وطن النجوم أنا هنا ... حدق أتذكر من أنا
ألمحت في الماضي البعيـ ... ـد فتى غريرًا أرعنا
جذلان يمرح في حقو ... لك كالنسيم مدندنا
المقتني المملوك ملـ ... ـعبه وغير المقتني
يتسلق الأشجار لا ... ضجرًا يحس ولا ونى
ويعود بالأغصان يبـ ... ـريها سيوفا أو قنا
ويخوض في وحل الشتا ... متهللاً متيمنًا
لا يتقي شر العيو ... ن ولا يخاف الألسنا
ولكم تشطين كي يقو ... ل الناس عنه تشيطنا
أول هذه الكلمة مذكر بورد زورث- ولكن أولها فقط، وسائر الوصف من تجربة وتذكر وصفات صوادق
أنا ذلك الولد الذي ... دنياه كانت ههنا
أنا من مياهك قطرة ... فاضت جداول من سنا
أنا من ترابك ذرة ... ماجت مواكب من عنى
لا يخفي ما ههنا من شعور القومية، وقد مزجه الشاعر بذكرى الطفولة الوردزورثي ثم خلص من ذلك إلى التغني بحسن الطبيعة:
حمل الطلاقة والبشا ... شة من ربوعك للدني
أي أمريكا والعالم الذي تظن به الحضارة
كم عانقت روحي ربا ... ك وصفقت في المنحنى
والأرز يهزأ بالريا ... ح وبالدهور وبالفنا
ولنعم الأرز لو أبقت عليه الأيدي السواطي- إذ ما أحسب الذي بقي منه الآن بجبال لبنان إلا قليلاً.
للبحر ينشره بنو ... ك حضارة وتمدنا
لعله يشير هنا إلى حضارة بني كنعان القدماء في صيدًا وصور ومن وراء البحر في أرض تونس والأندلس على عهد حنيبعل العظيم.
لليل فيه مصليًا ... للصبح فيه مؤذنًا
للشمس تبطئ في ودا ... ع ذراك كيلا تحزنا
стр. 2907
لم يتضح المعنى ههنا- كأنما عنى أن حمرة الشفق فيها معنى من حزن، وما أستبعد أن يكون يشير إلى قول أبي العلاء، وكان إلى «الرومنسية» حبيبًا، على بعده كل البعد عن كل جوانبها إلا الوجدان بعد الوجدان وذلك أمر عن الشعر مما لا ينفصم:
وعلى الدهر من دماء الشهيديـ ... ـن علي ونجله شاهدان
فهما في أوائل الليل فجرا ... ن وفي أخرياته شفقان
أي تبطئ لكيلا تذكرنا بالمأساة التي ذكرها أبو العلاء
للبدر في نسيان يكـ ... ـحل بالضياء الأعينا
ذكر الضياء هنا مناسب وحسن، إذ الليل في العيون سواد يغم ضياءها، فالبدر يجلوه- فهذا أجود من قول العقاد «بعينيه من ومض الملاحة نور» من حيث حاق تدبير البيان.
فيذوب في حدق المها ... سحرًا لطيفًا لينا
قوله «لينا» جيد، ينم عن إحساس مرهف، إذ لا يخفي أن في حدق الملاح لينا- وإنما يفطن الفاطن للينه مع السفور الدائم لا حينا بعد حين، إذ ذلك ربما غلب فيه الزهو-[وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا] أو المرح [وتصدفت حتى استبتك- الحادرة]
للحقل يرتجل الروا ... ئع زنبقا أو سوسنا
كذلك يرتحل هنا جيدة لما فيه من تحويل الخطابة التي تنسب عادة من الشعراء إلى الطير في باب المجاز، إلى النبات هنا، وما يفاجئ به من النواوير والأزاهير مع تتابع أسابيع الدفء بعد برد الشتاء، خصوصًا في بلد يكون كلبنان، يمتد ربيعه من عند سيف البحر إلى حيث يدنو من قمم الثلوج- ولله در البوصيري إذ يقول في مدح الرسول ﷺ :
فرحت به البرية القصوى ومن ... فيها وفاضلت الوعور سهولاً
وزهت وضاهت حسن لبنان الذي ... لولا كرامة أحمد ما نيلا
стр. 2908
فقد ترى أنه أوشك أن يفضل حسن لبنان على حسن جميع البلاد، وهو بعد المحب للنيل القائل فيه من نفس الكلمة: -
إني لأورد ذكره لتعطشي ... فإخال أني قد وردت النيلا
والنيل يذكرني كريم بنانه ... فأطيل من شوقي له التقبيلا
وقال أبو الطيب:
بيني وبين أبي على مثله ... شم الجبال ومثلهن رجاء
وجبال لبنان وكيف بقطعها ... وهو الشتاء وصيفهن شتاء
فقد جعل رؤوس الجبال عليهن الثلوج تبدو كأنها عدد من أمثال أبي علي هيبة وأمثال رجائه هو الضخم في صور بشرية مشرفات، تخفق عليهن عمائم بيض من ثلج الشتاء- ونرجع إلى نونية أبي ماضي.
للعشب أثقله الندى ... للغصن أثقله الجنى
هذا من بوانية أبي الطيب:
عاش الجمال مشردًا ... في الأرض ينشد مسكنًا
حتى انكشف له فألـ ... ـقى رحله وتوطنا
واستعرض الفن الجبا ... ل فكنت أنت الأحسنا
والخطاب لجبل لبنان كما سيفصح به بعد
لله سر فيك يا ... لبنان لم يعلن لنا
خلق النجوم وخاف أن ... تغوى العقول وتفتنا
فأعار أرزك مجده ... وجلاله كي نؤمنا
الفكرة بعيدة المتصيد
زعموا سلوتك ليتهم ... نسبوا إلى الممكنا
فالمرء قد ينسى المسي ... ء المفتري والمحسنا
جئ بالمفتري ليتم بها الوزن، إذ المراد كل مسيء لا المسيء المفتري وحده، أي الذي إساءته أنه افترى وقد لا يكون أساء في غير ذلك.
والخمر والحسناء والـ ... ـوتر المرنح والغنا
ومرارة الفقر المذ ... ل بلى ولذات الغنى
стр. 2909
لكنه مهما سلا ... هيهات يسلو الموطنا
والمعنى هنا خطابي قومي، شبيه بما كان يصنعه حافظ، وفي القصيدة بعد مواضع إحسان لا تخفى وعندي أن هذه النونية أنطق بشاعرية إيليا أبي ماضي من كلمته الرائجة «الطلاسم».
جئت لا أعلم من أين ولكن أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيت
وسأبقى ماشيًا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت، كيف أبصرت طريقي: -
لست أدري
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود
هل أنا حر طليق أم أسير في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود
أتمنى أنني أدري ولكن ...
لست أدري
وهكذا وهلم جرا ... نغم لين فيه عذوبة الترنم ووضوح الوزن وحسن اختيار للكلمات- ولكن جملة البيان لا تصل بالقلب حقًا إلى كبير شيء. محاولة نزعة معرية الإلحاد خياميته [نسبة إلى رباعيات الخيام التي ترجمها فتزجر الد فأحدث ذلك لها شهرة]- ثم المعاني فقاقيع، مما هو دائر في باب طلب التعمق الفلسفي وليس بعميق.- مع هذا إيليا أبو ماضي من كبار شعراء عصر التجديد وقد حاول بجهد صادق أن ينفي عن دولة الشعر التجديدي كثيرًا مما احتشد فيها من الجند الدخيل الرهيب.
الضرب الثالث:
«رومنسية» الافندي
أصل معنى كلمة الأفندي فيما بلغنا السيد، وكانت تطلق على السلطان وعلى خديوي مصر فيقال أفندينا ويقال لجيش الخديوي «عسكر أفندينا»، ثم صارت الكلمة لقبا للسيد الجديد من المثقفين الذين تسنموا كبار الوظائف، وانعكس في بهائهم بهاء «أفندينا» بهاء «الميري» (أي السلطان وكأنها الأميري بتخفيف الهمزة) وجاهه.
стр. 2910
كان لواء القيادة الفكرية بيد المشايخ والفقهاء. ثم انتقل من هؤلاء إلى كبار الأفندية، علي مبارك، إسمعيل صبري، أحمد شوقي، وهلم جرا- وجاء التعليم النظامي الخالي من أساس القرآن وعلوم الدين والنحو القديمات. القرآن واللغة الآن جزء من برنامج المدرسة مع اللغات الإفرنجية والحساب والجغرافية. وحظ هؤلاء من الاهتمام بهن أكبر إذ تمهيدهن للوظائف ذات الجاه أشد وأوكد. وهكذا أخذت المدارس النظامية تخرج أجيالاً من الأفندية لا يلبسون زي الشيوخ الذي كان يتزيا به العلماء ولكن السترة والبنطلون والكرفتة- الزي الأفرنجي المظهر، لا يميزه في كثير من بلاد المسلمين عن زي الأفرنج إلا الطربوش على الرأس. وقد ترك هذا من بعد، في أكثر البلاد.
كان حظ الأفندي الجديد من علم العربية أول الأمر لا بأس به، إذ كان لدروس تطبيق النحو والإنشاء فيه مكان. ولكن التنافس على الوظائف من بعد وزيادة عدد المتسابقين عليها جرت إلى ما قدمنا ذكره من تدهور العناية بالعربية وموادها وعلوم الدين ودرس القرآن.
وتصدى الأفندية المثقفون بثقافة الإفرنج من أجل الوظائف لحمل ألوية القيادة الفكرية التي صارت إليهم من جيل أوائل النهضة. وعلى رأسها الأدب والشعر إن لم يكن أهم أبوابه فإن أهميته ما زالت بالغة.
وقد كان للعلماء العارفين باللغة نحوها وصرفها ميراث من سلطانهم القديم. إلا أنه الآن قد زعزعه أمران- حملة أوائل دعاة التجديد المتطرفين على شوقي وأصحابه الذين انتزعوا لواء دولة الشعر من المشايخ، ثم ما جعل يغلب من جهل دقائق اللغة، جهلاً جعل يزين لكثير من جيل الأفندية الجديد التنكر لقديمها والثورة على قواعدها. جيل الأفندية الجديد، ولا سيما طبقته التي تغلغلت فيما ظنته في صميم حضارة أوروبا من طريق المهن الكبرى كالطب والهندسة والقانون والتخصصات العالية المستوى في الإدارة والجيش والتدريس العصري، جعل يعد نفسه طليعة التقدم، والطرف اللاحق بأوروبا من هذا العالم الذي انتماؤه، حق انتمائه، إليه، ولكنه متخلف يا للأسف.
ومن عند ههنا أجاز لنفسه من جسارة التعدي على أساليب الفصاحة ما لم يكن يجيزه جيل من اقتدوا بشوقي وحافظ- أجاز ذلك باسم الثورة على القديم، والتجديد
стр. 2911
الذي يرمي إلى استعمال اللغة العامية السهلة، لغة الصحافة، لغة تفاهم المثقفين- لغة ثورة الرومنسيين التي عبر عنها «ورد زورث» وعبر عنها «الديوان» حين ثار على جمود شوقي، وعبر عنها «ميخائيل نعيمة» في «الغربال»، وعبر عنها المهجر، - لغة القلب والوجدان.
أما أحمد زكي أبو شادي، صاحب أبولو، وقائد العير إلى دار الجهاد، فكان امرأ شديد الطموح، ضعيف الحظ من تذوق ديباجة الشعر العربي، ضعيف الإحساس برنة نغمات أوزانه القوية ما كان منها جزلاً أو ذا رقة، ذا حظ من الأفكار «الرومنسية» كبير، ومن الأفكار التي قد تدور بها بعض خواطر مثقفي العلم الحديث، ولكنه كان ذا حظ قليل من حاق وجدان القلوب الذي يكون في الشعر. واعلم أن وجدان القلوب الذي يكون في الشعر ليس ضربة لازم هو وجدان القلوب الذي يكون عند الانفعال الذي نحسه ساعة الغضب أو الحزن أو الفرح الطارئ وما أشبه. وقد مر من أمثلة نظم أحمد زكي أبي شادي شيء ذكرناه في أوائل الجزء الأول وهو قوله:
أهلاً أبو قردان ... يا منقذ الفلاح
كلاكما قد هان ... واستمرأ الأفراح
فنحيل القارئ الكريم إلى ما علقنا به عليه هناك.
وطبيب آخر، ضعيف الحظ من العربية، عظيم الحظ من وجدان القلوب الذي يكون في الشعر، لو تعهده بما يتعهد به الشاعر الحق فنه، لكان بلا ريب سيجيد- لو حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. رحم الله الدكتور إبراهيم ناجي (١) ورحم الدكتور طه حسين إذ قال فيه «إنه من هؤلاء الشعراء الذين يحسن أن تستمتع بما في شعرهم من الجمال كما تستمع بجمال الوردة الرقيقة النضرة دون أن تشتط عليها بالتقليب والتعذيب. هو شاعر هين لين رقيق حلو الصوت، عذب النفس، خفيف الروح، قوي الجناح. شعره أشبه بما يسميه الفرنجة موسيقًا الغرفة منه بهذه الموسيقا الكبرى التي تذهب بك كل مذهب وتقيم بك فيما تعرف وما لا تعرف من الأجواء.» -
ولا ريب أن الوردة التي كره طه ﵀ تقليبها وتعذيبها قد قطفت- فهي ضعيفة «بالقوة» كل الضعف.
وهاك مثالاً من تغنيه الذي هو موسيقا غرفة، ووردة ستذبل مع التقليب.
стр. 2912
يا غلة المتلهف الصادي ... يا ايتي وقصيدتي الكبرى
ماذا تركت لدي من زاد ... إلا استعادة هذه الذكرى
***
يا للمساء العبقري وما ... أبقى على الأيام في خلدي
شفتاك شفا لوعة وظمأ ... وجمالك الجبار طوع يدي
نمشي وقد طال الطريق بنا ... ونود لو نمشي إلى الأبد
ونود لو خلت الحياة لنا ... كطريقنا وغدت بلا أحد
***
نبني على أنقاض ماضينا ... قصرًا من الأوهام عملاقًا
ونظل ننسج من أمانينا ... وشيا من الأحلام براقا
وأظل أسقيها وتملأ لي ... من مورد خلف الظنون خفي
حتى إذا سكرت من الأمل ... وترنحت مالت على كتفي
***
حلفت بأني مغتد معها ... حيث اغتدت وهواي في دمها
فمسحت بالقبلات أدمعها ... وطبعت ميثاقي على فمها
لولا ما نهى عنه الدكتور طه من التقليب والتعذيب لوقفنا عند مسائل من الصياغة في هذه الأبيات -مثلاً شفتاك شفا- وأحسب أن البيت الثاني قد كان:
زادي لقاؤك عز من زاد ... يحيا الورى ويعيش بالذكرى
ثم راجعها الشاعر ولعل الوضع الأول كان أجود.
ولا بد بعد من التنبيه على أخذ ناجي من حسناء كيتس من قوله وأظل أسقيها وقوله مالت على كتفي إلى آخر هذا التسميط قال كيتس:
I set her on my pacing steed
And nothing elso saw I all day long
For sidelong would she bend and sing
A fairy song ٨
She found me roots of relish sweet
And honey wild and manna-dew,
And sure in languuage she said
I love the true
She took me to her elfin grot
And there she wept and sigh'd full sore
And there I shut her wild wild eyes
With kisses four
стр. 2913
(هذا النص نقلناه من Palgrave's Golden Treasury وفيه اختلاف أحرف يسير عن النص الذي أوردناه قبل نقلاً عن كتاب الشعر الرومنسي كما بيناه في موضعه).
وقد مرت الترجمة وهي (لتيسير الموازنة): -
حملتها فوق جوادي بنا ... يخطو ولا شيئًا سواها أرى
طوال يومي حين مالت إلى ... جنبي وتشدو اللحن من عبقرا
ووجدت لي من عروق شهيـ ... ـات وحلوات لدى المأكل
والعسل البري جاءت به ... والمن يغشاه ندى السلسل
ثمت قالت بلسان غريـ ... ـب إنني أهواك يا ويح لي
ثمت صارت بي إلى كهفها الـ ... ـمسحور صارت بي إلى كهفها
وحدقت ثم ومقروحة الـ ... ـفؤاد بالآهة من جوفها
عندئذ قبلتها أربعًا ... أغلقن جفن الوحش من طرفها
ولإبراهيم ناجي كلمة دون الممسطة التي مرت في سلامة الرصف ونغم القريض، وفيها معنى حسناء كيتس ومعان من فتاة أدولف (بنيامين كنستنس) وغادة الكامليا معًا.
وها هي ذي، عنوانها الحياة مع كلمات بين قوسين كالتقديم (استعراض للحياة في شارع) [ديوان إبراهيم ناجي، دار العودة، بيروت، ص ٣٦].
جلست يومًا حين حل المساء ... وقد مضى يومي بلا مؤنس
أريح أقدامًا وهت من عياء ... وأرقب العالم في مجلسي
أرقبه يا كد هذا الرقيب ... في طيب الكون وفي باطله
وما يبالي ذا الخضم العجيب ... بناظر يرقب في ساحله
(أحسبه أخذ هذا من حيث لا يشعر من قول أخي تغلب:
ما ضر تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
وقال الآخر:
ما يضر البحر أضحى مزبدًا ... أن رمى فيه غلام بحجر)
والمعنى كثير. وأحسب القارئ لم يغب عنه بعض أسلوب ناجي ها هنا
سيان ما أجهل أو أعلم ... من غامض الليل ولغز النهار
«أو» بمعنى الواو هنا ضرورة
стр. 2914
سيستمر المسرح الأعظم ... رواية طالت وأين الستار
هذا يشير به عمدًا أو عن غير عمد إلى All the world is a stage أي كل الدنيا كخشبة المسرح أو خشبة مسرح.
عييت بالدنيا وأسرارها ... وما احتيالي وصموت الرمال
أنشد في رائع أنوارها ... رشدًا فما أغنم إلا الضلال
المعنى غير واضح. هل أراد أن الناس لا يهتمون بشعره.
أغمضت عيني دونها خائفًا ... مبتغيًا لي رحمة في الظلام
فصاح بي صائحها هاتفًا ... كأنما يوقظني من منام
أنت امرؤ ترزح تحت الضني ... لم يبق منا الدهر إلا عناد
وكل ما تبصره من سنا ... يهزأ بالجذوة خلف الرماد
وكل ما تبصره من قوى ... تدوي دوي الريح عند الهبوب
يسخر من مبتئس قد ثوى ... يرنو إلى الدنيا بعين الغروب
هذا البيت وهو في الحقيقة آخر هذه المنظومة وبعده اثنتا عشرة رباعية، كلهن زيادة لا طائل فيها، وكاد يخرج بها ناجي عن موضوعه، إذ أخذ في مواعظ من القول من الضرب الباهت المغسول وختم الكلمة بقوله:
يا رب غفرانك إنا صغار ... ندب في الدنيا دبيب الغرور
نسحب في الأرض ذيول الصغار ... والشيب تأديب لنا والقبور
والخاتمة التي سبقت، لو قد اكتفى بها أجود
وفي الأبيات بعد أطياف «الحسناء بلا رحمة». وأطيافها في شعر ناجي كثيرة، مثلاً في كلمته التي أولها مشهور:
هذه الكعبة كنا طائفيها ... والمصلين صباحًا ومساء
كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها ... كيف بالله رجعنا غرباء
وفي الأبيات: «أغمضت عيني دونها إلخ» شيء من رؤية الفارس الأشباح ومن استيقاظه ومن بعد «كئيبًا يسير» وليرجع القارئ الكريم إلى ما ترجمناه عن نص كيتس أو إلى النص نفسه. وفارس الحسناء بلا رحمة جذوته بلا رماد، وعناد لا ريب فيه، إذ هو
стр. 2915
يسير بسفح الجبل الكئيب. بعد أن جف نبات الغدير والطير لا يلفى له من هدير -ورنو كل شيء في الدنيا بعين الغروب أسى على الكون الفاني- أليس ذلك هو عين الكآبة؟
واقرأ كلمته الخريف- ولكيتس كلمة مفعمة بتأمل الطبيعة وتلمظ طعمها بهذا العنوان:
To Autumn (١)
Season of mists and mellow fruit fulness,
Close bosom- friend of the maturing sun
Conspiring with him how to load and bless
With fruit the vines that round the thatch- eves run;
To bend with apples the moss'd cottage trees,
And fill all fruit with ripeness to the core,
To swell the gourd, and plump the hazel shells
with a sweet kemel; to set budding more,
And still more, later flowers for the bees,
Until they think warm days will never cease
For summer has o'er brimm'd their clammy cells.
- كلمة ناجي ليس فيها هذا التلمظ للطبيعة المؤذنة ازدهارة ألوانها بقرب الشتاء- فيها من صدى صور كيتس قوله:
رب كرم مده الليل لنا ... فتواثبنا له نبغي اقتطافه
وعلى خيمته أسوده ... عربي الجود شرقي الضيافة
هذا الشطر أسرقه من على محمود طه أم سرقه على محمود طه منه [ليالي كليو بطرة]؟
وجد العرس على بهجته ... وسناه دون ورد فأضافه
ثم وارت يده جنية ... وطوته في أساطير الخرافة
وقوله
أرج يعبق في أنحائه ... حملته نحو عرشينا الرياح
لعله في قول كيتس:
стр. 2916
وفي بعض أبيات «الخريف» على خفة وزن، شيء من حلاوة روح إبراهيم ناجي وحرارة أنفاس وجدانه- سبب هذه الحرارة مواجهته لنا بخطاب العاطفة، فيشعر القارئ أن له صدقًا وإقدامًا على القول والإفصاح به من غير تكلف تقية أو رياء:
أي سر فيك إني لست أدري ... كل ما فيك من الأسرار يغري
خطر ينساب من مفتر ثغر ... فتنة تعصف من لفتة نحر
قدر ينسج من خصلة شعر ... زورق يسبح في موجة عطر
في عباب غامض التيار يجري ... وأصلاً ما بين عينيك وعمري
****
ذات ليل والدجى يغمرنا ... أترى تذكر إذ جزنا المدينة
كلما روعت من نار شج ... حر ما يصلي تلمست جبينه
بيد شفافة مثل الندى الرطـ ... ـب تعيد النار بردًا وسكينة
أيها الآسي لناري هذه .. ما الذي تصنع بالنار الدفينة
من تأمل كثيرًا من شعر نزار قباني وجده يستعين بمثل هذا من كلام الدكتور ناجي ﵀ ويتوكأ عليه. خطابة ناجي عاطفية فيها من روح أسى انفطار «الأوبيرا» - هذا جانبها «الرومانسي»، أما نزار فقد انصرف من الخطابة بالذكرى
Thy hair soft- lifted by the winnowing wind (١)
الوجدانية، إلى نوع من مماشاة الشباب ومغايظة حسانه بغزل مشاغب. ههنا أيضًا «رومنسية». «رومنسية» تعمد الخروج عن المألوف. ولكنها «رومنسية» لا تخلو من رخص روح الشارع الذي تجتهد أن ترتفع به إلى مستوى الفن. الحق أنه شارع الصحافة اليومية التي لا يراد لها أن تعيش إلى الغد، ولكن قد تبقى عند من يحرص على ذلك في الأضابير:
يا شعرها على يدي ... شلال ضوء أسود
المه سنابلا ... سنابلا لم تحصد
لا تربطيه واجعلي ... على المساء مقعدي
من عمرنا على مخـ ... دات الشذى لم ترقد
وحررته من شريـ ... ـط أصفر مغرد
واستغرقت أصابعي ... في ملعب حر ندى
إلى آخر ما قاله، وقد كتبت في الديوان أشطارًا، وهي من مجزوء الرجز كما ترى.
هذا وعلى محمود طه كأنه أسلم متن أسلوب من إبراهيم ناجي غير أن أنفاسه أبرد. ذلك بأنه يبالغ في الرقة ويهندس عباراته بفرط صقل لها. وعلى أنه سمى ديوانًا له بالملاح التائه، نجد حسناء كيتس التي أثرت على إبراهيم ناجي، أثرت أيضًا على المهندس. وينبغي أن ننتبه بعد إلى أن كلاً هذين الرومنسيين العربيين لا يريد لنفسه موت الحب الأعوج الذي عند La Belle Dame Sans Merci وعند Christabet الجنية المساحقة مصاصة الدم- يريد فقط موتًا مجازيًا (٢):
стр. 2917
يا حبيب الروح يا روح الأماني ... لست تدري عطش الروح اليكا
وحنيني في أنين غير فاني ... للردى أشربه من مقلتيكا
أيها الماضي الذي أودعته ... حفرة قد خيم الموت بها (١)
أيها الشعر الذي كفنته ... مقسمًا لا قلت شعرًا بعدها
أيها القلب الذي مزقته ... صارخًا عهدك يا قلب انتهى
فمن تأثيرها، هذه الجنية العاشقة القاتلة (ذكر أبو العلاء في غفرانه عشق المردة البنات وقتلهن بذلك، قريب النسخ من بعض ما يقرأونه في صحف الجرائم الآن، اقرأ مثلاً في خبر جني المعري قوله دخلت مرة دار أناس أريد أن أصرع فتاة لهم إلخ ص ٢٩٣ وقوله ص ٢٩٤.
وكنت آلف من أتراب قرطبة ... خودا وبالصين أخرى بنت يغبورا
أزور تلك وهذي غير مكترث ... في ليلة قبل أن استوضح النورا
وفي ألف ليلة وليلة منه كثير): -
لا تفزعي يا أرض لا تفرقي ... من شبح تحت الدجي عابر
ما هو إلا آدمي شقي ... سموه بين الناس بالشاعر
هنا نبأة من أول حسناء كيتس:
O,what can ail thee knight-at-arms?
وكذلك في قوله:
حتى إذا ضاقت عليه السبل ... وعز في الأرض عليه المقام
أوى إلى كهف بسفح الجبل ... عساه يقضي ليله في سلام
ما كان إلا حلمًا كاذبًا ... أفاق منه مستطار الجنان
البحر يرغي تحته صاخبًا ... والشهب نار والدجي من دخان
стр. 2918
البحر والدجي من فكرة الملاح التائه التي تستعين ملاح كلردج القديم العجوز. ولكن الكهف والجبل والإقامة كل ذلك من صورة الفارس الكئيب- هذه الأبيات من كلمة علي محمود طه «الله والشاعر (١)» [وما بينه الله في الشاعر وللشاعر كما يعلم القارئ الكريم هو قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون (٢٢٤)﴾. آيات آخر سورة الشعراء، فالذي صنع المهندس ﵀ جهد رومنسي أو مترمنس ضائع]: -
أما ترى منفرجات الشفاه ... عن آخر الصيحات من رعبها
ما زال فيها من معاني الحياة ... إيماءة الشكوى إلى ربها تشكو من Belle Dame بلا رحمة، بلا ريب.
ملاح علي محمود طه، طورًا هو أحد هؤلاء الكادحين بقواربهم ومجاذيفهم على نهر النيل لطلاب النزهة، وطورًا هو الشاعر نفسه، نسى أنه استأجر قاربًا وصادر من بعد هو الملاح والقارب معًا، وابتعد النيل، وصار بحر النيل بحرًا آخر- البحر الملح الكبير هو بحر بلاد تعريف واضح، بعيد الشاطئ -أو الساحل- يتيه فيه الملاح: - تأمل قوله (٢):
أيها الملاح قم واطو الشراعا ... لم نطوي لجة الليل سراعًا
ولا أحسب أنه يوجد في الدنيا ملاح عاقل يطوي الشراع حين تكون الريح طائعة رهوًا رخاء ويأخذ بالمجذاف- ولكن «الرومنسية» مما تكون أبعد شيء عن حكمة العقل:
جدف الآن بنا في هينة ... وجهة الشاطئ سيرًا واتباعًا
وإنما الهينة واللينة مع الشراع
فغدا يا صاحبي تأخذنا ... موجة الأيام قذفًا واندفاعًا
عبثًا تقفو خطأ الماضي الذي ... خلت أن البحر واراه ابتلاعًا
لم يكن غير أويقات هوى ... وقفت عن دورة الدهر انقطاعًا
فتمهل تسعد الروح بما ... وهمت أو تطرب النفس سماعًا
هل صار الملاح هنا هو الحبيبة- ثم يقول، ولا يخرج في ذلك عن وصف نزهة واستمتاع -وربما- عن لقاء حبيب:
стр. 2919
أيها الأحياء غنوا واطربوا ... وانهبوا من غفلات الدهر ساعا
آه ما أروعها من ليلة ... فاض في أرجائها السحر وشاعا
نفخ الحب بها من روحه ... ورمى عن سرها الخافي القناعا
وجلا من صور الحسن لنا ... عبقريا لبق الفن صناعا
ثم إذا بمعنى آخر يجيء- الهاجر والهجران والملاح التائه:
أيها الهاجر غز الملتقى ... وأذبت القلب صدا وامتناعًا
أدرك التائه في بحر الهوى ... قبل أن يقتله الموج صراعًا
البحر هنا مجازي لفظي وبحر كلردج أيضًا مجازي إلا أنه ليس منحصر المجازية في اللفظ.
وارع في الدنيا طريدًا شاردًا ... عنه ضاقت رقعة الأرض اتساعًا
فقد صار البحر أرضًا، وقد يعتذر معتذر عن هذا بأن البحر في كوكب اسمه الأرض، والشاعر مهندس علمي عقله- يذكر القارئ الكريم أصلحه الله قول أبي الطيب:
عربي لسانه فلسفي ... رأيه فارسية أعياده
نعم الأرض ها هنا هي الكوكب الجغرافي لا أرض الشعراء التراب
ضل في الأرض سراه ومضى ... لا يرى في أفق منه شعاعًا
يجتوى اللافح من حرقته ... وعذاب يشعل الروح التياعا
والأسى الخالد من ماض عفا ... والهوى الثائر في قلب تداعى
فاجعل البحر أمانًا حوله ... واملأ السهل سلامًا واليفاعا
وامسح الآن على آلامه ... بيد الرفق التي تمحو الدماعا
وقد الفلك إلى بر الرضى ... وانشر الحب على الفلك شراعًا
صار البحر غير مجازي وله بر كما ترى- وصار ملاح المهندس التائه يترنم بأصداء همزية
أمير الشعراء:
رب إن شئت فالفضاء مضيق ... وإذا شئت فالمضيق فضاء
فاجعل البحر عصمة وابعث الرحـ ... ـمة فيها الرياح والأنواء
وهل العصمة والرحمة هنا لهما لون انجيلي مسيحي؟ وهل في كلم المهندس شيء من نظر إلى القسيس المعدوم فلم تجد روح ملاح كلردج من يصلي لها وهي في غرغرة النزاع؟
стр. 2920
يقول المهندس في «الله والشاعر»: -
وهذه الأعين نهب العفاء ... في رقدة الموت كأن لم تنم
محدقات في نواحي السماء ... تشهدها هذا الأسى والألم
وهذه الأيدي تحوط الصدور ... كأنها في موقف للصلاة
لم تنس في نزع الحياة الغرور ... ضراعة ترسمها للإله
ها هنا شيء من ملاح كلردج وأشباحه.
أشباح كلردج سباع شرسات، وأعين المهندس التي يذكرهن وينعتهن محدقات ها هنا، إنما هن أعين سنانير أوالف، أدركهن ما يدرك سنانير الدور من هذا الموت- خذ مثلاً قول كلردج: (الفصل الرابع) (١):
I fear thee ancient mariner!
I fear thy skinny hand!
And thou art long, and lank and brown,
As is the ribbed sea - sand.
I fear thee and thy glittering eye,
And thy skinny hand so brown.
Fear not fear not thou wedding guest
This body dropt not down.
Alone, alone, all, all alone,
Alone on a wide wide sea!
And never a saint took pity on
My soul in agony.
The many men so beautiful
And they all dead did lie,
And a thousand thousand slimy things
Lived on and so did I.
I looked upon the rotting sea,
And drew my eyes away;
I looked upon the rotting deck,
And there the dead men lay,
стр. 2921
I looked to heaven and tried to pray
But or ever a pray had gusht,
A wicked whisper came, and made
My heart as dry as dust
ترجم زميلي الفاضل الأستاذ عمران العاقب منظومة الملاح التائه كلها، وأكتب وليس من ذلك بيدي شيء فأستشهد منه في هذا الموضع فحسب القارئ الكريم لهذه الأسطر اللاتي مضين هذا التقريب، وإنما هو لتوضيح ما يمكن توضيحه من اتجاه معاني كلردج:
أنا خائف منك أيها الملاح القديم
أنا خائف من يدك المعروقة
وأنت طويل نحيل أسمر
مثل رمل البحر المضلع
أنا خائف منك ومن عينك ذات البريق
ومن يدك المعروقة الشديدة السمرة
لا تخف ولا تخف يا ضيف العرس
هذا الجسم لم يسقط (١)
وحدي وحدي لا أحد معي في انفرادي
وحدي في بحر واسع المدى عريض
ولم يرق قلب ولو من قديس واحد
على روحي التي في ألم النزاع
الرجال الكثيرون ما كان أجملهم
جميعهم راقدون أموات
وألف ألف شيء لزج
ما زال حيًا، وكذلك أنا
стр. 2922
نظرت إلى البحر المتأسن
ثم صرفت نظري عنه بعيدًا
ونظرت إلى سطح السفينة المتعفن
وثم الرجال موتى رقودا
نظرت إلى السماء وحاولت أصلي
ولكن لم تكد تنبعث صلاة واحدة
حتى أتى هاجس شرير وجعل
قلبي يابسًا مثل التراب
I closed my lids and kept them close,
And the balls like pulses beat,
For the sky and the sea, and the sea and the sky
Lay like a load on my weary eye,
And the dead were at my feet.
The cold sweat melted from their limbs,
Nor rot nor reek did they:
The look with which they looked on me
Had never passed away.
أغمضت أجفاني وأبقيتها مغمضة
وجعلت الحدقات تدق مثل النبض
لأن السماء والبحر والبحر والسماء
جثما كالعبء على طرفي المضني
وعند قدمي جنائز الموتى
وقد ذاب العرق البارد من أعضائهم
ولكنهم لا تعفنوا ولا فاحوا
والنظرة التي كانوا ينظرون بها إلي
لم تفارقهم قط
هذا وقد ضربت الرومنسية التي من هذا الضرب بجران في أكثر البلاد العربية وينبغي أن ننبه إلى موضع اليمن والمغرب والسودان في جميع هذا وليس ههنا موضع
стр. 2923
الاستقصاء والتفصيل. وقد سبقت الإشارة إلى شيء من شعر يوسف مصطفى التني (١) ﵀ قلنا إنه نظر فيه إلى بعض ما قاله الرافعي ﵀ في أوراق الورد، وهو قوله:
اعبسي لي ففي العبوس ابتسام ... لجمال منوع القسمات
والكلمة من ديوانه الصدى الأول:
اعبسي لي ففي العبوس ابتسام ... لجمال منوع القسمات
وادفعيني ففي الصدود اقتراب ... من معاني جمالك الأشتات
أيه وادعي علي دون حنان ... فدعاء علي منك يواتي
أعزوفا عن الجنان لأني ... لا أنال الجنان دون تقاة
أغناء عن الخلود أكيدا ... إن يكن مهيعي إليه مماتي
أأعاف النعيم لو يتبدى ... في لبوس النحوس والحسرات
قد عهدت الجمال أنفذ سحرًا ... وهو سر عنه الشفوف تشف
شوق الناس للبدور غياب ... وغمام على الضياء يرف
والورود الورود مطمح نفسي ... وهي بالشائك الأليم تحف
مرحبًا بالعبوس فهو ضياء ... قد جلا من محاسن القسمات
مرحبًا بالدعا تشابه به ... أنه العود رنة الكلمات
أنا أعطي لكي أنال كثيرًا ... وأصفي من الأسى فرحاتي
فأعبسي لي ففي العبوس ابتسام ... لجمال منوع القسمات
وادفعيني ففي الصدود اقتراب ... من معاني جمالك الأشتات
أيه وادعي علي دون حنان ... فدعاء علي منك يواتي
والتني كما تأثر بالرافعي تأثر أيضًا بالعقاد- ثم بسائر روح زمانه «الرومنسي» من شواهد الرومنسية الواضحة هنا هذا الإعجاب بالنفور والعبوس والغضب. هذا اللون
стр. 2924
النمري، [نسبة إلى النمر]. وقد لاحظ بر تراند رسل «أن» الرومنسيين يعجبهم الجمال الشرس كجمال النمر الذي أعجب وليم بليك، ولا يفطنون للجمال النافع كجمال حقل القمح. وفي متن هذه الأبيات التي أوردنا بعض الوهي. وشعر التني ﵀ في جملته لا بأس به وله في المدائح هو آخر ما نظمه، خرج فيه من الرومنسية التي من هذا الضرب إلى نوع من التدين قريب معدنه من الضرب الأول. وأكثر نشأة رجال الفكر في بلادنا كانت في أوساط دينية- وقديما قال الشاعر:
كل امرئ راجع يوما لشيمته ... ولو تخلق أخلاقنا إلى حين
﵀ ووكفت على جدثه شآبيب الغفران.
ما صنعه الأستاذ محمد المهدي مجذوب ﵀ في كلمته «صل يا رب (١) على المدثر» مختلف عن هذا الذي صنعه التني ﵀ إذ هو لم يرجع لتقيده قريش بأحساب الكرام وتميم. الإشارة هنا إلى قوله (٢):
فليتني في الزنوج ولي رباب ... تميل به خطاي وتستقيم
طليق لا تقيدني ... بأحساب الكرام ولا تميم
فقوله فليتني بان القيد مازال معه. فليتأمل جوانب منه. وليفصح عن محافظته وثورة وجدانه وافتنانه، افتنان المصور الدقيق عن كل ذلك معا، وليظل بعد ذلك جامعًا بين الرومنسية الثالثة وروح النهضة ثم متجاوزًا من بعد إلى ضروب من النهج الجديد.
ولا يخفي أن جانب النهضة يصحبه كما تقدم وصفنا له تجويد في متن النظم وحرص على نقاء الديباجة ومذهب الجزالة وأن ذلك قل إن يتفق مثله في الرومنسيتين الثانية والثالثة.
واعلم أيها القارئ الكريم اصلحك الله أن شأن الموجة التجديدية تخرج من بلاد العرب التي سبقت بالنهضة في مصر على الأخص إذ كانت حقا هي القائد في هذا الباب، تتأثر بها بلاد العربية الأخرى، وسرعان ما تلحق بها موجة تالية من
стр. 2925
التجديد فيكون من هم مازالوا غمرة الموجة الأولى، قد بلغهم فجعل يغمرهم دفاع الموجة الثانية وربما لحق بذلك ألسنة رشاش أو غمر كامل من موجة ثالثة وهلم جرا. فيلفى شاعر نهضي من أوائل المتأثرين بالنهضة قد أصابه رشاش من رومنسية الضرب الثالثة كالشيخ البنا والشيخ عبد الله عبد الرحمن ﵀. ويلفي شاعر من الجيل الذي كان تحرر التعليم الحديث قوي الأثر فيه، نهضيًا بحكم ما درس من العربية وما كان فيه مجتمع بلاده من طور التأثر بشعراء النهضة وإيثار الجزالة ولا بد له من موقف إزاء الرومنسية وما جاء بعدها من أطوار بحكم ملابسة المعاصرة وتعذر الانفصام عن المشاركة فيها بسلب أو إيجاب.
محمد المهدي مجذوب جمع بنهضيته بين المتانة والسلاسة ومذهب الجزالة ثم مع رومسيته أخذ بوجوه من التجديد الحديث. محمد عبده غانم حرص من رومنسيته على الصحة والتجويد النهضي وآثر أن يعيب مسائل من مستحدثات الهمس والرمز والخروج عن الوزن، أو كما قال في كلمة له قالها في مهرجان شوقي وحافظ:
ما أن عهدنا الهمس من خاطب ... أكسبه بكرًا ولا ثيبًا
ما للجماهير وللشعر إن ... لم تفهم النجوى ولا المطلبا
فتارة يهمس في أذنها ... كأنما قد هاب أن تغضبا
وتارة بالرمز ينتابها ... والرمز للصفوة إن أعجبا
هامت به بين استعاراته ... لا تنتشي إلا إذا أغربا
وقال ليل الفجر في أفقنا ... أطبق والبوم به أطربا
وكأسنا في قاعها قطرة ... ترفض أن تشرب أو تسكبا
ومن جيد شعر محمد المهدي، ونموذج من شدة أسره قوله: يصف امرأة تتدخن وهو ضرب من التزين، ومن الحمام الساخن، تقعد المرأة فوق مكان حفرة خاصة معد لتوقد فيه نار من خشب الطلح، ثم تشتمل المرأة وتستحم بدهان الطلح الخارج منها- قال والكلمة في ديوانه نار المجاذيب:
وحفرة بدخان الطلح فارغمة ... تندي الروادف تلوينا وتعطيرًا
لمحت فيه وما أمعنت عارية ... تخفي وتظهر مثل النجم مذعورًا
مدت بنانا به الحسناء يانعة ... ترد ثوبا إلى النهدين محسورًا
قد لفها العطر لف الغيم منتشرًا ... بدر الدجى وروى عن نورها نورًا
يزيد صغرتها لمها وجدتها ... صقلاً وناهدها المشدود تدويرًا
стр. 2926
وهجرها وبلاد السودان والأطراف اللاحقة به من أفريقية وبالعربية من بلاد باكستان والهند والشرق الأوسط والأقصى وداغستان وما وراء النهر وما امتد من ذلك بالهجرة إلى ما وراء البحر المحيط من هذه البلاد- وهذا سوى ما تقدم ذكره من هجرة مهجريي لبنان وسورية- كل ذلك مما مرت به وتمر في شعر العربية خاصة موجات النهضة والتجديد على دفعات متتالية. وكل ذلك مما ينبغي أن يتنبه له ويحرص على درسه، ولا يتسع المجال ها هنا للاستقصاء والتحليل- وهاك مثلا من ديوان الحرية لابن ثابت أورده الدكتور الطريسي أحمد غراب في رسالة للدكتوراه بعنوان الفن والشعر الحديث بالمغرب ومن ثم آخذيه:
لا تسلني كيف كان الأمر إني لست أعلم
كل ما أعلم أني بت في جوف جهنم
وقضيت الليل والليل سعير يتضرم
هائجا يارب ماذا قد جنيت الليل فارحم
تقفز الأحرف من فيه شرارات تكلم
قال لي ربك أدري بك يا صاح وأحلم
أنت منه قد طلبت النار يومًا أنت أظلم
أو لم تسمع إليها وتراها بك أكرم
فذق النار التي أبت إليها وتعلم
فلعل النار تهديك وهدى النار أقوم
أول هذه القطعة معجري متأثر بطلاسم إيليا أبي ماضي، ثم انتقل ابن ثابت، صاحب هذه الأبيان إلى الرمز وأسطورة برومثيوس. وهذا في معنى ما قدمناه من تداخل دفعات الأمواج. والأصل «رومنسي» ثالث لفق به غيره على نحو ما يقال له إكلكتكي- Eclcctic- أي يأخذ من المذاهب المختلفة ويترجمونها بتلفيقي ولا تعجبني إذ ليس التلفيق مذهوبًا فيه إلى أخذ متعمد باستحسان واختيار من مواضع شتى قد لا تتلاءم، ولكن هو ما لفق فيه شق من ثوب بشق آخر أومن ثوبين مختلفين مع حسن الملاءمة اللهم إلا أن نزعم أن الاكلكتكي إنما يريد الملاءمة الحسنة وفيه بعد. والله تعالى أعلم.
هذا وقد مثلنا أكثر ما مثلنا لأهذ على محمود طه وناجي من رومنسية كيتس وكلردج. وليس القصد إلى استقصاء في «الأدب المقارن»، وإلا فغير محتاج إلى كبير دليل أن أخذهم قد تجاوز هذين وغيرهما من رومنسيي الإنجليز وخاصة شيلي، فقد ظل محبوبًا مقروءًا بين محبي الرومنسية من العرب ولا سيما منظومته Ode to the West
стр. 2927
Wind (قصيدة للريح الغربية) و Ode to the Skylark (قصيدة للقبرة) ووردزورث شاعر الرومانسية الإنجليزية الكبير إلى رومنسيي الفرنسيين كلا مرتين ودي موسيه ودي فيني وفكتور هوجو، وقد ترجم إلى العربية من جميع هؤلاء، كما كان لكثير من أدباء مصر والسام والمغرب بهم معرفة وإلمام واسع- على أن شعراء الرومنسية الإنجليزية كانوا بسبقهم لهم أثر على الرومنسية الفرنسية كما قدمنا من قبل. قالت مدام دس ستايل في بعض تعميماتها: «الأمة الفرنسية التي هي أعظم الأمم اللاتينية حضارة وتثقيفًا تؤثر المذهب الكلاسيكي وتحاكي به اليونان والرومان. والأمة الإنجليزية وهي أبهى الأمم الجرمانية مكانًا، تقصد إلى الشعر الرومانتيكي وشعر الفروسية وتجد أعمالها الكبرى في هذا الباب» فهذا من معنى ما تقدم إن شاء الله تعالى.
الضرب الرابع وهو رومنسية الفقير المفقود
أو قل الفقيه المفقود أو ما أشبه، وهو الذي أقبل على الثقافة الدينية وأحسن بأن فوائد العصر من جاه وحضارة جديدة وما إلى هذا المعنى، كل ذلك فائته إن هو لم يرم (١) مكان الشيخ الفقيه العالم القديم. كان للتعليم الديني هو أصل التربية والتأديب في جميع بلاد المسلمين، يبتدأ بالقرآن ثم يصار منه إلى الفقه والنحو وسائر علوم اللسان والدين. وكان يقال لمعلمي القرآن عندنا الفقراء وربما قيل لهم «المهاجرون» من قوله تعالى «للفقراء المهاجرين ... » وهم الصحابة المهاجرون الأولون العلماء. وهذه التسمية قديمة. وفي شرح الأعلم الشنتمري الملحق بهوامش طبعة بولاق للكتاب:
أتيت مهاجرين فعلموني ... ثلاثة أحرف متشابهات.
وخطر لي أبا جاد وقالوا ... وتعلم سعفصن وقريشيات
ويقال الفقيه ولها وجوه مختلفة في النطق العامي في شتى بلاد العرب: الفقي الفكي الفئي (٢) ...
ثم جاء التعليم الحكومي أو شبع الحكومي العصري مع الاستعمار المباشر وغير المباشر، وكان سبيلاً إلى الوظائف ومراتب الدولة وفي ذلك من السلطة والجاه، وانحصر أمر الوظائف المتاحة «لفقراء» الدين إلى إقامة المساجد والقضاء الشرعي والوعظ. ولا ريب
стр. 2928
أن هذا كان يصاحبه غير قليل من الشعر بالمظلمة والسخط. وفي بلادنا، أيام الحكم الثنائي، كان للقضاء الشرعي قسم خاص به في كلية غوردن (١) يكون للمتخرجين منه إلمام باللغة الإنجليزية مع ما تلقوه من علوم الشريعة على مذهب الإمام أبي حنيفة (٢) ﵁، فكان هذا فيه تضييق من الفرص على خريجي التعليم الديني البحت غير المشوب بشوب من هذا النهج الجديد.
حرص كثير من الشبان المتخرجين من التعليم الديني على ألا يعدوا جانيا متخلفا عن مسايرة روح العصر، حرصوا على أن ينتموا إلى العصر، ويزيدوا على الانتماء بأن يكونوا فيه أولى صدر وقيادة، ومن هذا المبدأ نشأ بين أصحاب الملكة من بينهم اتجاه يجمع بين الثورة على المحافظة «التقليدية» يرون أنها هي معدن التأخر، وتطلع إلى الحرية- الحرية من قيود هذه المحافظة، والحرية التي ينشدها جميع الوطن العربي من الاستعمار، والحرية التي ينشدها الشباب في الجمال والهوى والطلاقة والصعود المجنح إلى الأحلام البعيدة، أحلام الجاه، أحلام العصر والانتماء المسحور.
أبو القاسم الشابي، الشاعر التونسي، ابن القاضي، أديب مسجد الزيتونة وخريجة ممن يعد رمزا لهذا النوع من الرومنسية، وقد تأثر بشعراء المهجر وأنفاسهم المعرية الإلحاد، يشهد لذلك وبه قوله:
نحن نمشي وحولنا هذا الأكـ ... ـوان تمشي لكنه لأية غاية
نحن نشدو مع العصافير للشمـ ... ـس وهذا الربيع ينفخ نايه
نحن نتلو رواية الكون للمو ... ت ولكن ماذا ختام الرواية
هنا أدركه بعض الإعياء وإنما حام حول معنى أبي الطيب:
تمتع من سهاد أو رقاد ... ولا تأمل كرى تحت الرجام
فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام
وقول «ختام الرواية» يبدر منه إلى الذهن أن ختام الرواية هو الموت، ولكن قوله إنه يتلوها للموت على أن الموت غاية بهيمنته وإشرافه، إذ لا يعقل أن يكون هذا الموت يتلو هو رواية الكون له شعرا مجرد سامع ومستمع كما نصنع نحن إذ نشهد
стр. 2929
تمثيلية من المسرحيات. إذن يعني ما ختام روايتنا كلها؟ وتكون في هذه الحالة مثل رواية هامليت التي هي داخل المسرحية الكبيرة
the play's the things
Wkerein I'll catch the conscience of the King
«المسرحية هي الشيء
الذي أمسك فيه ضمير الملك بيدي»
والبيت الذي يلي فيه ضعف، والحق أن قوة نفس الشاعر بلغت مداها عند قوله:
نحن نتلو رواية الكون للموت ثم أدركه بعد ذلك إعياء
هكذا قلت للرياح فقالت ... سل ضمير الوجود كيف البداية
والكلمة فيها بعد مع الشك المعري الرومنسي «الجبراني» المنحى نظر إلى بحر المعري ورويه في الكلمة التي رثى بها أبا القاسم المغربي الوزير (ت ٤١٨ هـ): -
يا أبا القاسم الوزير تغيبـ ... ـت وخلفتني ثقال رحايه
يشير إلى قول زهير «فتعرككم عرك الرحى بأثقالها» أي معها ثفالها
إن نحتك المنون قبلي فإني ... منتحاها وإنها منتحايه
ولكن في نظم أبي القاسم الشابي من جودة الصياغة ما لا نجد نظيره عند ناجي وعند علي محمود طه، ذلك بأن أساسه في العربية جيد، ولو أخلص له كل الإخلاص، ولم تفتنه أضواء مدنية العصر الحديث فخف لكي يتأعصر لكان أسلوبه في النظم أمتن وأبعد مما نجده يعروه حينا بعد حين من الوهن نحو قوله: ولكن ماذا ختام الرواية؟ ونحو قوله: هكذا قلت للرياح فإنه ليس لها كبير معنى ههنا.
قولنا «يتأعصر» أي يكون من هذا العصر، من قولك أعصر تقيسه على أنجد أي صار في مجد وأتهم أي صار في تهامة وأصبح أي صار في الصبح وأضحى أي صار في الضحى وأعصر أي صار في العصر. وربما قيل الآن تعصرن وتعقلن ولا يعجبني ذلك وله وجخ بعيد وهو قولك ضيف وضيفن أي ضيف الضيف بزيادة نون عليه. وأشهر شعر الشابي أبوليته، أي قصيدته التي ذاعت من طريق مجله أبولو.
стр. 2930
عذبة أنت كالطفولة كالأحـ ... ـلام كاللحن كالصباح الجديد
كالسماء الضحوك كالليلة القمـ ... ـراء كالورد كابتسام الوليد
يا لها من وداعة وجمال ... وشباب منهم أملود
هذا البيت ضعيف بالنسبة إلى تتابع الشبهات من قبل المشعر بقوة الانفعال. وأتبع الشاعر «يا لها» هذه الأولى باثنتين بعدها:
يا لها من طهارة تبعث التقـ ... ـديس في مهجة الشقي العنيد
هل الشقي العنيد هو الشاعر نفسه؟ ثم ما هذه «التقديس» الكلمة المسيحية الظلال؟ وهل الشقي أيضًا كلمة مسيحية الظلال بمعنة صاحب الخطيئة المذنب؟ أو هي قرآنية الأصل «فمنهم شقي وسعيد» تأعصرت بإشراب من ظلال مسيحية؟
يا لها رقة يكاد يرق الـ ... ـورد منها في الصخرة الجلمود
وهل الصخرة قلبه؟ واليالهاءات الثلاث لم يزدن شيئًا على قوة البيتين الأولين، وكأن الشاعر أحس هذا فعدل عنه إلى وجه آخر:
أي شيء تراك هل أنت فينيـ ... ـس تهادت بين الورى من جديد
وفينيس هنا يتأعصر بها الزيتوني، ولا بأس عليه من ذلك، فهي كهذا الزي الإفرنجي الذي جعل الناس يلبسونه.
لتعيد الشباب والفرح المعـ ... ـسول للعالم التعيس العميد
أم ملاك الفردوس جاء إلى الأر ... ض ليحيى روح السلاك العهيد
ملاك «مسيحية» يتوهم العصري فيها الرقة لأن «الملك» قد يتبادر منها معنى «ملك الموت» ومعنى يوم القيامة «وجاء ربك والملك صفا صفا» والعهيد تبرز منها عمامة الفقير الفقيد، إذ هي فعيل بمعنى مفعول؛ هذا أمر لا يقدم عليه إقدامًا أمثال أبي شادي أو ناجي أو المهندس أو جبران.
ثم هذه الخطابة الرومنسية بالفحاصة والبيان القرآني: ﴿القارعة ما القارعة﴾ ﴿الحاقة ما الحاقة﴾ ﴿والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق﴾
أنت ما أنت ..
ثم يجئ العصر الحديث والانتماء إليه:
أنت رسم جميل ... عبقري من فن هذا الوجود
أي من جمال فنون الطبيعة. شيء من فلسفة وحدة الوجود. حتى هذه المعاني العميقة
стр. 2931
عندنا يا معشر العصريين. كأن هنا نوعًا من الملاقاة بين هذا الضرب الرابع المتأعصر والأول المدافع المتحدي:
فيك ما فيه من غموض وعمق ... وجمال مقدس معبود
أنت ما أنت أنت فجر من السحـ ... ـر تجلى لقلبي المعمود
وفجر هنا ترف عليها طيوف من الصلاة وصوت المؤذن «الصلاة خير من النوم». والفجر أول بدء الإسفار حق جميل. وأكثر ما يذكر الفرنجة «Dawn» يعنون به ضوء الصباح، وكذلك Aube الفرنسية، والصلاة عند ذلك ليست بأداء ولكن قضاء- أعني صلاة الغداة المفروضة.
ثم تجئ أنواع من التكرار. وقد أدار الشابي معاني قصيدته كلها على خطابة لفظية تعطوا بيد ولا تستطيع التناول حقا من ثمرات ما يخيل إليه أنه هو التفطير المتحضر الفني العصري. الغناء بالطبيعة المشبهة بها هذه الحسناء ينقصه التأمل. ليس فيه حديث المعرفة بالطبيعة التي ينبعث منها الإيحاء بالحب لها، والاتحاد القبلي مع جمالها. هذا واضح عند «كيتس» وواضح أيضا في ريح «شيلي» الغربية إذ هو لا يكتفي بالخطابة اللفظية ولكنه يتأمل الطبيعة نغسها ويضع أنامل تأمله على تفاصيلها- الأوراق الميتة المتطايرة صفرا وسودا وشواحب وقانيات، والحبوب المجنحة التي تستطردها الريح في مركباتها إلى مراقدها الشتوية المظلمة .......
Loosc clouds likc carth's dccaying lcaves arc shcd, ...
Shook from the langlcd boughs of Heaven and Occan,
(١) Angels of rain and lightning
واضح في شعر «وردزورث» عن ضروب الأزهار وضروب مناظر الريف- الفتاة الجبلية مثلا، لا بل واضح في شعر إيليا أبي ماضي على شح ما فيه بالنسبة إلى هؤلاء- ذكر التراب والجدول والقطرة والآزر والزنبق والسوس وحقل القمح والشمس والبدر والنجوم والجبال والعشب والندى والجنى والشجر والربيع والوحل والشتاء. ولا يزعمن واعم أن لبنان بحسنها هي التي أوحت جميع هذا إلى شاعرها المشتاق الآئب، نعم حسنها لا ريب فيه. ولكن تونس الخضراء هي أيضا جميلة وفيها ضروب من
стр. 2932
الشجر والثمر والزهر. ولكن شاعرها الرومنسي برومنسية ابن المسجد المحني الضلوع على ألوان من الثورة على المسجد، هو أيضا ابن مدينة قليل التعلق بتفاصيل جمال الريف. الطبيعة التي يعشقها هي طبيعة هذا التصوف الحضاري الجديد المنبعث من العرب ولا ليلات نشيد الأذكار الصوفية والمدائح النبوية، ولكن من توهم ترانيم كنيسة في القلب. من العجب أن إيليا أبي ماضي ليس في نونيته من الكنيسات كما في دالية الشابي هذه.
على أن للشابي مقدرة الخطابة المسجدية ذات المترادفات والمتزاوجات الكثيرة. ثروة من التدفق اللفظي. أما المعاني- بل تأمل هذه الأبيات: -
فأواه الحياة في مونق الحسـ ... ـن وجلى له خفايا الخلود
أنت روح الربيع تختال في الدنيـ ... ـيا فتهتز رائعات الورود
وتهب الحياة سكرى من العطـ ... ـر ويدوي الوجود بالتغريد
كلما أبصرتك عيناي تمشيـ ... ـن بخطو موقع كالنشيد
في ذا البيت محاولة تعبير انفعال صحيح عبر عنه الشاعر بأمر لعله كان يراه ويعرفه وهو هذا الحقل المجرود- هذا البيت من التفاصيل النادرة في القصيدة ولكن له أصلاً من مادته القرآنية كما لا يخفي وأحسب أن هذا هو أصل التعبير لا تجربة المشاهدة والله تعالى أعلم.
وانتشت روحي الكئيبة بالحـ ... ـب وغنت كالبلبل الغريد
أنت تحيين في فؤادي ما قد ... مات من أمسى السعيد الفقيد
وتشيدين في خرائب روحي ... ما تلاشى من عهدي المجدود
هذا البيت تكرار للذي قبله.
من طموح إلى الجمال إلى الفـ ... ـن إلى ذلك الفضاء البعيد
وتبثين رقة الشوق والأحـ ... ـلام والشدو والهوى في نشيدي
بعدما عانقت كآبة أيا ... مي فؤادي وألجمت تغريدي
معانقة الكآبة للفؤاد وإلجامها للتغريد فصاحة مسجدية الأصول (من أبي تمام مثلا) عصرية الفروع. ثم تجئ التأعصرات بالمعاني المسيحية والأساطير الرومية:
стр. 2933
أنت أنشودة الأناشيد غنا ... ك إله الغناء رب القصيد
فيك شب الشباب وشحه السحر ... ـر وشدو الهوى وعطر الورود
وتراءى الجمال يرقص رقصًا ... قدسيًا على أغاني الوجود
وتهادت في أوق روحك أوزا ... ن الأغاني ورقة التغريد
فتمايلن في الوجود كلحن ... عبقري الخيال حلو النشيد
خطوات أسكرنه بالأناشيـ ... ـد وصوت كرجع ماي بعيد
هذا من مفضلية الحارثي: «نشيد الرعاءالمعزبين المتاليا» فهذا رجع ناي بعيد كما ترى.
وقوام يكاد ينطق بالألـ ... ـحان في كل وقفة وقعود
كل شيء موقع فيك حتى ... لفتة الجيد واهتزاز النهود
تفاصيل المنظر الجنسي المتمثل في مشية هذه الفتاة الأفرنجية، الرومية، قولا واحدًا، وهي كما هي جنس هي أيضًا كسر أو رمز لكسر القيود المسجد وحجاب البنات وقساوة قلوب غيرة المحافظة العربية المسلمة المتمسكة خلافًا لإسلامها ببعض روح الوأد الجاهلي المسئول عنه يوم القيامة- هذه التفاصيل هي التي تملي على الشابي الدفعة بعد الدفعة من التعبير القوي ثم يترنم بعد بالنشيد واللحن والتحبب إلى ألفاظ الأساليب العصرية بملكة مستفادة من خطابه أئمة الدين وبلغاء «الفقراء» ومحفوظ قديمًا الأساليب ذوات البيان. «وشحه السحر» مع وشاح ثريا امرئ القيس وغيره من الشعراء الأوائل. «سكري من العطر» ... عطر الندى والعود وبخور حلقات الصوفية مع فواح عطر فرنسية المنبعث من «البرومناد» وهو عطر الورود لأن الورود ههنا هي الفتيات بلا ريب. ثم السكر بالخطوات نظر عرام. والأناشيد أناشيد الكنيسة التي توهمها الشاعر. ثم جاءه تداعي المعاني بقول عبد يغوث الحارثي:
ولا شك كان ﵀ يحفظه. «المعزبين المتاليا» أي الذاهبين بها بعيدًا في المرعى فالناي البعيد، كما تقدمت الإشارة منا إلى ذلك من ههنا. ثم تعود ألحان الكنيسة المتوهمة وموسيقا أوروبا في نظرة عارمة مرة أخرى إلى القوام والجنس- القعود كناية عن ثقل العجيزة واختلاج الوركين بالثياب. ثم أتم الصورة لفتة الجيد واهتزاز النهود، واحتفظ بتوقيع سحر الموسيقا: ناي عبد يغوث الذي في قلبه؛ ترانيم ثالوت
стр. 2934
فالإله العظيم لا يرجم العبـ ... ـد إذا كان في جلال السجود
هذا المعنى قرآني الأصل: ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ [الأنفال] هذه الأبيات من «عذبة أنت» إلى «السجود» هي مختار القصيدة وسائرها بعد إطناب وإسهاب، بعضه أفضى إليه اندفاع الشيبة وبعضه إرث الفقير المسجدي من المباهاة بطول النفس، وأكثره فرط إلحاح على قرع باب الانتماء إلى دنيا التجديد وعالم رومنسيتها المسحور: الطبيعة، الربيع، اللحون، الأحلام، تحطيم القيود، النور، تبديد الظلام، هذا الحشو الهوائي كأنه ضرورة للتعبير عن الضيعة التائهة والازدواجية المركبة، والجند الغريب الذي تغلغل في صميم دولة غرف الإسلام والعرب، والشابي به صيحة حيرة وطموح وإخفاق.
التجاني يوسف بشير ﵀ [١٩١٢ - ١٩٣٦ م] مما يقرن اسمه باسم الشابي ويقال إنهما شاعران متشابهان (١) - بينهما تشابه من حيث إنهما كليهما لم يتلقيا تعليمهما في مدارس العصر الأفرنجية الرومية النظام، ولكن في «الخلوة» [أي كتاب القرآن] والجامع وعاصرًا زمان دعوة التجديد ومجلة أبولو في مصر وحركة شعراء المهجر، وتثقفًا بأدب النهضة، وشهدا أوائل دعوة القومية والتحرر من ربقة الاستعمار، وشاركا في ذلك بجهد ما استطاعا من انفعال القلب وبيان القلم.
صم بينهما مع هذا التشابه اختلاف كبير. السودان بالنسبة إلى مصر وتونس والشام بادية وصحراء. «والبقعة (٢) التي كانت أكبر مدن السودان على زمان التجاني، ولا تزال، ما كانت حينئذ إلا أحوية وجدرا من طين، لولا بقايا أنقاض من سور الخليفة
стр. 2935
عبد الله وجانب من قبة المهدي المهدومة وبعض مباني الحكومة الرسمية من الآجر وطابق أرضي واحد. وشارع مرصوف واحد وسطها يسير عليه الترام وما بنيت قنطرة النيل الأبيض إلا وهو ابن خمس عشرة أو ست عشرة سنة.
وفي شعر التجاني ﵀ تليين في حضارة ولكن أسر البداوة عليه أغلب. ثم حظه من التفصيل في الوصف والدقة في المعاني أوفر، مثلا وصفه الساقية وقواديسها [أي جرارها عندنا]: (١)
وهب صوت النواعيـ ... ـر وهو في الشجو مر
إن الجرار وقد ضا ... ق بالقليب الممر
تكسرت وهي تهوى ... فما تلاءم كسر
فتلك معصوبة الرأ ... س كم تني وتخر
وتلك مرضى وهاتيـ ... ـك للخواطر قبر
ليت شعري هل كان يمكنه تجنب «النواعير» وهي كلمة مع وضوح دلالتها غير مستعملة في بلده وقد تعرف في بلاد أخرى؟ ألو تمسك بالسواقي وهو اسمها المعروف في بلده أما كان ذلك أقوى لأمره وإن اضطره إلى تشديد الياء مشعرًا لها صنفا في نسبة. وكذلك الجرار فالجر- بفتح الجيم- في عامية قومه هو حب الماء الكبير [الزير] وجرة الساقية الصغيرة التي إنما هي دلو اسمها عندنا القادوس وقواديس الساقية الصغيرة التي إنما هي دلو اسمها عندنا القادوس وقواديس الساقية جرارها كما مر بيان ذلك منذ حين قريب على استعمال الجرار هنا يشفع أنها أوضح لقراء العربية. ثم قد آخى بين قاف «القليب» وقاف «ضاق» فاحتاجت راء «الممر» إلى ما يؤاخيها ولعل هذا ما جعله «النواعير» على «السواقي». وقد يرى القارئ بعد دقة الوصف وقوة ملكة اللغة- يعجبني قوله «فتلك معصوبة الرأس» وقوله «تني وتخر» إذ هكذا ترى كثيرًا من قواديس الفخار والساقية بها تدور ولعل ما يخاص منها من مائها متشلشلاً سربًا إلى قليبها بمقدار ما ينساب في الجدول أو أكثر وقوله «وتلك مرضى» أراد به عدة قواديس إذ «مرضى» جمع. ويجوز في قوله «فتلك
стр. 2936
معصوبة الرأس «وقوله: «وهاتيك إلخ» أن يكون أراد به الجمع أو المفرد وإرادة المفرد في المعصوبة أحب إلى وأقوى في التصوير.
ومن علامات الرومنسية والتأعصر قوله، والأبيات من هذه القصيدة نفسها إذ يقول:
كم ذا تمازج فن ... على يديك وسحر
يخزر ثور وتثغو ... شاة وتنهق حمر
والبهم تمرح والزر ... ع مونق مخضر
تجاوب الطحن واللحـ ... ـن والثغاء المسر
وموضع الرومنسية مدح البداوة والتعلق بالطبيعة ها هنا. وجزيرة «توتي» الموصوفة في هه القصيدة في وسط بحر النيل بين الخرطوم وأم درمان [البقعة] وكانت بادية محضة البداوة إلى زمان قريب. وقوله ﵀ «تجاوب الطحن واللحن» أمر ينبغي أن يشرح وليس مشروحا في الديوان إذ كان- أيام طبعه- هذا المعنى معروفا، وذلك أن النساء كن يطحن الذرة على المراحيك، وطحن المرحاكة هو الموصوف في قول الحماسي:
تقول وصكت نحرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المقاعس
إذ الرحى التي تدور لا تقاعس معها ولكن الذي يبرك ليطحن بالمرحاكة يبرز صدره ويتقاعس.
وكانت البنات حين يطحن بالمراحيك (١) يتغنين بأراجيز لهن وربما شكون فيهن الأسى والعناء.
ومن مواضع الرومنسية قوله الذي مر في جرار الساقية:
وتلك مرضى وهاتيـ ... ـك للخواطر قبر
стр. 2937
فقد جسدها كما ترى، ولا يخلو مراده من غموض. أي تلك الجرار متداعية منهارة وهاتيك لا أمل فيها وفي صناعة البيت تعب. هذا، ولعل قوله «للخواطر قبر» له ارتباط معنوي بذكرة الفلاحين من بعد، أي حال هذه الجرار قبر لخواطرهم لقلة المال الذي يجعلون به جرة أخرى في مكانها.
ومن تفصيله مما سبق الاستشهاد به الحديث عن بحر المجتث في الجزء الأول من هذا المرشد، بذكرة شجرة مطلة على الشاطئ:
ورب قنواء للعصـ ... ـم والأنوق مقر
وقد سبق مأخذنا ما أخذنا على هذا البيت
أوفى على النيل فرع ... منها وأشرف جذر
هذه صورة غاية في الدقة، ثم زاد في تفصيلها حيث قال:
يقلها الدهر عرقا ... ن مستطيل وشبر
يكاد يلفظها الشط ... وهي شمطاء بكر
وبعد وصفة الطحن واللحن والحرار التي حالها للخواطر فبر، صور الزراع، وقلما تستعمل كلمة «الفلاحة» والفلاح عندنا، وإذا قيل في الدراجة «فلاحة» بفتح الفاء فهو الفلاح وصاحب «الفلاحة» التي من هذا النوع «فالح ناجح».
كم في المزارع قوم ... شم العرانين صعر
كل منهم سيد نفسه
هبوا سراعا إليها ... وليس منها مفر
لفرط الشقاوة في السقي والحرث، والأرض صلبة وحر النهار ساعر، ولكن لا بد مما ليس منه بد
ذياك يعزق في العشـ ... ـب جاهدا ما يقر
وذاك يعنيه حرث ... وذات يعنيه بذر
стр. 2938
وماج في الغيط نشء ... ملء النواظر خرز
الغيط كلمة مصرية لا تقال عندنا فأحسبه اضطر ليقيم بها الوزن وهي بعد عربية. وأما «خرز» فقد جلبتها القافية، ولها بعد معنى صحيح في هذا الموضع لأنهم يعملون مع آبائهم وينظرون من جانب وبتضييق للعين من الغبار، وأراد أنهم حزاوة لهم نشاط، فهم ملء النواظر وهي بشيطنتهم خرز العيون.
هناك فول وهذا ... ك في السنابل بر
وله في صفة الغلام إلى «الخلوة» [كتاب القرآن] كارهًا:
هب من نومه يدغدغ عينيـ ... ـه مشيحًا بوجهه في الصباح
هنا مضغ للكلمات فيه حسن الترنم، ولكن فيه لينا، ذلك بأن قوله «هب من نومه» كلام تام، «يدغدغ عينيه» بعده نوع من استدراك ومضغ على ما فيه من زيادة الوصف، وكذلك قوله من بعده «مشيحًا بوجهه» إذ من يدغدغ عينيه يشيح ضربة لازم
ساخطًا يلعن السماء وما في الـ ... أرض من عالم ومن أشباح
هنا مبالغة آشبه بعقول سخط الكبار منها بعقول سخط الصغار. والأشباح ليلية لا نهارية- وغير خاف أن الغلام هنا هو الشاعر، يفكر آنا بالذكرى وآنا بالحال والحاضر فيلعن السماء والأرض على لسان هذا الصغير الذي يتذكره. ولعنة السماء من لسان ابن الجامع- أو قلمه- آبدة، رومنسية ثالثة!
حنقت نفسه وضاقت به الحيـ ... ـلة فاهتاجه بغيض الرواح
الرواح في اللغة الفصيحة يكون مساء وفي الدارجة مما يقع على الغدو والرواح جميعًا. ولكن في البيت طولا فيه تلمظ للكلمات، هذا من التليين. وهذا البيت والذي قبله لو جاء بهما أوجز لكان ذلك أفصح، ولكن الإطناب أدخل في معنى التأمل الرومنسي. والأبيات التالية فيهن وصف متقن صادر من خيال خصب.
وأهابت به الظلال وقد نشـ ... رن في جلوة القرى والبطاح
стр. 2939
كأن في كلمة «البطاح» قلقًا إذ البطاح لا تقابل القرى، إذ القرية قد تكون بالأبطح وغيره. وهل عنى بالقرى ما كان «بأم درمان» من حلل كالمتفرقات، بينهن ضروب رواب وحفر وبطاح؟ أم ليست شعري هل رأي، هل اتفق له أن رأى ديار أصول أهله وعبر النيل من ناحية المحمية حيث المطمر والجبل والمباني على التل والظلال قد تنتشر من ثم إلى الأبطح فعلقت هذه الصورة بذهنه؟ ويظهر من حديثنا مع من لقينا من أهله أنه لم يرم أم درمان.
ومشى بارما يدفع رجليـ ... ـه ويبكي بقلبه الملتاح
صورة الرجلين وقد يركل حجرًا هنا وحجرًا ثم، جيدة بالغة.
ضمحت ثوبه الدواة وروت ... رأسه من عبيرها الفياح
كأنه كان يحمل الدواة على رأسه أو يمسح رأسه بالقلم. ومداد الدواة من السكن [بالتحريك] وهو في عاميتنا السواد الذي تتركه النار على الآنية مع الصمغ ولذلك فيح من تخمير الصمغ. ولعل الغلام كان يلبس خرقة واحدة فوق السراويل، وكانت تلك عادة قومنا حتى جاء تغيير هذا الزمان. رووا عن الشيخ ود الشيخ الطاهر المجذوب ﵀ أنه قدم «البقعة أي أم درمان» أول أيام الاستعمار بالقوب مخالفا بين طرفيه، كما جاء في السنة وكذلك كان لباس الناس عندنا عامة والفقراء» [أعني العلماء] خاصة. وإنما استقدم الشيخ ﵀ تحت المراقبة لسابقة قتاله الكفرة مع عثمان دقنة رحمهما الله تعالى. وكان الشيخ البدوي، ﵀، شيخ الجامع وكبير العلماء آنئذ قد شفع فيه فلم يعدم، وأشار عليه بأن يتخذ زي العلماء وهو الجبة والقفطان والعمة ذات الطربوش الأحمر المغربي فأبى واحتج فيما ذكروا بأن الثوب الذي يلقى به ربه في الصلاة ليس أحد من البشر، حكام أو سواهم، بأكبر من أن يلقاه فيه، ﵏ جميعًا:
ورمى نظرة إلى شيخه الجبـ ... ـار مستبطنا خفى المناحي
نظرة فسرت منازع عينيـ ... ـه ونمت عما به من جراح
الذي رمى نظرة غلام شيطان ناشئ وهذا الذي به جراح هو التجاني الشاب الذي يريد حطم القيد وقد ثقلت عليه قيود الحياة ويحس في أغوار صدره وجع المرض ثم
стр. 2940
انظر أيها القارئ الكريم إلى هذه الصورة من قراءة «حيران الخلوة» أي غلمانها المفرد حوار بتشديد الواو وتخفيفها وضم الحاء المهملة
ونفوس سجا الكرى في حواشيـ ... ـها ودب الفتور في الأرواح
هذه قد تكون نفوس ركب مسافرين. وهذا من التجاني فيه جمع بين إطناب بالكلمات كأنما هي المرادة لجرسها دون ما تدل عليه من صور، وبين محاولة التصوير في نفس الوقت. هذا التلذذ والتصنيع هو من باب ما قدمناه أولاً من تليين في صياغته هو بى ريب جزء من نعومة «الرومنسية» الانتماء إلى رونق حضارة العصر وأناقتها بتخير اللفظ الفصيح الحلو المتحضر ذي الظلال
فارجحنت مهومات وما تبـ ... ـرح مركوزة على الألواح
» ما تبرح إلخ» عربي فصيح. «فارجحنت مهومات» ألفاظ متخيرات لهن ظلال. ولو قد أراد التجاني أو سمحت نفسه لشدة الأسر لكان يؤثر الخلوص إلى إنجاز الصورة واضحة على البدء بتزيينها قبل تمام الإنجاز، تأمل قوله:
كلما لفها النعاس وأضفى ... فوقها عالما ندى الجناح
قصف الرعد في المكان ودوى ... مرزما صاخبا قوي الصياح
فهذا ما ترى من الاستعارة المرشحة [لفها- أضفى] والتشبيه المشتمل على إشارة قرآنية (أضفى فوقها عالمًا ندى الجناح) من قوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ وفيه نظر إلى قول ذي الرمة:
طراق الخرافي واقع فوق ريعة ... ندى ليلة في ريشه يترقرق
وبعد قوله: «قصف الرعد» إطناب ضخك في قوله: دوى، مرزمًا، صاخبًا قوي الصياح. ثم يقول من بعد:
فاستفاقت وهيمنت بعض أشياء ...
وهذا نعت صلت مباشر وصورة حال الصغار إذ ينام منهم من ينام إعياء ويتناوم من يتناوم عفرته، ثم يزجر الشيخ الجبار- كالحجاج بن يوسف- زجرته فيصحو النائم والمتناوم ويهينم الحوار إذ يكون قد نسى موضع ما يبدأ به. قوله: «هيمنت» على حسن
стр. 2941
جرسه وجودة تصيد اختياره، هو اللفظ الدقيق المعبر حقًا في هذا الموضع ولكن تمام البيت « ... وعادت وعاد قصف الرياح» جار على ما سبقه من أسلوب الاستعارة والروح الرومنسي التلمس للتعبير والتصوير، إذ ليس ههنا قصف ولا رياح، ولكن هذا تمثيل مثله الشاعر لزجر الشيخ وهوله واستعان عليه بطبيعيات الرومنسيين وزينه بما له من عناية ومعرفة بالألفاظ والتلذذ بنقائها وحلاوتها.
هذه الزينة التي مردها إلى إيثار الاستعارة والتشبيه والجرس اللذيذ هي عطاء «ومساهمة» متعمدة يجود بها التجاني من ثروته اللغوية البيانية ليزيد بها إنتاج التجديد العربي وفي طي ذلك تنبيه إلى مكان نفسه ومكان الجامع من هذا العطاء وهذه المساهمة تأمل قوله «دوى» بالتضعيف، قل من الرومنسيين من يجئ بهذا الفعل مضعفًا وإنما يقال دوى (باب ضرب) بالتخفيف ولعل القياس يجيزه ولكنه أي هذا الثلاثي المخفف ليس هو الفصيح الجيد على الأرجح إذ لم يرد في القاموس. وتأمل قوله: «هينمت بعض أشياء» إيجازه وفصاحته. وتأمل جودة الاستعارة في «لفها النعاس» ومن شعر التجاني المشهور قوله في النيل:
أنت يا نسب يا سليل الفراديـ ... ـس نبيل موفق في مسابك
كم نبيل بمجد ماضيك مفتو ... ن وكم ساجد على أعتابك
وكأن القلوب مما استمدت ... منك سكرى مسحورة من شرابك
قوله «كم نبيل» هب عنى به «شوقي» وهل يعرض بأنه لم ير من جمال النيل إلا مجد الفراعنة؟ ويكون هو الرومنسي الساجد على الأعتاب، وقد صار النيل معبدًا ذا أعتاب؟ قوله يا سليل الفراديس تعبير عصري رقيق، أصله ديني إذ هو من حديث المعراج- أصله من الجامع وقد جعله التجاني بروح عصريته كأن ليس أصله من الجامع. ومن الجامع، مع اعتداد بذلك خفي، أصله. هذا أمر آخر به التجاني مختلف عن الشابي: اعتزازه بالتحصيل الذي ناله من علوم العربية والدين. كأن التجاني بهذا الاعتزاز فيه أنفاس من الضرب الذي ذكرناه أولاً من الرومنسية، ضرب الرافعي الذي أدخلناه في الرومنسية لنخرجه منها، غير أن التجاني بما خالط نفسه من ثورة على المحافظة ورغبة شديدة في التجديد وإيمان بضرورته مع الإحساس القوي بروح الحركة الوطنية ومناهضته الاستعمار، ثم يخالط ذلك كله نوع من فتنة بنعيم النصارى الذي تمثله الخرطوم وبيوت الحكام البريطانيين ذات البساتين، وصنوف الأجانب من تجار وحاشية أخلاط بينما «البقعة المباركة» - أي أم درمان، يسير السائر في نصف
стр. 2942
نهارها الأحمر الأغبر «وقد خبء آل الأمعز المتوقد» كما قال طرفة بن العبد في المعلقة.
قال التجاني ﵀: يضطر «بروميناد» الخرطوم من ضروب نصاراها وأجانبها ونابتة مظاهر نعمائها وشرائها [وقد مرت هذه الأبيات في معرض الحديث عن بحر المجتث في الجزء الأول من المرشد، وكان زميلنا الأستاذ حسن الطاهر زروق ﵀ وجعل الجنة مثواه يحسن الترنم بها صوت عذب الشجي عميق]: -
أمنت بالحسن بردا ... وبالصبابة نارا
وبالكنيسة عقدا ... منضدًا من عذارى
وبالمسيح ومن طا ... ف حوله واستجارا
إيمان من يعبد الحسـ ... ـن في عيون النصارى
وأبت هذه الأبيات إلا أن تعلن إسلامًا- البرد والنار من سورة الأنبياء «قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم»، والطواف بالبيت الحرام والجوار بالحرمين، وركز الجامع رايته وثبت ثباتًا بالرغم من إيمان ابنه بعبادة الحسن في عيون بنات نصارى الخرطوم. وللتجاني ﵀ شعر ذكر فيه وحدة الوجود بشيء بين التأمل والتصوف:
الوجود الحق ما أو ... سع في النفس مداه
والسكون المخض ما أو ... ثق بالروح عراه
كل ما في الكون يمشي ... في حناياه الإله
هذه النملة في رقـ ... ـتها رجع صداه
هو يحيا في حواشيـ ... ـها وتحيا في ثراه
وهي إن أسلمت الرو ... ح تلقتها يداه
فهذه أفكار وحدة الوجود التي سهكتها كثرة الاستعمال. وللتجاني كما قدمنا حذق وشغف باختيار اللفظ ورنين النغم، فهذا مما تأعصر به ومما يباعده من نوع رومنسية الدفاع عن القديم عن أخذه منها بنصيب. وطبع التجاني جيد. لعله لوكان مد له في الأجل، «لكل أجل كتاب»، لكان أسمح به إسماحًا.
أحسب أن مكان التجاني ﵀ في مقدمة الإجادة الرومنسية، غير أنه أجحف به كونه من أم درمان، بقعة المهدي المباركة، القصية جدا عن مراكز التقدم والحضارة العصرية العربية. صدق صاحب معجم البلدان يا قوت حيث زعم في حديثه عن تلك أنها أشبه بلاد الله باليمن وأن في عيش أهلها شدة، لعله منها، أنه قلما يفطن إلى مكان المحسنين من أهلها مؤرخو الأدب وأصحاب التراجم. ولليمن، وهي أصل العرب، وهي الغنية بذخائر الكتب وفطاحل العلماء وفحول الشعراء من الإهمال
стр. 2943
قسط وافر. ولعل ذلك كله خير فليس كل الشهرة بسعادة.
هذا، ومن شعراء الرومنسية الذين ينبغي أن ننبه على مكانهم محمود حسن إسماعيل ﵀، لا من أجل مجرد أنه من أسماء الرومنسية من هذا الضرب الرابع على الأرجح ونماذجها، ولكن لأنه كأنما هو نموذج لضرب لو كان أصلا قائما بنفسه لجعلناه ضربا خامسا. ذلك بأنه شاعر أخاذي تلفيقي.
أصل التلفيق في الفلسفة ألا يلزم الفيلسوف مذهبا بعينه، ولكنه يؤلف لنفسه مذهبا من مذاهب متعددة، ليس واحد منها له. يقال لذلك باللغة الإنجليزية Eclcctic [إكلكتك] واشتقاقها من اليونانية التي من فلاسفتها أخذ المعنى. ثم قيس على ذلك كل ما يذهب إليه من تلفيق المذاهب مفكر أو فنان على وجه الاستحسان فيجعله منهجًا أو كالمنهج لنفسه. انتماء محمود حسن إسماعيل ﵀ إلى صناعة من الشعر تجنح إلى الضرب الرابع. وتستعين ما للرافعي رحمه من إغراب، وقد مرت منه أمثلة. وتأمل قوله: في «أوراق الورد» [ص ٤٤] «فالعاشق الرقيق على فرط رقته هو لفرط رقته وحش في عالم الحب، ما منه فكر لو فتش إلا فتش عن معني يفترس، إذ يشعر بالحياة في نفسه لا غذاء لها إلا بمعاني حبيبته، فيأكلها حتى بالنظر، «ويفترسها حتى بالخاطر».
ههنا عنصر ما يسميه «ماريو براز» ظلال «المركيز دي صار»، أي «السادية» التي تلتذ بنوع من افتراس المحبوب وإيجاعه. احترس الرافعي ﵀ فجعل افتراسه بالنظر. وهو للمتأمل افتراس كما تفترس الضياغم. ومكان الإغراب اللغوي لا يخفي وهو المقصود الذي تعمد الرافعي، نضر الله ثراه، القصد إليه- «يأكل حتى بالنظر ويفترس حتى بالخاطر». وتأمل قوله: أيضا في «أوراق الورد» يخاطب القمر [ص ١٧] «من شبهك بوجهها أزهر الضوء فيك ما يزهر اللحم والدم فيها، فتكاد أشعتك تقطف منها القبلة، ويكاد جوك يساقط من نواحيه تنهدات خافتة، وتكاد تكون مثلها يا قمر، مخلوقًا من الزهر والندى وأنفاس الفجر» - ههنا إغراب ناعم كقول الرومنسيين الإنجليز في لغتهم honey- dew أي «ندى العسل».
كمثل عناء الرافعي، ﵀، وتصيده للمعاني وإغرابه تجده عند محمود حسن إسماعيل- مثلا:
عابد النور جاء للنور يشكو ... ظمأ في الحشا لسحر ضيائه
وعلى الجفن ضجة مات فيها ... ألق النور والتماع سنائه
وخبت بهجة الحياة وأضفى ... بؤسها لوعة على لألائه
стр. 2944
حنت الأعين الظماء إلى الحسـ ... ـن وحنت دموعها لبهائه
وتمشي الهوى بأهدابها السو ... د فكادت تضئ من كهربائه
«كادت تضئ من كهربائه» كأنما جيء بها اختلاسًا من الرافعي- مصطفى صادق الرافعي ﵀ من طريقة نثره التي قدمنا. ومن معادنها ضجة الجفن وموت ألق النور فيه وإضفاء اللوعة على اللألاء.
على أن الرافعي عناؤه الأكبر وتصيده للمعاني والصور في النثر، وطبعه أسمح بالشعر، وكأن الإغراب في نثره حين يرومه شعرًا يفلت من بين يديه ويرجع به إلى مذاهب العذريين أو أصحاب البديع أو ما هو من مألوف طرائق النظم:
يا أفق هل خفت من شرارة ... تحت الضلوع اسمها الفؤاد
هذا لو وقع في نثر فيه صناعة المزاوجة وتقعيدها لكان إغرابًا. ومما جاء في الكلمة التي منها هذا البيت والضمير في قال يعود على الأفق:
فقال وجه نرى خياله ... في قلبك الحامل الضرر
ارجع فلو أن ذي الغزالة ... تغازل النجم لا نفجر
ومن معاني الغزالة الشمس أيضًا. وقوله «لا نفجر» ذو روح عصري علمي أو علماني ولو كان قال «لا نكدر» لكان ذلك قرآنيًا أشبه به، وأحسبه لم يرد إلا المعنى العصري والله تعالى أعلم. قال البهاء زهير (ت ٦٥٦ هـ):
فضح الغزالة والغزال فتلك في ... وسط السماء وذاك في وسط الفلا
عجبًا لقلب ما خلا من لوعة ... أبدًا يحن إلى زمان قد خلا
ورسوم جسم كاد يحرقه الجوى ... لو لم تداركه الدموع لأشعلا
أحسب أنه لو عاش البهاء زهير في بعض هذا العصر لعد من الرومنسيين بنحو قوله:
لي إلف أي إلف ... هو روحي هو حتفي
غاب عن طرفي وقد كنـ ... ـت أراه مثل طرفي
قبلي يا ريح عني ... راحتيه ألف ألف
ومما ألح محمود حسن إسماعيل على الاستعانة به شعر أبي تمام. وأمثلة أخذه منه كثيرة. ليس ههنا موضع إكثار منها ونكتفي أن نشير مثلا إلى قوله: -
وتمشي الهوى بأهدابها السو ... د فكادت تضيء من كهربائه
هجرت كوخي وهوى سحره ... وعشبه الزاهي ونواره
стр. 2945
وجئت للقصر أنادي به ... معبودة غابت بأستاره
فأطرق القصر كجفن حزين ... وماتت الأصداء في وحشته
وضحت العذراء في ضمنه ... ضجتها الكبرى على غفلته
قوله: «فأطرق القصر» من قول حبيب:
لقد أطرق الربع المحيل لفقدهم ... وبينهم إطراق ثكلان فاقد
وأبقوا لضيف الحزن مني بعدهم ... قرى من جوى سار وطيف مباعد
سقته ذعافا عادة الدهر فيهم ... وسم الليالي فوق سم الأساود
موضع الشاهد إطراق الربع الذي تحول إطراق قصر ماتت فيه الأصداء، وهذا متفرع من «سقته ذعافًا عادة الدهر». وعذراء محمود حسن إسماعيل ذات الضجة من بكر أبي تمام التي ما «افترعتها كف حادثة»، بدليل قوله «الضجة الكبرى» مكان «الراحة الكبرى» في بيت حبيب:
بصرت بالراحة الكبرة فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب
ثم مع هذا إشارات إلى أخبار قديمة. «وجئت للقصر» فيه ذرء من خبر المرقش وفاطمة بنت المنذر وابنة عجلان. ولا ريب قرأ محمود حسن إسماعيل فضليات شاكر وعبد السلام هارون. وغفلة القصر أو الولي إن شئت وضجة العذراء، في ذلك معنى من خبر همام بن مرة وبناته اللاتي احتججن على غفلته عن حاجة من يكن مثلهن إلى الزواج: «أهمام بن مرة إن همي»، الأبيات وانظر القاموس مادة (قناف كغراب وكتاب).
وقال في أول كلمة عنوانها «وقفة حيال القصر» في ديوانه أغاني الكوخ:
يا صرخة الأعصاب لا تهدئي ... في مهجة المحروم عند مورده
فالنار ما زالت على مضجعي ... تذكى بخور القلب في معبده
ثم قال من بعد:
ظمآن يا بؤسي ويا شقوتي ... والمنبع الصافي لثغري قريب
تروح روحي حول سلساله ... فيختفي عنها كأني غريب
فههنا إلحاح أخذ من أبي تمام. الشاعر الرومنسي واقف عند القصر نحوًا من وقفة أبي تمام في «أطرق الربع إلخ» وجزع كجزع أبي تمام حيث قال:
ها إن هذا موقف الجازع ... أقوى وسؤر الزمن الفاجع
وبخور القلب من قبيلة استعارات أبي تمام، أي القلب الذي صار بخورًا في