الألفات تصحبها موسيقا منتشية مرحة:
فبتلك إذ رقص اللوامع باضحا ... واجتاب أردية السراب إكامها
أقضى اللبانة لا أفرط ريبة ... أو أن يلوم بحاجة لوامها
وتلك إشارة للناقة. ثم أخذ في الفخر:
أو لم تكن تدري نوار بأنني ... وصال عقد حبائل جذامها
تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها
يعني أو يرتبطني الحمام - هكذا فسره المعري في رسالة الغفران (١).
بل أنت لا تدري كم من ليلة ... طلق لذيذ لهوها وندامها
قد بت سامرها وغاية تاجر ... وافيت قد رفعت وعز مدامها (٢)
ولقد حميت الخيل تحمل شكتي ... فرط وشاحي إذ غدوت لجامها (٣)
فعلوت مرتقبًا على ذي هبوة ... حرج إلى أعلامهن قتامها (٤)
حتى إذا ألقت يدًا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها (٥)
أسهلت وانتصبت كجذع منيفة ... جرداء يحصر دونها جرامها (٦)
стр. 317
رفعتها طرد النعام وفوقه ... حتى إذا سخنت وخف عظامها
قلقت رحالتها وأسبل نحرها ... وابتل من زبد الحميم حزامها
تأمل موسيقا هذا البيت الأخير، مداته وحركاته، والشدة في قوله: "وابتل" التي كأنما أراد الشاعر أن يؤكد بها رنة كلامه ونغمة. والحاءات المتتابعة التي تكاد تسمع منها أنفاس الفرس-. هذا وأبيك السحر، وصقال الذوق والفكر. هذا وسائر هذه المعلقة رائع باهر ولا سيما من ناحيتي الوزن واللفظ. ولعل أضعف ما فيها أبيات الفخر القبلي التي ختم بها المعلقة من قوله: "إنا إذا التقت المجامع" إلى آخر كلامه. ومن عجب أن هذه الأبيات هي التي يختارها المختارون لطلبة المدارس من دون سائر أبيات القصيدة.
ولعل فيما ذكرناه من معلقة لبيد قدرًا كافيًا يوضح منهجه في الكامل من استعمال الرصانة والقوة والفخامة والشدة.
والطريقة الأخرى، وهي طريقة الرقة واللطافة، والتغني العذب، تجدها من شعراء الجاهلية عند عنترة في معلقته:
هل غادر الشعراء من متردم
فهي تكاد تذوب لطفًا، والتغني فيها مرح سلس منطلق خفيف، حتى لتوشك تظن أن الشاعر يترشف الألفاظ ترشفًا - ونكتفي في الاستشهاد بذكر طرف من ميمته في صفة الروضة - قال:
إذ تستبيك بذي غروب واضح ... عذب مقبله لذيذ الطعم
وكأن فارة تاجر بقسيمة ... سبقت عوارضها إليك من الفم
أو روضة أنفا تضمن نبتها ... غيث قليل الدمن ليس بمعلم
جادت عليها كل بكر حرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم
стр. 318
سحًا وتسكابا فكل عشية ... يجري عليها الماء لم يتصرم
وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردًا كفعل الشارب المترنم
هزجًا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم
ومما لاحظته بعد طول استقراء من الاختلاف اللفظي بين طريقتي عنترة ولبيد -لا في شعرهما فحسب- ولكن في شعر من اتبعوهما أيضًا، أن مذهب عنترة يغلب عليه استعمال المصادر الثلاثية من نوع "فَعْل" و"فَعَل"، والصفات الثلاثية من طراز "حسن" و"فرح"، والأفعال التي بمجراها نحو: "ضربا" و"ضربت"، والأسماء التي بمجراها نحو: "نخلة" و"كلم"، وكل ما كان على "فعلة" أو "فَعَل" أو "فَعْل"، وما عليك إلا أن تتأمل أبيات عنترة هذه لتجد مصداق ما أقول. ولا أعني أن أصحاب القوة كلبيد لا يكثرون من نحو هذه الألفاظ ولكنها عند عنترة وأصحابه أكثر.
ومن نظر في شعر جرير والفرزدق من الإسلاميين وجد مصداق ما أقول وما عليه إلا أن يقرأ كلمتي جرير (١):
أهوى أراك برامتين وقودا ... أم بالجنينة من مدافع أودا
و: حي الغداة برامة الأطلالا ... رسمًا تحمله أهله فأحالا (٢)
وكلمتي الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول (٣)
стр. 319
وقوله:
لا قوم أكرم من تميم إذ غدت ... عوذ النساء يسقن كالآجال (١)
على أن جريرًا أصدق في مذهب الرقة من الفرزدق في مذهب الفخامة. إذ الفرزدق ميال إلى الهزل والفكاهة. ولولا أن لي هذين الشاعرين عودة في موضع آخر لأكثرت لك من الاختيار منهما أيها القارئ الكريم. على أني لا أملك إلا أن أنشدك هذه الأبيات من الفرزدق، فإنني أستحسنها جدًا:
تبكي المراغة بالرغام على ابنها ... والناهقات ينحن بالإعوال
قالوا لها احتسبي جريرًا إنه ... أودى الهزبر به أبو الأشبال
ألقى عليه يديه ذو قومية ... ورد فدق مجامع الأوصال (٢)
قد كنت لو نفع النذير نهيته ... ألا يكون فريسة الرئبال
إني رأيتك إذ أبقت فلم تئل ... خيرت نفسك من ثلاث خلال (٣)
بين الرجوع إلى وهي فظيعة ... في فيك مدنية من الآجال (٤)
أو بين حي أبي نعامة هاربًا ... أو اللحاق بطيء الأجبال (٥)
ولقد هممت بقتل نفسك خاليا ... أو الفرار إلى سفين أوال
فالآن يا ركب الجداء هجوتكم ... بهجائكم ومحاسب الأعمال (٦)
وإني لأعجب للفرزدق كيف شبه نفسه بالأسد. وانظر إلى تهويله "ذو قومية" "دق مجامع الأوصال" .. ولا عجب، فقد لقي الرجل الأسد وخاف منه
стр. 320
خوفًا شديدًا ولا شك أنه كان يصف ذلك الأسد الذي أفزعه في أبياته هذه التي يهول بها على جرير.
وأصدق من الفرزدق في اتباع مذهب الفخامة اللبيدي، عبيد بن حصين الراعي في كلمته المجمهرة:
ما بال دفك بالفراش مذيلا ... أقذى بعينك أم أردت رحيلا (١)
لما رأت أرقي وطول تلددي ... ذات العشاء وليلى الموصولا
قالت خليدة ما عراك ولم تكن ... أبدًا إذا عرت الشئون سئولا
أخليد إن أباك ضاف وساده ... همان باتا جنبه ودخيلا
وقال في الإبل والورد فأحسن ما شاء:
في مهمه قلقت به هاماتها ... قلق الفئوس إذا أردن نصولا
يتبعن مائرة اليدين شملة ... ألقت بمنخرق الرياح سليلا (٢)
جاءت بذي رمق لستة أشهر ... قد مات أو حب الحياة قليلا
لا يتخذن إذا علون مفازة ... إلا بياض الفرقدين دليلا
حتى وردن لتم خمس بائص ... جدا تعاوره الرياح وبيلا (٣)
سدمًا إذا التمس الدلاء نطافه ... صادفن مشرفة المتان زحولا (٤)
جمعوا أقوى مما تضم رحالهم ... شتى النجار ترى بهن وصولا
فسقوا صوادي يسمعون عشية ... للماء في أجوافهن صليلا (٥)
стр. 321
لا أدفع أن أسلوب الراعي دون أسلوب لبيد في شدة الأسر، ولكنه متأخر عن لبيد بزمان، وإذا قيس كلامه بكلام صاحبيه جرير والفرزدق وجد أشد أسرًا منهما.
على أنه في هذه الأبيات أحسن في الوصف كل الإحسان. ويعجبني بخاصة تشبيه لرؤوس الإبل المعيية بالفئوس تريد النصول، ثم فصاحته في قوله: "حب الحياة قليلا" أي خرج من الرحم حيًا مدة وجيزة من الزمن. ثم يعجبني جدًا وصفه الرائع للبئر المهجورة البعيدة الغور، والحبل المرتجل الذي صاغه ركبان القافلة من عقل بعرانهم ونحو ذلك مما يشدون به أمتعتهم.
ومن خير ما جاء في هذه القصيدة، خطاب الراعي لعبد الملك بن مروان، فهو كلام جليل نبيل في معناه ولفظه، وذلك حيث يقول:
أخليفة الرحمن إنا معشر ... حنفاء نسجد بكرة وأصيلا
عرب نرى الله في أموالنا ... حق الزكاة منزلا تنزيلا
إن السعاة عصوك يوم أمرتهم ... وأتوا دواهي لو علمت وغولا
أخذوا الكرام من العشار غلبة ... ظلمًا ويكتب للأمير أفيلا (١)
أخذوا العريف فقطعوا حيزومه ... بالأصبحية قائمًا مغلولا
حتى إذا لم يتركوا لعظامه ... لحمًا ولا لفؤاده معقولا (٢)
جاءوا بكهم وأحدب أسأرت ... منه السياط يراعة إجفيلا (٣)
نسي الأمانة من مخافة لقح ... شمس تركن بضيعه مجزولا (٤)
стр. 322
أخذوا حمولته وأصبح قاعدًا ... لا يستطيع عن الديار حويلا
يدعو أمير المؤمنين ودونه ... خرق تجر به الرياح ذيولا
أخليفة الرحمن إن عشيرتي ... أمسى سوامهم عزين فلولا (١)
قوم على الإسلام لما يمنعوا ... ما عونهم ويضيعوا النهليلا
قطعوا اليمامة يطردون كأنهم ... قوم أصابوا ظالمين قتيلا
وأتاهم يحيى فشد عليهم ... عقدًا يراه المسلمون ثقيلا (٢)
كتبًا تركن غنيهم ذا عيلة ... بعد الغنى وفقيرهم مهزولا
فتركت قومي يقسمون أمورهم ... أإليك أم يتربصون قليلا
هذا الكلام من خير ما قيل في الكامل، ومن أنسب ما نظم فيه. وحق الكامل ألا ينظم فيه -فيما عدا التغني المحض- إلا نحو هذا الكلام الذي تكون فيه العاطفة ناصعة واضحة - وأي شيء أوضح من غضبة الراعي هنا، وشكواه من الظلم, ونفوره منه، ومجابهة الخليفة بذم سعاته وفسادهم، وذكر ما يرتكبونه من الجرائم والآثام.
ومن شعراء المحدثين الأوائل من ضرب في الكامل الفخم بسهم وافر كمروان ابن أبي حفصة، ومن أخفق كأبي نواس، فقد كان لا يحسن التغني بالألفاظ مرسلة في بساطة أو فخامة. وأبو تمام قد سبق الحديث عنه ومذهبه -إن صحت الموازنة- لبيدي لما يغلب عليه من التفخيم وشدة الأسر، على أني لا أملك إلا أن أكرر هنا أنه انفرد بمذهب وحده.
والبحتري شاعر اللطف والرقة غير مدافع. وإن صح أن يوصف عنترة بأنه رقيق أصحاب المعلقات. فالبحتري رقيق الشعراء المحدثين جميعهم، وأطبعهم
стр. 323
وأسلسهم من غير خروج عن مذهب المتانة في السبك، واتباع المنهج الفصيح في تقعيد الكلام. ولكامله رنين قل أن تجد نظيره عند غيره من الشعراء. نغم رنان تنساب معه الألفاظ انسيابًا. فإذا عنت الصورة الجميلة أو الخاطر الشعري الرائع، وافاك ذلك كالبرق الخاطف حتى تكاد تسأل نفسك: أصدق هذا أم أنا مسحور؟
ولن تجد شاعرًا يفتن كما يفتن البحتري في استغلال الثلاثيات من الكلمات، واستعمال المصادر المنونة، وألفات المد، وحروف الإشباع، كل ذلك في سلاسة وخفة ورشاقة. وما أبدع ما قال عنه ابن الأثير أنه أراد أن يشعر فغنى تأمل قوله في الخيال (١):
لازال محتفل الغمام الباكر ... يهمي على حجرات أعلى الحاجر
فلرب أطلال هناك محيلة ... ومحلة قفر ورسم داثر
أبهت لساكنها النوى وتكشفت ... عن أهلها سنة الزمان الناضر
ولقد تكون بها الأوانسر من مهاً ... ميل القلوب إلى الصبا وجآذر
أخيال علوة كيف زرت وعندنا ... أرق يشرد بالخيال الزائر
ومن هنا يبدأ الشعر المحض الخالص:
طيف ألم بنا ونحن بمهمه ... مرت يشق على الملم الخاطر
أفضى إلى شعث تطير كراهم ... روحات قود كالقسي ضوامر
حتى إذا نزعوا الدجى وتسربلوا ... من فضل هلهلة الصباح الغائر
ورموا إلى الشعب الرحال بأعين ... يكسرن من نظر النعاس الفاتر
أهوى فأسعف بالتحية خلسة ... والشمس تلمع في جناح الطائر
سرنا وأنت مقيمة لربما ... كان المقيم علاقة للسائر
стр. 324
أي ربما كان المقيم -مع إقامته- رفيقًا للسائر ومتصلًا به.
إما انجذبن بنافكم من عبره ... تثنى إليك لفتة من ناظر
بالله قل لي هل تجد هنا إلا نغمًا صافيًا غير مشوب، ولفظًا يصل صليل الحلي في أيدي الغواني، ألا تجد قوله: "والشمس تلمع في جناح الطائر" يبهر أنفاسك وسط هذا النشيد العذب الراقص؟ أم لا تجد قوله "من فضل هلهلة الصباح الغائر" نشوة مثلت لفظًا؟ (١)
واقرأ معي قوله يمدح إسحق بن إبراهيم بن مصعب، وكان حاجب الخليفة، وسيدًا ذا خطر عظيم في دولة المعتصم والواثق بعده (٢):
ورمت بنا سمت العراق أيانق ... سحم الخدود لغامهن الطحلب
من كل طائرة بخمس خوافق ... دعج كما ذعر الظليم المهذب (٣)
ركبوا الفرات إلى الفرات وأملوا ... جذلان يبدع في السماح ويغرب
أتخال أن حجرًا لو حرك بمثل هذا القول ما كان يتحرك؟ إني لأحسب أن
стр. 325
إسحق بن مصعب على صلابته طرب لهذا المدح المرقص وأثاب عليه فأجزل. قال أبو عبادة:
في غاية طلبت فقصر دونها ... من رامها فكأنها ما تطلب
كرمًا يرجى فيه ما لا يرتجى ... عظمًا ويوهب فيه ما لا يوهب
أعطى فقيل أحاتم أم خالد ... ووفي فقيل أطلحة أم مصعب
أما حاتم فمعروف، وخالد هو ابن نضلة الأسدي، وكان من السادة الأجواد وطلحة ومصعب من أجداد الممدوح، ولذلك قال:
شيخان قد سفرا لقائم هاشم ... قبل الخلافة وهي بكر تخطب
نقضا برأيهما الذي سدى به ... لبني أمية ذو الكلاع وحوشب
وهذان كانا من علية أصحاب معاوية، ومن سادة اليمن، وكلاهما قتل بصفين.
فهما إذا خذل الخليل خليله ... عضد لملك بني الولي ومنكب
وعلى الأمير أبي الحسين سكينة ... في الروع يسلكها الهزبر الأغلب
ولحربة الإسلام حين يهزها ... هول يهال له النفاق ويرعب
ولا إخالك فاتك أيها القارئ مكان الكلمات الثلاثية من موسيقا البحتري، وأنبهك عليها خاصة فيما يلي:
تلك المحمرة الذين تهافتوا ... فمشرق في غيه ومغرب
والخرمية إذ تجمع منهم ... بحبال قران الحصى والإثلب
جاشوا فذاك الغور منهم سائل ... دفعا وذاك النجد منهم معشب
يتسرعون إلى الحتوف كأنها ... وفر بأرض عدوهم يتنهب
стр. 326
حتى إذا كادت مصابيح الهدى ... تخبو وكاد ممره يتقضب
ضرب الجبال بمثلها من عزمه ... غضبان يطعن في الحمام ويضرب
أوفى فظنوا أنه القدر الذي ... سمعوا به فمصدق ومكذب
ناهضتهم والبارقات كأنها ... شعل على أيديهم تتلهب
ووقفت مشهور المقام كريمة ... والبيض تطفو في الغبار وترسب
ما إن ترى إلا توقد كوكب ... في قونس قد غار فيه كوكب
فمجدل ومرمل وموسد ... ومضرج ومضمخ ومخضب
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا
ولو أنهم ركبوا الكواكب لم يكن ... لمجدهم من أخذ بأسك مهرب
أنظر إلى هذه الكافات والألفات كيف يقرع بعضها بعضًا كأنها أكؤس شرب.
وشددت عقد خلافتين خلافة ... من بعد أخرى والخلائف غيب
حين التوت تلك الأمور ورجمت ... تلك الظنون وماج ذاك الغيهب
وتجمعت بغداد ثم تفرقت ... شيعًا يشيعها الضلال المصحب
فأخذت بيعتهم لأزكي قائم بالسيف إذ شغبوا عليك وأجلبوا
الله أيدكم وأعلى ذكركم ... بالنصر يقرأ في السماء ويكتب
ولأنتم عدد الخليفة إن غدا ... أو راح منها مجلس أو موكب
والسابقون إلى أوائل دعوة ... يرضى لها رب السماء ويغضب
ومظفرون إذا استقل لواؤهم ... بالعز أدرك ربه ما يطلب
جد يفوت الريح في طلب العدا ... سبقًا إذا ونت الجدود الخيب
ما جهزت لمخالف راياتكم ... إلا تهدم كهفه المستصعب
وإذا توثب خالع في جانب ... ظلت عليه سيوفكم تتوثب
وإذا تأملت الزمان رأيته ... دولًا على أيديكم تقلب
стр. 327
وقال في مطلع قصيدة رقيقة (١):
عهد لعلوة باللوى قد أشكلا ... ما كان أحسن مبتداه وأجملا
أنسى ليالينا هناك وقد خلا ... من لهونا في ظلها ما قد خلا
عيش غرير لو ملكت لما مضى ... ردًا إذًا لرددته مستقبلا
لاموا على ليلي الطويل وكلما ... عادوا بلوم كان ليلي أطولا
اتبع هواك إلى الحبيب فإنه ... رشد وخل لعاذل أن يعذلا
والله لا أسلو ولو جهد الذي ... يلحى وما عذر المحب إذا سلا؟
أحيا الرجاء ورد عادية الجوى ... قول الذي أهوى نعم من بعد لا
ومزاجه كأسي بريقته التي ... ثلجت فؤاد محبه فتبللا
لا تعجبي لمعشق أن يرعوي ... عن هجره ولعاشق أن يوصلا
هذا عتب ولكنه حلو لذيذ:
بتناولي قمران وجه مساعدي ... والبدر إذ وافى التمام وأكملا
لاحت تباشير الخريف وأعرضت ... قطع الغمام، وشارفت أن تهطلا
فترو من شعبان إن وراءه ... شهرًا يمانعنا الرحيق السلسلا
وقال ﵀ يرثى أبا سعيد الثغري:
انظر إلى العلياء كيف تضام ... ومآتم الأحساب كيف تقام
وضعت سروج أبي سعيد واغتدت ... أسيافه دون العدو تشام
خبر ثني ركب الركاب ولم يدع ... للركب وجه ترحل فأقاموا
ورزيئة حمل الخليفة شطرها ... والمسلمون وشطرها الإسلام
стр. 328
من يعتفي العافي بهمته ومن ... يحدو إليه المعتم المعتام
أين السجاب الجود والقمر الذي ... يجلو الدجى والضيغم الضرغام
أين العبوس المشمئز إذا رأى ... جنفا وأين الأبلج البسام
سكن العلا أودى فهن ثواكل ... وأبو العفاة ثوى فهم أيتام
لا يهنأ الروم استراحتهم فقد ... هدأوا بأفواه الدروب وناموا
أمنوا وما أمنوا الردى حتى انطوى ... في الترب ذاك الكر والإقدام
يا صاحب القبر المقيم بمنزل ... ما للأنيس بحجرتيه مقام
قبر تكسر فوقه سمر القنا ... من لوعة وتشقق الأعلام
ملآن من كرم فليس يضره ... مر السحاب عليه وهو جهام
نستقصر الأكباد وهي قريحة ... ونذم فيض الدمع وهو سجام
فعليك يا حلف الندى وعلى الندى ... من ذاهبين تحية وسلام
وبرغم أنفي أن أراك موسدا ... يد هالك والشامتون نيام
ما كنت أحسب أن عزك يرتقي ... بالنائبات ولا حماك يرام
قد عدت فيه الحوادث طورها ... وتجاوزت أقدارها الأيام
فاذهب كما ذهبت بساطع نورها ... شمس النهار وأعقب الإظلام
فهذه مناحة ليس إلا، ولكنها من النوع الرنان العالي، ولأبي عبادة من الكامل روائع هي من فرائد الشعر العربي بلا أدنى ريب. وليس ما اخترنا له من مفردات كلماته. ولكنها فيما نرى نهجه السهل الممتنع في تعاطي الكامل. ومن أجود ما نظمه البحتري في هذا الوزن وأحلاه قصائده:
رحلوا فأية عبرة لم تسكب ... أسفًا وأي عزيمة لم تغلب (١)
стр. 329
و:
أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر ... وألام في كمد عليك وأعذر (١)
و:
لو كان يعتب هاجر في واصل ... أو يستقاد لمغرم من ذاهل (٢)
و:
أأفاق صب من هوى فأفيقا ... أم خان عهدا أم أطاع شقيقا (٣)
ويعجبني من هذه الأخيرة قوله في الخلافة:
قد ردها زيد بن حصن بعدما ... نشروا عليه رداءها المشقوقا
بالنهروان وعاهدوه أمامه ... ورقًا هناك من الحديد رقيقا
لم يرضها لما اجتلاها صعبة ... لم ترضه خدنًا لها ورفيقة
لو واصلت أحدًا سوى أصحابها ... منهم لكان لها أخًا وصديقا
وليرجع إلى هذه القصائد جميعًا وكثير سواها من الكامليات في ديوانه، فإنها من عيون الشعر العربي.
وقد اقتفى نهج البحتري في التغني من المتأخرين جماعة، نذكر منهم على سبيل المثال السري الرفاء، فقد قال من كلمة له يهجو بها الخالديين، وكان ينهمهما بسرقة أشعاره وأشعار غيره من المحسنين، وكان بلغه أنهما يريدان بغداد، فكتب يحذر
стр. 330
المفضل بن ثابت الضي منهما (١):
بكرت عليك مغيرة الأعراب ... فاحفظ ثيابك يا أبا الخطاب
ورد العراق ربيعة بن مكدم ... وعتيبة بن الحارث بن شهاب
أفعندنا شك بأنهما هما ... في الفتك لا في صحة الأنساب
جلبا إليك الشعر من أوطانه ... جلب التجار طرائف الأجلاب
فبدائع الشعراء فيما جهزا ... مقرونة بغرائب الكتاب
شنا على الآداب أقبح غارة ... جرحت قلوب محاسن الآداب
لا يسلبان أخا الثراء وإنما ... يتناهبان نتائج الألباب
إن عز موجود الكلام عليهما ... فأنا الذي وقف الكلام ببابي
أو يهبطا من ذلة فأنا الذي ... ضربت على الشرف المطل قبابي
كم حاولا أمدي فطال عليهما ... أن يدركا إلا مثار ترابي
عجز ولن تقف العبيد إذا جرت ... يوم الرهان مواقف الأرباب
ولقد حميت الشعر وهو لمعشر ... ذم سوى الأسماء والألقاب
وضربت عنه المدعين وإنما ... عن حوزة الآداب كان ضرابي
فغدت نبيط الخالدية تدعي ... شعري وترفل في حبير ثيابي
قوم إذا قصدوا الملوك لمطلب ... نقضت عمائمهم على الأبواب
من كل كهل تستطير سباله ... لونين بين أنامل البواب
مغض على ذل الحجاب يرده ... دامي الجبين تجهم الحجاب
ومفوهين تعرضا لحرابتي ... فتعرضت لهما صدور حرابي
نظرا إلى شعر يروق فتربا ... منه خدود كواعب أتراب
شرباه فاعترفا له بعذوبة ... ولرب عذب عاد سوط عذاب
стр. 331
في غارة لم تنثلم فيها الظبى ... ضربًا ولم تند القنا بخضاب
تركت غرائب منطقي في غربة ... مسبية لا تهتدي لإياب
جرحى وما ضربت بحد مهند ... أسرى وما حملت على الأقتاب
لفظ صقلت متونه فكأنه ... في مشرقات النظم در سحاب
وكأنما أجريت في صفحاته ... حر اللجين وخالص الزرياب
أغربت في تحبيره فرواته ... في نزهة منه وفي استغراب
وقطعت فيه شبيبة لم تشتغل ... عن حسنه بصبا ولا بتصاب
وإذا ترقرق في الصحيفة ماؤه ... عبق النسيم فذاك ماء شبابي
يصغي اللبيب له فيقسم لبه ... بين التعجب منه والإعجاب
جد يطير شراره وفكاهة ... تستعطف الأحباب للأحباب
أعزز علي بأن أرى أشلاءه ... تدمي بظفر للعدو وناب
أفن رماه بغارة مأفونة ... باعت ظباء الروم للأعراب (١)
إني أحذر من يقول قصيدة ... غراء خدني غارة ونهاب
فهذا كلام غاية في الحسن، فيه ما شئت من ظرف وفكاهة، وما شئت من سلاسة وصفاء في الديباجة، على أن السري الرفاء لا يكاد يلحق بطرف من إبداع البحتري في ناحية التغني والإطراب اللفظي.
ومما يعجبني في هذه القصيدة جدًا نعته لشعره، ثم اتباعه هذا النعت الجيد بوصف ما آلت إليه عرائس أفكاره بعد أن هتك الخالديان أستارها وشوها محاسنها بالاختلاس والتعدي.
والحديث عن البحر الكامل لا يجوز أن يختم من غير أن نذكر شيئًا عن
стр. 332
محمد بن هانئ الأندلسي والشريف الرضي. أما محمد بن هانئ فكان يكثر منه، وكان يسلك مسلكم الفخامة يخلطه بكثير من الصناعة اللفظية ومحاكاة أهل الترقيق. وقد يخيل لك أن المبالغة أظهر عناصر شعره، وأنه ليس تحت كلامه من طائل سوى الجلبة والرنين، وهذا كان رأي أبي العلاء المعري فيه. ولعمري إن هذا وحده -إن سلمنا ليس لابن هانئ من الإجادة نصيب سواه- ليس مما يحتقر. وبحسبي هنا أن أورد طرفًا من كلمة له رائية اختارها له ياقوت في كتابه إرشاد الأريب (معجم الأدباء). قال يمدح المعز (١):
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدكم فلق الصباح المسفر
وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر
وضربتم هام الكماة ورعتم ... بيض الخدور بكل ليث مخدر
أبني العوالي السمهرية والسيو ... ف المشرفية والعديد الأكثر
من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبع في حمير
القائد الخيل العتاق شوازبًا ... خزرًا إلى لحظ السنان الأخزر (٢)
شعث النواصي حشرة آذانها ... قب الأياطل داميات الأنسر (٣)
تنبو سنابكهن عن عفر الثرى ... فيطأن في خد العزيز الأصعر
ألا تجد لهذا الكلام طنةً ورنة؟ أم لا تسمع فيه أجراسًا تصلصل، ودفوفًا تنقر، وجلبة تكاد تمثل لك رقص الخيل في معرض حربي؟
جيش تقدمه الليوث وفوقه ... كالغيل من قصب الوشيج الأسمر
стр. 333
وكأنما سلب القشاعم ... مما يشق من الغبار الأكدر
وكأنما شملت قناه ببارق ... متألق أو عارض مثعنجر (١)
تمتد ألسنة الصواعق فوقه ... عن ظلتي مزن عليه كنهور (٢)
ويقوده الليث الغضنفر معلما ... في كل شئن اللبدتين غضنفر
في فتية صدأ الدروع عبيرهم ... وخلوقهم علق النجيع الأحمر (٣)
لا يأكل السرحان شلو طعينهم ... مما عليه من القنا المتكسر (٤)
أنسوا بهجران الأنيس كأنهم ... في عبقري البيد جنة عبقر
قوم يبيت على الحشايا غيرهم ... ومبيتهم فوق الجياد الضمر
وتظل تسبح في الدماء قبابهم ... فكأنهن سفائن في أبحر
من كل أهرت كالح ذي لبدة ... أو كل أبيض واضح ذي مغفر (٥)
لي منهم سيف إذا جردته ... يومًا ضربت به رقاب الأعصر
وفتكت بالزمن المدجج فتكة البراض يوم هجائه ابن المنذر (٦)
صعب إذا نوب الزمان استصعبت ... متنمر للحادث المتنمر
فإذا عفا لم تلق غير مملك ... وإذا سطا لم تلق غير مظفر
فهذا كلام مرقص. ولفظ ابن هانئ فخم فيه جنوح إلى اللبيدية. غير أن إنشاده ينظر من بعد ومن قرب إلى البحتري، فتراه يكثر من التقسيم والثلاثيات،
стр. 334
ويستكثر من رد بعض كلمات الصدر على العجز، ثم هو يستعمل الطباق على مذهب أبي تمام. وكل ذلك تجده يتدفق منه طبعًا وبلا تكلف. وقد كان الرجل ﵀ من الموهوبين ولا أمتري أنه لو كانت تقدمت به السن لصار ذا شأن عظيم.
ومذهب الشريف الرضي واضح الفخامة تغلب عليه صيغة الخطابة. وكاملياته الجياد كثيرة نحو:
لمن الحدوج تهزهن الأينق ... والركب يطفو في السراب ويغرق
وهو مشهورة. ونخص من كاملياته بالذكر هنا، قصيدته في رثاء الصاحب بن عباد (٣٨٥ هـ) وأبي إسحق الصابي (٣٨٤ هـ) فقد أجاد فيهما ولا سيما الثانية. وله فيهما طريقة فذة أظنه بناها على نهج البحتري في كلمته:
أرأيت للعلياء كيف تضام ومواسم الأحساب كيف تقام وقد قلده في هذه الطريقه أبو العلاء المعرى في كلمته:
أودى فليت الحادثات كفاف ... مال المسيف وعنبر المستاف
وأظن أبا العلاء فعل ذلك تأدبًا مع الشريف لا تعمدًا لمحاكاته. وهذا حين نبدأ في الاختيار من كلام الشريف. قال يرثي الصاحب بن عباد (١):
أكذا المنون تقطر الأبطالا ... أكذا الزمان يضعضع الأجيالا
أكذا تصاب الأسد وهي مدلة ... تحمي الشبول وتمنع الأغيالا
أكذا تغاض الزاخرات وقد طغت ... لججًا وأوردت الظماء زلالا
يا طالب المعروف حلق نجمه ... حط الحمول وعطل الأجمالا
وأقم على يأس فقد ذهب الذي ... كان الأنام على نداه عيالا (٢)
стр. 335
من كان يقري الجهل علمًا ثاقبًا ... والنقص فضلا والرجاء نوالا
ويجبن الشجعان دون لقائه ... يوم الوغى ويشجع السؤالا
خلع الردى ذاك الرداء نفاسة ... عنا وقلص ذلك السربالا
خبر تمخض بالأجنة ذكره ... قبل اليقين وأسلف البلبالا
حتى إذا جلى الظنون يقينه ... صدع القلوب وأسقط الأحمالا
هذان البيتان لم نخترهما لجودتهما ولكن لما فيهما من الإغارة الجريئة على قول المتنبي:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت منه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
وفضل المتنبي ظاهر، على ما يشين كلام الشريف من التزيد والمبالغة، ولكنه أحسن حين قال:
الشك أبرد للحشى في مثله ... يا ليت شكى فيه دام وطالا
جبل تسنمت البلاد هضابه ... حتى إذا ملأ الأقالم زالا (١)
يا طود كيف وأنت عادي الذرى ... ألقى بجانبك الردى زلزالا
ما كنت أول كوكب ترك الدنى ... وسما إلى نظرائه فتعالى
لا رزء أعظم من مصابك إنه ... وصل الدموع وقطع الأوصالا
يا آمر الأقدار كيف أطعتها ... أو ما وقاك جلالك الآجالا
هلا أقالتك الليالي عثرة ... يا من إذا عثر الزمان أقالا
وأرى الليالي طارحات حبالها ... تستوهق الأعيان والأرذالا
صلى عليك الله من متوسد ... بعد المهاد جنادلًا ورمالا
стр. 336
كسف البلى الهلال المجتلى ... وأجر ذاك المقول الجوالا (١)
قد كنت آمل أن أراك فأجتني ... فضلًا إذا غيري جنى إفضالا
وأفيد سمعك منطقي وفضائلي ... وتفيدني أيامك الإقبالا
وأعد منك لريب دهري جنة ... تثني جنود خطوبه أفلالا
فطواك دهرك طي غير صيانة ... وأعاد أعلام العلا أغفالا
ودالية الشريف في الصابي أجود بكثير من لاميته في الصاحب. والسبب في ذلك بين فقد كان الشاعر يرثي في الصاحب فضله ومروءته واتساع داره لأهل الأدب ورعايته لهم من غير ما معرفة له، كما تدلنا على ذلك أبياته الأخيرة. أما الصابي فقد رثاه بعد معرفة وحب فجاءت كلمته فيه صرخة قلب جريح ودمعة طرف قريح. قال مستهلًا بالاستفهام كما فعل في اللامية (ولا بد من التنبيه هنا على أن اللامية متأخرة عن الدالية في النظم، وموت الصاحب كان بعد موت الصابي) (٢):
أعلمت من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا ضياء النادي
جبل هوى لو خر في البحر اغتدى ... من وقعه متتابع الأزباد
ما كنت؟ ؟ ؟ قبل دفنك في الثرى ... أن الثرى يعلو على الأطواد
هذا البيت ضعيف وهو مسلوخ من قول أبي الطيب (٣):
ما كنت أعلم قبل دفنك في الثرى ... أن الكواكب في التراب تغور
رجع الحديث:
стр. 337
بعدًا ليومك في الزمان فإنه ... أقذى العيون وفت في الأعضاد
لا ينفد الدمع الذي يبكى له ... إن القلوب له من الأمداد
كيف انمحى ذاك الجناب وعطلت ... تلك الفجاج وضل ذاك الهادي
هذا التقسيم ينظر من بعد إلى تقسيم البحتري:
حين التوت تلك الأمور ورجمت ... تلك الظنون وماج ذاك الغيهب
رجع:
طاحت بتلك المكرمات طوائح ... وعدت على ذاك الجلال عواد
قالوا أطاع وقيد في شطن الردى ... أيدي المنون ملكت أي قيا (١)
هذا أبو إسحق يغلق رهنه ... هل ذائد أو مانع أو فادي
لو كنت تفدي لافتدتك فوارس ... مطروا بعارض كل يوم طراد
وإذا تألق بارق لوقيعة ... والخيل تفحص بالرجال بداد
سلوا الدروع من العياب وأقبلوا ... يتحدثون على القنا المياد (٢)
لكن رماك مجبن الشجعان عنه ... إقدامهم ومضعضع الأنجاد
والدهر تدخل نافذات سهامه ... مأوى الصلال ومربض الآساد
ألقى الجران على عنطنط حمير ... فمضى ومد يدًا لأحمر عاد (٣)
أعزز علي بأن أراك وقد خلت ... من جانبيك مجالس العواد
أعزز علي بأن أراك بمنزل ... متشابه الأمجاد والأوغاد
أعزز علي بأن يفارق ناظري ... لمعان ذاك الكوكب الوقاد
في عصبة جنبوا إلى آجالهم ... والدهر يعجلهم عن الإرواد (٤)
стр. 338
ضربوا بمدرجة الفناء قبابهم ... من غير أطناب ولا أعماد
ركب أناخوا لا يرجى منهم ... قصد لإتهام ولا إنجاد
كرهوا النزول فأنزلتهم وقعة ... للدهر نازلة بكل مقاد
فتهافتوا عن رحل كل مذلل ... وتطارحوا عن سرج كل جواد (١)
بادون في صور الجميع وإنهم ... متفردون تفرد الآحاد
هذا الكلام حسن جدًا في نعت الموتى، ورنة الحزن فيه جلية واضحة.
مما يطيل الهم أن أمامنا ... طول الطريق وقلة الأزواد
عمري لقد أغمدت منك مهندا في الترب كان ممزق الأغماد
قد كنت أهوى أن أشاطرك الردى ... لكن أراد الله غير مرادي
ولقد كبا طرف الرقاد بناظري ... منذ افتقدت فلا لعًا لرقادي
ثكلتك أرض لم تلد لك ثانيًا ... أني ومثلك معوز الميلاد
من للبلاغة والفصاحة إن همى ... ذاك الغمام وعب ذاك الوادي
من للملوك يحز في أعناقها ... بظبا من القول البليغ حداد
أما الدموع عليك غير بخيلة ... والقلب بالسلوان غير جواد (٢)
سودت ما بين الفضاء وناظري ... وغسلت من عيني كل سواد
ري الخدود من المدامع شاهد ... أن القلوب من الغليل صواد
يا ليت أني ما اقتنيتك صاحبًا ... كم قنية جلبت أسى لفؤادي
لا تطلبي يا نفس خلا بعده ... فلمثله أعيا على المقتاد
ما مطعم الدنيا بحلو بعده ... أبدًا ولا ماء الحيا ببراد (٣)
стр. 339
إلا تكن من إخوتي وعشيرتي ... فلأنت أعلقهم يدًا بودادي (١)
ضاقت علي الأرض بعدك كلها ... ووجدت أضيقها علي بلادي
لك في الحشى قبر وإن لم تأوه ... ومن الدموع روائح وغوادي
فاذهب كما ذهب الربيع وإثره ... باق بكل مهابط ونجاد
وهذا البيت ينظر إلى قول البحتري:
فاذهب كما ذهبت بساطع نورها ... شمس النهار وأعقب الإظلام
ولو تتبعت نظائره مما أخذه الشريف من البحتري وجدتها كثيرا كهذا البيت الذي نختم به اختيارنا:
وسقاك فضلك إنه أروى حيا ... من رائح متعرض أو غاد
فهذا من قول البحتري:
قبر تكسر فوقه صم القنا ... من لوعة وتشقق الأعلام
ملآن من كرم فليس يضره ... مر السحاب عليه وهو جهام
وقصيدنا الشريف اللامية والدالية كلاهما من النوع النائح من الرثاء. وهذا يناسب الكامل جدًا. وإذا تأملتهما لم تجد فيهما ما يجنح إلى التأمل والتعمق والتدقيق،
стр. 340
وإنما هو تعداد للمآثر مع المبالغة في التفجع. على أن الشريف في اللامية ينوح بصوت الرجل الفحل لا بصوت الرقة الناعم. وفي الدالية تجد نغمة الأسى أقوى عنده.
ومن عجيب أمر الكامل أن الرثاء قل أن يصلح فيه إن لم يكن نوحًا وتفجعًا. وتصديقا لما أقوله وتأييدًا له أضرب لك مثلًا، عينية أبي ذؤيب الهذلي التي مطلعها: "أمن المنون وريبها تتوجع" (١) فقد بدأها الشاعر متوجعًا متألمًا حزينًا في قوله:
قالت أميمة ما لجسمك شاحبا ... منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع (٢)
أما لجنبك لا يلائم مضجعا ... إلا أقض عليك ذاك المضجع
فأجبتها أما لجسمي إنه ... أودى بني من البلاد فودعوا
أودى بني فأعقبوني غصة ... بعد الرقاد وعبرة لا تقلع
سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا ولكل جنب مصرع (٣)
فغبرت بعدهم بعيش ناصب ... وإخال أني لاحق مستتبع (٤)
ولقد حرصت بأن أدافع عنهم ... فإذا المنية أقبلت لا تدفع
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
فالعين بعدهم كأن حداقها ... سملت بشوك فهي عور تدمع
стр. 341
حتى كأني للحوادث مروة ... بصفا المشقر كل يوم تقرع (١)
وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
ولا أدري ما مناسبة هذا البيت الأخير لما قبله. ولعله ضاعت قبله أبيات توصل إليه. وأبيات الرثاء هذه في جملتها قوية جدًا. والعاطفة التي فيها من نوع واضح شديد لا يحتاج إلى تفسير. ويصل إلى قلب السامع بلا واسطة. وهي في بابها أقوى من كلام الشريف وكلام البحتري، والصدق فيها أظهر، كما أنها أدخل في طبيعة بحر الكامل لجمعها بين طرفي الغناء، والعنف في الإفصاح بما يختلج في الصدر من لذع الألم وحرقة الحزن. ولو قد اكتفى بها أبو ذؤيب لكان قد أصاب حق الإصابة لأنه قد أبلغ بها السامع كل ما أراد أن يقوله، ولكنه لم يكتف وطلب أن يتأمل ويتعمق على منهج شعراء هذيل في الرثاء من ذكر هلاك الأوابد والنسور والوعول وما إلى ذلك من مظاهر الطبيعة. وهاته سبيل تزل بالسالك في بحر الكامل. وقد قرأت في بعض الكتب أن عمر بن الخطاب أنشد أبيات أبي ذؤيب التي ذكرناها فاستحسنها جدًا. ثم لما أنشد أبياته التي بعدها من قوله: "والدهر لا يبقى على حدثانه جون السراة البيت الخ" قال ﵁: "سلا أبو ذؤيب". وهذا لعمري نقد مصيب. فالرجل قد أخطأ من جهتين: من جهة أنه عمد إلى التأمل في بحر يصلح للبكاء والغضب والحزن والمرح والتغني، ومن جهة أنه أهمل طريقة كلامه وفارق سننه وغرضه الأساسي إلى أغراض أخر، وليس هذا النقد مبنيًا على مسألة التمسك بوحدة القصيدة. فلست ممن يقولون ذلك (٢). وإنما تحس وأنت تقرأ كلام أبي ذؤيب أن نفسه خفت، وانه نسي
стр. 342
الحزن، وجعل يقلد غيره من الشعراء الذين وصفوا الحمر وما إليها. والتقليد لا يحمد عليه أحد (١).
وإن عجبي ليطول من متأدبة هذا العصر، يغلون في مدح هذه القصيدة حتى إن بعضهم ليسميها "سمفونية أبي ذؤيب"، وربما يسميها بعضهم "سوناتة" أبي ذؤيب إعجابًا بها. ولو قد وقف هذا الإعجاب على قسمها الحزين الباكي الذي في أولها، لكان له وجه، ولكنهم يعممون إعجابهم فيشملون به القصيدة كلها.
ولا أكاد أمتري في أن كثيرًا منهم إنما يفعل هذا لا مخلصًا في إعجابه، ولكن ليظهر أنه ملم بطرف من الآداب القديمة، وقدير على الاستمتاع بجيدها ومتنخلها، وهذا نوع من التدليس لا يسعني إلا التحذير منه. على أني أعترف أن بعضهم ربما كان أضله اختيار قدامة لأبيات منها مبدوءة بالفاء. فعل ذلك قدامة في كتابه نقد الشعر. وزعم أن الأبيات متتابعة في النسق الذي أورده، وأشاد ببراعة الشاعر في استعمال الفاء، هكذا من غير ما تكلف. وقد نظرت في القصيدة كما هي في المفضليات، فلم أجد الفاءات تتابع في نسق واحد إلا في أبيات ثلاثة هي قوله:
فوردن والعيوق مقعد رابئ الضرباء فوق النظم لا يتتلع
فشرعن في حجرات عذب بارد ... حصب البطاح تغيب فيه الأكرع (٢)
فشربن ثم سمعن حسًا دونه ... شرف الحجاب وريب قرع يقرع
وهي أبيات حسنة اللفظ جيدة الموسيقا إلا أنها خارجة عن روح القصيدة وأثر التقليد الأعمى واضح فيها (٣). ولو قد صحت لقائل دعواه من توالي الفاءات في أبيات أكثر مما عدنا، لكانت حجتنا عليه بأن كلام الشاعر خارج عن روح الحزن الذي بدأ
стр. 343
به الشاعر ومن أجله نظم ولم يزل في أثناء القصيدة يذكر السامع أنه محتفظ به، حجة قوية (١).
وقد قرأت عينية أبي ذؤيب مرارًا مع قوم ممن يفهمون شعر العرب فوجدتهم جميعًا يحطون معي. ولتكميل حجتي أمامك أيها القارئ الكريم أعرض عليك ما آخذه عليها، موجزًا في لك ما استطعت:
تذكر أني قلت لك إني أنعي على أبي ذؤيب فيها تقليده الأعمى لشعراء هذيل في وصف هلاك الأوابد وما بمجراها. وهذا أسلوب تجده عند صخر الغي وغيره. ومن آيات التقليد عند أبي ذؤيب - (ومع التقليد الصناعة) - استكراهه لكثير من التعابير، مثال ذلك قوله:
حتى إذا جرزت مياه رزونه ... وبأي حين ملاوة تتقطع
ذكر الورود بها وشاقي أمره ... شؤم وأقبل حينه يتتبع (٢)
المعنى كثير مطروق في الشعر الجاهلي. يعطش الحمار ويتذكر الماء. وبالماء كما قال ربيعة بن مقروم الضبي (٣):
وبالماء قيس أبو عامر ... يؤملها ساعة أو تصوما
стр. 344
أي تكف عن الجري وتقف وتشرب ..
المعنى مطروق، فانظر إلى أبي ذؤيب كيف تعمل في صياغته. نفدت بضاعته عند قوله «رزونه». فأقحم «فبأي حين ملاوة تتقطع»، فأضاف الملاوة إلى الحين، وإضافة الشيء إلى نفسه مذهب جائز عند الجاهلين، ولكن لا في كل حالة ولا في كل تعبير، والغالب فيه أن يكون المضاف كلمة أقل في الاستعمال من المضاف إليه نحو «حسام السيف». ولو كان أبو ذؤيب قال: «ملاوة حين» لكان لها وجه، ولكنه عكس. وحتى مع التسليم بأن كلامه هذا قد جاء على وجهه، فأي فائدة في قوله «وبأي حين الخ»، وما معنى التعجب هنا؟
وانظر إلى قوله:
فافتنهن من السواء وماؤه ... بشر وعانده طريق مهيع (١)
ما معنى عانده هنا، والوجه عارضه. وإنما أراد المبالغة، لأنه سمع أن الحمر تتنكب الطرق المهايع فحسب أنه إن لاقتها طريق مهيع فإنها تنغص عليها وتعاندها ... فانظر إلى هذا التكلف.
وانظر إلى قوله:
فنكرنه وننفرن وامترست به ... سطعاء هادية وهاد جرشع (٢)
كل ما أراد أن يقوله: لازمته أتانه ذات العنق الطويل، «السطعاء»، في حال كونه مادا عنقه الطويل، ومخلصاً في الجري، فعطف الهادي الجرشع (وهو عنق الحمار) على السطعاء الهادية وهي الحمارة. وليس هذا بنهج بليغ.
стр. 345
وانظر إلى قوله يصف قرني الثور وهو ينازل الكلاب:
فكأن سفودين لما يقترا ... عجلاً له بشواء شرب ينزع (١)
قوله لما يقترا: يعني به أنه لم يشتو بهما فيقترا، أي فيكون لهما قتار، وهو رائحة اللحم. وكل ما أراده هو تشبيه قرني الثور بالسفودين. وهذه سرقة فاضحة من النابغة حيث يقول:
كأنه مارقاً من جنب صفحته ... سفود شرب نسوه عند مفتأد
وقول النابغة: «نسوه عند مفتأد» (والمفتأد: مكان الاشتراء) بليغ جداً، فانه يدل على أن القرن خرج ملطخاً بدم الجوف وفرثه، متسخاً كأنه سفود ترك في محل اشتواء فتراكم عليه الوسخ والصدأ.
وانظر إلى قوله:
فرمى لينقذ فرها فهوى له ... سهم فأنفذ طرتيه المنزع
والمنزع هو السهم. فانظر إلى هذا العمل، ووجه القول «فهوى له سهم فأنفذ طرتيه» وإنما جاء بالمنزع للقافية.
وقوله في وصف الفرس:
قصر الصبوح لها فشرج لحمها ... بالني فهي تثوخ فيها الإصبع
غاية في التقصير، وقال الأصمعي: «هذا من أخبث ما نعت به الخيل، لأن هذه لو عدت ساعة لانقطعت لكثرة شحمها، وإنما توصف الخيل بصلابة اللحم» (٢)
стр. 346
قلت: ولو شاء الأصمعي لزاد أن أبا ذؤيب إنما أورده هذا المورد الكدر غرامه بالسرقة .. فقد سمع زهير يقول في خيل هرم بن سنان:
منها الشنون ومنها الزاهق الزهم (١)
وكل هذه صفات تدل على السمن. ولكنه لم يدرك أن زهيراً أراد أن الخيل تقاد سمينة أول الغزو، فاذا سارت وهي مجنوبة أياماً ضمرت، وكان سيرها في حالة التجنيب ضرباً من الرياضة لها، حتى إذا وردت ساحة الحرب كانت كما يبغي صاحبها. وزهير ينعت الخيل في حالة البدء بالسمن، وينعتها في حالة الأوبة بالهزال وبأنها «تشكو الدوابر والأنساء والصفقا» وهذا وصف عليم.
ومن تكلف أبي ذؤيب البغيض قوله:
تأبى بدرتها إذا ما استغضبت ... إلا الحميم فإنه يتبضع
وأراد بهذا أن يدل على شبه عرقها بلون اللبن، فكأنه قال: لا لبن لها إلا العرق. وأقحم قوله: «استغضبت» إقحاماً. وأتعب الشراح حتى تأول بعضهم له التأويلات الحسنة، فزعم أن الدرة كثرة العرق، وأن أبا ذؤيب عنى أنها «إذا حميت في الجري وحمي عليها لم تدر بعرق كثير، ولكنها تبتل وذلك أجود لها». (٢)
стр. 347
ولو ذهبنا نتتبع ما حاكي فيه أبو ذؤيب شعراء هذيل خاصة وأخطأ، أطلنا عليك أيها القارئ، فبحسبنا هذا القدر. على أني أظلم أبا ذؤيب إن لم أمدح وصفه للمبارزة بين الفارسين في آخر القصيدة في قوله:
فتناديا وتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطل اللقاء مخدع
متحاميين المجد كل واثق ... ببلائه واليوم يوم أشنع
وعليها مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع
وكلاهما في كفه يزنية ... فيها سنان كالمنارة أصلع
وكلاهما متوشح ذا رونق ... عضباً إذا تم الضريبة يقطع
فتخالسا نفسيهما بنوافذ ... كنوافذ العبط التي لا ترقع
وكلاهما قد عاش عيشة ماجد ... وجنى العلاء لو أن شيئاً ينفع
فهذا وصف ملحمي رائع، ويلائم روح الحزن التي استهل بها كلامه. ولعل أحد أبنائه كان قد مات هذه الميتة الجليلة. وكم يود القارئ أن لو كان أبو ذؤيب اتبع المذهب الملحمي وأطال فيه بعد أن فرغ من التفجع، فانه أنسب للوزن الذي سلكه وأدخل على النفوس (١).
وقد تنبه السيد الحميري إلى ما في بحر الكامل من الصلاحية للوصف الملحمي، فأكثر من ذلك ما شاء في قصيدته المذهبة البائية، وسنعرض لها إن شاء الله.
وخلاصة كلامنا عن بحر الكامل أنه ذو نغم مجلجل رنان، يصلح لكل ما هو عنيف من الكلام كما يصلح للترنم الخالص، والتغني ولا يسوغ فيه التأمل والتعمق بحال من الأحوال إلا على طريقة أبي تمام الذي كان يتغنى أفكاره. ومما يحسن
стр. 348
الاستشهاد به في هذا الصدد أن أبا الطيب استعمله في مرثيته لأبي شجاع.
الحزن يقلق والتجمل يردع ... والدمع بينهما عصي طيع (١)
فلجأ إلى الخطابة والتغني دون التأمل، ولذلك تأتي له بعض الإجادة. ومما نختم به كلامنا في هذا الباب هذه القطعة الرائعة التي اختارها ياقوت من نظم الطغرائي (٢):
ولقد أقول لمن يسدد سهمه ... نحوي وأسباب المنايا شرع
والموت من لحظات أحور طرفه ... دوني وقلبي دونه يتقطع
بالله فتش في فؤادي هل يرى ... فيه لغير هوى الأحبة موضع
أهون به لو لم يكن في طيه ... سر الحبيب وعهده المستودع
زعموا أن الطغرائي قال هذه الأبيات وهو مشدود وجند السلطان يصوبون نحوه السهام ليقتلوه، وكان السلطان أوصى من يكتب عنه ما يقوله عند الموت، فلما بلغته الأبيات رق له وعفا عنه، فإن صحت هذه الرواية، فإنها والله مما يرق له الحجر (٣).
كامليات شوقي
الكامل كثير في شعر شوقي، ففي ديوانه الأول منه? ? قصيدة، وأكثر ديوانه الثالث كامليات. وعددهن في الثاني ليس بقليل. ولشوقي في الكامل عدة مذاهب. حين يحاكي به أبا تمام، وحيناً يقلد البحتري. وربما حاكي الشريف أو ابن هانئ.
стр. 349
وكانت الإجادة تغلب عليه في كل ذلك، إلا أنه ربما مزج أسلوبه باصطناع الحكمة وإرسال الأمثال، وهذا فن لم يكن يحسنه؛ مثال ذلك قوله في قصيدة المختار:
إن الشجاعة أن تموت من الظما ... ليس الشجاعة أن تعب الماء
وهذا بيت يكاد لا يكون له معنى، ومثال آخر:
صور العمي شتى وأقبحها إذا ... نظرت بغير عيونهن الهام
وماذا إذا نظرن بقلوبهن وعقولهن؟
وهذا مما يؤخذ عليه، إلا أن إحسانه إلى جانبه عظيم جداً. والمأثورات من كاملياته كثيرة. وما يشكر عليه المدرسون أن طلبة المدارس يعرفون عدداً صالحاً منها) (١). ولكنها تتفاوت في الجودة، وهذا أمر قلما ينبه عليه المدرس. وفيها روائع بالغة في الحسن، لو عدت مائتان من كامليات الإسلاميين لم تعد أن تعد فيها (٢). من ذلك ميميته في أدرنة عندما أغار عليها البلغار في حرب? ? ? ? ، وانتزعوها من العثمانيين، فهي من أجود شعر شوقي؛ وقافيته في النيل فهي قصيدة فخمة ضخمة من عيون النظم الإسلامي. وكاملياته الأخر دون ذلك على تفاوت بينها. فنونيته في رثاء مصطفى كامل مثلاً من أدناها مرتبة. وهمزيته في المختار، مع إعجاب الناس بها، شيء بين بين. وكذلك كافياته التي حاكى بها ابن هانئ والشريف. وقصدنا هنا تتبع المحاسن لا المساوئ. وبحسبي أن أعرض على القارئ قصيدتيه اللتين تحدثت عنها هنا عرضاً سريعاً. قال في أمر أدرنة:
يا أخت أندلس عليك سلام ... هوت الخلافة عنك والإسلام
نزل الهلال من السماء فليتها ... طويت وعم العالمين ظلام
стр. 350
أزرى به وأزاله عن أوجه ... قدر يحط البدر وهو تمام
جرحان تمضي الأمتان عليهما ... هذا يسيل وذاك لا يلتام (١)
بكما أصيب المسلمون وفيكما ... دون اليراع وغيب الصمصام
والضمير يعود على الأندلس وأدرنة:
لم يطو مأتمها وهذا مأتم ... لبسوا السواد عليك فيه وقاموا
مقدونيا والمسلمون عشيرة ... كيف الخئولة فيك والأعمام
أترينهم هانوا وكان بعزهم ... وعلوهم يتخايل الإسلام
قوله: وعلوهم، ضعيف كما ترى:
إذ أنت ناب الليث كل كتيبة ... طلعت عليك فريسة وطعام
ثم أسف شوقي بعد هذه الأبيات ومضى يقول كلاماً متوسط الجودة حتى يوشك قارئه أن يمل وييأس. ثم ارتفع فجأة يقول:
أخذ المدائن والقرى بخناقها ... جيش من المتحالفين لهام
غطت به الأرض الفضاء وجوهها ... ركست مناكبها به الآكام
تمشي المناكر بين أيدي خيله ... أني مشى والبغي والإجرام
ويحثه باسم الكتاب أقسة ... نشطوا لما هو في الكتاب حرام
ومسيطرون على الممالك سخرت ... لهم الشعوب كأنها أنعام
من كل جزار يروم الصدر في ... نادي الملوك وجده غنام
وغنام ركيكة كما ترى.
سكينه وبينه وحزامه ... والصولجان جميعها آثام
стр. 351
عيسى سبيلك رحمة ومحبة ... في العالمين وعصمة وسلام
ما كنت سفاك الدماء ولا امرأ ... هان الضعاف عليه والأيتام
يا حامل الآلام عن هذا الورى ... كثرت عليه باسمك الآلام
هذا كلام شريف جداً يزين لفظه معناه. وتشيع فيه غضبة حرة، من ذلك الغضب الذي يعده الغزالي ضرورياً لمن يريد أن يعبد الله بحق، ويعرفه حق معرفته. ثم يقول شوقي بعد فترة:
خلطوا صليبك والخناجر والمدى ... كل أداة للأذى وحمام
قوله «كل أداة .. الخ» تهافت بلا ريب. وكذلك قوله «كأنهم أغنام».
أو ما تراهم ذبحوا جيرانهم ... بين البيوت كأنهم أغنام
كم موضع في حجر نعمته غدا ... وله على حد السيوف فطام
وصية هتكت خميلة طهرها ... وتناثرت عن نوره الأكمام
هذا عندي أشرف وأجود من قول علي بن العباس الرومي في فتيات البصرة المغتصبات حينها أغار عليهن الزنج:
كم فتاة بخاتم الله بكر ... فضحوها جهراً بغير اكتتام
وهل الجهر إلا غير الاكتتام؟ ونرجع إلى شوقي:
وأخي ثمانين استبيح وقاره ... لم يغن عنه الضعف والأعوام
وجريح حرب ظامئ وأدوه لم ... يعطفهم جرح دم وأوام
ومهاجرين تنكرت أوطانهم ... ضلوا السبيل من الذهول وهاموا
السيف إن ركبوا الفرار سبيلهم ... والنطع إن طلبوا القرار مقام
يتلفتون مودعين ديارهم ... واللحظ ماء والديار ضرام
стр. 352
هذا من أحسن الوصف، وهو يلائم روع هذه العصر، ( ... ) خير ملاءمة ولا سيما هذا النعت البارع لمن سماهم شوقي بالمهاجرين ونسميهم نحن الأن باللاجئين. وفي قوله: «يتلفتون مودعين ديارهم» مع الصورة البليغة، هذه المطابقة البارعة التي لو سمعها أبو تمام ( ... ) شوقياً عليها.
ثم خلص شوقي من هذا الوصف الجميل إلى تقريع العثمانيين على تفريطهم في السياسة وإضاعتهم تراث أجدادهم الواسع، وخلط تقريعه هنا بتأمل في التأريخ وهذا فن يتقنه ويجيد فيه. قال:
من عادة التأريخ ملء قضائه ... عند وملء كنانتيه سهام
ولا أدري لم جعلها كنانتين:
ما ليس يدفعه المهند مصائما ( ... ) لا الكتب تدفعه ولا الأقلام
إن الألي فتحوا الفتوح جلائلا ... دخلوا على الأسد الفياض وناموا
هذا جناه عليكم آباؤكم ... صبرا وصفحا فالجناة كرام
ثم أسف بعد ذلك شيئاً، وأوقعه في هذا الإسفاف - فيما أظن حرصه أن يظهر أثر الحضارة الأوربية على ذوقه وتقديره للقيم الخلقية من استهجار السف وما إلى ذلك من التعاليم المنسوبة إلى المسيح، ولا يزال القسس يصدكون بها المسامع صادقين. وكاذبين.
ثم زاد الطين بلة أنه ( .......................... ) وأبي تمام في إرسال الحكم والأمثال كما في قوله:
( .............................. )
وماذا عسى لقائل أن ( .............. )
стр. 353
فبالسيف يؤخذ» وقد قالها المسيح صادقاً فجاءت قوية. ومن أراد أن يقول شيئاً في هذا الباب بعد المسيح فليأت بكلام أقوى من كلامه أو ليعكسه عليه بمثل قوته كما فعل أبو الطيب إذ يقول:
أعلى الممالك ما يبنى على الأسل
ومن حكم شوقي الباردة في هذه القصيدة قوله:
ودوا التفاخر بالتراث وإن غلا ... فالمجد كسب والزمان عصام
وإنما أراد «والماجد عصام»، وحتى لو كان تيسر له ذلك فليس في المعنى من طائل. ومنها قوله:
يحصي الذليل مدى مطالبه ولا ... يحصي مدى المستقبل المقدام
وهذا كلام لامنة فيه على تقدير تسليمه. على أن الذليل لو أحصى مطالبه ما كان ليذل. والوجه ما قاله أبو الطيب:
والذي يظهر في الذليل مودة ... وأود منه لمن يود الأرقم
إذ الذليل انتهازي (بلغة العصر) كأسوأ ما يكون الانتهازيون، ولا يقعد ليفكر ماذا يطلب من الدنيا.
ومنها قوله:
ومن البهائم مشبع ومدلل ... ومن الحرير شكيمة ولجام
والقضيتان إن صح تواصلهما ليستا بشيء. على أن أخراهما لا تنبني على الأولى ولا تترتب عليها بحال. إذ كثير من الأكلب المدللة التي تباهى بها السيدات لا تفضل -لو جاز لها أن تختار- أن تفر إلى الغابة.
стр. 354
وأما قوله: «ومن الحرير شكيمة ولجام» فهو معنى كرره في شعره كقوله:
«والقيد لو كان الجمان الخ» -والمتنبي أصدق منه في هذا الباب، وأدق تفكيراً وأعرف بالناس إذ يقول:
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام
ولا أعرف سبباً لدخول «اللجام» في بيت شوقي إلا ضرورة القافية .. فلن تجد عاقلاً -مهما يبلغ به حب البذخ- يتخذ لدوابه شكما من الحرير.
هذا ولكن شوقياً قد جلى عن نفسه إذ يقول يخاطب العثمانيين:
وقف الزمان بكم كموقف طارق ... اليأس خلف والرجاء أمام
هذي البقية لو حرصتم دولة ... صال الرشيد بها وطال هشام
ثم أخذ بعد ذلك في مضمار هو فارس حلبته. وجعل يرفع من همم الأتراك بمدح ما أبداه جنودهم الباسلون من تفاني في الدفاع، وإخلاص في الجهاد:
شرفاً أدرنة هكذا يقف الحمى ... للغاصبين وتثبت الأقدام
وترد بالدم بقعة أخذت به ... ويموت دون عرينه الضرغام
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صبرا أدرنه كل ملك زائل ... يوما ويبقى المالك العلام
خفت الأذان فما عليك موحد ... يسعى ولا الجمع الحسان تقام
وخبت مساجد نوراً جامعاً ... تمشي إليه الأسد والآرام
عني الرجال والنساء، ولا يخفى ما في هذا من التكلف، لأن النور لا يناسب الأسد ولا الآرام. ولكن مثل هذا قد يغتفر.
يدرجن في حرم الصلاة قوانتا ... بيض الإزار كأنهن حمام
стр. 355
وإفراد الإزار قبيح، ولعله لو قال: «بيضاً يزفن» لكان ذلك وجهاً .. ألا أنه يخرج به إلى الغزل كما ترى.
وقت قبور الفاتحين وفض عن ... حفر الخلائف جندل ورجام
في ذمة التأريخ خمسة أشهر ... طالت عليك فكل يوم عام
السيف عار والوباء مسلط ... والسيل خوف والثلوج ركام
فسر «السيل خوف» فقال: أي «مخيف» وهذا قد يوجه في اللغة ولكنه متكلف.
والجوع فتاك وفيك صحابة ... لو لم يجوعوا في الجهاد لصاموا
ضنوا بعرضك أن يباع ويشترى ... عرض الحرائر ليس فيه سوام
بعت العدو بكل شبر مهجة ... وكذا يباع الملك حين يرام
ما زال بينك في الحصار وبينه ... شم الحصون ومثلهن عظام
هذا أخذه من قول أبي الطيب:
بيني وبين أبي علي ممثله ... شم الجبال ومثله رجاء
والشبه في الصياغة ظاهر: (رجع الحديث)
حتى حواك مقابراً وحويته ... جثثاً فلا عبن ولا استذمام
وهذا عندي بيت القصيد.
وميمية شوقي هذه من شعره الذي يمثل اتجاهه الفكري والعاطفي خير تمثيل. فالرجل كان إنساني العاطفة عامة، وكان شديد الحدب على الإسلام والمسلمين كما ذكرنا من قبل.