عيسى سبيلك رحمة ومحبة ... في العالمين وعصمة وسلام
ما كنت سفاك الدماء ولا امرأ ... هان الضعاف عليه والأيتام
يا حامل الآلام عن هذا الورى ... كثرت عليه باسمك الآلام
هذا كلام شريف جداً يزين لفظه معناه. وتشيع فيه غضبة حرة، من ذلك الغضب الذي يعده الغزالي ضرورياً لمن يريد أن يعبد الله بحق، ويعرفه حق معرفته. ثم يقول شوقي بعد فترة:
خلطوا صليبك والخناجر والمدى ... كل أداة للأذى وحمام
قوله «كل أداة .. الخ» تهافت بلا ريب. وكذلك قوله «كأنهم أغنام».
أو ما تراهم ذبحوا جيرانهم ... بين البيوت كأنهم أغنام
كم موضع في حجر نعمته غدا ... وله على حد السيوف فطام
وصية هتكت خميلة طهرها ... وتناثرت عن نوره الأكمام
هذا عندي أشرف وأجود من قول علي بن العباس الرومي في فتيات البصرة المغتصبات حينها أغار عليهن الزنج:
كم فتاة بخاتم الله بكر ... فضحوها جهراً بغير اكتتام
وهل الجهر إلا غير الاكتتام؟ ونرجع إلى شوقي:
وأخي ثمانين استبيح وقاره ... لم يغن عنه الضعف والأعوام
وجريح حرب ظامئ وأدوه لم ... يعطفهم جرح دم وأوام
ومهاجرين تنكرت أوطانهم ... ضلوا السبيل من الذهول وهاموا
السيف إن ركبوا الفرار سبيلهم ... والنطع إن طلبوا القرار مقام
يتلفتون مودعين ديارهم ... واللحظ ماء والديار ضرام
стр. 352
هذا من أحسن الوصف، وهو يلائم روع هذه العصر، ( ... ) خير ملاءمة ولا سيما هذا النعت البارع لمن سماهم شوقي بالمهاجرين ونسميهم نحن الأن باللاجئين. وفي قوله: «يتلفتون مودعين ديارهم» مع الصورة البليغة، هذه المطابقة البارعة التي لو سمعها أبو تمام ( ... ) شوقياً عليها.
ثم خلص شوقي من هذا الوصف الجميل إلى تقريع العثمانيين على تفريطهم في السياسة وإضاعتهم تراث أجدادهم الواسع، وخلط تقريعه هنا بتأمل في التأريخ وهذا فن يتقنه ويجيد فيه. قال:
من عادة التأريخ ملء قضائه ... عند وملء كنانتيه سهام
ولا أدري لم جعلها كنانتين:
ما ليس يدفعه المهند مصائما ( ... ) لا الكتب تدفعه ولا الأقلام
إن الألي فتحوا الفتوح جلائلا ... دخلوا على الأسد الفياض وناموا
هذا جناه عليكم آباؤكم ... صبرا وصفحا فالجناة كرام
ثم أسف بعد ذلك شيئاً، وأوقعه في هذا الإسفاف - فيما أظن حرصه أن يظهر أثر الحضارة الأوربية على ذوقه وتقديره للقيم الخلقية من استهجار السف وما إلى ذلك من التعاليم المنسوبة إلى المسيح، ولا يزال القسس يصدكون بها المسامع صادقين. وكاذبين.
ثم زاد الطين بلة أنه ( .......................... ) وأبي تمام في إرسال الحكم والأمثال كما في قوله:
( .............................. )
وماذا عسى لقائل أن ( .............. )
стр. 353
فبالسيف يؤخذ» وقد قالها المسيح صادقاً فجاءت قوية. ومن أراد أن يقول شيئاً في هذا الباب بعد المسيح فليأت بكلام أقوى من كلامه أو ليعكسه عليه بمثل قوته كما فعل أبو الطيب إذ يقول:
أعلى الممالك ما يبنى على الأسل
ومن حكم شوقي الباردة في هذه القصيدة قوله:
ودوا التفاخر بالتراث وإن غلا ... فالمجد كسب والزمان عصام
وإنما أراد «والماجد عصام»، وحتى لو كان تيسر له ذلك فليس في المعنى من طائل. ومنها قوله:
يحصي الذليل مدى مطالبه ولا ... يحصي مدى المستقبل المقدام
وهذا كلام لامنة فيه على تقدير تسليمه. على أن الذليل لو أحصى مطالبه ما كان ليذل. والوجه ما قاله أبو الطيب:
والذي يظهر في الذليل مودة ... وأود منه لمن يود الأرقم
إذ الذليل انتهازي (بلغة العصر) كأسوأ ما يكون الانتهازيون، ولا يقعد ليفكر ماذا يطلب من الدنيا.
ومنها قوله:
ومن البهائم مشبع ومدلل ... ومن الحرير شكيمة ولجام
والقضيتان إن صح تواصلهما ليستا بشيء. على أن أخراهما لا تنبني على الأولى ولا تترتب عليها بحال. إذ كثير من الأكلب المدللة التي تباهى بها السيدات لا تفضل -لو جاز لها أن تختار- أن تفر إلى الغابة.
стр. 354
وأما قوله: «ومن الحرير شكيمة ولجام» فهو معنى كرره في شعره كقوله:
«والقيد لو كان الجمان الخ» -والمتنبي أصدق منه في هذا الباب، وأدق تفكيراً وأعرف بالناس إذ يقول:
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام
ولا أعرف سبباً لدخول «اللجام» في بيت شوقي إلا ضرورة القافية .. فلن تجد عاقلاً -مهما يبلغ به حب البذخ- يتخذ لدوابه شكما من الحرير.
هذا ولكن شوقياً قد جلى عن نفسه إذ يقول يخاطب العثمانيين:
وقف الزمان بكم كموقف طارق ... اليأس خلف والرجاء أمام
هذي البقية لو حرصتم دولة ... صال الرشيد بها وطال هشام
ثم أخذ بعد ذلك في مضمار هو فارس حلبته. وجعل يرفع من همم الأتراك بمدح ما أبداه جنودهم الباسلون من تفاني في الدفاع، وإخلاص في الجهاد:
شرفاً أدرنة هكذا يقف الحمى ... للغاصبين وتثبت الأقدام
وترد بالدم بقعة أخذت به ... ويموت دون عرينه الضرغام
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صبرا أدرنه كل ملك زائل ... يوما ويبقى المالك العلام
خفت الأذان فما عليك موحد ... يسعى ولا الجمع الحسان تقام
وخبت مساجد نوراً جامعاً ... تمشي إليه الأسد والآرام
عني الرجال والنساء، ولا يخفى ما في هذا من التكلف، لأن النور لا يناسب الأسد ولا الآرام. ولكن مثل هذا قد يغتفر.
يدرجن في حرم الصلاة قوانتا ... بيض الإزار كأنهن حمام
стр. 355
وإفراد الإزار قبيح، ولعله لو قال: «بيضاً يزفن» لكان ذلك وجهاً .. ألا أنه يخرج به إلى الغزل كما ترى.
وقت قبور الفاتحين وفض عن ... حفر الخلائف جندل ورجام
في ذمة التأريخ خمسة أشهر ... طالت عليك فكل يوم عام
السيف عار والوباء مسلط ... والسيل خوف والثلوج ركام
فسر «السيل خوف» فقال: أي «مخيف» وهذا قد يوجه في اللغة ولكنه متكلف.
والجوع فتاك وفيك صحابة ... لو لم يجوعوا في الجهاد لصاموا
ضنوا بعرضك أن يباع ويشترى ... عرض الحرائر ليس فيه سوام
بعت العدو بكل شبر مهجة ... وكذا يباع الملك حين يرام
ما زال بينك في الحصار وبينه ... شم الحصون ومثلهن عظام
هذا أخذه من قول أبي الطيب:
بيني وبين أبي علي ممثله ... شم الجبال ومثله رجاء
والشبه في الصياغة ظاهر: (رجع الحديث)
حتى حواك مقابراً وحويته ... جثثاً فلا عبن ولا استذمام
وهذا عندي بيت القصيد.
وميمية شوقي هذه من شعره الذي يمثل اتجاهه الفكري والعاطفي خير تمثيل. فالرجل كان إنساني العاطفة عامة، وكان شديد الحدب على الإسلام والمسلمين كما ذكرنا من قبل.
стр. 356
وهذا حين نبدأ في الحديث عن قافيته التي عنوانها «أيها النيل» وهي من حر شعره، وقد قدم لها بكلمة نثرية في ديوانه الثاني ووجهها إلى الأستاذ مرجليوث أستاذ اللغة العربية بأكسفورد. وأنا أشك جدا إن كان الأستاذ مرجليوث فهم هذه القصيدة كما ينبغي أن يفهم الشعر، فالرجل كان لا يكاد يسيغ العربية إلا بعد أن يترجمها إلى الإنجليزية، ومع ذلك فقد كانت دعواه فيها طويلة عريضة. وكم يود مترجم شوقي ومؤرخه والمولع بشعره أن لو كان بعث بهذه القصيدة إلى «بيفان» أستاذ اللغة بكمبردج أو «كارلوس ليال» شارح المفضليات، فهذان كانا يفهمان العربية شعرها ونثرها، وتعجبهما أوزانها وصيغها. ويقدران على تمييز الجزل من الشخت، والصقيل من المخشوب.
ومقدمة شوقي النثرية ليست بجيدة، فالرجل كان قصير الباع في النثر، وكم من شاعر ليس بناثر. ولا تكاد تبين لنا هذه المقدمة شيئاً من الدوافع التي حدت الشاعر إلى نظم هذه القافية الفخمة -على أن فيها جملاً يلمح منها نور شوقي كقوله: «وهذه أيها الأستاذ الكريم كلمة قيلت والهموم سارية، والأقدار بالمخاوف جارية، والدماء والدموع متبارية، وذئاب البشر يقتتلون على الفانية» (الشوقيات ٢ - ٧٧٠).
قال ﵀ يخاطب النيل:
من أي عهد في القرى تتدفق ... وبأي كف في المدائن تغدق
ومن السماء نزلت أم فجرت من ... عليا الجنان جداولاً تترقرق
وبأي نول أنت ناسج بردة ... للضفتين جديدها لا يخلق
أي لا يبلى.
تسود ديباجاً إذا فارقتها ... فإذا حضرت اخضوضر الإستبرق
стр. 357
في كل آونة ثبت صبغة ... عجبا وأنت الصانع المتأنق
أنت الدهور عليك مهدك مترع ... وحياضك الشرق الشهية دفق
تسقي وتطعم لا إناؤك ضائق ... بالواردين ولا خوانك ينفق
أي ينفد ما عليه، أخذه من نفوق الدابة، أي موتها.
والماء تسكبه فيسبك عسجداً ... والأرض تغرقها فيحيا المغرق
أخلقت راووق الدهور ولم تزل ... بك حمأة كالمسك لا تتروق
دين الأوائل فيك دين مروءة ... لم لا يؤله من يقوت ويرزق
لو أن مخلوقاً يؤله لم تكن ... لسواك مرتبة الألوهة تخلق
هذا كلام في جملته حسن، وألفاظه قوية (عدا قوله «فإذا حضرت» ففيه ضعف) وفي بعض أبياته جلجلة لا تخفى كقوله: «وحياضك الشرق الشهية دفق» فهذا نهج لبيدي أو كاللبيدي.
وقد خلص شوقي من وصف النيل وصفاً عاماً إلى ذكر تأريخه. وقد أجاد هنا وأبدع ووفق غاية التوفيق. ولعلك تذكر أيها القارئ الكريم أنا تحدثنا إليك عن إخفاقه في عرضه التأريخي من قصيدته الهمزية:
همت الفلك واحتواها الماء
وقد ذكرنا هناك أن أسلو به تعليمي لا حياة فيه. وشوقي في هذه القصيدة القافية - بخلاف حاله في الهمزية - حي النفس، قوي الشعر، بعيد إلا ما ندر عن جمود التعليم وجفافه. والسبب في ذلك عندي أنه هنا ينظر بعين الإنسانية الرحيبة الأفق العريضة الأرجاء لا بعين الوطنية الضيقة كما فعل في الهمزية. وشوقي كما قد قلت غير مرة في هذا السفر، ليس بشاعر وطنية، ولا شاعر مذهب، ولا عصيبة، ولكنه رجل عامر القلب مرهف الإحساس، واسع الاطلاع، محب للإنسانية،
стр. 358
عطوف عليها، قوام بمثلها العليا، مع إيمان بالله، وصدق عقيدة في الإسلام. هذه الأشياء جميعها تجعله من أبعد الناس عن الوطنية الضيقة العطن، المحصورة الآمال والمقاصد. وإذ نظر إلى التأريخ في همزيته من حيث إنه تأريخ مصر، وسلك في عرضه مسلك الوطني المتعصب، وهو مسلك ليس من أدلائه ولا رادته، وقع بالضرورة في الجفاف والجمود. ولكنه في هذه القافية نطق بلسان الإنساني الترحيب الصدر، الذي يتخذ من التأريخ إما مجالاً للتفكير والتأمل، وإما مستورداً لعظات وعبر يترنم بها ويتغنى، ثم هو قد أضاف إلى ذلك أسلوب الشاعر الحريص على جودة اللفظ ورنته وموسيقاه ولا سيما في بحر الكامل المجلجل، بحسبك أن تنظر في قوله:
أين الفراعنة الألى استذرى بهم ... عيسى ويوسف والكليم المصعق
الموردون الناس منهل حكمة ... أفضى إليه الأنبياء ليستقوا
الرافعون إلى الضحا آباءهم ... فالشمس أصلهم الوضيء المعرق
وكأنما بين البلى وقبورهم ... عهد على أن لا مساس وموثق
تأمل هذه الأبيات وإحكام صنعتها، ثم انظر إلى البيت الرابع ووازن بينه وبين قوله هو في نفس المعنى:
وما بال الطعام يكاد يقدي ... كما تركته أيدي الصانعينا
أي الكلامين أسمى، وأفعل بالقلب، وأجدر أن يكرمه الناقد؟ ثم قال:
بلغوا الحقيقة من حياة علمها ... حجب مكثفة وسر مغلق
وتبينوا معنى الوجود فلم يروا ... دون الخلود سعادة تتحقق
يبنون للدنيا كما تبني لهم ... خرباً غراب البين فيها ينعق
فقصورهم كوخ وبيت بداوة ... وقبورهم صرح أشم وجوسق
رفعوا لها من جندل وصفائح ... عمداً فكانت حائطاً لا ينتق
стр. 359
تتشايع الداران فيه فما بدا ... دنيا ومالم يبد أخرى تصدق
للموت سر تحته وجداره ... سور على السر الخفي وخندق
وكأن منزلهم بأعماق السرى ... بين المحلة والمحلة فندق
موفورة تحت الثرى أزوادهم ... رحب بهم بين الكهوف المطبق
فهذا كما ترى وصف وتأمل وتفكر، وتصحبه فصاحة مبينة، وكلم جزلة، مع إحسان في الطباق والتقسيم، وتنويع بين الإكثار من التنوين في بيت، ومن المد في آخر ثم استعمال السكون الظاهر والتشديد في بيت ثالث، مثال ذلك البيت «فقصورهم الخ» فكثرة التنوينات تغلب عليه، وأما البيت «تتشايع الداران» فالمد غالب عليه مطرد [على أن قوله «لم يبد» ناب فيه شيء]. وأما قوله «للموت سر» ففيه لعب الفظي واضح. وإن كان قد سرق الصورة الخيالية من قول ذي الرمة:
وصحراء يودي بين أسقاطها الندى ... عليها من الظلماء جل وخندق
وقد اتبع شوقي ثلاثة مذاهب في الأبيات التي ذكرناها وفي غيرها مما سنذكره إن شاء الله: مذهب لبيد في تقوية اللفظ مع الوصف الدقيق، ومذهب أبي تمام في التأمل والتغني معاً، ومذهب البحتري في تصوير الجامد وإحيائه. وقد فارق لبيداً من حيث إنه دونه في شدة الأسر وجلجلة اللفظ ورنين المد والتنوين والتشديد وحروف الإشباع، كما قد فارق أبا تمام من حيث أنه لم يكثر من اللعب اللفظي والإغراب المعنوي وإن كان لم يخل منه كقوله: «تتشايع الداران .. البيت»، وقد أحسن في مجاراة البحتري في وصف المباني وتأملها، وإن كان قصر عنه في حسن التغني، والإتيان باللفتات الشعرية الخاطفة، مع السلاسة والتدفع. ومن خير ما جارى به البحتري قوله:
ولمن هياكل قد علا الباني بها ... بين الثريا والثرى تتنسق
منها المشيد كالبروج وبعضها ... كالطود مضطجع أشم منطق
стр. 360
أي له نطاق، وهو الشقة من الثياب تجعلها الجارية إزاراً، فيكسو نصفاً ويترك نصفاً. وشوقي ينظر في هذا المعنى إلى البحتري حيث يقول:
تلفت من عليا دمشق ودوننا ... للبنان هضب كالغمام المعلق
كأن الباب البيض والشمس طلقة ... تضاحكها أنصاف بيض مفلق
«رجع الحديث»
جدد كأول عهدها وحيالها ... تتقادم الأرض الفضاء وتعتق
من كل ثقل كاهل الدنيا به ... تعب ووجه الأرض عنه ضيق
ولا يخفى ما في هذا البيت من النظر إلى أبي تمام، وكذلك الذي بعده:
عال على باع البلى لا يهتدي ... ما يعتلى منه وما يتسلق
متمكن كالطود أصلاً في الثرى ... والفرع في حرم السماء محلق
ويعجبني قوله: «حرم السماء»، ثم جاء بعد هذا بيت «تمامي» (١) آية في البراعة:
هي من بناء الظلم إلا أنه ... يبيض وجه الظلم منه ويشرق
لم يرهق الأمم الملوك بمثلها ... فخراً لهم يبقى وذكراً يعبق
فتنت بشطيك العباد فلم يزل ... قاص يحجهما ودان يرمق
وتضوعت مسك الدهور كأنما ... في كل ناحية بخور يحرق (٢)
وتقابلت فيها على السرر الدمى ... مسترديات الذين لا تتفنق (٣)
عطلت وكان مكانهن من العلى ... بلقيس تقبس من حلاه وتسرق
стр. 361
وعلا عليهن التراب ولم يكن ... يزكو بهن سوى العبير ويلبق
واستعمال «يلق» هكذا لا يقدر عليه إلا وذوق وملكة، ومعناها «يوافق» و «يلائم» كما فسرها شوقي، وأصله من اللباقة أي الظرف، فكأنك إذا قلت لبق هذا الثوب بتلك الحسناء، أردت أنه «ظريف» عليها. (رجع).
حجراتها موطوءة وستورها ... مهتوكة بيد البلى تتخرق
وآخر هذا البيت ضعيف ولكن يغفر له ما بعده:
أودي بزينتها الرمان وحليها ... والحسن باق، والشباب الريق
لو رد فرعون الغداة لراعه ... أن الغرانيق العلى لا تنطق
وفي هذا إشارة إلى خبر الغرانيق الذي ذكره الطبري في تأريخه. وصاحب الكشاف يثبته ولا ينفيه، ولا يرى في ذلك ما ينافي عصمة النبوة (١).
стр. 362
ثم أخذ شوقي بعد هذا في وصف رائع لمشهد الضحية التي كان يقدمها الأوائل للنيل، وضف لو كان ظفر به السير جيمز فرييزر ما أشك أنه كان يترجمه ويستشهد به في كتابه «الغصن الذهبي» بمعرض الحديث عن المراسيم الدينية القديمة في مصر:
ونجيبة بين الطفولة والصبا ... عذراء تشربها القلوب وتعلق
كان الزفاف إليك غاية حظها ... والحظ إن بلغ النهاية موبق
لاقيت أعراساً ولاقت مأتماً ... كالشيخ ينعم بالفتاة وتزهق
هذا التشبيه يدلك على دقة إحساس شوقي. وربما كان يشير به إلى حادث خاص من هذه الحوادث الكثيرة في الشرق، من زفاف الأبكار الخرد إلى القاسين من الشيوخ. ولا أبرع من تصور النيل بصورة شيخ من أولئك الشيوخ ذوي العيون الطامحة والقلوب النزاعة القاسية:
في كل عام درة تلقى بلا ... ثمن إليك وحرة لا تصدق
حول تسائل فيه كل نجيبة ... سبقت إليك متى يحول فتلحق
والمجد عند الغانيات رغيبة ... يبغي كما يبغى الجمال ويعشق
لا أشك أن كلام شوقي هذا كان ينطبق على حوادث كثيرة. ولكن يخيل لي أن الكثرة الكاثرة من الفتيات المصريات لم يكن يتمنين أن يزففن إلى النيل مهما كان في ذلك من الشرف، شأنهن في ذلك شأن أصحاب الشعور الحمر من شبان المصريين
стр. 363
القدماء، ما أحسبهم إلا كانوا يفزعون من أن يضحي بهم لآلهة القمح كل عام، وإن كانوا يؤلهون قبيل التضحية ويشرفون غاية التشريف. (رجع)
إن زوجوك بهن فهي عقيدة ... ومن العقيدة ما يلب ويحمق
ما أجمل الإيمان لولا ضله .. في كل دين بالهداية تلصق
هذا كلام جدير أن يصدر مثله من رجل عالي الفكر والثقافة كشوقي، لم يخل من نزعات الشك بين حين وآخر على حسن العقيدة.
زفت إلى ملك الملوك يحثها ... دين ويدفعها هوى وتشوق
ولربما حسدت عليك مكانها ... ترب تمسح بالعروس وتحدق
مجلوة في الفلك يحدو فلكها ... بالشاطئين مزغرد ومصفق
في مهرجان هزت الدنيا به ... أعطافها واختال فيه المشرق
فرعون تحت لوائه، وبناته ... يجري به على السفين الزورق
حتى إذا بلغت مواكبها المدى ... وجرى لغايته القضاء الأسبق
وكسا سماء المهرجان جلالة ... سيف المنية وهو صلت يبرق
وتلفتت في اليم كل سفينة ... وانثال بالوادي الجموع وحدقوا
ألقت إليك بنفسها ونفيسها ... وأتتك شيقة حواها شيق
بهذه الأبيات وحدها يستحق شوقي بعض الخلود. وكثيراً ما أقرأ كلام من ينتقدونه، ثم أذكر هذه الأبيات فأعجب أشد العجب، ثم يحضرني قول ابن الوردي ﵀:
ليس يخلو المرء من ضد ولو ... طلب العزلة في رأس جبل
ونكتفي بهذا القدر من قافية شوقي، وهي على طولها جوهرة من جواهر العربية في هذا الزمان ولولا أن ديوان شوقي في الأيدي، ولا تكاد تخلو بلدة عربية منه، لأوردتها كاملة
стр. 364
الكامل عند المعاصرين
ربما يحسن أن يقال بعد الكلام عن شوقي: «قطعت جهيزة قول كل خطيب» ولكن مثل هذا القول -على صدقه- لا ينصف عامة المعاصرين من الشعراء. والكامل عندهم من الأبحر الممل، ونظمهم فيه كثير، وطوالهم منه لا تكاد تحصى.
وحتى المهجريون الذين يتحامون طوال البحور تجد للكامل عندهم حظاً غير خسيس.
وشيخ المعاصرين بعد شوقي، حافظ إبراهيم. ولعل القارئ يقول لي: مالك لا تعد البارودي. وما ذلك من جهل بقدره، فقد كان أنصع ديباجة وأشد أسراً وأقدر على الموسيقا الشعرية من شوقي وحافظ كليهما. ولكني لا أعده من المعاصرين (١). ولو قد ذكرته للزمني أن أذكر معه الأرجاني والأبيوردي وعمارة اليمني وأسامة بن منقذ وغيرهم من فحول الشعراء الذين جاءوا بعد المتنبي، فالرجل منهم قلب وروح على تأخر عصره، ولعله أرصن منهم أداء. ولا يخفى على القارئ أن في استقصاء ما نظمه هؤلاء ما يذهب بأضعاف هذه الطروس. وقد احتسبنا من ذكرهم جميعاً فيما تقدم باختيار قطعة من الطغرائي.
وحافظ إبراهيم شاعر قرنه حسن الجد مع شوقي، وتعصب بعض الناس له، لما كانوا يجدونه في شعره من كلام يناسب روح العصر السياسي المغيظ على البريطانيين. وشعره في حد ذاته لا يجوز أن يقاس ويقرن مع شعر شوقي، ولعل مسافة بينه وبين شوقي أبعد من مسافة بين ابن حجاج والمتنبي.
والكامل من الأوزان التي لا يجيء فيها كلام حافظ قوي الشاعرية، على
стр. 365
كثرة ما تعاطاه. ومن قصائده المأثورة فيه «قافيته» في حرية المرأة:
كم ذا يكابد عاشق ويلاقي ... في حب مصر كثيرة العشاق
وفيها داء «زينبية» صالح بن عبد القدوس، والقياس مع الفارق، إذ الزينبية فحلة اللفظ هذا أقل ما يقال فيها وقافية حافظ هذه «شعبية التعابير» على أنه أحسن في قوله:
الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعباً طيب الأعراق
وما أظنك تخالفني إن قلت إن بيته:
في دورهن شئونهن كثيرة ... كشئون رب السيف والمزراق
رديء للغاية وأشبه بنثر الصحف.
ومن كاملياته المشهورات:
شبحاً أرى أم ذاك طيف خيال ... بل ذي فتاة بالعراء حيالي
وهي نظم ليس إلا. على أن من طلبة المدارس في المرحلة الوسطى بالسودان «بين ١٠ و ١٤ سنة» من يعجب بها، وأحسب إعجاب هؤلاء بها ناشئا من روح التمثيل الذي فيها ولا تنسى جهد المدرسين وأثرهم في تكوين ذوق التلاميذ. وأحسب أن المدرسين لو تواطئوا على اختيار أردأ الشعر للتلاميذ الصغار، لربوا فيهم ذوقاً رديئاً ولم يملك أحد منهم أن يتخلص من ذلك إلا من رحم الله.
ومن الشعراء المعاصرين الذين يكثرون في الكامل الأستاذ محمود غنيم، وفي شعره حماسة تناسب بحر الكامل، إلا أنه يخلي. أي يقول كل ما عنده في بيت أو بيتين، ثم بعد ذلك يطيل ولا يكاد يقول شيئاً.
стр. 366
والأستاذ العقاد يكثر من الكامل، وله منه كلمات معروفة، من ذلك فائيته:
طاب المطاف بجنة المصطاف ... وصفا اللقاء على النمير الصافي
وهي طويلة جداً، وسنعرض لها في جزء آخر من هذا الكتاب أن شاء الله. ومن ذلك رائيته السائرة «المغنم المجهول»، ويقول فيها:
يا من عليه تلهفي وتلددي ... قد جرت فلتهنأ بأنك جائر
وأريتني ما لا ترى ووهبتني ... ما لست تملكه فمالك شاكر
محضتني سر الحياة، وسترها ... خاف عليك جليله والضامر
إن الضياء يرى العيون ولا يرى ... والحسن يوقظ وهو غاف سادر
فلئن بخلت بما ملكت فحسبنا ... ما لست تملك، فهو عندك وافر
أنسيتني نفساً وقد أذكرتني ... نفساً وخيرها التي أنا ذاكر
لكشفت باطنها فقد أنكرتها ... لما بدا منها القرار الغائر
فامنح وصالك أو قلاك فإنني ... راض بكلتا الحالتين وصابر
وهذا كلام فيه إغراب بعيد كما ترى. وأشد هذا الإغراب من البيت الخامس إلى الآخر، وقصد الشاعر أن يقول: «إن كنت تبخل علينا بجسدك الذي تملكه وتصرف فيه، فإنك لا تستطيع أن تبخل علينا بهذه النشوة التي تفعم صدورنا من مشاهدة جمالك فذلك أمر لا تملكه ولا تصرف فيه، وإن كان مصدره معين جمالك، بل ذلك معنى عال لا تدرك كنهه، لأنك كغيرك من الناس، وإنما يدرك هذا المعنى الشعراء المرهفو الحس ولهذا السبب فاني أنسى نفسك المحسوسة التي فيها غباوة غيرها من البشر، وأذكر نفسك الأخرى التي هي النشوة الشعرية المقتبسة من وحي جمالك، وهذه خير نفسيك».
ثم يخاطب العقاد المعشوق فيقول له: «يا لك من مسكين، إنك بمظهرك
стр. 367
الجميل تكشف عن خفايا عظيمة نحسها نحن ونعرفها، فحينها نظهرها لك، محسنين الظن أن يكون لك من صدق اللب ما لك من صدق الحسن، نجدك تنكرها. ومن أجل هذا فإن وصالك لنا وكراهيتك لا يؤثران فينا، لأنك لست ذلك الروح القدسي الذي نتعشقه وإن كان منك يصدر ذلك الروح القدسي».
هذا هو المعنى الذي أراده الأستاذ العقاد. وعندي أن صياغته له في الكامل أجحفت به، لأن الكامل يطلب الترنم وتجويد الصياغة. والعقاد لا يفعل شيئاً من ذلك هنا، وإنما يحاول نوعاً من المطابقة مع عسر واستكراه ناشئين من غرابة المعنى. وهذه المطابقة كما في قوله: «ما لست تملك فهو عندك وافر»، وقوله: «محضتني سر الحياة وسرها خاف عليك» تضفي على كلامه غموضاً شديداً، حتى ليحار القارئ في إدراك ما يرمي إليه، إن لم يستعن بالأشياء الواضحة من نظمه في قصائد أخر كقوله:
فيا خازن الأفراح ما لقلوبنا ... خواء وأفراح الحياة كثير
ومالك ضنانا بما لو بذلته ... لما ضاع منه بالعطاء نقير
تضن بشيء لست تعلم قدره ... ونعلم ما نسخو به ونعير
نجود بحبات القلوب وبالنهي ... وليس لنا في النائلين شكور
وكقوله:
أحبك حب الشمس فهي مضيئة ... وأنت مضيء بالجمال منير
وكقوله:
لنا عالم طلق وللناس عالم ... رهين بأغلال الظنون أسير
ووا أسفا ما أنت إلا نظيرهم ... وإن لم يكن للحسن فيك نظير
وحاكيتهم ظناً فليتك مثلهم ... محيا فلا يأسي عليك ضمير
стр. 368
ووا عجباً منا نسائل أنفساً ... إذا سئلت حارث وليس تحير
أنشقى بدنيانا لأن منعما ... من الناس بسام التغير غزير
وكقوله من أخرى:
لمن الجمال تبعده ... أعده للناهبينا.
أم للذين تسللوا ... ختلا فطوبى للذينا
فهذه الأشياء مجتمعة تكشف شيئاً عن غموض العقاد في الأبيات التي قدمناها، على أن هذه نفسها لا تخلو من الغموض.
ومذهب الأستاذ العقاد في الشعر على وجه الإجمال، وفي الغزل خاصة، محل جدل كثير، وخلاف عظيم. والأدباء فيه فريقان -محب مفرط في الاستحسان، وعائب مبالغ في الزراية. ووجه الإنصاف عندي أن متن شعره فيه شيء من اضطراب وجفاف، هذا من ناحية اللغة والأسلوب. أما من ناحية المعاني والأغراض- ولا سيما في باب الغزل فهو يروك بتعمقه، ودقة تفكيره، وغوصه على المسائل البعيدة لكنك لا تملك ( ... ) كله إلا أن تخالفه في الرأي.
وخلاصة مذهبه في الحب والجمال، بحسب ما نجده في ديوانه الأول، (والأبيات المتقدمة من خير ما يمثله) أن الجمال، كما يقول بعض الفرنجة عبقرية في ذاته، وأنه ينبغي للجميل ألا يضن بالوصل كما يقول المتنبي:
زودينا من حسن وجهك ما دا ... م فحسن الوجوه حال تحول
وصلينا نصلك في هذه الدنيا ... فإن المقام فيها قليل
وأنه مع ذلك لا يضير العاشق ألا ينال وصلاً، ولا ينفعه أن يناله ما دام عاشقاً للجمال في الجميل، لا لشخص الجميل، وإنما يكون الوصل، إن ظفر به كالنافلة. ويزيد الأستاذ العقاد على كل هذا بأنه يتهم الجميل المعشوق بأنه يجهل قدر جماله، ويزعم
стр. 369
أن العاشق الشاعر المرهف الحس وحده هو الذي يعرف قيمة هذا الجمال، وهذه يد من الشاعر العاشق على الجميل المعشوق، ومنة عظيمة ينبغي ألا تكفر.
هذه خلاصه مذهب الأستاذ العقاد. ويؤخذ على هذا المذهب أمران: الأول هو أن العاشق ينبغي له أن يكون ذليلاً، إذ الذل من مقتضيات الحب ولوازمه، قال أبو نواس:
سنة العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستكن
والذي يدعو إليه الأستاذ العقاد فيه كبرياء لا تخفي، وفيه مع الكبرياء احتقار للمعشوق، واتهام له بأنه دمية لا أكثر ولا أقل. وأنى يجتمع الحب والاحتقار للشيء الواحد في قلب؟ والاحتقار لا يخلو من بغض على أية حال، اللهم إلا أن تزعم أن الحب لا يخلو من بغض على أية حال. وحتى إن سلمنا لك بذلك، فإننا نجزم بأن المحب الحق، تسيطر ناحية الحب منه على كل شيء، حتى على ناحية البغض التي قد تفترض أنها كامنة في خفايا الحب، فان كان المحب شاعر، فسبيله أن يطلب الصفو المحض الذي لا يشوبه كدر، وإن لا فأين تكون ناحية السمو في حبه؟
والأمر الثاني الذي يؤخذ على الأستاذ العقاد، هو أن فرض الجهل بالجمال من ناحية الجميل المعشوق لا يمكن التسليم به، إذ النساء، وهن المقصودات بالعشق أول من كل شيء يدركن لأنوثتهن وحدها قوة قادرة على تملك قلوب الرجال، وإن لم يكن لها شافع من وجه حسن، أو قوام رشيق، فكيف إذا كان معها جمال رائع وسحر خلاب؟ أليس المشاهد أن الجميلات من النساء من أشد خلق الله جبروتاً وتيهاً؟ أم ليس من المشاهد أنهن يتعمدن الكبرياء لما يشعرن به من قوة الجمال إلى ما حباهن الله من قوة الأنوثة؟ هذا، وغير النساء من يقصد بالعشق إذا أحس لنفسه جمالاً، تاه وتكبر، ولذلك قال الحسين بن الصحاك الخليع:
стр. 370
تتيه علينا أن رزقت ملاحة ... فمهلاً علينا بعض تيهك يا بدر
فقد طالما كنا ملاحاً وطالما ... صددنا وتهنا ثم غيرنا الدهر
فكيف إذن يجوز لنا أن نفرض في الجميل المعشوق أنه يجهل قدر جماله كما يفرض الأستاذ العقاد؟
وقد يعترض على هذا بأن العقاد لا يفرض أن الجميل يجهل قدر جماله من حيث إنه سحر جسدي جذاب، لكنه يجهل كنهه ومعناه وسره، ولولا ذلك قد كان أقبل بوصاله على المحب الشاعر الذي يفهم سر هذا الجمال ومعناه. وهذه حجة ملفوفة، فحواها أن الجميل مدين للشاعر المحب من حيث إن هذا الشاعر يخلد جماله، وهل جماله إلا عرض من أعراض الدنيا الزائلة إن لم يخلده الشاعر؟ وإلى قريب من هذا المعنى ذهب أبو تمام في قوله وهو يخاطب خالد بن يزيد الشيباني (١).
من أجل ذلك كانت العرب الألى ... يدعون هذا سؤدداً محدوداً
وتند عندهم العلى إلا على ... جعلت لها مرر القصيد قيوداً
وأوضح من هذا قوله:
ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... بغاة الندى من أين تؤتى المكارم
ولو شاء من يقر الأستاذ العقاد على مذهبه ويناصره لقال:
ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... أولو الحسن ما معنى الجمال وما الحسن
وهذا كله من ادعاءات الشعراء وتدليساتهم التي يحتالون بها للمنالة والوصل وقول العقاد:
стр. 371
لمن الجمال تعده ... أتعده للناهبينا
(وكثير نحوه) نص فيما ندعيه هنا. ومثل هذه الحيل من الشعراء لطيفة رشيقة إن جاءت في البيت والبيتين، ولكنه لا يصح أن يبني عليها مذهب فكري، وفلسفة ضخمة كتلك التي حاول أن يبنيها الأستاذ العقاد في ديوانه الأول.
هذا وقد جرنا الحديث عن أبيات العقاد إلى استطراد طويل. وقبل أن ننهي الحديث عن بحر الكامل وننتقل إلى سواه نقف بك عند شعر المرحوم علي محمود طه المهندس فقد كان يكثر من الكامل ويطيل. والكامل يناسبه جداً، لأنه يقصد إلى التغني والترنم، ولكن في متنه وهيا. ومن خير كاملياته «أفراح الوادي» (١).
ومن الأبيات الحسنة فيها قوله:
إنا لفي زمن حديث دعاته ... نسك، ولكن السياسة تأثم
ووراء كل سحابة في أفقه ... جيش من المتأهبين عرمرم
وليته جعل المتوثبين مكان المتأهبين.
وقوله في آخر القصيدة:
قالوا فتي عشق الطبيعة واغتدى ... بغرائب الأشعار وهو متيم
وطوى البحار على شراع خياله ... يرتاد عالية الذري ويؤمم
أنا ما زعمتم غير أني شاعر ... أرضي البيان بما يصوغ ويرسم
إني بنيت على القديم جديده ... ورفعت من بنيانه ما هدموا
الشعر عندي نشوة علوية ... وشعاع كأس لم يقبلها فم
ولحون سلم أو ملاحم غارة ... غنى الجبال بها السحاب المرزم
стр. 372
وهذا الكلام يشف عن دماثة وكرم نفس وإن كان ليس برصين حق الرصانة من ناحية السبك.
ومما يلفت نظري في قصيدة «أفراح الوادي» مطلعها:
ما بالرعاة أثارهم فترنموا ... هل طاف بالصحراء منهم ملهم
وقد سمعت كثيراً من الناس يستحسنونه، وبعضهم يقول إنه طريف حقاً، وإنه خير من الاستهلال بذكر الأطلال، وإنه يمثل الفرح، والنشوة اللتين قصد إليهما الشاعر.
وأظن القارئ يعلم أن القصيدة قيلت في مدح الأمير فاروق أول أيام ملكه، لا أدري أقيلت في تتويجه أم زفافه. وأقول مخلصاً إن المهندس لو كان استهل بذكر الأطلال والدمن كما كان يفعل الجاهليون لكان أجدر عندي بالمعذرة من استهلاله هذا لأن ابتداءه بذكر الرعاة فيه تقليد لا يرتضى، لمذهب قديم جداً من مذاهب الشعر الأوروبي التي درست ومضى. زمانها - وهو مذهب الشعر الرعوي. وإذا كنا نلوم المعاصر إذا بدأ بذكر الأطلال - وهي شيء من صميم لغتنا وأدبنا - أفلا نلومه إن بدأ باستهلال أوروبي قديم فرغ أهله من استهجانه؟ ؟
أقول هذا ثم أعتذر للمهندس ﵀ بأنه ربما كان وجد من نفسه ولعاً شديداً بالمذهب الرعوي الأوروبي، والمرء معذور فيها تتعلق به خويصة نفسه إن لم يكن في ذلك إضرار بغيره.
وبحسبي هذا القدر عن الكامل، ومذاهب الشعراء قدمائهم ومحدثيهم فيه.
٣ - المتقارب
العروضيون يعدون هذا البحر دائرة، هي الدائرة الخامسة، وقبل أن يستدرك
стр. 373
الأخفش على الخلال بجر المتدارك ولم يكونوا يرون للمتقارب نسيباً بين جميع البحور وهذا خطأ لأنه قريب القرابة بالرمل والوافر، لا بل له قربي مع الطويل والخفيف. ونغماته من أيسر النغمات موكلها تدور على تكرار الجزء «ترن رن» ثماني مرات وقد يدخل الأجزاء بعض التغيير، ولكنه لا يؤثر في جوهر نغمها. وأنواع المتقارب ثلاثة، ثالثها أشبه بالقصار منه بالطوال.
أما الأولى فتام، وميزانه:
فعولن فعولن فعولن فعولْن ... فعولُن فَعُولُن فَعولُن فعولن
وقد يصير:
«فعول فعولن فعول فعولن» x ٢ وهكذا، وحذف النون من فعولن يسميه العروضيون قبضاً؛ ومثال المتقاربة الأول من العبث:
كريم ودود طروب غضون ... لئيم حسود عنيد كئيب
كرام صباح طوال جسام ... عظام كبار سمان ضخام
ضربنا كتبنا سبقنا لعينا ... جرينا رمينا شربنا طربنا
فعولن وجوه فعولن صباح ... فعولن خدود فعولن ملاح
وجوه صباح خدود ملاح ... وفي اللحظ شهد وفي الثغر راح
أقول له هل فعولن فعولن ... فعولن فعولن لتنظم شعرا
فيقال أبيت أبيت أبيت ... لأني أتبع في الشعر بشرا (١)
فشعري رمز وسحري غمز ... ولحني من الشمع قد طار خمرا
وبالحث أرعى مع التيه موسي ... وبالوصل من كرمة الهجر جمرا
стр. 374
وأنت لدي العشاء الأخير ... أتوب أتوب فيا رب غفراً
تحدث إلينا فعولن أخانا ... تجدنا فعولن لطافاً حساناً
وجوه صباح خدود ملاح ... وبالخد ورد وبالثغر راح
وإذا دخل القبض مثل البيت الأخير صار، مثلاً:
وجوه صباح خدود ملاح ... وبالثغر بيض كنور الأقاح
ولا يشترط في هذا الوزن أن يكون صدره مساوياً لعجزه تماماً. فكثيراً ما يجيء الصدور ناقص هكذا:
كريم ودود طروب أتى ... فقلنا له مرحبا يا كريم
أو: كريم ودود طروب أتاكا ... فقلت له مرحبا يا كريم
وهاك أمثلة من المنظوم في المتقارب الأول. قال أمية بن عائذ الهذلي:
إلى الله أشكو الذي قد أرى ... من النائبات بعاف وعال
وإظلال هذا الزمان الذي ... تقلب بالناس حالا لحال
وقال ربيعة بن مقروم الضبي:
أمن آل هند عرفت الرسوما ... بجران قفرا أبت أن تريما
تخال معارفها بعدما ... أتت سنتان عليها الوشوما
وكلتا هاتين المنظومتين لك إن شئت أن تطلق القوافي فيهما أو تقف بالسكون هكذا:
أمن آل هند عرفت الرسوم ... بجمران قفرا أبت أن تريم
إلى الله أشكو الذي قد أرى ... من النائبات بعاف وعال
стр. 375
والوزن الثاني من المتقارب قريب جداً من هذا، وتفعيلاته:
فعولن فعولن فعولن فعل ... فعولن فعولن فعولن فعل
كريم عظيم بخيل أتى ... فقال الكريم فعولن فعل
فعولن يجر فعولن يمر ... فعولن يجود ولا يبخل
فعولن يجود فعولن ولا ... فعولن فعولن فعولن خلو
وقال امرؤ القيس:
تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعاً صبر
إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر
وقال أعشى همدان [جاير: ٣٢٦ [:
وأنت تسير إلى مكران ... فقد شحط الورد والمصدر
ولم تك من حاجتي مكران ... ولا الغزو فيها ولا المتجر
وخبرت عنها ولم أتها ... فما زلت من ذكرها أذعر
وقد قيل إنكم عابرو ... ن بحراً لها لم يكن يعبر
وما رام غزوا لها قبلنا ... أكابر عاد ولا حمير
ولا رام سابو غزوا لها ... ولا الشيخ كسرى ولا قيصر
وأنت ترى أن الصدر هنا قد يكون أطول من العجز كما في البيت الثاني لأنه يساوي العجز عند «مكرا» ويزيد عليه بالنون المتحركة.
والوزن الثالث من المتقارب يساوي الأصناف المتقدمة في صدره، ولكن عجزه قصير جداً، ومثاله: «فعولن فعولن فعولن لن». ومثاله كاملاً من الكلمات:
كريم ودود كريم هنا ... كريم ودود بلا شك
стр. 376
ومثاله من الشعر قول السيد الحميري] الأغاني ٢٥٠: ٧ [
أتتنا تزف على بغلة ... وفوق رحالتها قبة
زبيرية من بنات الذي ... أحل الحرام من الكعبة
تزف إلى ملك ماجد ... فلا اجتمعا ويها الوجبة
أي وجبة القلب، يدعو عليها بالموت.
ومن غرائب ما يحدث في المتقارب أنك قد تحذف من نغمه حرفاً متحركاً في الدر أو العجز فيبدو الوزن لمن لا يعرف حقيقته كالمختل شيئاً من غير أن يكون لذلك تشويش على السمع. وهذا اسمه الحرم. ويكون موقعه أحياناً، حسناً للغاية كما في قول أمية بن عائد الهذلي:
ألا يا لقوم لطيف الخيال ... أرق من نازح ذي دلال
وتمام الوزن «وأرق»
ومن غرائبه أنه قد تجيء في وسط بيته كلمات من نوع «تحاب» و «تضاد» و «شواذ»، وهذه لا يكاد يقبلها شيء من الشعر في وسط البيت اللهم إلا في جزء القافية. مثال ذلك:
رمينا قصاصا وكان التقاص ... حقا وحتما على المسلمينا
وأحسب أن رواية البيت الصحيحة «وكان القصاص» فغير العروضيون فيه ليستشهدوا به. وهذا أمر لا يكاد أصحاب الشواهد يتورعون من مثله.
وبحر المتقارب سهل يسير دو نغمة واحدة متكررة .. والمقاطع الطوال أظهر شيء فيه: ت تن تن، بت تن تن الخ .. مثل الطويل التام. وفيه ستة عشر مقطعاً طويلاً فتأمل. وهذا أمر لا يكاد يشاركه فيه بحر آخر. وقوامه كله مقطع قصير
стр. 377
وآخران طويلان يليانه على هذا الترتيب، ولا يحدث في ذلك تغيير إلا بحسب ما تقتضيه الصناعة من طلب التنويع وتجنب الرتابة. وأقل ما يقال عنه إنه بحر بسيط النغم، مطرد التفاعيل، منساب، طبلي الموسيقا. ويصلح لكل ما فيه تعداد للصفات، وتلذذ بجرس الألفاظ وسرد للأحداث في نسق مستمر. والناظم فيه لا يستطيع أن يتغافل عن دندنته فهي أظهر شيء فيه، ولذلك فتجويد الصناعة فيه أمر مهم جداً. وكثير من الشعراء الفحول يتحامونه لأنه يتطلب اندفاع وراء النغم كما يندفع التيار في غير ما توقف. وعز أن تجد شيئاً منه عند النابغة أو زهير أو أبي تمام أو الأخطل. والبحتري يقل منه، ويعامله معاملة البحور القصار فيعبث فيه ويهزل كما في كلمته [ديوانه ١٠٧: ١ [.
تظن شجوني لم تعتلج ... وقد خلج البيت من قد خلج
وقد سلمت له فيه قصيدة حسنة] ٥١: ١ [مطلعها:
لوت بالسلام بناناً خضيبا ... ولحظاً يشوق الفؤاد الطروبا
والمتنبي يتعاطاه فيجيد، لأن في مزاجه ضرباً من الاندفاع. وتلمح نوعاً من هذا وفي كلمته:
أصبحا نرى أم زماناً جديداً ... أم الدهر في شخص كي أعيدا
وكلمته:
إلام طماعية العاذل ... ولا رأي في الحب للعاقل
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبي الطباع على الناقل
وكلمته:
أرى ذلك القرب صار ازورارا ... وصار طويل الكلام اختصاراً
стр. 378
والمعاصرون لا يكثرون من النظم في هذا الوزن. اللهم إلا في المسرحيات الشعرية فوروده كثير، والغالب على نظم المسرحيات الشعرية الضعف. وكاد الأستاذ علي أحمد باكثير يلتزمه في مسرحيته «قصر الهودج» وهي ليست بجيدة. ولأحمد شوقي قصيدة بارعة من المتقارب لا أحسب أن المعاصرين نظموا شيئاً مثلها في بابها، وهي قوله:
ألا حبذا صحبة المكتب ... وأحبب بأيامه أحبب
وهي كلمة معروفة مشهورة فلا داعي للاستشهاد بها هنا.
وعندي أن شعراء الجاهلية هم أحذق من سلك هذا البحر من الماضين، وجيادهم فيه كثيرة جداً، منها مراثي الخنساء في أخيها كقولها: «أعيني جوداً ولا تجمدا، القصيدة»، وقولها: «تعرقني الدهر نهساً وحراً» وقولها:
أبعد ابن عمرو من آل الشريد حلت به الأرض أثقالها) (١).
وكل هذه كلمات مشهورة، والأخيرة جاراها أبو العتاهية بلاميته التي مدح بها المهدي العباسي حيث يقول:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أثقالها
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
ومن متقاربيات الجاهلية الغريبات كلمة صخر الغي الهذلي (٢):
لسماء بعد شتات النوى ... وقد بث أخيلت برقاً وليفا
стр. 379
أجش ربحل له هيدب ... يكشف للخال ريطا كشيفاً (١)
كأن سحائبه بالملا ... سفائن أعجم ما يحن ريفا (٢)
أرقت له مثل علم البشير ... يقلب بالكف فرضاً خفيفاً (٣)
فأقبل منه طوال الذرى ... كأن عليهن بيعاً جزيفاً (٤)
وأقبل مرا إلى مجدل ... سياق المقيد يمشي رسيفا (٥)
فلما رأى العمق قدامه ... ولا رأي غمراً والمنيفا) (٦)
أسال من الليل أشجانه ... كأن ظواهره كن جوفاً (٧)
стр. 380
فذاك السطاع خلاف النجا ... ء تحسبه ذا طلاء نتيفا (١)
إلى غمرين إلى غيقة ... فيليل يهدي ربحلا رجوفا (٢)
كأن تواليه بالملا ... نصاري يساقون لافو احنيفا (٣)
فأصبح ما بين وادي القصو ... ر حتى يلملم حوضاً لقيفا (٤)
له مائح وله نازع ... يجشان بالدلو ماءً خسيفا (٥)
ثم أخذ صخر بعد ذلك في تقريع أبي المثلم الهذلي، وكان يهاجيه فأحسن جدا.
ويعجبني في قصيدته هذه على وعورة ألفاظها [فبعضها مما حار في تفسيره الجمحي والسكري والأصمعي جميعاً [دقة الوصف. ولا شك أن صخراً تأمل
стр. 381
السحاب والمطر فأدق التأمل ويعجبني وصفه للبلاد بعد أن مسها المطر بالحوض اللقيف، فهذا أمر يدرك حسنه من عاين مثله.
وقد بلغ بي استحساني لهذه الكلمة أن عمدت إلى مجاراتها في الوزن دون القافية وأنا بمدينة لندرة فقلت] وأستميح القارئ عذراً من هذا الاستطراد [:
لقد نعت المزن حتى أجادا ... وبرقا ينير فيدي بجادا (١)
يسيل بأشجانه حفلا ... له حبك يطردن اطرادا (٢)
وفي لندن مطر راهن ... إذا بدأ الصبح ثنى فعادا (٣)
فينظم يوماً بيوم ويمسي ... يعاقب منع عهاد عهادا (٤)
فما إن ترى جونة الأفق إلا ... كلحظ الهلوك أصيلا تهادى (٥)
له سحب كدخان الأبا ... ء يكسي بها كل فج سوادا (٦)
أسافلهن سراع خفاف ... وأما الأعالي فتزجى وئادا (٧)
وما إن تحس لها راعداً ... ولا بارقاً غير سح تمادى (٨)
ويساقط الثلج مثل النسـ ... ـيل يكسو الوهاد ويكسو النجادا (٩)
стр. 382
ويجتابه شجر كالبرو ... ج تحسبه من بياض جمادا (١)
فهلا ذكرت وأنت الغر ... يب تلك الفجاج الرحاب البعادا (٢)
بها سلم وصغار السيا ... ل والسدر مفترقات فرادى (٣)
وتلفي بها عشراً شاحباً ... إذا زالت الشمس أوي الجرادا (٤)
وكثبان رمل كسين السرا ... ب قد وقدت للهجير اتقادا
وقد سطع النيل من بينهن ... سيفاً محلى فصوصاً جياداً
حواليه عيدانه السامقات ... وتلك السواقي طراباً غرادا (٥)
وتصبغ عند جنوح الأصيل ... حتى كأن عليها جسادا
يرقنها شفق قانئ ... إذا ما المؤذن نادي العبادا (٦)
والشاعر الذي لا يشق غباره في بحر المتقارب من الجاهليين هو أعشى بكر الكبير، فقد كان يكثر من النظم فيه. وكان هذا الوزن يلائمه حق الملاءمة، إذ كان يسلك به مسلك القصاص والمغنين، فيكرر، ويسرد، ويحسن الإطناب، ومزاوجة
стр. 383
الألفاظ. وقد كان يعينه في ذلك اعتماده على حاسة سمعه دون بصره، إذ الرجل قد كان أعشى. وتوشك أن ترى من خلال نظمه تحسس الضرير العارف بطريقه وعر أن تجد شعر يصور شخص ناظم كما تجد في هذه المتقاربيات التي للأعشى. وسأختار من بعضها نتفاً متشابهة الأغراض عسى أن تبين لك ما أقصد إليه. قال [ديوانه ٦٧ - ٦٢ [:
على أنها إذ رأتني أقا ... قالت بما قد أراه بصيرا (١)
رأت رجلاً غائب الوافد ... ين مضطرب الحلق أعشى ضرير (٢)
فإن الحوادث ضغضعنني ... وإن الذي تعلمين استعيرا (٣)
إذا كان هادي الفتي في البلا ... صدر القناة أطاع الأميرا (٤)
وخاف العثار إذا ما مشى ... وخال السهولة وعثا وعورا
وفي ذاك ما يستفيد الفتى ... وأي امري لا يلاقي الشرورا
فهذا الغناء الحزين في غير ما توجع، ولا يخلو مع ذلك من روح مرح، وإقبال على الحياة، من خير ما قرأته في رثاء الشباب. ويزيد جماله هذه التنورة الخيالية التي رسمها الشاعر -صورة الفتاة وقد بصرت به يقاد، وكان عهدها به قوياً، حديد النظر.
ومن خير ما جاء في هذه الرائية وصفه للفتاة وزوجها الغيران:
لها ملك كان يخشى القراف ... إذا خالط الظن منه الضميرا (٥)
стр. 384
إذا نزل الحي حل الجحيش ... شقيا غويا مبينا غيورا (١)
يقول لعبديه حثا النجا ... وغضا من الطرف عنا وسيرا
تأمل هذه البراعة في التصوير ثم قل بالله هل ينصف من يزعم أن الجاهليين لا يستطيعون إلا وصف الماديات .. انظر إلى دقة الأعشى حيث يجعل الزوج يغار من عبديه فيمن يغار منهم، فيقول لها أسرعا بنا وغضا طرفكما عنا في المسير. ثم قال الأعشى في صفة الفتاة:
فبان بحسناء براقة ... على أن في الطرف منها فتورا
مبتلة الخلق مثل المهاة ... لم تر شمساً ولا زمهريرا
وتبرد برد رداء العرو ... س بالضيف رقرقت فيه العبيرا (٢)
وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحاً بها الكلب إلا هريراً (٣)
ترى الخز تلبسه ظاهراً ... وتبطن من دون ذاك الحريرا
وربما يكون عنى بالحرير جسمها.
ثم أخذ الأعشى في وصف الصحراء. وهو باب لا يتكلف له ولا يتعمل، وإنما يكتفي بسرد الصفات، وإتقان النغم:
وبيداء يلعب فيها السرا ... بلا يهتدي القوم فيها مسيرا
стр. 385
قطعت إذا سمع السامعو ... ن للجندب الجون فيها صريرا
بناجية كأتان الثميل ... توفي السرى بعد أين عسيرا (١)
وعسير، صفة للناقة والنصب على المدح.
ثم أخذ في المدح، وهو عنده معرض للموسيقا كوصف الناقة، وهمه فيه أن مهيج الممدوح ويطر به:
وأعددت للحرب أوزارها ... رماح طوالا وخيلا ذكورا
ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحي عيراً فعيرا (٢)
إذا ازدحمت بالمكان المضيق ... حث التزاحم منها القتيرا (٣)
لها جرس كحفيف الحصا ... د صادف بالليل ريحاً دبوراً
فأنت الجواد وأنت الذي ... إذا ما النفوش ملأن الصدورا
جدير بطعنة يوم اللقا ... ء تضرب منها النساء النحورا
وما مزبد من خليج الفرا ... ت يغشى الإكام ويعلو الجسورا (٤)
بأجود منه بما عنده ... فيعطي المئين ويعطي البدورا
أي الصرر من الدنانير أو الدراهم التي فيها آلاف ..
وتشبيه الممدوحين بالفرات المزبد كثير عند الأعشى. وزعم الأستاذ مارون عبود في كتابه «مجددون ومجترون» أن الأعشى أخذه من النابغة حيث يقول:
стр. 386
وما الفرات إذا جاشت غوار به ... ترمى أواذيه العبرين بالزبد (١)
يوماً بأجود منه سيب نافلة ولا ... يحول عطاء اليوم دون غد
من أبيات أحسن فيها صفة الفرات.
وعندي أن كلام الأستاذ مارون هذا غير صحيح. فصفة البحر ف أتقنه المشارقة من شعراء الجزيرة العربية، ولا عجب فقد كانوا على قرب من البحر، وكان العمانيون منهم والبحرانيون أهل ملاحة وغوص. والأعشى أقرب لأن يكون أخذ من خاله المسيب بن علس من أن يكون أخذ من النابغة. على أن تشبيه الجواد بالبحر في ذاته أقدم من الأعشى وأقدم من النابغة كليها. وهو من التشبيهات «الكليشهات» والشاعر إذ يذكره لا يقصد إلى مجرد التشبيه وإنما يرمي إلى التصوير وإتقان الأداء ولا شك أن قول الأخطل من تشبيه في نفس المعنى:
وما مزبد يعلو جزائر حامر ... يفرج عنها خيزرانا وغرقدا
الخ
جيد بالغ، وإن كان يشتم فيه نفس كلام النابغة، وقوله:
يمده كل واد مترع لجب ... له ركام من الينبوت والخضد (٢)
ذلك بأنك لا تجد عند النابغة هذه الصورة «يفرج عنها خيزرانا وغرقدا» مع شرف اللفظ وفخامته. [على أن كلام النابغة في ذاته شريف وصوره جيدة]. ولا
стр. 387
ضير أن يحوم الشعراء حول معنى واحد إن كان فيه متسع للقول، وكان كل مبدع منهم يجد منه مستمداً فياضاً لإبداعه. ولله در أبي تمام إذ يقول في الشعر:
ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب
فالسحائب، لمن لا يدق التأمل، تشابه، وكذلك عودها وبروقها وانهمالها على اختلاف ضروبه. ولكن الشيء الذي لا ريب فيه أن انهمال هذه السحابة ليس هو بانهمال تلك، وإن تشابها. وكل منهما جيد في ذاته. والشعراء جميعاً لم يخرجوا عن حد كونهم من هذا العنصر الآدمي، فلم تلومهم إن توافقت خواطرهم، وتعاقبت على أمر واحد؟
هذا، ونعود إلى ما بدأنا به من الاختيار من شعر الأعشى، قال من متقاربية مطلعها] ديوانه: ١٣ [:
لعمرك ما طول هذا الزمن ... على المرء إلا عناء معن
وهي جنة من الألفاظ الراقصة:
وما إن أرى الدهر في صرفه ... يغادر من شارخ أو يفن (١)
فهل يمعني ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن يأتين
أليس أخو الموت مستوثقاً ... علي وإن قلت قد أنسان (٢)
أزال أذينة عن ملكه ... وأخرج عن حضنه ذا يزن (٣)
وخان النعيم أبا مالك ... وأي امرئ صالح لم يخن (٤)
стр. 388
لتكاد تحسب القصيدة كلها وأنت تقرأ هذه الأبيات في الرثاء، ولكنها مدحة. ومن عجيب الأمر أن موضع هذه الأبيات المتشائمة، في غير ما عبوس، غير ناب في القصيدة، بل هو منسجم مع سائر أغراضها، - تجمعه معها رنة الحزن المرح (حزن المحب للحياة الطالب للذائذها قبل أن تنتهي) والكلم الطنان، والروح العذب، أنظر إليه وهو يتحدث عن الحمر، حديث متذكر لمجالسها، طروب بذكراها:
وعاصيت قلبي بعد الصبا ... وأمسى وما إن له من شجن
فقد أشرب الراح قد تعلمين يوم المقام ويوم الظعن
وأشرب بالريف حتى يقا ... ل قد طال بالريف ما قد دجن (١)
ثم قال عن الصبا والغزل:
وأقررت نفسي من الغانيا ... ت إما نكاحاً وإما أزن
ومن كل بيضاء رعبوبة ... لها بشر ناصع كاللبن
تعاطي الضجيع إذا أقبلت ... بعيد الرقاد وعند الوسن
صريفية طيبة طعمها ... لها زبد بين كوب ودن (٢)
ثم أخذ في وصف الصحراء وتخلص من ذلك إلى المدح:
وبيداء قفر كبرد السدير ... مشاربها داثرات أجن
قطعت إذا خب ريعانها ... بدوسرة جسرة كالفدن (٣)
فأفنيتها وتعاللتها ... على صحصح كرداء الردن (٤)
стр. 389
تيممت قيساً وكم دونه ... من الأرض من مهمه ذي شزن (١)
ومن شانئ كاسف وجهه ... إذا ما انتسبت له أنكرن
وجار أجاوره إذ شتوت ... غير أمين ولا مؤتمن
ولكن ربي كف غربتي ... بحمد الإله فقد بلغن (٢)
أخا ثقة عالياً كعبه ... جزيل العطاء كريم المنن
هو الواهب المائة المصطفنا ... ة كالنخل زينها ذو الرجن (٣)
وفي كل يوم له غزوة ... تحك الدوابر حك السفن (٤)
ترى الشيخ منها لحب الإيا ... ب يرجف كالشارف المستحن (٥)
وقد يطعن الفرج يوم اللقا ... ء بالرمح يحبس أولى السنن
فهذا الثناء وإني امرؤ ... إليك بعمد قطعت القرن (٦)
وكنت أمرأ منا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغن (٧)
وحولي بكر وأشياعها ... ولست خلاة لمن أوعدن (٨)
ونبئت قيساً ولم أبله ... كما زعموا خير أهل اليمن
стр. 390
رفيع الوساد طويل النجا ... د ضخم الدسيعة رحب العطن (١)
فتأمل ما اخترناه لك من هذه القصيدة كيف تجده جمع بين التأمل والأشواق، والتذكر للذات الشباب، والصفة البارعة للسفر مع المدح المصفى، وحنين الشيخ إلى أوطانه، ثم ذلك بخلطه ببراعة الخاطر وحسن التأتي، والفكاهة والبلاغة التي تصل إلى أعماق القلب وانظر إليه كيف يفتن في وزن المتقارب، وكيف يطرد به وينساق، ثم هو مع ذلك لا يفتأ ينوع فيه، تارة يأتي بالصدر كالمساوي للعجز، وتارة ينقصه من ذلك، مثال ذلك قوله: «وكنت امرأً زمناً بالعراق» هذا شطر، وقوله: «رفيع الوساد طويل النجا» هذا شطر، والأول أطول من الثاني. وأكثر القصيدة يسير على منهاج الثاني، ولكن الأعشى لبراعته في التغني يستريح إلى الطراز الأول بين حين وآخر. ثم تأمل رنة القافية، وما يخالط نونها الساكنة من تشديد خفي يجعلها ملء الفم، وما افتن فيه الشاعر من حذف الياءات - أتحسب كل ذلك أريد به شيء غير مجرد الإطراب؟
وقال من متقاربية أخرى هي من عيون شعره يصف الخمر] نفسه ٢٨ [:
وصهباء طاف يهوديها ... وأبرزها وعليها ختم
وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم
تمززتها غير مستدبر ... عن الشرب أو منكر ما علم
فهذا عندي من أجمل ما قيل في الخمر ولاسيما صفة اليهودي وصلاته وإعجابه بالخمر التي كان يبيعها -، ثم قال الأعشى وكل هذا في مطلع القصيدة:
وأبيض كالسيف يعطي الجزيل ... يجود ويغزو إذا ما عدم
تضيفت يوماً على ناره ... من الجود في ماله أحتكم