المواضع الجريرية في نسبيه على النحو الذي كان ينحوه جرير، قاصدًا إلى إشاعة روح الحنين والشوق، عامدًا إلى التلذذ باسم الموضع نفسه وأسماء المواضع المشابهة له. خذ قوله (١):
أوقوفًا في الدار بعد الدار ... وسلوا بزينبٍ عن نوار
لا هناك الشغل الجديد بحزوى ... عن رسومٍ برامتين قفار
ما ظننت الأهواء قبلك تمحى ... في صدور العشاق محو الديار
نظرة ردت الهوى الشرق غربًا ... وأمالت نهج الدموع الجواري
رب عيشٍ لنا برامة رطبٍ ... وليالٍ فيه طوالٍ قصار
فقد تلذذ البحتري هنا كما ترى بتكرار علمين من أعلام النساء، واسمين من أسماء المواضع إن عددت "رامة" و "رامتين" شيئًا واحدًا. وأبلغ من هذا التكرار، قوله (٢):
كم بالكثيب من اعتراض كثيب ... وقوام غصن في الثياب رطيب (٣)
وبذي الأراكة من مصيفٍ لابسٍ ... نسج الرياح ومربع مهضوب (٤)
دمن لزينب قبل تشريد النوى ... من ذي الأراك بزينب ولعوب (٥)
стр. 632
تأبى المنازل أن تجيب ومن جوى ... يوم الديار دعوت غير مجيب (١)
هل تبلغنهُم السلام دجنُة ... وطفاء سارية بريح جنوب (٢)
أو تدنينهُم نوازع في البرى ... عجل كواردة القطا المسروب (٣)
فسقى الغضى والساكنيه وإن هم ... شبوه بين الجوانحٍ وقلوب (٤)
فهنا ذكر البحتري الكثيب، وذا الأراكة، والغضي، وكلها مواضع لم تكن تمت إلي واقع حياته البغدادية العراقية بصلة، ولكنها تمت إلى الوهم والخيال الشعري بسبب قوى.
وله من أخرى:
هذا العقيق وفيه مرأى مونق ... للعين، لو كان العقيق عقيقا (٥)
أشقيقة العلمين هل من نظرٍة ... فتبل قلبًا للغليل شقيقا (٦)
وله في مطلع إحدى العينيات (٧):
بين الشقيقة واللوى فالأجرع ... دمن حبسن على الرياح الأربع
стр. 633
وفي إحدى اللاميات:
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا ... مقصرًا من صبابة أو مطيلا
قف مشوقًا أو مسعدًا أو حزينًا ... أو معينًا أو عاذرًا أو عذولا
إن بالجزع فالكثيب إلى الآرا ... م ربعًا لآل هند محيلا (١)
وله من ميمية (٢):
هذي المعاهد من سعاد فسلم ... واسأل وإن وجمت ولم تتكلم (٣)
آيات ربع قد تأبد منجد ... وحدوج حي قد تحمل منهم (٤)
لؤم بنار الشوق إن لم تحتدم ... وضنانة بالدمع إن لم يسجم (٥)
وبمسقط العلمين ناعمة الصبا ... حيرى الشباب تبين إن لم تصرم (٦)
يشير بقولة "حيرى الشباب" إلي قول المخزومي"تحير منها في أديم الخدين ماء الشباب".
بيضاء تكتمها الفجاج وخلفها ... نفس يصعده هوى لم يكتم (٧)
هل ركب مكة حاملون تحية ... تهدى إليها من معنى مغرم
رد الفون علي كرى متبد ... وحنى الضلوع على جوى متضرم
стр. 634
إن لم يبلغك الحجيج فلا رموا ... في الجمرتين ولا سقوا في زمزم
ومنوا برائعة الفراق فإنه ... سلم السهاد وحرب نوم النوم (١)
ألوى بأربد عن لبيد واهتدى ... لا بنى نويرة مالك ومتمم (٢)
ففي هذه الأبيات ترديد المواضع بقصد التشويق والهاب الذكرى. ولعلك تنبهت إلى ترديد مواضع الحج، التي كان يترنم بها عُمر بن أبي ربيعة وأصحابه، وصار مداح الرسول فيما بعد يتغنون بها. ثم تأمل الأبيات الأخيرة، وانظر كيف خلص الشاعر من ذكر النوى إلي ذكر الفرقة من حيث هي، وتجمل بضرب الأمثال، والإشارة إلى شعراء نعرفهم، ويشجينا ما نظموه في رثاء من فارقوهم. وهذا النوع من الإشارة له وقع خاص، وتأثير عنيف، في قلوب من لهم عهد بلبيد وأربد ومتمم ومالك. والنقاد خاصة، يجدون فيه شجوًا من الطراز الصافي الخالي كل الخلو من النفحات الأرضية. ومن حذق البحتري أنه لا يسرف فيه إسرافًا يقرب به من جفاف العلم كما يفعل أبو تمام، أو يدينه من الوحشة المطلقة، ويشيع فيه روح العزلة الفنية الراضية بنفسها، الغانية عن غيرها، كما يفعل أبو العلاء المعري. وان كان هذا الأخير من احذق من تعاطوا هذا الضرب من الإشارات، وأقوالهم فعلًا في النفوس به وللبحتري من كلمة أخرى نونية:
وما ذكر الأحبة من ثبيرٍ ... وبلدح غير تضليل الأماني
نظرت إلى طدان فقلت ليلى ... هناك، وأين ليلى من طدان
ودون لقائها إيجاف شهٍر ... وسبع للمطايا أو ثمان (٣)
стр. 635
تجاوزن الستار إلى شرورى ... فأظلم واعتسفن قرى الهدان
ولما غربت أعراف سلمى ... ولهن وشرقت قنن القنان
وخلفنا أياسر وارداتٍ ... جنوحًا والأيامن من أبان
وخفض عن تناولها سهيُل ... فقصر واستقل الفرقدان
تصوبت البلاد بنا إليكم ... وغنى بالإياب الحاديان
فانظر إلى هذه المواضع: ثبير، وبلدح، وطدان، والستار، وشرورى، وأظلم، وقرى الهدان، وواردات، وأبان، وسلمى، والقنان، كيف سردها سردًا وانتشى بترديدها، ثم لم يرض ذلك حتى عززه بذكر اسمين من أسماء النجوم.
هذا، وقد عبد البحتري بمسلكه الذي وصفناه، تلك السبيل التي افترعها جرير ومال إليها أبو تمام في مطالعه. وقد ارتبطت أسماء المواضع النجدية، مواضع الحجيج ارتباطًا وثيقًا بالنسيب والشوق فيما بعده، حتى صارت من جوهره وطبيعته، وحتى جعل الشعراء يتنكبون المواضع التي يعرفونها حق المعرفة، ويشاهدونها في روحاتهم وغدواتهم، من أجل منى والعقيق وسلع والمنحنى ورامة وسويقة وما إليها.
وقد أضفى الشريف الرضى لونًا دينيًا على كثير من هذه المواضع في حجازياته. ومع أن حجازياته قصائد غزلية نسيبية، نجد أن لها صلتها بالحج والدين، وكون الشريف نفسه من النقباء، ذلك أفاض عليها عطرًا من عطر الجنة، وقد تحدث الدكتور زكي مبارك عن هذه الحجازيات حديثًا حسنًا في كتابه عبقرية الشريف الرضي (١).
وقد اتبع مهيار الديلمي منهج الشريف الرضي في الإكثار من ذكر المواضع العربية. وما أن تصرم القرن الرابع، حتى كانت هذه المواضع بضاعة الشعراء وهجيراهم من أقاصي المشرق إلى أقاصي المغرب. ولما تحول مجرى القصيدة من
стр. 636
النظم المادح الدنيوي إلى النظم المادح النبوي، واستبد بها الأسلوب الصوفي، لبست هذه المواضع صبغة روحية محضة. وصار موقعها في السمع يحمل مزيجًا من الشوق والحنين الذي أراده لها جرير، ومن نفحة الروعة والجلال الديني، التي تقترن أبدًا بالأسماء الدنية، مثل: طوبى، سدرة المنتهى في الملأ الأعلى، ومثل عرفات، والمزدلفة، والصفا والمروة في الملأ الأدنى. ودونك مثالا من شعر ابن الفارض (١):
أرج النسيم سرى من الزوراء ... سحرًا فأحيا ميت الأحياء
أهدى لنا أرواح نجٍد عرفة فالجو منه معنبر الأرجاء
أنظر إلي قوله "أهدى لنا أرواح نجدٍ عرفة"- وكيف تهدي أرواح نجد عرف نسيمٍ سرى من الزوراء وهي بغداد؟ اللهم إلا أن تنتقل الزوراء ونجد جميعًا من عالم الحقيقة والأرض إلى عالم علوي تصير الزوراء نفسها فيه جزاءً من نجد، ونجد جزاءً من إقليم الحجيج، وإقليم الحجيج طرفًا من ساحة الرضا والقدس الصوفي المحيط بالحضرة النبوية؟
ومما يحسن الالتفات إليه أن اسم بغداد نفسها شاء له الجد السعيد أن يحظى عند الشعراء، وأن يذوب في جوهم النسيبي ذوبان سلع والعقيق. ولقد كان عبنًا أن ينعم الشعراء ببغداد وعلم بغداد وجمال في روحانياتها وجسدانياتها، ثم لا يثيبونها على ذلك بشيء، من بعد، على أن بغداد حين أنصفت وانتصفت، ورضي الشعراء أن يضيفوا اسمها إلى مجموعة الأسماء النسيبية المفعمة بالشوق والهيام، ولم تقدر على ذلك إلا بعد أن خلعت لفظها المعرب، الغارق في وحل الدنيا، واستبدلت به لفظًا عربيًا،
стр. 637
وثيق الصلة بالابتداءات القديمة، وهو الزوراء (١). أليس الفرزدق يقول (ديوانه ٢: ٨٥١):
تحن بزوراء المدينة ناقتي ... حنين عجول تبتغي البو رائم (٢)
ويا ليت زوراء المدينة أصبحت ... بأحفار فلجٍ أو بسيف الكواظم (٣)
وكم نام عني بالمدينة لم يبل ... إلى اطلاع النفس دون الحيازم (٤)
وزوراء المدينة: موضع قريب من مسجدها. وقد كانت المدينة بغداد العهد الأموي لرقتها وحضارتها. فلا غرو أن جعل المحدثون لبغداد زوراء كما للمدينة زوراء، ثم جعلوها كلها زوراء من باب المجاز المرسل، وإطلاق الجزء على الكل.
стр. 638
هذا، ونرجع إلى أبيات ابن الفارض، قال رحمة الله:
وروى أحاديث الأحبة مسندًا ... عن إذخرٍ بأذاخرٍ وسحاء (١)
فسكرت من ريا حواشي برده ... وسرت حميا البرء في أدوائي
يا راكب الوجناء بلغت المنى ... عج بالحمى إن عجت بالجرعاء
متيممًا تلقاء وادي ضارجٍ ... متيامنا عن قاعة الوعساء
وإذا أتيت أثيل سلعٍ فالنقا ... فالرقمتين فلعلعٍ فشظاء (٢)
فكذا عن العلمين عن شرقيه ... مل عادلًا للحلة الفيحاء
واقر السلام عريب ذياك اللوى ... عن مغرم ٍصب كئيبٍ ناء
صب متى قفل الحجيج تنفست ... زفراته بتنفس الصعداء
كلم السهاد جفونه فتبادرت ... عبراته ممزوجة بدماء
يا ساكني البطحاء هل من عودةٍ ... أحيا بها يا ساكني البطحاء
وذكر المواضع في الشعر الصوفي والنبوي كثير للغاية. فليرجع القارئ إلى البردة:
أمن تذكر جيرانٍ بذي سلمٍ ... مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم
أم هبت الريح من تلقاء كاظمةٍ ... وأومض البرق في الظلماء من إضم
وإلي شعر البرعي، وديوانه مطبوع وفيه شعر جيد. وإلى مجموعة النبهاني.
وبعد، فهذه صورة مختصرة للغاية، أردت بها تبيين الصلة الوثيقة بين الحنين والمواضع، وكيف بدأت هذه المواضع حقيقية منتزعة من التجربة في الشعر القديم؟ ثم جعلت شيئًا فشيئًا تفقد عنصر الحقيقة، ويطغى عليها جانب الوهم واللاواقع،
стр. 639
حتى خلصت إليه بجملتها في نسيب جرير ومقدمات البحتري، وأخيرًا، وبصورة نهائية في الشعر الصوفي النبوي (١).
قصيدة مالك بن الريب:
لا أجد بدًا ونحن بمعرض الحديث عن النسيب والحنين وتكرار الأسماء والمواضع من أن أذكر طرفًا من قصيدة مالك بن الريب. وهي من بليغ ما عمد فيه الشعراء إلى التأثير عن طريق التكرار، ولا سيما تكرار المواضع، ولعلها تلقي للقارئ نورًا وهاجًا على جميع مل ذكرناه، قال رحمة الله يبكي نفسه بخراسان (٢):
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً ... بجنب الغضى أزجى القلاص النواجيا
стр. 640
فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه ... وليت الغضى ماشي الركاب لياليا
لقد كان في أهل الغضى لودنا الغضى ... مزار ولكن الغضى ليس دانيا
وقد أنشدنا هذه الأبيات من قبل، ونبهنا إلى ما في تكرار الغضى من قوة التأثير:
ألم ترني بعت الضلالة بالهدى .... وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
وأصبحت في أرض الأعادي بعدما ... أراني عن أرض الأعادي نائيا
لعمري لئن غالت خراسان مهجتي ... لقد كنت عن بابي خراسان قاصيا
فإن أنج من بابي خراسان لا أعد ... إليها وإن منيتموني الأمانيا
كيف ترى تكرار خراسان هنا، وتدفقه وشيوعه بمعنى الحسرة! أم لا تكاد تشك أن الشاعر أورد خراسان في هذا النسق ليجعله بازاء الغضى الذي كان كرره في أول القصيدة ملتذًا بتكراره، متشوقًا إليه، أسيان على فراقه!
ثم أنظر إلى تكرار "الدر" في الأبيات الآتية، كيف مزج الشاعر فيه بين لوني الترنم المحض، والترديد الخطابي العاطفي:
فالله دري يوم اترك طائعًا ... بني بأعلى الرقمتين وماليا
ودر الظباء السانحات عشية ... يخبرن أني هالك من ورائيا
وهذا البيت الثاني يجري مجرى الرمز، إذ ليس المراد فيه أن الظباء قد سنحت وقت العشي لتخبر أهله بسنوحها أنه غير راجع (والسنح عند بعض العرب، وفي لغة مازن تميم كما يبدو، وهو الذي يوليك ميامنه، مارًا من جهة اليسار، وهذا يتشاءم به، وهو عند أكثر العرب ما ولاك مياسره، ونقيضه البارح). وإنما المراد منه أن الظباء سنحت لمالك صباح اليوم الذي كان فارق أهله في عشيته. فسنوحها له في الصباح كأنه إخبار منها له هو أنه سيهلك. وإذ قد أزمع السفر ولم يبال، فسنوحها له
стр. 641
قد كان كأنه إنذار وتحذير لأهله، وإخبار له بما قد حم له أمامه من الهلاك. والذي يجعلنا نرجع هذا المعنى، هو أننا لم نجد تزجر الظباء في العشايا، وإنما في الصبح والغداة، وذلك أول اليوم، ويكون للزجر والعافية حينئذ معنى، إذ بالصبح يستفتح المرء يومه. فقوله "عشية سرت عن أهلي". واستغنى بهذه العبارة القصيرة "السانحات عشية" ثقة بأن مراده واضح. هذا. هذا، ونرجع الآن إلى الأبيات التي كرر فيها الدر:
فلله دري يوم أترك طائعا ... بني بأعلى الرقمتين وماليا
ودر الطباء السانحات عشية ... يخبرن أني هالك من ورائيا
ودر كبيري اللذين كلاهما ... علي شقيق ناصح لو نهانيا (١)
ودر الرجال الشاهدين تفتكي ... بأمري ألا يقصروا من وثاقيا
ودر الهوى من حيث يدعو صحابتي ... ودر لجاجتي ودر انتهائيا (٢)
تكرار "الدر" في هذه الأبيات يحمل طابع الترنم الذي كنا تحدثنا عنه آنقًا، وهو في نفس الوقت تكرار صوري الطابع، ليس العمد فيه إلى تقوية النغم، بأظهر من العمد إلى تقوية روح الحسرة والندم، والأسى، وكأن "ولله دري" "ودر الظباء" و"در كبيري" الخ، كلها نوع من عض البنان، وقرع السن ونكت الأرض، تفجعا وتوجعا على ما قد فات، وقال رحمة الله يتذكر ماضيه:
стр. 642
خذاني فجراني بثوبي إليكما ... فقد كنت قبل اليوم صعبًا قياديا (١)
وقد كنت عطافًا إذا الخيل أدبرت ... سريعًا إلى الهيجا، إلى من دعانيا (٢)
وقد كنت صابرًا على القرن في الوغى ... وعن شتمي ابن العم والجار وانيا (٣)
فطورًا ترانى في ظلالٍ ونعمةٍ ... وطورًا ترانى والعتاق ركابيا (٤)
ويومًا تراني في رحى مستديرةٍ ... تخرق أطراف الرماح ثيابيا (٥)
تكرار "قد كنت" هنا من النوع الترنمي الذي رأيناه في شعر المتنبي.
وأحسب الشاعر ارتاح إلى هذا النوع من التكرار بعد أن أكثر من ترديد الأسماء والكلمات المفعمة بالشجو وتخلصه هنا من الأسى الحار، إلى التذكر والتأمل، يشعر بذلك. وكتكراره "لقد كنت" تكراره "طورًا" وقد أرتاح منها إلى "يومًا" ويمكننا أن نعد "يومًا" هنا من قبيل التكرار الملحوظ، إلا أنه جيء به لتقوية النغم والرنين لا الصورة.
هذا، وبعد أن أسرف مالك علي نفسه في تذكر الماضي، وذكر ما كان ينتظره من الدفن والعفاء، طار لبه إلى الغضى، وإلى ذينك الأبوين الكبيرين اللذين خلفهما وراءه، ولعله كان وعدهما بفوزٍ وظفرٍ ومالٍ وافر، وجاهٍ طويل، وإلى تلك الزوج، وأولئك القرائب والأحباب، قال:
стр. 643
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني ... وأين مكان البعد إلا مكانيا (١)
غداة غدٍ يا لهف نفسي علي غدٍ ... إذا أدلجوا عني وأصبحت ثاويا (٢)
وأصبح مالي من طريفٍ وتالدٍ ... لغيري وكان المال بالأمس ماليا
تأمل ترنم الشاعر بتكرار "العد" في البيت الأول، و"بالغد" في البيت الثاني و"بالمال ولامه" في البيت الثالث، ألا ترى أن قوله "مالي" إنما هو بمعنى الذي لي؟ وقد نقل الشاعر اللام منه إلى قوله "لغيري" ليزيد في الجرس والرنين؟ ثم عاد باللفظ نفسه كلمةً تامةً مرفوعةً عند قوله: "وكان المال" ثم كرره آخر مرة في قوله "ماليا"، ولك إن شئت أن تعد هذه كلمتين أو كلمة واحدة. وقال في ذكر مواضع أهله:
فيا فيا ليت شعري هل تغيرت الرحى ... رحى المثل أو أمست بفلجٍ كما هيا (٣)
إذا الحي حلوها جميعًا وأنزلوا ... بها بقرًا حم العيون سواجيا (٤)
رعين وقد كان الظلام يجنها ... يسفن الخزامى مرةً والأقاحيا (٥)
ثم بعد إذ ذكر الشاعر رحى المثل، وظباءها العين، وحشية وإنسية، بدا له أن يذكر السفر، علي النحو الذي يقع في قصائد الشعراء البداة- أليسوا يستهلون بذكر النساء، ثم يتخذونه ذريعة إلى ذكر السفر؟
стр. 644
وهل اترك العيس المتالى بالضحا ... بركبانها تعلو المتان الفيافيا (١)
إذا عصب الركبان بين عنيزةٍ ... وبولان عاجوا المبقيات النواجيا
لاحظ هنا ترديد المواضع عند قوله: "عنيزة" و "بولان":
فياليت شعري هل بكيت أم مالكٍ ... كما كنت لو عالوا نعيك باكيا
وهذا عندي من أرق الشعر وأفصحه بما يسميه الإنجليز "الرثاء للنفس". وأنت ترى هنا كيف خلص الشاعر من ذكر النساء على وجه التشبيب إلى السفر كما يفعل غيره من الشعراء. ثم ادكر أن غرضه حزين كله، لا موضع فيه لذكر الأسفار والفخر بركوب الأخطار فرجع إلى الحنين، وشاقه عهد امرأته، فجعل يخاطبها من وراء المفازة البعيدة، بهذا اللفظ الرقيق الرشيق. ولعلك تكون فطنت إلى ترديده للبكاء في صدر البيت وعجزه. وهذا الذي قلنا إن قدامة وأبا هلالٍ كليهما يسميه التوشيح:
إذا مت فاعتادي القبور وسليمي ... على الرمس أسقيت السحاب الغواديا (٢)
على جدثٍ قد خطت الريح فوقه ... ترابًا كسحق المرنباني هابيا
انظر هنا إلى تكراره "علي الرمس" و "علي جدث". فهذا مزج بين التكرار الترنمي والتكرار الملحوظ- أما عنصر الترنم فوضح، من حيث إنه كرر لفظًا كان ذكره في عجز سابق، في صدر لاحق. وأما كونه ملحوظًا، فهو استعمالك المرادف إذا ذكر الرمس أولا ثم الجدث ثانيًا، ولو مكنه الوزن لأعاد اللفظ نفسه.
стр. 645
فيا صاحبًا إما عرضت فبلغن ... بني مازنٍ والريب أن لا تلاقيا
وعر قلوصي في الركاب فإنها ... ستفلق أكبادًا وتبكي بواكيا
ولنا أن نستنتج من هذا البيت أنه كان من عادة العرب في النعي أن يعروا رحالة الميت. وشبيه بهذا ما يفعله بعض أهل دنقلا عندنا من تولية الناعي وجهه عجز الدابة، وكأنه بذلك يريد الناس ألا يبصروا وجهه فيتشاءموا به. ولعل القارئ أحس قوة الجناس والتكرار في قول الشاعر: "تبكي بواكيا"- بله هذا الإبهام الذي يحمل ما يحمل من المعاني:
وأبصرت نار المازنيات موهنا ... بعلياء يثنى دونها الطرف رانيا
بعودٍ النجوجٍ أضاء وقودها ... مها في ظلال السدر حورًا جوازيا (١)
وهذا- أعني ذكر النار، وأنها توقد بالألنجوج والبكاء والرند- من مطالب الشعر العربي القديم، التي يكثر الشعراء من إيرادها في معرض التذكر والتشوق. من ذلك قول الحارث:
وبعينيك أوقدت هند النا ... ر قديمًا تلوي بها العلياء
وقول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعاتٍ وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال
وقول عدي بن زيد:
يا سليمى أوقدي النارا ... إن من تهوين قد حارا
رب نار بت أرمقها ... تقضم الهندي والغارا
وبها ظبي يؤججها ... عاقد في الخصر زنارا
стр. 646
والعجب لمالك بن الريب، كيف يخلط بين ذكر القبر، والفناء، والأسى، والتشبيب، والنسيب، ونيران الأحبة تلوح على الأيفاع، ويبصرها القلب فيراع. أم لعل فرقه من الموت إنما كان لخوف مفارقة الغواني والصبا والشباب! أم تخال "السير وليم ميور" وقد كان صادقًا حين زعم أن العربي لا يفتأ يحن إلى النساء حتى إذا قذف به في لهاة الموت وأن هذه الفحولة كانت سببا من أسباب انتصار جند خالد على الروم في اليرموك (١)! والقارئ أصلحه الله، يرى هنا كيف يثب عقل الشاعر من فكرة الهلاك إلى فكرة الغزل مرات متعاقبة ... وما أشك أن الفكرتين بينهما رابطة قوية، قل هي وحدة الإنسان نفسه. ومالك ليس بأول شاعر ولا آخره، يفعل هذا الفعل (٢)، وإذا ذكر النار والغواني، تراه يرجع مرة أخرى إلي الحنين وذكر الغربة:
أقلب طرفي حول رحلي فلا أرى ... به من عيون المؤنسات مراعيا
وبالرمل مني نسوة لو شهدنني ... بكين وفدين الطبيب المداويا (٣)
وما كان عهد الرمل عندي وأهله ... ذميماً ولا ودعت بالرمال قاليا (٤)
فمنهن أمي وابنتاي وخالتي ... وباكية أخرى تهيج البواكيا
دع عنك ما في هذه الأبيات، من قوة الشوق، ولهيب الذكرى، وصاب الغربة، ولوعة الفراق، وانظر بعد إلى هذه "الرمل" كيف كررها الشاعر، ليوقع في
стр. 647
نفسك حبه لها، ونزعه إليها. ثم ألا تحس أن تكرارها هنا فيه صدى لذكر الغضى الذي افتتح به الشاعر القصيدة؟
وبائية مالك بن الريب هذه من طوال القصائد، وهي تتبع نهج يائية عبد يغوث الحارثى. ويخيل لي أحيانًا أن يائية عبد يغوث أقوى منا وأكثر حرارة، حتى أقرأها فلا أدري كيف سبيل الموازنة والتفضيل. وقد جمعت القصيدتان من جلالة الوزن، وبهاء القافية، ونقاء اللفظ، وقوة الجرس ولا سيا التكرار، أوانًا مما يفعم القلوب بالشجو. ومع أني لا أشك أن يائية ابن الريب هذه قد دخلتها الإضافات والزيادات البادية ومن طريق أبناء عمومة الشاعر. وهم كانوا أدرى بنفسه، وأقدر على مجاراته، ولم يخل بعضهم من حرارة وجدٍ، وعطفٍ على ذلك الشاعر، أنطقهم بما كان ينطق به لسان حاله، وإن لم ينطق به لسان مقاله.
التكرار الصوري في الرحلة والسفر
إذا انتقل الشاعر من الحنين والتشبيب، احتاج إلى إشعار السامع بالجد. وأكثر ما كان يفعله شعراء الجاهلية أن يوصدوا باب النسيب فجاءة، ثم يأخذون في ذكر التسلي عن فراق الأحباب، بركوب ناقةٍ أمونٍ جسرةٍ تبلغهم أغراضهم من لقاء ممدوح، إلى غير ذلك من الأغراض التي يكون من أجلها السفر، وهذا باب سنفصل الحديث عنه في موضعه إن شاء الله.
وقد يختصر الشاعر موضوع السفر أو يطيله. فإذا اختصر اجتزأ بوصف الناقة والطريق أما إذا أطال فإنه يعمد إلى التشبيه، فيشبه ناقته بالبقرة المسبوعة، وبالظليم وحمار الوحش، ويخرج من ذكر الناقة إلي ذكر ما يلقاه الحمار أو البقرة أو الظليم من أخطار تدفعه إلى الاسراع (وهذا أيضا باب نأمل أن نوفيه حقه فيما بعد).
стр. 648
فإذا سلك الشاعر سبيل الاختصار، فإنه قلما يعمد إلي التكرار الملحوظ أو الملفوظ- أعنى أنه قلما يعمد إلي ترديد أسماء المواضع، أو تكرار ألفاظ بأعينها على النحو الذي رأيناه في شعر مالك بن الريب وجرير. وإنما يكتفي بشيء مزيج من التكرار الترنمي والتكرار الملحوظ، وذلك بأن يعمد إلى كلمات متقاربة المعاني، مترادفات أو شبيهة بالمترادفات، فيسرها سردًا، ليقوي بها معنى الجد والإعراض عن غرض النسيب.
خذ مثلا قول عبدة بن الطبيب من شعراء المفضليات (٢٦٨):
فعد عنها ولا تشغلك عن عملٍ ... وإن الصبابة بعد الشيب تضليل
بجسرةٍ كعلاة القين دوسرةٍ ... فيها على الأين وإرقال وتبغيل (١)
عنسٍ تشير بقنواتٍ إذا زجرت ... من خصبةٍ بقيت منها شماليل (٢)
قرواء مقذوفةٍ بالنحض يشعفها ... فرط المراح إذا كل المراسيل (٣)
فقوله: "جسرة" و"كعلاة القين" و"دوسرة" و"إرقال" و"تبغيل" و"عنس" و"تشير بقنوان" و"قرواء" و"مقذوفة بالنحض" كل هذه من قبيل المترادفات، ولا تخلو اثنتان منها من تقارب في المعنى. ثم إنك تجدها جميعًا تشترك في أحرفٍ من نوعٍ واحد، كأنما أريد بها تقوية النغم والرنين، مثل الراء من جسرة
стр. 649
ودوسرة، واللام من إرقال وتبغيل، والنون من عنسٍ وقنوان، والقاف من قرواء مقذوفة. فكونها جميعا متقاربة المعاني، يجعلها من قبيل التكرار الملحوظ. وكونها تشترك في أحرف مراد بها تقوية الرنين، يقرب بها من التكرار الترنمي. فهذا قولنا آنفا إن الشاعر يكتفي- إذا اختصر أمر السفر - بشيء هو مزيج من التكرار عند التكرار الترنمي والتكرار الملحوظ. وسنفصل الحديث عن هذا النوع من التكرار عند كلامنا عن الجناس.
وهاك بعد مثالًا آخر:
فسل الهم عنك بذات لوث ... عذافرةٍ كمطرقة القيون (١)
بصادقة الوجيف كأن هرًا ... يباريها ويأخذ بالوضين (٢)
كساها تامكًا قردًا عليها ... سوادي الرضيخ مع اللجين (٣)
وهكذا- فتأمل كيف احتفظ بالذال في قوله: "ذات لوث وعذافرة" ثم كيف كرر القاف في "مطرقة القيون"، و "صادقة الوجيف" وفعل مثل ذلك بالكاف في "كساها، وتامكا".
هذا وإذا أطال الشاعر صفة السفر، فهو يعمد إلى أصناف التكرار الترنمية والصورية إلى تحدثنا عنها من قبل. وذكر المواضع كثير في صفة رحلات الحمر الوحشية والبقر والنعام كشرته في النسيب، ولا عجب، فالجو الذي يشيعه وصف الوحش، في قصائد العرب الأوائل. من سنخ الجو الذي يشيعه النسيب، إذ أنه مفعم
стр. 650
"بنو ستاجيا" الصحراء. وهذا أمر سنفيض فيه بابٍ آخر إن شاء الله. ونكتفي هنا بضرب مثل واحدٍ من شعر زهير، قال يشبه ناقته بحمار الوحش، ويصف الحمار:
أذلك أم شتيم الوجه جأب ... عليه من عقيقته عفاء (١)
تربع صارةً حتى إذا ما ... فنى الدجحلان عنه والإضاء (٢)
ترفع للقنان وكل فج ... طباه الرعي منه والخلاء (٣)
فأوردها حياض صنيبعاتٍ ... فألفاهن ليس بهن ماء (٤)
فشج بها إلا ماعز فهي تهوي ... هوي الدلو أسلمها الرشاء (٥)
كأن سحيلة في كل فجرٍ ... على أحساء يثمودٍ دعاء (٦)
فهنا ترى تكرار المواضع واضحا. وأمثال هذا كثير في الشعر القديم.
التكرار الصوري في المدح والفخر
قد يسلك الشاعر في المدح والفخر مسلك الخطابة، وذلك بتعداد الصفات
стр. 651
وتفخيمها. وعندئذ يعمد إلي شيء مزيج من التكرار الترنمي والتكرار الملحوظ، على النحو الذي رأيناه في وصف السفر، مثال ذلك قول زهير:
أغر أبيض فياض يفكك عن ... أيدي العناة وعن أعناقها الربقا
وذاك أحزمهم رأيًا إذا نبأ ... من الحوادث غادى الناس أو طرقا
ولا أحسبه فاتك هنا موضع الضاد من "أبيض" ومن "فياض" والحاء من "أحزم" و"الحوادث".
وإذا أطال الشاعر المدح والفخر، وسلك فيها مسلك الوصف، فإنه يكثر من التكرار الملفوظ والملحوظ. وهذا الصنف ليس بكثير في أشعار الجاهلية، إذ الغالب على المدح الجاهلي والفخر الجاهلي استعمال الأسلوب الخطابي، وطلب الإيجاز مع الوضوح، وإيجاب الحقوق، كقول زهير (١):
إن البخيل ملوم حيث كان ولـ ... كن الجواد على علاته هرم
هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوًا ويظلم أحيانًا فيظلم
وإن أتاه خليل يوم مسألةٍ ... يقول لا غائب مالي ولا حرم
وإذا استعمل الشاعر الجاهلي الوصف بقصد التشبيه، فإنه قلما يطيل، ما دام هو في غرض المدح. وأكثر ما يطيلون فيه من تشبيهات المدح وصف الفرات والبحر، إذا أردوا أن يجعلوا الممدوح مثله في العطاء، كقول النابغة (٢):
وما الفرات إذا جاشت غواربه ... ترمي أواذيه العبرين بالزبد
يمده كل وادٍ مترعٍ لجبٍ ... فيه ركام من الينبوتٍ والخضد
стр. 652
يظل من خوفه الملامح معتصما ... بالخيزرانه بعد الأين والنجد
يومًا بأجود منه سيب نافلةٍ ... ولا يحول عطاء اليوم دون غد
وما هو من هذا المجرى، ومن كل ما أريد به تقوية المدح وتأكيده.
والوصف في معرض المدح كثيرٌ جدًا في الشعر الإسلامي ولا سيما وصف الجروب والمغازي، وخاصة عند الشعراء العباسيين، وتجد تكرار المواضع التي دارٍ فيها القتال أو كان إليها سير الجيوش، يحتل في قصائد المدح العباسية، منزلة شبيهة بتلك التي كانت تحتلها توضح والمقراة وجومل من النسيب الجاهلي. خذ مثلًا قول أبي تمام (١):
يا يوم اشق كنت رشق منيةٍ ... للخرمية صائب الآجال
أسرى بنو الإسلام فيه وأدلجوا ... بقلوب أسدٍ في صدور رجال
قد شمروا عن سوقهم في ساعةٍ ... أمرت إزار الحرب بالإسبال
وكذاك ما تنجر أذيال الوغى ... إلا غداة تشمر الأذيال
قلت: هذا البيت الثاني كالشرح لسابقه. فقد طابق أبو تمام بين تشمير الرجال وجدهم في الحرب، وكون فظيعة هائلة غاطية الأكناف، فشبهها بالأنثى، وجعل هذا الهول وهذه الإحاطة، كالذيل السابغ الذي تلبسه الأنثى، وتخطر فيه مدلة بحسنها وجبروتها وكأنه خشي ألا يفطن السامع إلى ما في هذا التشبيه من حذق ومهارة، فاردفه بهذا اللعب اللفظي الرشيق في قوله: "أذيال الوغى" و"تشمر الأذيال"- والرشاقة في كونه اجترأ ونسب إلى الرجال أذيالا يشمرون عنها. ولعله سوغ له هذه الجرأة، ما كانوا يصفون به دروع الكماة من السبوغ والإكمال.
стр. 653
رجع:
لما رآهم بابك دون المنى ... هجر الغواية بعد طول وصال
تخذ الفرار أخًا وأيقن أنه ... صري عزمٍ من أبي سمال (١)
قد كان حزن الخطب في إحزانه ... فدعاه داعي الحين بالإسهال (٢)
لبست له خدع الحروب زخارفا ... فرقن بين الهضب والأوعال (٣)
ووردن موقانا عليه شوازبا ... شعثًا بشعثٍ كالقطا الأرسال (٤)
يحملن كل مدجج سمر القنا ... بإهابه أولى من السربال
خلط الشجاعة بالحياء فأصبحا ... كالحسن شيب لمغرمٍ بدلال
أقول: وهذا المغرم هو أبو تمام نفسه، فما الذي يدعوه إلى ذكر الدلال والحسن وهو بمعرض وصف الأهوال والقتال؟ وما أحسب هذا البيت إلا منزلات القلم واللسان الفاضحة التي تبدو من الشعراء أحيانًا، مثل قول ابن الوردي في اللامية:
واله عن آلة لهو أطربت ... وعن الأمرد مرتج الكفل
إن تبدي تنكشف شمس الضحا ... وغذا ما ماس يزري بالأسل
فهذا شر مما نهى عنه. والقارئ يعلم أن أبا تمام كان مغرى بالغلمان، ولا يخالجني شك في أنه كان يعجبه جمال الغلمان الأتراك وهم في الزرد وعلى الخيل
стр. 654
المطهمة، وبأيديهم النبال وفي أعينهم الأسهم. وقد أبى هذا الإعجاب الجامح الطامح إلا أن يتسرب إلى حاق الجد من شعر أبي تمام، متخفيًا تحت ستر التشبيه والمجاز والصناعة اللفظية. ونعود بعد إلى ما كنا فيه، قال:
فنجا ولو يثقفنه لتركنه ... بالقاع غير موصل الأوصال
وانصاع عن موقان وهي لجنده ... وله أب بر وأم عيال (١)
هيهات روع روعه بفوارس ... في الحرب لا كشفٍ ولا أميال
جعلوا القنا الدرجات للكذجات ذا ... ت الغيل والحرجات والأدحال (٢)
فأولاك هم قد أصبحوا وشروبهم ... يتنادمون كئوس سوء الحال
وبهضبتي أبرشتويم ودروز ... لقحت لقاح النصر بعد حيال
يوم أضاء به الزمان وفتحت ... فيه الأسنة زهرة الآمال
لولا الظلام وقلة علقوا بها ... باتت رقابهم بغير قلال
فليشكروا جنح الظلام ودروزًا فهم لدروز والظلام موال
وهكذا. ولعلك أيها القارئ الكريم قد فطنت إلى موضع تكرار المواقع التي دار فيها القتال مثل أبرشتويم، ودروز، وموقان، وأرشيق. وقد كان أبو تمام شديد الطلب للجناس، وكان هذا كثير ما يدعوه للتقليل منذكر المواضع، ضنا بفنه ألا يذكر موضعا غير محلى بجناس يشبهه. على أن أبا تمام مع لإقلاله هذا، قد كان كأنما اخترع طريقة جديدة في وصف الحرب، بالنسبة إلى من سبقوه -فهو يلح في ذكر تسلسل المواقع، ويجعل أسماء الأماكن كالمعالم من هذا التسلسل الملحمي. وفي
стр. 655
القصيدة التي استشهدنا منها بالأبيات السابقة. ذكر سبعة مواضع في نسق، أولها أرشقـ وآخرها سر من رأى، التي حدث فيها صلب بابك الخرمي.
ولا نكاد نجد من الشعراء المولدين الذين تقدموا أبا تمام، من يحرص على مثل هذا التسلسل في ذكر المواقع غير مسلم بن الوليد. وكثير من النقاد يعدونه فاتح الطريق التي انتهجها أبو تمام في أصناف الصناعة والبديع. وأحسب أبا تمام نظر شيئًا ما إلى مسلم، ولكنه اعتمد في مذهبه كل الاعتماد، على شعراء العهد الأموي. أمثال كعب بن معدان الأشعري في كلمته:
يا حفص إني عداني عنكم السفر ... وقد سهرت فآذى جفني السهر
والأخطل في كلمته:
ألا يا اسلمى يا هند هند بني بدر ... وإن كان حيانًا عدًا آخر الدهر
واعتماد أبي تمام على شعر السير والأخبار واضحٌ ولا سيما في هذه اللامية، خذ منها قوله على سبيل المثال:
ونجا ابن خائنة البعولة لو نجا ... بمهفهف الكشحين والآطال (١)
ترك الأحبة ساليًا لا ناسيًا ... عذر النسي خلاف عذر السالي
فهذه فيه إشارة بينة إلى ما ينسبونه إلى حسان من قوله يذكر هرب الحارث ابن هشام يوم بدر (٢):
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طرة ولجام
стр. 656
وقد أجاب الحارث بن هشام عن هذا بقوله:
تالله إني ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد
وشممت ريح الموت من تلقائهم ... وعلمت أني إن أقاتل أجهد
وعلمت أني إن أقاتل واحدًا ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي
ففررت عنها والأحبة فيهم ... طمعًا لهم بعقاب يوم مرصد (١)
هذا، وقد أقدم البحتري على الإكثار من التكرار، منتهجًا منهج أستاذه أبي نمام في مراعة التسلسل، وغير مشفق على فنه من ذهاب الرونق بترك الجناس والاقلال منه. ومن أجود ما جاء في شعره في هذه الطريقة قصيدته (٢):
أأفاق صب من هوى فأفيقا
وقد أشرنا إليها في الجزء الأول من كتابنا (٣). وفيها يقول، والحديث عن التغلبي الخارجي الذي أصابه أبوسعيد الثغري:
كنا نكفر من أمية عصبة ... طلبوا الخلافة فجرة وفسوقا
ونقول تيم قربت وعديها ... أمرًا بعيدًا حيث كان سحيقا (٤)
وهم فريش الأبطحين إذا انتموا ... طابوا أصولا فيهم وعروقا
حتى انبت جشم بن بكر تبتغي ... إرث النبي وتدعيه حقوقا (٥)
стр. 657
جاءوا براعيهم ليتخذوا به ... عمدًا إلى قطع الطريق طريقا
طرحوا عباءته وألقوا فوقه ... ثوب الحلافة مشربًا راووقا (٦)
عقدوا عمامته برأس قناته ... ورأوه برا فاستحال عقوقا
وأقام ينفذ في الجزيرة حكمه ... ويظن وعد الكاذبين صدوقا
حتى إذا ما الحية الذكر انكفا ... من أرزن حنقا يمج حريقا
غضبان يلقى الشمس منه بهامةٍ ... تعشي العيون تألقا وبريقا
أوفى عليه فظل مندهش يعد البر بحرًا والفضاء مضيقا
غدرت أمانيه به وتمزقت ... عنه غيابة سكره تمزيقا
طلعت جيادك من ربي الجودي قد ... حملن من دفع المنون وسوقا (١)
يطلبن ثأر الله عند عصابةٍ ... خلعوا الإمام وخالفوا التوفيقا
فدعا فريقا من سيوفك حتفهم ... وشددت في عقد الحديد فريقا
ومضى ابن عمر وقد أساء بعمره ... ظنا ينزق مهرة تنزيقا
فاجتاز دجلة خائضا وكأنها ... قعب على باب الكحيل أريقا
لو خاضها عمليق أو عوج إذًا ... ما جوزت عوجا ولا عمليقا (٢)
لولا اضطراب الخوف في أحشائه ... رسب العباب به فمات غريقا
خاص الحتوف إلى الحتوف معانقا ... زجلا كفهر المنجنيق عتيقا (٣)
стр. 658
لو نفسته الخيل لفتة ناظر ... ملأ البلاد زلازل وفتوقا
لثنى صدور السمر يكتشف كربة ... ولوى رؤوس الخيل يفرج ضيقا
أقول قد مال البحتري في هذين البيتين إلى جانب الخارجي. والبحتري على رونق لفظه قد كان بدوي النفس، جزلا. أم لعله كان صاحب تقية، وكان لا يريد أن يفرط كل الأفراط في ذم التغلبي، خشية أن يوغر صدور بعض فتاك تغلب عليه! ولا أرى لا أن القارئ قد تنبه إلى فخامة اللام في قوله لثنى، وإلى هذا النهج الفصيح الجزل الذي انتحاه الشاعر في سائر البيت. هذا، ثم يقول:
ولبكرت بكر وراحت تغلب ... في نصر دعواته إليه طروقا (١)
حتى يعود الذئب ليثا ضيغما ... والغصن ساقا والقرارة نيقا (٢)
هيهات مارس قلقلا متيقظا ... قلقا إذا سكن البليد وشيقا
مستسلفًا جعل الغبوق صبوحه ... ومرى صبوح غدٍ فصار غبوقا (٣)
لله ركضك إذ يبادرك المدى ... ومبين سبقك إذ أتى مسبوقا (٤)
جاذبته فضل الحياة فأفلتت ... من كفه قمنا بذاك حقيقا
فرددت مهجته وقد كرع الردى ... ليجف منهلا مطروقا
أقول: هذا البيت مما أتبع البحتري فيه أسلوب أبي تمام اتباعا بينا. فقد شبه مهجة الخارجي بالمنهل، ولما جعلها منهلا ذلك بأنه مطروق، على عادة
стр. 659
الشعراء القدامى، والمنهل المطروق يكون في جمه البعر والروث والأوساخ. وتشبيه مهجة الخارجي بالمنهل المطوق يمثل ما أراده البحتري من نعته بالشراسة والعنجهية تمثيلا حسنا. ثم جعل الردى بمنزلة الكارع الظمأن الذي يريد أن يجف ذلك المنهل المطروق. ونسب إلى الممدوح حسن الصفح لأنه رد على الخارجي مهجته بعد أن كرعها الردى كرعا يريد به أن يجف منهلها ويفنيها. وهذا، ثم يقول البحتري:
لبس الحديد أساورا وخلاخلا ... فكفيته التسوير والتطويقا
بالتل تل ربيع بين مواضع ... ما زال دين الله فيها يوقى
ساتيدما، وسيوفنا في هضبة ... يفرى إياس بها الطلى والسوقا (١)
حتى تناول تاج قيصر مشربا ... بدم وفرق جمعة تفرقا
والجازران، وهتم إبراهيم في ... ثنييهما تلك الثنايا (٢) الروقا
قتل الدعي ابن الدعي بضربةٍ ... خلس وحرق جيشه تحريقا
والزاب إذ حانت أمية فاغتدت ... تزجي لنا جعديها الزنديقا (٣)
стр. 660
كشفوا بتل كشاف أرواقة الدجى ... عن عارضٍ ملأ البلاد بروقا (١)
نلناهم قبل الشروق بأذرع ... يهززن في كبد الظلام شروقا
حتى تركنا الهام يندب منهم ... هاما ببطن الزابيين فليقا (٢)
يا تغلب بنة تغلب حتى متى ... تردون كفرا موبقا ومروقا
ولقد نظرنا في الكتاب فلم نجد ... لمقالكم في آيةٍ تحقيقا
أو ما علمتم أن سيف محمد ... أمسى عذابا بالطغاة محيقا
لا تنتضوه بأن تروموا خطة ... عسراء تعيي الطالبين لحوقا
خلوا الخلافة إن دون لقائها ... قدرا بأخذ الظالمين خليقا
قد ردها زيد بن حصن بعدما ... مدوا عليه رداءها المشقوقا
بالنهروان وعاهدوه فأكدوا ... عقدا له بين القلوب وثيقا
ورجال طي مصلتون أمامه ... ورقا هناك من الحديد رقيقا
لم يرضها لما اجتلاها صبعة ... لم ترضه خدنا لها ورفيقا
لو واصلت أحدا سوى أصحابها ... منهم لكان لها أخا وصديقا
فالبحتري قد ذكر في هذه القصيدة نحوا من اثني عشر موضعا واثنين وعشرين علما ومع أن الأعلام والمواضع جميعها منتزعة من صميم الوصف المتسلسل الذي أراد إليه الشاعر نجد أن أثرها في تقوية صورة الملحمة الملابسة لهذا الوصف، غير خاف. ومما يحسن التنبيه عليه هنا، أن ترديد الأعلام والمواضع في معرض أوصاف الحروب كان أشبه بترديد أسماء البلدان والعلام في شعر امرئ القيس وعند قدماء الجاهلين، منه بترديدها في أشعار جرير ومتأخرة الجاهلين. أعني بهذا أن امرأ القيس
стр. 661
والمهلهل وأضرابهما كانوا يكرون أسماء مواضع لها صلة بواقع تجاربهم، زيادة على أنهم كانوا يقصدون بذلك التكرار تقوية ما همبسببه من نسيب أو حنين أو نحوه. أما جرير ومن جاء بعده، كما قدمت، إنما كانوا يكررون مترنمين بقصد إشاعة روح الشجن "والنوستالجيا" من غير مراعاة لوجود صلة بين ما يذكرونه من أسماء، وواقع الحياة التي كانوا يعيشونها أو يتغنون بها. وأبو تمام في اللامية وغيرها والبحتري في القافية وغيرها يرددان مواضع لها صلة حيوية قوية بما هما بصدد وصفه. ولعلك أن تكون قد تنبهت لذكر البذ وأبرشتويم وموقان عند الأول. وفي هذه القافية من شعر البحتري، ورد ذكر موقان (١) كما ورد في شعر أبي تمام، وفي غير هذه القافية ورد ذكر أرشق والبذ وسواهما من أسماء المواضع الأعجمية. ولعلك تذكر ما قدمناه من أن المواضع النسبيية قد التزم الشعراء فيها نهجا خاصا، وهو ألا يتجاوزوا ذكر الأماكن الواردة في أشعار القدماء، خصوصا شعر جرير، اللهم إلا فيما عدا الأديرة، وحتى الأديرة قد وردت في شعر جرير، فهم كما ترى لم يقيدوا أنفسهم في باب الوصف الحربي كما قيدوا أنفسهم في باب النسيب والحنين. والسر في ذلك عندي، أن دينا الحنين والنسيب قد نضج التعبير عنها كل النضج في الشعر القديم، حتى صارت أمثال سلع، ودارة صلصل، وسليمانين، لها بمنزلة المعالم، وحتى جاز للشعراء أن يستشعروا الحنين وشجن النسيب بمجرد ذكر هذه الأسماء. أما مواضع القتال التي ذكرها الجاهليون فإنما كانت ترتبط بأيام العرب ونحوها مما هو بمنزلة العبث إذا قيس إلى اليرموك والقادسية ونهاوند وصفين والغمرات التي خاضها المهلب والأزارقة وقتيبة بن مسلم ورجالات الحروب في الدولة العباسية. ثم إن ذكر المواضع الأعجمية كان أدل على حال هذه الحروب المتسعة الرقعة، وأفصح في التعبير عن مجد الخلافة، وبطولة
стр. 662
أبطالها من ذكر ذي قار والرقم والكلاب والحشاك والثرثار وغزوات العرب الأوائل. وفي شعر أبي تمام نجد تعمدا لذكر بلدان الأعاجم كما لا تجد عند شاعر قبله من المولدين. وكأنما نظر كما أسلفنا نظرة مباشرة إلى شعر الفتوح ككلمة كعب الأشقري التي يقول فيها:
ويوم سلي وسلبرى أطاف بهم ... منا صواعق لا تبقي ولا تذر
وكقول قطري بن الفجاءة:
ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت ... طعان فتى في الحرب غير ذميم
وكقول يزيد بن حبناء:
لقد كان في القوم الذين لقيتهم ... بسولاف شغل عن بزوز اللطائم
وقال الشماخ من قبل: "ألا يا أصيحابي قبل غارة سنجال" وفيها قوله:
تذكرتها وهنا وقد حال دونها ... قرى أذربيجان المسالح والجال
وقد وجد أبو تمام ثروة من الأسماء الأعجمية، فلم يتردد في استعمالها، مثل عمورية وأنقرة (١) والبذ وأرشق وأبرشتويم وعقرقس وميمذ (٢) غير أن أبا تمام كما قد ذكرنا، كان كثيرًا ما ينكص به عن إقدامه طلب التجنيس وتحري الصقل والصناعة. والبحتري أجرأ منه في هذا الباب، وسينية البحتري التي ليست من الملاحم الحربية في شيء، ويوشك غرضها أن يشابه أغراض النسيب، لما هو مشرب به من صبغة الحزن والشجن دليل قوي على ما نزعمه. ألا تجد أن الشاعر قد انتهز فيها فرصة الشبه الخفي بين المجد المتحطم الذي وقف على أطلاله وهو يتأمل الإيوان، والمجد
стр. 663
الباهي الذي كان يتغنى به عند مدح قصور المتوكل وبحيراته، ثم (١) أقدم على سرد أسماء المواضع الفارسية سردا شبيها بمسلك الجاهليين في أوائل النسيب وذكر الأطلال، مع تعمد ظاهر للترنم، وإثارة الشجن؟ (وستعرض للسينية فيما بعد)، ونكتفي هنا أن ننبه القارئ إلى نحو قوله:
فكأن الجرماز من عظم الأنـ ... ـس وإخلاله بنية رمس
وقوله:
مغلق بابه على جبل القبـ ... ـق إلى دارتي خلاطٍ ومكس
وأجرأ من أبي تمام والبحتري كليهما، على استعمال أسماء البلدان الأعجمية وغير الأعجمية، في باب الأوصاف الحربية، وأقدر افتنانا في ذلك، وأملك لتصريفها وإلباسها روحا جزلا قويا، وجعلها تنطق بجلال يفصح كل الإفصاح عن روعة الجهاد، شاعر المولدين والعباسيين، غير مدافع، أبو الطيب المتنبي. فهو، وإن كان زمانه قد تأخر عن عهد الفتوح الجسام أيام المتصم، والملاحم الرائعة على عهد البحتري، فقد شارك في حروب سيف الدولة، وأحسن من الحرب وهولها ما لم يحسه البحتري وأبو تمام، وأوتي من قوة التعبير ووضوحه ونصوعه وجسارته وجزلته، ما قل نظيره بين المحدثين. وكأن عمل أبي تمام وأبي عبادة، إنما كان إعدادا لما سيأتي به هو من روائع. خذ على سبيل المثال قوله (٢):
стр. 664
الراجع الخيل محفاة مقودة ... عن كل مثل وبارٍ أهلها إرم (١)
كتل بطريق المغرور ساكنها ... بأن دارك قنسرون والأجم
وظنهم أنك المصباح في حلب ... إذا قصدت سواها عمها الظلم
والشمس يعنون إلا أنهم جهلوا ... والموت يدعون إلا أنهم وهموا
فلم تتم سروج فتح ناظرها ... إلا وجيشك في جفنيه مزدحم
والنقع يأخذ حرانا وبقعتها ... والشمس تسفر أحيانا وتلتثم
سحب تمر بحصن الران ممسكة ... وما بها البخل لولا أنها نقم
جيش كأنك في أرضٍ تطاوله ... فالأرض لا أمم والجيش لا أمم
إذا مضى علم منها بدا علم ... وإن مضى علم منه بدا علم
وشزب أحمت الشعري شكائمها ... ووسمتها على آنافها الحكم (٢)
ولا أكاد أمسك قلمي عن الاستطراد في هذا الموضع -وألفتك أيها القارئ الكريم إلى هذه الجلبة والضوضاء التي يخلقها الشاعر خلقا، لينقلنا إلى جو المعمعة. ولا أظن أن المعامع التي شهدها أبو الطيب مع سيف الدولة كانت هذا الهول الذي يصفه، ولا أن خليه كانت كما يزعم الشاعر، تزدحم في أجفان المواضع قبل أن ننم فتح نواظرها، ويستر غبارها الشمس، فتسفر أحيانا وتلتثم، ويباري سحابها السحاب في التحليق على آفاق البلاد، ويطاول الأرض، فإن مضى منها علم بدا منه علم- لا أظن أن الواقع كان يشبه شيئا من هذا إلا في صورة مصغرة. وإنما قد كانت المعمعة حقا في صدر المتنبي، وفي خفايا نفسه. ولعلك بعد قد تأملت هذا السرد العنيف القوي للمواضع- وبار، وتل بطريق، وقنسرين، وسروج، وحران،
стр. 665
وحصن الران، وقد كان مثل هذا العدد كافيا للبحتري، وأقل منه يكفي أبا تمام. أما أبو الطيب فهذا إنما كان طرفا من نفسه، وفيه بقية صالحة بعد. أنظر قوله:
حتى وردن بسمنين بحيرتها ... ينش بالماء في أشداقها اللجم (١)
وأصبحت بقرى هنزيط جائلة ... ترعى الظبا في خصيب نبته اللمم (٢)
فما تركن بها خلدا له بصر ... تحت التراب ولا بازا له قدم
لا هزبرا له من درعه لبد ... ولا مهاة لها من شبهها حشم (٣)
ترمي على شفرات الباترات بهم ... مكامن الأرض والغيطان والأكم
وجاوزوا أرسناسا معصمين به ... وكبف يعصمهم ما ليس ينعصم
ولا تصدك عن بحر لهم سعة ... ولا يردك عن طود لهم شمم
وهكذا وهكذا في تيار من القول قؤي مندفع، لا يكاد يصده شيء. ودونك قوله في أخرى من كلماته (٤):
رمى الدرب بالجرد الجياد إلى العدا ... وماعلموا أن السهام خيول
شوائل تشوال العقارب بالقنا ... لها مرح من تحته وصهيل (٥)
وما هي إلا خطرة عرضت له ... بحران لبتها قنا ونصول
فلما تجلى من دلوك وصنجة ... علت كل طود راية ورعيل
стр. 666
على طرق فيها على الطرق رفعة ... وفي ذكرها عند الأنيس خمول
فما شعروا حتى رأوها مغيرة ... قاحا وأما خلقها فجميل
سحائب يمطرن الحديد عليهم ... فكل مكان بالسيوف غسيل (١)
وأمسى السبايا ينتحبن بعرقة ... كأن جيوب الثاكلات ذيول
وعادت فظنوها بموزار قفلا ... وليس لها إلا الدخول قفول
وكرت فمرت في دماء ملطية ... ملطية أم للبنين ثكول
وأضعفن ما كلفنه من قباقب ... فأضحى كأن الماء فيه عليل
ورعن بنا قلب كأنما ... تخر عليه بالرجال سيول
يطارد فيه موجه كل سابحٍ ... سواء عليه بالرجال سيول
يطارد فيه موجه كل سابح ... سواء عليه غمرة ومسيل
تراه كأن الماء مر بجسمه ... وأقبل رأس وحده وتليل (٢)
وفي بطن هنزيط وسمين للظبا ... وصم القنا ممن أبدن بديل
وهكذا وهلم جرا. وإبداع المتنبي ذي ذكر المواضع الحربية، وتمكنه من إشعار السامع والقارئ بحركة السير، ومنازل القتال، ومن إطفاء الجلال والجلبة على الوصف، كل ذلك مما لا يجاري فيه ولا يباري.
وبعد، فلعل هذه الصورة الخاطفة قد أعطت القارئ فكرة واضحة عما زعمنا من أن الشعراء قد استعملوا تكرار المواضع والأعرم في تقوية المعاني الصورية اللاحقة بالمدح وصفات القتال، كما استعملوه لتقوية المعاني الصورية اللاحقة بالشجن والحنين وما بمجراهما في النسيب ونحوه.
стр. 667
التكرار المراد به تقوية المعاني التفصيلية
ولك أن تسميه التكرار الخطابي، لأن الشعراء أكثر ما ينحون فيه منحى الخطابة وهو نوعان: ملفوظ، وملحوظ. فالملفوظ ما ألح فيه الشاعر على استعمال كلمة بعينها، أو كلمة مقاربة لها في الاشتقاق. والملحوظ ما استعمل فيه الشاعر كلمات مترادفة أو متشابهة المعاني. فمثال الأول قول المهلهل:
يا لبكر أنشروا لي كليبا ... يا لبكر أين أين الفرار
فقد كرر الشاعر "بكرا" ليقرر المعنى التفصيلي، وهو قصده إلى بكر بالتهديد ثم كرر اسم الاستفهام "أين" ليبالغ في تهويل معنى تفصيلي آخر، وهو تعذر الفرار. ومثال آخر من هذا الضرب، قول الحسين بن الضحاك الخليع:
سألونا أن كيف نحن فقلنا ... من هوى نجمه فكيف يكون
نحن قوم أصابنا حادث الدهر فظلنا لريبه نستكين
ننمنى من الأمين إيابا ... لهف نفسي وأين أين الأمين
فتكرار كيف في البيت الأول، فيه إشعار بتأكيد تغير الحال من الحسن إلى القبح، وتكرار "نحن" فيه معنى رثاء النفس. والصلة بين تكرار اسم الأمين واسم الاستفهام "أين" ومعنى التحسر الذي أراده الشاعر، كل ذلك بين جلي. ومما يحسن
стр. 668
التمثيل به في هذا الباب قول الآخر (١):
ألا إبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري (٢)
قلائصنا هداك الله إنا ... شغلنا عنكم زمن الحصار (٣)
لمن قلص تركن معقلات ... قفا سلع بمختلف البحار (٤)
يعقلهم جعدة من سليم ... وبئس معقل الذود الطواري (٥)
يعقلهن أبيض شيظمي ... معر يبتغي بسط العرار (٦)
فتكرار القلائص وتكرار ذكر التعقيل، كل هذا أراد به الشاعر أن يقرر معنى العبث الذي كان يعبثه جعدة من سليم، بنساء الأجناد الذين شغلتهم الفتوح، وحصار العدو.
ومن أمثلة التكرار التفصيلي الملحوظ قول المتنبي:
لم يسلم الكر في للأعقاب مهجته ... إن كان أسلمها الأصحاب والشيع
فالأصحاب والشيع، متقاربتا المعنى، وأريد بهما إظهار شجاعة سيف الدولة،
стр. 669
الذي لم يمنعه انخزال الأعوان، وتشتت الأنصار، عن الكر في الأعقاب، والدفاع عن الأحساب.
ومثال منه قول حبيب:
السيف أصدق أبناء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والربب
فالشك والريب شيء واحدن أو كالواحد.
ومما يحسن ذكره هنا أن بعض علماء البلاغة، يسمي هذا النوع من الأداء تطويلا ومما يستشهدون به قول الآخر: "وألفى قولها كذبا ومينا"، وكأنهم يعدون هذا من الإطناب الرديء. وعندي أن مثل هذا النوع من التكرار، ليس من التطويل في شيء، ولو لم يكن فيه إلا الجرس، فضلا عن التقوية والتأكيد للمعنى الذي يتأتى منه، لكفاه، على أن سبيل لا حب في العربية، وقل من الشعراء من لا يتعاطاه.
هذا، ويدخل في باب التكرار التفصيلي، ملفوظه وملحوظه، ما يسميه الجاحظ بالمذهب الكلامي، وابن رشيق القيرواني عده بابا من أبواب التكرار (١)، وذلك نحو قول الفرزدق:
لكل أمرئ نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها
ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... وإذا قل من أحرارهن شفيعها
فهذا إن شئت جعلته من التكرار الملفوظ، وهو كما ترى منحو فيه منحى المنطق والتحليل. ومن أجل هذا سماه الجاحظ: "المذهب الكلامي". وتيد المتنبي لهذا النوع من التكرار في إفراض وعنف، هو الذي كان كثيرا ما يورده الاوابد
стр. 670
والدهاريس مثل قول- وقد كنا استشهدنا به في معض الحديث عن التكرار الترنمي:
فتى ألف جزء رأيه في زمانه ... أقل جزيء بعضه الرأي أجمع
ومن شر أمثلة هذا النوع من التكرار، ما ذكره ابن رشيق نقلا عن ابن المعتز، وسماه مذهبا كلاميا فلسفيا، وهو البيت:
فيك خلاف لخلاف الذي ... فيه خلاف لخلاف الجميل
وقريب منه ما ينسب لديك الجن من قوله:
كأنها ما كأنه خلل الخلـ ... ـة وقف الحبيب إذ بغما
ويوشك أن يقع قريبا من هذا قول المقنع في الحماسة:
وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا
غير أن حاجة الأداء الشديد لتكرار "بين" هنا تغفر للشاعر ما كاد يقع فيه من الإفراط، هذا، ومما يصح الاستشهاد به على التكرار التفصيلي المنطقي الملحوظ قول المعري:
زحل أشرف الكواكب دارا ... من لقاء الردى على ميعاد
ولنار المريخ من حدثان الد ... هر مطفوإن علت في اتقاد
والثريا رهينة بافتراق الشمل حتى تعد في الأفراد
فهذا ملحوظ من حيث أن الشاعر كرر أسماء كواكب مختلفة، وكل ذلك يبلغ قصدا واحدًا، وهو تأكيد معنى الفناء، حتى للكواكب التي كان كثير من فلاسفة القرن الرابع يؤمنون بخلودها.
ويجري مجراه ما استشهد به ابن رشيق نقلا عن ابن المعتز من كلام أبي عبد الرحمن العطوي: