← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

الغناء الأوروبي في الشعر Lyrique (كما اصطلحوا له) شيء جاء به شعراء النهضة، وليس من معدن مذاهب العربية- ونأمل أن نلم بهذا المعنى من بعد إن شاء الله تعالى ونعود إلى ما قلناه من قبل إن كلتا هاتين القصيدتين ذواتا جوهر متقارب في الموضوع ووجهتي نظر مختلفين في المعالجة وبعض الآراء- ثم فيهما ما رأينا من طريقة ترتيب للكلام ليست من سنخ: ميلوا على الدار من ليلى نحييها ... نعم ونسألها عن بعض أهليها ثم من بعد: قد أطرق الغادة البيضاء مقتدرًا ... على الشباب فتصبيني وأصبيها عاطيتها غضة الأطراف مرهفة ... شربت من يدها خمرًا ومن فيها يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها ... والآنسات إذا لاحت مغانيها أو من سنخ لو كان يعتب هاجر في واصل ... أو يستفاد لمغرم من ذاهل ثم من بعد: ليدم لنا المعتز إن بملكه ... عز الهدى وخبا ضياء الباطل لما كملت روية وعزيمة ... أعملت رأيك في ابتناء الكامل ولكنها في سنخ آخر. في شعر ابن الرومي وأصحاب الوصف وكثير من القدماء أمثلة من وحدة الموضوع وترتيبه. وقد نصح ابن طبا طبا شعراءه برصف الكلام والتفكير فيه منثورًا ثم نظمه من بعد ثم ضم أطرافه بملء الفجوات بينها. ولكن جميع هذا ليس بنهج كنهج المقالة الصحفية العصرية الصادرة عن وحدة فكرة وموضوع وتجويد تبويب وترتيب وربط. قد فطن طه حسين، سقى غيث الرحمة ثرى قبره، إلى أن ابن الرومي تأثر بأساليب الكتاب- هذا في كتابه من حديث الشعر والنثر. ولكنه قد قيد هذا من قبل بأن الكتاب أنفسهم -الجاحظ ورصفاء وسابقيه الذين مهدوا له من قبل- كل أولئك جميعًا قد تأثروا بمنهج الشعراء وطرائق بيانهم. رسائلهم كانت ألوانًا من شعر كتابي كما قصائد ابن الرومي ألوان من كتابة بالشعر. ولا غرو فقد كان كثير من كتاب ذلك الزمان أيضًا شعراء. حتى ابن المقفع قد كان شاعرًا. والجاحظ أيضًا. وقد كان ابن

стр. 2872

الزيات والصولي مشتهرين بالشعر. وكان ابن الرومي كاتبًا كما كان شاعرًا. مذهب هاتين القصيدتين ليس من مذهب شعراء العصر العباسي والمولدين من بعد، السالك طريقة الكتاب. لأن مذهب هؤلاء سنخه سنخ القصيدة. حتى ما جيء به تعليميًا فلسفيًا نحو. هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع وزينبية صالح بن عبد القدوس ولزوميات المعري- كل ذلك قصيدي السنخ القصيدة أساسه ومنبته الذي فيه واشجة جذوره. أما هاتان القصيدتان فسنخهما شيء مختلف سنخهما كالمقالة الصحفية العصرية التي كانت الأقلام قد استطرفتها وأخذت بها أيام النهضة وجعلتها من عدة النضال والإقبال على تناول حضارة العصر المتمثلة في تفوق أوروبا تفوقًا بالنسبة إليه حال جميع العرب وبلاد الإسلام حال رجعية وتخلف. لم يكن إسماعيل صبري ومطران إلا من الطبقة الثانية من شعراء النهضة- أسلوب المقالة الصحفية العصرية الذي في هاتين القصيدتين من نظمهما هو المهيمن على شوقي وحافظ وتفرعت منه شتى فروع النظم الحديث من بعد. للبارودي كلمة نظمها في هرمي الجيزة هي التي مطلعها سل الجيزة الفيحاء عن هرمي مصر ... لعلك تدري غيب ما لم تكن تدري فيها وحدة الموضوع، وجودة الترتيب، وكأنه بها كالسابق إلى هذا الأسلوب المقالي، ولكن تغلغل روح القصيدة في ملكة بيان البارودي وشاعريته أبت عليه إلا أن يكون هو المهيمن على جملة معدن الأسلوب وسنخه- تأمل قوله: مصانع فيها للعلوم غوامض ... تدل على أن ابن آدم ذو قدر رسا أصلها وامتد في الجو فرعها ... فأصبح وكرًا للسماكين والنسر فقم نغترف خمر النهي من دنانها ... ونجن بأيد الجد ريحانة العمر ألا تحس هنا رنة من قول المعري رآها سليل الطين والشيب شامل ... لها بالثريا والسماكين والوزن

стр. 2873

وكأنه يرد على قوله: وقد كان أرباب الفصاحة كلما ... رأوا حسنا عدوه من صنعة الجن وقال في آخرها، في نهج قصيدي واضح: فيا نسمات الفجر أدي تحيتي ... إلى ذلك البرج المطل على النهر ويا لمعات البرق إن جزت بالحمى ... فصوبي عليها بالنثار من القطر عليها سلام من فؤاد متيم ... بها لا بربات القلائد والشذر ولا برحت في الدهر وهي خوالد ... خلود الدراري والأوابد من شعري مع ذلك لكأن البارودي، حتى في هذا النهج الجديد من حمل القصيدة على طريق المقالة الصحفية نجده ذا سبق وذا تجديد أصيل ﵀ رحمته الواسعة وجادت ثراه شآبيب الغفران. لعل القارئ الكريم قد تنبه لتأثير شعر المديح والأذكار على ما سماه السوربوني شعر إسماعيل صبري الغنائي الديني وأما ما نبه إليه من شبه بعض ما قال لامرتين بما قاله صبري، فقد تأسر الرومنسيون الأوربيون بالتصوف -تصوف المسلمين- وما يخرج لامرتين في باب التأثر من هذا النطاق. وقد سبق التنبيه على أن الرومنسيين إنما تأثروا في تقديسهم الطبيعة بالفيلسوف السوسري الفرنسي الرومنسي جان جاك روسو. وكان هذا كما قدمنا واضح التأثر بالصوفية وعلوم المسلمين. المقالة والقصيدة عند شوقي وحافظ ومن بعد قليلاً المقالة التي قصيدة في ظاهر شكلها والقصيدة التي هي مقالة في باطن أمرها- توشك أن تكون هي ما دار عليه أكثر الشعر الغنائي عند شوقي وحافظ. وسنرجع إلى قولنا الغنائي فنوضح مرادنا منه من بعد إن شاء الله. كان شوقي طويل النفس، نظامًا ذا ملكة وكان يلتمس إصابة الرصانة ويتحرى أن يكون له نصيب وافر من حسن الديباجة، وكان يعلم مكان البارودي من جميع هذا فاتخذه نموذجًا غير أنه عمد إلى مذهب من التجديد أما عن ظن منه أن البارودي مع ملكته الضخمة قد قصر دونه لغلبة تقليد القدماء على أسلوبه، وتقيده بحدوده الضيقة وأما عن فطنة منه إلى أن ملكته هو دون البارودي، ولا يستطيع بلوغ مستوى ديباجته مهما يجتهد في سبيل ذلك، وإذن فليتلاف هذا النقص بما يعوضه من ضروب

стр. 2874

الافتنان، إذ كان البارودي عنده كما هو نموذج، هو أيضًا شاعر معاصر ينبغي عليه أن يتفوق عليه- أليس هو القائل: شباب قنع لا خير فيهم ... وبورك في الشباب الطامحينا أم ليس هو القائل: شاعر الأمير وما ... بالقليل ذا اللقب وما أقرب شاعر الأمير في نفس صاحبها أن تكون أيضًا بمعنى «أمير الشعر وأمير الشعراء» وهو- كما يعلم القارئ الكريم قد صار عليه علمًا وله لقب حلية مستمرة فيما بعد وإما -ولعل هذا الراجح- أن يكون قد ظن بالبارودي التقصير عن التجديد واعترف لنفسه بأنه دونه في الديباجة والرصانة وصفاء الأسلوب وأصالته وأن حظه من التجديد لو أحسن القيام عليه جاذب له المستوى الرفيع الذي لا يقدر على الارتفاع إليه، فممكنه بإدنائه قسرًا إلى أن يرتفع فوقه ولو على تباين مسافة بين مكان المستويين وبين نوع حقيقة كل منهما. وقد مر من شعر شوقي شيء كثير في الجزء الأول من هذا الكتاب ومما يصلح للتمثيل به في هذا الموضع مما نحن بصدده قافيته: من أي عهد في القرى تتدفق ... وبأي كيف في المدائن تغدق وميميته: يا أخت أندلس عليك سلام ونونيته: قفي يا أخت يوشع خبرينا وتوشك أكثر قصائد الديوانين الأول والثاني أن يغلب عليها أسلوب المقالة الصحفية. ونورد ههنا مثالاً واحدًا نكتفي به وهو قصيدته «مملكة النحل»: مملكة مدبرة ... بامرأة مؤمرة تحمل في العمال والضاع عبء السيطرة فاعجب لعمال يولون عليهم قيصرة تحكمهم راهبه ... ذكارة مغبرة أي مرددة صوتها وهي كلمة تصيدها شوقي من القاموس بلا ريب. سمعت ممن لا أشك في صدق خبره، وذكر ذلك على أنه من أساليب ترنم الشعراء لا يقصد به إلى

стр. 2875

طعن فيه، أنه ﵀ كان يرصد قوافيه عددًا قبل النظم عاقدة زنارها ... عن ساقها مشمرة تلثمت بالأرجوا ... ن وارتدته مئزرة وارتفعت كأنها ... شرارة مطيرة ووقعت لم تختلج ... كأنها مسمرة هذا أول قسم، وقد تدرج فيه من ذكر مملكة النحل وملكة النحل إلى صورة النحلة العاملة. واستعان في الصفة بذباب عنترة وبيراع النابغة: تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب وفي الأبيات إشارة خفية إلى زنار عدي بن زيد. وكان شوقي ﵀ أبرع من أن يجعل شعره نثريًا مغسولاً كمطران، أو اجتهاديًا كاجتهاديات تلامذة المدارس في موضوعات الإنشاء -الإشارة والتشبيه والاستعارة وطلب الرصانة في التعبير- كل ذلك مما يرتفع بدرجات التعبير: ثم رجع شوقي إلى موضوع المملكة الذي بدأ به، وجعله تأملاً. ولا يخفي بعد ما ههنا من طريقة العودة القصيدية السنخ: قف سائل النحل به ... بأي عقل دبره يجبك بالأخلاق وهـ ... ـي كالعقول جوهرة هذا من موضوعات التي كانت دائرة بين المثقفين والمفكرين- وأحسب أنها إنما كانت مذهبًا من التعبير عن الإعجاب بحضارة أوربا وتفوقها ومحاولة تأويل ذلك بأن الأوربيين ما تفوقوا بزيادة ذكاء وحذق ومهارة أو رفعة عنصرية كزعمهم وإنما بالأخلاق التي عنوانها ما هم عليه من دقة النظام والمحافظة على المواعيد والديمقراطية في الحكم والحرية في الصحافة إلى آخر قائمة ما صار يسمى بحقوق الإنسان: تغني قوى الأخلاق ما ... تغني القوى المفكرة ويرفع الله بها ... ما شاء حتى الحشرة وما أحد يبغى لنفسه أن يكون حشرة ولو نحلة ولا حشرات ولو نملا- اللهم إلا أن يكره على ذلك إكراهًا من طريق التناسخ عند من يصححه. ثم ينتقل شوقي بعد ذكره الأخلاق إلى تفصيل ما عناه بذكره، وأن في ذلك تبصرة وذكرى- وهذا المعنى كما لا يخفى يشير به إلى آية سورة النحل: ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يعرشون (٦٨) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي

стр. 2876

سبل ربك ذللًا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآيةً لقوم يتفكرون (٦٩)﴾ أليس في مملكة النحل لقوم تبصرة والحق أن التبصرة في النحل لا في مملكة النحل- ولكن شوقي إنما جعل هذا رمزًا لقضية النظام والأخلاق، وما الإشارة إلى التبصرة إلا مذهب من تزيين الأساليب ملك بناه أهله ... بهمه ومجدرة لو التمست فيه بطال اليدين لم تره تقتل أو تنفي الكسال فيه غير منذرة «منذرة» هذه من لغة دواوين الموظفين تحكم فيه قيصرة ... في قومها موقرة جعلها قيصرة لغلبة فكرة تحرير المرأة على الأذهان. فهو يشبه المرأة هنا بعاهلة أوربية، هي هذه المرأة الأوربية التي شرعت تبارى الرجال وتنافسهم وكان سبيل شوقي إن كان حقًا يعني التشبيه بامرأة حاكمة أن يذكر بلقيس أو كليو بطرة أو الزباء، فليس للروم قيصرة بهذا المستوى- اللهم إلا أن يجعل كاثرين الروسية واليزابيث الإنجليزية بتلك المنزلة. وقد كان يقال الملكة روسية القيصرة، وكانت كاثرين ذات جبروت ودهاء. من الرجال وقيود حكمهم محررة لا تورث القوم ولو كانوا البنين البررة الملك للإناث في الدستور لا للذكرة بكسر الذال وفتحة الكاف بعد وهو جمع نادر الاستعمال من المتصيدات بلا ريب: نيرة تنزل عن ... هالتها لنيرة هذا من ترنم شوقي، وهو شيء قصيدي المعدن، ولا يزيد به المعنى كبير شيء- ولكنه دندنة حسنة. قولنا لا يزيد به المعنى كبير شيء لأن مراد شوقي من قوله «نيرة» غير واضح، وإنما هي عبارة مدح لملكة النحل، جعلها نيرة لتوهمه على رأسها تاجًا يلمع- أو هو مفرد انتزعه شوقي من جمع المؤنث السالمات: النيرات. ولشوقي ولع بالترنم به: المترعات من النعيم الراويات من السرور العاثرات من الدلال الناهضات من الغرور

стр. 2877

الآمرات على الولاة الناهيات على الصدور الناعمات الطيبات العرف أمثال الزهور وأصله من أبي الطيب- بأبي الشموس الجانحات غواربا ... اللابسات من الحرير جلاببًا المنبهات عقولنا ونفوسنا ... وجناتهن الناهبات الناهبا وهلم جرا- فهل ترى تخشى الطماع في الرجال والشره هذه قافية لا تعجب ابن رشيق، ولا بأس بها على قلق ما فطالما تلاعبوا ... بالهمج المسيرة وعبروا غفلتها ... إلى الظهور قنطرة هنا تعريض- وأنفاس من روح العصر التحررية الدعوى وفي الرجال كرم الضعف ولؤم المقدرة وفتنة الرأي وما ... وراءها من أثرة وهذه الحكمة كأنها استطراد- ولكنها متصلة بالموضوع اتصالاً غنائيًا. وذلك أن هذا المنهج الذي سلكه شوقي من وحدة الموضوع وجودة الصياغة والترتيب، معه تأويل ذاتي، مستمد من نفس الموضوع، مشع به وعليه- هذا منهج «ليريكي». وهنا يصدق حدس السوربوني إذ فطن إلى أن في طريقة إسماعيل صبري غنائية، وقد رام تفسيرها بأداء الغناء ذي الأدوار. ولكن تفسيرها هو هذا. وهذا المنهج عند شوقي وحافظ كليهما أوضح، وهو مما فارقا به بنية القصيدة القديمة، بنوع من تجديد غربي المعدن. ثم رجع شوقي من الاستطراد إلى قيصرته: أنثى ولكن في جنا ... حيها لباة مخدرة واللباة أنثى فالمقابلة غير جيدة إلا على توهم نوع من «لكن» نابغي مثل «غير أن» التي في قوله. ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب ولا يخلو البيت على ظاهر صياغته من نوع غير متقن الصقل. ولماذا خص الجناحين باللبؤة. هل أراد أنها على طيرانها لبؤة؟ كلا- أراد فقط أنها أنثى من صغار النحل ولها من قوة عظام السباع كمثل قوة اللبؤة وشراستها.

стр. 2878

ذائدة عن حوضها ... طاردة من كدره تقلدت إبرتها ... وادرعت «بالحبرة» فصارت القيصرة هانمًا ست بيت ترفو ملابس الزوج والأسرة- وانجرف شوقي مع التنغيم والرغبة في طول النفس، فخلط في كلامه بما يشبه الإسفاف. كأنها تركية ... قد رابطت بأنقرة ولو رابطت بأزمير أو أفيون قره حصار أو اصطمبول، لكانت أيضًا تركية- وإنما جلب «انقرة» القافية، وهذا مما يقع تحت ما عابه قدامة حيث تمثل بقول الآخر: فوقاك الإله من وارث وا ... ل وأبقاك صالحًا رب هود ثم ما للنساء والمرابطة؟ - تأمل تداعي المعاني، الإبرة «والحبرة» جاءتا بالتركية. أنقرة جاءت برابطت ليتم البيت، ولعمري، إذ قد اتهم ابن الباقلاني أمرأ القيس بالحاجة إلى إتمام الوزن في تكراره الخدر حيث قال «ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة» وامرؤ القيس من لا يتهم، فإن غيره لن يجور إن اتهم شوقيًا بالحاجة إلى مثل ذلك في قوله: كأنها تركية ... قد رابطت بأنقرة ودعت «رابطت» «جان دارك»، كأنه يرد به على من زعم أن النساء لا يرابطن- واستطرد إلى ذكر شيء عن «جان دارك». كأنها جان دارك في ... كتيبة معسكرة وينبغي أن تنطق «جندرك» لكيلا يلتقي ساكنان في حشو البيت تلقي المغير بالجنو ... د الخشن المنمرة المغير هنا هم الإنجليز أعداء شوقي وأعداء قومه. فقد جعل «جندرك» رمزًا وطنيًا، فصرفه ذلك عن التركية ذات «الحبرة»: - السابغين شكة ... البالغين جسرة هذا البيت ترنم وفيه وهن إذ مراده البالغين غاية الجسارة، ولكنه حذف معمول البالغين، فصار فيها معنى البلوغ وحده، ولا يصلح وحده إلا على أن يتم نقص معناه قارئه. وجسرة حال أي حال كونهم جاسرين، جمع جاسرًا على جسرة، كما في بيت الجموع- غلمانهم للأشقياء عملة ... قطاع قضبان لأجل الفيلة والعقلاء شرد ومنتهى ... جموعهم في السبع والعشر انتهى

стр. 2879

ثم أطنب في نعت بطلته «جندرك» عدوة الاستعمار قد نثرتهم جعبة ... ونفضتهم مئبرة هنا باخ الترنم بسبب إسراف شوقي فيه. فقد صارت «جندركه» حجاجًا أو عبد الملك بن مروان الذي في خطبة الحجاج: «نثر كنانته بين يديه وعجم عيدانها». ثم عادت من حجاجيتها ومروانيتها هانمًا تركية في «نفضتهم مئبرة» - وترك الشاعر مأساة «جندرك» المسكينة أن يلم بها، ولو كانت حقًا نثرتهم ونفضتهم ما أسلموها للعدو والنار ذات الوقود- من يبن ملكًا أو يذد ... فبالقنا المجررة إن الأمور همة ... ليس الأمور ثرثرة ما الملك إلا في ذرى الـ ... الوية المنشرة هذه المعاني من أبي الطيب ألبسها شوقي لغة الصحافة، وهو ههنا كأنما يفسر مملكة النحل بما جعلها رمزًا له، وهو دولة مصر لو صار ابناؤها نحلاً وخديويها قيصرًا، أو قيصرة جندركية تطرد اللوردات الملاعين. عرينه مذ كان لا ... يحميه إلا قسورة رب النيوب الزر ... ق والمخالب المذكرة أحسبه عنى بالزرق، زرقة الحديد، كناية بذلك عن مضى حدها ثم بعد أن فسر الرمز عاد إليه: مالكة عاملة ... مصلحة معمرة المال في أتباعها ... لا يستبين أثره كما في أتباع ملوكنا يا صاح- هذا مراده إن شاء الله. لا يعرفون بينهم ... أصلاً له من ثمره لو عرفوه عرفوا ... من البلاء أكثره كما عرفنا نحن- وهنا رجعة إلى موضوع الأخلاق. وغمزة من غمزات السياسة: واتخذوا نقابة ... لأمرهم مسيرة سبحان من نزه عنـ ... ـه ملكهم وطهره وساسه بحرة ... عاملة مسخرة صاعدة في معمل ... من معمل منحدرة واردة دسكرة ... صادرة عن دسكرة

стр. 2880

باكرة تستنهض الـ ... ـعصائب المبكرة ثم يجئ الترنم بجمع المذكر السالم على طريقة أبي الطيب: الثابتين فروسة كجلودها ... في ظهرها والطعن في لباتها العارفين بها كما عرفتهم ... والراكبين جدودهم أماتها قال شوقي من بعد قياسًا على هذا النمط: السامعين الطائعيـ ... ـن المحسنين المهرة ولا يخفى أن أصل النسق قرآني، ولكن شوقي كان بمحاكاة الشعراء ومجاراتهم مغرى وبذلك أدرب، فهذا زعمنا أنه أخذ بطريق أبي الطيب من كل من خط البنا ... ء أو أقام أسطره أو شد أصل عقده ... أو سده أو قوره أو طاف بالماء على ... جدرانه المجدرة ثم اختتم شوقي هذه المقالة القصيدية بعودة إلى صفة النحلة، وقد كان وصفها مفردة، فالآن جاء بها في جموعها- في ثولها الدائب ذي الدوى: - وتذهب النحل خفا ... فا وتجئ موقرة حوالب الشمع من الـ ... خمائل المنورة جوالب الماذي من ... زهر الرياض الشيرة ذوات الشارة أي الحسن والكلمة متصيدة مشدودة جيوبها ... على الجنى مزررة هنا عودة إلى ذباب عنترة وكل خرطوم أدا ... ة العسل المقطرة وكل أنف قانئ ... فيه من الشهد برة هل رأى شوقي أنف النحلة؟ - ذكر هذا المعنى -طرفًا منه- في قوله أول شيء: «تلثمت بالأرجوان» - وبعيد أن يكون ﵀ قد تبين أنف النحلة كل هذا التبين ولو قد وقع هذا البيت لأبي عثمان لعده من باب الجسارة- كالذي ذكره عن بعض رواته أنه جسر فزعم أنه رأى أير ذباب وهو يكوم ذبابة حتى إذا جاءت به ... جاست خلال الأدورة

стр. 2881

ونظر الآيات عنى، وأخذه هذا من الآية: ﴿فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولًا﴾ ظاهر جلى [آية أول الإسراء]. وغيبته كالسلاف في الدنان المحضرة هذا التشبيه ضعيف، إذ العسل أصل في النعمة، ولا يقال عسل كالخمر، وإنما يقال عسل ولبن وعسل وخمر- قال حسان ﵁ كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء على أنيابها أو طعم غض ... من التفاح هصره اجتناء ومثل هذه الزلة عند شوقي كثير، وهو قصر باع في صناعة ديباجة القريض. فهل رأيت النحل عن أمانة مقصرة رجع هنا كما ترى إلى المعنى الأخلاقي. ولكنه توهم أن كل النحل جوارس من بساتين تعد لهن، وكان ﵀ امرأ موغلا في الحضارة. وعل ذلك أن يكون مما جعل جزالة بداوة القصيدة -وهي بداوة قلب وروح أول من كل شيء- تعسر عليه وتستعصي على طول المحاولة المجتهدة منه. وإذ نحل شوقي نحل بساتين فإنهن لأمانتهن كالمقترضات من الناس حين يجرسن من أزهار بساتينهم، ولأمانتهن يؤدين ما اقترضنه سكرة بسكرة -وهي قافية لا تسلم من عناء- قال: ما اقترضت من بقلة ... أو استعارت زهرة أدت إلى الناس به ... سكرة بسكرة ولننظر الآن في مقالة حافظية بعد هذه الشوقية. وكان حافظ من تلاميذ البارودي، يحذو على نموذج ديباجته، فتشرق عليه من ذلك أحيانًا إشراقة. وما جعل البارودي نموذجًا يبغى أن يتفوق عليه بمحاكاته كما فعل شوقي، إذ كأنه كان كالمسلم بتفوقه واستاذيته ولكن منافسته كانت لشوقي. وقد مر لي في كلام سابق: «وحافظ إبراهيم شاعر قرنه حسن الجد بشوقي، وتعصب بعض الناس له، لما كانوا يجدونه في شعره من كلام يناسب روح العصر السياسي المغيظ على البريطانيين. وشعره في حد ذاته لا يجوز أن يقاس ويقرن مع شعر شوقي، ولعل مسافة ما بينه وبين شوقي أبعد من مسافة ما بين ابن حجاج والمتنبي- أقول الآن، لعل هذا القول أن يكون فيه جور على حافظ، إذ هو أحيانًا أصفى ديباجة من شوقي، وهذا وجه أحسب أن الدكتور طه حسين ذهب إليه في بعض ما تناولهما به من الدرس والنقد. وإلى القارئ بعد بائيته التي عنوانها غادة اليابان- هي أيضًا مقالة قصيدية فيها عنصر غنائي. وحرص حافظ على مقاربة روح القصيدة بنفس فيه أصداء من جزالة البارودي ومقدمات تأملات القدماء التي يجعلونها تمهيدًا حزين النغم يقوم مقام النسيب، كقول الأعشى مثلاً: لعمرك ما طول هذا الزمن ... على المرء إلا عناء معن قال ﵀: لا تلم كفي إذا السيف نبا ... صح مني العزم والدهر أبى رب ساع مبصر في سعيه ... أخطأ التوفيق فيما طلبا مرحبًا بالخطب يبلوني إذا ... كانت العلياء فيه السببا

стр. 2882

عقنى الدهر ولولا أنني ... أوثر الحسنى عققت الأدبا إيه يا دنيا أعبسي أو فابسمي ... لا أرى برقك إلا خلبا المطلع جهير قصيدي قارع للسمع ثم هو خطابي وسوغ هذا للشاعر أن يتخذ سمتا من الخطابة الواعظة في البيت الذي تلاه -غير أن هذا البيت بدأ بحضر جيد ثم انبهر إذ كأن حافظًا أراد به تقوية المعنى الذي أصابه في المطلع ولكن مراده لم يستقم له. قوله «الدهر أبى» - أجود وأوجز من قوله «أخطأ التوفيق فيما طلبا»، إذ هذا فيه عناء والتوفيق ليس بالذي يخطئه طالب، وإنما هو عون يجئ من الله . قوله «رب ساع مبصر في سعيه» يحتاج إلى تكملة قوية إذ هو بداية وتوطئة حسنة، فهذا قولنا إن حافظًا بدأ بحضر (أي جري) جيد ثم عجز من بعد. والبيت الثالث أوله حسن، وتتمته تحتمل ولكن فيها عناء. والمعنى في صدر البيت الرابع واضح ولكن العجز فيه غموض، مع ما عمد إليه حافظ من المقابلة. ولكأن حافظًا جعل في هذا النفس الخطابي بعض كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، حذوا يحتذيه، وذلك مثل قوله ﵇: «يا دنيا غرى غيري» وقوله: «ولكن لا رأي لمن لا يطاع» وقوله «ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل» وقديمًا قالوا إن زيادًا والحجاج وعبد الحميد الكاتب، كل أولئك تعلموا البلاغة من خطب أمير المؤمنين كرم الله وجهه. فأخذ حافظ من بلاغته سير منه على طريق مهيع. وعجز البيت الخامس «لا أرى برقك إلا خلبًا» أضعف من صدره. على أن المتأمل لهذه الأعجاز الضعائف، واجد فيها جميعًا مشابه غير الضعف. نوعًا من مسرحية «في جواب سؤال» رب ساع مبصر إلخ- ماذا جرى له: لم يوفق. مرحبًا بالخطب، لماذا ترحب به؟ لأنه طريق إلى العلياء، العلياء هي السبب الذي جاء به. عقنى الدهر ولولا أنني أوثر الحسنى- ماذا كنت تفعل؟ كنت سكت وتملقت الاستعمار ولم أقل شعرًا. إيه يا دنيا أعبسي أو فابسمي. لماذا هذه التسوية؟ لأنك كاذبة، عبوسك وابتسامك سواء وبرقك برق خلب. هذا الأسلوب الذي حاق مذهب رصانة القصيدة لا يرضاه، يرضاه حاق مذهب الصحافة الشعبية كل الرضا. ويكتسب في ضوء هذا الرضا، نوعًا من صفاء في الديباجة. فتأمل. ثم بعد أن جعل هذه الخطابة العلوية الشكوى مقدمة، صرح بمعنى استثارة الهمم الراكدة. التي ركودها هو سبب شكواه. وهذا موضوع الأخلاق التي هي النظام والدأب والتدبير المبلغ إلى مثل مستوى حضارة أوربا.

стр. 2883

أنا لولا أن لي من أمتي ... خاذلاً ما بت أشكو النوبا أمة قدفت في ساعدها ... بغضها الأهل وحب الغربا تعشق الألقاب في غير العلي ... وتفدي بالنفوس الرتبا وهي والأحداث تستهدفها ... تعشق اللهو وتهوى الطربا لا تبالي لعب القوم بها ... أم بها صرف الليالي لعبا فهذا خاتمة لومه أمته التي أحوالها المؤسفة هي سبب شكواه الدهر. البيتان الأولان ثانيهما متم معنى أولهما وأولهما ممهد لتاليهما، متضمن سؤالاً فيه جوابه- إذ السؤال كيف خذلتك أمتك؟ والجواب أنني أدعو إلى حب الأهل وبغض الأجانب وهي لا تطاوعني على ذلك. وكلمة الغرباء لا تؤدي معنى الأجانب، أجانب أوروبا وخاصة البريطانيين المستعمرين، ولكن حافظًا لم يجد غيرها. وكلمة الأهل أيضًا لا تؤدي معنى المواطنين. ولكن مراد الشاعر مع هذا ظاهر. ثم «في الأهل والغرباء» نوع من نفس بلدي شعبي، يوهم بأن الشاعر قد قصد إلى هذين اللفظين قصدًا، ولم يلجئه إليهما عجز أو إعياء. قوله «وتفدي بالنفوس الرتبا» إن هي إلا إطناب في معنى صدر البيت «تعشق الألقاب في غير العلى» وصدر البيت أوفى. وهل أراد حافظ لغير العلى تفسيرًا بقوله «وتفدي بالنفوس الرتبا»؟ فالرتب من العلى. وكأن حافظ يسخر من هذا الذي يتوهمه كلاب الرتب أن فيها العلى. والتعبير بعد صحفي لأن قوله «وتفدي بالنفوس» إنما أراد به تبذل المجهود العظيم من أجل الحصول على الرتب، فكأنه النفيس الذي يفدى بالنفس والنفيس. وقوله «تهوى الطربا: أجود لو قال وتهوى اللعب، لأن اللهو واللعب مصطحبان، وعلى ذلك وبه جاء بيان القرآن. ولكن حافظًا احتاج إلى اللعب في البيت التالي، ليهزأ من أذناب الاستعمار الذين لهم في الدولة مكان، أنهم قد سمحوا للقوم أي الإنجليز أن يعبثوا بمصالح مصر، ثم ما كان لهم عند أنفسهم من اعتذار إلا أن ينسبوا ما حل بهم وبأمتهم إلى صروف الليالي، «وتلك الأيام نداولها بين الناس» - وإذا تأملنا جانب الخطابة الهازئة في «لا تبالي لعب القوم» - وسر الهزؤ كله في القوم الذين هم أيضًا صرف الليالي، تبين لنا أن حافظًا لعله مصيب في ادخار كلمة اللعب، ليكون اللهو الذي هو طرب منهم واللعب المصاحب معه، من القوم ومن الدهر المهيمنين عليهم. ثم أخذ حافظ يقص قصة اليابان على لسان رمز ضمنه معنى الحرية متمثلاً في المرأة الجندركية الباسلة، ثم في مشاركتها للرجل في تحمل الأخطار والنهوض بما تطلبه

стр. 2884

واجبات حضارة العصر ودواعي التقدم المنشود. ولا يخفى أن الدب الذي هو رمز الاستعمار الروسي بالنسبة لأهل اليابان والمشرق الأقصى، هو أيضًا رمز للاستعمار البريطاني الجاثم على مصر، إذ اليابانية هي كالكناية عما في ضمير مصر الناهضة المشرئبة إلى تجديد مجدها القديم ليتها تسمع مني قصة ... ذات شجو وحديثًا عجبا كنت أهوى في زماني غادة ... وهب الله لها ما وهبا ذات وجه مزج الحسن به ... صفرة تنسي اليهود الذهبا هل أراد حافظ هنا الإشارة إلى الآية: ﴿إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين﴾؟ لماذا خص اليهود هنا بأن صفرة هذه الفتاة تنسيهم الذهب .... هنا بلا ريب مبالغة ذات لون من مفاكهة شعبية إذ لا ينسى اليهود صفرة الذهب مهما يبلغ جمال صفرة الحسناء اليابانية من البهجة. ههنا أسلوب صحفي، وكأن شعور حافظ بصحفيته هو الذي دعا من بعد قوله: حملت لي ذات يوم نبأ ... لا رعاك الله يا ذاك النبا وإنما تحمل الأنباء الصحف. وفي القافية قلق. ولعلها كانت تكون أقوم لو قد قال: لا رعاك الله يا ذاك نبا من دون الألف واللام وتخفيف الهمزة فيه ما فيه، إذ الألفات اللاتي سبقن كلهن ألفات إطلاق إلا أبى ونبا ورنتها مع ما تلاهما منسجمة. وأتت تخطر والليل فتى ... وهلال الأفق في الأفق حبًا ثم قالت لي بثغر باسم ... نظم الدر به والحببا هذا البيت على بساطته وكثرة تداول الشعراء مثل لفظه ومعناه، سلس الموقع ههنا. قوله نظم الدربه، يعود الضمير فيه إلى معنى الابتسام، فالدر الثنايا والأنياب اللاتي لهن وميض والحبب هو اللمى، إذ الشفتان خمر. والبيتان اختزلهما حافظ من مغامرات عمر وأضرابه من شعراء الغزل اختزال إشارة حسنة الموقع. نبئوني برحيل عاجل ... لا أرى لي بعده منقلبا ودعاني وطني أن أغتدي ... علني أقضي له ما وجبا نذبح الدب ونفري جلده ... أيظن الدب ألا يغلبا قلت والآلام تفري مهجتي ... ويك ما تصنع في الحرب الظبا ما عهدناها لظبي مسرحا ... يبتغي ملهى به أو ملعبا

стр. 2885

ليست الحرب نفوسًا تشترى ... بالتمني وعقولاً تستبى أحسبت القد من عدتها ... أم ظننت اللحظ فيها كالشبا فسليني إنني مارستها ... وركبت الهول فيها مركبا وتقحمت الردى في غارة ... أسدل النقع عليها هيدبا قطبت ما بين عينيها لنا ... فرأيت الموت فيها قطبا جال عزرائيل في أنحائها ... تحت ذاك النقع يمسي الهيدبى فدعيها للذي يعرفها ... والزمي يا ظبية ألبان الخبا أعلنت فتاة حافظ بينها إعلانًا مفاجئًا هي نفسها له. لم تسبقه بأمرها كما سبقت أم عمرو الشنفري. وما كانت فتاة حي ظعينة يعلق بها القلب ثم ما هو إلا أن تروع المحب حمولة أهلها وهي تسف الحب، وركائبها قد زمت بليل. إنها فتاة عصرية يابانية ضربها مثلاً يستحث به مصر وأمتها التي تنشد العز والتحرر. وقد أحسن حافظ إذ جعل اليابانية التي تذبح الدب الروسي رمزًا لما يأمله من نهضة أمته المصرية العربية المسلمة لتذبح الاستعمار البريطاني وتغوله الصليبي، ذلك بأن اليابان بدأت نهضتها في وقت مقارب لبداية محمد علي إلا أن محمد علي بدأ بالحربية والأسطول في بلد عيون أعدائه عليه متفتحة أشد التفتح بالمراقبة والحذر، والكراهية الدينية العميقة الجذور. فانتهزوا أول فرصة فوثبوا على الأسطول المصري فأغرقوه. وعلى تقدم الجيش المصري فصدوه. ثم دخلوا مصر بتاريخ «استعمارهم» المعروف. وقد كان محمد علي بجهله وغروره مطية من مطاياهم تذرعوا به إلى التوغل في أفريقية وإدخال التبشير من وراء ظهر الإسلام ليطعنوه به. وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. هذا وقد تصرف حافظ في نهج القصيدة. شاعر قصيدته يشكو إخفاقه ونبو سيفه وعقوق الدهر له والخذلان الذي حاق به في مكان نسيب الشعراء. ويأتي بنسيب رمزي فتاته يابانية فارسة مقاتلة هي التي تعلن العزم على رحيل جد، لا رحلة ظعينة على هودج، ولكن رحلة عزم كالتي زعمها طرفة لنفسه ولناقته حيث قال: على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك منها وأفتدي وجاشت إليه النفس يومًا وخاله ... مصابًا ولو أمسي على غير مرصد وقد اصطنع حافظ حوارًا خطابي الصيغة، لا يقصد به إلى تمثيل ما يقع من حوار غرامي، ولكن جعله مذهبًا من مذاهب التحضيض والموعظة الحسنة. وقد تلاحظ جانب المبالغة الشعبية الصحفية الفكاهية الروح شيئًا في قوله: قلت والآلام تفري مهجتي ... ويك ما تصنع في الحرب الظبا

стр. 2886

النفس ههنا مصري قاهري خالص. ثم أتبعه حافظ عبارة ذات لون من تفخيم «ما عهدناها لظبي مسرحًا» - ثم فرغ من هذا المعنى نوعًا كأنه تعريض بما عليه حال النساء المحجبات النواعم. أحسبت القد من عدتها ... أم ظننت اللحظ فيها كالشبا فسليني إنني مارستها ... والأبيات التي تلي، على أنها مذهب خطاب، لا أكاد أشك أن حافظًا انتزعها من ذكرى تجربة حرب خاضها حقًا. أو شهدها تخاض. أو كأن قد فعل لقرب عهد بخوضها. وذلك أنه كان في جيش كتشنر الذي حارب الخليفة ﵀. وقد وصف قتالهم بخيلهم وحرابهم الواصفون، إذ هم تحصدهم نيران المكسيم، ويقدمون، رجاء الشهادة في «شأن الله» وفي «سبيل الله». ومما يدل على صدق المشاهدة ذكره النقع وهو غبار «كرري». ووصف حافظ قريب في جوهره والصورة الخاطفة التي صورها من وصف المستر تشرشل في كتابه The River War ومما ينبئ بخوف حافظ قوله: «جال عزرائيل في أنحائها» وما كان مشيه الهيدبي، إذ الهيدبي من مشى الإبل، وإنما كان يشد شدًا. وأحسب أن حافظًا قصد إلى التجنيس حيث جاء بـ «هيدبا» من قبل. وقد يكون استشعر في لفظ الهيدبي نوعًا من التهويل. ثم رجع إلى التعريض بحال الحجاب والتنعم مرة أخرى: «وألزمي يا ظبية ألبان الخبا» وفي هذا من روح الفكاهة المصرية بعض الأنفاس. وكذلك في قوله من بعد: فأجابتني بصوت راعني ... وأرتني الظبى ليثا أغلبا وقد ألتزم شوقي في مبالغته «جنس النحلة إذ جعلها لبؤة. وحول حافظ نوع الظبية وجنسها معًا فجعلها أسدًا ذكرًا. وفي كلتا الحالتين مذهب الشاعرين قريب من قريب، إذ ما عدوا التصرف في تشبيه البسالة المعروف. ومثل هذا التصرف من طبيعة الأسلوب الخطابي أو الكتابي المبسط الصحفي المنحى إذ اللبؤة والأسد الأغلب ليسا هنا تصويرًا ولكن عبارة لفظية بحتة، كما لو قال شجاعة مع صفة تقويها نحو جد شجاع وحق شجاع وجد شجاعة وحق شجاعة وهلم جرا. فأجابتني بصوت راعني ... وأرتني الظبي ليثا أغلبا إن قومي استعذبوا ورد الردى ... كيف تدعوني ألا أشربا أنا يا بانية لا أنثني ... عن مرادي أو أذوق العطبا

стр. 2887

قوله راعني فيه تشبيه لصوتها بزئير الأسد الذي شبهها به. ثم رجع بها في ساحة الحرب ظبية مرة أخرى. وفي كل ذلك من أربه التنبيه على دور النساء الذي ينبغي أن يقمن به في نضال العصر الحضاري الجديد. ولا يخفى أنه بذكره تضميد الجرحى وحصره عمل مشاركة المرأة الحربية في هذا الباب، يرمي إلى ما كان يعتقده هو وكثير من مثقفي عصره من ضرورة التوسط في أمر تحرير المرأة والاعتدال الذي فيه إبقاء على كثير من محافظة الحجاب والحشمة التي معه. أنا إن لم أحسن الرمى ولم ... تستطع كفاي تقليب الظبا أنحدم الجرحة وأقضي حقهم ... وأواسي في الوعي من نكبا وهذا منهج التمريض الحضاري الجديد الذي تنسب أوائله إلى «فلورنس نايتنجيل» - وهو أقدم من ذلك بدهور. هكذا الميكاد قد علمنا ... أن نرى الأوطان أما وأبا «الميكاد» هنا رمز للمستبد العادل. أو الطاغية المصلح، كما زعم مطران ولا يخفي التناقض. أو رمسيس: ملك يكفيك منه أنه ... أنهض الشرق فهز المغربا وإنما أراد الغرب. إذ المغرب لا يعرف علمًا إلا على بلاد المغرب الإسلامية ولكنها القافية. ولا أحسبه وأجدًا غيرها. وإذا مارسته ألفيته ... حولاً في كل أمر قلبًا مثل سادة بني أمية- معاوية وعبد الملك والوليد كان والتاج صغيرين معًا ... وجلال الملك في مهد الصبا المعنى هنا غير واضح واللفظ قريب وكأنه ضمن قوله هذا آخذًا من الآية ﴿ويكلم الناس في المهد وكهلًا﴾ - ﴿وآتيناه الحكم صبيا﴾ ولشوقي ولع بالمسيح أفاده من تعلقه

стр. 2888

بالثقافة العصرية ومثل المسيحية الحضارية وكأن رشاشًا من أمواج شوقي أصاب حافظًا فسمح من طريق تعبيره ههنا. فغدا هذا سماء للعلا ... وغدا ذلك فيها كوكبا ونظم البيت محذو على قول الخليل بن أحمد المشهور يذكر عيسى بن عمر، وكتابيه الإكمال والجامع بطل النحو جميعًا كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع ... وهما للناس شمس وقمر وطريقة المحاكاة في هذا- وذلك، مع ذكر السماء والكوكب كما ترى. بعث الأمة من مرقدها ... ودعاها للعلى أن تدأبا وما كانت أمة الميكاد راقدة. فهذا مثل ضربه حافظ وعودة منه إلى ما ذكره أولاً حيث قال: «لا تلم كفي إذا السيف نبا» وحيث قال: «أنا لولا أن لي من أمتي خاذلاً إلخ «وحيث قال «أمة قد فت في ساعدها» - فالأمة هنا هي أمة حافظ، وما تقدم من ذكر الميكاد إنما هو مثل واستثارة ورمز: فسمت للمجد تبغي شأوه ... وقضت من كل شيء مأربا من الصناعة والتجارة وذبح الدب جميعًا. ولحافظ كلمات فيهن مثل هذا التصرف بمنهج القصيدة وإشرابه معاني العصر مع وحدة الموضوع والأسلوب الذي يخاطب جمهور المثقفين- اقرأ مثلاً حريق ميت غمر. سائلوا الليل عنهم والنهارا ... كيف باتت نساؤهم والعذارى ورعاية الأطفال: شبحًا أرى أم ذاك طيف خيال ... لا بل فتاة بالعراء حيالي ومدرسة البنات ببورسعيد وهي في موضوع تعليم المرأة:

стр. 2889

كم ذا يكابد عاشق ويلاقي ... في حب مصر كثيرة العشاق حافظ وشوقي كلاهما قد أخذا من القصيدة وزنها وقافيتها وتصرفًا في وجوه من أساليبها وحرصًا على سلامة الديباجة ورصانتها ما استطاعا. وتشوب ديباجة شوقي خشونة صناعة وعمل وكدرهما وتشوب ديباجة حافظ شعبية تقارب أن تنحرف إلى بعض الابتذال. كلاهما بعد قصيدته مقالة في التبويب والترتيب والمذهب البياني الصحفي المعدن. إلا أن أسلوب شوقي صحفي كتابي. وأسلوب حافظ صحفي خطابي. شوقي مكب على طرس يكتب لمن سيكب على طرس. وحافظ ينشد ويلقي أمام جمهور ثم تطالع الصحافة من الغد قراءة من سمعه منهم ومن لم يسمعه. وقد ينشد شعر شوقي من ينوب فيه عنه، ولكن سنخه ما ذكرنا. هذا وشوقي وحافظ بعد يشتبهان في عنصر من عناصر التجديد، ذكرنا من قبل أن السوربوني ﵀، كأنه قد فطن له في معرض حديثه عن شاعرية إسماعيل صبري، وهو ما اصطلح له النقاد لفظ Lyrique- أي الغناء أو الشعر الغنائي. وقد بينا من قبل رأينا أننا لا نعد القصيدة العربية من الشعر الغنائي بما أغنى عن إعادة ذلك ههنا، ولكن حافظًا وشوقيًا أخذا بوحدة الموضوع، يديران القصيدة حول قطب، ومحور من فكرة. ثم يتقمصان تلك الفكرة وذلك الموضوع تقمصًا ذاتيًا- أعني أنهما يتمثلان الفكرة والموضوع أن ذلك امتداد من أنفسهما ثم يسبغان على الفكرة والموضوع من تقمص أنفسهما لذلك، أو بسبب صيرورة ذلك امتدادًا لأنفسهما، معنى إنسانيًا شاملاً، هذا المعنى الشامل، وهو امتداد ذاتيتها الآن التي قد صارت إنسانية شاملة، يتوخيان به أن يحاكيا ما تفعله هذه الإنسانية الشاملة بقولهما. هنا عنصر المحاكاة للطبيعة- تمثل شوقي ما يريده لأمته من دقة ونظام وتدبير وأمانة وهكذا من الأخلاق التي ينبغي أن تتصف بها حتى لا تذهب وحتى لا يصير بنيان قومها خرابًا- تمثله مملكة النحل، وحاكي بلفظه ووصفه وتأمله حال النحل ويعسوبها الذي يريده حالاً لقومه- إلى نحو من هذا الوجه ذهب مطران حيث قال: أكبر برمسيس ميتًا لا يلم به ... موت وأكبر به حيًا إلى الآن ما زال بالقوم حتى صار بينهم ... إلى جند تحابيه وكهان ورب سائمة بلهاء هائمة ... تشقى وتهواه في سر وإعلان يسومها كل خسف وهي صابرة ... لا صبر عقل ولكن صبر إيمان فبجلت تحت تاج الملك مدميها ... وقبلت دمها في المرمر القاني

стр. 2890

مخلدًا دون من قاموا برفعته ... من شوس حرب وصناع وأعوان مخالسًا ذمة العلياء مضطجعًا ... من مهد عصمتها في مضجع الزاني وقد نبهنا إلى قبح هذا البيت- وإلى نحو هذه ذهب إسماعيل صبري حيث قال لا القوم قومي ولا الأعوان أعواني ... إذا ونى يوم تحصيل العلا واني لا تتركوا مستحيلاً في استحالته ... حتى يميط لكم عن وجه إمكان مقالة قد هوت من عرش قائلها ... على مناكب أبطال وشجعان لو غير فرعون ألقاها على ملأ ... في غير مصر لعدت حلم يقظان لكن فرعون إن نادى بها جبلاً ... لبت حجارته في قبضة الباني وآزرته جماهير تسيل بها ... بطاح واد بماضي القوم ملآن برا بذي الأمر لا خوفًا ولا طمعًا ... لكنهم خلقوا طلاب إتقان وازن بين جميع هذا وقول حافظ: هكذا الميكاد قد علمنا ... أن نرى الأوطان أما وأبا بعث الأمة من مرقدها ... ودعاها للعلا أن تدأبا فسمت للمجد تبغي شأوه ... وقضت من كل شيء مأربا وقول شوقي: مالكة عاملة ... مصلحة معمرة المال في أتباعها ... لا تستبين أثره لا يعرفون بينهم ... أصلاً له من ثمره يعني أصل مال له قائم عليه يثمره. لو عرفوه عرفوا ... من البلاء أكثره واتخذوا نقابة ... لأمرهم مسيرة سبحان من نزه عنـ ... ـه ملكهم وطهره الهدف في جميع هذه الكلمات واحد. وحافظ وشوقي أجود جرسًا وافتنانًا وفضل شوقي

стр. 2891

على حافظ لا يخفي، مع ما قدمناه من احتراس. شاعر القصيدة العربية الأصلية لا يحاكي الطبيعة ملحميًا أو «دراميًا» أو «ليريكيا» - إنه يقول مكافحة مواجهة مثلما كان يفعل أنبياء بني إسرائيل. هكذا وصفهم الناقد العربي القديم. ونقول، استطرادًا في الموضع، إن الناقد العربي القديم لم يكن بدائيًا فطريًا ساذجًا، هذا قول يقوله من يقلد به دعاوى الإفرنج في التفوق المنطلقة كلها أو جلها من نقطة ارتكاز عرقية «Ethno- centric» كما يقول بعض علماء الاجتماع المعاصرين في اصطلاح اللغة الإنجليزية. وقد يحسن أن ننبه إلى أن كتاب الله العزيز فيه من أمر النقد المتمكن الدقيق ما لو تنبه له أهل الفكر لكان لهم ناهيًا عن اتهام قدمائنا بالفطرية والسذاجة في النقد- قال تعالى (سورة المدثر) ﴿إنه فكر وقدر (١٨) فقتل كيف قدر (١٩) ثم قتل كيف قدر (٢٠) ثم نظر (٢١) ثم عبس وبسر (٢٢) ثم أدبر واستكبر (٢٣) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (٢٤) إن هذا إلا قول البشر (٢٥)﴾ - هذا الناقد البدائي الفطري الموصوف ههنا ينظر في قضية من أخطر قضايا النقد. هل هذا وحي صادق من عند الله أو هو قول افتراه- هذا الناقد الساذج الفطري الموصوف ههنا بأدق ما يوصف به ناقد متمرس، كان من ملأ قريش، شيخًا من كبارهم، وما في الآية إشارة إلى فطرية فيه أو سذاجة، ولكن إلى جبرية ودهاء. وما كان ملأ قريش أهل سذاجة. وهم الذين فتحوا الفتوح وعلموا الناس العلوم وآيات التحدي والنقد التي تنبئ عن حال ما كان عليه القوم من معرفة البيان وتمحيصه كثيرات، وليس ههنا موضع الاستقصاء بله أخبار النقد التي رويت عن النابغة وطرفة وحسان وهلم جرا. أعلم أيها القارئ الكريم أن حافظًا وشوقيًا (وقد يرى بعض الفضلاء ألا تنصب شوقي بفتحة ظاهرة وبتنوين ولكن تحكي إذ هذا علم وتكون كقولهم بادي بدًا وأيدي سبأ وكان السوربوني يقول بهذا لالتزامه حال واحدة في اسم شوقي، وعندي أن هذا اسم عربي يخضع أو ينبغي أن يخضع لما تخضع له أسماء العرب وإنما تصح الحكاية في نحو شوكت ورفعت وعصمت ومدحت لأن هذه حكاية لوقف عاصم ونافع وبعض القراء في تاء التأنيث التي رسمت في المصحف مفتوحة وهو مذهب للعرب حكاه سيبويه عن أبي الخطاب) - رجع الحديث إلى أن شوقيًا وحافظًا ما كانا تقليديين محافظين على عمود القصيدة، ولكنهما أدخلا فيه تجديد شكل وطريقة أسلوب هي هذه «الليريكية»، مع ما أخذًا به من أسلوب المقالة ووحدة الفكرة والموضوع مما كانت تدور حوله أحاديث أهل الفكر واصطراع آرائهم ومذاهب التماسهم سبل النهضة والحضارة الجديدة والتحرر من المستعمر ... ومن المحافظة التي عليها المسلمون إلى ذلك الحين، مما جرى عند طلاب التقدم مجرى التخلف والتأخر والرجعية.

стр. 2892

كان حافظ وشوقي وجيلهما في مصر وغيرها من بلاد العرب، والمتأثرون بهم أولئك جميعًا رواد نهضة. وكان شوقي أكثر تجديدًا وأعظم افتنانًا من حافظ بما نظم من المسرحيات والأقاصيص والسير. وكل هذا فارق به أسلوب القصيدة واستحدث به وجهًا جديدًا من مسالك الوزن والقافية غير أن أول مفارقته الخطير الشأن كان هذا المذهب المقالي القصيدي الغنائي- وقد سبق في أوائله مذهبًا، ولكنه هو وحافظ خاصة قد جعلاه طريقًا مهيعًا. ولم يخل حافظ من نظم مسرحي في كلمته. ليلاي ما أنا حي ... يرجي ولا أنا ميت ولا من نظم قصصي في عمريته: حسب القوافي وحسبي حين ألقيها ... أني إلى ساحة الفاروق أهديها وقد جارى بها وزن بعض مشهورات المدائح النبوية. غير أنه بجعله الفاروق قصد مدحته، إنما ضرب بذلك مثلاً من أمثال روح عصره، التي كان المديح النبوي في أنظار مثقفيها من طابع المحافظة وحالها وكأن ذكر عمر بن الخطاب بمنزلة الرمز لما يرغبون فيه من تجديد مجد الإسلام وفتوحه- فكان عمر في نظر رواد النهضة الإسلامية العصرية التي تمخضت من بعد عن حركة الإخوان المسلمين مثلاً، علم البطولة الذي يحركون به القلوب. هذا وكما كان رأي شوقي وحافظ وجيلهما الاعتدال في قضية تحرير المرأة- قال حافظ: أنا لا أقول دعوا النساء سوافرًا ... وسط الرجال يسرن في الأسواق في دورهن شئونهن كثيرة ... كشئون رب السيف والمخراق وقال شوقي: يا طير لولا أن يقولوا جن قلت تعقل أنت ابن رأي للطبيعة فيك غير مبدل ابدأ مروع بالإسار مهدد بالمقتل إن طرت عن كنفي وقعت على النسور الجهل كذلك كان رأيهما في قضية تجديد الشعر وتحريره من قيوده القديمة أن يكون ذلك فيه اعتدال. وقد كان شوقي كثير الاتباع لشعراء الغرب. حاكى لافونتين وراسين وشكسبير في الأقاصيص والمسرحيات، لا بل في بعض القصائد- مثلاً: «ألا أحبذ صحبة المكتب» فهي على جودتها محذوة على كلمة شكسبير All the world is a stage (كل الدنيا كخشبة المسرح) «وقد عرضنا لأشياء من هذا المعنى في غير هذا الكتاب بتفصيل نحيل القارئ الكريم إليه إن شاء الله».

стр. 2893

كان شوقي يعلم من أمر حركات التجديد والتحرر من الأوزان التي كانت بأوروبا وربما كانت يتحدث بها أدباء زمانه في مجالسهم. والمنظر الذي في مسرحية مجنون ليلى يتخلى فيه الأموي (شيطان الشعر) عن قيس فينظم هذا كلامًا مسجوعًا مضطربًا غير موزون فيه وحي برأي شوقي في قضية وزن الشعر وقيوده وأن التطرف في طلب التحرر من ذلك غير حسن. هذا والذي صنعه حافظ وشوقي من التجديد -على ما اعتدلا به فيه- كأن قد أدخل على عنصر دولة القصيدة الأصيلة كما أقامها البارودي، جندًا دخيلاً كان على يديه من بدء انهيار هيبتها المؤذن بالضعف ثم الهلاك والدمار- كما جاء المعتصم بغلمانه وجنده الترك فقتلوا ابنه المتوكل من بعد وقوضوا أركان الخلافة، فما لبث بها الضعف من حال إلى حال، حتى أزالها كل الزوال، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وإليه المصري. كان بعد حافظ وشوقي وعلى زمانهما شعراء- ولكن ماء ولا كصدءاء (كصدعاع يا فتي هكذا قال أبو العباس) ومرعى ولا كالسعدان. وآثر أهل البراعة النثر. كإيثار الجاحظ وجيله القادرين على الشعر له، حتى صاروا بأغراض رسائلهم إلى مشابه من أغراضه. وبرز من بين أهل البراعة طه والرافعي والعقاد (١) كل تبريز. أما طه فقد خلص بنفسه خلوصًا إلى تجويد المحاضرة والمقالة والقصة والكتاب. وقد رزق السلامة مع الصفاء ونقاء اللغة وسحر إيقاع البيان. كان ﵀ في هذا نسيج وحده. ولعل أدنى الأدباء- كان من بعده من مثل طريقته في النقاء الدكتور «زكي مبارك» ﵀. ثم قد كان للزيات إيقاع مهذب وازدواج ذو عذوبة ونغم ورنين. وكان الرافعي والعقاد شاعرين ناثرين، واحسب أن الرافعي تخلى عن نظم الشعر بأخرة، غير أن في المقالات التي كان يوافي بها الرسالة ثم صدرت معًا في كتاب واحد باسم «وحي القلم» ما عسى أن يدل على أنه استمر ينظم الشعر من حين إلى حين، ومن أعجب كلماته إلى في وحي القلم «بنته الصغيرة» وقد ضمنها قطعة بالدارجة ذات طعم حلو: يا ليل يا ليل يا ليل ما تنجلي يا ليل القلب أهو راضي من الهموم فاضي

стр. 2894

وللرافعي رسائل من النثر عمد فيها إلى أغراض الشعر وروحه، على نحو ينظر بسلامة أسلوبه وقوة أسره إلى مقامات الزمخشري ورسائل قدماء البلغاء، وبأنفاس وجدانه إلى «الرومنسية» التي منها أشياء في نظرات المنفلوطي وعبراته، ولكن سائرها من نفس الرافعي ووجدانه وتصوفه. وربما خلط بين الشعر والنثر على طريقة المقامة الحريرية أو البديعية- خذ هذه القطعة مثلاً من «زجاجة العطر» في أوراق الورد «الطبعة السابعة ١٣٨٣ هـ ١٩٦٣ م ص ٤٢): «وأهدى إليها مرة زجاجة من العطر الثمين وكتب معها: يا زجاجة العطر، اذهبي إليها، وتعطري بمس يديها وكوني رسالة قلبي لديها. وهأنذا أنثر القبلات على جوانبك، فمتى لمستك فضعي قبلتي على بنانها، وألقيها خفية ظاهرة في مثل حنو نظرتها وحنانها، وألمسيها من تلك القبلات معاني أفراحها في قلبي ومعاني أشجانها. وهأنذا أصافحك، فمتى أخذتك في يدها فكوني لمسة الأشواق. وهأنذا أضمك إلى قلبي، فمتى فتحتك فانثري عليها في معاني العطر لمسات العناق. إنها الحبيبة يا زجاجة العطر. وما أنت كسواك من كل زجاجة ملئت سائلاً، ولا هي كسواها من كل امرأة ملئت حسنًا، وكما افتنت الصناعة في إبداعك واستخراجك، افتنت الحياة في جمالها وفتنتها حتى لأحسب أسرار الحياة في غيرها من النساء تعمل بطبيعة وقانون، وفيها وحدها تعمل بفن وظرف. وأنت سبيكة عطر كل موضع منك يأرج ويتوهج وهي سبيكة جمال كل موضع فيها يستبي ويتصبي .... » هنا عناء وكد أحلى منه عندي انسياب طه وإسماح طبعه. ولكن حظه من الإحساس والتأمل وجودة التعبير وصحته عظيم. وللرافعي شعر هو فيه أسمح طبعًا، ولكنه على جودته لا يضعه في مكان من التبريز كما يضعه نثره- مثلاً قوله في أوراق الورد. وكم حار عشاق ولا مثل حيرتي ... إذا شئت يومًا أن أسوء حبيبي وهل لي قلب غير قلبي يسوءه ... ويأخذلي في الكبرياء نصيبي ألا ليت لي قلبين قلب يحبه ... مريض وقلب بعد ذاك طبيبي ويا ليت لي نفسين من رئم روضة ... ألوف ومن ذي لبدتين غضوب وكيف بقلب واحد أحمل الهوى ... عجيبًا على طبعي وغير عجيب فو الله إن الحب خير محاسني ... ووالله إن الحب شر عيوبي رنة الشعر وأسره كل ذلك جيد عربي. غير أن هذه المعاني مما قتله كثير وجميل

стр. 2895

وأصحابهما قتلاً- فأحسب أن الرافعي قد فطن إلى هذا فالتمس سبيل النثر. وقد كان للرافعي بأسلوبه الجاد المرهف الإحساس الشاعري الروح، على كده فيه ونصبه، أثر كبير على عدد كبير من الأدباء- من بين هؤلاء مثلاً الشاعر «الرومنسي» برومانسية شعراء العرب محمود حسن إسماعيل. هذا، وقد كان العقاد ﵀ شاعرًا ناثرًا، وفي نثره وشعره كليهما خشونة، كما فيهما جد وصدق وأثر قراءة ونصب. وقد عرف العقاد بهجومه على شوقي في الديوان في باب التجديد الشعري أكثر مما عرف بشعره نفسه. ومن تأمل شعره لم يجده فيه غير سائر على نفس الطريق الذي ساره شوقي وحافظ. وكان يلح على قضايا الفكر بأشد من إلحاحهما فيما يورده. وليس بمخطئ من يضعه في مقدمة شعراء الرومنسية العربية خطئًا كبيرًا. ولكنه أشبه به ما ذكرنا. ومن معاني الرومنسية في شعره أن حديثه عن الحب تخالطه مثالية من تقديس فهم منه خاص للجمال، شديد القرب من معاني صوفية الطبيعة وقدسيتها، وخلود امتلاء الذات بتأثيرها. غير أن أمثال هذه المعاني قديمة في الشعر، واطلاع العقاد الواسع، ولا سيما في أداب اللغة الإنجليزية مما جعل طوع تعبيره كثيرًا مما يرد في كلام شعرائهم من رومنسيين وميتافيزيقيين وشكسبير ومعاصريه إلى زمان براوننغ وييتس ووليم هاردي وغيرهم. وكانت له في بلادنا مدرسة من الأدباء شديدة التعلق بشعره مدمنة القراءة له. ونبئت أن الشيخ الطيب السراج ﵀ (توفي سنة ١٩٦٣ م) كان إذا ذكروا له العقاد قال: عقادهم هو كاسمه عقاد ... لا عبقري لا ولا نقاد وممن تأثر به من شعراء بلادنا يوسف مصطفى التني ﵀ وأثره ظاهر في ديوانه الصدى الأول، ومما علق بالذهن من أبياهت: أعبسي لي ففي العبوس ابتسام ... لجمال منوع القسمات وكان يغلب على الظن أنه تأثر فيه بالعقاد، ولكني أحسبه أخذه من كلمة للرافعي ﵀ في أوراق الورد يقول فيها (٤٦): - يا واصلاً بالمعاني ... وهاجري في الكلام مخاصمي في نهاري ... مصالحي في منامي

стр. 2896

من العبوس كلام ... معناه معنى ابتسام ولن يغير جسم الـ ... ـوداد ثوب الخصام وكان صديقاي الأستاذ عبد الرحيم الأمين (توفى ١٩٦٨ م) والدكتور أحمد الطيب (توفي ١٩٦٢ م) وكانا واسعي الاطلاع في العربية والإنجليزية، يقدمان العقاد في غير إفراط ويذكران له قصائد ربما تقدم بها عندهما على شوقي، منها رائيته في ديوانه الأول التي عنوانها «الدنيا الميتة» وما أشك أنه حذاها على رائية الإمام البرعي التي من رويها وبحرها ثم ألبس مواضع ضروبًا من الزي الأفرنجي كما قد جارى بلا ريب رائية أبي نواس «أجارة بيتينا أبوك غيور» ورائية ابن دراج- إلا أن نفس البرعية في رائية العقاد هذه أظهر وأخذه منها عن معاصريه أخفى لمعرفة أكثر الأدباء الأفندية بأبي نواس وابن دراج وجهلهم البرعي، وما كان مكانه ليخفي على العقاد لعلمه ولأسوانيته معًا. هذا وقد قدم لها في الديوان بكلمة متعمقة، مما جاء في قوله: «وقد ترى الرجلين يجلسان في حجرة واحدة أحدهما يوحد لو يبخع نفسه لقبح الدنيا في عينيه، والثاني يود لو يعمر أبد الأبيد ليشتف جمالها وبهجتها، فهل يقال في هذين إن عالمهما واحد؟ فمن هنا ساغ لنا أن نقول إن العالم تموت نسخة منه كلما مات إنسان .... » ثم تجئ القصيدة وهي ستة وأربعون بيتًا نوردها هنا كاملة، وقد مضى الاستشهاد بأبيات منها في الجزء الأول، ولعل ما قلناه هناك من تعليق ألا نحتاج إلى مزيد عليه ههنا: أحبك حب الشمس فهي مضيئة ... وأنت مضيء بالجمال منير أحبك حب الزهر فالزهر ناضر ... وأنت كما شاء الشباب نضير هنا كما ترى تعلق الرومنسية بالطبيعة. والحب لا يحتاج صاحبه أن يعلله ويبرهن على صحته. وما من محبوب يرضيه أن يحب كحب الشمس. نعم يرضيه أن يقول له العاشق بلسان المقال أو الحال أنت شمس حياتي أما أن يقول له أحبك لأنك مضئ كما تضئ الشمس، فلعل آخر أن يكون هو أيضًا مضيئًا كما تضئ الشمس. وأحسب أن العقاد إنما أتى من محاكاة كلمة شكسبير: Shall Icompare thee to a summer's day? Thou art more lovely and more temperate: Rough winds do shake the darling buds of may. إلى آخر ما قاله فيها وهي الثامنة عشرة من قطعة التي يقال لها sonnets (أغنيات) وقد أحترس شكسبير حيث ذكر الشمس والزهر ولم يحترس العقاد. وقد صدر شكسبير في

стр. 2897

كلامه عن حب هو الذي جعله يشبه محبوبه بيوم شامس وزهر نضير غير أن اليوم الشامس ليس له كاعتداله والزهر قد تطيح به وتصوحه الرياح، والعقاد زعم أنه يحبه كحبه للشمس، فنزل بمقدار حبه كما ترى، وكأن قد أحس ذلك فاستدرك بقوله: أحبك حبي للحياة فإنها ... شعوركم بالقرب منك شعور أي أشعر فلذلك أنا موجود. فأنت تعلمني أني حي- هل هذا من كلام الصوفية: أدنيتني منك حتى ... حسبت أنك أني أو محض تعمق. ولعل بديع الذي قال: أحبك يا ظلوم وأنت عندي ... مكان الروح من جسد الجبان ولو أني أقول مكان روحي ... لخفت عليك بادرة الطعان أن يكون إلى كثير من القلوب أدنى مأخذًا وأقرب مأتى. ثم يقول العقاد: فهل في ابتغائي الشمس والزهر سبة ... وهل في ولوعي بالحياة نكير وهل في الهوى معنى سوى أن مقلتي ... تراك وأن الحسن فيك طرير هذا بعض الهوى- واستحسان المشتهى قد لا يكون أكثر أو أقل من هذا، وأنك ستبي الناظرين وأنني ... بإحباب سابي الناظرين جدير إحباب مصدر أحب الرباعي أغرب به العقاد ليصاحب به صيغة المحب بضم الميم وفتح الحاء التي يقال إنه انفرد بها أخو بني عبس. ألا لا تدعنا نلحظ الحسن أو أجز ... لنا الحب فاللحظ اليسير يجور وما من سبيل أن تراه عيوننا ... وتغمض عنه أنفس وصدور صار الحب مقالة وقضية وجدلاً كما ترى فأما وإعشاء النواظر مطلب ... عسير وقد يهوى الجمال ضرير ولو قال وقد يهوى هواي ضرير لكان أصدق. وقد قال بشار، «وقد وصفت لنا بحسن» فنسب معرفة الحسن المرئي إلى غيره. فدع ما يقول الناس واعلم بأننا ... على غير ما سار الأنام نسير

стр. 2898

لنا عالم طلق وللناس عالم ... رهين بأغلال الظنون أسير ووا أسفًا ما أنت إلا نظيرهم ... وإن لم يكن للحسن فيك نظير وحاكيتهم ظنا فليتك مثلهم ... محيا فلا يأسى عليك ضمير العقاد هنا أرفق بحبيبه من جميل إذ قال رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح ولكن جميلاً كان أشد صبابة فيا عجبًا منا نسائل أنفسًا ... إذا سئلت حارت وليس تحير بضم التاء وعنى: تحير جوابًا وهو ليس بجيد، ولكن جوابًا في قول النحاة معمول فضلة وحذف الفضلة جائز. ومضارع حارت تحار، وعن ابن جنى أن أبا الطيب سمع أعرابيًا أخطأ فقال تحير فأصلحه آخر من أصحابه ونعت ابن جنى أبا الطيب، إذ ذكر هذا الخبر، بأنه صدق وكان صدوقًا. وعلى ذكر أبي الطيب فما أشك أن أصل تشبيه شكسبير فتاته أو غلامه (على أحد القولين) بالشمس من قوله: صحبتني على الفلاة فتاة ... عادة اللون عندها التبديل مثلها أنت لوحدتني وأضنيـ ... ـت وزادت أيهما كما العطبول ثم يجيء هذا التبرم بالجمال وما يصحبه من ضن كل جميل وصده وتيهه: أنشقى بدنيانا لأن منعمًا ... من الناس بسام الثغير غرير كلمة الثغير جيدة معبرة. أيذوي الصبا فينا لأنك ناشئ ... ربيع الصبا في وجنتيه غضير أتعشى مآقينا لأنك أحور ... بعينيه من ومض الملاحة نور هذا البيت مصنوع مرهق. المآقي لا تعشى. ومن زعم أن ذلك قد يسوغ من أجل مجاورة المآقى للعيون، فلن يسوغ بعده «من ومض الملاحة نور» - ذلك بأن العينين نور. وفي أناشيد المديح النبوي: مرحبًا يا نور عيني ... مرحبًا مرحبًا جدًا الحسين ... مرحبًا وتعب الشاعر منشأة من أنه أراد أن يجعل الملاحة ببريق ابتسامتها في العين نورًا، فجعل ذلك هو النور الذي في العينين، ولو قال ذلك في عين عمياء بها بقية من ملاحة بائسة لربما حاز. ألا نتملى الحسن والحسن جمة ... مطالعه إلا وأنت سمير

стр. 2899

فيا ضيعة الدنيا إذا لم يكن بها ... غنى عنك للمحزون حين يثور ويا ضيعة النفس التي لا يجيرها ... من البث والشكوى سواك مجبر لا يخفى أن الشاعر ها هنا تقمص شيئًا من روح «الحسناء بلا رحمة» - منظومة كيتس التي ترجمناها، ونبهنا القارئ الكريم إلى ما فيها من معاني الرومنسية التي تعطو بيدها إلى ما لا ينال، والحسناء التي تمتص دم المحبين، وتعطيهم الحلم الذي يسلب منهم من بعد كل منام. إذا الشمس غابت لا نبالي غيابها ... وإن غبت آض العيش وهو كدور ناقض الشاعر نفسه في كلمة واحدة، وهذا مما لم يجزه قدامة. وقد يعتذر له عاذره بأن هذا إضراب أضرب به عما تقدم- أي أحبك حب الشمس كلا، بل لا نبالي غياب الشمس، وتأمل ضمير الجمع للمتكلم ههنا. ويقوى هذا الوجه قوله من بعد: وليتك مثل الشمس ما فيك مطمع ... فيهدأ قلب بالضلال نفور نفور ها هنا شديدة القلق. كيف يكون نفورًا بسبب الضلال أو مع وهل النفور هو المقابل للهدوء؟ قربت ولم يخطئ عطاش تلهفوا ... على جدول في السمع منه خرير وسرت على الأرض التي أنا سائر ... عليها ولم تضرب عليك ستور ولو لم نول القلب شطرك لامنا ... على الجهل كون بالجمال فخور هنا أنفاس «رومنسية» الخالع على مظاهر الطبيعة عنصرًا من الحيوية يستحق التقديس لذاته. وهذه الأبيات الثلاثة لعلها غرة القصيدة: لديك مقاليد السرور وديعة ... وما لمحب في سواك سرور فإن تأذن الدينا أباحت شوارها ... وغنت عصافير وفاح عبير فسر الشوار في الهامش [ديوان العقاد، المجلد الأول، لبنان ص ٢٠١]- «شوار العروس جهازها». والشوار المتاع، قال عبدة بن الطبيب: ومزجيات بأكوار محملة ... شوارهن خلال القوم محمول قال الشارح وأصل الشوار متاع البيت. ولا يزال هكذا معناه في بعض الدارجة. وقد يستعمل استعمالاً مجازيًا وفي خبر الزباء: «أشوار عروس ترى» قالته لجذيمة لما

стр. 2900

أرادت الغدر به وكانت مضفورة الإسب أي شعر العانة. فقول العقاد ههنا «أباحت شوارها» ليس بجيد. وإلا فما في الأرض حظ لناظر ... ولا النجم في عليا السماء يدور فيا خازن الأرواح ما لقلوبنا ... خواء وأفراح الحياة كثير وما لك ضنانا بما لو بذلته ... لما ضاع منه بالعطاء نقير هذا من كلام الميتافزيقيين- وقد يذكر القارئ الكريم قول إمام العارفين عبد الرحيم البرعي ﵀: أحيباب قلبي هل سواكم لمهجتي ... طبيب بداء العاشقين خبير فجودوا بوصل فالزمان مفرق ... وأكثر عمر العاشقين قصير وإني لمستغن عن الكون دونكم ... وأما إليكم سادتي ففقير فلا مبالاة العقاد بغياب الشمس من ها هنا- ثم يقول العقاد: تضن بشيء لست تعلم قدره- أي الجمال إذ نحن لا أنت، يا جميلاً وهو جاهل - ونعلم ما نسخو به ونعير نعير ضعيفة كما ترى. نجود بحبات القلوب وبالنهى ......... ولا أعلم كيف يجاد بالنهي إلا أن يكون تهتك ........ وليس لنا في النائلين شكور وما الشيء مزهودًا وإن جل قدره ... لدى الناس كالمطلوب وهو يسير وجليل القدر لا يزهد فيه، وأتي العقاد من جهة طلب الجدل بالمبالغة وفرض ما لا يكون عذيري وهل للناقمين عذير ... وأين لمخذول الفؤاد نصير هل جاء بمخذول الفؤاد من قول حافظ «أنا لولا أن لي من أمتي خاذلاً إلخ»؟ لقد ماتت الدنيا وقدما رأيتها ... عروسًا حفافيها عرائس حور هنا شيء من اللغة الإنجليزية وظلال من الحسناء بلا رحمة. نعم ماتت الدنيا بنفسي ومن يعش ... وقد ماتت الدنيا فأين يصير؟ يعني الموت المجازي- أما موتها الحقيقي فهو قيام الساعة وذلك شامل

стр. 2901

وأحنو على الدنيا ويا ربما حنت ... على الميت الثاوي بهن قبور ليست ضمة القبر حنوا- وهنا شيء من ظلال «الحسناء بلا رحمة» وفرسانها الشاحبين فاغرة أفواههم بالنذير الرهيب. بكائي عليها يوم إن كان أفقها ... يضيء وكانت بالأنيس تمور لا ريب أن الحسناء بلا رحمة هي الدنيا وكان يتيه اللب كيف بناؤها ... فأمست يتيه اللب كيف تبور «تبور» قافية قلقة إذ لا تقابل «تبور» قوله «بناؤها» فما كان أسناها مدارة أنجم ... ومنبت ريحان يكاد ينير وأخصب مرعى اللهو في جنباتها ... وما من جنى إلا منى وغرور فهذا كما ترى فيه مشابه من قول جون كيتس وقد مر نصه، ما تقريب تعريبه مما تقدم ذكره أيضًا: ووجدت لي من عروق شهيـ ... ـات وحلوات وقالت كل والعسل البري جاءت به ... والمن يغشاه ندى السلسل ثمت قالت بلسان غريب ... إنني أهواك يا ويح لي ثمت صارت بي إلى كهفها المسحور ... وهو القبر بلا شك: - نعم ماتت الدنيا بنفسي فهل لها ... بعطفك من بعد الممات نشور فأحى بإحيائها فديتك عالمًا ... عييت بحمليه فأنت قدير ولا تسألني كيف أحييك هازلاً ... فأنت بإحياء النفوس خبير ففي كل نفس عالم يرهب الردى ... ومن كل حسن حين يعطف صور أي الصور الذي ينفح فيه إسرافيل فتقبض كل الأرواح- أليس هذا برهانًا على صحة ما نقول به من أثر. La Belle Dame Sans Merci لك الحسن فامنعه ولكن من يغل .. أي يغتال، فتأمل ...... .. ولكن من يغل ... من الناس دنياهم فذاك مغير

стр. 2902

مغير هذه مترجمة من كلمة إفرنجية تدل على العدوان وما أشبه نحو: trespasser- والصواب فذاك متعد أو عاد أو عدو، وما كل غارة بعيب يعاب ولا سيما ذو الحسن إن يقل له إنه يشن على قلوب الناس غارة شعواء فذلك داخل في باب المدح، ولا يخفى أن العقاد يريد بمغير هنا ضربًا من خروج عن القانون. فقد ترى أن الجند الغريب الذي كان عند شوقي وحافظ طريقة أداء ومحاكاة أساليب قد تسرب عند العقاد إلى نفس متن اللغة- ولعله أن يعتذر معتذر للعقاد أن هذا نظم ثورة شبابه وأنه أقبل من بعد على تجويد المتن وحرص على نقاء العربية- وعسى بعض ذلك. كانت بداية النهضة والتجديد البعيدة التأثير بمصر. ولا يدفع قولنا هذا ما كان من بوادر السبق في لبنان وغيرها. ولقد كان أحمد فارس الشدياق معاصرًا للبارودي. من حافظ مشابه، كذلك كانت في الزهاوي مشابه من العقاد- المقالة والليركية ونوع من كذ التفكير، موسوعي عند العقاد، ذو معرية عند الزهاوي، من غير سلامة الأسر التي للمعرى، وكبعض الخشونة التي عند العقاد، وقد يضطرب به وزن العروض أحيانًا. وإنما وقفنا عند العقاد من أجل الديوان وما زعم وزعموا له من التجديد بناء وهدمًا- أما الهدم فالهجوم على شوقي وكان عند الناس أمير الشعراء. وأما البناء فديوان العقاد، وديوان شكري وقد حاول الشعر المرسل ونظمه وسط وقد سبقت منا الإشارة إلى عمله في هذا المضمار. والمازني علم أنه ليس بشاعر حقًا، والعاقل من عرف قدر نفسه. ثم جاءت أبولو على آثار الديوان، وكل الرومنسية والرومنسيين ويذكر أن أبا شادي أهدى أبولو إلى أمير الشعراء شوقي، ولو قد كان البارودي في مكان شوقي هو المهدي إليه، لكان الأمر إذن كما قال أبو تمام: وسرت أسوق عير اللؤم حتى ... أنخت الكفر في دار الجهاد على أن اعتدال شوقي وأصحابه قد كان أقرب إلى معنى دار الجهاد، كما كان المعتصم وجنده الدخيل في باب الخلافة والدولة وتدبير السلطان. وتطرف أبي شادي وأصحابه أقرب إلى إناخة الكفر وسوق عيره، كما كان شأن قتلة المتوكل وسملة عيون الخلفاء وزعزعة هيبتهم من بعده. وكانت الرومنسية- ونؤثر الآن استعمال هذا اللفظ على الترمنس الذي إنما جئنا به

стр. 2903

لتوضيح رأي في موضع دعا إلى ذلك- من أربعة أضرب، نذكرها موجزين إن شاء الله فيما يلي: الضرب الأول: «رومنسية» الدفاع عن القديم . وهذه يمثلها الرافعي ولها انعكاسات في الضرب الرابع وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله. وقوامها أنها تعتقد أن معاني التصوف وقدسية الجمال وحرارة الوجدان ورؤاه، كل ذلك لا نحتاج إلى أن نستعيره من أوربا. هو أصيل في حضارتنا وفي تصوفنا. وكأن لونًا من رفض التفريج، ونزوعًا إلى إعادة المجد القديم كامن في هذا الموقف. هو موقف قبول تحد، وتحد ودفاع. وهو في جوانب كثيرة منه صادق روح التعبير عن غضبه المجتمعات العربية على عدوان الاستعمار، وغضبة المجتمعات الإسلامية على ما عرا أمة محمد ﷺ من ضعف واستكانة وخمول. وإنما ندخل هذا الضرب في عداد الرومنسية لنخرجه منها. وفيه من معادن أصالة البارودي، حب اللغة العربية، وتذوق رونق جزالتها وأسرها وصحة وجوه التعبير بها، ثم يفارقها في نوع خفي ملابس له من معاني عدم الثقة، يلتمس أن يعتذر لدى من لا يقبل له عذرًا وأن يجد مكانًا لدى من يعلم أنه ليس له بدار. وليس ذلك بضائره حقًا. إذ قد أصاب قدرًا صالحًا من مستوى الجودة والإبداع. إلا أن فيه فرط إغراب وعمل. الضرب الثاني: الرومنسية المسيحية العربية وهذه التي يمثلها جبران وميخائيل نعيمة والمهجريون من بعد- وقوامها أمران: شعور قوي بالانتماء إلى دنيا الحضارة العصرية التي إنما هي حضارة مسيحية في غرب أوروبا وشرقها بين رومها وروسها وصقالبها وبلغارها وفرنجتها وفروع ذلك اللاتينية والسكسونية من وراء البحر الكبير- هذا الشعور بالانتماء المسيحي المتحضر القوي معه شعور بواقع الانتماء المر إلى دولة السلطان، وهي في مرحلة الغرغرة، والقومية التركية الناشئة إلى العرب بغيضة، وسلطان الإسلام إلى القلب المسيحي أبغض. وشعور قوي بالانتماء إلى العرب والقومية العربية الناشئة، التي تبدو أنها هي أقرب بحكم وحدة اللغة ووحدة الجوار وطول المعايشة والنفور من تعزز قومية الترك الجديدة وتعاليها وجبرية سلطانها والرغبة في التحرر والتقدم العصري، الذي إنما يجاء به بالأخذ من أوروبا ومحاكاتها وأنهم بحكم الصلة المشتركة بينهم وبين مسلمي العرب

стр. 2904

وبينهم وبين مسيحية أوروبا، سيكونون في ذلك الوساطة الكبرى والوسيلة الأولى. ومن هذين الشعورين تولد شعور قوي بالتماس مثل أعلى مشترك، يستمد من القومية العربية، ومن سماحة الدين الحنيف، ومن روحانية دين عيسى ورقة قلوب رهبانيته. ولقد كان من المسلمين كما كان من المسيحيين دعاة لهذا اللقاء المتسامح المعتدل ويكفيك شاهدًا ما تجده كثيرًا عند شوقي -مثلاً- من لين القول ورقته عند ما يعرض لأمر المسيحية والمسيح ﵇. وأحسب إحدى طبعات الديوان الأول (دار الكتب، ١٩٤٥) وقع فيها خطأ في بيت الهمزية التي في أوله: ولد الرفق يوم مولد عيسى ... والمروءات والهدى والحياء إذ فيه موسى مكان عيسى وقد مر خبره ﵇، فلينظر. وقد خيل أن مثل الانتماء المتبادل، الحرية المنشودة، ومعاني الإنسانية العليا في الحب والجمال، واستشعار نزعة إلحادية لا تنكر قداسة الدين ولكن تنفر من التعصب والقيود. مد الأيدي إلى المجهول، التماس ملأ الروح بين الأزهار والأشجار ووحدة الوجود في شهود أسرار الطبيعة على النحو الذي عند وليم ورد زورث وشيلي وكيتس والرومانسيين الإنجليز أول الأمر، وعند أبي العلاء المعري الذي يقول: خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد ويقول: اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا ... دين وآخر دين لا عقل له ويقول: إن الشرائع ألقت بيننا إحنا ... وأورثتنا أفانين العداوات من هذا المنطلق أو نحوه، بدأ جبران. وتلاه ميخائيل نعيمة. وتبع من بعد المهجريون. وصحب أدب الرومنسية المسيحية العربية جند دخيل جديد كثيف- ضعف في أساليب اللغة إذ لم يكن لجبران والمهجرين من علم العربية ما كان لليازجي، وما كان للعلماء اليسوعيين، إنما كان أكثرهم أولى ثقافة كسائر ما كانت عليه ثقافة الأفندية، ومنهم من كان حظه من اللغات الإفرنجية والعربية معًا ضئيلاً، ومنهم من كان ذا حظ من الثقافة الإفرنجية، وخلوا من العربية أو ضعيفًا. ولم يكن لأكثر هؤلاء رادع من مثل بلاغة العرب الأعلى وهو القرآن ثم ديباجة الشعر الرصين والنثر الرصين، فجسروا من استخدام جند التعبير الدخيل الهجين على شيء كثير.

стр. 2905

جبران نفسه كان يحترم بلاغة البيان العربي الأصيل. ولكن حظه منه كان ضئيلاً. فكان يجتهد ويتعثر. ميخائيل نعيمة كان ذا حظ غير ضئيل من معرفة البيان العربي. ولكنه كان منطويًا على ثورة نفس هدامة، - «والرومنسية» الأوروبية كانت فيها عناصر هدامة، من شواهدها مثلاً قصيدة كلردج (١) Christabel وحسناء كيتس بلا رحمة، وريح شيلي الغربية التي يقول لها: «كوني روحًا لي يأتيها الروح الشرسة»: Be thou, spirit fiercs, My spirit ... . ومنظومة دون جوان لبيرون فيها شر كثير مختبئ تحت براثن ثورة قلب وأنيابها: (مثلاً) I would to heaven that I were so much clay, As I am blood, bone, marrow, passion, feeling- Because at least the past were pasS'd away- And for the future- (but I write this reeling, Having got drunk exceedin today, So that I seem to stand upo s - that I seem to stand upon the ceiling) I say - the future is a serious matter And so for God's sake - hock and soda water وددت بحق السماء أن لو كنت طينًا بقدر ما أنا دم وعظم ونقي وعاطفة وشعور، لأنه على الأقل يكون الماضي قد مضى وتولى، أما المستقبل- (ولكني الآن إذ أكتب أترنح إذ قد أسرفت في الشراب اليوم حتى يخيل لي أنني في السقف واقف) أقول، إن المستقبل أمر خطير لذلك، بالله، هات كأسًا من الصهباء والصودا هذا وأكثر شعراء المهجر تعلقًا بسلاسة الأسلوب إيليا أبو ماضي، وأقربهم إلى المثل الأعلى الذي كانت ترمي إليه طلاب الانتماء المتبادل، واللقاء المتسامح المعتدل تحت رفرفة أجنحة الدين والإلحاد العلائي المهذب والتصوف المتعلق بالطبيعة والحرية المنشودة في ظلال عزة الوطن العربي:

стр. 2906

وطن النجوم أنا هنا ... حدق أتذكر من أنا ألمحت في الماضي البعيـ ... ـد فتى غريرًا أرعنا جذلان يمرح في حقو ... لك كالنسيم مدندنا المقتني المملوك ملـ ... ـعبه وغير المقتني يتسلق الأشجار لا ... ضجرًا يحس ولا ونى ويعود بالأغصان يبـ ... ـريها سيوفا أو قنا ويخوض في وحل الشتا ... متهللاً متيمنًا لا يتقي شر العيو ... ن ولا يخاف الألسنا ولكم تشطين كي يقو ... ل الناس عنه تشيطنا أول هذه الكلمة مذكر بورد زورث- ولكن أولها فقط، وسائر الوصف من تجربة وتذكر وصفات صوادق أنا ذلك الولد الذي ... دنياه كانت ههنا أنا من مياهك قطرة ... فاضت جداول من سنا أنا من ترابك ذرة ... ماجت مواكب من عنى لا يخفي ما ههنا من شعور القومية، وقد مزجه الشاعر بذكرى الطفولة الوردزورثي ثم خلص من ذلك إلى التغني بحسن الطبيعة: حمل الطلاقة والبشا ... شة من ربوعك للدني أي أمريكا والعالم الذي تظن به الحضارة كم عانقت روحي ربا ... ك وصفقت في المنحنى والأرز يهزأ بالريا ... ح وبالدهور وبالفنا ولنعم الأرز لو أبقت عليه الأيدي السواطي- إذ ما أحسب الذي بقي منه الآن بجبال لبنان إلا قليلاً. للبحر ينشره بنو ... ك حضارة وتمدنا لعله يشير هنا إلى حضارة بني كنعان القدماء في صيدًا وصور ومن وراء البحر في أرض تونس والأندلس على عهد حنيبعل العظيم. لليل فيه مصليًا ... للصبح فيه مؤذنًا للشمس تبطئ في ودا ... ع ذراك كيلا تحزنا

стр. 2907

لم يتضح المعنى ههنا- كأنما عنى أن حمرة الشفق فيها معنى من حزن، وما أستبعد أن يكون يشير إلى قول أبي العلاء، وكان إلى «الرومنسية» حبيبًا، على بعده كل البعد عن كل جوانبها إلا الوجدان بعد الوجدان وذلك أمر عن الشعر مما لا ينفصم: وعلى الدهر من دماء الشهيديـ ... ـن علي ونجله شاهدان فهما في أوائل الليل فجرا ... ن وفي أخرياته شفقان أي تبطئ لكيلا تذكرنا بالمأساة التي ذكرها أبو العلاء للبدر في نسيان يكـ ... ـحل بالضياء الأعينا ذكر الضياء هنا مناسب وحسن، إذ الليل في العيون سواد يغم ضياءها، فالبدر يجلوه- فهذا أجود من قول العقاد «بعينيه من ومض الملاحة نور» من حيث حاق تدبير البيان. فيذوب في حدق المها ... سحرًا لطيفًا لينا قوله «لينا» جيد، ينم عن إحساس مرهف، إذ لا يخفي أن في حدق الملاح لينا- وإنما يفطن الفاطن للينه مع السفور الدائم لا حينا بعد حين، إذ ذلك ربما غلب فيه الزهو-[وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا] أو المرح [وتصدفت حتى استبتك- الحادرة] للحقل يرتجل الروا ... ئع زنبقا أو سوسنا كذلك يرتحل هنا جيدة لما فيه من تحويل الخطابة التي تنسب عادة من الشعراء إلى الطير في باب المجاز، إلى النبات هنا، وما يفاجئ به من النواوير والأزاهير مع تتابع أسابيع الدفء بعد برد الشتاء، خصوصًا في بلد يكون كلبنان، يمتد ربيعه من عند سيف البحر إلى حيث يدنو من قمم الثلوج- ولله در البوصيري إذ يقول في مدح الرسول ﷺ : فرحت به البرية القصوى ومن ... فيها وفاضلت الوعور سهولاً وزهت وضاهت حسن لبنان الذي ... لولا كرامة أحمد ما نيلا

стр. 2908

فقد ترى أنه أوشك أن يفضل حسن لبنان على حسن جميع البلاد، وهو بعد المحب للنيل القائل فيه من نفس الكلمة: - إني لأورد ذكره لتعطشي ... فإخال أني قد وردت النيلا والنيل يذكرني كريم بنانه ... فأطيل من شوقي له التقبيلا وقال أبو الطيب: بيني وبين أبي على مثله ... شم الجبال ومثلهن رجاء وجبال لبنان وكيف بقطعها ... وهو الشتاء وصيفهن شتاء فقد جعل رؤوس الجبال عليهن الثلوج تبدو كأنها عدد من أمثال أبي علي هيبة وأمثال رجائه هو الضخم في صور بشرية مشرفات، تخفق عليهن عمائم بيض من ثلج الشتاء- ونرجع إلى نونية أبي ماضي. للعشب أثقله الندى ... للغصن أثقله الجنى هذا من بوانية أبي الطيب: عاش الجمال مشردًا ... في الأرض ينشد مسكنًا حتى انكشف له فألـ ... ـقى رحله وتوطنا واستعرض الفن الجبا ... ل فكنت أنت الأحسنا والخطاب لجبل لبنان كما سيفصح به بعد لله سر فيك يا ... لبنان لم يعلن لنا خلق النجوم وخاف أن ... تغوى العقول وتفتنا فأعار أرزك مجده ... وجلاله كي نؤمنا الفكرة بعيدة المتصيد زعموا سلوتك ليتهم ... نسبوا إلى الممكنا فالمرء قد ينسى المسي ... ء المفتري والمحسنا جئ بالمفتري ليتم بها الوزن، إذ المراد كل مسيء لا المسيء المفتري وحده، أي الذي إساءته أنه افترى وقد لا يكون أساء في غير ذلك. والخمر والحسناء والـ ... ـوتر المرنح والغنا ومرارة الفقر المذ ... ل بلى ولذات الغنى

стр. 2909

لكنه مهما سلا ... هيهات يسلو الموطنا والمعنى هنا خطابي قومي، شبيه بما كان يصنعه حافظ، وفي القصيدة بعد مواضع إحسان لا تخفى وعندي أن هذه النونية أنطق بشاعرية إيليا أبي ماضي من كلمته الرائجة «الطلاسم». جئت لا أعلم من أين ولكن أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيت وسأبقى ماشيًا إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت، كيف أبصرت طريقي: - لست أدري أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود هل أنا حر طليق أم أسير في قيود هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود أتمنى أنني أدري ولكن ... لست أدري وهكذا وهلم جرا ... نغم لين فيه عذوبة الترنم ووضوح الوزن وحسن اختيار للكلمات- ولكن جملة البيان لا تصل بالقلب حقًا إلى كبير شيء. محاولة نزعة معرية الإلحاد خياميته [نسبة إلى رباعيات الخيام التي ترجمها فتزجر الد فأحدث ذلك لها شهرة]- ثم المعاني فقاقيع، مما هو دائر في باب طلب التعمق الفلسفي وليس بعميق.- مع هذا إيليا أبو ماضي من كبار شعراء عصر التجديد وقد حاول بجهد صادق أن ينفي عن دولة الشعر التجديدي كثيرًا مما احتشد فيها من الجند الدخيل الرهيب. الضرب الثالث: «رومنسية» الافندي أصل معنى كلمة الأفندي فيما بلغنا السيد، وكانت تطلق على السلطان وعلى خديوي مصر فيقال أفندينا ويقال لجيش الخديوي «عسكر أفندينا»، ثم صارت الكلمة لقبا للسيد الجديد من المثقفين الذين تسنموا كبار الوظائف، وانعكس في بهائهم بهاء «أفندينا» بهاء «الميري» (أي السلطان وكأنها الأميري بتخفيف الهمزة) وجاهه.

стр. 2910

كان لواء القيادة الفكرية بيد المشايخ والفقهاء. ثم انتقل من هؤلاء إلى كبار الأفندية، علي مبارك، إسمعيل صبري، أحمد شوقي، وهلم جرا- وجاء التعليم النظامي الخالي من أساس القرآن وعلوم الدين والنحو القديمات. القرآن واللغة الآن جزء من برنامج المدرسة مع اللغات الإفرنجية والحساب والجغرافية. وحظ هؤلاء من الاهتمام بهن أكبر إذ تمهيدهن للوظائف ذات الجاه أشد وأوكد. وهكذا أخذت المدارس النظامية تخرج أجيالاً من الأفندية لا يلبسون زي الشيوخ الذي كان يتزيا به العلماء ولكن السترة والبنطلون والكرفتة- الزي الأفرنجي المظهر، لا يميزه في كثير من بلاد المسلمين عن زي الأفرنج إلا الطربوش على الرأس. وقد ترك هذا من بعد، في أكثر البلاد. كان حظ الأفندي الجديد من علم العربية أول الأمر لا بأس به، إذ كان لدروس تطبيق النحو والإنشاء فيه مكان. ولكن التنافس على الوظائف من بعد وزيادة عدد المتسابقين عليها جرت إلى ما قدمنا ذكره من تدهور العناية بالعربية وموادها وعلوم الدين ودرس القرآن. وتصدى الأفندية المثقفون بثقافة الإفرنج من أجل الوظائف لحمل ألوية القيادة الفكرية التي صارت إليهم من جيل أوائل النهضة. وعلى رأسها الأدب والشعر إن لم يكن أهم أبوابه فإن أهميته ما زالت بالغة. وقد كان للعلماء العارفين باللغة نحوها وصرفها ميراث من سلطانهم القديم. إلا أنه الآن قد زعزعه أمران- حملة أوائل دعاة التجديد المتطرفين على شوقي وأصحابه الذين انتزعوا لواء دولة الشعر من المشايخ، ثم ما جعل يغلب من جهل دقائق اللغة، جهلاً جعل يزين لكثير من جيل الأفندية الجديد التنكر لقديمها والثورة على قواعدها. جيل الأفندية الجديد، ولا سيما طبقته التي تغلغلت فيما ظنته في صميم حضارة أوروبا من طريق المهن الكبرى كالطب والهندسة والقانون والتخصصات العالية المستوى في الإدارة والجيش والتدريس العصري، جعل يعد نفسه طليعة التقدم، والطرف اللاحق بأوروبا من هذا العالم الذي انتماؤه، حق انتمائه، إليه، ولكنه متخلف يا للأسف. ومن عند ههنا أجاز لنفسه من جسارة التعدي على أساليب الفصاحة ما لم يكن يجيزه جيل من اقتدوا بشوقي وحافظ- أجاز ذلك باسم الثورة على القديم، والتجديد
следующие страницы →