← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

جرسه وجودة تصيد اختياره، هو اللفظ الدقيق المعبر حقًا في هذا الموضع ولكن تمام البيت « ... وعادت وعاد قصف الرياح» جار على ما سبقه من أسلوب الاستعارة والروح الرومنسي التلمس للتعبير والتصوير، إذ ليس ههنا قصف ولا رياح، ولكن هذا تمثيل مثله الشاعر لزجر الشيخ وهوله واستعان عليه بطبيعيات الرومنسيين وزينه بما له من عناية ومعرفة بالألفاظ والتلذذ بنقائها وحلاوتها. هذه الزينة التي مردها إلى إيثار الاستعارة والتشبيه والجرس اللذيذ هي عطاء «ومساهمة» متعمدة يجود بها التجاني من ثروته اللغوية البيانية ليزيد بها إنتاج التجديد العربي وفي طي ذلك تنبيه إلى مكان نفسه ومكان الجامع من هذا العطاء وهذه المساهمة تأمل قوله «دوى» بالتضعيف، قل من الرومنسيين من يجئ بهذا الفعل مضعفًا وإنما يقال دوى (باب ضرب) بالتخفيف ولعل القياس يجيزه ولكنه أي هذا الثلاثي المخفف ليس هو الفصيح الجيد على الأرجح إذ لم يرد في القاموس. وتأمل قوله: «هينمت بعض أشياء» إيجازه وفصاحته. وتأمل جودة الاستعارة في «لفها النعاس» ومن شعر التجاني المشهور قوله في النيل: أنت يا نسب يا سليل الفراديـ ... ـس نبيل موفق في مسابك كم نبيل بمجد ماضيك مفتو ... ن وكم ساجد على أعتابك وكأن القلوب مما استمدت ... منك سكرى مسحورة من شرابك قوله «كم نبيل» هب عنى به «شوقي» وهل يعرض بأنه لم ير من جمال النيل إلا مجد الفراعنة؟ ويكون هو الرومنسي الساجد على الأعتاب، وقد صار النيل معبدًا ذا أعتاب؟ قوله يا سليل الفراديس تعبير عصري رقيق، أصله ديني إذ هو من حديث المعراج- أصله من الجامع وقد جعله التجاني بروح عصريته كأن ليس أصله من الجامع. ومن الجامع، مع اعتداد بذلك خفي، أصله. هذا أمر آخر به التجاني مختلف عن الشابي: اعتزازه بالتحصيل الذي ناله من علوم العربية والدين. كأن التجاني بهذا الاعتزاز فيه أنفاس من الضرب الذي ذكرناه أولاً من الرومنسية، ضرب الرافعي الذي أدخلناه في الرومنسية لنخرجه منها، غير أن التجاني بما خالط نفسه من ثورة على المحافظة ورغبة شديدة في التجديد وإيمان بضرورته مع الإحساس القوي بروح الحركة الوطنية ومناهضته الاستعمار، ثم يخالط ذلك كله نوع من فتنة بنعيم النصارى الذي تمثله الخرطوم وبيوت الحكام البريطانيين ذات البساتين، وصنوف الأجانب من تجار وحاشية أخلاط بينما «البقعة المباركة» - أي أم درمان، يسير السائر في نصف

стр. 2942

نهارها الأحمر الأغبر «وقد خبء آل الأمعز المتوقد» كما قال طرفة بن العبد في المعلقة. قال التجاني ﵀: يضطر «بروميناد» الخرطوم من ضروب نصاراها وأجانبها ونابتة مظاهر نعمائها وشرائها [وقد مرت هذه الأبيات في معرض الحديث عن بحر المجتث في الجزء الأول من المرشد، وكان زميلنا الأستاذ حسن الطاهر زروق ﵀ وجعل الجنة مثواه يحسن الترنم بها صوت عذب الشجي عميق]: - أمنت بالحسن بردا ... وبالصبابة نارا وبالكنيسة عقدا ... منضدًا من عذارى وبالمسيح ومن طا ... ف حوله واستجارا إيمان من يعبد الحسـ ... ـن في عيون النصارى وأبت هذه الأبيات إلا أن تعلن إسلامًا- البرد والنار من سورة الأنبياء «قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم»، والطواف بالبيت الحرام والجوار بالحرمين، وركز الجامع رايته وثبت ثباتًا بالرغم من إيمان ابنه بعبادة الحسن في عيون بنات نصارى الخرطوم. وللتجاني ﵀ شعر ذكر فيه وحدة الوجود بشيء بين التأمل والتصوف: الوجود الحق ما أو ... سع في النفس مداه والسكون المخض ما أو ... ثق بالروح عراه كل ما في الكون يمشي ... في حناياه الإله هذه النملة في رقـ ... ـتها رجع صداه هو يحيا في حواشيـ ... ـها وتحيا في ثراه وهي إن أسلمت الرو ... ح تلقتها يداه فهذه أفكار وحدة الوجود التي سهكتها كثرة الاستعمال. وللتجاني كما قدمنا حذق وشغف باختيار اللفظ ورنين النغم، فهذا مما تأعصر به ومما يباعده من نوع رومنسية الدفاع عن القديم عن أخذه منها بنصيب. وطبع التجاني جيد. لعله لوكان مد له في الأجل، «لكل أجل كتاب»، لكان أسمح به إسماحًا. أحسب أن مكان التجاني ﵀ في مقدمة الإجادة الرومنسية، غير أنه أجحف به كونه من أم درمان، بقعة المهدي المباركة، القصية جدا عن مراكز التقدم والحضارة العصرية العربية. صدق صاحب معجم البلدان يا قوت حيث زعم في حديثه عن تلك أنها أشبه بلاد الله باليمن وأن في عيش أهلها شدة، لعله منها، أنه قلما يفطن إلى مكان المحسنين من أهلها مؤرخو الأدب وأصحاب التراجم. ولليمن، وهي أصل العرب، وهي الغنية بذخائر الكتب وفطاحل العلماء وفحول الشعراء من الإهمال

стр. 2943

قسط وافر. ولعل ذلك كله خير فليس كل الشهرة بسعادة. هذا، ومن شعراء الرومنسية الذين ينبغي أن ننبه على مكانهم محمود حسن إسماعيل ﵀، لا من أجل مجرد أنه من أسماء الرومنسية من هذا الضرب الرابع على الأرجح ونماذجها، ولكن لأنه كأنما هو نموذج لضرب لو كان أصلا قائما بنفسه لجعلناه ضربا خامسا. ذلك بأنه شاعر أخاذي تلفيقي. أصل التلفيق في الفلسفة ألا يلزم الفيلسوف مذهبا بعينه، ولكنه يؤلف لنفسه مذهبا من مذاهب متعددة، ليس واحد منها له. يقال لذلك باللغة الإنجليزية Eclcctic [إكلكتك] واشتقاقها من اليونانية التي من فلاسفتها أخذ المعنى. ثم قيس على ذلك كل ما يذهب إليه من تلفيق المذاهب مفكر أو فنان على وجه الاستحسان فيجعله منهجًا أو كالمنهج لنفسه. انتماء محمود حسن إسماعيل ﵀ إلى صناعة من الشعر تجنح إلى الضرب الرابع. وتستعين ما للرافعي رحمه من إغراب، وقد مرت منه أمثلة. وتأمل قوله: في «أوراق الورد» [ص ٤٤] «فالعاشق الرقيق على فرط رقته هو لفرط رقته وحش في عالم الحب، ما منه فكر لو فتش إلا فتش عن معني يفترس، إذ يشعر بالحياة في نفسه لا غذاء لها إلا بمعاني حبيبته، فيأكلها حتى بالنظر، «ويفترسها حتى بالخاطر». ههنا عنصر ما يسميه «ماريو براز» ظلال «المركيز دي صار»، أي «السادية» التي تلتذ بنوع من افتراس المحبوب وإيجاعه. احترس الرافعي ﵀ فجعل افتراسه بالنظر. وهو للمتأمل افتراس كما تفترس الضياغم. ومكان الإغراب اللغوي لا يخفي وهو المقصود الذي تعمد الرافعي، نضر الله ثراه، القصد إليه- «يأكل حتى بالنظر ويفترس حتى بالخاطر». وتأمل قوله: أيضا في «أوراق الورد» يخاطب القمر [ص ١٧] «من شبهك بوجهها أزهر الضوء فيك ما يزهر اللحم والدم فيها، فتكاد أشعتك تقطف منها القبلة، ويكاد جوك يساقط من نواحيه تنهدات خافتة، وتكاد تكون مثلها يا قمر، مخلوقًا من الزهر والندى وأنفاس الفجر» - ههنا إغراب ناعم كقول الرومنسيين الإنجليز في لغتهم honey- dew أي «ندى العسل». كمثل عناء الرافعي، ﵀، وتصيده للمعاني وإغرابه تجده عند محمود حسن إسماعيل- مثلا: عابد النور جاء للنور يشكو ... ظمأ في الحشا لسحر ضيائه وعلى الجفن ضجة مات فيها ... ألق النور والتماع سنائه وخبت بهجة الحياة وأضفى ... بؤسها لوعة على لألائه

стр. 2944

حنت الأعين الظماء إلى الحسـ ... ـن وحنت دموعها لبهائه وتمشي الهوى بأهدابها السو ... د فكادت تضئ من كهربائه «كادت تضئ من كهربائه» كأنما جيء بها اختلاسًا من الرافعي- مصطفى صادق الرافعي ﵀ من طريقة نثره التي قدمنا. ومن معادنها ضجة الجفن وموت ألق النور فيه وإضفاء اللوعة على اللألاء. على أن الرافعي عناؤه الأكبر وتصيده للمعاني والصور في النثر، وطبعه أسمح بالشعر، وكأن الإغراب في نثره حين يرومه شعرًا يفلت من بين يديه ويرجع به إلى مذاهب العذريين أو أصحاب البديع أو ما هو من مألوف طرائق النظم: يا أفق هل خفت من شرارة ... تحت الضلوع اسمها الفؤاد هذا لو وقع في نثر فيه صناعة المزاوجة وتقعيدها لكان إغرابًا. ومما جاء في الكلمة التي منها هذا البيت والضمير في قال يعود على الأفق: فقال وجه نرى خياله ... في قلبك الحامل الضرر ارجع فلو أن ذي الغزالة ... تغازل النجم لا نفجر ومن معاني الغزالة الشمس أيضًا. وقوله «لا نفجر» ذو روح عصري علمي أو علماني ولو كان قال «لا نكدر» لكان ذلك قرآنيًا أشبه به، وأحسبه لم يرد إلا المعنى العصري والله تعالى أعلم. قال البهاء زهير (ت ٦٥٦ هـ): فضح الغزالة والغزال فتلك في ... وسط السماء وذاك في وسط الفلا عجبًا لقلب ما خلا من لوعة ... أبدًا يحن إلى زمان قد خلا ورسوم جسم كاد يحرقه الجوى ... لو لم تداركه الدموع لأشعلا أحسب أنه لو عاش البهاء زهير في بعض هذا العصر لعد من الرومنسيين بنحو قوله: لي إلف أي إلف ... هو روحي هو حتفي غاب عن طرفي وقد كنـ ... ـت أراه مثل طرفي قبلي يا ريح عني ... راحتيه ألف ألف ومما ألح محمود حسن إسماعيل على الاستعانة به شعر أبي تمام. وأمثلة أخذه منه كثيرة. ليس ههنا موضع إكثار منها ونكتفي أن نشير مثلا إلى قوله: - وتمشي الهوى بأهدابها السو ... د فكادت تضيء من كهربائه هجرت كوخي وهوى سحره ... وعشبه الزاهي ونواره

стр. 2945

وجئت للقصر أنادي به ... معبودة غابت بأستاره فأطرق القصر كجفن حزين ... وماتت الأصداء في وحشته وضحت العذراء في ضمنه ... ضجتها الكبرى على غفلته قوله: «فأطرق القصر» من قول حبيب: لقد أطرق الربع المحيل لفقدهم ... وبينهم إطراق ثكلان فاقد وأبقوا لضيف الحزن مني بعدهم ... قرى من جوى سار وطيف مباعد سقته ذعافا عادة الدهر فيهم ... وسم الليالي فوق سم الأساود موضع الشاهد إطراق الربع الذي تحول إطراق قصر ماتت فيه الأصداء، وهذا متفرع من «سقته ذعافًا عادة الدهر». وعذراء محمود حسن إسماعيل ذات الضجة من بكر أبي تمام التي ما «افترعتها كف حادثة»، بدليل قوله «الضجة الكبرى» مكان «الراحة الكبرى» في بيت حبيب: بصرت بالراحة الكبرة فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب ثم مع هذا إشارات إلى أخبار قديمة. «وجئت للقصر» فيه ذرء من خبر المرقش وفاطمة بنت المنذر وابنة عجلان. ولا ريب قرأ محمود حسن إسماعيل فضليات شاكر وعبد السلام هارون. وغفلة القصر أو الولي إن شئت وضجة العذراء، في ذلك معنى من خبر همام بن مرة وبناته اللاتي احتججن على غفلته عن حاجة من يكن مثلهن إلى الزواج: «أهمام بن مرة إن همي»، الأبيات وانظر القاموس مادة (قناف كغراب وكتاب). وقال في أول كلمة عنوانها «وقفة حيال القصر» في ديوانه أغاني الكوخ: يا صرخة الأعصاب لا تهدئي ... في مهجة المحروم عند مورده فالنار ما زالت على مضجعي ... تذكى بخور القلب في معبده ثم قال من بعد: ظمآن يا بؤسي ويا شقوتي ... والمنبع الصافي لثغري قريب تروح روحي حول سلساله ... فيختفي عنها كأني غريب فههنا إلحاح أخذ من أبي تمام. الشاعر الرومنسي واقف عند القصر نحوًا من وقفة أبي تمام في «أطرق الربع إلخ» وجزع كجزع أبي تمام حيث قال: ها إن هذا موقف الجازع ... أقوى وسؤر الزمن الفاجع وبخور القلب من قبيلة استعارات أبي تمام، أي القلب الذي صار بخورًا في

стр. 2946

المعبد الذي هو الحبيب أو ما يمت إليه بسبب، والثغر والسلسال من: عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الحصب وقوله «تروح روحي إلخ» و «تذكي بخور القلب» كلتا هاتين العبارتين ملفقة من قول حبيب: - أنبطت من قلبي لوأيك مشرعًا ... ظلت تحوم عليه طير رجائي القلب هنا مشرع، مورد، ماء، وعند محمود حسن إسماعيل بخور، وعند الرافعي شرارة، وتحوم وتروح وتذكى بمعناه المقلوب، كل ذلك قريب من قريب. وهذا والحسناء بلا رحمة وفارسها الكئيب يأيها الفارس في الدرع ما ... تألم فذا في شحوب تسير من بعد ما جف نبات الغدير وازن بين هذا من معنى أبيات «الحسناء بلا رحمة لكيتس» وبين قوله محمود حسن إسماعيل: هجرت كوخي وهوى سحره ... وعشبه الزاهي ونواره وجئت للقصر أنادي به ... معبودة غابت بأستاره يا قصر قد طال وقوفي ألا ... يشرق منك الحسن للهاتف أجب تكلم إن سخر الهوى ... طار برشد المدنف الواقف هنا اتحاد بين فارس كيتس الكئيب ووقفة جازع أبي تمام عند الربع الذي هو «سؤر الزمن الفاجع» ولمحمود حسن إسماعيل كلمة عنوانها «أحزان الغروب» هل هذه ترجمة من شعر بودلير المنثور Lecer, puscule du soir «شفق الغروب» أو من أزهار الشر Les Fleurs du Mal- انسجام موسيقى الغروب Harmonie de Soir Le ciel triste et beau comme un grand resposir السماء حزينة وجميلة مثل صلوات موكب كنسي كبير وأول كلمة محمود حسن إسماعيل: مات النهار وهذي الشمس جازعة ... عليه تخطر في دامي الجلابيب كأنها نعش خوفو مال متكئًا ... على سرير بذوب النور مخضوب صار الموكب الكنسي فرعونيًا كما ترى، والنظر إلى شوقي لا يخفى. ولا تستبعدن الأخذ من بودلير Baudelaire ورجال رومنسية فرنسة فكل ذلك قد ترجم منه كثير

стр. 2947

والعارفون به المتحدثون عنه في مجالسهم كثيرون. ومما فيه ظلال فارس حسناء كيتس التي بلا رحمة «La Belle Dame Sans Merci»: - وأي ما أي وما أمرها ... والقصر في إغفاءة الذاهل والهاتف المحروم لما يزل ... يشكو الهوى في ذلة السائل وسؤال «أي» صدى من دروس النحو: أي كما وأعربت ما لم تضف ... وصدر وصلها ضمير انحذف وعارض في موصليتها أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب فيما نقلوا. وفي «كنز الذهب الأبيض، زهرة القطن» (ص ٢٢ من أغاني الكوخ الطبعة الثانية ١٩٦٧): وبدت صفراء تحكى غادة ... ذبلت نضرتها يوم الوداع هذا التشبيه غير جيد لأن نوارة القطم «فاقع» لونها تسر الناظرين» وقد رجع هو نفسه من بعد إلى هذا المعنى: تخفق النسمة في أهدابها ... خفقة العاشق في ليل الزماع فسره بالسفر، أحسبه ينظر إلى كلمة ابن زريق «إذا الزماع أراه في الرحيل غني» والزماع بفتح الزاي وكسرها هو العزم فظن أنه السفر وما ظنه يحتمل أي العزم على السفر: فتراها في الربى راقصة ... زانها الضوء بزهو والتماع فهذا رجوعه «فاقع لونها» لا ذابلة نضرتها. ونريد أن نشير بعد إلى خفقة النسمة، فهل أخذها من إبراهيم ناجي «خفقة المصباح» إذ ينضب زيته» وهي مما عسى أن يحسب من حسان كلماته ومرت في باب الرمل في جزئنا الأول. ولمحمود حسن إسماعيل مثل التجاني يوسف بشير ولع بصفة الريف والجرار والسواقي. وعندي أنه، حاكى التجاني، إذ التجاني نشر عددًا من قصائده في مجلة الفجر وكانت غير مجهولة المكان بمصر. وقد دار نقاش لم يخل من حدة بين رئيس تحرير الفجر عرفات محمد عبد الله والأمير عمر طوسون رحمهما الله، كان من أسبابه أن الأمير لم يرض بعض ما جاء في الفجر من الحديث عن تقرير المصير وما يشعر بروح الانفصال عن مصر وإنما نشر ديوان محمود حسن إسماعيل عام ١٩٣٥ قريبًا من زمان انتهاء الفجر وموت عرفات محمد عبد الله وفجره التي ماتت بعيد موته. وبلغني ولا أشك في صحته لتواتره أن التجاني ﵀ كان قد بعث بنسخة من ديوانه خطية إلى أحد الأدباء الشعراء بمصر ليتولى نشره والإشراف على ذلك من أمره، فيذكر أن الديوان كان يقرأ ولا يجد سبيلا إلى نشره حتى استردت نسخته بعد عناء

стр. 2948

طويل. ورب شيء كهذا، كما يقول سيبويه. وذكروا أن أبا عمر الجرمي لما خشي هو وآخرون معه أن يدعى سعيد بن مسعدة كتاب سيبويه حملوه حملا على إظهاره للناس. ولعل هذا الخبر باطل لما نص عليه ابن جنى في الخصائص أن صدق أبي الحسن يكاد يعلم بالضرورة. وكاد هنا تنفى «بالضرورة» لا الصدق نفسه وأبو الحسن هو سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط. وسقنا هذا الخبر لمناسبته ما قبله. وقيل إن الأديب الشاعر الذي بعث إليه التجاني ديوانه هو الدكتور إبراهيم ناجي، رحمهما الله. هذا، وقوة الشبه في موضوعات الأوصاف بين التجاني ومحمود حسن إسماعيل أحسبه من تلفيقية محمود حسن إسماعيل، أعني مذهبه الأخاذي المتنقلي بين المذاهب التلفيقي من أصنافه (electic أي الأكلكتكي). يأخذ ويفتن بزيادة صنعة فيما يأخذه. وهذا كأنه أدنى إلى السرق منه إلى التوليد الذي مدحه البرقوقي ﵀ في صناعة أبي الطيب. وكان محمود حسن إسماعيل نحلة تمتص كل زهرة ثم تعمل لتزيد على ما أخذته وهو ماء نوار ورحيق ضروب أزهار تصييره بعملها عسلاً كثيفًا وشمعًا. غير أنه ﵀ يشارك النحلة في العمل وجده وكده والمرام الذي يرومه به، ولا يشاركها فيما نصيبه من الزيادة على ما أخذته إلا جهد العمل المفرط نفسه، وذلك لعمري هو العناء (١). وكأنه من ذكره النحلة مرارًا في شعره صريحًا كما في قوله: ويخلو مع النحل في ربوة ... منغمة الصوت من غير عود وقوله: ينهل الفلاح من كوثره ... ريقة النحل وسلسال الدماع خفف ميم الدماع والوجه تشديدها بوزن الرمان أي ما يسيل من العنب وقوله: بين ترتيل السواقي ... وزفيف النحلات وقوله: لها طنين النحل في قفرة ... يهماء لم تبق على شهده أو مضمنًا في استعارة ومعنى تشبيهي كقوله: أو مصت الأنواء ... من زهره الأفواف

стр. 2949

الأنواء هنا كنحلة تمص من زهر أفواف، وكقوله: أو تكن وردًا فيا لهـ ... ـفة نفسي لعبيرك جعل نفسه كنحلة وفي البيت قبله كفراشة وهو قوله: إن تكن نارًا فما أشـ ... ـهى خلودي في سعيرك وقوله: طوافة بالزهر تنشق عطره ... وتحيله في الطرس همس ذباب لا يعني به ذباب البيوت ولكن ذباب عنترة المترنم، والطواف بالزهر عمل النحلة ... كأنه يرمز بالنحل لنفسه، وهذا البيت الذي مر «طوافة بالزهر إلخ» مما يشهد بذلك. أما قولنا إنه لم يشارك هذا الزمر الذي رمز به لنفسه إلا في العناء، فذلك أنه قل شيء ذكره التجاني إلا أفعمه هو تفصيلاً. وقد أفرد قصائد لزهرة القطن، كنز الذهب الأبيض [ص ٢١ من أغاني الكوخ طبعه ١٩٣٥]. حين ذاب الطل في كاساتها ... لؤلؤًا يجري على كف الشعاع لثمت خد الضحى وابتسمت ... كابتسام الطفل في عهد الرضاع وللساقية (ص ٧٥) وسماها القيثارة الحزينة ناحت فلا الزهر على عوده ... ألقى عقود الظل في جيده ومغنى الكير في وكره ... رق لها وازور عن عوده وللسنبلة (٨٩ سنبلة تغني): من له في الأرض ملك ... مثل ملكي في الكثيب موردي النيل وزادي ... من ثرى النيل الخطيب وهل عنى «بالكثيب» ساكنيه من الناس، إذ السنبل تصلحه الأرض الخصبة والكثيب رملي: كلل الفجر جبيني ... بالندى الغض الرطيب والأصيل البر ألقى ... تبره بين جيوبي فسر البر بإلقاء التبر، وإلا كان وصف الأصيل بالبر شيئًا فيه غموض:

стр. 2950

وشعاه الشمس حيًا ... في شروق أو غروب لو رأى الرهبان طهري ... وصلاتي في المغيب هجروا الدير وخروا ... سجدًا فوق كثيبي وإذن فالكثيب للسنبلة، فينبغي أن تكون سنبلة دخن لا قمح ولا ذرة. ولما خص الرهبان بالدير؟ أمن أجل تشبيه السنبلة بفتاة- كفتاة النابغة الواقف أصيلانا عند ربع مية والقائل: ولو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد فهذا داخل في الاكلكتية.؟ أتراه أوقعه في هذا الإقحام ذكر التجاني له مع الغيط والسنابل والفول والطحن في رائيته حيث قال: وطاف حولك ركب ... من الكراكي غر وراح ينفض عينيه ... من بنى الأيك حر فماج بالأيك عش ... وقام في العش دير وإنما جاء التجاني بالدير لأنه ذكر النواعير. عدل إليها عن السواقي من أجل جرس الراء كما قدمنا، وأيضً لأن ابن المعتز جعل رهبان دير «المطيرة ذات الظل والشجر» «نعارين بالسحر» والسواقي نعارات بالسحر، ينهض إليها الزراع قبل آذان الفجر: وللراعي (ص ١٤٠): شجتني رنة العصفو ... ر في فجر الربى الساجي وهو ربي التجاني: يا درة حفها النيـ ... ـل واحتواها البر صحا الدجى وتغشا ... ك في الأسرة فجر وصحا بين الربى الغـ ... ـر عبقري أغر ثم يقول محمود حسن إسماعيل: وعذب اللحن من شاد ... رخيم الصوت صداح فرنمت مع المزما ... ر أغنيات أفراحي نشيد الحقل والشاة ... ولحن الروح والراح ولا أرى للراح حسن موضع هنا. وللضفادع (ص ١٨٨):

стр. 2951

هاجها في الليل صمت غمرت ... كل نفس فيه آلام الشجون وضفاف غارقات في الكرى ... حالمات بأسي الريف الحزين فغدت تصرخ في جوف الدجى ... صرخات هتكت ستر السكون الغدو لا يكون من الدجى، ولكنه أراد معنى الصيرورة يا ابنة الطين لقد مل الدجى ... لغطا من فيك مجهول الرنين ابنة الطين مأخوذة من «ابنة النور» التي للشابي على الأرجح ونقيقًا أزعجت ضوضاؤه ... أذن الكون وسمع النائمين جاوبته في الدجى صافرة ... من بنات البوم صاحت في الوكون وللبوم قصيدة [ص ١٨٤]: وشيخة عابسة في الضحى ... غبراء تحكي سحنة الملحد النور ضحاك على وجهها ... ضاف بوهد الأرض والأنجد لكنها عمياء في حالك ... من غيها ممتقع أربد وللفراشة وسماها راهبة الضحى (ص ٢١٢) وراهبة في الضحى أوقدت ... من الزهر مجمرة ذاكية إذا فاح منها العبير الندى ... وطوف في الأيكة الضاحية وقد ذكر في قصيدة الضفادع العشب والقثاء والبطيخ وعباد الشمس وذكر الناعورة وثورها وسوط سائقه في «فم الريح»: وكم ناعورة ناحت ... على مستعبد فيها أسير السوط كم ضجت ... له يومًا أغانيها وثغاة الشاة تهليل وتسبيح (ص ١٤٣). وقد بعثر النور وذوبه مرارًا ولم ينس من النيل دومه وسدره وزوارقه ونخيله، ولم ينس من الرومنسية وملاحها- يقول في خصلة شعر حسناء (١٤٧/ ١٤٨): - يا غديرًا ذهبيًا ... رق عن نفخ الأصائل صفرت سلساله للصـ ... ـب غيداء الأنامل قد تهادى فيك مني ... زورق الروح الحزينة وبكى الملاح شجرا ... هل تسمعت أنينه غنوتي الحيرى لكم طا ... رت هيامًا فوق موجك

стр. 2952

ضلت الخلد فجاءت ... ترتجيه بين لجك كلما يممت شطا ... منك لماح السمات غامت الأجواء في عيـ ... ـني وضاعت أمنياتي ولعله أن يقال إن تذويب النور وسكبه وهدهدته وذكر الطير والأماني والتغني بالطبيعة جملة وتفصيلاً كل ذلك مادة مشاعة للشعراء رومنسيين وغير رومنسيين، وليس بعض الرومنسيين، إن خصصنا الرومنسية بهذه الرومنسية العربية الجديدة الواسع، ويقطف إن يك كنحلة من زهرها الكثير اليانع، وما شابه فيه التجاني يوسف بشير- على تقدير سبق التجاني له كما يزعم من يزعم ذلك مثلما نزعمه- فهو من توارد الخواطر على المعاني المشتركة المشاعة. ليس غريبًا أن يتفق لهذين الشاعر بن المتعاصرين توارد الخواطر في نظمهما على ذكر سنبل النيل وفوله وسدره وسواقيه. هذه حجة بينة قاطعة. ولكن ما رأي القارئ الكريم أصلحنا الله ﷻ وإياه في قوله محمود حسن إسماعيل في قصيدة القرية الهاجعة في ظل القمر (ص ٦٠) لفها الليل فاستراحت من الأيـ ... ـن على حضنه الرقيق الهني وسدتها الأضواء من لمحها الضا ... في وساد الطبيعة العبقري كان ينبغي هنا نصب العبقري لأنها نعت (وساد) وهذه منصوبة ولا تصلح نعتا للطبيعة لأنها مؤنثة- وهل نجعل هذا من باب الإتباع؟ اللحن عند أظهر وحبتها المهاد موجة نور ... أشرقت في ترابها القرمزي لمعات من جنة القمر الزا ... هي وفيض من ثغره العسجدي غرقت في جلاله الروح سكري ... كم طلا جامه الوضيء السني تنهل الحلم من رؤى تتجلى ... هامسات بكل معنى خفي رائعات الأطياف لماحة الومـ ... ـض تهادي على مهاد رضي نسجته يد الشقاء من العـ ... ـش فراشًا لمستضام شقي بائس شفه القنوع فأغفى ... في حمى كوخه القنوع الأبي صف الحظ عن حظائره السو ... د إلى ساحة الركاب الغني حضنته على الضنى قرية نا ... مت على شط جدول ريفي لاح فيه نخيلها خافض الرأ ... س كطيف في خاطر الصوفي وصغى السدر للسكون كرهبا ... ن أصاخوا في معبد قدسي (١). لفعته الأنوار من بردها السا ... مي بثوب من السنا موشى ورنا الدوم للشعاع كملهو ... ف صبا إلى نهره الفضي (٢).

стр. 2953

فاستطالت سيقانه تطلب النجـ ... ـوى وتهفو إلى الوميض القصي كعذاري سبحن في لجة النو ... ر هيامًا بفيضه اللجي وحسبنا هذا القدر من القصيدة ولا يخفي أن هذا البيت من قول شوقي: كعذراى أخفين في الماء بضا ... سابحات به وأبدين بضا ومحمود حسن إسماعيل كثير الأخذ من شوقي، وقد كان شوقي ﵀ كثير الأخذ كثير التوليد، وكم غيره منه كثير الأخذ والسرق قليل التوليد. ومما يستطرد إليه في هذا الباب أن له قصيدة اسمها «العذراء الشهيدة» [ص ١٨٠] في غريقة مغلولة الساعدين سابحة بفتنتها المقتولة على أكفان الموج صاغها على وزن «هلا هلا» [مجنون ليلى لأحمد شوقي الفصل الثاني، أنشودة الحادي]: - كأنها موجة ... في صمتها تخفق ... لحنًا بلا ناي أنشودة اللجة ... تقول يا جاني هزأت بالموت ... وأنت لا تدري ... فصغت ألحاني [وهلم جرا] وقد افتن في القوافي بأكثر مما افتن شوقي ولكنه لم يبلغ حلاوة نغم شوقي هذا وإليك هذا الكلمة من نفس البحر والروي من شعر التجاني: أملأ الروح من سنا قدسي ... مبهم كالرؤى وديع رضى قمري كأنما سكب البد ... ر عليه من فيضه القمري واغمر القلب في مفاض من الفجـ ... ـر وضيء جم الندى عبقري يثب الحلم حول مشرعه السا ... جي ويجري من الضحى في أتي كم تطل الرؤى به شارعات ... في ينابيع من جلال ندى يتلففن في جوانح بيضا ... ء ويسحبن من رداء وضي ويحومن سوما باسمات ... يتخفنن من هموم العشى «هموم العشى» هنا ليست صدى من Le Crépuscule du Soir ولكن تشير إلى قول النابغة «وصدر أراح الليل عازب همه» الأبيات المشهورة وذكر الكنهور في البيت التالي وفيه مذهب من الإشارة يشهد لصحة ما نذهب إليه ههنا. ساحبات على الكنهور أصبا ... غًا رقاقًا من واضح وخفي ناسجات شفائف الأفق الزا ... هي برودًا على الصباح السني ذاب في الأفق رافقا فوق هام الـ ... ـبيد يهمي على ثرى بدوي يغسل النوم من مضاجع رعيا ... ن الصحاري ومضرب القروي عجب للجلال والحسن ماجا ... في إطارين فاتر وقوي ينسجان الهوى من الفجر بردًا ... علويًا لشاعر علوي صاح من روحه وكبر في أعـ ... ـماق دنياه صارخًا كالصبي

стр. 2954

أفهذا الجمال يا رب هذا السـ ... ـحر من أجل ذلك الآدمي هنا ذروة من ذرا التأمل الفكري- لله در المعري إذ يقول والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد قصيدة التجاني أصفى ديباجة من قصيدة حسن إسماعيل وأجود تشبيهًا واستعارة وأكثر معاني. والقصيدتان من نفس البحر والروى، قصيدة محمود إسماعيل في الليل المقمر على القرية وقصيدة التجاني يوسف بشير في قرية تستيقظ من قرى النيل الضاربة حولها الصحراء بجران- هل رأي جبيل أم وعلى وسقادي؟ - لا بل هذه البقعة المباركة نفسها- أم درمان، يدلك على ذلك قوله «رعيان الصحارى ومضرب القروي» وكذلك كانت أم درمان ولا يزال كذلك قدر منها كبير. وذكر المؤذن حيث جعل الحسن والجلال يتحدان في لحن شاعر علوي (أو علوي) هو المؤذن «صاح من روحه وكبر إلخ» ومن عجب أن لمحمود حسن إسماعيل قصيدة في أغاني الكوخ اسمها شاعر الفجر المؤذن وقدم لها بقوله (ص ١٦٦): «في ذلك الصوت العميق الذي يهتف في صمت السحر من القباب والمآذن تتدفق روحية الشرق، ويهتز الجو بأشباح وطيوف شعرية هفافة» - لا يعجبني قوله «روحية الشرق» في معراض الحديث عن الأذان، ولو قال «روحية الإسلام أو الدين الحنيف» لكان أجود وذكر الشرق كأنه ينظر إلى الأمر من عين صليبية مستشرقة تضع الإسلام والبوذية والهندكية معًا في رفرف اسمه الشرق وعند الإسلام أن هؤلاء مه أهل الصليبية كلهن شرك- ثم يقول محمود حسن إسماعيل: وشاعر في الفجر يسبى النهى ... بسورة جلت عن المأثم خياله من سدرة المنتهى ... ولحنه من وتر الأنجم فهذا كأنه ترجمة وشرح لقول التجاني «علويًا لشاعر علوي» ومع هذا فالتجاني أتم استيعابًا لوصف الأذان: (ماجا في إطارين فاتر وقوي) - أي نحو صياح المؤذن حي

стр. 2955

على الصلاة في المرة الأولى بنغم واحد وفي المرة الثانية بنغم مختلف بعضهم يطيله ويموجه وبعضهم يقصره ويبتره- حي على الصلاة ... ة- كما يعلم القارئ أصلحه الله من أداء المؤذن على ترنيمتين أيما وجه من وجوه أداء الأذان اتخذ، أمبالغًا في تحكيك الترنم وترجيعه أن غير محكك في ذلك ولا مبالغ. قول. التجاني «ساحبات على الكهنود» أي على السحاب في الفق وهي رائيه أبي الطيب (باد هواك صبرت أم لم تصبرا) حيث قال: الشمس تشرق والسخاب كنهورًا وقد سبق منا التنبيه على جري التجاني في هذا على مذهب له في الإشارة، مع أن كلمة التجاني اليائية هذه في الفجر تراه قد استهلها بفيض ضوء القمر، وهذا المعنى واللفظ أيضًا كلاهما في قول محمود حسن إسماعيل: لمعات من وجنة القمر الزا ... هي ومن فيض ثغره العسجدي وكلمة فيض ههنا نهامة. ومكان «واغمر القلب» عنده- أي محمود حسن إسماعيل «غرقت في جلاله الروح». وكأن قول التجاني «جم الندى» نتجت منه «من طلا جامه» و «الوضيء السني» كأنهما ترجمة وتفسير ومحاكاة «لجم الندى عبقري» وقول التجاني «يثب الحلم» يقابله عند محمود حسن إسماعيل «تنهل الحلم إلخ» وجاءت كلمة «الرؤى» في هذا البيت وهي في بيت التجاني الذي يلي «كم تظل الرؤى به شارعات إلخ» «ولفها الليل» التي في أول كلام محمود حسن إسماعيل هي في قول التجاني «يتلففن في جوانح بيضاء» وللقارئ بعد هذا أن يتتبع الأبيات ويوازن بين ألفاظها ومعانيها فإنه واجد من شدة التشابه عجبًا. فلا بد من القول بأن أحد الشاعرين أغار على الآخر. ولقد مات التجاني وهو ابن خمس وعشرين وديوانه الذي خطه بيده يقرأ عند من أودع عنده في مدينة القاهرة وبعض شعر التجاني قد كان صدر في الفجر شيء منه قبل صدور الطبعة الأولى من أغاني الكوخ، فالأمر يحتاج إلى تدبر ونظر- والله تعالى أعلم. لا يخفى أن كلام التجاني أصيل من عند نفسه ليس بتلفيقي. ومع ما يظهر من زيادة محمود حسن إسماعيل على التجاني في التفاصيل نزعم أن المتأمل ربما وجد أن التجاني أكثر استيعابًا لمناظر القرية. الصبي- تلميذ الخلوة ودواته وأثوابه- غسل النوم ودغدغة العينين أول الاستيقاظ عند الصباح. ثم أخذ الصور البيانية من حياة القرية المسلمة- الدير مأخوذ من كلام ابن المعتز. إنما وقفنا هذه الوقفة عندما ترى ترجيحه من تلفيقة محمود حسن إسماعيل وتعمده معاني التجاني وتفصيله لها لأن محمود حسن إسماعيل قد أوشك أن يكون مكانه في

стр. 2956

الشعر المعاصر مغمورًا مجهولاً بين الكثرة الكاثرة من السماء هذا مع أنه ﵀ من عصر غير بعيد من زمان أبولو، ومن أدباء مصر وشعرائها ومصر بلا ريب هي مركز العربية، علومها وآدابها من شعر ونثر. ولعل من أسباب هذا الذي ضرب على اسمه من الخمول أنع قد أغير على شعره إغارة أكبر وأشد مما أغاره هو- إن كان حقًا قد أغاره- على شعر التجاني. وإذن فعلى النقد أن يتتبع بالدرس معاني هذا الشاعر الكادح وألفاظه المثقلة بالاستعارات والأخيلة البعيدة المتصيد والتفاصيل الدقيقة في نعت الريف وغيره من أحوال الحياة في بيئته الحقيقية والمتوهمة وما أشك أنه ﵀ لو كان أنصع ديباجة وأقل عناء عمل لكان يجد من الاهتمام به قريبًا مما وجد غيره كعلى محمود طه وأبي شادي مثلاً. أتى محمود حسن إسماعيل ﵀، فيما أحسب، من جهة شعوره بمكان «الفقير الضائع» الذي بين جنبي نفسه ذات الشعر والحظ من العربية، فضمن ذلك من ضروب التلفيق ما زاد فقيره الضائع ضيعة. وهذا بعد لا ينقص من أهميته في باب الدرس الذي نحن بصدده، وقد سبقت الإشارة إلى رأي الجاحظ أن السرقة للشعراء ديدن. وزعم الأصمعي أن تسعة أعشار الفرزدق سرقة، وقال المرزباني إن هذا تحامل منه شديد، فنعوذ بالله من خطل القول ومن فرط زلات القلم. ومما يحسن التنبيه عليه في نطاق ما كنا فيه من الحديث عن التجاني أنه واضح صدق الانفعال وحرارة الوجدان إذا وصف الريف والقرية، فإذا أخذ في وصف الخرطوم نفسها على ما كان يفتنه من بهرج فيها خالط حرارته فتور، بالرغم من تخيره للفظ الحلو وتجويده للنغم: مدينة كالزهرة المونقة ... تنفح بالطيب على قطرها ضفافها السحرية المورقة ... يخفق قلب النيل في صدرها تحسبها أغنية مطرقة ... نغمها الحسن على نهرها مبهمة الحانها مطلقة ... رجعها الصيدح من طيرها وشمسها الخمرية المشرقة ... تفرغ كأس الضوء من بدرها البيت الثاني وحده هو الذي فيه نبأة من روح، وذلك لأنه جرد النيل وضفتيه من المدينة الأجنبية التي دونهما. النيب وخضرته ذلك من صميم طبيعة الريف الذي نشأ فيه وملأ جمال فجرها قلبه فهو دفق من عالم كله قلـ ... ـب خفوق ولوعة خفاقة ظل يهفو إلى السماء ويشكو ... لوعة الروح ههنا واحتراقه

стр. 2957

كلمة محمود حسن إسماعيل التي ذكرنا أن لها لونا بودليريا (نسبة إلى الشاعر الفرنسي الغامض بودلير ١٨٢١ - ١٨٦٧ م Baudelaire) في عنوانها وهي أحزان الغروب (ص ١٥٢) ما كاد يترك فيها من الريف شيئًا، الثور والساقية والنيل تحكي سفائنه في الليل سائرة ... عرائس الحلم في مهد الرعابيب القافية قلقة وأحسب أن بعض سبب ذلك كونها صفة لم تعتمد على موصوف قبلها. والشفق الباكي ودخان الكوخ وكدح الفلاح. طعامه لقمة عفراء يابسة ... والماء من أكدر في النز مربوب ومهده لا تسل إن لفه وسن ... عش الهوام ومهد للعناكيب ثم ضجة الضفدع وإنشاد الرعاة والحداء، والبومة في وحشة الليل والجندب الذي يصر في النخاريب (أي شقوق البيوت كما فسرها ولذلك وجه وأصل النخاريب فتحات شمع الشهدة وفي القاموس النخروب بوزن فعلول بضم أوله الشق في الحجر فشبه الشاعر شقوق الجدار بذلك) - ثم النوم ذو الأحلام- الصحو إلى الشقاء- صوت الساقية: يا نغمة في المسا طارت مولهة ... حيرى تدفق من نأى الدواليب كأنها خفقة من قلب محتضر ... يشدو بها العمر في لهف وتكريب ماذا شجاك فرتلت الأسى نغمًا ... ورحت نواحة بين المطاريب النور حين ذوي في الحقل ناضره ... ولملم الضوء في تلك المحاريب ونام في حضن زنجي قد اتشحت ... متونه بدجى كالهم غريب محمود حسن إسماعيل مجتهد معتمل. ولكنه قلما يتنبه لملاءمة التشبيه حقا لموضوع الوصف أو المعنى الموصوف، كجعله صفرة نوار القطن ذبولاً، وكوصفه جنازة البنت الطافية بالفتنة وجنائز الغرق يضرب بها المثل في سماجة المنظر، وكتشبيه صوت الساقية بغرغرة المحتضر وسياقه ولو قد لزم التشبيه بالناي لكان ذلك أصوب وأدق من القيثارة، وتهدد صوت الساقية وتهزمه أشبه بالناي في الشجو وجمال الإيقاع منه بالسياق والغرغرة وما فيه من قوة الحيوية يصل إلى أعماق القلوب. وكجعله الليل- الذي هو في البديع زنجي أو زنجية- ضجيعًا للنور مثل زنجي الف ليلة وليلة الضخم المشافر ومعشوقته البيضاء التي خانت أميرها وحولت نصفه الأسفل حجرًا بسحرها- أم كل هذا نفس بودليري كتشبيه تساقط أوراق الخريف بإعداد ألواح صندوق جنازة

стр. 2958

الإعدام؟ هذه الكلمة البائية المجارية في الوزن والقافية «من الجآذر في زي الأعاريب» على تعسف أسلوبها مادة لكثير مما نقرأ اليوم من إنتاج الشعراء- من أجل ذلك ما لزم التنبيه على مكان هذا الشاعر الرومنسي التلفيقي الكدود المفقود. كثير من الشعراء الذين أخذوا من بعد هذه الأضرب التي ذكرناها بسبيل مزيد من التجديد إن هم في الحقيقة إلا فرع منها. مثلاً البياتي إن هو في كثير من أخيلة والبيان إلا امتداد للرومنسية الثالثة داخله من الرومنسية الثانية المسيحية مثلا: الصحف الصفراء توزع الألقاب تلثم أيدي القاتلين تمسح الأعتاب تمنح أشباه الرجال العور والأذناب صكوك غفران بلا حساب ... إلخ وما لنا نحن المسلمين ولصكوك غفران بلا حساب ومثلا: الشمس والفارس فوق المدخنة ينازل اللصوص والمشوهين بالحروف المزمنة يذرع صيف الأزمنة يثأر للحقيقة الممتهنة يحمل في ضلوعه صليبه ووطنه. وما صلة الحروف المؤمنة والوطن المسلم بحمل الصليب؟ وأي شيء تكون دلالة «يحمل صليبه» عند قارئ مسلم لم يتنصر فكره بعد؟ وهل وصف التعبير المجازي عند أهل ملته أن يحمل الصليب على الضلوع أو على الظهر والكتف؟ مثلا قصيدة انتظار من الأباريق المهشمة. صلى لأجلي- هذه عبارة مترجمة من Pray for me وهي إنجليزية والعربية تقول ادع لي وصل على، إلا أنك لوقلت «صل على» جعلت نفسك جنازة تنتظر التكبيرات الأربع، لعل هذا هو

стр. 2959

الذي جعل الشاعر يفر إلى Pray for me «صلي لأجلي عبر أسوار وطني الحزين الجائع العاري» ولك أن تكتب هذا البيت كما ينبغي أن يكتب، هكذا: صلى لأجلي عبر أسوار ... وطني الحزين الجاري العاري وعلى رصيف المرفأ انتظري ... يا كوكبي وحديث سماري قلبي مياه البحر تحمله ... تفاحة حمرا كتذكار وعبير آذار ... ورفاق أسفار يتلمسون طريق عودتهم ... ورسائلي وأبي وأزهاري وكلبنا الضاري ... يعوي وعينا شيخ حارتنا ... مصلوبتان على لظى النار وشجيرة الليمون يسرقها ... مهما تعالت صبية الجار وكقبرات الصبح هائمة ... والموت والثار ... ستطل أفكاري وتعلو عبر أسوار وطني الحزين الجائع العاري ... وأنا وأطماري ... في غربة الدار وحدي بلا حب وتذكار وزن هذه الرائية من الكامل الأحذ المضمر وجزئ منه إنما جيء به بنوع من دعوى التنويع التجديدي. تلفيق كأنه ملائم لتلفيق ما بين النصرانية والأوربية والإسلام في «مصلوبتان على لظى النار» ومن قبل ما مرت بنا «صلى لأجلي» وقوله: «وصكوك غفران بلا حساب» - «بلا حساب» فيها نفس إسلامي. ونهج هذه الرائية رومنسي محض ينظر إلى مذهب محمود حسن إسماعيل إن لا إليه مباشرة، نظرًا شديدًا. يدر شاكر السياب رومنسي تشهد لرومنسيته أنشودة المطر: عيناك غابتا نخيل ساعة السحر أو شرفتان راح ينأي عنهما القمر عيناك حين تبسمان تورق الكروم

стр. 2960

وترقص الأضواء كالأقمار في نهر يرجع المجذاف وهنا ساعة السحر كأنما تنبض في غورهما النجوم يوشك الشاعر أن يكون قد أخلى من عند قوله: «يرجه المجذاف»، وفي الكلمة طول والأصل رومنسي والافتنان في الوزن فرع من التوشيحات التي دعت إليها أبولو. ومحمد مفتاح الفيتوري شاعر رومنسي عربي، أقرب إلى الضرب الرابع وداخله ما داخل أصناف التجديد المعاصر من الروح المسيحي أحيانا. وقد أشرب شعره قضية اضطهاد الزنوج الذي في أمريكا وجنوب أفريقيا وغيرهما وهذا من صميم روح الرومنسية: كإفريقيا في ظلام العصور عجوز ملفعة بالبخور وحفرة نار عظيمة لعل الفيتوري أخذ هذا من صفة الدخان التي مر وصفها في شعر محمد المهدي مجذوب وجاء بعده بما يشعر بأن هذا ليس مراده- ولكن السحر: ومنقار بومة وقرن بهيمة وتعويذة من صلاة قديمة وليل كثير المرايا ورقصة سود عرايا يغنون في فرح أسود وغيبوبة من خطايا الفيتوري ممتلك لناصية النغم جيد عبارات البيان سليم متن اللغة، ولكن أكثر هذا من تجربة الأفلام وسفن معبأة بالجواري وبالمسك والعاج والزعفران هدايا بلا مهرجان المسك هنا مسك التمساح لا الذي هو «بعض دم الغزال» بدليل ذكر العاج، و «الزعفران» مع حسن انسيابها مع ما تقدم قافية جليبة لأن تجار الرقيق الذين كانوا بنيل القرن الماضي كانوا إنما يجلبون المسك والعاج وقرن الخرتيت مع الرقيق. كبدر شاكر السياب والبياتي وآخرين ركب الفيتوري في مركبة تجديد التفعيلة وخلط

стр. 2961

رومنسيته بألوان من أقوال الواقعية وغضب اليسار السياسي. وللفيتوري إيقاع مطبوع وحذق في تنويع التفعيلات ولكن عمود الوزن المعروف المألوف مركز له يفرع عنه ويدور حوله وربما لزمه وأظهر توزيعًا للبيت على أسطار على نحو نجد مثله عند البياتي وعند نزار قباني- مثلاً كان ليل وكان صبح وكانت قصة آدمية محتومة قصة تعرفينها ... فلقد مثلت أدوارها معي يا أثيمة ومضينا أنا وأنت فقد تمت فصول الرواية المرسومة إلخ فهذا بحر الخفيف، وزع الشاعر بيته على مواقف اختارها جعل لكل موقف منها سطرًا، وينبغي أن يلتزم في كتابة الشعر ما يعين على بيان إيقاعه، على النحو المألوف: كان ليل وكان صبح وكانت ... قصة آدمية محتومة قصة تعرفينها فلقد مثـ ... ـلت أدوارها معي يا أثيمة ومضينا أنا وأنت فقج تمـ ... ـمت فصول الرواية المرسومة ومضينا كل إلى حين يبني ... من جديد أيامه المهدومة وأقرأ الأفعى (ديوانه، المجلد الأول ٩٥) فهي من بحر المجتث والشك (١٠١) فهي من السريع ولقاء (٩٨) فهي من المتقارب والضعف (١٢٧) من الرجز القصير وبعض هؤلاء وزعت أبياته على أصناف كل منهن في سطلا وما بذلك كبير بأس. ورومنسية «نازك الملائكة» من ضرب الرومنسية الثالثة، وقد يذكر أنها سابقة إلى تحرير الوزن من قيود أعاريض الخليل وقوافيه، وأوائل هذا النوع من التجديد في عصرنا هذا يجب أن ترد إلى مسرحيات شوقي وقد مرت الإشارة إلى أصحاب الديوان وإلى محمد فريد أبي حديد ﵀ وكانت لديباجته مسحة رونق وفي كتاب الباقلاني ما يدل على أن ترك القافية والافتنان في مخالفة مألوف الأوزان أمر قديم، وشيء من هذا المعني في «الصاهل والشاحج» للمعري وأعداد أوزان الموشحات تكاد تحصى. وفي نفس شعر نازك الملائكة تلفيق من الأشياء المخيفة وأوصاف الطبيعة- شيء من «كولردج» وشيء من «وردزورث» وإضافات أخريات- من حسناء كيتس من إدعار ألان بو وهلم جرا: «وعدوي المخيف

стр. 2962

مقلتاه تمج الخريف فوق روح تريد الربيع» خريف العراق قد وصفع أبو عبادة حيث قال: لاحت تباشير الخريف وأعرضت ... قطع الغمام وشارفت أن تهطلا فترو من شعبان إن وراءه ... شهرا يمانعنا الرحيق السلسلا خريف نازك أوربي لا صلة له بخريف العراق. خريف من قراءة الرومنسيين: «وراء الضباب الشفيق» ذلك الأفعوان الفظيع ذلك الغول أي انعتاق من ظلل يديه على جبهتي الباردة أين أنجو وأهدابه الحاقدة في طريقي تصب غدًا ميتًا لا يطاق أين أمشي .......... » ومن قبل هذا: - « ....... وعدوي الخفي العنيد صامد كجبال الجليد في الشمال البعيد صامد كصمود النجوم» ويجئ من بعد: «أسمع الصوت سيري فهذا طريق عميق يتخطى حدود المكان لن تعي فيه صوتًا لغمغمة الأفعوان إنه لا برنث سحيق» هذا من أساطير يونان من طريق الأدب الإنجليزي أو غيره ومن بعد: - «إنه جاء .... يا لضياع رجاء المسير في دجى اللابرنث الضرير وأحس اليد الماردة تضغط البرد والرعب فوق هدوئي الغرير بأصابعها الجامدة

стр. 2963

إنه جاء .... فيم المسير سأودع حلمي القصير وأعود بجتثته الباردة» القطعة طويلة بعنوان «الأفعوان» وهو كالرمز (١): «أين أمشي مللت الدروب وسئمت المروج» الدروب واقع والمروج خيال رومنسي وفي القطعة تلفيق للأخيلة والصور. وهذا البرد والضباب، كل ذلك أوربي السنخ. فيه بدليرية: اقرأ مثلا (٢) CHANT D'Automne Bientot nous plongerons dans les froides tetebers, Adieu, vive claret de nos etes drop courts! J'entends deja tomber avec des chocs funebres Le bois rentissant sur le pave des cours Tout I'hiver va rentrer dans mon etre: colere, Haine, frissons, horreur, labeur dur et force, Et comme le soleil dans son enfer polaire, Mon Coeur me sera plus qu'un bloc rouge at glace. J'ecoute en fremissant chaque buaque buche qui tombw; Le'echafaud quon batit na pas d'echo plus sourd. Mon esprit est pareil a la tour qui succombe Sous les coups du belier infatigable et loued. Il me semble, berce par ce choc monotone, Qu'on cloue en grande hate un cercueil quelque part. Pour qui? - C'etait hier I'ete voice l'automne! Ce bruit mysterieux sonne comme un depart. هذا الجزء الأول من «نشيد الخريف» ترجمته لو كان الشعر يترجم وإنما يقرب حين نرومه أن يعرب: عما قليل سنلقي بأنفسنا في الظلمات الباردة

стр. 2964

وداعًا أيها الإشراق الحي من صيفنا الشديد القصر هأنذا أسمع السقوط ذات الصوت الجنائزي من ألواح الخشب المرتجة على بلاط الحوش الشتاء كل الشتاء سيدخل في كينونتي؛ المرارة البغضاء، الرجفة، الرعب، المشقة والإكراه ومثل الشمس في جحيمها القطبي سيكون قلبي ما هو إلا كتلة حمراء من جليد أسمع كل خشبة إ تسقط بارتعاد الأعواد التي تنصب للإعدام ليس صداها بأصم من ذلك روحي مثل صومعة تنهار تحت دقات دكاكة ثقيلة دائبة بلا لغوب كأنما أنا على مهد يهدهدني هذا الدور الرتيب ومسمار يدق على عجل في صندوق جنازة بمكان ما من أجل من؟ الصيف كان أمس- جاء الشتاء. هذا الدور الغامض مؤذن بفراق. هذا الجزء الأول من قصيدة غرامية الموضوع بدليرية السماحة- رحم الله أبا تمام حيث ثال: سماجة غنيت منا العيون بها ... عن كل حسن بدا أو منظر عجب كأنما قد نظر بعين الكشف والغيب وضرب من أجزاء النبوة الحدسية إلى هذا الإغراب ثم يقول بودلير في الجزء الثاني من القصيدة J'aime de vos longs yeux le lumiere verdatre Douce beaute, mais tout aujourd hui m'est amer, Etrien ni votre amour, ni le boudoir, ni l'atre, Ne me vaut le soleil rayonnant sur la mer. Et pourtant aimez,- moi, tender coeut! Soyez mere, Meme pour un ingrate, meme pour un mechant;

стр. 2965

Amante ou soeur, soyez la douceur ephemere D'un glorieux automme ou d'un soleil couchant Courte tache! La tombe attend; elle est avide! Ah! Laissez-moi, mon front pose sur vos genoux, Gouter, en regettant l'ete blanc et torride, De l'arriere-saison le rayon jaune et doux! أحب من عينيك الطويلتي الأهداف ضوءهما المخضر أيها الجمال الحلو الذي صار اليوم قد أمر لا حبك ولا الفراش ولا الصلاء، لا شيء من هؤلاء على أية حال كوني بقلبك الرقيق كأم حنون على هذا الولد العاق على هذا الخبيث الملعون كوني لي خليلة أو أختا مثل بقية الحلاوة الزائلة عما قليل من فصل الخريف الجيد أو شمس الأصيل أيها المسعى القصير الأمد القبر وهو نهم ينتظرك منذ حين أوه، دعيني على ركبتك هذا الجبين ذوقي بعد الأسف على فوت الصيف ذي النصوع والحر من الفصل الأخير شعاعه الحلو الأصفر ما قدمه بودلير من معان قاتمة في الجزء الأول لم يعد فيها بساطة قول من شبه الفراق بالموت- قال أبو الطيب بقائي شاء ليس هم ارتحالا ... وحسن الصبر زموا لا الجمالا وما أسرف فيه من ذكر صندوق الجنائز والمسامير وسقوط ألواح الخشب وأعواد منصة الإعدام كل ذلك ظلام مشئوم وكدح لاغب. ويشفع له بعد هذا الجزء الثاني على بعد التصيد في طريقة الربط. وأحسب أن نزار قباني في قوله: لا تسأليني هل أحبهما ... عيناك إني منهما لهما وجميع أخباري مصورة ... يومًا فيومًا في اخضرارهما

стр. 2966

وستارتان إذا تحركتا ... أبصرت وجه الله خلفهما كوخان عند البحر هل سنة ... إلا قضيت عندهما الشمس منذ رحلت مطفأة ... والأرض غير الأرض بعدهما نظر نظرًا شديدًا بل أخذ وسرق من هذا الجزء الثاني من نشيد خريف بودلير قلنا في أخريات الجزء الثالث من المرشد بمعرض الحديث عن هذه الأبيات إن فيها أصلاً جاهليًا يمكن رد بعضه إلى متجردة زياد- ثم أضفنا: [ص ١٢٧٥ طبعة ١٩٧٠ م]: » ثم إن صورة العينين واضحة حية والإيحاء المنبعث منهما قوي- قوي في هذه الخضرة الشاملة ذات العمق التي كالبحر، وفي هذا الإشراق البهج الدافئ، كالمأوى عند البحر حين تهب الرياح، أو كالرمل عند البحر، أو كالبحر نفسه حين يفيض ضوء الشمس، وفي هذا السجو الأهداب، وأحسب أن هذا الوضوح مع ما حوله وما ينبعث منه من إيحاء، مزيج من الاشتهاء واللوعة، يغفر لهذه الأبيات بعض ركاكتها وأوزارها. وريب أن هذا الوضوح فيه رجعة إلى المذهب الجاهلي كما ترى. وعسى هذا ونحوه من نزار وغيره من المعاصرين، أن يكون بادرة نهضة، كما كان العثور بالصبايا الثلاث والحذو عليهن بادرة النهضة في الفن الأوربي والله تعالى أعلم وبه التوفيق. ا. هـ.». فيضاف إلى هذا أن معنى فتنة العينين وحرهما قديم، قال غيلان وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر وتسمية العين عينا فيه معنى الماء والعمق. وقالوا في تفسير: «قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورًا فمن يأتيكم بماء معين» أن أحد الزنادقة قال تأتينا به المعاول والفئوس فأصلح لزندقته أعمى قد ذهب ماء عينيه. مع هذا قلما نجد شعراء العرب القدماء يشبهون العين بالبحر أو يذكرون عمقًا في ذلك أو سباحة، كأن قد اكتفوا بأن ذلك مضمن في قولهم عين ومحاجر العين كما يقولون عين الماء وحجرة البحر فنزار قباني، في الرجعة الجاهلية التي رجع به إليها، إنما أصال ذلك من طريق محاكاته لبودلير. قوله: «عيناك إني منهما لهما» تعبير صحفي لا طائل وراءه وهو ما أشرنا إليه من قبل من معنى الركاكة. وقوله: «يومًا فيومًا في اخضرارهما» فهذا قول بودلير: «أحب من عينيك الطويلتين نورهما المخضر» عني بالطويلتين طول أهدابهما ولو قلنا من «عينيك السلهبتين» كان أجود في الترجمة ولكن

стр. 2967

هذا غريب والترجمة نثر وابن الأثير أجاز الغريب في الشهر النثر. وقوله «وجميع أخباري مصورة» يؤكد ما زعمناه من صحيفة التعبير إذ الصحف صناعتها نقل الأخبار. وقوله: «وستارتان إذا تحركتا» مأخوذ من طول العينين أي طول أهدابهما الذي ذكره بودلير وإنما هي أمثال هذه العبارات التي تبين لنا الأخذ ومواضعه. و» تحركتا» ترشيح لقوله «وستارتان» ولكنه غير مناسب لصفة العينين والهدب المغدف- ذكرنا المغدف هما نشير به إلى قوة عنترة: إن تغدفي دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم وما ذكر عنترة إغداف القناع إلا وهو مشربه ظلالاً من إغداف العينين أهدابهما. وقال امرؤ القيس: .. كمرآة الصناع تديرها ... لمحجرها من النصيف المنقب في قوله «تحركتا» ثقل وأنفاس صحفية. وقوله «أبصرت وجهه الله» فيه نظر- عبارة البخاري حين يرتاب، وقوله: «خلفهما» آبدة فإن وجه الله ، على معنى سلفي أو أشعري أو صوفي أو حتى على مذهب من وحدة الوجود، أو على محض التوسع في التعبير والمجاز، لا يمكن أن يوصف «بخلف كذا أو كذا» وإن يكن ذلك عيني فينوس نفسها التي زعم لها كفارهم أنها ربة. لو قال فيهما لشعر على ما في ذلك من نظر، ولكن القافية لم توات. وقوله: كوخان عند البحر هل سنة ... إ قضيت الصيف عندهما فهذا بودليري من بودلير مأخوذًا أخذًا، بحره وصيفه وقضاء الصيف عنده ألا يقول بودلير ما عسى معناه: «بعد الأسف على فوت الصيف ذي الجفء والنصوع؟ » وقوله: «كوخان» ليس بمليح. وهل ألمعت به «كورت تاش» «Courte tache» برنة نطثفها المقاربة لـ» كوخ» ثم معناها ليس عن معنى الكوخ ببعيد إذ الكوخ واجب قصير، كدح قصير، فسر المعجم «تاش» بأنها العمل المعين الذي يلزم أداؤه، وما أراد بودلير إلا أن هذه الحياة واجب قصير وفي هذا التعبير غرابة وبراعة إذ الواجب يراد قصره والحياة يراد طولها ولكن المعري يقول: تعب هذه الحياة فما أعـ ... ـجب إلا من راغب في ازدياد

стр. 2968

ويقول أبو الطيب وإذا الشيخ قال أف فما مل ... حياة وإنما الضعف ملا وقد أخذنا على الشاعر من قبل جعله العينين كوخين وأراد كما لا يخفى معنى الخصوصية ولكنها خصوصية من نوع سياحي قصير الأمد، عينا الجميلة ولو لمحة أبد طويل ولله در كيتس إذ يقول: A thing of beauty is a joy for ever » الشيء الجميل سرور خالد أبدًا» = هذا تقريب وتعريب لمعنى ما قاله: ولكن شدة تقصي نزاع لاتباع معاني بودلير ألجأه إلى جعل عيني جميلته شيئًا صحفيًا خبريًا عابريًا يكون مع عطلة الصيف كبعض هذه الأكواخ التي تستأجر لتكون سترة رحلة متعة محدودة الأمد. وقوله: «الشمس منذ رحلت مطفأة» مأخوذ من موضعين من كلمة بودلير- من موضع ذكر الوداع في الجزء الأول في آخره ومن موضع ذكر الشمس افلة في الأربعة الثانية من الجزء الثاني في آخرها- «والأرض غير الأرض» من سورة إبراهيم، من آخرها. أزال نزار العبوس اللاغب البودليري وبدله صحافة تتجمل بالمبالغة «إني منهما لهما» وروم الاقتباس «والأرض غير الأرض» - وانطفاء الشمس وتبديل الأورض غير الأرض، ذلك قيام الساعة والفزع الأكبر ولا يناسب موضوع الفراق أو الوداع الذي للغرام- فرط المبالغة في هذا الباب ليس بمليح، وإنما تكون معه الرقة هي المعنى المليح، قال البحتري ﵀: دنت عند الوداع لوشك بين ... دنو الشمس تجنح للأصيل وصدت لا الوصال لها بقصد ... ولا الإسعاف منها بالمخيل وذكرنيك والذكرى عناء ... مشابه فيك بينة الشكول نسيم الروض في ريح شمال ... وصوب المزن في راح شمول أين هذا الضرب من الذكرى من ذلك الذي يقرن شاعرة تساقط أوراق خريفه بخشبات تتساقط ليسمرها نجار صناديق جنائز الإعدام عذيري من عذول فيك يلحى ... على ألا عذير من عذول ثم ماذا؟ كما كان يقول الدكتور زكي مبارك ﵀ الرحمة الواسعة.

стр. 2969

ثم بعد هذا الجند الغريب اجتاحت القصيدة العربية غارة هولاكو وكما دخل التتار. ليس لنا ولا لغيرنا أن ينكر التجديد فإنه من سنن التطور والرغبة في التغيير من ظواهر الحياة وبواطنها ومكملاتها وشواهد كينونتها ووجودها. ومن التجديد صادف ومنه إفك وافتراء. والإفك والافتراء زبد يذهب جفاء. والصدق وكل ما هو صادق يبقى وينتفع به قال تعالى: ﴿وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ [سورة الرعد]. ومما يختبر به الافتراء أن المجيء بأمثاله سهل، وما ليس بافتراء تعسر محاكاته بما يكون مثله. ضروب التجديد التي نراها الآن أكثرها غثاء وزبد جفاء. مما يدل على أنها افتراء كثرة امتلاء الطروس والصحف السيارة بأمثالها، ثم خروجها كل الخروج عن عرف اللغة الفصيحة وهي لغة ميراث لا يجوز التلاعب به ولا التفريط فيه إذ ذلك يفسد الطريق إلى معرفة أسراره وفهمه- هي لغة القرآن، وعن عرف اللغة الدارجة، وهذا دليل فساد حجة من يدعي أن هذه الضروب التجديدية تطور وانعكاس لحال البيئة وبيان عنها. ذلك بأن طبقات الناس في المدن والبوادي في جميع أقطار العربية تتغنى في أعراسها وأفراحها ومناحاتها ومواكبها بين الفلاحين والجنود والعمال والطلبة، وفي احتفالات سمرها وابتهاجًا ذوات الصبغة الخاصة أو العامة، في جميع ذلك تتغنى بالكلام الموزون المقفى بحسب ما عليه طريقة الوزن والتقفية في الكلام الدارج، فلماذا إذن هذا التعدي على اللسان الفصيح؟ لم يكن حافظ وشوقي وجيلهما جيل تقليدين، كان جيل التقليديين جيل من نظموا في ضروب أصناف الشعر نظم علماء من غير انفعال ولا تجويد إيقاع. وكان بعض مرد ذلك إلى ضعف التحصيل وانشغال أكثر أهل العلم بمتون الفقه، حتى إن المعلقات السبع والعشر نفسها كانت تقرأ وتنسخ على أنها متون، لا على أنها من الشعر عيون. وقد اقتدى عصر كامل بجيب شوقي وحافظ وكان كل أولئك أخل تجديد، إلا أنه كان يخالطه عنصر الإعذار والاعتذار إلى الغرب، المنبعثين عن إقرار بتفوق حضارته، فكان التجديد مع صدوره عن رغبة صادقة وعن حسن نية آخذًا بسبيل أدت آخر الأمر إلى تيهاء وخراب وضياع. كانت حركة الديوان وأكثر الحركة الرومنطيكية أو الرومنسية محاولة زيادة في التجديد مشتملة على اتهام الجيل شوقي بالتقليد- ولم يكن الحسد الخفي لشوقي عن ذلك بالأمر البعيد- والله تعالى أعلم؛ .

стр. 2970

تداخلت عناصر التجديد والثورة والصراع المذهبي «الأيديولوجي»، بعد الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩ - ١٩٤٥ م) وبعد سنوات الخمسين من هذا القرن الميلادي العشرين. ظل البارودي ﵀ هو فارس القصيدة العربية الأصيلة حقًا، مشرفًا بأصالتها وجزالتها وقوة أسرها وصفاء ديباجتها على جميع ضروب التجديد وجنده الدخيل. ولكن بلاد العربية لم تخل في الجزيرة العربية ولا في العراق ولا الشام ولا مصر ولا المغرب كله إ بلاد شنقيط ولا في بلاد سنار والسودان العربية كلا ولا في سائر بلاد الإسلام من أنفاس فحولة ومحافظة على الجزالة وإتقان. إليك مثلا شعر الشاعر النجدي محمد بن عثيمين ﵀ (١٢٧٠ - ١٣٦٣ هـ) وفيه من الجزالة وجودة الديباجة ورنين القصيدة القديمة أنفاس جيدات. قال ﵀: نعم هذه أطلال سلمي فسلم ... وأرخ بها سيل الشئون وأسجم أقول لصحبي والمراسيل ترتمي ... بنا سهما ترمي الفيافي يسهم كان هذا قبل السيارات والطائرات، على أن هذه ربما وجدت هي أيضًا سهمًا ترمي الفيافي بسهم- وطريقة تجنيسات أبي تمام كما ترى أيها القارئ الكريم: ألا عوجة منكم على الربع ربما ... شفيت الذي بي أو قضيت تلومي فهذا نحو من قول غيلان: «خليلي عوجًا من صدور الرواحل» فعاجوا فغطت ناظرة العين عبرة ... فلم أتبين شاخصًا من مهدم أجدكما أن لا أمر بمنزل ... لمية إلا أمزج الدمع بالدم ولا أستبين البرق يفرى وميضه ... جلابيب مسدول من الجنح مظلم و» جلابيب» هاهنا من قول حبيب: حتى كأن جلابيب الدجى رغبت ... عن لونها أو كأن الشمس لم تغب وقوله: «إلا أمزج بالدمع» من مبالغات الشعر المعروفة المألوفة ولم يخل من أخذ الرنة واللفظ من البوصيري ﵀: أمن تذكر جيران بذي سلم ... مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم واسم مية فيه ظلال غيلان بلا ريب .. قوله: «فلم أتبين شاخصًا من مهدم»

стр. 2971

حذاه على نهج أبي الطيب: وأجياد غزلان كجيدك زرنني ... فلم أتبين عاطلاً من مطوق يجوز أن يكون أرد معنى العفة وغض الصر ويجوز أن يكون أراد أنه بهره الجمال حتى حار فلم يتبين عاطلاً من مطوق. وأحسب أن ابن عثيمين لو قال: «لم أتبين قائمًا من مهدم» كان أجود- «جدارًا يريد أن ينقض فأقامه الآية» - ولا بأس بما قال: وكقوله ﵀ في قصيدة قافية تفتري بحر غيلان ورويه في كلمته: «أدارًا بحزوى إلخ»: - أرقت لبرق ناصب يتألق ... إذا ماهفا ظليت بالدمع أشرق ظليت أي ظللت وهي عربية فصيحة ويقال ظلت وظلت بكسر الظاء وبفتحها أيضًا وأحسب أن الشاعر فر إلى الياء ليتجنب زحاف القبض في ثاني أجزاء العجز ولو أقدم عليه ما ضره إذا فاض لم آملك سوابق عبرة ... تحم لها الأحشاء والقلب يخفق أمد له طرفي ومن دون ومضه ... خبوت وأحقاف وبيداء سملق ومجهلة للجن في عرصاتها ... عزيف يراع الذئب منه ويفرق ها هنا روح من غيلان وهو القائل «للجن بالليل في حافاتها زجل البيت»، وكقوله: تسمع في تيهائه الأفلال ... فنين من لهاله الأغوال ولا عجب أن يتبع عثيمين ﵀ نهج غيلان ﵀ ففي ترجمته التي في صدر ديوانه أنه ولد بالخرج وفي الخرج قول غيلان يصف مية في بعض ما وصفها به في بعض تشبيهاته: - مهطولة من خزامي الخرج هيجها ... من صوب غادية لوثاء تهميم (١) وقد مرت الأبيات. وقال ابن عثيمين ﵀ من كلمة أخرى: خليلي مرا بي على الدار واربعًا ... لنشعب قلبًا بالفراق تصدعًا وإن أنتما لم تسعداني على الأسى ... فلا تعدماني وقفة وتوجعا بمستوحش من شبه آرام عينه ... تناوح فيه الهوج بدءًا ورجعًا أي تتناوح فيه الرياح الهوج

стр. 2972

أما إنه لو يوم جرعاء مالك ... غداة التقينا ظاعنًا ومشيعًا تبينتما عينًا تجود بمائها ... ومحجوبة تومي بطرف وإصبعا أي تبينتما عينا ومحجوبة وإصبعا يشار به. أكثر شعر ابن عثيمين في مدح رجال من رؤساء العرب على زمانه ورثائهم. فما سلك فيه من ذلك نمطًا حبيبيًا البائية التي في أول ديوانه: العز والمجد في الهندية القضب ... لا في الرسائل والتنميق والخطب تقضي المواضي فيمضي حكمها أممًا ... إن خالج الشك رأي الحاذق الأرب وفيما بعد من روح النظر إلى أبي الطيب كقوله: لكن شمس ملوك الأرض قاطبة ... عبد العزيز بلا ميم ولا كذب يعني الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مؤسس المملكة السعودية ﵀ ولا تخفى الإشارة النابغية «بأنك شمس والملوك كواكب البيت»، ثم يقول قاد المقانب يكسو الجو عثيرها ... سماء مرتكم في نفع مرتكب حتى إذا وردت ماء الصراة وقد ... صارت لواحق أقراب من السغب أي حتى ضمرت فلحقت أقرابها «جمع قرب» أي جنوب خواصرها بظهورها قال النزال لنا في الحرب شنشنة ... نمشي إليها ولو جثيًا على الركب فسار من نفسه في جحفل حرد ... وسار من جيشه في عسكر لجب فقوله «قاد المقانب» كقول أبي الطيب من حيث الحذو والإيقاع: قاد المقانب أقصى شربها نهل ... على الشكيم وأدنى سيرها سرع هذا في الصدر وإيقاع عجز البيت من أبي تمام مثلاً قوله: هيهات زعرعت الأرض الوقور به ... من غزو محتسب لا غزو مكتسب وصدر البيت التالي محذو علي أبي الطيب: حتى وردن بسمنين بحيرتها تنش بالماء في أشداقها اللجم والعجز يذكر بغيلات وبقافية رؤبة:

стр. 2973

لواحق الأقراب فيها كالمقق أي كالطول. والبيت الثالث أوله من العشى وعجزه من أبي تمام والبيت الرابع محذو على قوله: لو لم يقد جحفلاً يوم الوغى لغدا ... من نفسه وحدها في جحفل لجب نحو هذا الحذو لما فيه من قصد الإشارة إلى أقوال من سبقوه (تأمل قوله: «ولو جثيًا على الركب» ألا يذكر بقول حبيب: «تجثو الكماة به صغرًا على الركب»؟ ) نحو هذا الحذو منبئ بتلذذ الشاعر بجيد أقوال هؤلاء الفحول يومئ إليهم أو يشير، لا مجرد السرق. وأثر قصيدة المدح النبوي جد جلي في صياغة ابن عثيمين ﵀ وديباجته. تأمل هذه الخاتمات، قوله: وخذ شوارد أبيات مثقفة ... كأنها درر فصلن بالذهب زهت بمدحك حتى قال سامعها ... «الله أكبر كل الحسن في العرب» يشير كما ذكر محقق ديوانه إلى قول ابن النبيه: الله أكبر ليس الحسن في العرب ... كم تحت لمة ذا التركي من عجب إلى هنا نظر شوقي ﵀ في قوله: الله أكبر كم في الفتح من عجب ... يا خالد الترك جدد خالد العرب وكان شوقي ﵀ كثير الأخذ والشعراء من أفعل شيء لذلك كما تقدم ذكره، وأحسب أن ابن عثيمين أخذ من شوقي في الحذو وطريقة الصياغة ولا ريب أنه تأثر بديوانه وقرأه وأثر شوقي على شعراء النصف الأول من هذا المائة الميلادية كبير. هذا ويقول ابن عثيمين بعده، وهذا بمعرض ما قدمناه من أثر القصيدة النبوية عليه: ثم الصلاة وتسليم الإله على ... من خصه الله بالأسنى من الكتب المصطفى من أروم طاب عنصرها ... محمد الطاهر ابن الطاهر النسب والآل والصحب ما ناحت مطوقة ... وما حدا الرعد بإلهامي من السحب

стр. 2974

وقلت قصيدة يختتمها بالصلاة على النبي ﷺ وما يصحب من ذلك من مديح ينبئ عن التقوى وصدق روح العبادة والتقرب إلى المولى بالصلاة على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وقوله في آخر النونية التي مطلعها «عج بي على الربع حيث الرند وألبان إلخ» ومدح بها الملك عبد العزيز ﵀، قال: ثم الصلاة على الهادي الذي خمدت ... في يوم مولده للفرس نيران والآل والصحب ما ناحت مطوقة ... خطبًا تميد بها في الدوح أغصان خطبًا أي خطباء بقصر المدود وهو جائز كثير والخطبة لون الورقاء أي الحماقة قال المعري: ترى كل خطباء الجناح كأنها ... خطيب تنمي في الغضيض من الينع ومن هنا أخذ ابن عثيمين. وقال آخر الرائية التي أولها «تلألأت بك في الإسلام أنوار إلخ»: ثم الصلاة على الهادي وشيعته ... وصحبه ما شدا في الأيك أطيار وفي أخرى وصل إله العالمين على الذي ... بأنواره الأكوان تزهو وتشرق كذا الآل والأصحاب ما لاح بارق ... وما ناح في الدوح الحمام المطوق وفي أخرى وصل إلهي كلما ناض بارق ... وما طلعت شمس وما لاح مرزم على سيد السادات نفس فداؤه ... أصلي عليه مدتي وأسلم كذا آله الغر الكرام وصحبه ... هم صفوة الرحمن منا هم هم وفي أخرى

стр. 2975

وصل إلهي كلما حن راعد ... وما ناض برق في خلال السحائب على خير مبعوث إلى خير أمة ... كذا آله الأطهار مع كل صاحب والشواهد بعد كثيرة. ومن أعجب شعر ابن عثيمين إلى قوله في نسيب نونية مدح بها الملك عبد العزيز رحمهما الله تعالى: ربع تأبد من شبه المها العين ... وقفت دمعي على أطلاله الجون إن الذين برغمي عنه قد رحلوا ... حفظت عهدهم لكن أضاعوني ناديتهم والنوى بي عنهم قذف ... نداء ملتهب الأحشاء محزون يا غائبين وفي قلبي تصورهم ... ونازحين وذكراهم تناجيني وهنا حذو على قول الشيخ عبد الرحيم ﵀: يا راحلين بقلبي أينما رحلوا ... ونازلين بقلبي حيثما نزلوا ترفقوا بفؤادي في هوادجكم ... راحت به يوم راحت بالهوى الإبل ثم يقول: مالي وللبرق يشجيني تألقه ... وللصبا بشذاكم لا تداويني وهذا فيه نفس من محمود غنيم في كلمته التي نشرت في عدد الهجرة من رسالة الزيات ومطلعها «ما لي وللنجم يرعاني وأرعاه إلخ» ليت الرياح التي تجري مسخرة ... تنبيكم ما ألاقيه وتنبيني وجد مقيم وصبر ظاعن وهوى ... مشتت وحبيب لا يواتيني من لي بعهد وصال كنت أحسبه ... لا ينقضي وشباب كان يصبيني لم يبق من حسنه إلا تذكره ... أو الأماني تدنيه وتقصيني تلك الليالي التي أعددت من عمري ... أيام روض الصبا غض الرياحين أيام أسقى بكاسات السرور على ... رغم الوشاة بحظ غير مغبون

стр. 2976

فهذا سعر سلس وفيه روح رقيق من عاطفة وذكرى. بحر الأبيات ورويها على قرى: «يا من لقلب طويل البث محزون» وفيه من ألفاظها وضرب صياغتها كقوله: «وللصبا بشذاكم لا تداويني» فهذا فيه حذو من قول العدواني» ولا دماؤكم جمعًا ترويني» وكقوله: «مشتت وحبيب لا يواتيني» فهذا فيه من قول العدواني «وأصبح الوأي منها لا يواتيني» وفي القصيدة بعد من أنفاس ابن زيدون في النونية وبعض طريقة لفظها كهذه الأبيات الأخيرة من عند قولة: «من لي بعهد وصال إلخ» وكقوله من بعد: بجنيك من خده وردًا بنسرين وفي هذه القصيدة من المدح الجيد قوله: إني أوتيت من العليا إلى حرم ... قبل الإناخة بالبشرى يحييني ينتابه الناس أفواجًا كأنهم ... جاءوا لنسك على صهب العثانين يعني الإبل ترى الملوك قيامًا عند سدته ... وتنظر ابن سبيل وابن مسكين ذا يطلب العفو عن عقبي جريرته ... وذا يؤمل فضلاً غير ممنون نزلت منه إلى جم فواضله ... عبد العزيز ثمال المستميحين بكسر نون الجمع وهي لغة صحيحة وروى القافية يسيغها ها هنا كما قال ذو الإصبع: إني أبي أبي ذو محافظة ... وابن أبي أبي من أبيين ثم يقول ابن عثيمين بعد أبيات: فدم سليما قرير العين مبتهجًا ... بالآل والحال في عز وتمكين واشدد عرى الدين والدنيا بمنتجب ... من عنصر السادة الغر الميامين يعني ابنه الملك سعود وكان آنئذ ولي عهده، ﵏ جميعًا: فرع الأئمة والأذواء من يمن ... أهل القباب المطاعيم المطاعين غمر الندى نجلك الميمون طائره ... سعود أهل التقى نحس المناوين

стр. 2977

بتنوين دال سعود ونقل حركة الهمزة ولك منع سعود من الصرف وقطع الهمزة والأول أحب إلى وكسر النون الجمع كما ترى تلتك في خلقك السامي خلائقه ... تلو المصلي المجلي في الميادين هكذا وأحسبه «يتلو المصلي المجلي» والمعنى المستقيم بهذا ومصدر تلا، تلو بضم التاء، واللام لا بفتح وسكون إلا لمن زعم العموم قياسًا للثلاثي المتعدي كقول ابن مالك فعل قياس مصدر المعدي ... من ذي ثلاثة كرد ردًا وفي الذي قدمناه مندوحة عن الضرورة ومخالفة المنقول، هذا ثم ختم بقوله: ثم الصلاة وتسليم الإله على ... من خص بالخلق المحمود في نون وآله الغر والأصحاب كلهم ... ما ناح ورق بملتف البساتين وتأمل بعد هذه الأبيات العينية من حيث رصانة سبكها وزنة حرف الروى والخروج بعده وفحولة النفس: أهاج له ذكر الحمى ومرابعه ... لجاجة شوق ساعدتها مدامعه فبات بليل الجيب مضطرم الحشى ... كأن بسفا البهمى فرشن مضاجعه يمد إلى البرق اليماني طرفه ... لعل الحمى والخبت جيدت مراتعه منازل خاللت السرور بربعها ... ليالي يدعوني الهوى فأطاوعه أرب عليها كل محلولك الدجى ... أحم الرجى مستعجمات مطالعه هذا البيت خاصة قوي الرنة شديد الأسر غيلاني المعدن. الرجى الناحية، عنى أن السحاب المحلولك النواحي سوادًا قد ألح عليها بالهطول، وجعله أحم الرجى لسواده ودوى رعوده كأن ذلك صوت الرحى، وإذا الرعد يحدو المطر والحداء ضرب من الغناء والغناء سليل القريض، فقد نسب إلى الرعد مطالع كما للقصيد مطالع وهن ابتداءات هديره، وجعلهن مطالع مستعجمات، وكأن ها هنا توليدًا خفيًا من قول حميد المشهور:

стр. 2978

فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربيًا شاقه صوت أعجمًا وقد مر في صفة الحمامة في الجزء الثالث من المرشد: إذا ما بكت فيه السحائب جهدها ... ضحكن بنوار النبات أجارعه وقفت بها والصحب شتى سبيلهم ... عذول ومعذول وآخر سامعه فكاتمتهم ما بي وبالقلب لوعة ... إذا اضطرمت تنقد منها أضالعه وهكذا هلم جرًا. والبحر والروي يشعران بمجاراة خفية لحبيب وأبي الطيب معا في كلمتيهما: هن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزما فقدما أدرك النجح طالبه وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه وكأن عين رويه صدى من عين روى البحتري في: منى النفس من أسماء لو تستطيعها ... بها وجدها من غادة ولوعها وقد تعلم أيها القارئ الكريم أصلحك الله كيف سمح المتوكل إذا زعم أن عينها نثير القيء والتهوع في خبر ذكروه وما أحسبه خفي عن ابن عثيمين ﵀ فقد كان واسع الاطلاع ضليعًا في علم العربية. ومن جيد شعره في المدح والحكمة قوله للملك عبد العزيز رحمهما الله تعالى: يأيها الملك الميمون طائره ... اسمه هديت مقال الناصح الحدب اجعل مشيرك في أمر تحاوله ... مهذب الرأي ذا علم وذا أدب وقدم الشرع ثم السيف إنهما ... قوام ذا الخلق فب بدء وفي عقب هما الدواء لأقوام إذا صعرت ... خدودهم واستحقوا صولة الغضب واستعمل العفو عمن لا نصير له ... إلا الإله فذاك العز فاحتسب واعقد مع الله عزمًا للجهاد فقد ... أوتيت نصرًا عزيزًا فاستقم وثب وأكرم العلماء العاملين ركن ... بهم رحيمًا تجده خير منقلب واحذر أناسًا أصاروا العلم مدرجة ... لما يرجون من جاه ومن نشب هذا وفي علمك المكنون جوهره ... ما كان يغنيك عن تذكير محتسب

стр. 2979

وخذ شوادر البين، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه والسلام من بعد كما قد مر ذكره ولا يخلو ابن عثيمين ﵀ مع رصانته وجودة ديباجته من بعض الكلال والسرد أحيانًا، وقل كاتب أو ناظم يسلم مما يؤخذ عليه، والسرد أهون خطبًا من الركاكة واللين، وربما قصد أحيانًا قصد عمد إلى بعض ما شذ هذا من مذاهب العلماء معروف كقوله: فقلدوا أمركم من فيه رشدكمو ... يا المسلمون وشدوا منه بالعضد أم لعله لم يقل إلا «يا مسلمون» وبها الوزن مستقيم وأرجح والله أعلم أنه تعمد هذا حذوا على «فيا الغلامان اللذان فرا»، والخطأ النسخي لا يستبعد (١) ومن أمثلة الديباجة الرصينة الشيخ محمد سعيد العباسي ﵀، وإليك هذه الدالية من شعره وكان ﵀ مما يواتيه طبع سمح في هذا الضرب والعروض من البسيط. باتت تبالغ في عذلي وتفنيدي ... وتقتضيني عهود الخرد الغيد وقد نضوت الصبا عني فما أنا في ... إسار سعدي ولا ألحاظها السود سئمت من شرعة الحب اثنتين هما ... هجر الدلال وإخلاف المواعيد لا تعذليني فإني اليوم منصرف ... يا هذه لهوى المهرية القود هنا محاولة فيها رقة لمكافأة صدهن بصد مثله، وقد كره أبو السائب المخزومي التخشين في هذا الباب في قوله من قال: وكنت إذا حبيب رام هجري ... وجدت وراي منفسحًا عريضًا وهو مذهب لبيد: «فاقطع لبانة من نعرض وصله» في الميمية المعلقة، وكان العباسي ﵀ بها سافر السفر الطويل في بادية غرب السودان وكان السفر إلى حين قريب بالجمال. وقوله «المهرية» أراد الإبل النجائب ومن أنجب الإبل البجاوية الصهب وما أشبه أن يكون العباسي كانت له راحلة منها. لم يبق غير السرى مما تسر له ... نفسي وغير بنات العيد من عيد وبنات العيد الإبل النجائب ينسبن إلى العيد فحل مشهور وأصل كلام العباسي ﵀ بيت حبيب: (٢)

стр. 2980

حين أغادر كل يوم بالفلا ... للطير عيدًا من بنات العيد. ثم قول العباسي ﵀: المدنياتي من رهطي ومن نفري ... والمبعداتي من أسري وتقييدي أثرتها وهي بالخرطوم فانتبذت ... تكاد تقذف جلمودًا بجلمود تؤم تلقاء من نهوي وكم قطعت ... بنا بطاحًا وكم جابت لصيخود عدى جابت باللام وأحسبه بذلك فصيحًا في هذا الموضع لما في اللام من مناسبة لقوم تؤم تلقاء من نهوى فلم يجعل «من» يتسلط عليها الفعل «تؤم» من غير حاجز: نجد يرفعنا آل ويخفضنا ... آل وتلفظنا بيد إلى بيد وشد ما عانقت بالليل من عنق ... يضني ومن حيف أخدود فأخدود حتى تراءت لحادينا النهود وقد ... جئنا على قدر حتم وموعود النهود بلد بغرب السودان كان منها نهود- أي نهوض- القوافل وقاصدي الموارد والمراعي في حر الصيف وهي في إقليم كردفان غرب مدينة الأبيض في طريق دارفور. معالم قد أثارت في جوانحنا ... شوق الغوير لمهضوم الحشى رود ثم كأنه استحيا من هذا الغزال فقال: استعفر الله لي شوق يجدده ... ذكر الصبا والمغاني أي تجديد وتلك فضلة كأس ما ذممت لها ... طعمًا على كبر برح وتأويد وفي هذا البيت حرارة من عاكفة وجانب من رقة وكبعض مذهب الشريف الرضي شيئًا ما. وكان أبوه رحمه الله تعالى، شيخًا معتقدًا وكان هو خليفته من بعده، تلاميذه وتلاميذ أبيه يكرمونه ويتلقاه من يتلقاه منهم بالحفاوة البالغة والاحترام والترحيب. وكان ﵀ قد درس العربية والقرآن في صباه، ثم نال حظًا من الحياة العصرية والتدريب العصري في الحربية بمصر حين ألحق بها، ثم تخلي عن ذلك وانصرف إلى سبيل آبائه في العلم والتصوف. مذهب الشريف مع سماحة ذات ظرف ساذج سهل أظهر في هذه الأبيات:
следующие страницы →