ألا يرى القارئ أن إعادة "على أن ليس الخ" إنما هي رنة لفظية قوية، كررها الشاعر ليصل بها الكلام، ويبالغ في جرسه. أم ليس في ورود هذا التكرار- منتحلا كان أو أصيلا- في شعر المهلهل وشعر الحارث بن عباد اليشكري حيث يقول:
قربا مربط النعامة مني ... قرباها وقربا سربالي
قربا مربط النعامة مني ... إن قتل الرجال بالشسع غال
وهو معاصر للمهلهل، ما يدل على أن هذا المنهج من التكرار كان حينئذ طريقًا مهيعًا؟
ونجد في أشعار هذيل- وهي حاوية لأوابد قليل نظيرها في غيرها من أشعار العرب أمثلة متعددة من هذا النوع من التكرار النغمي المراد به تقوية الجرس، والمذهوب به مذهبا قريبا من مذهب Refrain الإفرنجي. من ذلك قول أبي المثلم الهذلي يخاطب قرنه صخر الغي:
يا صخر ان كنت ذا بز تجمعه ... فإن حولك فتيانا لهم خلل (١)
أو كنت ذا صارم عضب مضاربه ... صافي الحديدة لا نكس ولا جبل (٢)
وسمحة من قسي النبع كاتمة ... مثل السبيكة لا ناب ولا عطل (٣)
стр. 597
يا صخر فالمرء يستبقي عشيرته ... قنية ذي المال وهو الحام البطل (١)
يا صخر يعلم يومًا أن مرجعه ... وادي الصديق إذا ما حلت الجلل (٢)
يا صخر ويحك لم عيرتني نفرا ... كانوا غداة صباحٍ صادقٍ قتلوا (٣)
يا صخر ثم سعي إخوانهم بهم ... سعيا حثيثًا فما طلوا ولا خملوا
بمنسر مصع يهدي أوائله ... حامي الحقيقة لا وإن ولا وكل (٤)
مشمر وله في الكف محدلة ... وأصمع نصله في الكف معتدل (٥)
يكاد يدرج درجًا أن يقلبه ... مس الأنامل صات قدحه زعل
يا صخر، وراد ماء قد تمانعه ... سوم الأراجيل حتى جمه طحل (٦)
стр. 598
يا صخر جاء له من غير مورده ... بصارمين معا لم يثبه وجل
يا صخر خضخض بالصفن السبيخ كما ... خاض القداح قمير طامعٌ خصل (١)
يا صخر ثم استقى ثم استمر كما ... يمشي السبنتي سروب ظهره خضل (٢)
يا صخرهم يبعثون النوح منقطع ال ... لميل التمام كما تستوله العجل (٣)
فيهم طعان كسفع النار مشعلة ... إذا معاشر في واديهم تبلوا (٤)
تأمل تكرار "صخر" هنا مع يا النداء، كيف جاء به الشاعر في عرض سياقه، حتى أنك لو حذفته، ما تأثر السياق بشيء. فهل تحسب أن تكرار الشعر لهذا الاسم على هذا المنهج جيء به لمجرد الخطابة، أم هو تكرار مساير للوزن، مقو للنغمة، فيه نفحة من نفحات أسلوب شاعري قديم كان يقع فيه التكرار أكثر من هذا.
ولعله يجوز لنا أن نلحق بهذا النوع من التكرار الترنمي الجاري مجرى refrain
نحو قول امرئ القيس في المعلقة:
стр. 599
فيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل (١)
كان الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل
فأنا أحسب أن الشاعر هنا أراد أن يكرر عجز البيت السابق، ثم نفر من لفظه إلى لفظ آخر خشية أن يقع في الإيطاء. ولا أحسبه أراد إلى مجرد تكرار المعني.
وأوضح من هذا قول لبيد في المعلقة:
فتنازعا سبطا تطير ظلالة ... كدخان مشغلة يشب ضرامها
مشمولة غلثت بنابت عرفج ... كدخان نار ساطع أسنامها
فهذا أدخل في سنخ التكرار النغمي من الأول. وليبد يصف هنا الحمار الوحشي وأتانه وهما مجدان في السير، وقد تنازعا غبارا طويلا يلقي ظلاله على الأرض، هذه الظلال تشبه دخان نار مشعلة قد غلثت: أي خلطت بنايت عرفج أخضر، فعلا دخانها، وارتفعت اسنامه.
ألا ترى أن لبيد أعاد قولة "كدخان نار ساطع أسنامها" لا لتأكيد المعني كما قد يتبادر إلى الذهن، وانما لتأكيد نغمة الشطر السابق عند قوله "كدخان مشغلة" وكأنه أعجبه ذلك الشطر فأراد أن يتلذذ بإعادته، وإن كان ذلك بلفظ مخالف شيئا فعل هذا يبين لك ما زعمناه من أن امرأ القيس كرر تشبيه الثريا بأنها مربوطة إلى صخور يذبل، بغرض التلذذ بالنغم.
هذا، وسوى هاته الأصناف من التكرار الواضح أنها من أسآر نوع قديم من النظم، شيبه بتكرار الأبيات الذي نجده في الاشعار المعاصرة وفي نظم الأوروبيين،
стр. 600
تلفى أنواع كثيرة من التكرار قريبة النسب منها، ترى صغبة النغم أوضح فيها وأقوى من صبغة الخطابة والإنشاء. تأمل مثلا قول جرير (١):
متى كان الخيام بذي طلوح ... سيقت الغيث أيتها الخيام
تنكر من معارفها ومالت ... دعائمها وقد بلي الثمام (٢)
تغالي فوق أجرعك الخزامي ... بنور واستهل بك الغمام (٣)
مقام الحي مر له ثمان ... إلى عشرين، قد بلي المقام
أقول لصحبتي لما ارتحلنا ... ودمع العين منهر سجام (٤)
أتمضون الرسوم ولا تحيا ... كلامكم علي إذن حرام (٥)
بنفسي من تجنبه عزيز ... علي ومن زيارته لمام (٦)
ومن أمسى وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النيام (٧)
أليس لما طلبت فدتك نفسي ... قضاه أو لحاجتي انصرام (٨)
فدى نفسي لنفسك من ضجيع ... إذا ما التج بالسنة المنام (٩)
стр. 601
أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامةٍ شقي البشام (١)
تركت محلئين رأوا شفاءً ... فحاموا ثم لم يردوا وحاموا (٢)
فلو وجد الحمام كما وجدنا ... بسلمانين لاكتأب الحمام (٣)
انظر إلى تكرار الخيام في البيت الأول، والمقام في الرابع والشام في الحادي عشر والجناس التام في البيت الثاني عشر (وهو هنا من قبيل التكرار) والحمام في اليت الثالث عشر. ثم انظر إلى قوله "بنفسي" في البيت السابع، وقوله "فدى نفسي لنفسك" في البيت العاشر -ألا تجد هذا التكرار كله أنما عمد فيه الشاعر إلى تقوية الوزن، وزيادة رنة اللفظ، بالاقتصاد في الكلمات، عن طريق إعادة كلمة واحدة او أكثر منها، وكأنه يرتغ ألا تذهب عنك رنة الوزن وجلجلة اللفظ تحت ثقل كلمات كثيرة متباينة إذا هو لم يعمد لى الترديد والإعادة؟ ألا تجد قول جرير: "سقيت الغيث أيتها الخيام"، وقوله "سقى البشام" كأنما هو تقطيع للوزن وترجيح نغمي محض، وأحسب أنه لو لم يكن في نحو هذا النوع من التكرار زيادة في الأداء وحلاوة في المعنى والنغم، ما كان تردد جرير أن يضع مكانه مثلًا: ترم تم تم، ترم تمتم ترامو. أو شيئًا من هذا المجرى ليكمل الوزن بالتقطيع!
والنوع البديعي الذي يسميه قدامة بالتوشيح (٤) وتابعه على ذلك أبو هلال يدخل تحت صنف التكرار النغمي. وحده عند قدامة "أن يكون أول البيت شاهدّا
стр. 602
بقافيته، ومعناها متعلقا به حتى أن الذي يعرف القصيدة التي البيت منها إذا سمع أول البيت عرف آخره وبانت له قافيته" وتمثل قدامة بقول الراعي:
وإن وزن الحصى فوزنت قومي ... وجدت حصى ضريبتهم رزينا (١)
وقول العباس بن مرداس:
هم سودوا هجنا وكل قبيلةٍ ... يبين عن أحسابها من يسودها
وقول مضرس بن ربعي:
تمنيت أن ألقي سليما ومالكا ... على ساعةٍ تنسي الحليم الأمانيا
وزاد أبو هلال:
ضعائف يقتلن الرجال بلا دمٍ ... ويا عجبًا للقائلات الضعائف
وقول نصيب:
وقد أيقنت أن ستبين ليلى ... وتحجب عنك لو نفع اليقين
ومما تمثل به أيضًا قول البحتري:
فليس الذي حللته بمحللٍ ... وليس الذي حرمته بحرام
وهذا الشاهد لا يدخل فيما نحن فيه بشيء، لأنه لا إعادة فيه، وإنما فيه الطباق وعندي أن أبا هلال وقدامة كلاهما قد أخطأ من حيث جعلا إمكان معرفة القافية مقياسا يقيسان به فتكرار الحصى في بيت الراعي و"سودوا" و"يسودها" في بيت العباس و"تمنيت" و"الأمانيا" في بيت ابن ربعي و"الضعائف" و"اليقين" في الأبيات التي استشهد بها أبو هلال، كل ذلك لافتٌ في حد ذاته، بعض
الطرف عن كونه دالا على القافية أولًا. وقد اضطرت قاعدة القافية أبا هلالٍ أن يستشهد ببيت البحتري في ضمن ما أستشهد به، وبيت البحتري كما قد لمحنا، شاهدٌ في الطباق، وأن يستشهد ببيت المتنبي "فقلقلت بالهم" وهو أدخل في باب التجنيس.
وقد فطن ابن رشيق إلى ضعف الاستشهاد بسهولة معرفة القافية وحده. فأدخل التوشيح في باب التصدير (٢) وهو الباب الذي سماه أبو هلال: رد الأعجاز على الصدور (٣) والعجب لأبي هلال كيف أفرد في كتابه بابين، أحدهما للتوشيح، والآخر لرد الأعجاز على الصدور، ولا يكاد القارئ يتبين فرقا بين البابين- وهاك دليلا على ذلك بعض ما تمثل به من الأبيات، قول أحدهم:
تلفى إذا ما الأمر كان عرمرما ... في جيش رأيٍ لا يفل عرمرم
стр. 603
وقول عنترة:
فأجبتها إن المنية منهل ... لا بد أن أسقى بذاك المنهل
ألا ترى أن هذا يمكن إدخاله تحت قاعدة التوشيح؟ والذي زاده أبو هلال في حديثه عن رد الأعجاز على الصدور، أنه زعم أن سلوكه واجبٌ ينبغي ألا يحيد عنه الكتاب. قال: "فأول ما ينبغي أن تعلمه أنك إذا قدمت ألفاظًا تقتضي جوابًا، فالمرضي أن تأتي بتلك الألفاظ في الجواب، ولا تنتقل عنها إلى غيرها مما هو في معناها، كقول الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] الخ. وقد ند عن أبي هلال أنه قد يكون من المرضي الخروج عن الألفاظ المتقدمة، كما يكون من المرضي اتباعها، مثال ذلك، قول معن بن أوس (من أبيات الحماسة):
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران لو كان يعقل
стр. 604
فقوله "لو كان يعقل" هنا لا يمت إلى ما سبق بصلة لفظية، وإنما طلبه المعنى واحتاج إليه.
وقد وفق ابن رشيق حين بسط العبارة وجعلها شاملة في معرض حديثه عن التصدير وذلك قوله: "هو أن يرد أعجاز الكلام على صدوره، فيدل بعضه على بعض، ويسهل استخراج قوافي الشعر إذا كان كذلك، وتقتضيها الصنعة، ويكسب البيت الذي يكون فيه أبهة، ويسكوه رونقا وديباجة، ويزيده مائية وطلاوة". فأنت ترى هنا أن ابن رشيق يدرك قوة الصلة بين القوافي وبين ترديد الكلمات من الأعجاز إلى الصدور، ويفهم ارتباط ذلك كله بنغم البيت. إلا أنه لا يجعل سهولة معرفة القافية قاعدة وأصلًا يفهم به جوهر هذا الضرب من البديع. وإنما يكتفي بأن يذكر أن هذا النوع من البديع يسهل استخراج القوافي، ويجعلها شديدة الانتساب إلى سائر لفظ البيت. وهذه العبارة كما ترى أدق من عبارتي قدامة وأبي هلال.
غير أن ابن رشيق يهم وهمًا شديدًا، حين يسمح لنفسه أن ينزلق في دحض قدامة وأبي هلال، فيخص التصدير بالقوافي ويذكر أن له أخًا اسمه الترديد (١)، غير مختص بالقوافي. ولو تأمل المرء حقيقة الترديد كما ذكره اين رشيق ود أنه من صنف التكرار اللاحق بالمعاني لا النغم، وسنفصل الحديث عنه إن شاء الله فيما بعد.
ولعل القارئ قد تبين مما تقدم اضطراب المصطلحات التي اصطلحها قدامة وأبو هلال وابن رشيق على ما بينهم من التفاوت في الدقة والإصابة. ذلك بأنهم غفلوا جميعًا عن طبيعة التكرار من حيث هو تكرار، والطاق من حيث هو طباق، والجناس من حيث هي صياغة فالبيت الذي يجدون فيه قافية ترجع إلى صدر البيت أو كلمة من عجزه زعموا
стр. 605
أن فيه تصديرًا. والذي يشعر أوله بمقطعه وتركيبه بقوا فيه، زعموا أن فيه توشيحا- على حد تعبير قدامة وأبي هلال. والذي يشبه قول زهير:
من يلق يومًا على علاته هرمًا ... يلق السماحة منه والندى خلقا
زعموا أن فيه ترديدا. وما كان أغنانا عن هذه المصطلحات الكثيرة التي تحوم كلها حول سنخ واحد، ولا نفيد إلا تكثير المصاعب أمام الباحث والطالب. والذي أراه أن النوشيح ورد الأعجاز على الصدور كليها (١) داخلان فيما وسمناه بالتكرار النغمي، المراد به تقوية الجرس. وهما من هذه الجهة من قبيل التكرار الذي في شعر أبي المثلم والمهلهل، وأصله في زعمنا، أسلوب قد اندثر من أساليب النظم كان يلتزم فيه الشعراء إعادة الأشعار والأبيات على نحو قريب من Refrain التي عند الغربيين.
ومن أجود الشعراء تكرارًا جرير. وقد رأيت مثالا من نظمه هنا. وقد ذكرنا لك ميميته في هشام، ودماغته في بني نمير. ولعلك تذكر أيها القارئ كيف افتن جرير في تكرار "بني نمير" في البائية، وكيف ردد قوله "أمير المؤمنين في الميمة" (٢) وهاك مثالًا آخر من تكراره الذي يلعب فيه بالألفاظ لعبا (٣):
ألا حي الديار وإن تعفت ... وقد ذكرن عهدك بالخميل
وقد خلت الطلول من آل ليلى ... فما لك لا تفيق عن الطلول
لقد شعف الفؤاد غداة رهبى ... تفرق نية الأنس الحلول
стр. 606
إذا رحلوا جزعت وإن أقاموا ... فما يجدي المقام على الرحيل
أخلاي الكرام سوى سدوس ... ومالي في سندوسٍ من خليل
وقد علمت سدوس أن فيها ... منار اللؤم واضحة السبيل
إذا أنزلت رحلك في سدوسٍ ... فقد أنزلت منزلة الذليل
فما أعطت سدوس من كثيرٍ ... ولا حامت سدوس عن قليل
ومن أسد المتأخرين طريقة في التكرار النغمي أبو عبادة البحتري، وكأنه كان ينظر من طرف خفي إلى ترنم جرير، ويحاول أن يسلك مسلكه. خذ قوله مثلا (١):
شوق إليك تفيض منه الأدمع ... وجوي عليك تضيق عنه الأضلع
وهوى تجدده الليالي كلما ... قدمت وترجعه السنون فيرجع
إني وما قصد الحجيج ودونهم ... خرق تخب به الركاب وتوضع (٢)
أصفيك أقصى الود غير مقللٍ ... إن كان أقصى الود عندك ينفع
وأراك أحسن من أراه وإن بدا ... منك الصدود وبان وصلك أجمع
يعتادني طربي إليك فيغتلي ... وجدي ويدعوني هواك فأتبع
كلفًا بحبك مولعًا ويسرني ... أني امرؤ كلف بحبك مولع
ألا ترى حرص البحتري هنا على الترنم وتأكيد النغم، والتلذذ بترديده وإعادته؟ دع عنك تكراره "لترجع" في البيت الثاني و"أرى" في البيت الخامس وانظر إلى قوله "أصيفك أقصى لود" في صدر الرابع، وقوله "إن كان أقصى الود" في عجزه؛ وإلى قوله: "كلفا بحبك مولعا" في صدر السابع وقوله "كلفٌ بحبك مولع" في عجزه. فهذان التكراران، مع اشتمالهما على لون عاطفي خطابي، أوضح
стр. 607
شيء فيهما إراغة الترنم والتنغيم والاستمتاع بموسيقا التفعيلات، وإظهار الانسجام بينها وبين لفظ البيت وكلماته المؤلفة.
وهاك مثلا م شعره؛ قاله في إبلال الفتح بن خاقان من علة كانت ألمت به (١):
دفاع الله أقر منا ... نفوسًا جد طائشة العقول
وصنع الله فيك أزال عنا ... ترجح ذلك الحدث الجليل
وذاك لغيبك المأمون سرًا ... وظاهر فعلك الحسن الجمل
وما تكفيه من خطبٍ عظيمٍ ... وما توليه من نيلٍ جزيل
وقد كان أبو الطيب المتني ﵀ ممن يكثرون من التكرار الترنمي، ويحذقونه غاية الحذق، وكان لشدة حرصه عليه، ربما تكلف له الكلف أحيانا، فأسقطه ذلك في الدهارس. مثال ذلك قوله (٢):
قبيل أنت أنت، وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام
فحرص المتنبي هنا على تكرار النغم أوقعه في آبدة نحوية، وذلك تأخيره واو الاستئناف عن موضعها، وكان وجه الكلام أن يقول، قبيل أنت أنت، وجدك كذا وكذا، ولو كان أورد قوله هكذا لجاء مستقيما. ولكن الوزن لم يمكنه فاضطرا إلى التقديم والتأخير. فالعيب هنا ليس من التكرار نفسه، وإنما من التعقيد في التركيب. ويجري هذا المجرى قوله من كلمة أخرى (٣):
جفخت وهم لا يجفخون بهابهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل
стр. 608
فالتقديم والتأخير في هذا البيت هو سبب الاضطراب. وكذلك ما فعله في قوله (١):
فتبيت تسئد مسئدًا في نيها ... إسادها في المهمه الإنضاء
وغرضه أن يقول: إن الإنضاء، وهو التعب الشديد والضعف يبيت مسئدا (٢)
وساريا في لحمها، فيننقصه ويأكله، كما تسئد هي في المهمه وتنتقصه من أطرافه بالسير المغذ المجد. وهذا البيت ينظر إلى قول أبي تمام:
رعته الفيافي بعد ما كان حقبةً ... رعاها وماء الروض ينهل ساكبه (٣)
وآفة بيت المتنبي كما ترى من تعقيد التركيب لا من التكرار. وللمتنبي بعد في التكرار النغمي آيات لا تجاري، ويزيدها قوة على قوتها ما يحالفها من الأغراض الأخر الكثيرة غير مجرد الترنم، مما يراد إليه بالتكرار في الشعر الرصين الجزل.
خذ مثلا قوله (٤):
ما لي أكتم حبًا قد برى جسدي ... وتدعي حب سيف الدولة الأمم
إن كان يجمعنا حب لغرته ... فليت أنا بقدر الحب نقتس
قد زرته وسيوف الهند مغمدة ... وقد نظرت إليه والسيوف دم
فكان أحسن خلق الله كلهم ... وكان أحسن ما في الأحسن الشيم
فوت العدو الذي يممته ظفر ... في طيه أسفٌ في طيه نعم
تأمل تكرار كلمة "الحب" في البيتين الأولين. وانظر كيف تعمد الشاعر أن
стр. 609
يجعل هذا اللفظ عند النصف الأول من شطي البيت الأول. ثم كيف عكس هذا التركيب بجعل موضع اللفظ في اول النصف الثاني من كلا شطري البيت الثاني. وهذا توفيق غريب لا يجئ إلا بملكة نادرة، وطبعٍ قوي، وإدراك لأصول الصناعة وأسرارها. ولا يخفى ما قصد إليه أبو الطيب من التغني بكلمة الحب في هذه الأشطار الأربعة. ثم انظر في البيت الخامس، كيف جسر الشاعر على إعادة لفظتين معا، وكرر إحداهما ثلاث مرات، وذلك قوله: "فكان أحسن"، ثم قوله: "الأحسن" في الشطر الثاني. وبتوفيق نادر تأتي له أن يحدث تكراره في النصف الأول من كل شطر، قبيل تمام التفعيلة بسبب خفيف واحد؛ ثم بعد أن تدرج بالسامع كل هذا التدرج، من كلمة واحدة تكرر عند نصف البيت، إلى كلمتين تترددان بين الصدر والعجز، جسر على المجيء بالتكرار دفعة واحدة في شطر واحد، وذلك قوله:
في طيه أسف في طيه نعم
ولا أحسب أن في الشع العربي أمثلة كثيرة ترن فيها تفعيلات البسيط هذا الرنين المدوي المستتر في نفس الوقت وراء "تكرارات" بارعة، شبيهة بالخطابية، يلقي بها الشاعر وكأنه غير مكترث.
والمتنبي تجده يستطيع الإتيان بهذا النوع من التكرار الترنمي في كل بحر يرده وكل وزن يتعاطاه، وهو من هذه الجهة يربي على كلا البحتري وجرير، اللذين لأكثر ما تجدهما يكرران في الوافر والكامل.
وهاك مثالا من تكار المتنبي في الطويل، قال يمدح سيف الدولة (١):
ولا كتب إلا المشرفية عنده ... ولا رسل إلا الخميس العرمرم
فلم يخل من نصرٍ له، من له يد ... ولم يخل منشكرٍ له، من له فم
стр. 610
ولم يخل من أسمائه عود منيرٍ ... ولم يخل دينار ولم يخل درهم
ضروب وما بين الحسامين ضيق ... بصير وما بين الشجاعين مظلم
تباري نجوم القذف في كل ليلة ... نجوم له منهن ورد وأدهم (١)
يطأن من الأبطال من لا حملنه ... ومن قصد المران ما لا يقوم (٢)
فهن مع السيدان في البر عسل ... وهن مع النينان في الماء عوم (٣)
وهن مع الغزلان في الواد كمن ... وهن مع العقبان في النيق حوم (٤)
إذا جلب الناس الوشيج فإنه ... بهن وفي لباتهن يحطم (٥)
بغرته في الجرب والسلم والحجا ... وبذل اللها والحمد والمجد معلم (٦)
يقر له، بالفضل من لا يوده ... ويقضي له، بالسعد من لا ينجم
أجار على الأيام حتى ظننته ... تطالبه بالرد عاد وجرهم (٧)
стр. 611
ضلالًا لهذي الريح ماذا تريده ... وهديًا لهذا السيل ماذا يؤمم (١)
ألم يسأل الوبل الذي رام ثنينا ... فيخبره عنك الحديد المثلم
ولما تلقاك السحاب بصوبه ... تلقاه أعلى منه كعبًا وأكرم
فباشر وجهًا طالما باشر القنا ... وبل ثيابا بلها الدم
تلاك وبعض الغيث يتبع بعضه ... من الشام يتلو الحاذق المتعلم (٢)
فزار التي زارت بك الخيل قبرها ... وجشمه الشوق الذي تتجشم
ولما عرضت الجيش كان بهاؤه ... على الفارس المرخي الذؤابة منهم (٣)
حواليه بحر للتجافيف مائج ... يسير به طود من الخيل أيهم (٤)
تساوت به الأقتار حتى كأنه ... يجمع أشتات الجبال وينظم
وكل فتى للحرب فوق جبينه ... من الضرب سطر بالأسنة معجم (٥)
يمد يديه في المفاضة ضيعم ... وعينية منتحت التريكة أرقم (٦)
كأجناسها راياتها وشعارها ... وما لبسته والسلاح المسمم
وأدبها طول القتال فطرفه ... يشير إليها من بعيد فتفهم
стр. 612
تجاوبه فعلا وما تعرف الوحي ... ويسمعها لحظًا وما يتكلم (١)
تجانف عن ذات اليمين كأنها ... ترق لميافارقين وترحم (٢)
ولو زحمتها بالمناكب زحمةً ... درت أي سورينا الضعيف المهدم
على كل طاوٍ تحت طاوٍ كأنه ... من الدم يسقى او من اللحم يطعم (٣)
لها في الوغي زي الفوارس فوقها ... فكل حصان دارعٌ متلثم
وما ذاك بخلا بالنفوس على القنا ... ولكن صدم الشر بالشر أحزم
فهذه الأبيات قد جمع فيها المتنبي ضروبا من البديع والتحسين، كالتقسيم، والطباق ولكن التكرار عماد الجرس وأساسه هنا ولا سيما في الأبيات الأولى خذ قوله:
فلم يخل من نصرٍ له من له يد ... ولم يخل من شكر له من له فم
ولم يخل من أسمائه عود منبرٍ ... ولم يخل دينار ولم يخل درهم
تأمل أولًا الترصيع (٤) في البيت الأول، والترصيع هو السجع في داخل حشو البيت تجد هذا الترصيع مجاريا للوزن ومقويا له، إذ السجعة تأتي عند الربع من البيت والنصف من كلا شكريهن هكذا:
فلم يخل من نصرٍ
فعولن مفاعيلن
стр. 613
فلم يخل من شكرٍ
فعولن مفاعيلن
ثم إنك تجد هذا الترصيع المجاري للوزن إنما هو جزء من تكرارٍ طويل ليس مجاريًا للوزن، هكذا:
فلم يخل من نصرٍ له من له
فعولن مفاعيلن فعل فع فعل
فلم يخل من شكر له من له
فعولن مفاعيلن فعل فع فعل
فهذا التباين بين مجاراة الترصيع للوزن، ومعارضة التكرار له، ذو أثر قوي في ريادة الرنين وتنويعه. وإذا تأملت البيت الثاني، وجدت أن الشاعر قد اكتفى بتكرار "ولم يخل من" وحدها، واستغنى عن الترصيع في صدره؛ وكأنه قصد إلى أن يهبط بموسيقا شعره عن حالة الجلجلة التي كانت عليها؛ وكأنه يخشى أن يكون في هذا الهبوط مفاجأة للسامع، فهو يلجأ في العجز إلى شيء قريب من الترصيع الذي رأيناه في البيت الأول، وذلك بقسمته نصفين هكذا:
ولم يخل دينار. ... ولم يخل درهم
فعولن مفاعيلن. ... فعولن مفاعلن
ولا أحسبك أيها القارئ الكريم قد خفي عنك موضع التدرج في التكرار، من جملة طويلة توشيك أن توازن نصف بيت هكذا: "ولم يخل من نصرٍ له من له" إلى قريب من نصفها "ولم يخل من" إلى قطعة منها واحدة موازنة لتفعيلة طويلة "فعولن" على وجه التقريب وهي "ولم يخل". ومثل هذا التكرار التدرجي في البراعة تدرج المتنبي من تقسيم ذي ترصيع سجعته في أرباع الأبيات، إلى تقسيم بلا
стр. 614
ترصيع حده شطر البيت، ثم الرجعة بعد ذلك إلى تقسيم بلا ترصيع يقف عند أرباع الأبيات. والفرق بين التدرجين أن أحدهما منحدر والآخر ملفوف. وترى صدق ذلك إن مثلته برسم بياني.
هذا، وفي الأبيات: "ضروب وما بين الحسامين"، "تبارى نجوم القذف"، "يطأن من الأبطال"، اكتفى الشاعر بتكرار كلمة من صدر البيت في عجزه، (ما بين) في الأول، (نجوم) في الثاني، (ومن لا) في الثالث. وهذا كما ترى هبوط من ذلك التكرار الشديد الذي في البيتين الأولين.
ثم يرجع المتنبي بعد هذا إلى تكرار أخف وأخفى من هذا، مداره على ضمير النسوة (هن) معادًا عند رأس كل شطر. وإذ بلغ المتنبي هذا الضرب الخفيف الخفي من التكرار، تطرق منه إلى ترك التكرار، واستعمال أصنافٍ بديعية منه كالمترادفات والمتزاوجات. ثم يترك هذه أيضًا ويستعمل لفظا خاليا من الصناعة التحسينية، ليس فيه غير الوزن وجرد الصياغة النحوية، وهو قوله:
ألم يسأل الوبل الذي رام ثنينا ... فيخبره عنك الحديد المثلم
وهنا يكون قد بعد كل البعد عن تلك الموسيقا المتداخلة المتشعبة التي كان قد بدأ بها عند قوله: "فلم يخل من نصرٍ الخ". ويختار الشاعر هذه اللحظة التي بعد فيها هذا البعد عن التكرار وما يصحبه من رنة وجرس، ليرجع إليه في شيء من التدرج. فيكرر الفعل "تلقاك" و"تلقاه" في الصدر والعجز. ثم "باشر" مرتين في الصدر، و"بل" مرتين في العجز. ويكفي بعد ذلك "بتلا" و"يتلو" ثم يرجع إلى التكرار فيكرر "زار" في الصدر، و"جشم" في العجز. ثم يترك المتنبي التكرار مختارا أول الأمر بيتًا لا صناعة فيه، هو:
ولما عرضت الجيش كان بهاؤه ... على الفارس المرخي الذؤابة منهم
стр. 615
وهذا يذكرنا بقوله "ألم يسأل"، ثم عامدًا من بعد إلى نوع من التقسيم، حتى إذا خيل إلينا أنه قد ثسي التكرار مرة واحدة وهجره مليا، إذا هو يرجع إليه في نوع من خفية ولطف تأب: أولا يعيد، "وما| في قوله "تجاوبه فعلا الخ"، ثم بعد ثلاثة أبيات يأتي بلفظين قويتين مكررتين في شطر واحد، وذلك قوله:
"على كل طاوٍ تحت طاو"
ويلتزم هذا النوع من التكرار في قوله "الشر بالشر" و"أصلط أصلها".
هذا، والذي يتبع تكرار المتنبي في هذه القصيدة يجد فيه غرائب من الصناعة، يعينها الطبع الصافي المصقول.
وإذ قد يرى القارئ أن الغرض الذي نظمت له هذه الأبيات التي قدمناها، إنما هو غرض حربي، كأكثر سيفيات المتنبي، فإنه لا يملك إلا حسن الثناء على ما تخيره الشاعر لكرمه (مع اللفظ الجزل، والوزن الجليل) من هذا التكرار المتباعد المتقارب الذي هو أشبه شيء بتكرار دق الطبول، وتجاوب الصهيل، وتصايح الأبطال، وزمجرة الرجال. ولا يخفى أن الموسيقا التي تصاحب مثل هذا النوع من الكلام موسيقا حربية الطابع. والتكرار المتأتي له هومن خير ما يصلح لإبراز هذه الموسيقا وتأتي المتنبي هنا في الغاية العليا، من تخير اللفظ، وتنويع طرق التكرار، والافتنان فيها. ولا أشك أن أبا الطيب كان قد راض نفسه رياضة شديدة على استعمال أسلوب التكرار والدربة به. وإلا فكيف تيسر له أن يجئ بمثل هذه لأصناف المتقنة التي شهدت منها أمثلة في الأبيات السابقة؟ فقصارى الذي يستطيعه الطبع الصافي، هو أن يوفق إلى أنواع حلوة من التكرار في البحور التي تتقبل ذلك في يسر وسهولة، مثل الوافر والكامل، وهذا ما نجده عند جرير والبحتري. وأما أن يجئ التكرار خفي المداخل، متشعب الأصناف، لا في الكامل ولا البسيط وحدهما،
стр. 616
ولكن في الطويل كالأمثلة التي ذكرناها، وفي الخفيف كأنواع التكرار التي نجدها في كثير من أبيات:
"ذي المعالي فليعلون من تعالى"
"مالنا كلنا جوٍ يا رسول"
وفي المنسوخ، وسوى ذلك من البحور، وأن يجئ أيضًا لا في غرض الحرب وحده كما في الميمية السالفة، ولكن في غرض العتاب كالأبيات التي اخترناها من:
"واحر قلباه ممن قلبه شبم"
وفي الغزل كما في قصيدته الرائعة (١):
أوه بديل من قولي آها ... لمن نأت والبديل ذكراها
أوه لمن لا أرى محاسنها ... وأصل واهًا وأوه مرآها
أقول: افتنان المتنبي ومقدرته على المجيء بالتكرار في هذه الأنواع الكثيرة المختلفة من الأوزان والبحور والطرائق، يدل مع قوة الطبع وسلامة المنشأ والضريبة، على طول روية وتأت وتجارب بعد تجارب، وفي قصائد المتنبي المتعددة من لدن صباه إلى أن صار شاعرا فحلا ناضجا، البرهان الواضح، والحجة الناصعة.
انظر إلى ولعه بالترنم بترداد الألفاظ إلى حد يوقعه في الهجنة والاضطراب، في قصائد صباه وشبابه الأول، مثل قوله في الفائية التي مدح بها أحمد بن الحسين القاضي (٢):
ولست بدون يرتجى الغيث دونه ... ولا منتهى الجود الذي خلفه خلف
ولا واحدًا في ذا الورى من جماعةٍ ... ولا البعض من كل ولكنك الضعف
ولا الضعف حتى يتبع الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
стр. 617
وإلى قوله في العينية التي يمدح بها علي بن أحمد الخراساني (١):
فأرحام شعرٍ يتصلن لدنه ... وأرحام مالٍ لا تني تتقطع
فتى ألف جزءٍ رأيه في زمانه ... أقل جزيء بعضه الرأي أجمع
وقوله في الشينية التي مدح بها أبا العشائر (٢).
كأن تلوي النشاب فيه ... تلوي الخوص في سعف العشاش
ونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش
ودع هذه الأمثلة التي ليست من قصائد شبابه الجياد، وانظر إلى هذه الأمثلة من قصائد عدها النقاد من بواكير إحسانه، نحو قوله في التائية (٣):
لا سرت من إبل لو أني فوقها ... لمحت حرارة مدمعي سماتها
وحملت ما حملت من هذي المها ... وحملت ما حملت من حسراتها
وكقوله في الحاجبية (٤):
قد عسكرت فيها الرزايا عسكرًا ... وتكتبت فيها الرجال كتائبا
أسد فرائسها الأسود يقودها ... أسد تصير له الأسود ثعالبا
وكقوله من الدالية التي مدح بها شجاع بن محمد المنبجي (٥):
أيلت مودتها الليالي بعدنا ... ومشي عليها الدهر وهو مقيد
أبرحت يا مرض الجفون بممرض ... مرض الطبيب له وعيد العود
стр. 618
والتكرار من هذا النوع كثيرٌ في قصائد المتنبي الوليات، ولا تخلو منه حتى بعض السيفيات. وقد عيب عليه، وعد من سقطاته. وعندي أن هذا الذي أخذ عليه إنما كان رياضة العبقرية، وتعلم الملكية، وحمل الطبع على مسلك صار فيما بعد سرا من أسرار إبداع المتنبي الذي لا يدفع، وأحسبني إن قلت إنه لم يبل
مبلغه في هذا المسلك أحد من المحدثين اللهم إلا المعري في بعض ما ذهب إليه على تكلف منه في ذلك والبحتري أحيانًا ما عدوت وجه الإنصاف.
خلاصة:
١ - قد يجاء بالتكرار لمجرد إظهار النغم وتقويته. وأوضح ما يكون ذلك إن جيء بالبيت كاملا بعد فترات. وهذا طرازٌ من التأليف قد اندرس من النظم العربي. وقد أحياه بعض المعاصرين أمثال المهندس، نقلا عن الأشعار الغريبة التي لا تزال محتفظة بطابع إعادة البيت في كثير من منظوماتها.
٢ - والذي يدل على أن هذا الطراز كان موجودا في العربية واندرس عندما بلغت أشعارها ما بلغته من النضج والكمال في الوزن والقوافي، ما نجده من أنواع التكرار في بعض أشعار هذيل والمهلهل والحارث بن عباد، مما تكرر فيه أشطارٌ أو أجزاء من أشطار.
٣ - وفي شعر الشنفرى وتأبط شرًا وليلى الأخيلية وبعض أبيات امرئ القيس أنواعٌ من التكرار تحمل طابعا قديما يوحي أنها من بعض مخلفات نظام الإعادة الذي سبق نضج الوزن والقافية في الشعر العربي.
٤ - ويبدو أن الأنواع البديعية التي تسمى التصدير والتوشيح، وما إليها من ضروب التكرار المبنية على تردد كلمات في صدور الأبيات وأعجازها وقوافيها هي أيضًا بقايا من ذلك الأصل القديم.
стр. 619
٥ - غير أن هذه الأنواع صارت أداة صالحة عند الشعراء الفحول يزيدون بها رنة الوزن، ويقوون بها جرس الألفاظ. ومن الشعراء الذين يرزوا في هذا المضمار جرير والبحتري.
٦ - وقد استغل المتنبي التكرار الترنمي استغلالا كاد ينفرد به. وهو يضفي على شعره لونا موسيقيا جليلا يناسب طبيعته وطبيعة ما كان يتناوله من أغراض، وما ينظم فيه من بحور.
٧ - ويلغب على الظن أن الأنواع المعيبة من تكرار المتنبي ما كانت إلا تمهيدا وتهيئة لما كتب له التوفيق فيه بعد، من التكرار النغمي المعجز.
التكرار المراد به تقوية المعاني الصورية:
هذا النوع من التكرار خطابي إنشائي الصبغة في جوهره. وبما أنه تكرار لفظي، فهو لا يخلو من عنصر الترنم، ويشترك من هذه الجهة مع صنف التكرار الذي تحدثنا عنه آنفًا، وزعمنا أنه يقصد به إلى مجرد تقوية النغم. والفرق الأساسي بينه وبين التكرار النغمي، هو أن التكرار النغمي ينصب على الوزن أول من كل شيء، ويباريه ويجاريه، ويعمد إلى إظهار كوامنه وغوامضه، وتقوية موسيقاه وبسطها وتعقيدها. (ومسلك الشعراء المطبوعين جدًا أمثال جرير في قوله:
أتذكر إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامةٍ سقي البشام
يوضح ذلك). أما هذا التكرار الصوري فناحية الترنم عرضت له من حيث إنه تكرار للفظ فقط، لا من حيث إنه حاق الترنم. وهو في حقيقته ينصب على الألوان الإجمالية والمعاني العامة التي تصاحب جو القصيدة وأكثر ما يكون في مقدمات القصائد، لأن المقدمات إنما هي أبدًا تمهيدٌ وتهيئة، ويعند فيها الشعراء إلى خلق أجواء عاطفية يخلصون منها إلى أغراضهم. وفي الشعر العربي خاصة، يجد المقدمات
стр. 620
أغلبها ذات صورة تقليدية واحدة وهي النسيب أو ما بمجراه من غناء حزين. ولما كانت الصور التقليدية دائمًا تنزع إلى التأثير، لا من طريق القول الواضح البين، ولكن من طريق الاقتراح والوحي والتلميح، فالنسيب العربي وما بمجراه من المقدمات الغنائية الحزينة، كل ذلك يجد في التكرار وسيلة قوية التأثير لاقتراح اللون العاطفي الحرزين، أو الهائم أو الطرب الذي تراد إشاعته في الأسماع والقلوب، قبل البلوغ إلى الغرض.
هذا، وبعض القصائد تكون أغراضها من نوع نسيبي اللون، جانب الصورة العامة، واللون العاطفي الإجمالي، أغلب فيه من جانب الوضوح والتفصيل، كقصائد الرثاء المفجع، والفراق والاغتراب، والهم والابتئاس، والذكرى والتشوق، وحتى المدح أحيانًا إن قصد به إلى التفخيم أو إظهار الإعجاب المفرط، وكل ما كان من هذا القري مما تغلب عليه العواطف.
وأكثر ما يكرره الشعراء، لإشاعة لونٍ عاطفي غامضٍ، يقوي الصورة التي عليها بنية القصيدة، أسماء الأشخاص، والمواضع، وما هو بمنزلتها من الأعلام، والألفاظ التي تنزل منزلة الأعلام "كالأعادي" في بيت مالك بن الريب:
وأصبحت في أرض الأعادي بعدما ... أراني عن أرض الأعادي قاصيا
هذا التكرار ضربان: ملفوظ وملحوظ. فالملفوظ: ما كررت فيه ألفاظ بأعيانها، سواءٌ أكانت أعلامًا أم كلمات تجري مجرى الأعلام. مثال ذلك قول مالك بن الريب (١):
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا (٢)
стр. 621
فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه ... وليت الغضى ماشي الركاب لياليا
لقد كان في أهل الغضى لودنا الغضى ... مزار ولكن الغضى ليس دانيا
فتكرار الغضى هنا من التكرار الملفوظ، لأن كلمة الغضى قد رددت فيه بعينها. والغرض من ترديدها كما ترى مقصود منه إشاعة الحنين والتشوق، وهو اللون العاطفي العام المصاحب لهذه الأبيات التي قدم بها مالك قصيدته.
ومن أمثلة التكرار الملفوظ قول النابغة:
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ... ماذا تحبون من نؤيٍ وأحجار (١)
أقوى وأقفر من نعمٍ وغيره ... هوج الرياح بهابي الترب موار (٢)
وقد أكون ونعمًا لاهيين معًا ... والدهر والعيش لم يهمم بإمرار
أيام تخبرني نعم وأخبرها ... ما أكتم الناس من حاجي وأسراري
فأنت ترى تكرار نعمٍ وما أراده الشاعر من تقوية النسيب وإشاعة التشوق من طريق هذا التكرار. وقد قلد ابن أبي ربيعة النابغة في تكرار نعم، في قصيدته الرائية المشهورة إذ يقول في مطلعها (٣):
أمن آل نعمٍ أنت غادٍ فمبكر ... غداة غدٍ أم رائح فمهجر (٤)
تحن إلى نعٍ فلا الشمل جامع ... ولا الحبل موصول ولا أنت مقصر
ولا قرب نعمٍ إن دنت لك نافع ... ولا نأيها ولا أنت تصبر (٥)
стр. 622
ومذهب الخنساء في ترديد اسم صخر يجري هذا المجرى وذلك حيث تقول:
وإن صخرًا لكافينا وسيدنا ... وإن صخرًا إذا نشتو لنحار
وإن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
هذا، والتكرار الملحوظ هو ترديد الأسماء والعلام المختلفة في اللفظ، المتفقة في المدلول كالتكرار الذي نجده في كثير من مقدمات القصائد الجاهلية، مثل ذلك قول العامري في المعلقة:
عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها فرجامها (١)
فمدافع الريان عري رسمها ... خلقًا كما ضمن الوحي سلامها (٢)
وفي القصيدة:
أم ما تذكر من نوار وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها (٣)
مرية حلت بفيد وجاورت ... أهل الحجاز فأين منك مرامها
بمشارق الجبلين أو بمحجرٍ ... فتضمنتها فردة فرخامها
فصوائق إن أيمنت فمظنة ... منها وحاف القهر أو طلخامها (٤)
стр. 623
فتكرار الموضع هنا لا ينصب على لفظ بعينه، وإنما على ألفاظ مختلفة هي: فيد، ومشارق الجبلين، ومحجر إلى آخر ذلك. وهذا التكرار أريد به، كما ترى، تقوية عنصر الفراق والنوى، وتأكيد الحزن أو اليأس وما هو من هذا القبيل. وكل ذلك يقوي الصورة، ويزيد في تأثير المعنى العام، ويضفي لونً عاطفيًا حزينًا على جو القصيدة.
وكتكرار أسماء المواضع، تكرار أسماء الحبائب، كالذي تجده في معلقة امرئ القيس:
كدأبك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... تقول لك الويلات إنك مرجلي (١)
وقوله في الرائية:
له الويل إن أمسي ولا أم هاشمٍ ... قريبٌ ولا البسباسة ابنة يشكرا
هذا، والذي يحملنا على تسمية هذين النوعين من التكرار (الملفوظ كما في غضي مالك بن الريب، ونعم النابغة، والملحوظ كما في المواضع التي رددها لبيد، والأسماء التي كررها أمرؤ القيس) بالتكرار الصوري، هو أننا نرى فيه القصد إلى تقوية المعنى العام والصورة والبنية التي عليها القصيدة، أقوى من القصد إلى تقوية معنى خاص تفصيلي يرتبط ببيت واحد، أو فكرة واحدة.
خذ "نعمًا" و"أم الحويرث"، قد يجوز أن يكون أريد بهذه الأسماء أشخاص بأعينهم. وقد تكون عنيزة وأم الرباب وأم الحويرث كلهن نساء عرفهن أمرؤ القيس كما قد يكون "نعم" امرأة عرفها النابغة. ولكن صورة النسيب الواردة فيها هذه
стр. 624
الأسماء، لا يشترط فيها صدق الشاعر من الجهة الخبرية، إنما يشترط فيها صدقة من الجهة العاطفية، وصدقه من الجهة العاطفية يعرف بمقدرته على إحداث جو النسيب من تذكر وتفكر وحزن وحنين ونزوع إلى الماضي. فلو كرر "ريا" و"سعدى" كان ذلك كما لو كرر "الرباب" و"البسباسة"، وإنما الغرض تهييج عاطفة الغرام لا كر امرأة بعينها.
وتكرار المواضع له من الأثر السحري ما لتكرار أسماء النساء. ومن طلب هذا التأثير السحري ما أكثر الجاهليون من تعداد أسماء المياه والمضارب والمراعي والمراحل. ولعلك أن تقول إن زهيرًا حين قال (١):
ما زلت أرقبهم حتى إذا سلكت ... أيدي الركاب بهم من راكسٍ فلقا (٢)
دانية لشروري أوقفا أدمٍ ... تسعى الحداة على آثارهم حزقا (٣)
لعلك تقول: إن زهيرًا كان يصف رحلة قد حدثت. وليس في قوله "راكس" و"شروري" و"آدم" من تكرار، وإنما هو إخبار بما حدث ليس إلا. وأنا لا أنكر أن زهيرًا وأضرابه كانوا يستمدون من تجارب السفر حين يذكرون هذه المواضع، وربما عمد بعضهم إلى رحلة قد وقعت، فذكرها كما هي كالذي فعله أمرؤ القيس في الرائية (٤):
"سما لك شوق بعد ما كان أقصرا"
ولكني أقرر أن ذكر السفر والرحلات وتنقل الخليط الذي فيه الحبيبة من دار
стр. 625
إلى دار، صار صورة من صور القصيدة، محتوما عليها أن تقترن بلون عاطفي خاص. والشاعر إنما يكثر من ترديد أسماء المواضع ليعطي هذه الصورة حقها كاملًا، ويفيض فيها بما أريدت له من روح منازع، حان والمواضع التي يذكرها لا تتحكم فيها تجاربه بقدر ما تتحكم فيها أوزانه وقوافيه وزنات لفظه. فزهير يذكر راكسًا هنا.
وفي المعلقة يذكر القنان حيث يقول:
تركن القنان من يمينٍ وحزنه ... ومن بالقنان من محل ومحرم
ومن تأمل سائر شعره وجد فيه المواضع تختلف باختلاف روي القصائد ووزنها. ولا أحسب زاعمًا يجترئ فيزعم أن زهيرًا وغيره يشيرون إلى تجارب سفريةٍ بأعيانها في كل قصيدة.
وقد فطن الإسلاميون الأوائل إلى ما في تسمية المواضع من تأثير سحري، وإلى قوة اللون العاطفي الذي تشيعه في المقدمات النسيبية، وإلى عنصر اللاواقعية الملابس لها، وإلى عنصر الحنين الخالص الذي يخاطب الوهم فيها، فحفزهم هذا على الإكثار منها في أشعارهم، مع تعمد البعد عن حقيقة السفر والجغرافيا فيما يكررونه من أسماء. فمن كان منهم ذا مزاج بدوي كالعجاج، تجد ترديده للأسماء مزدحمًا بالأوابد الغرائب، المسرودة سردًا، نحو قوله (١):
فإن تصر ليلى بسلمى أو أجا ... أو باللوى أو ذي حسا أو يأجحا
أو حيث رمل عالجٍ تعلجا ... أو تجعل الباب رتاجًا مرتجا (٢)
بجوف بصرى أو بجوف توجا ... أو ينتو الحي نباكًا فالرجا
стр. 626
ومحل الشاهد: يأجح وتوج ونباك وبصري، وأما اللوي وعالج، فما أكثر الشعراء استعماله من أسماء المواضع.
هذا، ومن كان من الشعراء الإسلاميين ذا مزاجٍ حضري، عمد إلى الأسماء الخفاف أمثال: "رامة، وسعدى، واللوى" وما بمجراها، فأكثر من نظمها على سبيل التلذذ والترنم، وتيسر له بذلك أن يلبس شعر ما شاء من صبغة الحنين والوجد. ولعل جريرًا كان أقدر الشعراء الإسلاميين على هذا الضرب من التكرار، خذ مثلا قوله (١):
سقى الدمي بمسبلة الغوادي ... وسلمانين مرتجزًا ركاما (٢)
سمعت حمامةً طربت بنجدٍ ... فما هجت لعشية يا حماما
مطوقة ترنم فوق غصنٍ ... إذا ما قلت مال بها استقاما
سقى الله البشام وكل أرضٍ ... من الغورين أنبتت البشاما
أحب الدور من هضبات غولٍ ... ولا أنسى ضربة والرجاما
كأنك لم تسر بجنوب قو ... ولم تعرف بناظرة الخياما
عرفت منازلًا بجماد قو .... فأسبلت الدومع بها سجاما (٣)
وسفعا في المنازل خالداتٍ ... وقد ترك الوقود بهن شاما (٤)
أظاعنةٌ جعادة لو تودع ... أحب الظاعنين ومن أقاما
فقلت لصحبتي وهم عجال ... بذي بقرٍ ألا عوجوا السلاما
صلوا كنفى العشي وشيعوني ... فإن عليكم مني ذماما (٥)
стр. 627
فقالوا ما تعوج بنا لشيءٍ ... إذا لم تلفهم إلا لماما (١)
من الأدمي أتينك منعلاتٍ ... يقطعن السرائح والخداما (٢)
فليت العيش قد قطعت بركب ... وعالًا أو قطعن بنا صواما
كأن حداتنا الزجلين هاجوا ... بخبتٍ أو سماوته نغاما (٣)
فانظر إلى أسماء المواضع هنا، هل ترى الشاعر أراد بها تقرير تجربة مرت به؟ هل أراد بها إلى وصف السفر والحل والترحال؟ أليس الجلي البين أنه أراد إلى مجرد التغني وإشاعة عنصر من الشوق، والحنين؟ ألا ترى هنا عاطفة صورية غامضة تطيف بالكلام وترنق إليه، وتسري إلى أطرافه؟ ثم ألا ترى الشاعر لا يكاد يريد إلى ذكر موضع واحد أو موضعين بأعيانهما، وإنما يتسلى بتعداد أسماء مختلفة كأنما يستحسن جرسها، وكأنه يهم أن يقرنها في أذهاننا وأوهامنا بمعانٍ روحية، أكبر وعظم من مجرد الإشعار بالموضعية والنقلة والحل والترحال؟
ولعلك تكون قد فطنت إلى أن تعداد المواضع في الشعر الجاهلي، كالذي عند لبيد، وزهير، والنابغة، وإن كان لا واقعيًا، وإن كان صوريًا، فهو لا يزال قريبًا من الواقع، بحيث يجوز لمن شاء أن يفترض أن صويحبات زهير في المعلقة "تحملن بالعلياء من فوق جرثم" ثم ملن إلى السوبان، ثم خلفن القنان عن يمين وحزنه. ولكن جريرًا لا يعطيك الفرصة لتنسب إليه مثل هذه الواقعية، ولو على سبيل الفرض المحض. فمواضعه أشبه بالرموز، وأدخل في حاق الوهم، وأكثر إيغالا في الصورية العاطفية البعيدة عن الأرض، اللاحقة بالسماء و"أثير" الخيال.
стр. 628
وقد فطن الشعراء الذين جاءوا بعد جرير بدهرٍ إلى هذا الناحية الفنية السحرية في شعره. وبحسبك أن تنظر في دواوين البحتري ومهيار والشريف الرشي، فعندهم من ذكر عالج وذي سلم والعقيق واللوى والأجرع ما يوشك أن يوقع في خلدك أنهم قد طوفوا آفاق الجزيرة، وعرفوا منها ما عرفه جرير. هذا، وأنت تعلم أن هؤلاء مولدون حضريون لعلهم لم يعرفوا شيئًا من هذه المواضع من غير طريق الكتب.
ويغلب على ظني أن المحدثين الأوائل، وكانت تسيطر الشعوبية على أكثرهم، نفروا من ترديد المواضع البدوية على نحو ما كان يفعل جرير. على أنهم فطنوا للجمال الصوري الذي يضفيه ترديد هذه المواضع على جو القصيدة. فراموا مضاهاة ذلك بترديد مواضع من صميم حياتهم، كأحياء الكرخ وكلواذ وطيزناباد، وما إلى ذلك من مواضع القصف ببغداد ونواحيها. ولكن هذه المواضع الجديدة التي أرادوا إحلالها مكان المواضع الجريرية العذبة الرشيقة، لم يكتب لها الخلود، واندثرت كما اندثرت ثورتهم على افتتاح القصيدة بالنسب والأطلال، واقتراح بعضهم -كأبي نواس- (١) أن تفتتح بمدح الخمر والقصف والمجون.
على أن بعض المواضع التي رددوها أتيح لها أن تبقى إلى حين. وتلك هي الأديرة. وأحسب أن تقبل الصورة القصيدية للأديرة، ورفضها لمواضع بغداد، وأماكن اللهو الأخر التي كان يرتادها أبو نواس وأضرابه، يرجع إلى طبيعة الروحية والفنن التي كانت تتسم بها الأديرة. ولعل هذه الطبيعة الفنية التي كان يلمسها الشعراء في الأديار، جعلت لها في أذهانهم، لونًا فيه مشابه من اللون الشعري الرمزي اللاواقعي، الذي أسبغه جرير على اللوى وذي طلوح وذي سلم وعالج وما إليها.
стр. 629
هذا، ولا ينبغي أن يفوتنا أن جمال الأديرة قد لفت أذهان الشعراء وامترى عواطفهم من لدن الأيام الأموية الأولى. وهذا جرير نفسه يقول (١):
لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس
غير أن الأديرة، مع ولع الشعراء بها إلى عصور متأخرة، لمتصل قط إلى السماء الوهمية التي وصلتها مواضع جرير. والدليل على ذلك أننا لا نجد الشعراء المولدين المتأخرين رددوا أسماء الأديار في النسيب وما إليه ترديدهم لذي سلم ولعلع وسلع ورامة.
وأظن أبا تمام مسئولا إلى حد كبير عن إماتة المواضع البغدادية التي كان يترنم بها أبو نواس ومعاصروه والطريق التي افترعها أبو تمام، عبدها أبو عبادة وتممها. وأحسب الذي دفع أبا تمام إلى العدول عن ذكر المواضع البغدادية في شعره أمران:
كراهيته لأساليب الشعوبيين جميعًا، وحرصه على اتباع المناهج العربية القديمة، هذا من جهة، وثانيًا كلفه بالجناس. أما كراهيته للشعوبية وحرصه على الأسلوب القديم فيدلك عليه إحياؤه -بطريقة جادة- لصورة القصيدة القديمة من افتتاح بالنسيب والأطلال إلى رحلة إلى دح، وهذا أمر نأمل أن نفيض فيه فيما بعد إن شاء الله. وأما كلفه بالجناس فقد جره جرًا إلى أن ينفر عن أسماء كلواذ وناباذ والكرخ، مما لا يمكن أن يباري الأجرع واللوي ورامة في الصلاحية لمجانسة الألفاظ. وما أشك أنه كان سيحتاج إلى تكلف عنيف واستكراه مؤلم ليجد ألفاظًا يجانس بها المواضع البغدادية المحدثة التي كان يكثر منها أبو نواس وصحابه.
وقد كان أبو تمام ناقدًا حصيفًا. فأدرك بثاقب فكره ما يصاحب أمثال رامة والأجرع من جو حان مفعم بالعواطف الغامضة. وإلى إشاعة العواطف الغامضة كان يعند هو في مطالعه النسيبية وبما بمنزلتها. ولذلك لم يكن يجد أنسب، لتقوية هذه
стр. 630
المطالع، من أن يزاوج بين الجناس التام أو الناقص، وأسماء المواضع الجريرية، كأن يقول:
أرامة كنت مألف كل ريم ... لو استمتعت بالأنس المقيم (٢)
وأن يقول:
سلم على الربع من سلمى بذي سلم ... عليه وسم من الأيام والقدم (١)
وليت شعري هل الأيام إلا القدم! ونحو قوله:
تجرع أسى قد أقفز الأجرع الفرد ... ودع حسي عينٍ يحتلب ماءه الوجد (٢)
إلا أن أبا تمام لم يكن يهتم بترديد هذه الأسماء. ولعلك لا تجده يذكر في نسيب القصيدة منها إلا واحدًا، ونادر جدًا أن تجد له اثنين كما في قوله:
أرأيت أي سوالف وخدود ... عنت لنا بين اللوى وزرود (٣)
وقد تنبه البحتري إلي سحر المواضع القليلة الواردة في شعر أبي تمام، وسحر المواضع الكثيرة المرددة في قصائد جرير. ونفر طبعه، كما قد نفر طبع صاحبه عن أسماء المواضع العصرية- اللهم إلا مواضع المغازي التي كان لا بد من ذكرها في معرض المدح مثل البذ وأرشق وابرشتويم. وقد كان البحتري ذا طبع مترنم، ونفس مناسب، مثل جرير. وكان يحسن الجناس ويستعذبه. فكل هذا دفعه إلى أن يكرر
стр. 631
المواضع الجريرية في نسبيه على النحو الذي كان ينحوه جرير، قاصدًا إلى إشاعة روح الحنين والشوق، عامدًا إلى التلذذ باسم الموضع نفسه وأسماء المواضع المشابهة له. خذ قوله (١):
أوقوفًا في الدار بعد الدار ... وسلوا بزينبٍ عن نوار
لا هناك الشغل الجديد بحزوى ... عن رسومٍ برامتين قفار
ما ظننت الأهواء قبلك تمحى ... في صدور العشاق محو الديار
نظرة ردت الهوى الشرق غربًا ... وأمالت نهج الدموع الجواري
رب عيشٍ لنا برامة رطبٍ ... وليالٍ فيه طوالٍ قصار
فقد تلذذ البحتري هنا كما ترى بتكرار علمين من أعلام النساء، واسمين من أسماء المواضع إن عددت "رامة" و "رامتين" شيئًا واحدًا. وأبلغ من هذا التكرار، قوله (٢):
كم بالكثيب من اعتراض كثيب ... وقوام غصن في الثياب رطيب (٣)
وبذي الأراكة من مصيفٍ لابسٍ ... نسج الرياح ومربع مهضوب (٤)
دمن لزينب قبل تشريد النوى ... من ذي الأراك بزينب ولعوب (٥)
стр. 632
تأبى المنازل أن تجيب ومن جوى ... يوم الديار دعوت غير مجيب (١)
هل تبلغنهُم السلام دجنُة ... وطفاء سارية بريح جنوب (٢)
أو تدنينهُم نوازع في البرى ... عجل كواردة القطا المسروب (٣)
فسقى الغضى والساكنيه وإن هم ... شبوه بين الجوانحٍ وقلوب (٤)
فهنا ذكر البحتري الكثيب، وذا الأراكة، والغضي، وكلها مواضع لم تكن تمت إلي واقع حياته البغدادية العراقية بصلة، ولكنها تمت إلى الوهم والخيال الشعري بسبب قوى.
وله من أخرى:
هذا العقيق وفيه مرأى مونق ... للعين، لو كان العقيق عقيقا (٥)
أشقيقة العلمين هل من نظرٍة ... فتبل قلبًا للغليل شقيقا (٦)
وله في مطلع إحدى العينيات (٧):
بين الشقيقة واللوى فالأجرع ... دمن حبسن على الرياح الأربع
стр. 633
وفي إحدى اللاميات:
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا ... مقصرًا من صبابة أو مطيلا
قف مشوقًا أو مسعدًا أو حزينًا ... أو معينًا أو عاذرًا أو عذولا
إن بالجزع فالكثيب إلى الآرا ... م ربعًا لآل هند محيلا (١)
وله من ميمية (٢):
هذي المعاهد من سعاد فسلم ... واسأل وإن وجمت ولم تتكلم (٣)
آيات ربع قد تأبد منجد ... وحدوج حي قد تحمل منهم (٤)
لؤم بنار الشوق إن لم تحتدم ... وضنانة بالدمع إن لم يسجم (٥)
وبمسقط العلمين ناعمة الصبا ... حيرى الشباب تبين إن لم تصرم (٦)
يشير بقولة "حيرى الشباب" إلي قول المخزومي"تحير منها في أديم الخدين ماء الشباب".
بيضاء تكتمها الفجاج وخلفها ... نفس يصعده هوى لم يكتم (٧)
هل ركب مكة حاملون تحية ... تهدى إليها من معنى مغرم
رد الفون علي كرى متبد ... وحنى الضلوع على جوى متضرم
стр. 634
إن لم يبلغك الحجيج فلا رموا ... في الجمرتين ولا سقوا في زمزم
ومنوا برائعة الفراق فإنه ... سلم السهاد وحرب نوم النوم (١)
ألوى بأربد عن لبيد واهتدى ... لا بنى نويرة مالك ومتمم (٢)
ففي هذه الأبيات ترديد المواضع بقصد التشويق والهاب الذكرى. ولعلك تنبهت إلى ترديد مواضع الحج، التي كان يترنم بها عُمر بن أبي ربيعة وأصحابه، وصار مداح الرسول فيما بعد يتغنون بها. ثم تأمل الأبيات الأخيرة، وانظر كيف خلص الشاعر من ذكر النوى إلي ذكر الفرقة من حيث هي، وتجمل بضرب الأمثال، والإشارة إلى شعراء نعرفهم، ويشجينا ما نظموه في رثاء من فارقوهم. وهذا النوع من الإشارة له وقع خاص، وتأثير عنيف، في قلوب من لهم عهد بلبيد وأربد ومتمم ومالك. والنقاد خاصة، يجدون فيه شجوًا من الطراز الصافي الخالي كل الخلو من النفحات الأرضية. ومن حذق البحتري أنه لا يسرف فيه إسرافًا يقرب به من جفاف العلم كما يفعل أبو تمام، أو يدينه من الوحشة المطلقة، ويشيع فيه روح العزلة الفنية الراضية بنفسها، الغانية عن غيرها، كما يفعل أبو العلاء المعري. وان كان هذا الأخير من احذق من تعاطوا هذا الضرب من الإشارات، وأقوالهم فعلًا في النفوس به وللبحتري من كلمة أخرى نونية:
وما ذكر الأحبة من ثبيرٍ ... وبلدح غير تضليل الأماني
نظرت إلى طدان فقلت ليلى ... هناك، وأين ليلى من طدان
ودون لقائها إيجاف شهٍر ... وسبع للمطايا أو ثمان (٣)
стр. 635
تجاوزن الستار إلى شرورى ... فأظلم واعتسفن قرى الهدان
ولما غربت أعراف سلمى ... ولهن وشرقت قنن القنان
وخلفنا أياسر وارداتٍ ... جنوحًا والأيامن من أبان
وخفض عن تناولها سهيُل ... فقصر واستقل الفرقدان
تصوبت البلاد بنا إليكم ... وغنى بالإياب الحاديان
فانظر إلى هذه المواضع: ثبير، وبلدح، وطدان، والستار، وشرورى، وأظلم، وقرى الهدان، وواردات، وأبان، وسلمى، والقنان، كيف سردها سردًا وانتشى بترديدها، ثم لم يرض ذلك حتى عززه بذكر اسمين من أسماء النجوم.
هذا، وقد عبد البحتري بمسلكه الذي وصفناه، تلك السبيل التي افترعها جرير ومال إليها أبو تمام في مطالعه. وقد ارتبطت أسماء المواضع النجدية، مواضع الحجيج ارتباطًا وثيقًا بالنسيب والشوق فيما بعده، حتى صارت من جوهره وطبيعته، وحتى جعل الشعراء يتنكبون المواضع التي يعرفونها حق المعرفة، ويشاهدونها في روحاتهم وغدواتهم، من أجل منى والعقيق وسلع والمنحنى ورامة وسويقة وما إليها.
وقد أضفى الشريف الرضى لونًا دينيًا على كثير من هذه المواضع في حجازياته. ومع أن حجازياته قصائد غزلية نسيبية، نجد أن لها صلتها بالحج والدين، وكون الشريف نفسه من النقباء، ذلك أفاض عليها عطرًا من عطر الجنة، وقد تحدث الدكتور زكي مبارك عن هذه الحجازيات حديثًا حسنًا في كتابه عبقرية الشريف الرضي (١).
وقد اتبع مهيار الديلمي منهج الشريف الرضي في الإكثار من ذكر المواضع العربية. وما أن تصرم القرن الرابع، حتى كانت هذه المواضع بضاعة الشعراء وهجيراهم من أقاصي المشرق إلى أقاصي المغرب. ولما تحول مجرى القصيدة من