← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

على طرق فيها على الطرق رفعة ... وفي ذكرها عند الأنيس خمول فما شعروا حتى رأوها مغيرة ... قاحا وأما خلقها فجميل سحائب يمطرن الحديد عليهم ... فكل مكان بالسيوف غسيل (١) وأمسى السبايا ينتحبن بعرقة ... كأن جيوب الثاكلات ذيول وعادت فظنوها بموزار قفلا ... وليس لها إلا الدخول قفول وكرت فمرت في دماء ملطية ... ملطية أم للبنين ثكول وأضعفن ما كلفنه من قباقب ... فأضحى كأن الماء فيه عليل ورعن بنا قلب كأنما ... تخر عليه بالرجال سيول يطارد فيه موجه كل سابحٍ ... سواء عليه بالرجال سيول يطارد فيه موجه كل سابح ... سواء عليه غمرة ومسيل تراه كأن الماء مر بجسمه ... وأقبل رأس وحده وتليل (٢) وفي بطن هنزيط وسمين للظبا ... وصم القنا ممن أبدن بديل وهكذا وهلم جرا. وإبداع المتنبي ذي ذكر المواضع الحربية، وتمكنه من إشعار السامع والقارئ بحركة السير، ومنازل القتال، ومن إطفاء الجلال والجلبة على الوصف، كل ذلك مما لا يجاري فيه ولا يباري. وبعد، فلعل هذه الصورة الخاطفة قد أعطت القارئ فكرة واضحة عما زعمنا من أن الشعراء قد استعملوا تكرار المواضع والأعرم في تقوية المعاني الصورية اللاحقة بالمدح وصفات القتال، كما استعملوه لتقوية المعاني الصورية اللاحقة بالشجن والحنين وما بمجراهما في النسيب ونحوه.

стр. 667

التكرار المراد به تقوية المعاني التفصيلية ولك أن تسميه التكرار الخطابي، لأن الشعراء أكثر ما ينحون فيه منحى الخطابة وهو نوعان: ملفوظ، وملحوظ. فالملفوظ ما ألح فيه الشاعر على استعمال كلمة بعينها، أو كلمة مقاربة لها في الاشتقاق. والملحوظ ما استعمل فيه الشاعر كلمات مترادفة أو متشابهة المعاني. فمثال الأول قول المهلهل: يا لبكر أنشروا لي كليبا ... يا لبكر أين أين الفرار فقد كرر الشاعر "بكرا" ليقرر المعنى التفصيلي، وهو قصده إلى بكر بالتهديد ثم كرر اسم الاستفهام "أين" ليبالغ في تهويل معنى تفصيلي آخر، وهو تعذر الفرار. ومثال آخر من هذا الضرب، قول الحسين بن الضحاك الخليع: سألونا أن كيف نحن فقلنا ... من هوى نجمه فكيف يكون نحن قوم أصابنا حادث الدهر فظلنا لريبه نستكين ننمنى من الأمين إيابا ... لهف نفسي وأين أين الأمين فتكرار كيف في البيت الأول، فيه إشعار بتأكيد تغير الحال من الحسن إلى القبح، وتكرار "نحن" فيه معنى رثاء النفس. والصلة بين تكرار اسم الأمين واسم الاستفهام "أين" ومعنى التحسر الذي أراده الشاعر، كل ذلك بين جلي. ومما يحسن

стр. 668

التمثيل به في هذا الباب قول الآخر (١): ألا إبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري (٢) قلائصنا هداك الله إنا ... شغلنا عنكم زمن الحصار (٣) لمن قلص تركن معقلات ... قفا سلع بمختلف البحار (٤) يعقلهم جعدة من سليم ... وبئس معقل الذود الطواري (٥) يعقلهن أبيض شيظمي ... معر يبتغي بسط العرار (٦) فتكرار القلائص وتكرار ذكر التعقيل، كل هذا أراد به الشاعر أن يقرر معنى العبث الذي كان يعبثه جعدة من سليم، بنساء الأجناد الذين شغلتهم الفتوح، وحصار العدو. ومن أمثلة التكرار التفصيلي الملحوظ قول المتنبي: لم يسلم الكر في للأعقاب مهجته ... إن كان أسلمها الأصحاب والشيع فالأصحاب والشيع، متقاربتا المعنى، وأريد بهما إظهار شجاعة سيف الدولة،

стр. 669

الذي لم يمنعه انخزال الأعوان، وتشتت الأنصار، عن الكر في الأعقاب، والدفاع عن الأحساب. ومثال منه قول حبيب: السيف أصدق أبناء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والربب فالشك والريب شيء واحدن أو كالواحد. ومما يحسن ذكره هنا أن بعض علماء البلاغة، يسمي هذا النوع من الأداء تطويلا ومما يستشهدون به قول الآخر: "وألفى قولها كذبا ومينا"، وكأنهم يعدون هذا من الإطناب الرديء. وعندي أن مثل هذا النوع من التكرار، ليس من التطويل في شيء، ولو لم يكن فيه إلا الجرس، فضلا عن التقوية والتأكيد للمعنى الذي يتأتى منه، لكفاه، على أن سبيل لا حب في العربية، وقل من الشعراء من لا يتعاطاه. هذا، ويدخل في باب التكرار التفصيلي، ملفوظه وملحوظه، ما يسميه الجاحظ بالمذهب الكلامي، وابن رشيق القيرواني عده بابا من أبواب التكرار (١)، وذلك نحو قول الفرزدق: لكل أمرئ نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... وإذا قل من أحرارهن شفيعها فهذا إن شئت جعلته من التكرار الملفوظ، وهو كما ترى منحو فيه منحى المنطق والتحليل. ومن أجل هذا سماه الجاحظ: "المذهب الكلامي". وتيد المتنبي لهذا النوع من التكرار في إفراض وعنف، هو الذي كان كثيرا ما يورده الاوابد

стр. 670

والدهاريس مثل قول- وقد كنا استشهدنا به في معض الحديث عن التكرار الترنمي: فتى ألف جزء رأيه في زمانه ... أقل جزيء بعضه الرأي أجمع ومن شر أمثلة هذا النوع من التكرار، ما ذكره ابن رشيق نقلا عن ابن المعتز، وسماه مذهبا كلاميا فلسفيا، وهو البيت: فيك خلاف لخلاف الذي ... فيه خلاف لخلاف الجميل وقريب منه ما ينسب لديك الجن من قوله: كأنها ما كأنه خلل الخلـ ... ـة وقف الحبيب إذ بغما ويوشك أن يقع قريبا من هذا قول المقنع في الحماسة: وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا غير أن حاجة الأداء الشديد لتكرار "بين" هنا تغفر للشاعر ما كاد يقع فيه من الإفراط، هذا، ومما يصح الاستشهاد به على التكرار التفصيلي المنطقي الملحوظ قول المعري: زحل أشرف الكواكب دارا ... من لقاء الردى على ميعاد ولنار المريخ من حدثان الد ... هر مطفوإن علت في اتقاد والثريا رهينة بافتراق الشمل حتى تعد في الأفراد فهذا ملحوظ من حيث أن الشاعر كرر أسماء كواكب مختلفة، وكل ذلك يبلغ قصدا واحدًا، وهو تأكيد معنى الفناء، حتى للكواكب التي كان كثير من فلاسفة القرن الرابع يؤمنون بخلودها. ويجري مجراه ما استشهد به ابن رشيق نقلا عن ابن المعتز من كلام أبي عبد الرحمن العطوي:

стр. 671

فوحق البيان يعضده البر ... هان في مأقط ألد الخصام ما رأينا سوى الحبيبة شيئا ... جمع الحسن كله في نظام فالبيان والبرهان، كما ترى متقاربان. وهك بعد أمثلة تجمع بين ضربي التكرار التفصيلي الملحوظ والملفوظ. من ذلك قول أبي تمام في بائيته المشهورة: أين الرواية بل أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب تخرصا وأحاديثًا ملفقة ... ليست بنبغ إذا عدت ولا غرب عجائبًا زعموا الأيام مجفلة ... عنهن في صفر الأصفار أو رجب وخوفوا الناس من دهياء مظلمة ... إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب وصيروا الأبرج العليا مرتبة ... ما كان منقلبا أو غير منقلب يقضون بالأمر عنها وهي غافلة ... ما دار في فلك منها وفي قطب لو بينت قط أمرا قبل موقعه ... لم تخف ما حل بالأوثان والصلب فتح الفتوح تعالى أن يحيط به ... نظم من الشعر أو نثر من الخطب فتح تفتح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب يا يوم وقعة عمورية انصرفت ... عنك المنى حفلا معسولة الحلب أبقيت جد بني الإسلام في صعد ... والمشركين ودار الشرك في صبب والقصيدة كلها مشحونة بروائع التكرار، من جميع ضروبه، وهي مشهور، فنكتفي بهذا القدر منها. ولعلك تكون قد تنبهت أيها القارئ الكريم للتكرار الخفي، في قوله "زخرف" و"كذب" و"تخرص" و"أحاديث ملفقة"، ولقوله "صفر الأصفار أو رجب" قوله، "الكوكب الغربي ذو الذنب" وقوله، "في فلك" و"في قطب" وهكذا. ولا يخفى مكان التكرار الملفوظ في قوله "أين الرواية" و"أين

стр. 672

النجوم"، وقوله "فتح الفتوح"، وقوله "فتح تفتح أبواب السماء له". ومما برع فيه أبو تمام تلطفه في إخفاء التكرار عند قوله: يا يوم وقعة عمورية انصرفت ... عنك المنى حفلا معسولة الحلب فقد جعل المنى هنا مثل النعم الحفل: أي الممتلئة الضروع باللبن. ثم أضاف إلى معنى الامتلاء، معنى الحلاوة بذكر العسل؛ وجعل اللبن المحلوب من هذه المنى معسولا. ولا يخفى على البصير أن قول الشاعر معسولة الجلب، إن هو إلا تكرار وتأكيد لقوله "حفل"، بالرغم من الزيادة المعنوية. هذا، ومن أمثلة التكرار التفصيلي الحسنة، فيما أرى، نونية الواساني (١) التي صنعها في هجام قوم تراكموا عليه في دعوة عملها بقرية خمرايا من أعمال دمشق. وروح القصيد يغلب عليه اهزل والتهكم والعبث. وربما قصر بها ذلك عن مستوى الشعر الرفيع الجاد. ولكنها طريفة حقا، ونادرة في بابها. وأنا أكتفي لك هنا بذكر نتف منها، وأحيلك عليها بعد كاملة في يتيمة الدهر للثعالبي (٢)، وقد ذكر ياقوت جانبًا صالحًا منها في معجمه (٣). قال: ضرب البوق في دمشق ونادوا ... لشقائي في سائر البلدان النفير النفير بالخيل والرجـ ... ـل إلى فقر ذا الفتى الواساني (٤) جمعوا لي الجموع من جبل جيلا ... ن وفرغانة ومن ديلمان

стр. 673

ومن الروم والصقالب والتر ... ك وبعض البلغار واليونان لم يحاشوا ممن عددت من الآ ... فاق من مسلم ولا نصراني ولا أحسب القارئ إلا قد فطن إلى أن هذا التكرار ملحوظ، اعتمد فيه الشاعر توضيح المعنى، وهو جمع الخلق من كل فج، عن طريق تعداد الأجناس والمبالغة. ثم تجاوز ذكر الأجناس إلى ذكر أصناف الأشخاص، ليبالغ في أبراز قبحهم ودمامتهم وشراهتهم قال: والبوادي من الحجاز إلى نجـ ... دٍ معديها مع القحطاني كل شكل ما بين حدب وحولٍ ... وأصم والعمي والعوران (١) وشيوخ قب البطون وشبا ... ن رحاب الأشداق والمصران (٢) كل ذي معدةٍ تقعتع جوعا ... وهو شاكي السلاح بالأسنان ثم لما فرغ من أوصاف أشكالهم، تجاوزها إلى أسمائهم، وراعى في ذلك إبراز القبح والدمامة، وأحسن في سرد الأعلام، وإجرائها مع رنة الوزن، مع إبراز الناحية الخطابية، ناحية المبالغة والتهويل، بترديدها في نسق لا أشك أن أبا تمام لا يستكبر أن ينسب إليه. وذلك قوله: كل ذي اسم مستغرب أعجمي ... منعت صرف إسمه علتان (٣) كمرند وطغتكين وطرخا ... ن وكسرى وخرم وطغاني وخمار وزيرك وخونذ ... ومحيس وطشلم وجوان (٤)

стр. 674

غمر جمعوا بغير عقولٍ ... وازعات عني ولا أديان هل سمعتم بمعشر بمعشر جمعوا الخيـ ... ـل وسأروا بالرجل والفرسان رحلوا من ديارهم ليلة المر ... فع من أجل أكلة مجان وهذا كما لا يخفى مسروق من قول جرير يهجو بني الهجيم في إحدى كلماته: وبنو الهجيم قبيلة ملعونة ... حص اللحى متشابهو الألوان لو يسمعون بأكلة أو شربة ... بعمان أصبح جمعهم بعمان والمرفع الذي ذكه الشاعر هو موسم من مواسم النصارى، وزعم صاحب حواشي معجم الأدباء أنه الأيام التي تسبق صوم النصارى. ولا أحسب النصارى يقمون للأيام التي تسبق صوم الفصح وزنًا، إنما الوزن للفصح نفسه، ولنهايته، والله أعلم. ثم يقول الشاعر الواساني: لست أنسى مصيبتي يوم جاءوا ... في خميس ملء الربا والمغاني يقدم القوم أرحبي هربت الشـ ... ـدق رحب المعي طويل اللسان هو نمس الدجاج والبط والوز ... ز وذئب النعاج والخرفان وأبو القاسم الكبير على طر ... ف كميت أقب كالسرحان وأخوه الصغير يعترض الخيـ ... ل على قارح عريض اللبان (١) والسري الذي سرى في جيوش ... أضعفتني وقصرت من عناني بفم واسع وشدق رحيب ... وبكف تجول كالصولجان ثم أخذ الوساني يعدد الأشخاص والأسماء، وينحي بالملائمة والتقريع على أولئك الأدباء والظرفاء والفلاسفة الذين كان يظن فيهم الخير، فإذا هم بطون رحاب، وأشداق صلاب، وأضراس مثل كلاليب العذاب، وإذا هم نائبة مع النوائب، وشر مع الذي ضافه من الشر. ثم ماذا؟

стр. 675

قصدت هذه الطوائف خمرا ... يا ابتلاء ونكبة لا متحان قلت ما شانكم فقالوا أغثنا ... ما طمعنا الطعام منذ ثمان وأناخوا بنا فيالك من يو ... م عصيب من حادثات الزمان نزلوا ساحتي وأطلقت الخيـ ... ـل بزرع الحقول والبستان أفقروني وغادروني بلا دا ... ر ولا ضيغة ولا صيوان أدهشوني وحيروني وقد صر ... ت ذهولا أهيم كالسكران تركوني يا قوم أجرد من فر ... خ وأعرى ظهرا من الأفعوان أكلوا لي من الجداء ثلاثيـ ... ـن وسبعًا بالخل والزعفران أكلوا ضعفها شواء وضعفيـ ... ـها طبيخًا من سائر الألوان أكلوا لي من الكوامخ والجوز ... معًا والخلاط والأجبان ومن البيض والمخلل ما تعـ ... ـجز عن جمعه قرى حوران وقد اختصرنا هنا ذكر ما أكله الأضياف الشرهون من ضروب الأطعمة. وأسلوب الخطابة لهازل الذي اتبعه الشاعر لا يحتاج إلى تفصيل في هذا الموضع. ولا خفاء أن اعتماده هنا على التكرار الملفوظ. ولما فرغ الواساني من صفة ما أكلوه، أخذ في صفة ما أفسدوه وأتلفوه وتصرفوا فيه. قال: فتتوالي من السفرجل والتفاح والرازقي والرمان والرياحين ما رهنت عليه ... جبتي عند أحمد الفاكهاني أذبلوا لي من البنفسج والنر ... جس ما ليس مثله في الجنان ذبحوا لي بالرغم يا معشر النا ... س ثمانين رأس معزى وضان ما كفاهم تذبيحهم غنم القر ... ية حتى أتوا على الثيران أكلوا كل ما حوته يميني ... وشمالي وما حوى جيراني

стр. 676

ويبدوا أنه قد بقي شيء بعد هذا كله للطفيلين والخدم وسائسي الخيل والعبيد والمتصعلكة والرقعاء: ثم جاء المعقبون من السا ... سة والشاكري والعبدان فرأيت الصراع والدفع واللطـ ... ـم وخرم الانوف والآذان ولا يفوتني هنا أن أنبه على مكان المعقبين بمعنى المعتقبين في البيت الأول من هذين البيتين فهو أسلوب قرآني. وأحسب الواساني أراد أن يشير إلى الآية الكريمة من سورة التوبة: "وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم". هذا ثم يقول: ثم لما أتوا على كل شيء ... ختموا محنتي بكسر الأواني ولم يكتفوا بكسر الأواني، فقد صادوا العصافير والطيور، ثم شربوا عشرين ظرفًا من الراح حتى سكروا، ثم أخذوا في العربدة. وهنا يقول الشاعر: طالبوني بالشيء في آخر الليـ ... ـل وجمع النساء والمردان قم فأسرع فبعضنا يطلب المر ... د وبعض مستهتر بالغواني فتوهمته مزاحا فجدوا ... قلت هذا ضرب من الهذيان وهكذا يمضي الواساني في الاستقصاء على هذا الأسلوب الظريف اللاذع المتهكم، مستعينا بضروب من التكرار التفصيلي: من ملفوظ وملحوظ وأسلوب كلامي، وبغير التكرار التفصيلي من أنواع البديع. والقصيدة نادرة في بابها، آية من آيات الشعر الخفيف العابث. خاتمة عن التكرار وبعد إذ فصلنا الحديث فينا سبق عن أنواع التكرار الثلاثة بفروعها المختلفة، فلا بأس من التنبيه هنا على أن جميع هذه الأنواع متداخلة، وعلى أن الشاعر لا يفرد

стр. 677

قصيدته لواحدٍ منها، لا، ولا يهتم بأن يلتزم واحدًا منها دون غيره في بيت واحدٍ أو بيتين، أو قطعة من بيت، بل الغالب أن يخلط الشاعر بينها، وربما كرر تكرارًا يستفاد منه تقوية المعاني الصورية والتفصيلية معًا، ثم يكون بعد تكراره ترنميًا في سنخه. هذا، ولا ينبغي أن ننسى أن كل تكرارٍ، مهما يكن نوعه، تستفاد منه زيادة النغم، وتقوية الجرس. وتسنيتنا لنوعٍ واحد منه، ترنميا، إنما هي أجل توضيح طبيعته وتبيينها وتذكير القارئ بأن ناحية النغم أظهر في هذا النوع من النواحي الأخرى. وهاك مثالا، ما استشهد به ابن رشيق القيرواني من شعر يزيد بن مسهر الشيباني (١): أبا ثابت لا تعلقنك رماحنا ... أبا ثابت أقصر وعرضك سالم وذرنا وقوما إن هم عمدوا لنا ... أبا ثابت واقعد فإنك طاعم فتكرار أبي ثابت هنا، مع أنه ترنم، ليس من التكرار الترنمي الخالص. وإنما هو أقرب لأن يكون صوريًأ إذا نظرت فيه إلى معنى التهديد، أو تفصيليًا خطابيًا إن شئت. ومن هذا النحو قول ذي الرمة، وهو أيضا مما أستشهد به ابن رشيق (٢): تسمى امرأ القيس بن سعدٍ إذا اعتزت ... وتأبى السبال الصهب والآنف الحمر (٣) ولكنما أصل امرئ القيس معشر ... يحل لهم أكل الخنازير والخمر هل الناس إلا يا أمرأ القيس غادر ... ووافٍ وما فيكم وفاء ولا غدر فلك في أمرئ القيس هنا أن تحملها على معنى التوبيخ الصوري المستخلص

стр. 678

من الهجاء، ولك أن تحملها على التوكيد والتقرير. ومع وضوح ناحية الترنم فيها، ليس فيها تكرار الشاعر من التكرار الترنمي. هذا، وقبل أن نفرغ من الحديث عن التكرار، ينبغي أن نذكر أن نوعي التكرار الترنمي والخطابي (التفصيلي)، محل لتباين الذواق. وكثيرًا ما تجد ناقدا يستحسن تكرارًا ما، وتجد آخر يهجنه ويستقبحه. والعندة في ذلك كله على مراعاة الاعتدال. خذ مثلا هذه الأبيات التي استشهد بها ابن قتيبة، وعدها مما تأخر لفظه ومعناه (١): ولائمة لامتك يا فيض في لندى ... فقلت لها لن يقدح اللوم في البحر أرادت لتثني الفيض عن عادة الندى ... ومن ذا الذي يثنى السحاب عن القطر مواقع جود الفيض في كل بلدة ... مواقع ماء المزن في البلد القفر كأن وفود الفيض لما توافدوا ... إلى الفيض وافوا عنده ليلة القدر وقد ذكر ابن رشيق هذه الأبيات كأنه يستحسنها (٢)، وعندي أن هذا التكرار ترنمي صوري، وأنه لا غبار عليه. ولا أدري فيم هجنه ابن قتيبة، واستخف به، اللهم إلا أن يكون ذلك فعل الذوق الشخصي وحده أو قل الهوى الشخصي. ومما عابه ابن قتيبة أيضًا قول الأعشى: وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاوٍ مشل شلول شلشل شول ونتحدث عن هذا البيت في معرض الحديث عن الجناس. وأختم حديثي عن التكرار بتذكير القارئ بأنواعه المختلفة التي ذكرناها، وهي:

стр. 679

١ - التكرار الترنمي، وتدخل فيه إعادة الأبيات كاملة على النحو المسمى "بالشيلة" في العامية، ورد الصدر على العجز، والتوطئة للقافية (١) ٢ - التكرار الصوري، وأكثر ما يجيء في النسيب والحنين، وهو إما ملفوظ كتكرار الغضى في شعر مالك بن الريب؛ وملحوظ كتكرار أسماء المواضع في النسيب وقد تطور أسلوب تكرار المواضع من المنهج الجاهلي، حتى صار رمزيًا صرفًا في أشعار الصوفية. ٣ - التكرار التفصيلي أو الخطابي، وهو ملفوظ بأن يكرر الشاعر كلمة بعينها، أو ملحوظ، بأن يكرر ألفاظًا مترادفة أو متشابهة- ويدخل تحت هذا التكرار ما سماه الجاحظ بالأسلوب الكلامي، كما يدخل أكثر ما يراد به التهويل والمبالة والتأكيد من أنواع التكرار، نحو قول الآخر: لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغني والفقيرا وقول الآخر: سعاد التي أضناك حب سعادا ... وإعراضها عنك استمر وزادا وكلا البيتين مما يستشهدون به النحويون على جواز استعمال الظاهر مكان المضمر. ولعمري إنهم ليقتلون روح اللغة حين يسوون بين مثل هذين البيتين اللذين ذكرناهما آنفًان ومثل قول الآخر:

стр. 680

فيا رب ليلى أنت في كل موطنٍ ... وأنت الذي في رحمة الله أطمع فالإظهار في الأولين تكرار تفصيلي، له رنة وجرس وجمال، وفي هذا البيت ضرورة دعا إليها وزن الشعر، وشتان ما بين الضرورة الشعرية، والبديع الشعري. أم لعل الضرورة هنا لا تخلو من أن تكون تمت إلى الوجد والعاطفة بسبب؟ والله تعالى أعلم.

стр. 681

المطلب الثاني الجناس: (١) الجناس فيما أرى ضربان: ازدواجي، وسجعي. أما الازدواجي فينظر صاحبه إلى ناحية الزمان من بنية الكلمات التي يستعملها، فيعتمد أن يقارب بينها في الزنة؛ وهو في فعله هذا يشبه صاحب الازدواج، الذي يعتمد المقاربة بين فقراته وجمله في لزنة دون الروي، ومن أجل هذا أطلقنا على هذا النوع من الجناس، اسم الازدواجي ومثاله قول الآخر (٢): فمجدل ومرمل وموسد ... ومضرج ومضمخ ومخضب فهذه الكلمات جميعًا تشترك في صيغة "مفعل". ومثال آخر قوله (٣): أعطى فقيل أحاتمٌ أم خالد ... ووفي فقيل أطلحة أم مصعب فحاتم وخالد متوازيان، وطلحة ومصعب كلاهما رباعي، والشبه بينهما ليس في قوة الشبه بين حاتم وخالد، ومضرج ومضمخ. وآمل أن يفرق القارئ بين ما سميناه آنفًا بالتكرار الملحوظ، وهذا الذي اصطلحنا له لقب الجناس الازدواجي. فالتكرار الملحوظ يقع حين تعاد ألفاظ متشابهات المدلول مثل قوله: بجسرةٍ كعلاة القين دوسرةٍ ... فيها على الأين إرقال وتبغيل

стр. 682

والجناس الازدواجي يقع عند المشابهة في الزنة. وقد يلتقي الجناس الازدوواجي والتكرار الملحوظ كمما في "مجدل، ومرمل، وموسد ... اللخ" فكلها بمعنى قتيل مطروح على الأرض؛ وكما في قوله: إرقال وتبغيل، فبين وزننيهما نوعٌ من شبه. ولا يخفى أن الجناس في أصله وجوهره نوعٌ من التكرار كما قدمنا آنفًا. والجناس السجعي ينظر صاحبه إلى ناحية المكان من الكلمات التي يستعملها، وذلك بأن يعمد إلى أصوات وحروف بأعيانها، فيعتمد تكرارها، بإيراد كلمات تشترك في هذه الحروف والأصوات، نحو قول أبي تمام: متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل ... وقلبك منها مدة الدهر آهل فالهاء مرددة في سائر هذا البيت، والذال والهاء واللام مشتركة بين ذهلية وذاهل، والهاء واللام مشتركتان بينهما وبين آهل في آخر البيت. وإنما سمينا هذا النوع من الجناس سجعيًا لأن صاحبه يفعل كفعل صاحب السجع من اعتماد تكرار حرف للروي، وجعله فاصلة بين كل فقرتين أو ثلاث. وكثيرًا ما يخلط صاحب التجنيس بين ناحيتي السجع والازدواج؛ بأن يجيء بكلمات تشترك في الأوزان والأصوات، مثل قول البحتري في السينية: "جوب في جنب أرعن جلس"؛ فجوب وجنب وجلس، كلها كلمات متوازنة، وتشترك اثنتان منها في الجيم والباء، وثلاثتها فيها الجيم، وكقوله منها: أتسلى عن الخطوب وآسى ... لمحل من آل ساسان درس فمكان السين والألف هنا واضح. وقد أجاد البحتري هنا أيما إجادة، بإيراده نوعين من الجناس: أحدهما سجعي محص في قوله "أتسلى"، "آسي"، "ساسان" و"درس" والأخير ازدواجي خالص لولا اللام، وذلك قوله: "أتسلى"، وقوله: "لمحل". ثم زاوج بينهما عند قوله: "آسى" و"ساسا" من قوله "ساسان"؛

стр. 683

فهذا جناس ازدواجي سجعي. ونحو هذا لا يقوى عليه إلا عبقري موهوب. ويجري مثل هذا المجرى قوله منها: فتوهمت أن كسري أبر ويز معاطي والبلهبذ أنسي "فكسرى" و"أنسى" جناس سجعي لمكان السين. و"توهمت" و"أبر ويز" و"معاطي" كلها فيها جناس ازدواجي، للمشابهة في الوزن. وبين "أبر ويز" و"البلهبذ" تجانس سجعي، وتشابه في الوزن يقرب من الجناس الازدزاجي. هذا، وقد أهمل النقاد الأوائل أمر الجناس الازدواجي جملة واحدة. إلا ابن رشيق القيرواني، فإنه قد فطن إلى نوع منه، عند حديثه عن التقطيه أو التفصيل (١)، في باب التقسيم. والتقطيع عنده مجيء فقرات متوازية غير مسجوعة في البيت الواحد، نحو (٢): فلا كمدي يفنى، ولا لك رقةٌ ... ولا عنك إقصار، ولا فيك مطمع ونحو قول عمرو بن شأس (٣): مدمج سابغ الضلوع طويل الشخص عبل الشوى ممر الأعالي فإذا جاءت مسجوعة فهو الترصيع. ولو قد تأمل ابن رشيق قليلًا، وتجاوز توازن الفقرات إلى توازن الكلمات، لكان قد تنبه إلى وجود ما نسميه الجناس الازدواجي. ولكان قد جعله من باب

стр. 684

الجناس، لا من باب التقسيم. وإني لأعجب منه كيف لم يفعل ذلك، مع أنه تحدث عن أشياء تدخل في صميم هذا الباب، مثل قوله (١): "ثم أدخل المولدون في هذا الباب أشياء، عدوها تقطيعًا وتقسيمًا، وذلك نحو قول أبي العميثل الأعرابي: فاصدق وعف وجد وأنضف واحتمل ... واصفح ودار وكاف واحلم وأشجع والطف ولن وتأن وارفق واتئد ... واحزم وجد وحام واحمل وادفع وكقول ديك الجن: أحل وامرر، وضر وانفع ولن واخـ ... ـشن ورش وابر وانتدب للمعالي وقول أبي الطيب: أقل أنل اقطع احمل عل سل أعد ... زد هش بش تفضل أدن سرصل ثم زاد في هذا وتباغض حتى صنع: عش ابق اسم سد قد جه مرانه ره فه اسرنل ... عظ احم صب ارم اغزاسب رع زع دل اثن بل (٢) فهذه رقية العقرب، كما قال ابن وكيع، ولا بد من شرحها. قوله: "عش ابق دعا له بالعيش والبقاء". و"اسم" من السمو. و"سد" من السيادة: أي دم هكذا و"قد" من قود الخيل. و"جد" من الجود والسماح، أو من الجود وهو المطر الغزير. "مرانه" من الأمر والنهي. "ره" من الورى، تثبت الهاء فيه، أظنه في الخط دون اللفظ، على أنه ليس موضع وقف (٣)، زلا يجب أن يكتب بلا هاء، لئلا

стр. 685

تخالف العادة (١) وتقع كلمة على حرفٍ واحد، والوري: داء في الجوف: أي اصنع ذلك بأعدائك وحسادك. "فه" من الوفاء، و"اسر" من سرى الليل، يصفه بالعزم والغارات. و"نل" من النيل والإدراك. أي نل ما تحب. ويروي "نل": أي أعط من النوال، ويقال "نلته" إذا أعطيته. و"غظ" من غيظ الحسود، يروى "غظ" من الوعظ. و"ارم" من رمي العدو بالمكايد وغيرها. و"صب" من صاب المطر والسهم و"احك" من حميت المكان، و"اغز" من الغزو. و"اسب" من السبي. و"رع" من الورع. و"زع" من وزعت: أي كففت. و"د" من الدبة. و"ل" من الولاية للأمور، وقد تكون من المطر الولي. و"اثن" من ثني أضداده إذا ردهم. و"بل" من الوابل. وهذه غاية الغاضة. وإن كان ولا بد فقوله أيضًا: دانٍ بعيد محب مبغض بهج ... أغر حلو ممر لين شرس ندٍ أبي غرٍ وافٍ أخ ثقة ... جعد سري نهٍ ندب رضا ندس "ند": من الندى. و"غرٍ" من غرى به. و"نهٍ": من النهي. وأصل هذا كله من قول امرئ القيس. أفاد فجاد وشاد فزاد ... وقاد فذاد وعاد فأفضل "أهـ كلام ابن رشيق". فهذه الأشياء التي حكاها ابن رشيق ولا سيما أبيات المنتبي وأبي العميثل، أدخل في باب الجناس الازدواجي منها في التقسيم. هذا، والجناس السجعي نفسه، لم يعن القدماء منه إلا بالكلمات التي يقع

стр. 686

التشابه بينهما في أكثر من حرف، وتبدو كأنها من أصل واحد، وتتساوى أحيانًا في الحركات والسكنات، أو توشك أن تساوى. فقول الشاعر: أتسلى عن الخطوب وآسى ... لمحا من آل ساسان درس ليس من الجناس في شيء عند الأوائل. وإنما الجناس نحو ما في قول حبيب: ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله فهذا عندهم جناس تام، للتساوي الحادث في الحركات والسكنات بين "يحيا" الفعل و"يحيى" الاسم. ونحو قوله: يمدون من أيد عواصٍ عواصمٍ ... تصول بأسيافٍ قواضٍ قواضب وهذا شبيه بالتام. ونحو: أرامة كنت مرتع كل ريم ... لو استأنست بالأنس المقيم وهذا جناس ناقص. وقد بلغ التعنت بالنقاد القدماء أن يخرجوا من باب الجناس نوعًا يموه التصرف والتصريف، يعنون به ما كان مشتقًا بعضه من بعض، كأن تجيء بكتب وكاتب ومكتوب قال أبو هلالٍ العسكري بعد أن استشهد بالبيتين الآتيين: يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك وقول الآخر: صبت عليه ولم تنصب من كثبٍ ... إن الشقاء على الأشقين مصبوب

стр. 687

"ليس في هذا الألفاظ تجنيسٌ، وإنما اختلفت هذه الكلم للتصريف" (١). وأحسب أن أبا هلال قد اتبع في هذا المزعم رأي الرماني، فقد كان من رجال عصره، متأخرًا هو عنه شيئًا. وقد ذكر ابن رشيق رأي الرماني في العمدة، قال (٢): "وحقيقة المجانسة عند الرماني: المناسبة بمعنى الأصل، نحو قول أبي تمام: في حده الحد بين واللعب قال: لأن معناها جميعًا أبلغ. وأما قولك: قرب واقترب، والطلوع والمطلع، وما شاكل هذا، فهذا، فهو عنده من تصرف اللفظ، ولا بعده تجنيسًا. ومن تصرف المعنى عنده، قولك عين الميزان، وعين الإنسان، وعين الماء، ونحو ذلك. ومن التصرف في اللفظ والمعنى جميعًا، قولك الضرب والمضاربة واستضراب وما أشبه ذلك. كل هذه الأنواع عنده من باب التصرف. وما أكثر ما يستعمل هذا النوع بعض شعراء وقتنا المذكورين، ويظن أنه قد أتى بشيء من غرائب التجنيس أهـ.". قلت: هذه العبارة الأخيرة من كلام ابن رشيق، وليست من كلام الرماني، وبها تعرف ميل ابن رشيق إلى مذهب الرماني. ولا يخفى أنه لو صح هذا المذهب. لوجب إخراج الشطر الثاني من بيت أبي تمام: أرامة كنت مرتع كل ريم ... لو استأنست بالأنس المقيم ونحن إن فعلنا ذلك فإنما نغالط أسماعنا. ولا ريب أن أبا تمام قد أراد المجانسة حين جاء بقوله: "استأنست" وقوله: "الأنس"، وإلا كانت له منادح، كأن يقول: لو استأنست بالحي المقيم

стр. 688

والعيب الأساسي في كلام على بن عيسى الرماني، ومن اتبعوا مذهبه، أنهم بنو الجناس على المناسبة بحسب الأصل. فاشترطوا التشابه في الأصل، من دون أن يكون الأصل واحدًا. هذا وقد أعماهم اشتراطهم، كما قد قدمنا، عن أن يفطنوا لأمثال: أتسلى عن الحظوظ وآسي ... لمحل من آل ساسان درس مما تشابهت فيه الحروف دون الأصول. وقد كان مذهب النقاد الأوائل من القدماء، أسلم من مذهب الرماني والعسكري وابن رشيق، إذ كانوا يعدون كل ما وقع فيه التشابه جناسًا، أو عطفًا، على حد تعبيرهم. قال ابن رشيق: "ولم تكن القدماء تعرف هذا اللقب -التجنيس-؛ يدلل على ذلك ما حكي عن رؤية بن العجاج وأبيه، وذلك أنه قال له يومًا: أنا أشعر منك. قال: وكيف تكون أشعر مني، وأنا علمتك عطف الزجر؟ قال: عاصم يا عاصم لو اعتصم. قال: يا أبت ... اهـ" (١). ولا يخفى على القارئ ما بين عاصم واعتصم من مناسبة الاشتقاق. وليت ابن رشيق وأصحابه أقلوا شيئًا من التقيد بأسلوب الجدال النظري، وبنوا آراءهم على ما يجدونه في كلام الشعراء، وإذن لكان ذلك قد أغناهم عن تعسف كثير. أصناف الجناس الازدواجي قد قدمنا في الجناس الازدواجي أنه عبارة عن توازن بين الكلمات، ومثلنا بنحو: "قلب، ورعد، وثابت، ونافس، ومواقيت، وأباريق" ونحو ذلك مما يقع فيه التشابه في أزمان الكلمات وأوزانها. وذكرنا أن الناظمين كثيرًا ما يمزجون بينه وبين السجعي، كما جاء في قول البحتري: "جوب في جنب أرعن جلس". ونريد هنا أن ننبه على أصناف منه كثيرة الورود في مناهج الشعراء:

стр. 689

١ - أولًا: الازدواجي المحض، ومثاله قول المعري: الموقدي نار القرى الآصال وال ... أسحار بالأهضام والأشعاف وقوله: وقدورهم مثل الهضاب رواكدًا ... وجفانهم كر حيبة الأفياف فالآصال والأسحار والأهضام والأشعاف، كلها من زنة واحدة، من ناحيتي الصرف والعروض، وهذا إن شئت سميته التوازن الكامل، لأن الأهضام والأشعاف كلاهما من وزن "الأفعال"، ولو جاء معهما "الأركوب، والأسلوب" لوازناهما في العروض فقط. وقوله: "قدورهم، وجفانهم" متوازنان توازنًا عروضيًا لا صرفيًا، وإن شئت سميت هذا بالتوازن العروضي. ومن أمثلة الأول أيضًا، قول المعري: سأعرض إن ناجيت من غيركم فتى ... وأجعل زوًا من بناتي في سمعي فقوله: "سأعرض، وأجعل" بينهما توازن كامل، وكذلك قوله: "زوًا، وسمعي" ومنه أيضًا قوله: فناديت عنسى من دياركم هلا ... وقلت لسقبي عن حياضكم هدع والشاهد في "عنسى، وسقبي، ودياركم، وحياضكم"، و"عنسى، وسقبي" تزيدان على التوازن الكامل بمكان السين. ويدخل في النوع الثاني قوله: يحاذرن من لدغ الأزمة لا اهتدي ... مخبرها أن الأزمة أصلال فبين قوله "يحاذرن"، وقوله "مخبرها": نوع من التوازن العروضي.

стр. 690

٢ - الازدواجي السجعي، وهذا كثيرٌ، وسترد علينا منه أمثلة عند الحديث عن الجناس السجعي، ومن خير ما يستشهد به منه قول المعري: وما أورقت أوتاد دارك باللوى ... وداره حتى أسقيت سبل الدمع فقوله: "دارك، ودارة" فيهما توازن عروضي، وتكرار حرفي. ٣ - الازدواجي المقسم، وسنعرض لأمثلة منه عند الحديث عن التقسيم، فهو شديد الدخول فيه، ومن خير ما يستشهد به منه قول المعري: أبقيت فينا كوكبين سناهما ... في الصبح والظلماء ليس بخاف متأنقين وفي المكارم أرتعا ... متألقين بسؤددٍ وعفاف وهذا من باب الازدواج السجعي: قدرين في الإرداء بل مطرين في الـ ... إجداء بل قمرين في الإسداف فهذا مقسم سجعي كما ترى. ٤ - الازدواجي المرصع، وهذا يكون بأن يجيء الشاعر بألفاظ متوازنة مسجوعة. والمتنبي يكثر من هذا الضرب. وأكثر ما يقع الازدواجي المرصع إذا كان الكلام مقسمًا قال أبو الطيب: ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملك ... ملء الزمان وملء السهل والجبل فنحن في جذلٍ، والروم في وجلٍ ... والبر في شغل، والبحر في خجل ومنه للمعري: تلاقٍ تفرى عن فراقٍ تذمه ... مآقٍ وتكسير الصحائح في الجمع ٥ - الازدواجي المطابق، وهذا أكثر أنواع الجناس الازدواجي، دورانا في الشعر وسنتحدث عنه بمعرض الحديث عن الطباق، ومن أمثلته قول البنحتري:

стр. 691

عشية لا الفراق أفاء عزمي ... إلي ولا اللقاء شفي غليلي والشاهد في الفراق واللقاء، وبينهما طباق، وجناس توازني، وجناس سجعي أيضًا، لمكان القاف. ومن أمثلته أيضًا قول المتنبي: تمتع من سهادٍ أو رقادٍ ... ولا تأمل كرى تحت الرجام هذا، وبعد أن نفرغ من ذكر أنواع الجناس، سنورد أمثلة من كلام الشعراء الفحول تظهر فيها حقيقة ما قدمنا ذكره بصورة واضحة، إن شاء الله. أصناف الجناس السجعي قد فطن القارئ من دون ريب إلى أن بعض ما ذكرناه من أنواع الجناس الازدواجي داخلة في باب الجناس السجعي، مثل الازدواجي المرصع، وما يقع فيه تكرار الحروف من أنواع الازدواجي المقسم، والازدواجي السجعي. فإذا استثنينا هذه، فأهم أصناف الجناس هي الآتية: السجعي الحرفي، وهو تكرار حرفٍ واحدٍ أو حرفين، من دون تعمد إلى أن تتشابه الأصول. وهذا النوع صنفان: الصف الأول: ما أريد فيه إبراز معنى عن طريق التكرار، مثل قول أبي الطيب: وأمواهٍ تصل بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني فالصادات مع ألفات المد واللامات هنا، تنقل صوت صلصلة الماء إلى السامع. ونحو من هذا قول عنترة: جادت عليها كل بكرٍ حرةٍ ... فتركن كل قرارةٍ كالدرهم فالسامع لا يملك إلا أن يربط بين جرس الراءات وصورة المطر المنهل من

стр. 692

المزنة البكر الحرة. ومن شاهر هطول الأمطار في البلاد الحارة، كيف ينهمر انهمارًا ذا خرير ودوي، أدرك سر هذه الهدير الرائي الذي جاء به عنترة. هذا، والصنف الثاني من الحرفي، ما أريد فيه زيادة جرس البيت من غير ما تعمدٍ إلى تقوية معنى خاص، له علاقة بصوت الحرف المكرر، وهذا الصنف كثير جدا في الشعر العربي، ومن أمثلته قول الحارث بن حلزة اليشكري: فرباض القطا فأدوية الشر ... بب فالشعبتان فالإبلاء وقول زهير: إذا لقحت حرب عوان مضرةٌ ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل قضاعية أو أختها مضرية ... يحرق في حافاتها الحطب الجزل تجدهم على ما خيلت هم إزاءها ... وإن أفسد المال الجماعات والأزل وهذا من نادر الجناس الحرفي ورصينه، والبيت الأول قد تشتم منه علاقة معنوية قوية بين تكرار حرف الراء والمد والتشديد، وما يلابس الحرب من جلبة وضجيج والحرف الذي جعله الشاعر أساس التجنيس في البيت الأول هو الراء، ورفده بالضاد في "مضرة، وضروس" وبالسين في البيت الأول هو الراء، ورفده بالضاد في "مضرة، وضروس" وبالسين في "ضروس، والناس"، وبالتنوين في قوله "حرب، عوان، مضرة، ضروس"، والتشديد في قوله "مضرة، وتهر" ولا تنس التاء. وفي البيت الثاني خفف الشاعر من التكرار شيئًا، فاكتفي بالضاد في قوله "عصل" من قافية البيت الأول. والشطر الثاني عند فيه الشاعر إلى الحاء والفاء، فكررهما في قوله "يحرق في حافاتها"، وجعل "القاف" من "يحرق" صدى للقاف من "قضاعية". وكلمة "الجزل" وهي القافية، لا تشبه شيئًا من الكلمات التي تقدمت إلا من حيث الموازنة للحطب، وهي موازنة غير تامة. وقد رجع الشاعر صدى جرس الجيم منها في جيمات البيت الثالث: "تجدهم، والجماعات" وكرر

стр. 693

الزاي في موضعين عند قوله: "إزاءها"، "والأزل". ولا أحسبك قد خفي عنك التجانس القوي بين "الجزل، والأزل" كما تكون قد تنبهت إلى قوله: "خيلت" وكأنه صدى لقوله: "أختها"، ولتكرار الضمير "هم". كل هذا قد ورد على الشاعر عفوًا سهوًا رهوًا، ولا أظن أن زهيرًا، مع ما عرف به من التنفيح، قد أعتمد أن يجيء بالتجنيس الحرفي في هذا النسق، اعتمادا على أني لا أستبعد أنه قد نظر في هذا الأبيات مرارًا، قبل أن يوردها في هذه الصيغة الأخيرة. هذا، وقد سبق التنبيه على أن صنفي الجناس الحرفي مما أغفله النقاد القدماء، على كثرة ورودهما في الشعر. ونقاد الإفرنج قد تنبهوا لهما، وعقدوا الفضول. فالنوع الأول بسمونه (١). Onamatapoeic والثاني يجعلونه قسمين، فما كان الاعتماد فيه على حروف السلامة سموه alliteration، وما كان الاعتماد فيه على حروف المد سموه assonance. والقسم الأول المسمى onamatapoic داخل في صنفي جناس حروف السلامة، وجناس حروف المد والعلة، ولتوضيح مقصودنا من حروف السلامة وحروف المد والعلة، نضرب المثلين الآتيين: فمثال التكرار بحروف السلامة قول زهير: "مضرة ضروس تهر"، ومثال التكرار بحروف المد قول المتنبي. أهل ما بي من الضنى بطا صيد بتصفيف طرةٍ وبجيد فياء "لي، وصيد، وجيد، وتصفيف، الضنى" كلها حروف مد وعلة. ومما جمع صنفي التكرار بالسلامة والعلة قول البحتري: ولو أنهم ركبوا الكواكب لم يكن ... لمجدهم من أخذ بأسك مهرب

стр. 694

فعماد التكرار هنا الكاف وألف المد. ومثله قول المعري يصف محبوبته التي رافقه طيفها في سفره البري والبحري: صحبت كرانا والركاب سفائن ... كعادك فينا والركائب أجمال فعماد التكرار هنا الكاف والألف، وتعينهما الراء، والهمرة المكسورة. هذا، ونقاد العرب معذورون شيئًا، لإهمالهم أصناف التكرار الحرفي، لأنهم كانوا كلفين بتتبع العويص. وقد بدا لهم هذا النوع من التكرار سهلًا هينًا ميسورًا، بالنسبة لأنواع الجناس الأخرى، من تام وشبيه بالتام، وخطي، وموهم، ومورى أما نقاد الإفرنج فلم يكونوا ليملكوا إلا التنبه له، لأن كثيرًا من الأشعار التي وصلتهم عن أسلافهم، لا تعرف من إقامة الوزن والقافية غير هذا النوع من الجناس. وهنا لا بد من وفقة للرد على الدكتور مندور، الذي اقتبس كلمة حسنة من مقالة للأستاذ دريني خشبة، ثم أتبعها بتجريح وتبكيت، في أسلوب صارخ بالاعتداد والتأكد، ناسيًا أن العلم باب واسع، وأنه فوق كل ذي علم عليم. قال الأستاذ مندور (١): "وهناك مسائل لا يكفي للحديث عنها أن نقرأها في كتاب إنجليزي أو فرنسي، ثم ننقلها إلى قرائنا حسبما نظن أننا قد فهمناها. هذا لا ينبغي. ونأخذ اليوم لتلك المسائل مثلًا من "أوزان الشعر" كما قد تحدث عنها الأستاذ دريني خشبة، فيما يحشد من أحاديث في الرسالة، يريد الأستاذ أن يميز بين العروض الإنجليزي وغيره من الأعاريض الأوروبية، وبين العروض العربي، فيقول: وبحسبنا هنا أن نذكر أن العروض الإنجليزي، بل كل أنواع العروض في اللغات الأوروبية، إنما أساسها التفعيلة the foot وليس أساسها الأبحر، كما في العروض العربي -وهذ قول لا معنى له إطلاقًا، لأن جميع أنواع الشعر الشرقي والغربي على السواء، تتكون من

стр. 695

تفاعيل يجتمع بعضها إلى بعض، فتكون الأبحر، والشعر العربي كغيره من الأشعار". أهـ كلام الدكتور مندور. وأقول بعد: لله در الدكتور مندور، إن كان قد أطلع على جميع أصناف الشعر شرقيها وغربيها، ووجدها تتكون من تفاعيل يضم بعضها إلى بعض، إلى آخر ما قاله. وما كان أغناه عن هذه المكابرة، وهذه الدعوى الطويلة العريضة: والدعاوى ما لم يقيموا عليها ... بيناتٍ أبناؤها أدعياء ولقد ند عن الدكتور مندور ما أراده الأستاذ دريني خشبة، من كلمته الموجزة اللطيفة. فقد أراد أن الشعر العربي يدور حول بحور كاملة، ذات أشطار متساوية، هذه الأشطار مكونة من تفاعيل، بحسب ما هو متواضع عليه في علم العروض. أما الشعر الإنجليزي مثلًا، فعماده التفعيلة الواحدة، يجعلها الشاعر أساسها لوزنه، ويطيل الشطر ويقصره بحسب دواعي صناعته، وأغراض كلامه، وليس في الشعر العربي هذا النوع من التحرر، هذا هو المارد الواضح من كلام الأستاذ دريني خشبة. وهو مقبول سائغ، وإن كان لا يستقصي ولا يدقق، وقد اعتذر الأستاذ دريني عن ذلك، وأرانا أن كلامه هذا من باب الإيماء والإشارة، لا البحث والتدقيق. وبقي بعد أن ننظر في كلام الدكتور مندور الذي قد ادعى البحث والتدقيق والتحقيق وزعم أن جميع أشعار الدنيا قوامها التفعيلات يضاف بعضها إلى بعض فيحدث البحر؛ وأن العربية ما هي إلا مثل من هذا الخلط "الدنيوي" (١) الشامل العام. أول ما يقال في نقض هذا الكلام هو ما ذكرته آنفا، من أن التفعيلة في الشعر الإنجليزي مثلًا -وأحدد كلامي فأقول: في بعض الشعر الإنجليزي، وهو بعض

стр. 696

كثير- تكون هي نفسها العماد، من دون جمعٍ كمي تراعي فيه المساواة، على نحو ما في الأعاريض العربية. وثانيا: إن معنى التفعيلة foot يباين كثيرًا ما نفهمه نحن من معنى التفعيلة في العربية. وقد ذكر الدكتور مندور في الفصل الذي عقده للأوزان أن من التفعيلات ما هو مقطعي وما هو إرتكازي (وفاته أن يذكر أن منها ما هو مقطعي وما هو إرتكازي) - فالمقطعي الكمي أقرب التفعيلات الأوربية إلى تفعيلات العربية التي تقوم على الأسباب والأوتاد والفواصل أما الارتكازي فلا يشبه تفيعلات العربية في قليلٍ ولا كثير. ولا أدري إن كانت اللغة الصينية تستعمل الارتكازي من الأوزان، ولكنها إن كانت تستعمله، فلا بد أن يكون صنفه مباينا كل المباينة لأصناف الأوزان الارتكازية في اللغات الأوربية، لما تمتاز به اللغة الصينية من ظاهرة الفوارق الجرسية للكلمة الواحدة. هذا ومن له أدنى إلمام باللغة الإنجليزية، يعرف أن الفرق بين الوزن المقطعي والارتكازي عظيم جدا، لأن الازتكاز يساير طريقة الأداء الكلامي، لا الكم المقطعي. وقد فطن النقاد الإفرنج لجمال المزج بين صنفي الوزن المقطعي والارتكاز، وهذا كثيرٌ في اللغة الإنجليزية ولا سيما في أشعار القرن الثامن عشر، وسموا المقابلة بين كم المقطع، وارتكاب الأداء اللساني في الكلمات، بالمقابلة اللفظية أو counterpoint- فإذ نرى الإفرنج أنفسهم قد فطنوا إلى الفرق بين وزنين عندهم، (١) المقطعي الشبيه نوعا، ومع تجوز شديد، بأسبابنا وأوتادنا، (٢) والارتكازي، الذي ليس لنامنه كثيرٌ ولا قليل؛ ألا يجدر بنا إذن أن نفطن للفرق العظيم بين الأوزان البحتة في لغات الغرب، وأوزاننا الكمية المقطعية البحرية (نسبه إلى بحور الشعر؟ ). هذا، وقد ذهب عن الدكتور مندور أيضًا أن سائر الأشعار الجرمانية (١)

стр. 697

القديمة، [ونستشهد هنا بأشعار الإنجليز القديمة في الذي وصل إلينا من الشعر الأنجلو سكسوني وأشعار القرون الوسطى الملقدة للشعر الإنجليزي القديم، مثل قصيدة لانجلاند الطويلة المسماة piers ploughman] (١) تعتمد على الجناس الحرفي بحسب ما حددناه، في إقامة الوزن، وذلك وحده كاف عندها في صناعة الشعر. ولا يمكن أن نتصور شيئًا أبعد عن التفعيلة (سواء، أكانت مقطعية من نوع ما سماه دريني خشبة foot، أم كانت مقطعية ارتكازية) من الشعر الجناسي القديم الذي كان ينظمه الانجلو سكسونيون ونظم فيه لا نجلاند؛ فكيف إذن يكون بعد هذا الشعر عن التفاعيل والأعاريض العربية؟ حتى في صورها المستحدثة الأخيرة، التي نراها في موشحات القدماء، ومسمطات المعاصرين؟ ثم لا تنس أن يعض الشعراء الإفرنج المتأخرين، مثل جرارد ما نلي هو بكنز قد رجعوا إلى طريقة النظم الجناسي، وتابعهم فيه كثير، فأي شيء أبعد عن طريقتنا من طريقتهم؟ وأحيل الدكتور مندورًا على كتاب A hope for poetry وهو كتاب حديث جدًا، لا شك أن مؤلفه Day Lewis أدخل في شروط المعاصرة (والمعاصرة شيء أوربي أمريكي قبل كل شيء)، وأدرب بلغات الغرب ولا سيما الإنجليزية، من الدكتور مندور، وهو يعد من أساطين النقد

стр. 698

الإنجليزي الحديث، ومن شعراء تلك اللغة المبرزين. ففي هذا الكتاب يدكر "داي لويس" بكل وضوح، أن من الشعر الإنجليزي ما عماده الجناس لا الوزن المقطعي، ولا المقطعي الاتكازي، ويذكر مفصلًا جميع ما أجملناه آنفا، ويتعرض لشعر هو بكنز، ومع إعجابه به، لا يفوته أن يأخذ عليه أن الوزن الذي سلكه يذهب مرة واحدة بعنصر الـ counterpoint الذي هو زينة الأوزان التي تراعي التفاعل المتوازنة. وأقول هذا. وأمل أن يكون فيه دلالة واضحة على فساد ما ذكره الدكتور مندور (١)، ثم آمل بعد، أن يكون القارئ الكريم قد تفطن إلى ما للجناس الحرفي (من حيث هو) من خطورة، ومن أثر بليغ في إسباغ الجرس والموسيقا والدندنة على الشعر، وأن يكون قد تبين إلى أي مدى قد غفل نقاد العربية، حين لم يفردوا له فصلا قائمًا بذاته، كما قد أفردوا لأنواع الجناس الأخرى ولسائر المحسنات البديعية. السجعي الاشتقاقي وهو هذا الذي أخرجه العسكري والرماني وابن رشيق من باب الجناس، وجعلوه تصرفًا؛ وقد أقر ابن رشيق نفسه أن الشعراء يعدونه جناسًا برغم ما يقوله النقاد، ويتعاطونه وقد استشهدنا على نحو منه بقول أبي تمام: أرامة كنت مرتع كل ريم ... لو استأنست بالأنس المقيم والشاهد في قوله: "لو استأنست بالأنس" ومن شاء عد هذا الصنف من باب التكرار ولا خلاف، فإن الجناس كما قدمنا ضرب من التكرار. غير أني أرى أن المشتقات القريبة من الأصل في حروفها، نحو فتوح وتفتح وفتح، أحق بأن تجعل في باب التكرار، من المشتقات البعيدة، مثل فتح واسنفتح ومفاتيح، فهذه أدخل في باب الجناس. مثلًا قول أبي تمام:

стр. 699

فتح الفتوح تعالى أن يحيط به ... نظم من الشعر أو نثر من الخطب فتح تفتح أبواب الساء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب أشبه بالتكرار. وقوله: لو استأنست بالأنس المقيم أدخل في باب الجناس. الجناس السجعي المتشابه: وهذا الباب يشمل أنواع الجناس التي ذكرها القدماء غير الجناس التام، مثل الجناس الناقص كقول حبيب: يا يوم أرشق والهيجاء قد رشقت والجناس الخطي، مثل: وبيضاء ريا الصيف والضيف البري ... بسيطة عذرٍ في الوشاح المجوع والجناس الشبيه بالتام مثل قول الآخر: ألما فات من تلاقٍ تلاف ... أم لشاكٍ من الصبابة شاف والشاهد في تلاق بالقاف، وتلاف بالفاء، وشاك بالكاف، وشاف بالفاء. الجناس الموهم: وهذا صنفان: ما كان تامًا تشابه الطلمات فيه، في الحركات والسكنات، وأفاد بعد إيهامًا وتورية مثل قول المعري (١): ألأفت خوص المطايا إن منكرةً ... إلف الغزال مقاليتًا مقاليتا

стр. 700

فمقاليتا الأولى غير الثانية (١)، غير أنك تتوهم أنك تتوهم أنه كرر كلمة واحدة. ونحو قزل الأخر، وهو مما يكثرون الاستشهاد به: فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم والإيهام في هذا ضعيف نوعًا ما. ومن أبغض أنواع الجناس الموهم التام التشابه في الحركات والسكنات، قول المعري: مطايا مطايا وجد كن منازل ... منازل عنها ليس عني بمقلع (٢) والشاهد في قوله: "مطايا مطايا"، فماطا الأولى: فعل مضارعه يمطو، بمعنى مد يمد. والياء بعدها: للنداء. ومطايا الثانية: كلمة واحدة، جمع مطية. وقد يكون الجناس الموهم غير تام التشابه في الحركات والسكنات، مثل قول المعري في البيت الذي استشهدنا به آنفًا "منازل" في الشطر الأول، و"منازل" في الشطر الثاني فشكلها في الخط موهم، والنطق بها متقارب المخارج. ومنًا: أراد به القدر. وزل أراد به الفعل الماضي الذي مضارعه يزل. ومن هذا الضرب أصنافٌ كثيرة في اللزوميات نحو قوله: خوى دن شربٍ فاستراحوا إلى التقى ... فعيسهم نحو الطواف خوادي (٣) والشاهد في قوله: "خوي دن" و"خوادي"، الأولى: فعل وفاعل، والثانية: جمع

стр. 701

"خادية" من خدى البعير يخدي في السير. وقد ذكر الدكتور طه حسين كثيرًا من هذا العبث العلائي، وأحسن هرضه وتحليله في "كتابه مع أبي العلاء في سحنه": هذا ومن أمثلة الجناس الموهم قول الحريري: زينب. زينب بقد يقد ... وتلاه ويلاه نهد يهد فهذا غاية التكليف كما ترى. الجناس التام: ونعني به غير الموهم هنا، وهو أجود أنواع الجناس التام، مثل قول الصلتان: فاتع المغيرة للمغيرة إن غدت ... شعواء مشعلة كنبح النابح فالمرء يدرك بالقرينة المانعة، وهي النعي، أن المغيرة الأولى علم، وأن الثانية مخالفة لها في المعنى. كلمة عن الجناس: أكثر ما كان يقع من الجناس في كلام المتقدمين، الأصناف الازدواجية والسجعية الحرفية، مخلوطة بأنواع التكرار التي قدمنا عنها الكلام من قبل، مثال ذلك قول أمرئ القيس بن حجر (١): وقد أعتدى ومعي القانصان ... وكل بمربأةٍ مقتفر فيدركنا فغم داجنٌ ... سميع بصير طلوب نكر ألص الضروس، حني الضلوع ... تبوع طلوب نشيط أشر فهذا مثال جيد لجناس الازدواج- ففغم ودواجن، صيغتان متقاربتان في

стр. 702

الوزن، سميع وبصير وطلوب، كلها من وزن عروضي واحد، والأوليان متساويتان في الوزنين الصرفي والعروضي، والقافية موازنة "لفغم" ومتشابهة "لداجن". وقوله: "ألص الضروس"، "حني الضلوع" جناس ازدواجي تقسيمي كامل الأطراف. وقل "تبوع طلوب نشيط" مثل ما قلنا في "سميع بصير طلوب"، مع ملاحظة أن الشاعر قد عكس الوضع الصرفي هنا. ومثال آخر قوله من نفس الكلمة، في صفة الفرس: وأركب في الروع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر (١) لها حافر مثل قعب الوليـ ... ـد ركب فيه وظيف عجر (٢) لها ثنن كخوافي العقا ... ب سود يفين إذا تزبئر (٣) وساقان كعباهما اصمعا ... ن لحم حماتيها منبتر (٤) لها عجز كصفاة المسـ ... يل أبرز عنها جحاف مضر (٥) لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر

стр. 703

لها متنتان خظاتاكما ... أكب على ساعديه النمر (١) لها عذر كقرون النسا ... ء ركبن في يوم ريحٍ وصر (٢) وسالفة كسحوق الليا ... ن أضرم فيها الغوي السعر (٣) لها جبهة كسراة المجنـ ... ن حذقه الصانع المقتدر لها منخر كوجار (٤) الضباع ... فمنه تريح إذا تنبهر (٥) وعين لها حدرة بدرة ... شقت مآقيها من أخر (٦) هذا، وسائر القصيدة على هذا القري، جمع فيه الشاعر بين التكرار والحناس المزدوج، وأصناف أخرى من البديع. وأصناف أخرى من البديع. وألفت النظر إلى دقة صناعته، وقوة جرسه في نحو: "مثل قعب الوليد"، "كخوافي العقاب"، "كصفاة المسيل"، "كقرون النساء"، "كسحوق الليان"، "كسراة المجن" فكل هذا كلام متوازن مع طولٍ، ونوع من تقسيم. ثم يخرج منه الشاعر بفجاءة إلى قوله: وعين لها حدرة بدرة وما في ذلك من الإسراع، لا يخفى.

стр. 704

ويعجبني من هذه القصيدة قوله يصف المرأة: برهرهة رودة رخصةٌ ... كخرعوبة البانة المنفطر (١) فتور القيام قطيع الكلا ... متفتر عن ذي غروب خصر (٢) كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامي ونشر القطر يُعل به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المستحر (٣) فانظر إلى الجناس الحرفي بتكرار الراء والحاء والتاء المنونة والباء في البيت الأول، وإلى المزاوجة بين: رودة ورخصة؛ وشبه المزاوجة بين: برهرهة، ورودة. ثم تأمل هذا الترصيع في فتور القيام، قطيع الكلام، والبيت الذي يليه: هذا، ومن أمثلة الجناس الحرفي الخفي الجيدة قول النابغة: إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم ... من الضاريات بالدماء الدوارب تراهن خلف القوم خرزًا عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب (٤) جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب لهن عليهم عادة قد عرفنها ... إذا عرض الخطي فوق الكواثب (٥) علي عارفات للطعان عوابسٍ ... بهن كلوم بين دامٍ وجالب (٦) فهم يتساقون المنية بينهم ... بأيديهم بيض رقاق المضارب

стр. 705

يطير فضاضًا بينها كل قونسٍ ... ويتبعها منهم فراش الحواجب (١) ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب تروثن من أزمان يوم حليمةٍ ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب (٢) تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب (٣) وهكذا. وأسمى ما في هذا الشعر من تكرار الحروف ومزاوجة الكلمات وتوازنها: جناسًا خفيًا، لأن السامع والقارئ لا يكادان يفطُنان إليه، وإنما يهجُم عليهما الطرب هجومًا، خذ قوله: "يغرن مغارهم، والضاربات الدوارب" فهنا مزاوجة خفية لا تظهر أول الأمر. والذي له عهد طويل بصناعة الشعر، لا يكاد يفوته موضع الغينين في "مُغار، ويُغرن"، والشبه الوزني بين "الضاريات والدوارب" ولا سيما وأنت كثيرًا ما تقول: "الضواري، والداربات". وفي البيت التالي، راعى النابغة تكرار الخاء، حتى لا تصير خاء "خلف" منفردة جحيشة لا أخت لها، فجاء بها في قوله: "خزرًا عيونها"، وقوله: "جلوس الشيوخ". وراعي أيضًا التزام الثلاثي الساكن الوسط، على طريقة المجانسة الازدواجية في قوله: "خلف أقوم خزرًا". وعدل عن هذا إلى وزن "الفعول" عند قوله: "عيونها، جلوس الشيوخ". وفي البيت الذي يلي هذا عمد الشاعر إلى ألفاظ فجعلها أساس ترنمه، فتراها في قوله: "قد أيقن أن قبيله إذا ما التقى"، ولما ذكر الجيم في أول الكلام، في قوله: "جوانح" عز عليه أن يتركها من دون مزاوجة، فجاء بقوله:
следующие страницы →