← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وما الفرات إذا جاشت غوار به ... ترمى أواذيه العبرين بالزبد (١) يوماً بأجود منه سيب نافلة ولا ... يحول عطاء اليوم دون غد من أبيات أحسن فيها صفة الفرات. وعندي أن كلام الأستاذ مارون هذا غير صحيح. فصفة البحر ف أتقنه المشارقة من شعراء الجزيرة العربية، ولا عجب فقد كانوا على قرب من البحر، وكان العمانيون منهم والبحرانيون أهل ملاحة وغوص. والأعشى أقرب لأن يكون أخذ من خاله المسيب بن علس من أن يكون أخذ من النابغة. على أن تشبيه الجواد بالبحر في ذاته أقدم من الأعشى وأقدم من النابغة كليها. وهو من التشبيهات «الكليشهات» والشاعر إذ يذكره لا يقصد إلى مجرد التشبيه وإنما يرمي إلى التصوير وإتقان الأداء ولا شك أن قول الأخطل من تشبيه في نفس المعنى: وما مزبد يعلو جزائر حامر ... يفرج عنها خيزرانا وغرقدا الخ جيد بالغ، وإن كان يشتم فيه نفس كلام النابغة، وقوله: يمده كل واد مترع لجب ... له ركام من الينبوت والخضد (٢) ذلك بأنك لا تجد عند النابغة هذه الصورة «يفرج عنها خيزرانا وغرقدا» مع شرف اللفظ وفخامته. [على أن كلام النابغة في ذاته شريف وصوره جيدة]. ولا

стр. 387

ضير أن يحوم الشعراء حول معنى واحد إن كان فيه متسع للقول، وكان كل مبدع منهم يجد منه مستمداً فياضاً لإبداعه. ولله در أبي تمام إذ يقول في الشعر: ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب فالسحائب، لمن لا يدق التأمل، تشابه، وكذلك عودها وبروقها وانهمالها على اختلاف ضروبه. ولكن الشيء الذي لا ريب فيه أن انهمال هذه السحابة ليس هو بانهمال تلك، وإن تشابها. وكل منهما جيد في ذاته. والشعراء جميعاً لم يخرجوا عن حد كونهم من هذا العنصر الآدمي، فلم تلومهم إن توافقت خواطرهم، وتعاقبت على أمر واحد؟ هذا، ونعود إلى ما بدأنا به من الاختيار من شعر الأعشى، قال من متقاربية مطلعها] ديوانه: ١٣ [: لعمرك ما طول هذا الزمن ... على المرء إلا عناء معن وهي جنة من الألفاظ الراقصة: وما إن أرى الدهر في صرفه ... يغادر من شارخ أو يفن (١) فهل يمعني ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن يأتين أليس أخو الموت مستوثقاً ... علي وإن قلت قد أنسان (٢) أزال أذينة عن ملكه ... وأخرج عن حضنه ذا يزن (٣) وخان النعيم أبا مالك ... وأي امرئ صالح لم يخن (٤)

стр. 388

لتكاد تحسب القصيدة كلها وأنت تقرأ هذه الأبيات في الرثاء، ولكنها مدحة. ومن عجيب الأمر أن موضع هذه الأبيات المتشائمة، في غير ما عبوس، غير ناب في القصيدة، بل هو منسجم مع سائر أغراضها، - تجمعه معها رنة الحزن المرح (حزن المحب للحياة الطالب للذائذها قبل أن تنتهي) والكلم الطنان، والروح العذب، أنظر إليه وهو يتحدث عن الحمر، حديث متذكر لمجالسها، طروب بذكراها: وعاصيت قلبي بعد الصبا ... وأمسى وما إن له من شجن فقد أشرب الراح قد تعلمين يوم المقام ويوم الظعن وأشرب بالريف حتى يقا ... ل قد طال بالريف ما قد دجن (١) ثم قال عن الصبا والغزل: وأقررت نفسي من الغانيا ... ت إما نكاحاً وإما أزن ومن كل بيضاء رعبوبة ... لها بشر ناصع كاللبن تعاطي الضجيع إذا أقبلت ... بعيد الرقاد وعند الوسن صريفية طيبة طعمها ... لها زبد بين كوب ودن (٢) ثم أخذ في وصف الصحراء وتخلص من ذلك إلى المدح: وبيداء قفر كبرد السدير ... مشاربها داثرات أجن قطعت إذا خب ريعانها ... بدوسرة جسرة كالفدن (٣) فأفنيتها وتعاللتها ... على صحصح كرداء الردن (٤)

стр. 389

تيممت قيساً وكم دونه ... من الأرض من مهمه ذي شزن (١) ومن شانئ كاسف وجهه ... إذا ما انتسبت له أنكرن وجار أجاوره إذ شتوت ... غير أمين ولا مؤتمن ولكن ربي كف غربتي ... بحمد الإله فقد بلغن (٢) أخا ثقة عالياً كعبه ... جزيل العطاء كريم المنن هو الواهب المائة المصطفنا ... ة كالنخل زينها ذو الرجن (٣) وفي كل يوم له غزوة ... تحك الدوابر حك السفن (٤) ترى الشيخ منها لحب الإيا ... ب يرجف كالشارف المستحن (٥) وقد يطعن الفرج يوم اللقا ... ء بالرمح يحبس أولى السنن فهذا الثناء وإني امرؤ ... إليك بعمد قطعت القرن (٦) وكنت أمرأ منا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغن (٧) وحولي بكر وأشياعها ... ولست خلاة لمن أوعدن (٨) ونبئت قيساً ولم أبله ... كما زعموا خير أهل اليمن

стр. 390

رفيع الوساد طويل النجا ... د ضخم الدسيعة رحب العطن (١) فتأمل ما اخترناه لك من هذه القصيدة كيف تجده جمع بين التأمل والأشواق، والتذكر للذات الشباب، والصفة البارعة للسفر مع المدح المصفى، وحنين الشيخ إلى أوطانه، ثم ذلك بخلطه ببراعة الخاطر وحسن التأتي، والفكاهة والبلاغة التي تصل إلى أعماق القلب وانظر إليه كيف يفتن في وزن المتقارب، وكيف يطرد به وينساق، ثم هو مع ذلك لا يفتأ ينوع فيه، تارة يأتي بالصدر كالمساوي للعجز، وتارة ينقصه من ذلك، مثال ذلك قوله: «وكنت امرأً زمناً بالعراق» هذا شطر، وقوله: «رفيع الوساد طويل النجا» هذا شطر، والأول أطول من الثاني. وأكثر القصيدة يسير على منهاج الثاني، ولكن الأعشى لبراعته في التغني يستريح إلى الطراز الأول بين حين وآخر. ثم تأمل رنة القافية، وما يخالط نونها الساكنة من تشديد خفي يجعلها ملء الفم، وما افتن فيه الشاعر من حذف الياءات - أتحسب كل ذلك أريد به شيء غير مجرد الإطراب؟ وقال من متقاربية أخرى هي من عيون شعره يصف الخمر] نفسه ٢٨ [: وصهباء طاف يهوديها ... وأبرزها وعليها ختم وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم تمززتها غير مستدبر ... عن الشرب أو منكر ما علم فهذا عندي من أجمل ما قيل في الخمر ولاسيما صفة اليهودي وصلاته وإعجابه بالخمر التي كان يبيعها -، ثم قال الأعشى وكل هذا في مطلع القصيدة: وأبيض كالسيف يعطي الجزيل ... يجود ويغزو إذا ما عدم تضيفت يوماً على ناره ... من الجود في ماله أحتكم

стр. 391

ثم ذكر الصحراء، وخلص إلى صفة الممدوح في منهاج شبيه جداً بما رأيناه في قصيدته السابقتين: ويهماء تعزف جنانها ... مناهلها آجنات سدم (١) قطعت برسامة جسرة ... عذافرة كالفنيق القطم (٢) كتوم الرغاء إذا هجرت ... وكانت بقية ذود كتم (٣) إلى المرء قيس أطيل السرى ... وأخد من كل حي عصم وكم دون بيتك من معشر ... صباة الحلوم عداة غشم (٤) ٩ إذا أنا حييت لم يرجعوا ... تحيتهم وهم غير صم وإدلاج ليل على خيفة ... وهاجرة حرها يحتدم وإن غزاتك من حضرموت ... أتتني ودوني الصفا والرجم (٥) تؤم ديار بني عامر ... وأنت بال عقيل فغم (٦) أذاقتهم الحرب أنفاسها ... وقد تكره الحرب بعد السلم أخو الحرب لا ضرع واهن ... ولم ينتعل بقبال خذم (٧) وما مزبد من خليج الفرا ... ت جون غواربه تلتطم (٨)

стр. 392

يكب الخلية ذات القلا ... ع قد كاد جؤجؤها ينحطم الخلية: السفينة العظيمة. والقلاع: جمع قلع بكسر القاف، وهو الشراع. والجؤجؤ مقدم السفينة: تكاكأ ملامحها وسطها ... من الخوف كوثلها يلتزم والكوث: سكان السفينة، أي ملاحها من الخوف يلتزم سكانها. وهذا من أجود ما قرأته في وصف البحر، ويدل على معرفة به - على أني لا أدفع الشبه بينه وبين قول النابغة: يظل من خوفه الأخ معتصماً ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد ولا يخفى عليك أن قول النابغة (بعد الأين والنجد) تطويل وليس في كلامه على حسنه ما في قول الأعشى «تكأكأ» الخ من دقة التصوير فالأعشى لاشك كان أكثر معرفة بالسفن من النابغة. وأسوق لك شاهد آخر من شعره يؤكد لك ما أقوله، وهو قوله: وما رائح روحته الجنو ... ب يروي الزروع ويعلو الدبارا (١) يكب السفين لأذقانه ... ويصرع بالعبر أثلاً وزارا (٢) إذا رهب الموج ملاحه ... يحط القلاع ويرخي الزيارا (٣) بأجود منه بأدم الركا ... ب لط العلوق به احمرارا (٤) فهذا يدل على خبرة بينة لاسيما البيت الثالث. ذلك بأن الريح إذا اشتدت

стр. 393

شيئاً فمن الخطل في الملاحة أن تجذب حبل الشراع، فإن ذلك يقلبها إن كانت صغيرة، وقد يحطم الشراع إن كانت كبيرة. والوجه أن ترخي حبل الشراع، فان لم يغن ذلك أنزلت الشراع أو لففته واستغنيت عنه. ولا فرق في هذا بين أن يكون إبحارك مع الريح أو عكسها أو مقاطعة لها على زاوية قائمة. ولعل في هذه الأبيات الرائية التي ذكرناها دليلاً مقنعاً لمن يتهم الأعشى بالسرقة من النابغة، أن الأمر ليس كذلك وأن الرجل كان يتغنى بما يعرف، وقد سافر في البر والبحر وبلا من ذلك ضروباً. وانظر إليه يصف أسفاره في الميمية ويخاطب ابنته: تقول ابنتي حين جد الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم (١) ويا أبتا لا تزل عندنا ... فأنا نخاف بأن تخترم أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منا الرحم أفي الطوف خفت على الردى ... وكم من رد أهله لم يرم (٢) وقد طفت للمال آفاقه ... دمشق وحمص وأوري شلم أتيت النجاشي في أرضه ... وأرض النبيط وأرض العجم ثم أخذ الأعشى بعد ذلك في القصص وضرب الأمثال: ألم ترى الحضر إذ أهله ... بنعمي وهل خالد من نعم (٣) أقام به سابور الجنو ... د حولين تضرب فيه القدم (٤)

стр. 394

وأتم القصة وانتقل إلى غيرها. ومن المؤسف حقًا أن هذا الجزء القصصي من القصيدة قد ضاع أكثره فلم تبق منه إلا أبيات: وأُنشد القارئ قطعة أخرى من متقارب الأعشى يصف الخمر [نفسه]: أتاني يؤمراني في الشمو ... ل ليلاً فقلت له غادها (١) أرحنا نُباكر جد الصبو ... ح قبل النفوس وحسادها فقمنا ولما يصح ديكنا ... إلى جونةٍ عند حدادها أي إلى شراء دن أسود قد احتفظ به صاحب حانوت من الضرب الحريص. تنخلها من بكار القطاف ... أزيرق آمن إكسادها (٢) أي أزيرق الطرف من الروم أو سواهم من صهب السبال. فقلنا له هذه هاتها ... بأدماء في حبل مقتادها (٣) فقال تزيدونني تسعةً ... وليست بعدلٍ لأندادها (٤) فقلت لمنصفنا أعطه ... فلما رأى حضر شهادها (٥) أضاء مظلته بالسرا ... ج والليل غامر جدادها أي جوانبها، عني جوانب المظلة (البيت الشعري) الذي كان فيه صاحب الخمر.

стр. 395

دراهمنا كلها جيد ... فلا تحبسنا بتنقادها فقام فصب لنا قهوةً ... تسكننا بعد إرعادها كميتٍ تكشف عن حُمرةٍ ... إذا صرّحت بعد إزبادها أي هي أول أمرها بين السواد والحمرة لما يخالطها من الزبد، فإذا سكن زبدها وصفت بدا لونها أحمر صريحًا. فانظر إلى هذه الدقة والإبداع رحمك الله. كحوصلة الرأل في دنها ... إذ صوبت بعد إقعادها (١) فجال علينا بإبريقه ... مخضّب كف بفرصادها (٢) فباتت ركاب بأكوارها ... لدينا وخيلٌ بألبادها (٣) لقوم فكانوا هم المنفدين ... شرابهم قبل إنفادها فرحنا تنعمنا نشوةٌ ... تجور بنا بعد إقصادها وقال في وصف الرحلة إلى الممدوح: تؤم سلامة ذا فائش ... هو اليوم حم لميعادها (٤) وكم دون بيتك من صفصفٍ ... ودكداك رملٍ وأعقادها (٥) ويهماء بالليل غطشى الفلا ... ة يؤنسني صوت فيادها

стр. 396

ووضع سقاءٍ وإحقابه ... وحل حلوسٍ وإغمادها هذا والله الشعر، لا ما نعلل به اليوم. انظر هداك الله إلى هذا الوشي الحبرة، إلى هذا النغم المسكر، وهذا التغني المندفع لا يقفه شيء. بحسب العربية من التراث متقاربيات الأعشى وحدها، ولولا أن أطيل وأَضيّع غرضي من هذا الكتاب لأنشدتها جميعًا مشروحة، ثم ثنيت بها من غير شرح خالصة ليندفع فيها القارئ. وما إخالها أريد بها إلا أن توقع في نوع من الإنشاد السهل البسيط الشجي. وما أرتاب أن الأعشى كان يتغنى بها فيفيد ممدوحه بذلك لذة الطرب بالنغم مع لذة الطرب بالبلاغة. ولعمري لقد أفسد الأعشى بحر المتقارب على من بعده. فقد أفرغ فيه نفسه إفراغًا حتى لتكاد ترى شخصه، شيخًا فرح النفس، ذكيّ الفؤاد، عارفًا بفن القصص، حريصًا على إمتاع الناس. وإني لما يطول تعجبي من مقالة الدكتور طه حسين في كتاب الأدب الجاهلي: «وخلاصة رأينا في الأعشى أنه شاعر عاش في آخر العصر الجاهلي، وتصرّف في فنون الشعر، أظهرها الغزل والخمر والوصف، ومدح طائفة من أشراف العرب. ولكن العصبية استغلت هذا المدح. ولعله كان قد ضاع فأضافت إليه مكانه مدحًا كثيرًا لليمنيين والربعيين، ومدحًا قليلاً للمضربين. ولاشك في أن بين هذا الشعر الذي يضاف إلى الأعشى مقطوعات وأبياتًا يمكن أن يكون الأعشى قد قالها حقًا، ولكن تمييز هذه الأبيات والمقطوعات مما يحيط بها من المنحول المتكلف ليس بالشيء اليسير. على أن هذا المنحول الذي يضاف إلى الأعشى مختلف أشد الاختلاف ففيه الجيد المتقن، وفيه الضعيف السخيف إلخ- ص ٢٥٣». أقول: يطول تعجبي، لأن «الدكتور طه حسين» من دقة الذوق والمعرفة

стр. 397

بجوهر الشعر بحيث لا يخفى عليه مكان البراعة والروعة من أمثال ما قدمنا من الشواهد، وبحيث لا يغيب عنه أن مثلها أقرب لأن يكون صحيحًا كله، من أن يكون منحولاً جله، لأن فيه طابعًا قويًا من شخصية حية وأسلوب حيّ، لا يرقى الانتحال إلى مثل مراقيه. ومما يُخفف التعجب شيئًا، ويريح النفس كثيرًا أن طبع الدكتور طه لصفائه، أبى أن ينكر شخصية الأعشى، كما أبى أن ينكر في شعره ما ليس بمنحول وما لا ريب في صحة نسبته «على أن تمييز ليس باليسير» كما قد قال. ومما يريح النفس أيضًا أن كلام الدكتور طه هذا قد وقع في كتاب من كتبه القديمة، وما أشك في أنه الآن قد رجع عن أكثره ولا سيما في شأن متقاربيات الأعشى، فإنها من نصوع الطريقة ووضوح المذهب، بحيث تصلح أن تكون مقياسًا يعرف به الصحيح من الزائف في شعر هذا الرجل، فالشك جديرٌ لأن يكون عنها بمكان عزيب. وبعلد فلعل مما قدمناه لك من شواهد مختلفة -أيها القارئ الكريم- أن يكون نصًا صريحًا فيما زعمناه بدءًا من أن المتقارب بحر تغن من النوع المناسب المتدفق، وأنه من أيسر البحور لمن يريد النظم، وأعصاها لمن يحاول الإحسان والإتقان لما يتطلبه من سلامة الطبع وامتداد النفس. ٤ - الوافر: هذا البحر عند العروضيين من جنس الكامل، وأخوه في دائرته الثانية، ووزنه عندهم في صيغته التامة: مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن ... مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن وهذه الصيغة خيالية لم يستعملها شاعر. والعروضيون مولعون بالصيغ

стр. 398

الخيالية. وقد احتالوا على وزنهم هذا المفتعل، فأدخلوا عليه علة (اسمها القطف، وهي إسقاط آخر سبب خفيف وإسكان ما قبله) في الضرب وفي العروض فتحصلوا على الوزن: مفاعلتن مفاعلتن فعولن ... مفاعلتن مفاعلتن فعولن وهو الوزن المستعمل من الوافر، ولو قد التفتوا لمكان «فعولن» من هذا الوزن المستعمل لأدركوا أن أصله من المتقارب لا من الوزن المفتعل «مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن» وحقيقته: فعول فعو. فعول فعو. فعولن ... فعول فعو. فعول فعو. فعولن فهذا متقارب كله كما ترى. ومثال الوزن الوافر التام من الكلمات: معاكسة. مشاكسة. قتال ... ملاحظةٌ. مناظرةٌ. نزال نعم وأجل. أجل ونعم. وهل في. إذا لولا .. لقد عن في. وهلا ولعلك لاحظت أن هذا الوزن تكثر فيه المقاطع القصيرة، ويتوالى منها اثنان في الجزء الواحد. «معاك س تن. مشاك س تن. قتالن».- لاحظ مكان الكاف والسين من «معاكسة» و «مشاكسة»، ومكان الحاء والظاء من «ملاحظة» والظاء والراء من «مناظرة» وتوالي المقطعين هذا يكسب الوزن نوعًا من ثقل، لو كثر وتوالى في كل بيت صار رتيبًا للغاية، والشعراء مما يحتالون عليه، فيسكنون المتحرك الخامس من الجزء أحيانًا هكذا «مفاعلتن ملاحظ تن فعولن معاكسةٌ مجادلةٌ نزولن» وهذا التغيير الطفيف يسميه العروضيون عصبًا. ومن أجل هذا التغيير كثيرًا ما تجد وزن الوافر هكذا:

стр. 399

مفاعلتن مفاعلتن فعولن ... مفاعلتن مفاعلتن فعولن بتسكين الخامس من إحدى التفعيلتين الأوليين أو منهما معًا. و «مفاعلتن» كما لا يخفى تساوي «مفاعيلن» في الوزن. فهذا قولنا في معرض الحديث عن الهزج إنه من الوافر لأن وزنه يأتي بتكرار مفاعيلن أربع مرات. وهاك عبثًا نمثل به لوزن الوافر كما هو مستعمل: مقاتلةٌ مضاربةٌ ضريب ... مقاربة مغاصبة غصوب مصابيح فوانيس صباح ... مطاميرٌ مسامير ضخام خروفكم جرى لما رآني ... خروفكم له عقل ذكي خروفكم رأى السكين عندي ... خروفكم مفاعلتن فعول رأى السكين تلمع في يميني ... مفاعيلن خروفكم غبي ذبحت خرو، ذبحت خرو، خروفا ... سمينًا لحمه لحم طري مفاعيلن لنا كلب فعولن ... لنا كلبٌ فعولن نروجي يحب اللحم فاعلتن ولكن ... جرى ذاك الخروف الألمعي وقد تحدث في وزن الوافر تغييرات أخر غير ما ذكرناه من أمر العصب كأن تقول: أنست بك، نظرت لك حبيبي ... حبيبي يا حبيبي يا حبيبي فكلا الكافين من «بك» و «لك» يحتاجان إلى مد لكي يستقيم الوزن على الأصل. ومثل هذا زحافٌ تنبو عنه الأذن شيئًا، ويدخل الوافر الخرم وهو سقوط أول متحرك. وفي الغالب يكون هذا المتحرك واو العطف. كأن تقول: مالك والتلدد حول نجد

стр. 400

واستقامة الوزن أن تقول. «ومالك والتلدد حول نجد». وهاك أبياتًا في الوافر من شعر عبد الله بن الصمة القشيري من شعراء الحماسة: أقول لصاحبي والعيس تهوي ... بنا بين المنيفة فالضمار تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار ألا يا حبذا نفحات نجدٍ ... وريا روضه بعد الفطار وأهلك إذ يحل الحي نجدًا ... وأنت على زمانك غير زار شهورٌ ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار فأما ليلهن فخير ليلٍ ... وأقصر ما يكون من النهار كلمة عن الوافر: في الوافر تدفق استمده من أصله «بحر المتقارب». إلا أن نغمه ينبتر في آخر كل شطر كما قدمنا. وهذا الانبتار شديد المفاجأة. وله أثر عظيم جدًا في نغمة الوافر- إذ يكسبها رنة قوية ليست في المتقارب. وهذه النغمة القوية بالطبع تسلبه مزية الإطراب الخالص الذي في المتقارب. ولكنها تعوضه تعويضًا عظيمًا عن هذا النقص، بأنها؟ ؟ ؟ للأداء العاطفي سواءٌ أكان ذلك في الغضب الثائر والحماسة أم في الرقة الغزلية والحنين. ولانبتار الوافر الذي يحدث في كل شطر خاصةٌ غريبة. وهي أن عجزه سريع اللحاق بصدره، حتى إن السامع لا يكاد يفرغ من سماع الصدر حتى يهجم عليه العجز، بل الشاعر نفسه، أثناء النظم، فيما أرجح، يشعر بهجوم العجز والقافية بمجرد فراغه من الصدر، وربما سبق عجز بيت صدره إلى نفسه. ولأوضح لك كلامي هذا بمثال. تخيل أن شاعرًا أراد أن يجعل كلام بشار: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم

стр. 401

ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فريش الخوافي قوةٌ للقوادم وقاتل إذا لم تعط إلا ظلامةً ... شبا الحرب خيرٌ من قبول المظالم في بحر الوافر، ألا تحسب أن ذلك لن يتأتى له إلا بمضاعفة عدد الأبيات ثم هو لن يقدر بعد ذلك على أن يوجد فيها هذا النفس الرزين الهادئ الذي في طويل بشار؟ وحقيقة الأمر أن الوافر بحرٌ مسرع النغمات متلاحقها، مع وقفة قوية سرعان ما يتبعها إسراعٌ وتلاحق. وهذا يتطلب من الشاعر أن يأتي بمعانيه دفعًا دفعًا، كأنه يخرجها من مضخة، لا في انثيال كما يفعل صاحب المتقارب، ولا في رشاقة ورقص كما يفعل صاحب الكامل. ولهذا فإنك أكثر ما تجد الوافر في نظم الشعراء ذا أساليب تغلب عليها الخطابة- لا فرق في ذلك بين رقاق الوافرات وفخماتها والخطابة في الوافر جليّ فيها عنصر التكرار والمزاوجة والمطابقة، وحملها الصدر على العجز، والإضراب عن الشيء إلى سواه، وعرض جوانب مختلفة من المعنى الواحد يتبع بعضها بعضًا. وأحسن ما يصلح هذا البحر في الاستعطاف والبكائيات وإظهار الغضب في معرض الهجاء والفخر، والتفخيم في معرض المدح. وقد يصلح جدًا لنوع النوادر والنكت التي تصدر عن الحذق والمهارة، وسرعة الخاطر. خذ مثلاً قول الفرزدق في عمر بن هبيرة، وقد ولته بنو أمية العراق (١): أمير المؤمنين وأنت برٌ كريم لست بالطبع الحريص (٢)

стр. 402

أأطعمت العراق ورافديه ... فزاريًا أحذ يد القميص (١) تفهق بالعراق أبو المثنى ... وعلم أهله أكل الخبيص (٢) ولم يك قبلها راعي مخاضٍ ... ليأمنه على وركي قلوص (٣) وهذا الكلام لا يخلو من فكاهة صحيحة. ولكن عامل «النكتة» الصادر عن سرعة الخاطر أوضح فيه. وانظر إلى أثر الوزن البين في ترتيبات الكلمات وصياغة البيت. لا يكاد الشاعر يفرع من «بر» في البيت الأول حتى يتبعها «بكريم»، ثم يُردف ذلك بأوصاف تقرى النعت الأول. ولا يجد الشاعر متنفسًا -من سرعة الوزن- ليخلص إلى معنى آخر. وكذلك البيت الثاني إن تأملته وجدت خلاصته: «أوليت العراق فزاريًا أو بعبارة أدق: أوليت عمر بن هبيرة وهو من تعلم؟ » - وقد

стр. 403

فطن ابن قتيبة ﵀ إلى ما في بيت الفرزدق من احتيال على إكمال الوزن (١).

стр. 404

والبيت الثالث عجزه كله تفسير لكلمة في صدره هي قوله «تفهق». والبيت الرابع فيه سرعة الخاطر بينة، وهي تعوض عن متابعة الأوصاف، وغير ذلك من عناصر الخفة اللفظية. وهاك مثالاً آخر من شعر الفرزدق في الوافر (ديوانه ٢: ٤٣٩): أقول لصاحبي من التعزي ... وقد نكبن أكثبة العقار أعيناني على زفرات قلبٍ ... يحن برامتين إلى النوار إذا ذُكرت نوار له استهلت ... بدمع سمبل العبرات جار فلم أر مثل ما قطعت إلينا ... من الظلم الحنادس والصحاري (أكثبة: جمع كثيب، والعقار: موضع). وهذا من نادر ما رق فيه الفرزدق. ولا شك أنه كان كلفًا بنوار، وقد أفرغ فيها فرائد من شعره. هذا ولا إخاله يخفى عليك سلطان الوزن على أداء الكلام في الأبيات الرائية هذه- انظر كيف اضطر الشاعر إلى قوله «من التعزّي» ثم إلى الاستطراد بذكر الإبل، ثم أكمل المعنى في البيت الثاني، وجعل عجزه كالتفسير لصدره. وإذ أقول هنا إن الشاعر قد اضطر إلى الإكثار من الألفاظ ونحو ذلك، فلست أنسبه إلى التكلف، إذ أن هذا النوع من الاضطرار ناشئ عن نفس طبيعة الوزن. وسر جماله يكمن في المقدرة على تزويج ألفاظ ذات طنة ورنين بهذه التفعيلات الشديدة الطلب للفظ الرنان، والأداء الخطابي الإنشائي. وهاك مثالاً آخر من شعر الفرزدق، قوله يهجو كليب بن يربوع رهط جرير (من نفس القصيدة): ألا قبح الإله بني كليب ... ذوي الحمرات والعمد القصار ولو ترمى بلؤم بني كليبٍ ... نجوم الليل وما وضحت لساري ولو لبس النهار بنو كليب ... لدنس لؤمهم وضح النهار وما يغدو عزيز بني كليب ... ليطلب حاجةً إلا بجار

стр. 405

والخطابة والتكرار والمطابقة كل ذلك بين في أداء هذه الأبيات. هذا من الناحية اللفظية ومن الناحية المعنوية تجد سرعة الخاطر، وبراعة البديهة أوضح ولا سيما في البيت الرابع. وانظر إلى قوله من نفس القصيدة يفتخر: بنو السيد الأشاتم للأعادي ... نمتني للعلى وبنو ضرار وأصحاب الشقيقة يوم لاقوا ... بني شيبان بالأسل الحرار وله من قصيدة لامية جيدة مدح بها سعيد بن العاص (ديوانه ٢: ٦١٦، ٦١٨): أرقت فلم أنم ليلاً طويلاً ... أراقب هل أرى النسرين زالا فأرقني نوائب من هموم ... عليّ ولم يكن أمري عيالا أي ولم يكن أمر يعوله قبل الهم الذي جعله يراقب النسرين. وقد كان الفرزدق صادقًا في قوله هذا، فهو يشير إلى تهديد زياد له، وقد غبر حينًا من الدهر يتراوغ منه بين البصرة والكوفة، ثم لم يجد من ملجأ غير الفرار: وكان قرى الهموم إذا اعترتني ... زماعًا لا أريد به بدالا فعادلت المسالك نصف حول ... وحولا بعده حتى أحالا فقال لي الذي يعينه شأني ... نصيحة قوله سرًا وقالا عليك بني أمية فاستجرهم ... وخذ منهم لما تخشى حبالا فإن بني أمية من قريش ... بنوا لبيوتهم عمدًا طوالا إليك فررت منك ومن زياد ... ولم أحسب دمي لكما حلالا ولكني هجوت وقد هجتني ... معاشر قد رضخت لهم سجالا فإن يكن الهجاء أحل قتلي ... فقد قلنا لشاعرهم وقالا وإن تك في الهجاء تريد قتلي ... فلم تدرك لمنتصر تبالا (١)

стр. 406

ترى الشم الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر في الحدثان عالا بني عم النبي ورهط عمرو ... وعثمان الذين علوا فعالا قيامًا ينظرون إلى سعيدٍ ... كأنهم يرون به هلالا فهذا الكلام خطبة حارة صادقة. وإنه لمن حسنات زياد أنه قد أخاف الفرزدق وتوعده، فإن ذلك قد شغل على ذلك الشاعر الفذ جوانب قلبه بالجد والعاطفة القوية حينًا من الدهر، وصرفه شيئًا علما كان إجرياه من الهزل والعبث. ولعلك تسائلني. لم أكترث لك من شعر الفرزدق في معرض التمثيل لبحر الوافر. وما ذلك إلا لأنني أكثرت لك من شعر الفرزدق في معرض التمثيل لبحر الوافر. وما ذلك إلا لأنني وجدت الفرزدق من الذين لا يكادون يحفلون بتجويد الصياغة في أكثر شعرهم. كما أني ألفيته يميل إلى التمهل في كلامه دون الإسراع، وإلى عرض جوانب عدة من الأمر الواحد، إلا أني في الوافر وجدته يؤثر الخطابة وتحكيك اللفظ مع الاقتصاد في المعاني إلا ما كان لازمًا لغرضه، أو ما كان يستلزمه خاطر سريع، ونكتة لاذعة. ثم وجدته مع ذلك يأتي بكلامه دفعًا دفعًا متلاحقة سريعة على خلاف طبيعته في غير الوافر من الأوزان. وأضرب لك مثلين آخرين من شعره في الوافر، قال يأسف ويتندم على طلاقه للنوار (١) ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين لج به الضرار وكنت كفاقيء عينيه عمدًا ... فأصبح لا يضيء له النهار ولو أني ملكت يدي ونفسي ... لكان علي للقدر الخيار وقال يهجو أحد بني باهلة يدعي الأصم (٢).

стр. 407

ألا كيف البقاء لباهلي ... هوى بين الفرزدق والجحيم ألست أصم أبكم باهليًا ... مسيل قرارة الحسب اللئيم وهل يستطيع أبكم باهلي ... زحام الهاديات من القروم ونهج الفرزدق في الوافر كله من هذا النمط المسرع. وهذا وحده يصدق قول النقاد الأوائل فيه: إنه كان معنًا مفنًا. وأي افتنان أعظم من أن يستطيع شاعر كالفرزدق، عرف بالإطناب والتعقيد، أن يضح كل هذا الوضوح، ويتدفق كل هذا التدفق. وقد كان جريرٌ يخالف الفرزدق في طريقة الأداء. كان جادًا في الصياغة حين كان الفرزدق عابثًا هازلاً. وكان حريصًا على الإيجاز والتسهيل، حين كان الفرزدق لا يبالي أأكمل معناه في بيت واحدٍ أم عدة أبيات، ولا يهتم أجاء به سهلاً مناسبًا أم ملفتًا معقدًا، وكان حريصًا على تجويد الصياغة، حين كان الفرزدق يرى نفسه فوق أن يجود ألا أن يجيء ذلك اتفاقًا، وكان يحافظ على اللغة القديمة الصافية ما أمكن، حين كان الفرزدق لا يبالي أن يخرج عن النحو أو يزيد في متن اللغة، أو يستعير من السوقة والأعاجم. وقد كان جرير ذا طبع صاف، وعاطفة مندفعة، وخاطرٍ سريع، وبديهة حادّة، وحذق ومهارة في إلقاء القول. ولكن الفرزدق كان أميل إلى الفكاهة العميقة منه إلى النكتة الخاطفة. ومن أجل هذا كله كان جريرٌ -حين ينظم في الوافر- يجري مع طبيعته، وينساب في واديه. ولو نظرت في ديوان جرير وجدت إحسانه في الوافر أضعاف إحسانه في الطويل مثلاً. كما أنك لو نظرت في ديوان الفرزدق وجدت إحسانه في الطويل يزيد على الوافر بقدر عظيم. ولو ذهبت أختار لك من وافر جرير، قاصدًا بذلك أن أوفيه حقه، لاضطررت

стр. 408

إلى تسطير يكل عنه الساعد. وأكتفي بذكر أبيات، ثم بحسبك أيها القارئ أن تقرأها جهرًا لنفسك لترى كيف تدفع نغمها وسلاسته، قال في مطلع قصيدة: (١) ألا حيِّ الديار بسعد إني ... أحب لحب فاطمة الديارا أراد الظاعنون ليحزنوني ... فهاجوا صدع قلبي فاستطارا لقد فاضت دموعي يوم قو ... لبين كان حاجته ادكارا أبيت الليل أرقب كل نجم ... تعرض حيث أنجد ثم غارا يحن فؤاده والعين تلقى ... من العبرات جولاً وانحدارا إذا ما حل أهلك يا سليمي ... بدارة صلصلٍ شحطوا مزارا خذ هذا البيت الأخير، هل تجد فيه إلا إنشاء صرفًا لا يكاد يخالطه خبرٌ، أو نفسٌ من خبر؟ (أعني بالإنشاء مدلول هذا اللفظ عند علماء المعاني) وقال جرير في هشام بن عبد الملك (٢): أمير المؤمنين جمعت دينًا ... وحلمًا فاضلاً لذوي الحلوم أمير المؤمنين على صراطٍ ... إذا اعوج الموارد مستقيم له المتخيران أبًا وخالاً ... فأكرم بالخئولة والعموم نما بك خالدٌ وأبو هشام ... مع الأعياص في الحسب الجسيم (٣) وتنزل من أمية حيث تلقى ... شئون الرأس مجتمع الصميم ومن قيسٍ سما بك فرع نبع ... على علياء خالدة الأروم ترى للمسلمين عليك حقًا ... كفعل الوالد الرؤف الرحيم

стр. 409

وليتم أمرنا ولكم علينا ... فضولٌ في الحديث وفي القديم إذا بعض السنين تعرقتنا ... كفى الأيتام فقد أبى اليتيم (١) وكم يرجو الخليفة من فقيرٍ ... ومن شعثاء جائلة البريم (٢) وأنت إذا نظرت إلى هشامٍ ... نظرت نجار منتجبٍ كريم ولي الحق حين يؤم حجًا ... صفوفًا بين زمزم والحطيم تواصت من تكرمها قريشٌ ... برد الخيل دامية الكلوم فما الأم التي ولدت قريشًا ... بمقرفة النجار ولا عقيم فهذا مدح صاف. ولعلك تسألني كما سألني أحد الطلبة: ماذا في هذه القصيدة مما يستحق أن يحسب في الشعر الجيد؟ إن شاعرها لم يعد أن ذكر آباء الممدوح، ثم عدد بعد ذلك صفات ولم يجيء بمعنى فريد أو صورة رائعة أو شيء يهز؟ وقد لفتني ذلك الطالب -لما رأيت صدقه في سؤاله- إلى ثلاث نواح في القصيدة، ولو كانت توفرت للشاعر واحدة منها لكفته: (١) ناحية المدح المناسب لعظمة الخلافة، وهذه قد حواها جرير من أطرافها مع إيجاز ويسر- فقد أشاد بعراقة الخليفة في بيوتات السيادة العربية، ثم مدح عصبيته من قريش، ثم أثنى على عدل الحاكم فيه وبره بالرعية، ثم وفى رئاسته الدينية حقها من الإكبار. (٢) وناحية اليسر، فقد جاء جرير بلفظ سلسٍ واضح يفهمه القارئ الآن فضلاً عن المعاصر في ذلك الحين. وفي هذا من الدعاية للخليفة ما لا يخفى.

стр. 410

(٣) ثم إنه مع إيجازه ويسره وقلة تكلفه تخير الأداء، فاستعمل ضروبًا من المجاز والاستعارة منسجمة كل الانسجام مع مسلكه اليسير السهل الممتنع. هذا ومع هذا النواحي الثلاث -في الأبيات التي ذكرنا، وفي سائر القصيدة التي اخترنا منها هذه الأبيات- ناحيتان أخريان مهمتان للغاية. الأولى هذا الوزن القوي المطرد، وافتنان الشاعر في إظهار نفعه طورًا بتكرار كلمات بعينها كقوله «أمير المؤمنين» في البيتين الأول والثاني، وطورا بأرداف كلمات متقاربة في الوزن والمعنى كقوله «أبًا وخالاً» و «الخؤولة والعموم» في البيت الثالث، وتارة بإعادة أطراف من الألفاظ والمعاني بعضها على بعض كقوله «كفى الأيتام فقد أبى اليتيم» وكقوله «إذا نظرت إلى هشام نظرت» وطورًا بالمطابقة كقوله «فما الأم التي ولدت البيت». وربما يُضرب جريرٌ عن التكرار والمطابقة، ويأتي يبيته كله دفعةً واحدة بحيث يبدو لك مشتملاً على عدد من الكلمات أكثر من أن يحتمله وزنه كقوله: وتنزل من أمية حيث تلقى ... شئون الرأس مجتمع الصميم فهذه جملة واحدة لا تستطيع أن تحذف منها شيئًا. ومثل هذا البيت في الوافر لا يقوى على أن يجيء به إلا ذو ملكة قوية، إذ لا يكاد شاعر يخلو في الوافر من الاستعانة بأنواع الإطناب واللعب اللفظي. والناحية الثانية المهمة هي أن قصيدة جرير هذه، طرازٌ من مدح الخلفاء اتخذه من بعده من الشعراء نموذجًا -لا سيما مروان بن أبي حفصة وعلى منهاجه في المدح سار الطائي والبحتري من بعد. ولو فتشت في شعر الذين تقدموا جريرًا فإنك لن تجد شيئًا من مدائحهم يجمع كل ما ينبغي أن يمدح به خليفة كما تفعل هذه القصيدة- حتى ولا شعر جرير في عبد الملك أو عمر بن عبد العزيز فإنه لا يصلح نموذجًا للمدح كما تصلح هذه الميمية في هشام.

стр. 411

والقصيدة التي توضح كل التوضيح كيف نفس جرير في الوافر، دماغته التي هجا بها عبيد بن حصين الراعي. ولولا خشية الإطالة لأوردتها هنا كاملة، ثم أتبعتها بداليته في التيم. واليائية خاصة قد جمع فيها جرير كل فنون الطبع والأداء كما ينبغي أن تتجلى في الوافر- التكرار الخطابي، والتقسيم، والطباق، والتلاعب باللفظ، والافتنان في الإطناب، ثم مع ذلك الإيجاز الذي لا بعده، والإتيان بأبيات كاملة مصمتة التركيب، لا تستطيع أن تبدأ بأولها ثم تقف في جزء منها بدون أن تخل بنظام الكلام، ولا تكاد تملك إلا أن تندفع فيها إلى الآخر، كأنما أراد الشاعر لتنشدها مسرعًا في نفس واحج. مثال ذلك قوله: ستهدم حائطي قرماء مني ... قوافٍ لا أريد بها عتابا وقوله: ترى الطير العتاق تظل منه ... جوانح للكلاكل أن تصابا ولعلما يُصلح هذا التمثيل أن أنشدك معه قطعة وافية من القصيدة. قال ﵀ (١): أعد الله للشعراء مني ... صواعق يخضعون لها الرقابا قرنت العبد عبد بني نمير ... إلى القينين إذ غلبا وخابا (٢) لبئس الكسب تكسبه نميرٌ ... إذا استأنوك وانتظروا الإيابا أتلتمس السباب بنو نمير ... فقد وأبيهم لاقوا سبابا أنا البازي المدل على نميرٍ ... أتحت من السماء لها انصبابا

стр. 412

إذا علقت مخالبه بقرنٍ ... أصاب القلب أو هتك الحجابا (١) ترى الطير العناق تظل منه ... جوانح للكلاكل أن تصابا (٢) انظر إلى تكرار «بني نمير» ثم إلى هذه الصورة (صورة البازي) التي تشبه نغم الشاعر في هولها وسرعتها، وتباين كل المباينة في أدائها المجازي ما قدم لك الشاعر من أداء خطابي. فلا صلى الإله على نميرٍ ... ولا سقيت قبورهم السحابا وخضراء المغابن من نُمير ... بشين سواد محجرها النقابا إذا قامت لغير صلاة وترٍ ... بعيد النوم أنبحت الكلابا تطلى وهي سيئة المعرى ... بصن الوبر تحسبه ملابا هذا من خبيث الهجاء، وعماده «التنكيت» وسرعة البديهة. وقد جلت نساء بني نمير ... وما عرفت أناملها الخضابا (٣) إذا حلت نساء بني نميرٍ ... على تبراك خبثت الترابا انظر إلى «جلت وحلت». ولو وزنت حلوم بني نميرٍ ... على الميزان ما وزنت ذبابا فصبرًا يا، تيوس بني نمير ... فإن الحرب موقدةٌ شهابا هذا كله خطابة وتهويل بالخواطر والبداهة، ومقارعة بالكلمات. ثم يدع جرير هذا المنهج جانبًا، ويرتفع فجأة إلى الشعر الصرف:

стр. 413

ستهدم حائطي قرماء مني ... قوافٍ لا أريد بها عتابا دخلن قصور يثرب معلماتٍ ... ولم يتركن من صنعاء بابا لقد كان الرجل يشعر بأنه مكتوب له الخلود، وأنه من العظماء- فأضفى جانبًا من اعتداده بنفسه على قومه وعصبيته: تطولكم جبال بني تميم ... ويحمي زارها أجمًا وغابا ولكن هذا الفخر لم يحن أوانه بعد، ولا تزال في الهجاء علالة مهرٍ أرنٍ. قد جارى وجوري: ألم نعتق نساء بني نمير ... فلا شكرًا جزين ولا ثوابا أجندل ما تقول بنو نمير ... إذا ما .... غابا ألم ترني صُببت على عبيدٍ ... وقد فارت أباجله وشابا (١) أعد له مواسم حاميات ... فيشفي حر شعلتها الجرابا فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابا أتعدل دمنةً خبثت وقلت ... إلى فرعين قد كثرا وطابا وحق لم تكنفه نمير ... وضبة لا أبالك أن يعابا فلولا الغر من سلفي كلابٍ ... وكعبٍ لاغتصبتكم اغتصابا فإنكم قطين بني سليم ... ترى برق العباء لكم ثيابا إذن لنفيت عبد بني نمير ... وعلي أن أزيدهم ارتيابا لقد هجا نميرًا ففضحها، ولكن أين هو من شعر عبيد بن حصين الراعي، وقد كان يعد شاعر مضر، أيتركه ويكتفي من هجاء فنه بهجاء عشيرته؟ كلا فقد كان

стр. 414

الرجل أحذق وأخبث من ذلك. وقد تعرض في الأبيات التالية لشعر الراعي، فأصاب منه مقتلاً: فيا عجبًا أتوعدني نُميرٌ ... براعي الإبل يحترش الضبابا ولم يكن عبيد يدعى بالراعي لأنه كان راعيًا -فالرعي كان من المهن الحقيرة لا يتعاطاه إلا الصبيان والإماء والعبيد- وإنما لقب هذا اللقب لحسن نعته للإبل والرعي. لعلك يا عبيد حسبت حربي ... تقلدك الأصرة والعلابا (١) إذا نهض الكرام إلى المعالي ... نهضت بعلبةٍ وأثرت نابا قد يخيّل لقارئ هذا الشعر أن جريرا أراد أن يهجو عبيدًا بمهنة الرعي، فهو لذلك يوازن بينه وهو يحمل قعبه ليحلب النوق، وبين الكرام الناهضين إلى المعالي. ولكن ليس هذا بقصد جرير. وإنما أراد أن يعيب شعر الرجل، وبين ناحية تقصيره في الفن والأداء والأغراض الشعرية، باتهامه بأنه لم يكن يحسن أن يقول في سوى الصر والحلب والعفاس وبروع، ولم يكن يقدر على تناول الأحداث الجسام بالوصف والتصوير، ولا مدح من حقه أن يمدح من السادة، ولا ذم من حقه أن يُذمّ من اللئام. والأبيات التالية توضح قصد جرير هذا أيما توضيح: تنوخها بمحنية وحينًا ... تبادر حد درتها السقابا (٢) وفي هذا إشارة لأوصاف الراعي للحلب. تحن له العفاس إذا أفاقت ... وتعرفه الفصال إذا أهابا

стр. 415

والعفاس: ناقة ذكرها الراعي في شعره حيث يقول: «أشلي العفاس وبروعا» وجرير في موضع آخر من دماغته يذكر «برووع» وينسب الراعي إليها، وذلك قوله: «وما حق ابن بروع أن يهابا» كأنه لا يجعل له أمًا ولا أبًا في دولة الشعر غير هذه الناقة التي أحسن وصفها وأشاد بذلك بنو نمير وأكبروه، كما أكبرت تغلب نونية عمرو بن كلثوم وهذا البيت الآتي يبين لك ذلك: فأولع بالعفاس بني نمير ... كما أولعت بالدبر الغرابا وخلاصة هذا النقد الذي وجهه للراعي أنه اتهمه بالتقليد والعكوف على أغراض البداوة، «والانحصار الفني» و «الإفلاس» العاطفي. وليس هذا الأمر بمجرد فرضٍ مني. ففي شعر الفرزدق ما يدل أنه هو أيضًا كان ينقم من طبقة الراعي وذي الرمة تقليدهم الشديد لشعر البداوة القديم. وقد ذكروا أنه لما سمع ذا الرمة ينشد حائيته في صيدح قال له: وداوية لو ذو الرميم يرومها ... بصيدح أودى ذو الرميم وصيدح قطعت إلى معروفها منكراتها ... وقد خب آل الأمعز المتوضح ولم يقصد الفرزدق بهذين البيتين إلى هجاء ذي الرمة في شخصه، وإنما عنى أن مثل كلام ذي الرمة في الصحراء، نوع من التقليد الذي لا يعجز عنه أحدٌ ممن يستقيم له الوزن إذ ليس أكثر من أن يذكر الآل المتوضح، ومعروفات الصحراء ومنكراتها كما كان يفعل الأوائل. فهذا هذا. ثم نرجع إلى ما كنا فيه من الاختيار. قال جرير: يرى المتعيدون علي دوني ... أسود خفية الغلب الرقابا (١) إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلها غضابا

стр. 416

ألسنا أكثر الثقلين رجلاً ... ببطن مني وأعظمه قبابا (١) وأجدر إن تجاسر ثم نادى ... بدعوة يال خندف أن يجابا هذا من الأبيات التي أوردها الشاعر لتلقى دفعة واحدة، وكأنه -مع ما كان يقصد إليه من التنويع الموسيقي- كان يريد من مثل هذه الأبيات أن تفصل بين غرض وغرض وأداء وأداء. وكثيرًا ما نجده ينتقل بأمثالها من أداء خطابي إلى آخر خيالي، ومن مجرد البلاغة، إلى بحبوحة الشعر- وانظر في الأبيات التي تلي ما قدمناه: لنا البطحاء تفعمها السواقي ... ولم يك سيل أوديتي شعابا فما أنتم إذا عدلت قرومي ... شقاشقها وهافتت اللعابا (٢) تأمل هذه الصورة- صورة الجمال المصاعب أزبدت وأخرجت شقاشقها وهدرت تنحٌ فإن بحري خندفي ... ترى في موج جريته حبابا بموجٍ كالجبال فإن ترمه ... تُغرق ثم يرم بك الجنابا ثم عدل جرير عن هذه الصور المهولة إلى الغناء الطليق العنان، وتعداد المآثر: علوت عليك ذروة خندفي ... ترى من دونها رتبا صعابا (٣) له حوض النبي وساقياه ... ومن ورث النبوة والكتابا

стр. 417

ومنا من يجيز حجيج جمع ... وإن خاطبت عزكم خطابا (١) ستعلم من أعز حمى بنجد ... وأعظمنا بغائرة هضابا أعزك بالحجاز وإن تسهل ... بغور الأرض تنتهب انتهابا أتيعر يابن بروع من بعيدٍ ... فقد أسمعت فاستمج الجوابا (٢) فلا تجزع فإن بني نمير ... كأقوام نفحت لهم ذنابا (٣) وهذا كلام مدل معتد بنفسه. ثم ألقى جرير بآخر ما عنده من صيحات النصر: شياطين البلاد تخاف زأري ... وحيه أريحاء له استجابا تركت مجاشعًا وبني نُمير ... كدار السوء أسرعت الحزابا ألم ترني وسمت بني نمير ... وزدت على أنوفهم العلابا (٤) إليك إليك عبد بني نمير ... ولما تقتدح مني شهابا وعسى أن تقول لي أيها القارئ الكريم: إنك اخترت أمثلة الوافر من شاعرين عرفا بالنقائض والخطابة في المربد. فهلا اخترت من غيرهما لتبين إن كان ما تذهب إليه من صفة طبيعية الوافر مذهبًا صائبًا. وهذا مأخذ لا أدفعه، على أني أزعم أن وافريات الشعراء الجيدة جميعها، يتصف نغمها وجرسها وموسيقاها بما قدمته لك في وصف وافريات هذين الشاعرين لاسيما جرير، مع التسليم بأن الشعراء مذاهبهم تختلف وأغراضهم تتباين.

стр. 418

وما عليك إلا أن تقرأ من المتنبي في المتأخرين ومن المهلهل وابن كلثوم وزهير ولبيد في المتقدمين، لتجد أن ما ذكرته لك من طريقة إلقاء الكلام على دفع، والإكثار من الإطناب والمطابقة هو المذهب اللفظي الغالب. اقرأ مثلاً للمتنبي: طوال قنا تطاعنها قصار و: ... ملومكما يجل عن الملام و: ... مغاني الشعب طيبًا في المغاني و: ... أحاد في سداس في أحاد (١) وغير هذه. واقرأ لأبي تمام (٢). سقى عهد الحمى سبل العهاد ... وروّض حاضر منه وباد واقرأ للبحتري: (٣) أكنت معنفي يوم الرحيل ... وقد جدّت دموعي في الهمول ولأبي العلاء (٤): أرى العنقاء أكبر أن تُصادا و: (٥) ... أعن وخد القلاص كشفت حالا وإن شئت المتقدمين فاقرأ للمهلهل (الأمالي): أليلتنا بذي حسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري

стр. 419

وللبيد قوله (ديوانه- أوروبا): ألم تلمم على الدمن الخوالي ولامرئ القيس قوله: وكل مكارم الأخلاق صارت ... إليه همتي وبه اكتسابي وقد طوّفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب أبعد الحارث الملك ابن عمروٍ ... وبعد الخير حجر ذي القباب (١) أرجيّ من صروف الدهر لينا ... ولم تغفل عن الصم الصلاب وأعلم أنني عما قريب ... سأنشب في شبا ظفر وناب كما لاقى أبي حجر وجدي ... ولا أنسى قتيلاً بالكلاب يعني شرحبيل بن الحارث عمه. وهذه الأبيات كما ترى فيها طبيعة الوافر جلية. وكذلك قوله (٢): أبعد الحارث الملك ابن عمرو ... له ملك العراق إلى عمان مجاورةً بني شمجي بن جرم ... هوانًا ما أتيح من الهوان ويمنعها بنو شمجي بن جرم ... معيزهم حنانك ذا الحنان والوافر لخفته وسرعته وقوته من أصلح بحور الشعر العربي للقطع. إذ القطعة تتطلب من الشاعر أن يحصر نفسه في غرضٍ واحدٍ، وأن ينفق كل ما عنده من بلاغة وحذق في أدائها. وهاك مثالاً من ذلك قول اللص الطائي وقد هرب من وجه عليّ بن أبي طالب (٣).

стр. 420

ولما أن رأيت ابني شميط ... بسكة تغلبٍ والباب دوني تجللت العصا وعلمت أني ... رهين مخيسٍ إن أدركوني العصا: فرسه، ومخيس: سجن عليّ. ولو أني لبثت لهم قليلاً ... لجروني إلى شيخ بطين شديد مجامع الأكتاف باقٍ ... على الحدثان مختلف الشئون وهذه الأبيات على قلتها قد جمعت من فنون الأداء في الوافر ضروبًا في الإحسان. البيت الأول كله دفعة واحدة. والثاني قريب منه، ويدخله الإطناب في قوله «إن أدركوني». والبيت الثالث يأخذ الشرط فيه شطرًا والجزاء شطرًا، والبيت الرابع مقسم. فانظر إلى هذا التدرج ولا يغب عنك مكان «النكتة» في البيت الثالث. ومن القطع الحسنة في الوافر قول الحماسي: فدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدقت فيهم ظنوني هم منعوا حنى الوقبي بضربٍ ... يقرّن بين أشتات المنون ولا يجزون من حسنٍ بسي ... ولا يجزون من غلظ بلين ولا يرعون أكناف الهويني ... إذا حلوا ولا أرض الهدون ومما يجري مجرى القطع في هذا الباب ما أجمع النقاد على اختياره من كلمة المثقب النونية - «أفاطم قبل بينك متعيني» - في وصف الناقة. وقد قال أبو عبيد البكري في سمط اللآلي إن المثقب خرج في هذه الأبيات من الوصف إلى المناجاة. وقد أحسن أبو عبيد في قوله هذا جدًا. والأبيات هي (١):

стр. 421

إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدًا وديني أكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقى عليّ أما يقيني فأبقى باطلي والجد منها ... كدكان الدرابنة المطين (١) ورحت بها تعارض مسبطرّا ... على صحصاحه وعلى المتون (٢) ويلحق بهذه الأبيات قوله: فإما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثي من سميني (٣) وإلا فاطرحني واتخذني ... عدوًا أتقيك وتتقيني وما أدري إذا يممت أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني وفي هذا البيت الأخير مجاز مرسل كريم، وهو نسبة الابتغاء إلى الشر، والشر لا يبتغي، وإنما المرء به الأعداء والجدود العواثر. ولله درّ الدكتور طه إذ يقول في حديث الأربعاء (١: ١٦٦): «وانظر إلى هذا البيت الأخير خاصة كيف صور الشاعر فيه أجمل تصوير مكر الأقدار بالناس، فهم يبتغون الخير حين يقصدون إلى أمر من الأمور، ولكن الشر كامن لهم، يرصدهم حينًا، ويسعى إليهم حينًا آخر، وهم لا يدرون أينتهون إلى ما يريدون من خير أم يقعون فيما يريدهم من شر. أهـ». ومن خير ما يستشهد به في التدليل على طبيعة نغم الوافر شعر ابن أبي ربيعة

стр. 422

الذي جاء في هذا الوزن. فقد ثبت عندك أيها القارئ وعند أكثر النقاد أن ابن أبي ربيعة ينهج نهج الحوار، ويصطنع المغازلة و «المشاغبة»، وهذا نهج تناسبه الأبحر القصار، ولا يكاد يُصلح له الوافر لما فيه من إسراع وتدفع وخطابة وإنشاء. وإنك إذ تقرأ وافريات ابن أبي ربيعة تلفيه يخالف فيها مذهبه المعهود كل المخالفة، حتى إنك لتلتمس شخصه الذي تعرف، فلا توشك أن تلم به، إلا متخفيًا دقيقًا يقارب أن يطل ولا يفعل. خذ مثلاً قوله في عائشة بنت طلحة: لعائشة ابنة التيمي عندي ... حمى في القلب، لا يُرعى حماها يُذكرني ابنة التيمي ظبيٌ ... يرود بروضةٍ سهلٍ رباها فقلت له وكاد يراع قلبي ... فلم أر قط كاليوم اشتباها سوى حمشٍ بساقك مستبين ... وأن شواك لم يشبه شواها (١) وأنك عاطل عارٍ وليست ... بعارية ولا عطلٍ يداها وأنك غير أفرع وهي تدلى ... على المتنين أسحم قد كساها ولو قعدت ولم تكلف بود ... سوى ما قد كلفت بها كفاها (٢) أي لو لم تسلب من القلوب سوى قلبي لكفاها ذلك، وهذا إما أن يحمل على غرور المخزومي، وإما على أنه كان قد بلغ من المحبة الغاية التي لا يستطيع أحد أن يربي عليها. أظل إذا أكلمها كأني ... أكلم حية غلبت رقاها تبيت إلى بعد النوم تسري ... ولو أمسيت لا أخشى سراها وهذا معنى لطيف- أي أرى خيالها حتى حين أرقد ولم تكن في بالي قبل الرقاد.

стр. 423

ولا يخفى عليك أيها القارئ أن مذهب هذه الأبيات ليس ما نعهده من مذهب ابن أبي ربيعة، ولا أرتاب في أن طبيعة الموسيقا الوافرية هي التي اضطرته أن يورد قوله على هذا الأسلوب، ويترك ما هو أقدر عليه، من المذهب الحواري والتلطف والتظرف ومجيء مثل هذه الأبيات من ابن أبي ربيعة كالشيء الشاذ ولذلك تستحسن لا لأنها غاية في ذاتها. فأرجو أن يقوي هذا عندك ما تقدمت إلي به آنفًا من أن بحر الوافر يتطلب أداء خاصًا. وهاك مثلاً آخر من ابن أبي ربيعة يؤيد ما زعمت [١: ١٤٥]: تقول وليدتي لما رأتني ... طربت وكنت قد أقصرت حينًا أراك اليوم قد أحدثت شوقًا ... وهاج لك الهوى داءً دفينًا وكنت زعمت أنك ذو عزاءٍ ... إذا ما شئت فارقت القرينا بربك هل أتاك لها رسول ... فشاقك أم لقيت لها خدينا - أي صاحبه فقلت شكا إلى أخٌ محب ... كبعض زماننا إذ تعلمينا فقص علي ما يلقى بهندٍ ... فذكر بعض ما كنا نسينا وذو الشوق القديم وإن تعزى ... مشوق حين يلقى العاشقينا وكم من خلة أعرضت عنها ... بغير قلي وكنت بها ضنينا أردت بعادها فصددت عنها ... ولو جن الفؤاد بها جنونا ومذهب هذه الأبيات أشبه بمذهب عروة بن أذينة، منه بمذهب المخزومي. اللهم إلا البيتين الرابع والخامس ولا سيما قوله: «كبعض زماننا إذ تعلمينا» فهذان فيهما لمحة من نفس ابن أبي ربيعة المألوف. أم ترانا نتوهم ذلك لطول ما عرفنا هذا الشاعر، ولا شك أن هذه الأبيات التسعة أدخل في سنخ الوافر من الهائية التي في ابنة طلحة، إذ لم ينظمها الشاعر بقصد الغزل، وإنما نظمها بقصد البكاء على الشباب

стр. 424

والتجمل والتصبر على ما فاته من لذاته. وفي البيتين الأخيرين ما يؤيد مزعم من يقولون بأن ابن أبي ربيعة تنسك في أخريات أيامه، لأن فيهما «رواقية» لا تخفى ولا سيما البيت الأخير. وافريات المعاصرين: الوافر من الأوزان الخصبة، إذ لم يخل من نظم حسن حتى في العصور المظلمة التي تلت سقوط بغداد. والمعاصرون يتعاطونه كثيرًا، ومنهم من ينسون أن له حقوقًا عليهم أهمها تجويد الأداء، وإعطاء التفعيلات نصيبها الوافي مما يلائمها من الألفاظ. فيوقعهم هذا النسيان في الأوابد. مثال ذلك قول أحمد رامي [الشعر المعاصر ٢٣٠]. نعم أهوى ولا أُخفي غرامي ... ومن شرف الهوى أني صريح وأما إن سئلت هل اصطفتني ... سكت فما استرحت ولا أريح والمعنى واضح، وقد حاول فيه الشاعر طباقًا فتعثرت عليه الألفاظ. ومن لي أن أقول تعلقتني ... وقلب الغانياث مدى فسيح وهذا اللت والعجن معناه: أتمنى أن تحبني، ولكن من يثق بحب الغواني؟ تلاقيني فتخلص لي نجيًّا ... وألمس حبها فيما يلوح وأراد الشاعر قوله: «فنخلص لي نجيا» أن يقتبس من القرآن: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ فأخطأ فهم الآية. وقوله: «ألمس حبها» استعارة أفرنجية، وشر منها قوله: «فيما يلوح» فهو هجين كودنٌ، مسلوخ من كليشهات الفرنجة النثرية. ومثال آخر قول إلياس قنصل [نفسه ٢٤٤]:

стр. 425

أنرضى بالهوان ونحن قوام ... ملأنا صفحة التأريخ فخرًا وهذا بيت مستقيم اللفظ. بلينا بالتخاصم وهو داءٌ ... عضال ينخر الأخلاق نخرًا ولا أعلم «نخر» فعلاً متعديًا في اللغة، وإنما يقال نخر العظم: أي بلى، ونخرت العشية: أي تفتتت، ونخر الرجل ينخر نخيرًا، والنخير أخو الشخير. ولا تقل لي مثل هذا النقد «فقهي» - فهذا إما نظم بالعربية الفصيحة وإما بسواها. فإن كان بالفصيحة وهذا ما يزعم مؤلفه وناقدوه فاللحن فيها في نحو أو صرف هجنة لا تغتفر. ثم قال: فأنهكنا وغادرنا شعوبًا ... ممزقة تجر الغل جرا وهذا تخليط- إذ ليس بعد التمزيق إلا البلى المحض. ومثل هذا الكلام قد يقبل من تلميذ يعالج الشعر. أما من شاب أو كهل يجسر على نشر شعره فلا. ونحن أمام غاصبنا سجود ... ننفذ أمره سرًا وجهرًا فهذا كلام «ساذج» شبيه بكلام الصحف الركيك، لا سيما قوله «ننفذ أمره». وآبدة الأوابد قول إلياس: قيود الذل فلتكسر ويكفي ... على حمل الأذى والذل صبرا ولا أدري ما معنى قوله «صبرًا» ولا موقعه من الأعراب -وكأنه أراد أن يقول وكفانا ما صبرناه على الأذى إلخ- وعلى هذا فالواجب رفع الصبر، ونصبه لحن. ويزيد هذا اللحن قبحًا، وقوعه بعد قوله «قيود الذل فلتكسر» وهو تركيب قديم المنحى، مثله قول الآخر:
следующие страницы →