الأعياد والجمع
والدهر كالبحر لا ينفك ذا كدر ... وإنما صفوه بين الورى لمع
لو كان للمرء فكر في عواقبه ... ما شأن أخلاقه حرص ولا طبع
وكيف يدرك ما في الغيب من حدث ... من لم يزل بغرور العيش ينخدع
دهر يغر وآمال تسر وأعمـ ... ـمار تمر وأيام لها خدع
يسعى الفتى لأمور قد تضربه ... وليس يعلم ما يأتي وما يدع
يأيها السادر المزور من صلف ... مهلاً فإنك بالأيام منخدع
دع ما يريب وخذ فيما خلقت له ... ولعل قلبك بالإيمان ينتفع
إن الحياة لثوب أنت تخلعه ... وكل ثوب إذا مارث ينخلع
وقد علق كاتب المنار على القصيدة قائلاً: فهذه القصيدة من آخر ما نظم وفيها من آيات النذر للمغرورين بكثرة المال والدائر (١) - تلك القصيدة من أجود شعر البارودي، وهي دمعة وفاء على أيام إسماعيل التي كانت أيام صباه، وهي من الشعر الحي الذي يستمد قوته من الذكرى وهي بكاء على الحال التي آلت إليها البلاد بعد عودته إليها، ورؤيته المحتل ضاربًا بجرانه في نواحيها، ولا ريب أن الألم الصامت كان في فؤاده كالجمرة تحت الرماد فلم يصرح عنه مقاله، وأشد الألم ما كان مكتومًا. وتدل قصيدته في الجزيرة على أن الرجل كان ثاقب الفكر لا تعوقه الظواهر عن رؤية أبعد البواطن، فلم تغره الرفاهية المادية التي غرت بعض العرابيين بعد رجوعهم من المنفى فتوهموا أن أغراضهم تحققت، ولم تغره مظاهر العدل المنظم في الظاهر، فأزاح الستار عن ذلك الظلم الأجنبي المنظم في الباطن الذي يضؤل بجانبه كل ظلم. من ذلك نفهم كيف كان الشاعر بالأمس يبكي من إسماعيل فأصبح يبكي عليه. وكأني بالشاعر أحس دنو الأجل فاستسلم للقضاء في هذه القصيدة، ولم تحفزه همته إلى الفخر ومغالبة الأقدار، ورثى نفسه فيمن رثى حين قال:
زالوا فما بكت الدنيا لفرقتهم ... ولا تعطلت الأعياد والجمع
стр. 2858
فهذا البيت من خير ما قيل في وصف خروج الإنسان من هذه الحياة الدنيا دون أن يحس الكون بفقده مهما كان عظيمًا. قال فيكتور هوجر في المعنى بيتًا يشبه هذا البيت
Je m'en irai bientot au miliau de la fete
Sans que rien manque au monde immense et radieux (١)
وقد تكون هذه القصية في جملتها أثرًا من آثار التأمل الذي يعتري الإنسان عند تقلص الأيام وتقلب الدنيا ويدفعه إلى عرض الماضي في صفحة الفكر فإذا بكى عليه كان بكاؤه المر عصارة التجارب والألم. في فصل كتبه: «إن هذا الوزير الذي اقتدح زناد تلك الهمة، وشبت بعد استقالته تلك الفتنة المستطيرة لم يكن مع شجاعته وإقدامه اللذين بلغ بهما أقصى مبالغها في مواطن القتال إلا رجل سكينة ووداعة وحلم، إصابته بكريمتيه هي التي قلصت من كبده وأودت بجسده ثم إن العارف بحوادث حياته لا يكاد يصدق أنه هو الرجل الذي كان ديدنه في سنواته الأخيرة أن يجمع أطفاله وهم غلامان وأربع فتيات فيجعل لهم مكانًا خصيصًا من البيت لتلقي العلوم واللغات بضروبها على أساتذة يحضرون في مواعيد كأنهم في مدرسة قانونية فيرعى سيرهم كل يوم ثم يمتحنهم كل أسبوع مرة ثم يمتحنهم آخر كل شهر ويوزع عليهم المكافآت على أن هذا البر إنما كان إحدى شمائله وفضائله فإن أريد بعض التعداد فالجودة مع الجود والكياسة مع لطف الحس، والصفح مع المقدرة والإيناس مع علو النفس وشرف الطبع» - إلى هنا ينتهي نقل السوربوني من مطران وأعجب أنا من قوله ثم إن العارف بحوادث حياته لا يكاد يصدق، وأي غرابة في أن يهتم عالم أديب مثقف فطن مثله بتعليم ذريته بأجود ما يقدر عليه، ثم أية غرابة في أن يحافظ جندي وإداري مثله على المواعيد وعلى متابعة ما كلفهم بالامتحان والتفتيش والمكافأة وأما رقة القلب فشاهدها شعره وكذلك الشعراء الفرسان. وأما قول الدكتور محمد صبري السوربوني ﵀ أنه رثى نفسه ببيت الأعياد والجمع، فما أرى إلا أنه رثى كل ذوي الإمارة الذين عصف بهم الدهر، وإسماعيل خاصة، إذ الناس مما يحسون مقدم الأمير في العيد والجمعة. وأحسب أن كلام فكتور هوجو الذي خيل به للسوربوني أن البارودي رام معنى كمعناه. وإنما رام البارودي ﵀ جمع أبي الطيب في قوله:
مخلى له المرج منصوبًا بصارخة ... له المنابر مشهودًا بها الجمع
стр. 2859
والاعتبار بقول الله : ﴿كم تركوا من جنات وعيون (٢٥) وزروع ومقام كريم (٢٦) ونعمة كانوا فيها فاكهين (٢٧) كذلك وأورثناها قومًا آخرين (٢٨) فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (٢٩)﴾.
ثم يقول السوربوني مستمرًا من حيث انتهى نقله من مطران «نضيف إلى ذلك أن البارودي تمكن بفضل جده وكده من تجديد جزء عظيم من ثروته تركه لأهله وذويه، فكان طول حياته مثال الهمة العلياء، ولم يمنعه قول الشاعر من قيادة الجحافل، ورياسته الوزارة في أحرج الأوقات والعمل. وكل ما يعاب على الرجل أنه لم يوفق في حياته السياسية كما وفق في شعره، ومهما كان من الأمر فقد كانت حياة هذا الرجل صحيفة كبرى من التاريخ المصري تشهد له بحسن الطوية وصدق العزيمة وكراهية الظلم، والاعتدال، والروية والأناة وهو مؤسس دولة الشعر التي يحمل لواءها اليوم شوقي ومطران وحافظ وآخرون بعد أن غادرهم شيخ الشعراء بعده المرحوم صبري باشا الذي ننعاه اليوم إلى الشعر كما ننعى الجود إلى الجود. ولا أعرف رجلاً كافح الردى مثلما كافح البارودي، وطاعن خيلاً من فوارسها الدهر مثلما طاعنها وخاض وقائع الحياة مثلما خاضها، وقد كان خلق الرجل عظيمًا وذكاؤه عظيمًا وشعره عظيمًا فكان الثلاثة في مستوى واحد. وفي اعتقادي أن أكثر شعره ارتباطًا بحياته شعر المنفى، شعر العواطف شعر الوجدان، شعر الألم» - ثم يقول في أخريات الفصل: وقد لبى دعوة ربه في ٦ شوال سنة ١٣٢٢ (ديسمبر سنة ١٩٠٤) (ص ٧٨).أ. هـ نقلنا من السوربوني ﵀ من كتابه أدب وتاريخ، في هذا الموضع قلت وحصر إبداع البارودي في شعر منفاه فيه بعض النقص من حقيقة قدره ولا يخلو من نوع تشبيه له بأبي فراس، وكان أبو فراس معاصرًا لأبي الطيب يجاريه ويحذو حذوه ويأخذ من لفظه وإيقاعه ومعانيه عن قرب زمان ومكان. وما كذلك كان أمر البارودي. كان البارودي شاعرًا فحلا صاحب نهج من حر القريض وأصيله من قبل المنفى ومن بعده واقرأ بائيته:
سواى بتحنان الأغاريد يطرب
وفيها يقول عن تجربة قلب وبيان:
وبحر من الهيجاء خضت عبابه ... ولا عاصم إلا الصفيح المشطب
تظل به حمر المنايا وسودها ... حواسر في ألوانها تتقلب
توسطته والخيل بالخيل تلتقي ... وبيض الظبي في الهام تبدو وتغرب
فما زلت حتى بين الكر موقفي ... لدى ساعة فيها العقول تغيب
لدن غدوة حتى أتى الليل والتقى ... على غيهب من ساطع النقع غيهب
стр. 2860
ولا ميته: «ردوا على سواد اللمة البالي» وفيها يقول: -
قلبي سليم ونفسي حرة ويدي ... مأمونة ولساني غير ختال
لكنني في زمان عشت مغتربًا .... في أهله حيث قلت فيه أمثالي
بلوت دهري فما أحمدت سيرته ... في سابق من لياليه ولا تالي
حلبت شطريه من يسر ومعسرة ... وذقت طعميه من خصب وإمحال
فما أسفت لبؤس بعد مقدرة ... ولا فرحت لوفر بعد إقلال
عفافة نزهت نفسي فما علقت ... بلوثة من غبار الذم أذيالي
فاليوم لا رسنى طوع القياد ولا ... قلبي إلى زهرة الدنيا بميال
لم يبق لي أرب في الدهر أطلبه ... إلا صحابة حر صادق الخال
وأين أدرك ما أبغيه من وطر ... والصدق في الدهر أعيا كل محتال
لا في سرنديب لي إلف أجاذبه ... فضل الحديث ولا خل فيرعى لي
أبيت منفردًا في ظل شاهقة ... مثل القطامي فوق المربأ العالي (١)
إذا تلفت لم أبصر سوى صور ... في الذهن يرسمها نقاش آمالي
تهفو بي الريح أحيانًا ويلحفني ... برد الظلام ببرد منه أسمال (٢)
ففي السماء غيوم ذات أروقة ... وفي الفضاء سيول ذات أوشال
كأن قوس الغمام الغر قنطرة ... معقودة فوق طامي الماء سيال
إذا الشعاع تراءى خلفها نشرت ... بدائعها ذات ألوان وأشكال (٣)
فلو تراني وبردي بالندى لثق ... لخلتني فرخ طير بين أدغال
غال الردى أبويه فهو منقطع ... في جوف غنياء لا راع ولا وال (٤)
فذاك مثلي ولم أظلم وربتما ... فضلته بجوى حزن وإعوال
شوق ونأي وتبريح ومعتبة ... ياللمحبة من غدري وإهمالي
أصبحت لا أستطيع الثوب أسحبه ... وقد أكون وضافي الدرع سربالي
ولا تكاد يدي تجري شبا قلمي ... وكان طوع بناني كل عسال
فإن يكن جف عودي بعد نضرته ... فالدهر مصدر إدبار وإقبال
علام أجزع والأيام تشهد لي ... بصدق ما كان من وسمي وإغفالي
стр. 2861
راجعت فهرس آثاري فما لمحت ... بصيرتي فيه ما يزري بأعمالي
فكيف ينكر قومي فضل بادرتي ... وقد سرت حكمي فيهم وأمثالي
أنا ابن قولي وحسبي في الفخار به ... وإن غدوت كريم العم والخال
ولي من الشعر آيات مفصلة ... تلوح في وجنة الأيام كالخال
ينسى لها الفاقد المحزون لوعته ... ويهتدي بسناها كل قوال
فأنظر لقولي تجد نفسي مصورة ... في صفحتيه فقولي خط تمثالي
ولا تغرنك في الدنيا مشاكلة ... بين الأنام فليس النبع كالضال
إن ابن آدم لولا عقله شبح ... مركب من عظام ذات أوصال
هذه الديباجة الصافية لا نظير لها في الشعر المعاصر. وقد كان البارودي بحقيقة ذلك عليمًا يدل عليه قوله:
ولا تغرنك في الدنيا مشاكلة ... بين الأنام فليس النبع كالضال
من النبع والضال تصنع القوس ولكنهما لا سواء- إذ الضال ذو شوك وثمر والنبع كما قال البحتري:
وعيرتني خلال العام آونة ... والنبع عريان ما في عوده ثمر
وقد اهتدى بسنا البارودي من بعده من القوالين جيل تبعته من بعد أجيال. غير أن نهج قصيدته الأصيل لم يسر حقًا عليه من كبار من حذوا على رونق ديباجته وقصروا عنها أحد. إنما سلكوا نهجًا دعاهم إليه التجديد- وهو نهج أسلوب المقالة، ثم تفرعت عنه فروع أصناف الشعر المعاصر وما إليه.
أسلوب المقالة: أوائله، ثانيًا
جاء في الكتاب النفيس أدب وتاريخ للدكتور محمد صبري السوربوني في ترجمته لإسماعيل صبري (ولد في ١٦/ ٢/١٨٥٤) وتوفي في ٢١/ ٣/١٩٢٣ ﵀ (١) في
стр. 2862
صفحة ١٥٠ - إلى ص ١٥٤: «كان الأستاذ خليل مطران بعث بقصيدة دالية إلى محمد بك مسعود بالمؤيد من سقارة على أثر زيارته لأهرامها، جاء في هذه القصيدة عن فرعون:
شاد فأعلى وبنى فوطدا ... لا لعللي ولا له بل للعدا
مستعبدًا أمته في يومه ... مستعبدًا بنيه للعادي غدًا
وجاء فيها عن العمال المصريين الذين بنوا الأهرام:
إني أرى عدا الرمال ههنا ... خلائقًا تكثر أن تعددا
مجتمعين أبحرا منفرعـ ... ـين أنهرًا منحدرين صعدًا
صفر الوجوه ناديًا جباهم ... كالكلأ اليابس يعلوه الندى
أكل هذي الأنفس الهلكي غدًا ... تبني لفان جدثا مخلدًا
اطلع صبري على هذه القصيدة التي تؤيد نظرية تخالف نظريته فنظم نونيته قائلاً إن البنايات لم تتم إلا على يد عمال كانوا يطلبون الإتقان الفني إكرامًا للفن لا خوفًا ولا طمعًا. والحقيقة أن صبري راعى في نظريته ما يسمونه بالوجهة التاريخية الوطنية. أما مطران فقد نظر إلى الوجهة العلمية التي يؤيدها التاريخ فإن بناء الأهرام ما كان إلا سخرة أرهقت الملايين من المصريين وأثارت السخط في البلاد مدة قرنين، ونظر أيضًا إلى الوجهة الاجتماعية القديمة، فإن الظلم من شأنه إفساد الأخلاق التي لا تحيا الأمم بدونها. على أن شوقي وفق بين النظريتين بطريقة شعرية فلسفية في قوله:
ولمن هياكل قد علا الباني بها ... بين الثريا والثرى تتنسق
هي من بناء الظلم إلا أنه ... يبيض وجه الظلم منه ويشرق
لم يرهق الأمم الملوك بمثلها ... فخرًا لهم يبقى وذكرًا يعبق
وقد نظم خليل مطران ردًا على قصيدة صبري نونية أخرى لم يسبق نشرها، وكان ذلك أثر مشاهدته بعض الآثار ورؤية تمثال محفوظ لرمسيس الثاني في الأقصر. وفي هذه القصيدة عاد مطران إلى نظريته الأولى لأنه يرى أن المجد لا يمس وأن عظمة مصر باقية سواء أكان أصل البنيان الظلم أم غيره، وأن الفراعنة نهضوا بمصر وإن كان اعتقاد
стр. 2863
الشاعر أن ضررهم كان أكبر من نفعهم في جانب شخصية الأمة وتكوينها الحر، قال مطران:
أكبر برمسيس ميتًا لا يلم به ... موت وأكبر به حيًا إلى الآن
لولا تماثيله الأخرى محطمة ... ما جال في ظن فان أنه فان
في مصر عز فراعين فما بلغوا ... بها مبالغة في رفعة الشأن
ولم يتم لها في غير مدته ... ما تم من فضل إثراء وعمران
تخير الخطة المثلى له ولها ... يعلو فتعلو به والخفض للشاني
ما زال بالقوم حتى صار بينهم ... إله جند تحابيه وكهان
ورب سائمة بلهاء هائمة ... تشقى وتهواه في سر وإعلان
يسومها كل خسف وهي صابرة ... لا صبر عقل ولكن صبر إيمان
إن بات في حجب باءت إلى نصب ... يلوح منه لها معبودها الحاني
فبجلت تحت تاج الملك مدميها ... وقبلت دمها في المرمر القاني
وجاء السوربوني بالمنظومة المطرانية كاملة، وهي خالية كما ترى من رنة إيقاع جزالة القصيد- وأمثال:
ورب سائمة بلهاء هائمة ... تشقى وتهواه في سر وإعلان
صناعة تقسيم كأنما فطن الناظم بها إلى مغسولية ما نظمه وفقدانه كل طعم فألقى بهذا عليه ضربًا من ملح وأبزار- وفي سر وإعلان إنما هي تتمة مضناة.
وجاء في مختاراته من صبري باشا بالنونية التي هذه المطرانية رد عليها (١):
لا القوم قومي ولا الأعوان أعواني ... إذا ونى يوم تحصيل العلا وإني
ولست إن لم تؤيدني فراعنة ... منكم بفرعون عالي العرش والشأن
لا تقربوا النيل إن لم تعملوا عملاً ... فماؤه العذب لم يخلق لكسلان
ردوا المجرة كدا دون مورده ... أو فاطلبوا غيره ريا لظمآن
وابنوا كما بنت الأجيال قبلكمو ... لا تتركوا بعدكم فخرًا لإنسان
أمرتكم فأطيعوا أمر ربكمو ... لا يثن مستمعًا عن طاعة ثاني
стр. 2864
فالملك أمر وطاعات تسابقه ... جنبًا لجنب إلى غايات إحسان
لا تتركوا مستحيلاً في استحالته ... حتى يميط لكم عن وجه إمكان
مقالة قد هوت من عرش قائلها ... على مناكب أبطال وشجعان
مادت لها الأرض من ذعر ودان لها ... ما في المقطم من صخر وصوان
لو غير فرعون ألقاها على ملأ ... في غير مصر لعدت حلم يقظان
لكن فرعون إن نادى بها جبلاً ... لبت حجارته في قبضة الباني
وآزرته جماهير تسيل بها ... بطاح واد بماضي القوم ملآن
يبنون ما تقف الأجيال حائرة ... أمامه بين إعجاب وإذعان
من كل ما لم يلد فكر ولا فتحت ... على نظائره في الكون عينان
ويشبهون إذا طاروا إلى عمل ... جنا تطير بأمر من سليمان
برا بذي الأمر لا خوفًا ولا طمع ... لكنهم خلقوا طلاب إتقان
أهرامهم تلك حي الفن متخذًا ... من الصخور بروجًا فوق كيوان (١)
قد مر دهر عليها وهي ساخرة ... بما يضعضع من صرح وإيوان
لم يأخذ الليل منها والنهار سوى ... ما يأخذ النمل من أركان ثهلان
هذا أراد به المبالغة وهو فيه ضعف، ولعله لو قال كمثل أخذهما من ركن، كان من جهة المعنى أحسن، واللفظ متهافت على كل حال.
كأنها والعوادي في جوانبها ... صرعى بناء شياطين لشيطان
جاءت إليها وفود الأرض قاطبة ... تسعى اشتياقًا إلى ما خلد الفاني
وصغرت كل موجود ضخامتها ... وغض بنيانها من كل بنيان
وعاد منكر فضل القوم معترفًا ... يثني على القوم في سر وإعلان
تلك الهياكل في الأمصار شاهدة ... بأنهم أهل سبق أهل إمعان
وفي القافية ضنى- يعني أهل إمعان في السبق والتجويد، وإمعان وحدها لا تفيد هذا المعنى.
وإن فرعون في حول ومقدرة ... وقوم فرعون في الإقدام كفوان
إذا أقام عليهم شاهدًا حجر ... في هيكل قامت الأخرى ببرهان
كأنما هي والأقوام خاشعة ... أمامها صحف في عالم ثان
تستقبل العين في أثنائها صور ... فصيحة الرمز دارت حول جدران
стр. 2865
لو أنها أعطيت صوتًا لكان له ... صدى يروع صم الإنس والجان
قوله «صم الإنس والجان» متكلف، إذ المعنى «صوتًا يسمع الصم فيرتاعون له» فاحتال على القافية بما ترى، وقد جعل الجن لهم صم زما للإنس صم وأمرهم مختلف عن الإنس. وكمان شوقي أحذق حيث قال على لسان الجن:
نقول حين نصطدم ... بسادة أو بخدم
صمم صمم صمم صمم ... عمى عمى عمى عمى
على أن قوله صم الإنس والجان- تكلف محتمل شيئًا
أين الألي سجلوا في الصخر سيرتهم ... وصغروا كل ذي ملك وسلطان
بادوا وبادت على آثارهم دول ... وأدرجوا طي أخبار وأكفان
وخلفوا بعدهم حربًا مخلدة ... في الكون ما بين أحجار وأزمان
وزحزحوا من بقايا مجدهم وسطًا ... عليهم العلم ذاك الجاهل إذ العلم
قوله في العلم: «ذاك الجاهل الجاني» إغراب. وإنما عنى البحث باسم العلم إذ العلم لا يجني- قال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ - والعلم المراد هنا هو ما يسمى Science، وهذا نظر وبحث واجتهاد فكر وما ينال من طريقه ليس بالعلم حقًا، ولكنه مما يكون بعضه وسيلة وطريقًا إلى العلم. والله أعلم.
ويل له هتك الأستار مقتحمًا ... جلال أكرم آثار وأعيان
للجهل أرجح منه في جهالته ... إذا هما وزنا يومًا بميزان
نظم صبري أدنى ألا يكون مغسولاً وأسلم من التكلف. خذ مثلاً قول مطران يذكر جبرية رمسيس:
مخلدًا دون من قاموا برفعته ... من شوش حرب وصناع وأعوان
مخالسًا ذمة العلياء مضطجعًا ... من مهد عصمتها في مضجع الزاني
البيت الأول واضح وفي سلامة معناه نظر. لأن شوش الحرب قد خلدت ذكراهم كما قد خلدت ذكراه. وليس له ولا لهم خلود سوى ذلك. والبيت الثاني قوله مخالسًا ذمة العلياء، غير واضح المعنى إلا على تصور أن العلياء هي «لوكريشا» التي خان مغتصبها ذمتها. فإن كان هذا مراده، أو شيء كهذا أراده، فما معنى مهد عصمتها، إذ المهد للطفل وما عنى هذا وما عنى في هذا الموضع إلا فراش عصمتها. واغتصاب
стр. 2866
العلياء أمر مجازي لا يجعل صاحبه زانيًا ولو على سبيل المجاز. فتأمل. وإنما هي الفتنة بالتماس التجديد من طريق نقل الأخيلة الإفرنجية بلا تدبر.
مهما يكن من أمر فإني استوقف القارئ الكريم قليلاً عند قول السوربوني بعد عرضه كلمة مطران والإشارة إلى نونية إسماعيل صبري وقد أوردها كاملة كما تقدم: «كلا الشاعرين في قصيدته يستنبط عبر التاريخ وينظمها درسًا نافعة لأمته، كلاهما يجيب داعية الوطنية وينتصر للحق والعدل وإن اختلفت وجهتا نظرهما، وهما متفقان في جوهر الموضوع، في الإشادة بذكر عظمة مصر الغابرة، وعظمة الفراعنة وتنبيه الخلف إلى مجد السلف. «١» (ص ١٥٤).
ههنا كما ترى في قوله، موضوع اتفق الشاعران في جوهره ووجهتا نظر اختلفا فيهما. مطران يذكر جلال رمسيس، وأنه أجل فراعين مصر قدرًا، وأن تمثاله الخالد ما كان أحد ليخطر بباله أنه سيفني لولا وجود تماثيل أخر له محطمة. إنه اختار الخطة المثلى لتخليد نفسه وحمل شعبه عليها. وإنه كان للجند إلهًا يقدسونه وللكهان سيدًا رفيع الشأن يتملقونه، وهذه المرأة البلهاء التي جعلها مطران رمزًا لبؤس الشعب وطاعته، لم تزل ذات نصب كادحة من أجل رمسيس، يدفعها حبها الديني له وصبرها الصادر عن إيمانها بألوهيته، هي تدمي من الإرهاق الذي يكلفها إياه، وهي تبجله وتقبل الدم، الذي يسيل منها على مرمر الأبنية التي تبنيها له. (لم يذكر لنا مطران لماذا تقبل المرمر، إذ هي عبارة إفرنجية. خطابة الصيغة راقته، ولو تتبعناها بالتحليل لاضطرنا ذلك أن نقول بأنها بتقبيلها دم نفسها كأنما تعلن عن تعلق بنفسها يناقض معنى الحب والتضحية والتأليه الذي قد قال به. هذا ويختم مطران القسم الأول من كلامه بأن رمسيس عاد بالفخر كله وأنه هو المخلد دون جنوده وصناعه وأعوانه. وهذه سنة دنيا الطغيان، كم تهلك الجموع فداء لفرد.
وينتقل مطران في القسم الثاني إلى الشعب أنهم هم الذين يسروا لطغيان رمسيس السبيل بإذعانهم وأنهم بانصياعهم لأمره وصنعهم التماثيل له، مكنوا له كل التمكين. لماذا رضوا أن تنصب له لا لهم النصب، ويكتب اسمه هو لا اسماؤهم. ثم يزعم مطران أن الطغيان أحيانًا ربما كان منقذًا للأمم من الانهيار الأخلاقي. وقوله:
стр. 2867
ليت البلاد التي أخلاقها رسبت ... يعلو بأخلاقها تيار طغيان
نوع من التمني للمنقذ من حال الضعف والانهيار التي كانت عليها أمة مطران المعاصرة، أن يتاح لها رمسيس يغزو بها ويسومها جبروته ويصنع لها الفخر وتصنع له التماثيل
يهب فيهم كإعصار فينقلهم ... من خفض عيش إلى هيجاء ميدان
بعض الطغاة إذا جلت إساءته ... فقد يكون به نفع لأوطان
في كل مفخرة تسمو الشعوب بها ... تفني جموع مفاداة لأحدان
وههنا روح استخفاف بالمفخرة، غريبة المعدن، مثلها كان يقوله أعداء نابليون عن مجده ثم جعل مطران خاتمة لكلامه تكبيرًا مرة أخرى لرمسيس وإشادة بعظمته والتمس لهذا من قوله وجهًا من الحكمة كونيًا يتخطى الأرض إلى الأفلاك.
كم في سني الكوكب الوهاج مهلكة ... في كل لمح لأضواء وألوان
أي المجد كهذا الضياء الوهاج، إنما يتألق به أمثال رمسيس بهلاك آلاف يهلكون كما تهلك ذرات الأضواء لينبثق منها هذا التألق الباهر الذي نراه.
ويلاحظ أن مطران قد ناقض بآخر كلامه أوله، إذ زعم في أوله أن الخالد وحده هو رمسيس وأن الآخرين، هلكوا في سبيل ذلك وشقوا وكدحوا في سبيل ذلك، وفي آخره قد أثبت لهم صورًا ووجوهًا غرانًا. والحق أنه لا خلد رمسيس ولا خلدوا هم، وإنما خلدت الذكرى- وهي ذكراهم جميعًا ورمسيس قد سخر نفسه كما قد سخر شعبه من أجل هذه الذكرى، وهي المفخرة التي ذكرها مطران في أخريات كلامه وسخر منها بأسلوب نثري الذكاء.
ولله رد أبي الطيب إذ قال: -
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه وما يومه ما المصرع
تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينًا ويدركها الفناء فتتبع
لماذا يعد الهرمان أنهما رمزان للتسخير أكثر من كاتدرائيات شارتر وكولون وونشتسر؟ إن تك تلك قد أقامها صدق العقيدة، فكذلك أقام الأهرام صدق العقيدة، فهي آثار قوم كانوا أهل مجد بقيت بعدهم تشهد بمجدهم، ثم سيدركها الفناء، وقد كان كثير من مثقفي جيل مطران وصبري وأجيال بعدهما إلى زماننا هذا تمسك ببعض قضايا السياسة والاجتماع التي تصدرها أوربا عن واقعها، تمسكًا أعمى، كأنما تبغي أن تتقرب إلى
стр. 2868
حضارة أوربا وتنسب أنفسها إليها، فتقبل على تجريح مجدها من ماض وذكراه، وحاضر وبقاياه، بأظفار من الدعوى والتقليد كالحات ذوات عبس. وإلى الله ترجع الأمور.
هذا. وقد افتتح صبري بنداء وحث على لسان فرعون، وكأنه داع من دعاة الوطنية الحديثة لأهل مصر، واستجابة من هؤلاء لا خوفًا ولا طمعًا ولكن حبًا للإتقان. ويبدو أن هذا المعنى كان دائرًا في أوساط المثقفين. ومن شواهد ذلك مثلاً قول شوقي.
إذا عمدوا لمأثرة أعدوا ... لها الإتقان والخلق المتينا
وموضوع الخلق أيضًا، يبدو أنه كان مما يدور في أحاديث الجد والتأمل بين المفكرين. هو كثير عند شوقي. وقد رأيت منه في قول مطران.
ليت البلاد التي أخلاقها رسبت ... يعلو بأخلاقها تيار طغيان
ثم يذكر إسماعيل صبري ما تشهد به الأهرام والهياكل التي أقامها قدماء الفراعنة وشعوبهم من هذا الإتقان وكيف أنهم سجلوا فيها أخبارهم وسيرهم. ثم جاء هذا العلم الحديث فاعتدى على حرمة أسرارهم بهتكها فالذي فعله جهل والجهل الذي هو عدم معرفة كان أرجح من هذا الذي يسمى نفسه علمًا ويعتدي باسم العلم، كان أرجح ميزانًا من حيث حقيقة الخير والإنسانية. وههنا احتجاجه بروح غضبة قومية على ظاهر تفوق أوربا المتمثل في هؤلاء الأثاريين الذين ينبشون قبور أجدادنا باسم البحث العلمي.
كلتاهما وجهة نظر كما قال السوربوني ﵀. غير أن إسماعيل صبري كأنه أصدق وإلى قلوبنا أقرب. ثم كلامه أصفى وأسلم.
وبعد فجلى أن الطريقة التي سلك مطران وسلكها صبري واحدة- ليست هي طريقة الوثب والاقتضاب الذي عند البحتري وقد زعم السوربوني أن إسماعيل صبري ينسج على منواله. أحسب الذي دعاه إلى هذا القول إنه يرى أن شعر صبري غنائي ولا سيما مقطوعاته- قال: «عند الإفرنج نوع من الشعر يدعى (Iyrique) نسبة إلى (Iyre) وهي القيثارة ولا أدري ماذا الذي يمنعنا من تسميته بالشعر الغنائي، فإن هذا الضرب من الشعر كان يغنى به في القرون الوسطى وهو شبيه بالأغاني في الشعر العربي. وقد تفنن صبري في هذا الشعر الوجداني ونظم فعلاً للغناء أدوارًا خاصة منها: (الفجر لاح قوموا يا تجار النوم) ومن أدواره المشهورة دور للغناء قديم على نغمات العود:
стр. 2869
مذهب بياتي
قدك أمير الأغصان ... من غير مكابر
وورد خدك سلطان ... على الأزاهر
دا الحب كله أشجان ... يا قلب حاذر
والصدويا الهجران ... يا قلب حاذر
والصدويا الهجران ... جزا المخاطر
دور
يا قلب دنت حبيت ... ورجعت تندم
وصبحت تشكي ما رأيت ... لك حد يرحم
صدقت قولي ورأيت ... ذل المتيم
ياما نصحت ونهيت ... لو كنت تفهم
دور
أعرض لحسنك أوراق ... واكتب ودون
وأبات صريع الأشواق ... وأحسب وأخمن
دا هجر وصبابه وفراق ... يارب هون
وارحم قلوب العشاق ... داشي يجنن
وشعره الغنائي أنواع، منها النوع المتقدم الذي جعل خصيصًا للغناء، ومنها ما تتخلله نزعة دينية. وقد نظم لامرتين (١) من هذا النوع ديوانيين. مثال ذلك قول شاعرنا:
[إلى الله]
يا رب أين ترى تقام جهنم ... للظالمين غدا وللأشرار
لم يبق عفوك في السماوات العلى ... والأرض شبرًا خاليًا للنار
يا رب أهلني لفضلك واكفني ... شطط العقول وفتنة الأفكار
ومر الوجود يشف عنك لكي أرى ... غضب اللطيف ورحمة الجبار
يا عالم الأسرار حسبي محنة ... علمي بأنك عالم الأسرار
أخلق برحمتك التي تسع الورى ... ألا تضيق بأعظم الأوزار
هذه الأبيات من خير ما قيل في الاستعطاف والرجاء وهي من أرقى الشعر الغنائي الذي يعلو بالعاطفة الدينية الخالصة إلى السماء كما تعلو الصلوات لله، وما أكثر الشبه بين قولين:
стр. 2870
ومر الوجود يشف عنك لكي أرى ... غضب اللطيف ورحمة الجبار
وقول لامرتين
Et j'ai monte devant sa face
(١) et la nature ma dit passe
Ton sort est sublime. Il t'a vu.
«صعدت أمام وجهك الكريم فقالت لي الطبيعة سر في طريقك ما أعظم شأنك. إنه رآك» فأنت ترى كيف التقى الشاعران في سمو الخيال وصفائه. على أننا إذا قلنا إن شعر صبري الغنائي كان شبيهًا بالصلاة التي تذهب صعدًا نحو السماء فقد كانت الطبيعة له معبدًا، وكانت المرأة في هذا المعبد تمثال جمال» انتهى نقلنا من كلام السوربوني ﵀ في هذا الموضع من ص ١٣٥ - ١٣٨».
وإنما وقفنا عند هذا النص من كلام السوربوني لأنه تنبه فيه إلى ما يسمونه Lyrique الغنائي اصطلاحًا ليس هو مذهب قصيدة شعراء العرب. ولكنه منهج أوربي. ثم كأن السوربوني كره أن ينسبه كل النسبة إلى أوربا. فزعم له أصلاً بحتريًا لقول ابن الأثير في البحتري «أجاد سبك اللفظ على المعنى وأراد أن يشعر فغنى» وكأنه بذكره أن أصل Lyrique وهي القيثارة يوحي بنوع من الحجة والبرهان على هذا الوجه الذي ذهب إليه وغير خاف عنه، لا ريب، أن قولهم Lyrique قد صار اصطلاحًا فارق أصله الأول، وأن الغناء فيه مراد به مذهب من مذاهب البيان يكون صاحبه فيه له طريقة من محاكاة للطبيعة في موضوعه مع تقمصه له تقمصًا ذاتيًا مباينًا لما في مذهبي المسرحية والملحمة من المحاكاة محاكاة صاحب الليريك أشبه بمحاكاة الرسام لما يرسمه من منظر مع تسجيل انطباعه في نفسه ينقل بذلك مع شكل المنظر نوعًا من تأثيره الذي أثره على نفسه.
قول ابن الأثير «فغنى» أراد به أن البحتري لم يكتف بإيقاع الشعر ولكن جاوزه إلى إيقاع الغناء- فقوله وصف لرنة الديباجة لا لنفس مذهب البيان. هذا أيضًا لا نحسبه كان مما خفي على السوربوني. بل ينبغي أن ننبه ها هنا أنه في هذا الفصل الذي انتسخناه من كتابه أدب وتاريخ- لعله أن يكون من أوائل من تنبهوا إلى أن مذهب
стр. 2871
الغناء الأوروبي في الشعر Lyrique (كما اصطلحوا له) شيء جاء به شعراء النهضة، وليس من معدن مذاهب العربية- ونأمل أن نلم بهذا المعنى من بعد إن شاء الله تعالى ونعود إلى ما قلناه من قبل إن كلتا هاتين القصيدتين ذواتا جوهر متقارب في الموضوع ووجهتي نظر مختلفين في المعالجة وبعض الآراء- ثم فيهما ما رأينا من طريقة ترتيب للكلام ليست من سنخ:
ميلوا على الدار من ليلى نحييها ... نعم ونسألها عن بعض أهليها
ثم من بعد:
قد أطرق الغادة البيضاء مقتدرًا ... على الشباب فتصبيني وأصبيها
عاطيتها غضة الأطراف مرهفة ... شربت من يدها خمرًا ومن فيها
يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها ... والآنسات إذا لاحت مغانيها
أو من سنخ
لو كان يعتب هاجر في واصل ... أو يستفاد لمغرم من ذاهل
ثم من بعد:
ليدم لنا المعتز إن بملكه ... عز الهدى وخبا ضياء الباطل
لما كملت روية وعزيمة ... أعملت رأيك في ابتناء الكامل
ولكنها في سنخ آخر.
في شعر ابن الرومي وأصحاب الوصف وكثير من القدماء أمثلة من وحدة الموضوع وترتيبه. وقد نصح ابن طبا طبا شعراءه برصف الكلام والتفكير فيه منثورًا ثم نظمه من بعد ثم ضم أطرافه بملء الفجوات بينها. ولكن جميع هذا ليس بنهج كنهج المقالة الصحفية العصرية الصادرة عن وحدة فكرة وموضوع وتجويد تبويب وترتيب وربط. قد فطن طه حسين، سقى غيث الرحمة ثرى قبره، إلى أن ابن الرومي تأثر بأساليب الكتاب- هذا في كتابه من حديث الشعر والنثر. ولكنه قد قيد هذا من قبل بأن الكتاب أنفسهم -الجاحظ ورصفاء وسابقيه الذين مهدوا له من قبل- كل أولئك جميعًا قد تأثروا بمنهج الشعراء وطرائق بيانهم. رسائلهم كانت ألوانًا من شعر كتابي كما قصائد ابن الرومي ألوان من كتابة بالشعر. ولا غرو فقد كان كثير من كتاب ذلك الزمان أيضًا شعراء. حتى ابن المقفع قد كان شاعرًا. والجاحظ أيضًا. وقد كان ابن
стр. 2872
الزيات والصولي مشتهرين بالشعر. وكان ابن الرومي كاتبًا كما كان شاعرًا.
مذهب هاتين القصيدتين ليس من مذهب شعراء العصر العباسي والمولدين من بعد، السالك طريقة الكتاب. لأن مذهب هؤلاء سنخه سنخ القصيدة. حتى ما جيء به تعليميًا فلسفيًا نحو.
هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع
وزينبية صالح بن عبد القدوس ولزوميات المعري- كل ذلك قصيدي السنخ القصيدة أساسه ومنبته الذي فيه واشجة جذوره. أما هاتان القصيدتان فسنخهما شيء مختلف سنخهما كالمقالة الصحفية العصرية التي كانت الأقلام قد استطرفتها وأخذت بها أيام النهضة وجعلتها من عدة النضال والإقبال على تناول حضارة العصر المتمثلة في تفوق أوروبا تفوقًا بالنسبة إليه حال جميع العرب وبلاد الإسلام حال رجعية وتخلف.
لم يكن إسماعيل صبري ومطران إلا من الطبقة الثانية من شعراء النهضة- أسلوب المقالة الصحفية العصرية الذي في هاتين القصيدتين من نظمهما هو المهيمن على شوقي وحافظ وتفرعت منه شتى فروع النظم الحديث من بعد.
للبارودي كلمة نظمها في هرمي الجيزة هي التي مطلعها
سل الجيزة الفيحاء عن هرمي مصر ... لعلك تدري غيب ما لم تكن تدري
فيها وحدة الموضوع، وجودة الترتيب، وكأنه بها كالسابق إلى هذا الأسلوب المقالي، ولكن تغلغل روح القصيدة في ملكة بيان البارودي وشاعريته أبت عليه إلا أن يكون هو المهيمن على جملة معدن الأسلوب وسنخه- تأمل قوله:
مصانع فيها للعلوم غوامض ... تدل على أن ابن آدم ذو قدر
رسا أصلها وامتد في الجو فرعها ... فأصبح وكرًا للسماكين والنسر
فقم نغترف خمر النهي من دنانها ... ونجن بأيد الجد ريحانة العمر
ألا تحس هنا رنة من قول المعري
رآها سليل الطين والشيب شامل ... لها بالثريا والسماكين والوزن
стр. 2873
وكأنه يرد على قوله:
وقد كان أرباب الفصاحة كلما ... رأوا حسنا عدوه من صنعة الجن
وقال في آخرها، في نهج قصيدي واضح:
فيا نسمات الفجر أدي تحيتي ... إلى ذلك البرج المطل على النهر
ويا لمعات البرق إن جزت بالحمى ... فصوبي عليها بالنثار من القطر
عليها سلام من فؤاد متيم ... بها لا بربات القلائد والشذر
ولا برحت في الدهر وهي خوالد ... خلود الدراري والأوابد من شعري
مع ذلك لكأن البارودي، حتى في هذا النهج الجديد من حمل القصيدة على طريق المقالة الصحفية نجده ذا سبق وذا تجديد أصيل ﵀ رحمته الواسعة وجادت ثراه شآبيب الغفران.
لعل القارئ الكريم قد تنبه لتأثير شعر المديح والأذكار على ما سماه السوربوني شعر إسماعيل صبري الغنائي الديني وأما ما نبه إليه من شبه بعض ما قال لامرتين بما قاله صبري، فقد تأسر الرومنسيون الأوربيون بالتصوف -تصوف المسلمين- وما يخرج لامرتين في باب التأثر من هذا النطاق. وقد سبق التنبيه على أن الرومنسيين إنما تأثروا في تقديسهم الطبيعة بالفيلسوف السوسري الفرنسي الرومنسي جان جاك روسو. وكان هذا كما قدمنا واضح التأثر بالصوفية وعلوم المسلمين.
المقالة والقصيدة عند شوقي وحافظ ومن بعد قليلاً
المقالة التي قصيدة في ظاهر شكلها والقصيدة التي هي مقالة في باطن أمرها- توشك أن تكون هي ما دار عليه أكثر الشعر الغنائي عند شوقي وحافظ. وسنرجع إلى قولنا الغنائي فنوضح مرادنا منه من بعد إن شاء الله.
كان شوقي طويل النفس، نظامًا ذا ملكة وكان يلتمس إصابة الرصانة ويتحرى أن يكون له نصيب وافر من حسن الديباجة، وكان يعلم مكان البارودي من جميع هذا فاتخذه نموذجًا غير أنه عمد إلى مذهب من التجديد أما عن ظن منه أن البارودي مع ملكته الضخمة قد قصر دونه لغلبة تقليد القدماء على أسلوبه، وتقيده بحدوده الضيقة وأما عن فطنة منه إلى أن ملكته هو دون البارودي، ولا يستطيع بلوغ مستوى ديباجته مهما يجتهد في سبيل ذلك، وإذن فليتلاف هذا النقص بما يعوضه من ضروب
стр. 2874
الافتنان، إذ كان البارودي عنده كما هو نموذج، هو أيضًا شاعر معاصر ينبغي عليه أن يتفوق عليه- أليس هو القائل:
شباب قنع لا خير فيهم ... وبورك في الشباب الطامحينا
أم ليس هو القائل:
شاعر الأمير وما ... بالقليل ذا اللقب
وما أقرب شاعر الأمير في نفس صاحبها أن تكون أيضًا بمعنى «أمير الشعر وأمير الشعراء» وهو- كما يعلم القارئ الكريم قد صار عليه علمًا وله لقب حلية مستمرة فيما بعد وإما -ولعل هذا الراجح- أن يكون قد ظن بالبارودي التقصير عن التجديد واعترف لنفسه بأنه دونه في الديباجة والرصانة وصفاء الأسلوب وأصالته وأن حظه من التجديد لو أحسن القيام عليه جاذب له المستوى الرفيع الذي لا يقدر على الارتفاع إليه، فممكنه بإدنائه قسرًا إلى أن يرتفع فوقه ولو على تباين مسافة بين مكان المستويين وبين نوع حقيقة كل منهما.
وقد مر من شعر شوقي شيء كثير في الجزء الأول من هذا الكتاب ومما يصلح للتمثيل به في هذا الموضع مما نحن بصدده قافيته:
من أي عهد في القرى تتدفق ... وبأي كيف في المدائن تغدق
وميميته:
يا أخت أندلس عليك سلام
ونونيته: قفي يا أخت يوشع خبرينا
وتوشك أكثر قصائد الديوانين الأول والثاني أن يغلب عليها أسلوب المقالة الصحفية. ونورد ههنا مثالاً واحدًا نكتفي به وهو قصيدته «مملكة النحل»:
مملكة مدبرة ... بامرأة مؤمرة
تحمل في العمال والضاع عبء السيطرة
فاعجب لعمال يولون عليهم قيصرة
تحكمهم راهبه ... ذكارة مغبرة
أي مرددة صوتها وهي كلمة تصيدها شوقي من القاموس بلا ريب. سمعت ممن لا أشك في صدق خبره، وذكر ذلك على أنه من أساليب ترنم الشعراء لا يقصد به إلى
стр. 2875
طعن فيه، أنه ﵀ كان يرصد قوافيه عددًا قبل النظم
عاقدة زنارها ... عن ساقها مشمرة
تلثمت بالأرجوا ... ن وارتدته مئزرة
وارتفعت كأنها ... شرارة مطيرة
ووقعت لم تختلج ... كأنها مسمرة
هذا أول قسم، وقد تدرج فيه من ذكر مملكة النحل وملكة النحل إلى صورة النحلة العاملة. واستعان في الصفة بذباب عنترة وبيراع النابغة:
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب
وفي الأبيات إشارة خفية إلى زنار عدي بن زيد. وكان شوقي ﵀ أبرع من أن يجعل شعره نثريًا مغسولاً كمطران، أو اجتهاديًا كاجتهاديات تلامذة المدارس في موضوعات الإنشاء -الإشارة والتشبيه والاستعارة وطلب الرصانة في التعبير- كل ذلك مما يرتفع بدرجات التعبير:
ثم رجع شوقي إلى موضوع المملكة الذي بدأ به، وجعله تأملاً. ولا يخفي بعد ما ههنا من طريقة العودة القصيدية السنخ:
قف سائل النحل به ... بأي عقل دبره
يجبك بالأخلاق وهـ ... ـي كالعقول جوهرة
هذا من موضوعات التي كانت دائرة بين المثقفين والمفكرين- وأحسب أنها إنما كانت مذهبًا من التعبير عن الإعجاب بحضارة أوربا وتفوقها ومحاولة تأويل ذلك بأن الأوربيين ما تفوقوا بزيادة ذكاء وحذق ومهارة أو رفعة عنصرية كزعمهم وإنما بالأخلاق التي عنوانها ما هم عليه من دقة النظام والمحافظة على المواعيد والديمقراطية في الحكم والحرية في الصحافة إلى آخر قائمة ما صار يسمى بحقوق الإنسان:
تغني قوى الأخلاق ما ... تغني القوى المفكرة
ويرفع الله بها ... ما شاء حتى الحشرة
وما أحد يبغى لنفسه أن يكون حشرة ولو نحلة ولا حشرات ولو نملا- اللهم إلا أن يكره على ذلك إكراهًا من طريق التناسخ عند من يصححه.
ثم ينتقل شوقي بعد ذكره الأخلاق إلى تفصيل ما عناه بذكره، وأن في ذلك تبصرة وذكرى- وهذا المعنى كما لا يخفى يشير به إلى آية سورة النحل: ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يعرشون (٦٨) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي