← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

"خادية" من خدى البعير يخدي في السير. وقد ذكر الدكتور طه حسين كثيرًا من هذا العبث العلائي، وأحسن هرضه وتحليله في "كتابه مع أبي العلاء في سحنه": هذا ومن أمثلة الجناس الموهم قول الحريري: زينب. زينب بقد يقد ... وتلاه ويلاه نهد يهد فهذا غاية التكليف كما ترى. الجناس التام: ونعني به غير الموهم هنا، وهو أجود أنواع الجناس التام، مثل قول الصلتان: فاتع المغيرة للمغيرة إن غدت ... شعواء مشعلة كنبح النابح فالمرء يدرك بالقرينة المانعة، وهي النعي، أن المغيرة الأولى علم، وأن الثانية مخالفة لها في المعنى. كلمة عن الجناس: أكثر ما كان يقع من الجناس في كلام المتقدمين، الأصناف الازدواجية والسجعية الحرفية، مخلوطة بأنواع التكرار التي قدمنا عنها الكلام من قبل، مثال ذلك قول أمرئ القيس بن حجر (١): وقد أعتدى ومعي القانصان ... وكل بمربأةٍ مقتفر فيدركنا فغم داجنٌ ... سميع بصير طلوب نكر ألص الضروس، حني الضلوع ... تبوع طلوب نشيط أشر فهذا مثال جيد لجناس الازدواج- ففغم ودواجن، صيغتان متقاربتان في

стр. 702

الوزن، سميع وبصير وطلوب، كلها من وزن عروضي واحد، والأوليان متساويتان في الوزنين الصرفي والعروضي، والقافية موازنة "لفغم" ومتشابهة "لداجن". وقوله: "ألص الضروس"، "حني الضلوع" جناس ازدواجي تقسيمي كامل الأطراف. وقل "تبوع طلوب نشيط" مثل ما قلنا في "سميع بصير طلوب"، مع ملاحظة أن الشاعر قد عكس الوضع الصرفي هنا. ومثال آخر قوله من نفس الكلمة، في صفة الفرس: وأركب في الروع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر (١) لها حافر مثل قعب الوليـ ... ـد ركب فيه وظيف عجر (٢) لها ثنن كخوافي العقا ... ب سود يفين إذا تزبئر (٣) وساقان كعباهما اصمعا ... ن لحم حماتيها منبتر (٤) لها عجز كصفاة المسـ ... يل أبرز عنها جحاف مضر (٥) لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر

стр. 703

لها متنتان خظاتاكما ... أكب على ساعديه النمر (١) لها عذر كقرون النسا ... ء ركبن في يوم ريحٍ وصر (٢) وسالفة كسحوق الليا ... ن أضرم فيها الغوي السعر (٣) لها جبهة كسراة المجنـ ... ن حذقه الصانع المقتدر لها منخر كوجار (٤) الضباع ... فمنه تريح إذا تنبهر (٥) وعين لها حدرة بدرة ... شقت مآقيها من أخر (٦) هذا، وسائر القصيدة على هذا القري، جمع فيه الشاعر بين التكرار والحناس المزدوج، وأصناف أخرى من البديع. وأصناف أخرى من البديع. وألفت النظر إلى دقة صناعته، وقوة جرسه في نحو: "مثل قعب الوليد"، "كخوافي العقاب"، "كصفاة المسيل"، "كقرون النساء"، "كسحوق الليان"، "كسراة المجن" فكل هذا كلام متوازن مع طولٍ، ونوع من تقسيم. ثم يخرج منه الشاعر بفجاءة إلى قوله: وعين لها حدرة بدرة وما في ذلك من الإسراع، لا يخفى.

стр. 704

ويعجبني من هذه القصيدة قوله يصف المرأة: برهرهة رودة رخصةٌ ... كخرعوبة البانة المنفطر (١) فتور القيام قطيع الكلا ... متفتر عن ذي غروب خصر (٢) كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامي ونشر القطر يُعل به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المستحر (٣) فانظر إلى الجناس الحرفي بتكرار الراء والحاء والتاء المنونة والباء في البيت الأول، وإلى المزاوجة بين: رودة ورخصة؛ وشبه المزاوجة بين: برهرهة، ورودة. ثم تأمل هذا الترصيع في فتور القيام، قطيع الكلام، والبيت الذي يليه: هذا، ومن أمثلة الجناس الحرفي الخفي الجيدة قول النابغة: إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم ... من الضاريات بالدماء الدوارب تراهن خلف القوم خرزًا عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب (٤) جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب لهن عليهم عادة قد عرفنها ... إذا عرض الخطي فوق الكواثب (٥) علي عارفات للطعان عوابسٍ ... بهن كلوم بين دامٍ وجالب (٦) فهم يتساقون المنية بينهم ... بأيديهم بيض رقاق المضارب

стр. 705

يطير فضاضًا بينها كل قونسٍ ... ويتبعها منهم فراش الحواجب (١) ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب تروثن من أزمان يوم حليمةٍ ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب (٢) تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب (٣) وهكذا. وأسمى ما في هذا الشعر من تكرار الحروف ومزاوجة الكلمات وتوازنها: جناسًا خفيًا، لأن السامع والقارئ لا يكادان يفطُنان إليه، وإنما يهجُم عليهما الطرب هجومًا، خذ قوله: "يغرن مغارهم، والضاربات الدوارب" فهنا مزاوجة خفية لا تظهر أول الأمر. والذي له عهد طويل بصناعة الشعر، لا يكاد يفوته موضع الغينين في "مُغار، ويُغرن"، والشبه الوزني بين "الضاريات والدوارب" ولا سيما وأنت كثيرًا ما تقول: "الضواري، والداربات". وفي البيت التالي، راعى النابغة تكرار الخاء، حتى لا تصير خاء "خلف" منفردة جحيشة لا أخت لها، فجاء بها في قوله: "خزرًا عيونها"، وقوله: "جلوس الشيوخ". وراعي أيضًا التزام الثلاثي الساكن الوسط، على طريقة المجانسة الازدواجية في قوله: "خلف أقوم خزرًا". وعدل عن هذا إلى وزن "الفعول" عند قوله: "عيونها، جلوس الشيوخ". وفي البيت الذي يلي هذا عمد الشاعر إلى ألفاظ فجعلها أساس ترنمه، فتراها في قوله: "قد أيقن أن قبيله إذا ما التقى"، ولما ذكر الجيم في أول الكلام، في قوله: "جوانح" عز عليه أن يتركها من دون مزاوجة، فجاء بقوله:

стр. 706

"الجمعان" في الشطر الثاني. هذا ولا تنس مكان النون المشددة من "أيقن، وأن"، ومن قوله: "لهن" في البيت الذي يلي، وهو قوله: لهن عليهم عادةٌ قد عرفنها ... إذا عرض الخطي فوق الكواثب وأحسبك قد فطنت هنا لتكرار العين. وقد استمر فيها الشاعر إلى البيت التالي، ثم أتى بالطاء في قوله: "للطعان" ليذكرك طاء "الخطي"، وبالكاف في قوله: "كلوم" ليذكرك بكاف "الكواثب". وقد ترك المزاوجة في الوزن في قوله: "لهن عليهم الخ"، كأنه أراد أن يستريح منها شيئًا، ثم رجع إليها في البيت على "عارفان"، بمزاوجة غير كاملة في قولة: "عارفات، وعوابس، ودام، وجالب". وإلى الآن لم يكثر الشاعر من تكرار الفاء الذي مر عليك مفردًا في هذا البيت والأبيات المتقدمة، ولكنه أدخره ليأتيك به مكررًا، في قوله: يطير فضاضًا بينها كل قونس ... ويتبعها منهم فراش الحواجب ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب فالفاءات المتتابعة هنا، كأنما هي صدى لتلك الفاءات المفردات التي تقدمت. والبيتان الأخيران، مزج فيهما الشاعر بين مجموعة كان قد كررها من الأحرف، فيها الفاء والقاف والتاء والنون، وذلك قوله: تورثن من أزمان يوم حليمةٍ ... إلى يوم قد جربن كل التجارب هذا، والذي لا يخالجني فيه أدنى ريبٍ، هو أن مثل هذا الجناس الخفي، على خفائه وانزوائه، لا يكون إلا بتعمد وتصيد من الشعراء، ولا يقع في كلامهم عن محض المصادفة والقدر والاتفاق الخالص، ولا يخدعنا عن هذه الحقيقة ما نجده من وقوع تكرار الحروف عن اتفاقٍ خالصٍ في النثر العلمي، فذلك شيء لا يعتد به. أما النثر الفني فمكان الصناعة والتعمد فيه لا يخفى. ومما يدفعني إلى القول بهذا، أن طبيعة

стр. 707

الشعر طبيعة جرسية، تقصد قصد الرنين والدندنة؛ والأصوات فيه تتداعي ويناغي بعضها بعضًا والشاعر لا يخلو حين ينظم من نوع من إرزام في الصدر مكنونٍ، أو بالغ مبلغ النئيج على أطراف الشفتين. وقد يتجاوز ذلك إلى شيء مثل البُغام وهدير القماري. وهو إذ يرصف كلماته في نسقٍ، متدفقًا في ذلك او متريثًا، لا يملك نفسه أن يضع كلمة من كلماته في موضع بارز في أول الشطر أو في أول العجر. ورنة تلك الكلمة حينئذ تكون بينة بارزة. خذ مثلًا الكلمة "فضاضًا" من قول النابغة السابق. فهي مثالٌ لما أزعمه من الكلمات البارزة تفاجئك بكينونة بينة عند أول الكلام، والشاعر حين تحصل له مثل هذه الكلمة، لا يملك نفسه من أن يلذع جرسها حسه، ويحفزه إلى أن يزاوج بينها وبين أخرى تشابهها وتباريها. فإما أن يجيء بذات وزنٍ مشابه لها، وإما أن يجيء بذات صوت مساوق مقارب. وهذا ما فعله النابغة عند قوله: "فراش الحواجب" فجاء بالوزن وبصوت الفاء. ولظهور الفاء نفسها من قوله "فضاضًا" وبروزها (وربما كان سبب هذا البروز هو تفرد الفاء مع ضادين وحركتين طويلتين"، احتاج النابغة إلى أن يقويها بفاءات مثلها في قوله: "فيهم، سيوفهم، فلول". وتأمل قول عامر بن الطفيل: وإني وإن كنت ابن سيد عامرٍ ... وفارسها المشهور في كل موكب فما سودتني عامر عن وراثةٍ ... أبى الله أن اسمو بأم ولا أب ولكنني أحمي حماها، وأتقي ... أذاها، وأرمي من رماها بمنكب تأمل هذا، تجد قوله: "ابن سيد عامر" قولا بارزًا، له جرس يطلب ما يضاهيه ويوازيه ويجاريه. وقد فطن عامر لذلك، فألحقه قوله: "وفارسها" وهو يناسب "ابن سيد عامر" من جهة المعنى ومن جهة الرنين، لمكان الراء والسين، ثم احتاج بعد إلى إقامة الوزن، فلم يجد أفضل من إقامته بكلمة تحمل طرفًا من رنة ما سبق من

стр. 708

كلامه، فجاء بقوله: "المشهور"، وفيها الهاء والراء والمد. وقد كان في وسعه أن يحيج عنها إلى "الصنديد" أو "المغوار"، ولكن قربها إلى ما سبق من جهة الصوت هو الذي طباها. ثم أكمل عامرٌ البيت بقوله: "في كل موكب"، فاتفقت له كافاتٌ، ما أحسبه كان قد قصد إليها. ولكن طبيعة القصد في نفسه الناظمة عندما توجع إلى تعزيز "ابن سيد عامر" بفارسها، "وبالمشهور"، أتت بالكافات في نوع من الاختيار "اللاواعي" هذا، ولو لم يكن عامر قد أراد إلى مضاهاة الحروف بعضها ببعض، ومجانستها، وملاءمتها، لكان له عن ذلك مندوحة، بإتباع أول كلامه: وإني وإن كنت ابن سيد عامر جواب الشرط، من غير قصد إلى الإطناب. والبيت الثاني الذي وقع فيه جواب الشرط، يبدو لك أول وهلة كأنه خالٍ كل الخلو من مؤاخاة الكلمات ومجانستها. وهذا هو موضع الخفاء والإخفاء. وما هو إلا أن تتأمل حتى تجد أن الشاعر قد عدل عن اللام التعليلية، وعن "من" السببية في قوله: "عن وراثة" إلى "عن". وهل ترى أنه فعل ذلك، إلا لشدة دعاء العين الممدودة إلى جرس يؤاخيها؟ ونحو من هذا تجده في قوله: "سودتني، أسمو، أم". وغير خافٍ ما بين أبي وأب من تشابه. أما البيت الثالث فالصناعة التقسيمية فيه أوضح من أن يدلل عليها. وجلي أن الشاعر لم يضطره إليها إلا حدوث القسمة بداءًا عند قوله: "ولكنني أحمي حماها". فقوله: "أحمي" دعا قوله: "حماها". ثم هذا الجزء كله: "أحمي حماها" دعا نظائر أخريات، هن "أتقي أذاها" و"أرمي من رماها". وأني لمما يطول عجبي من بعض النقاد القدماء الألى يزعمون بمعرض الحديث عن البديع، أن الجناس إنما كان شيئًا يقع اتفاقا وقدرًا للقدماء، لا يطلبونه، ولا

стр. 709

يحتفلون له. وإنما جعل يحتفل له المتأخرون وحدهم. وقال الآمديّ (١): "وقال -جلَّ وعزَّ- في التجنيس: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤]، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ [الروم: ٤٣] وقال النبي ﷺ : «عصية عصت الله ورسوله. وغفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله». وقال القطامي: ولما ردها في الشول شالت ... بذيالٍ يكون لها لفاعا وقال أيضًا: كنية الحي من ذي الغيضة احتملوا ... مستحقبين فؤادًا ماله فادى وقال جرير: وما زال معقولًا عقال عن الندى ... وما زال محبوسًا عن الخير حابس وقال ذو الرمة: كأن البري والعاج عيجت متونه ... على عشرٍ نهى (٢) به السيل أبطح وقال أمرؤ القيس: لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا وقال الفرزدق: خفاف أخف الله عنه سحابه ... وأوسعه من كل سافٍ وحاصب ذكر ذلك كله أبو العباس بن المعتز في كتاب "البديع"- ثم يستمر الآمديّ حتى يقول (٣): "فتتبع مسلم بن الوليد هذه الأنواع واعتدها، ووشح بها شعره،

стр. 710

ووضعها في موضعها، ثم لم يسلم مع ذلك من الطعن، حتى قيل أنه أول من أفسد الشعر، روى ذلك أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح، قال: وحدثني محمد بن القاسم بن مهروية، قال: سمعت أبي يقول: أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد ثم اتبعه أبو تمام، واستحسن مذهبه، وأحب أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من بعض هذه الأصناف، فسلك طريقا وعرا، واستكره الألفاظ والمعاني، ففسد شعره، وذهبت طلاوته، ونشف ماؤه. وقد حكى عبد الله بن المعتز في هذا الكتاب الذي لقبه البديع أن بشارا وأبا نواس ومن تقيلهم، لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه كثر في أشعارهم، فعرف في زمانهم. ثم إن الطائي تفرغ له، وأكثر منه، وأحسن في بعض ذلك، وأساء في بعض؛ وتلك عقبى الإفراط، وثمرة الإسراف، قال: وإنما كان الشاعر يقول من هذا الفن البيت والبيتين في القصيدة، وربما قرئ في شعر أحدهم قصائد، من غير أن يوجد فيها بيت واحد بديع. وكان يستحسن ذلك منهم إذا أتى قدرًا، ويزداد حظوة من الكلام المرسل. وقد كان بعضهم يشبه الطائي في البديع بصالح بن عند القدوس في الأمثال، ويقول: لو كان صالح نثر أمثاله في تضاعيف شعره، وجعل منها فصولا في أبياته، لسبق أهل زمانه، وغلب على ميدانه. قال ابن المعتز: وهذا أعدل كلامٍ سمعته". أهـ. وكلام الآمدي هذا ومن على طريقته من النقاد الأوائل والمحدثين، يهمل أمرًا في غاية الأهمية، وهو حقيقة الفرق بين الجناس (وقل إن شئت سائر المحسنات البديعية) الذي يقع في كلام الأوائل من شعراء الجاهلية والإسلام، وأنواع الجناس التي تقع في كلام المتأخرين. وهذا الإغفال واضحٌ، من جهة نسبتهم الفرق كله إلى الكم لا الكيف، ونسبته أيضًا إلى وقوع الجناس عفوًا واتفاقًا عند القدماء، وعن تصيد وتعمد عند المحدثين، وإعراضهم كل الإعراض عن أن يتفهموا دوافع العفو والاتفاق وأسبابهما في شعر أولئك، ودوافع التصيد والتعمد وأسبابها عند هؤلاء. وقد ثبت لديك أيها القارئ الكريم مما استشهدنا به من كلام امرئ القيس والنابغة، أن

стр. 711

الأوائل كانوا يتعمدون المجانسة السجعية والازدواجية على حسب ما وضحناه. وازيدك أدلة أقوى، على ما سلف، قول أبي المثلم الهذلي (١): لو كان للدهر مال كان متلده ... لكان للدهر صخر مال قنيان آبى الهضيمة متلاف الكريمة نا ... بٍ بالعظيمة جلد غير ثنيان حامي الحقيقة معتاق الوسيقة نسـ ... ـال الوديقة لا سقط ولا وان مناع مغلبةٍ ركاب سلهبة ... رباء مرقبة سرحان فتيان فمراعاة السجع في حشو الأبيات مع التقسيم العروضي، لا يمكن لزاعم أن يزعم عنهما أنهما داءً من غير تأت وتصيد. هذا، وبحسبنا أن القدماء أنفسهم قد تنبهوا إلى وجود طبقة من بين شعرائهم، يتكلفون القول بشكل واضح، وقد سموا هؤلاء المجودين وأصحاب الحوليات وعبيد الشعر. لا بل إن القدماء قد تنبهوا إلى أن جميع ما لديهم من الأشعار ينتظمه لونان من التعبير: التكلف والتدفق، والتطبيع والتصنيع. وقد حاول ابن رشيق القيرواني أن يعتذر عن اللون الذي سماه الأوائل صناعة وتكلفا (عسى لأن هذه الكلمة الثانية قد كادت تفقد معناها الاصطلاحي القديم في عصره) بقوله: (العمدة ١: ١٠٨ - ١٠٩): "ومن الشعر: مطبوع، ومصنوع. فالمطبوع هو الأصل الذي وضع أولًا، وعليه المدار. والمصنوع وإن وقع عليه هذا الاسم، فليس متكلفا تكلف (٢) أشعار المولدين، ولكن وقع فيه هذا النوع الذي سموه صنعة، من غير قصد أو تعمل، ولكن بطباع القوم عفوا، فاستحسنوه ومالوا إليه بعض الميل،

стр. 712

بعد أن عرفوا وجه اختياره على غيره، حتى صنع زهير الحوليات على وجه التقيح والتثقيف، يصنع القصيدة ثم يكرر نظره فيها، خوفًا من التعقب، بعد أن يكون قد فرغ من عملها في ساعة أو ليلة، وربما رصد أوقات نشاطه فتباطأ عمل لذلك والعرب لا تنظر في أعطاف شعرها بأن تجنس وتطابق أو تقابل، فتترك لفظة للفظة، ومعنى لمعنى، كما يفعل المحدثون. ولكن نظرها في فصاحة الكلام وجزالته، وبسط المعنى وإبرازه، وإتقان بنية الشعر، وإحكام عقد القوافي، وتلاحم الكلام بعضه ببعض، حتى عدوا من فضل صنعة الحطيئة حسن نسقه بعضه على بعض في قوله: فلا وأبيك ما ظلمت قريع ... بأن يبنوا المكارم حيث شاءوا لا وأبيك ما ظلمت قريع ... ولا برموا بذاك ولا أساءوا بعثرة جارهم أن ينعشوها ... فيغبر حوله نعم وشاء (١) فيبني مجدها ويقيم فيها ... ويمشي إن أريد به المشاء ولإن الجار مثل الضيف يغدو ... لوجهته وإن طال الثواء وإني قد علقت بحبل قومٍ ... أعانهم على الحسب الثراء وكذلك قول أبي ذؤيب، يصف حمر الوحش والصائد: فوردن والعيوق مقعد رابيء الضـ ... ـضرباء خلف النجم لا يتتلع (٢) فكر عن في حجرات عذبٍ باردٍ ... حصب البطاح تغيب فيه الأكرع

стр. 713

فشر بن ثم سمعن حسًا دونه ... شرف الحجاب وريب قرع يقرع فنكرنه فنفرن فامترست به ... هوجاء هادية وهادٍ جرشع (١) فرمى فأنفذ من نحوصٍ عائط ... سهمًا فخر وريشه متصمع (٢) فبدا له أقرب هاد (٣) رائغًا ... عنه فعيث في الكنانة يرجع فرمي فألحق صاعديًا مطحرا ... بالكشح فاشتملت عليه الأضلع فأبدهن حتوفهن فهارب .... بذمائه أو بارك متجعجع (٤) فأنت ترى هذا النسق بالفاء كيف اطرد له، ولم ينحل عقده، ولا اختل بناؤه (٥) ولولا ثقافة الشاعر ومراعاته إياه، لما تمكن له هذا التمكن. واستطرفوا ما جاء من الصنعة نحو البيت والبيتين في القصيدة بين القصائد. يستدل بذلك على جودة شعر الرجل وصدق حسه، وصفاء خاطره. فأما إذا كثر ذلك فهو عيب، يشهد بخلاف الطبع، وإيثار الكلفة (٦)، وليس يتجه البتة أن يتأتى من الشاعر قصيدة كلها أو أكثرها متصنع من غير قصد، كالذي يأتي من أشعار حبيب والبحتري وغيرهما وقد كانا يطلبان الصنعة ويولعان بها ... إلى آخ ما قاله". أهـ. قلت: وكلام ابن رشيق هذا مقبول من حيث إن التكلف والصناعة في الشعر

стр. 714

اتجاه ينهجه الشاعر، بعد أن توجد عنده الملكة والمقدرة، مردود من حيث إن ابن رشيق يجعل تكلف القدماء نوعا من الطبع، وتكلف المحدثين صناعة صرفا. وقد كان ابن قتيبة أحذق من، إذ اعترف أن التكلف في الشعر طريقه بإزاء الطبع، وأنه قد يقع للمتكلف ما يفسد شعره من الاستكراه، كما قد يقع له ما يرتفع به من قوة الدافع. وقد يقع للمطبوع ما يفسد شعره من موت الدافع والتدفق في لا معنى، كما قد يقع له ما يرتفع بشعره: من إصابة الغرض والسلاسة والانسياب. وسنفيض في الحديث عن التكلف والطبع والخيال المطلق والخيال النسبي، عندما نتعرض لمسألة الأسلوب إن شاء الله (١). والذي يعنينا هاهنا، هو أن ننفي عن المحدثين أمثال مسلم وحبيب معرة ما وسمهم به الآمدي وقبيله كابن رشيق، من التكلف المزري، ونثبت للقدماء ما نفوه عنهم كل النفيـ من طلب الصناعة والتكلف، بمعنى التأني والتصيد والعمد. وقد يقال: لإن هذا الذي سميناه جناسا ازدواجيا وسجعيا، ليس من مراد النقاد بهذا اللفظ في شيء. وإنما الجناس هو ما كان من نحو الأمثلة التي ضربها الآمدي وابن المعتز مثل ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤]، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ [الروم: ٤٣]- وهذا لا مدفع إلى أنه غير كثير عند القدماء كثرته عند طبقة حبيب ومن تبعوه، كما أنه ليس بقليلٍ قلة ما يزعمونه، ويريدوننا إن نواطئهم عليه. وهنا موضع مأخذنا على الآمدي ومن لف لفه. والذي نأخذه عليهم هو إغفالهم للكيف، واهتمامهم بالكم. وقد ذكرنا آنفا أن الجاهليين كانوا يتعمدون تزويج الألفاظ وتجنيس حروفها، وأن هذا أمر من طبيعة عمل الشاعر، وشيء تدعو إليه صناعة القريض دعاءً ملحا على أيه حال، لما تتطلبه من إقامة الوزن والموسيقا،

стр. 715

واليئام الحروف، وتناغي الكلمات. وإذ قد وضح هذا، فلا يعقل ألا يتفق للجاهلين نحو جناس ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤] (١) في أثناء طلبهم للجناس السجعي، أعني مثلًا في أثناء تصيدهم للسينات وغيرها في نسقٍ ما. والمتصفح لدواوينهم يجد أمثلة كثيرة من هذا الضرب. خذ ما ذكره أبو هلال العسكري، في باب الجناس، على سبيل المثال (٢): قال الفرزدق: قد سال في أسلاتنا أو عضه ... عضب بضربته الملوك تقتل وقال النابغة: وأقطع الخرق بالخرقاء لاهيةً وقال أوس بن حجر: قد قلت للركب لولا أنهم عجلوا ... عوجوا عليّض فحيوا الحي أو سيروا وقال الأعشى: رب حي أسقاهم آخر الدهر ... وحي سقاهم بسجال وقال ابن مقبل: يمشين هيل النقا مالت جوانبه ... ينهال حينا وينهاه الثرى حينا وهكذا. وأمثال هذا كثير في كلام الجاهلية، فضلًا عن الإسلام الأموي، إذ حينئذ تجد أشياء كالمتعمدة لذاتها مثل قول ذي الرمة (٣): واسترجفت هامها الهيم الشغاميم

стр. 716

وإنما قل الجناس المتشابه عند الجاهلين بالنسبة إلى شعراء المولدين، لأن أولئك كانوا لا يطلبونه هو، وإنما يطلبون الجناس السجعي، لإحداث الجرس بتكرار الحروف. وكان الجناس المتشابه يقع في تضاعيف هذا الجناس السجعي، كما في قول الأعشى: وقد أروح إلى الحانوت يتبعني ... شاوٍ مشل شلول شلشل شول ولو كانوا يطلبون الجناس المتشابه نحو: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤]، لكنا قد كثر في كلامهم كثرة الجناس السجعي، كما في الأمثلة التي ذكرناها، وكما في قول الأعشى. يهب الجلة الجراجر كالبستان تحنو لدرق أطفال وهنا تأتي مسألة "الكيف" التي زعمنا أن الآمدي وأصحابه قد أغفلوها وأهملوها. وتفيلها: أن الشعراء المحدثين طلبوا الجناس المتشابه دون السجعي الذي كان الجاهليون يكثرون منه، أو بتعبير أدق، إن الشعراء المحدثين تعمدوا طلب أصناف الجناس المتشابه على اختلاف درجاتها، مما يقع فيه توافق الكلمات في الأصول دون مجرد تكرار السواكن (Alliteration) والحركات (Assonance) وتجانسها، وقد ألهاهم طلبهم للجناس المتشابه، وتصيدهم له، وحرصهم عليه عن سائر الأنواع السجعبة، فصارت يقع في تضاعيف الجاهليين اتفاقا. وهنا نجد اختلافًا كاملا بين "كيف" الجناس عند الجاهليين ولفهم، والمحدثين من طبقة أبي تمام ولفهم. وهذا الاختلاف الكامل ليس منشؤه الصناعة والتكلف بمعنى التصيد والعمد الزائد، فقد أثبتنا الصناعة والتكلف بهذا المعنى للجاهليين، بدليل ما استشهدنا به من كلام زهير وأمرئ القيس وغيرهما. ولكن منشأ الاختلاف فيما أوي هو نفس طبيعة التباين بين مجتمع القدماء الجاهليين ومجتمع المحدثين المولدين. فهذا

стр. 717

المجتمع الثاني قد كان عباسيًا متحضرًا متأنقًا، خرج من دهر البطولة الذي كان يعيشه القدماء، إلى دهر الإقامة، الدائر كيانه على الأمراء والوزراء والتجار والصناع والأدباء والحلية والثراء والمباهج المدينة الكسروية القيصرية. وقد كان الإسلام بتعاليمه وعقائده هو المسيطر على هذا المجتمع الجديد. أو قل: قد كان هذا المجتمع الجديد صفرًا من القيم المشركية القديمة، وكان الإسلام، هو الذي فتح لهذا المجتمع الجديد أسباب الحضارة، وأعطاه الاعتداد والزهو والشعور بالفضل والزيادة على سائر مجتمعات الدنيا وحباه الملك الواسع بما ينضوي تحته من ترف ونعيم، وبؤس وجحيم. وقد كان الإسلام دينًا يرفض الأنصاب والتصاوير وما يجري مجراها من آثار المشركين وكانت طبيعة المجتمع الحضري الجديد تدعو أشد دعاء إلى التصاوير التماثيل والفنون الجميلة المنظورة، وقد كان في هذه الفنون الجميلة المنظورة، لو قد سمح بها الدين، مجالٌ واسع للتعبير الحضري، وتنفيس عن ذوق المجتمع المولد الجديد. ولكن الدين لم يفعل ذلك. فكان لا بد لهذا المجتمع من أن يجد فنا آخر يعوض به فقدان الرسم والفنون المماثلة له، والمتفرعة عنه، وقد بدأت بوادر هذا النوع من التعويض في أواسط العهد الأموي، عندما اهتم الخلفاء بالعمارة، وجعل فن الزخرفة يجد سبيلة إلى تزيين المساجد. وقد سرى هذا الفن إلى العصر العباسي، ونما وازداد حتى وصل إلى الأواني والنسيج، وجعل يبرز في الخطوط. وما إن جاء القرن الثالث حتى صارت البلاد الإسلامية تمتاز بفن خاص هو فن الزخرف الهندسي، الذي قد صار من أكبر (بل لعله أكبر) وسائلها للتعبير عن جمال الدنيا ومعانيها الفنية. ولا أشك أن الخط العربي كان سيختلف أي اختلاف عما هو عليه الآن من تقاطع وتوازن وقابلية عظيمة لعمل الزخارف الهندسية، لو قد كانت عقلية المدينة التي نشأ فيها عقلية لا زخرفية. لا ريب أن زخرفة الخط قد طلبتها العقلية الإسلامية

стр. 718

طلبًا تلقائيًا، وأقبلت عليها، مدفوعة بدافع الرغبة في التعويض عما حرمه الدين عليها من الفنون المنظورة، لتزين بها مساجدها وأوانيها ومنسوجاتها. وكما أن الزخرفة التي ارتبطت أولا بهندسة البناء ثم بالفسيفساء والرخام المصنف، انتقلت إلى الخطوط، فكذلك قد سرت موجة الزخرفة التي كانت تصطخب بها الأفئدة العباسية، إلى صناعتي الإنشاء والنظم. ألا ترى أن زخرفة الخط تدعو بطبيعتها إلى لفظ مزخرف؟ خذ مثلًا قول الحريري: زينب زينت بقد يقد ... وتلاوة ويره نهد يهد ألا ترى أن مثل هذا مما يحرص الخطاط على اصطياده، ثم ألا ترى أن النزعة الجمالية التي تطرب لرؤية التقطيعات الهندسية في زركشة البناء، وتوشية الخط، وأشكال النسيج، يعجبها أيضًا أن تلقي لفظًا متوازيًا متقاطعًا في جرسه ورسمه ووزنه؟ وما احسب أبا تمام (وغن شئت فمسلم) إلا قد كان هو وأضرابه من الرواد الأولين إلى إظهار هذه النزعة الزخرفية الهندسية الكامنة في نفوس مجتمعهم، عن طريق العبارات المنظومة. ويدلك -سوى ما ذكرنا- على أن هذه النزعة الزخرفية كانت كامنة في النفوس، إقبال الشعراء، حتى البحتري الذي هو آية من آيات الطبع والسلاسة، على الزركشة اللفظية، وحتى ابن الرومي الذي كان يتعمد تتبع المعاني، وحتى المتنبي الذي كان يطلب الوضوح. ولعله مما يزيد كلامنا هذا بيانًا ما رواه ابن رشيق في العمدة (١)، من أن ابن الرومي ذكر في الاعتذار عن قول أبي تمام: وحوافرٍ حفرٍ وصلب صلب أن أبا تمام "كان يطلب المعنى ولا يبالي باللفظ، حتى لو تم له المعنى بلفظة نبطية لأتى

стр. 719

بها"، وفسر ابن رشيق قول ابن الرومي بتعليق ذكر فيه "أن المعنى الذي أراده وأشار إليه من جهة الطائي، إنما هو معنى الصنعة، كالتطبيق والتجنيس وما أشبههما" وأقول: إن ابن رشيق قد أصاب سويداء الحقيقة. ولا أظن بعد أن القارئ يخفي عليه موضع استشهادنا بهذا الخبر، فهو يدل على أن الشعراء أمثال ابن الرومي (وهو أعليائهم) كانوا يعدون الصناعة من حيز المعاني، فانظر كيف تمكن الزخرف من قلوب أولئك القوم؟ هذا، ولتمكن الزخرفة من النفوس، لم تكن الحملة التي شنها النقاد على أبي تمام إلا هواء، فقد صار مذهبه هو المذهب، وآضت طريقته هي الطريقة المتبعة، وعلى قريه سلك شعراء القرن الرابع ومن خلفوهم. ومن عجب أن النقاد أنفسهم حين نعوا الإفراط على أبي تمام، لم يؤاخذوا عليه البحتري، مع أنه لا يقل عن صاحبه إفراطًا. اللهم إلا ابن رشيق، فإنه قد تنبه لهذه الحقيقة، واعتذر له عن حبيب بأنه أسلس وأطبع. قال (١): "وقد كانا يطلبان الصنعة" يعني حبيبًا والبحتري، "ويولعان بها. فأما حبيب فيذهب إلى حزونة اللفظ، وما يملأ الأسماع منه، مع التصنيع المحكم طوعًا وكرهًا، يأتي للأشياء من بعد، يسلك منه دماثة وسهولة، مع إحكام الصنعة وقرب المأخذ، ور يظهر معه كلفة ولا مشقة". فهذا كلام منصف، إذ قد أثبت نزعة الزخرفة للرجلين، وفرق بينهما بأن أحدهما يذهب مذهب التجويد، والآخر يذهب مذهب الانسياب. ويقع التفضيل بينها بعد ذلك على حسب مزاج الناقد وهواه في هذين الاتجاهين اللذين لا يخلو الشعر منهما. وإذ قد وضحت لنا هذه الحقيقة الهامة من أن الطائيين ومسلمًا وشعراء المحدثين إنما كان يدفعهم إلى الجناس دافع نفساني جمالي، أملته طبيعة مجتمعهم، وجب

стр. 720

الناقد أن يفرق كل التفرقة بين طبيعة أنواع الجناس التي وقعت في أشعار الجاهلية والصدر الأول، وطبيعة الجناس التي وقعت في أشعار المتأخرين من شعراء الإسلام. ولعله يمكن إجمال الفوارق جميعها في قولنا: إن القدماء كانوا يطلبون المجانسة من أجل الجرس الشعري وحده، ولذلك كانوا أحرص على مزاوجة الكلمات وتكرار الحروف والحركات، أما المحدثون فكانوا يطلبون المجانسة من أجل الزخرف الهندسي الذي كان رمزًا للجمال المحض عندهم، وكان هذا الزخرف الهندسي يقع على جرس الكلمة ومنظرها وموقعها في الرصف النظمي. ولعلنا إن تبينا حقيقة هذا الفرق، أن نتبين أيضًا أسباب ندرة الجناسات المتشابهة بحسب الأصول، والجناسات الموهمة والتامة عند القدماء. فهم قد كانوا لا يطلبونها، لحرصهم على غيرها. وإنما كانت تقع عندهم اتفاقًا كما ذكرنا آنفًا، وكما في قول الشنفري: فبتنا كأن البيت حجر فوقنا ... بريحانةٍ ريحت عشاءً وطلت أو تعمدًا باستعمال الأعلام في معرض الذم أو المدح، كقول جرير: ولا زال محبوسًا عن المجد حابس وإنما نزعم أن مثل هذا متعمد لا اتفاقي، لأن الجرس الشعري ليس هو المطلوب طلبًا شديدًا هاهنا. وإنما عمد الشاعر إلى التظرف والتلاعب باسم المهجو نكاية به، وطنزًا عليه. هذا، ولعل حرص المحدثين على الزخرفة والتوازن، أن يشرح لنا ما كادوا يجمعون عليه من تجنب الزحاف في الوزن على خلاف عادة الجاهليين. فالزحاف المحكم يزيد الجرس إحكامًا، ويكسبه زيادة في الدندنة، بما يضيف إليه من عنصر التنويع. ولكنه يقدح في هندسة البيت، ويخل من توازنه- والذي ركبت في نفسه نزعة المعادلة والتوازن ينفر منه ويأباه. وهكذا فعل المحدثون فيما المحدثون عدا أمثلة نادرة سنعرض لها إن شاء الله.

стр. 721

مذهب أبي تمام: يقول ابن رشيق في باب المطبوع والمصنوع: "لا نجد المبتدئ في طلب التصنيع ومزاولة الكلام أكثر انتفاعًا منه بمطالعة شعر حبيب وشعر مسلم بن الوليد، لما فيهما من الفضيلة لمبتغيها، وأنهما طرقا إلى الصنعة ومعرفتها طريقًا سابلة، وأكثرا منها في أشعارهما تكثيرًا سهلها عند الناس، وجسرهم عليها. على أن مسلمًا أسهل شعرًا من حبيب، وأقل تكلفًا، وهو أول من تكلف البديع من المولدين، وأخذ نفسه بالصنعة وأكثر منها. أهـ". وعندي أن النقاد يقرنون اسم حبيب باسم مسلم، ضنًا عليه بفضيلة السبق. يدلنا على ذلك المناظرة بين صاحب البحتري وصاحب أبي تمام التي عقدها الامدي، فصاحب أبي تمام يزعم لشاعره مذهبًا، وصاحب البحتري ينكر عليه ذلك، ويحتج ببشار وأبي نواس ومسلم بن الوليد. ولا إنكار، لأن طلب الزخرف والصناعة قد بدأ منذ أيام بني أمية، وتعاطي منه أصناف بشار وأبي نواس والخليع أطرافًا، وتأنفوا كما يلائم أذواقهم وعقليتهم الهندسية "الأربسكية" (١) كما يقول الإفرنج. وقد كان أسلوب أبي التاهية الضعيف الركيك السوقي ثورة على هذه الأنافة، وتعتلبرًا (وإن كان تعبيرًا كاذبًا منافقًا (٢)، وشكرًا لأصحاب التراجم القدماء إذ قد كشفوا ذلك

стр. 722

ووضحوه) عن ناحية البساطة والفقر والإدقاع التي كان يبني الوجهاء على أنقاضها لذاتهم وزخرفهم. ولكن تأنق هؤلاء -أعني بشارًا وأبا نواس- كان بلا طريقة، كان نوعًا من الاوتياد والكشف، لا سلوكًا على منهج معبد. وقد حاول مسلم أن يضع معالم هذا المنهج المعبد باستعماله أطرافًا من الجناس والتكرار والتورية والطباق كما في قوله: موفٍ على مهجٍ واليوم ذو رهج وكما في قوله: بجارية محمولةٍ حاملٍ بكر ولكن مسلمًا حتى في هذا لم يتجاوز طريقة القدماء، من طلب التقسيم المرصع والمترادفات المتشابهة. فإذا أردكنا ذلك تنبنا بحق أن أبا تمام هو الذي نقدر أن ننسب إليه فضيلة البداية المنظمة في فن الصناعة والزخرفة (١)، والسير بها على سنن هو التعبير الجريء الصادق عن العقلية "الأربسكية" التي كانت حينئذ تغلغلت في صميم المجتمع الإسلامي، وبلغت ذروتها وأوجها في دور الخلافة وقصور العظماء. وإذا تأملنا الوقت الذي كتب فيه أبو تمام ما كتب، وجدناه مطابقًا للوقت الذي استجمعت فيه الحضارة الإسلامية أداتها كاملة. فقد ثبت الفن المعماري على أصول راسخة. وانتظم أمر

стр. 723

الخط، فلم يبق إلا أن يعطيه ابن مقلة الصورة النهائية. واكتملت الموسيقا على يد الموصلي والواثق ومعاصريهما. وخمدت الثورات، واستتب الأمن، وانتظمت الدواوين. ورست حال المجتمع على نظام ينذر بالاستقرار والجمود. وقد عبر أبو تمام عن منهج الزخرفة، لا في اللفظ فحسب، ولكن في الطريقة التي يكون بها تناول المعاني. وسنفصل هذا في موضعه. أنا من ناحية اللفظ، فقد أردك بثاقب فطرته أن الجناس هو أقوى وسائل الزخرف، لما يجتمع فيه من قوى التأثير المختلفة على الوزن من طريق الجرس، وعلى الجرس منطريق تشابه الحروف، وعلى الخط من طريق رسم الكلمات، وعلى العقل، من طريق الإيهام والتورية، التي تتبع تشابه الكلمات والحروف. وبدلا من أن يكفي نفسه طلب الجناس السجعي والمزدوج، كما كان يفعل القدماء، عمد إلى تقريب الأصول بعضها من بعض، وبناء المعاني التي يطلبها على ألفاظ قابلة للتحوير والتدوير. وربما تجاوز الفكرة إلى أختها إن كانت الألفاظ أطوع في الأخرى. وربما استكره الألفاظ على الفكرة إن كان لها مساس جوهري بموضوعه. ومن أوائل ما توصل إليه أبو تمام، بابتداعيه لهذا الأسلوب، نوع غريب من التجنيس، ربما يصلح أن نطلق عليه لقب "التجنيس المجازي". وهاك مثالا منه قوله (١): على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب أقول لقرحانٍ من البين لم يضف ... رسيس الهوى بين الحشى والترائب أعني أفرق شمل دمعي فإنني ... أرى الشمل منهم ليس بالمتقارب فما صار هذا اليوم عذلك كله ... عدوي حتى صار جهلك صاحبي وما بك إركابي من الرشيد مركبا ... إلا أنما حاولت رشد المركب

стр. 724

فكلني إلى شوقي وسر يسر الهوى ... إلى حرقاتي بالدموع السوارب أميدان لهوي من أرتاح لك البلى ... فأصبحت ميدان الصبا والجنائب أصابتك أبكار الخطوب فشتتت ... هواي بأبكار الظباء الكواعب نكتفي بهذا القدر. ثم ننظر في هذه الأبيات: الأول فالأول. خذ قوله: أعني أفرق شمل دمعي إلى آخره، تجده استعمل "الشمل" بدءًا استعمالا مجازيًا، ثم رجع واستعملها في الشطر الثاني الاستعمال الحقيقي. فهذا على مذهب الرماني تصرف. وإن شئت عددته نوعًا من التكرار. ولكنه لا يخفى على الناقد البصير أن الشاعر أراد فيه إلى الجناس بين كلمتين متساويتين، حتى في ظاهر المعنى، ويفرق بينهما الوضع فشمل الدمع شيء غير شمل الأحبة. ويقرب من هذا في التصرف المجازي قوله: ما بك إركابي الخ"، ومثله تمامًا قوله: "أبكار الخطوب" و"أبكار الظباء". ونحو هذا أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه تلاعب بالألفاظ، واحتيال على المعاني لإبرازها في صورة الوشي والزخرفة. ومن أمثلة هذا التجنيس المجازي في شعر أبي تمام قوله (١): غدت تستجير الدمع خوف نوى غد ... وعاد قتادا عندها كل مرقد فانقذها من غمرة الموت أنه ... صدود فراق لا صدود تعمد لاحظ المقابلة بين الصدود والصدود فأجرى لها الإشفاق دمعا موردًا ... من الدم يجري فوق خد مورد هي البدر يغنيها تودد وجهها ... إلى كل من لاقت وإن لم تودد

стр. 725

فمكان المجانسة المجازية وما ينطوي تحتها من عنصر الاختلاف المعنوي بارز هنا في قوله "دمع مورد" و"خد مورد" و"تودد الوجه" و"التودد" بمعناه المعروف؛ هذا، وقد يتبادر إلى القارئ أن نحو هذا التجنيس الذي جاء في هذه الأبيات الدالية وأخواتها البائية، قد يدخل في حيز التكرار الترنمي، ويمكن أن تعده من باب رد الصدر على الأعجاز، أو من بابي ما سماه القدماء بالتصدير والترديد. وهذا يجوز بحسب الظاهر. ولكن حقيقة الزخرفة والقصد إلى خلق جو من الإبهام والإغراب، يعتمد على المشابهة اللفظية، والمقابلة في المعنى، تجعل هذا الصنف أدخل في الجناس وأبعد من أصناف التكرار الترنمي المحض كالذي في قول جرير: متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام أو أنواع رد الصدر على العجز الترنمية الخالصة، نحو قول البحتري: كلفًا بحبك مولعًا ويسرني ... أني أمرؤ كلف بحبك مولع إذ التكرار الترنمي في جميع أنواعه لا يخالطه الإبهام، ولا طلب النادرة الفكرية، ولا الرغبة في المجانسة اللفظية، والمقابلة المعنوية. هذا، ومن الأصناف المقاربة للجناس المجازي التي أكثر أبو تمام من استعمالها ورياضتها، جناس الاشتقاق المصحوب بنوع من حذق ومهارة. كالذي في وقوله: إذا ما غدا أغدى كريمة ماله ... هديًا ولو زفت لألأم خاطب فغدا، وأغدى من أصل واحد، يفرق بينهما لزوم الأولى، وتعدي الثانية. واستعمال الشاعر لهما كما قد فعل، فيه عمد إلى الإشارة والتنويه بهذا الفرق. ولا يخفى قرب الصلة وصفة المناسبة بين هذا المذهب، والمذهب الذي اتبعه آنفًا، من استعمال الكلمة الواحدة بطريقتين: إحداهما مجازية، والخرى حقيقية.

стр. 726

ومثال آخر من قري البيت الذي ذكرناه قوله: وليس يجلي الكرب رمح مسدد ... إذا هو لميؤنس برأي مسدد فمر مطيعًا للعوالي معودا ... من الخوف والإحجام ما لم يعود وكان هو الجلد القوى فسلبته ... بحسن الجلاد المحض حسن التجلد فالمسدد جارية في الاستعمال، يوصف بها السهم والرمح والرأي، وإيرادها كما فعل، فيه تنويه بهذا الفرق. والجلاد والتجلج لا يخفى ما بينهما من قرب الأصل واختلاف المعنى الناشئ من صيغتي "فاعل، وتفعل". وصنف ثالث يلحق بهذين الصنفين، هو تجنيس الاشتقاق من الأعلام. وقد ذكرنا أنه كان يرد في الشعر القديم في معرض المدح والذم، وأمثلة الذم أكثر مثل: ولا زال محبوسا عن المجد حابس ومن أمثلة المدح: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤]. والتجديد الذي أصفاه أبو تمام على هذا النوع، أنه خرج به جملة من القصد إلى معاني المدح والذم، إلى مجرد التحسين الجمالي اللفظي، بحسب ما أملت عليه عقليته المزخرفة المهندسة، ترى ذلك واضحًا جليا في قوله: أي مرعى عين ووداي نسيب ... لحبته الأيام في ملحوب وقوله: سعدت غربة النوى بسعاد ... فهي طوع الإتهام والإنجاد وقوله: إذا الحمت يوما لجيم وحولها ... بنو الحصن نجل المحصنات النجائب وقوله: أضحت إياد في معد كلها ... وهم إياد بنائها المدود

стр. 727

وقوله: تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد ... ودع حسي عين يجتلب ماءه الوجد وهكذا. ولا فائدة بعد في استقصاء أصناف الجناس الداخلة في حيز التلاعب بالكلمات، من حيث وجوه استعمالها وتقارب اشتقاقاتها. والمهم أن نلاحظ فيها جميعًا ناحية البراعة الذكائية الفكرية، والمقابلة الزخرفية التي تكون وحدة الزخرف فيها هي أصل الكلمة، وتنويعاته هي استعمالاتها المختلفة. أصل اللام والجيم والميم مثلا هو الوحدة الزخرفية في ألجمت ولجيم. والاختلاف الناشئ من الاشتقاق والاستعمال هو التنويع وقل كذلك في شمل الدمع وشمل الأحبة. وفي الرمح المسدد والرأي المسدد. والقسم الثاني من جناسات أبي تمام هو الذي تكون وحدة الزخرفة فيه هي تشابه الأصول ويكون التنويع مبنيًا على اختلاف جوهري في المعنى، ليس مصدره فعل الاشتقاق أو فعل الاستعمال المجازي. مثال ذلك قوله (١): مطر أبوك أبو أهلة وائل ... ملأ البسيطة عدة وعديدا أكفاؤه تلد الرجال وإنما ... ولد الحتوف أساودا وأسودا ورثوا الأبوة والحظوظ فأصبحوا ... جمعوا جدودا في العلى وجدودا فالكلمات التي تحتها خط هي محل الشاهد. وهذا القسم تدخل تحته أصناف. منها المتشابه البسيط، مثل قوله: "أسادوا" "وأسودا" ومنها المحرف مثل: بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب

стр. 728

ومنها التام مثل قوله: "جدودا" بمعنى الآباء، و"جدودا" بمعنى الحظوظ. ومثل قوله: فزعوا إلى الحلق المضاعف وارتدوا ... فيها حديدا في الشئون حديدا فالحديد الأولى بمعنى المعدن، والثانية من الحدة. ومنها الشبيه بالتام مثل: يمدون من أيد عواصٍ عواصم ... تصول بأسياف قواضٍ قواضب ومثل: كم بين حيطانها من فارس بطل ... قاني الذوائب من آني دم سرب والشاهد في "قاني" و"آني". والقسم الثالث من تجنيسات أبي تمامه والمرصع، وهو ليس بكثير في شعره كثرة الأصناف الماضية، على أنه من أكثر من تعاطوه بين شعراء المحدثين، ومثال ذلك قوله: يوم أفاض جوى أغاض تعزيا ... خاض الهوى بحرى حجاه المزبد عطفوا الخدور على البدور ووكلوا ... ظلم الستور بنور حور نهد وثنوا على وشي الخدود صيانة ... وشي البرود بمسجف وممهد والقسم الأول من هذه الأقسام، وهو التجنيس المجازي، أكثر أصناف الجناس ورودًا في شعر أبي تمام. ومرجع هذا عندي هو حرضه على الزخرفة المعنوية. فقد كان الرجل دليلا وداعية من دعاة هذا الروح الهندسي العباسي، ولم يكن حرصه على أن يظهر هذا الروح في اللفظ، بأقل من حرصه على أن يظهر في المعنى. ولا تكاد تجد بيت شعر له، إن خلا من التصنيع في الألفاظ، يخلو من التصنيع في المعاني. وهاك دليلا على ذلك -وإنما نورده على سبيل التمثيل لا الحصر والاستقصاء- هذه الأبيات

стр. 729

من بائيته المشهورة، وسنجعلها آخر ما نستشهد به الآن، في الحديث عن مذهب أبي تمام الجناسي، ثم نأمل أن نعود إلى الحديث عن زخرفة هذا الشاعر فيما بعد، عندما نتعرض لموضوع الأسلوب. قال يصف خراب عمورية: كمبين حيطانها من فارس بطل ... قاني الذوائب من آني دم سرب بسنة السيف والخطي من دمه ... لا سنة الدين والإسلام مختضب والشاهد هنا في "سنة السيف" بمعنى طريقته وحده، وسنة الإسلام بمعنى الختان. وهذا جناس مجازي، لأن معنى الكلمة الأولى اختلف عن معنى الثانية، من أجل الاستعارة والاستعمال المجازي لقد تركت أمير المؤمنين بها ... للنار يومًا ذليل الصخر والخشب غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحا ... يشله وسطها صبح من اللهب ولا يخفى أن الطباق هنا مجازي. ولو قد أمكن أبا تمام إيجاد جناس مجازي هنا بأن يقول: "ليل من اللهب" لكان قد فعل، ليجعل الليل المجازي في عجز البيت بإزاء الليل الحقيقي في صدره، ولكنه لم يمكنه ذلك، فعدل إلى صبح مجازي، يجعله بإزاء الليل الحقيقي الذي في صدر البيت. حتى كأن جلابيب الدجى رغبت ... عن لونها أو كأن الشمس لم تغب ضوء من النار والظلماء عاكفة ... وظلمة من دخان في ضحا شحب ولا يخفى هنا موضع الموازنة بين ظلمة الليل العاكفة، وظلمة الدخان. فالشمس طالعة من ذا وقد أفلت ... والشمس واجبة من ذا ولم تجب تصرح الدهر تصريح الغمام لها ... عن يوم هيجاء منها طاهر جنب لم تطلع الشمس منهم يوم ذاك على ... بان باهل ولم تغرب على عزب

стр. 730

ما ربع مية معمورًا يطيف به ... غيلان أبهى ربى من ربعها الخرب ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظر من خدها الترب ولا يخفى هنا أن أبا تمام إنما جسره على نسبة الخد إلى عمورية، ما كان جسر عليه من جعل ربعها مقابلا لربع مية سماجة غنيت منا العيون بها ... عن كل حسنٍ بدا أو منظر عجب وحسن منقلب تبدو عواقبه ... جاءت بشاشته عن سوء منقلب وهكذا إلى آخر القصيدة. مذهب البحتري في الجناس: لم يكن البحتري محتاجًا إلى أن يقوم "بدور" الرائد المكتشف، كما قد فعل أبو تمام. فقد كفاه صاحبهن والشعراء الذين سبقوا صاحبه أمثال مسلم، أو عاصروه مثل ديك الجن (وقد يأتي الحديث عنه عندما نعرض لمسألة الأساليب والبيان) هذا العناء. فلم يبق أمامه إلا التحسين والتزيين والتجويد، وإزالة خشونة الكشف والابتداء التي نجدها عند أبي تمام، وهي التي سماها ابن رشيق حزونة. وقد خُدع الآمدي عن حقيقة الأمر، فزعم أن البحتري قد حافظ على عمود الشعر، لأنه لم يستكره الاستعمارات، ويوغل في الجناسات. ولو قد تفطن قليلا لوجد أن البحتري لم يحافظ على عمود الشعر، إن كان مقصوده بعمود الشعر هو الإتيان بالكلام مستقيمًا خاليًا من زخرفة المعاني واللفظ على النحو العباسي، وأن كل الذي فعله هو الوصول بالزخرفة إلى سبيل دمثة ترف وسرف، وكلف بالمعادلات الرياضية، في كل ما يمكن أن يصدق عليه اسم الفن والإفصاح عن الجمال.

стр. 731

خذ على سبيل المثال، لتوضيح ما ذكرناه، قول البحتري: واخضر موشي البرود وقد بدا ... منهن ديباج الخدود المذهب وإن كان هذا خارجًا شيئًا عما نحن بصدده، ألا تجد أنه قد نظر إلى قول أبي تمام: وثنوا على وشي الخدود صيانة ... وشي البرود بمسجف وممهد فلأبي تمام كما ترى فضيلة السبق، إذ هيأ الاذهان لتقبل فكرة "وشي الخدود"، المقابلة بين زخرفة الجمال الطبيعة التي فيها، وزخرفة الجمال الصناعية التي في وشي البرود. ولكأنما كان أبو تمام يرمي بهذا التشبيه الغريب، إلى أن يفصح بتلك الحقيقة العنيفة التي كان يحسها عصره، من أن الجمال لا يكون إلا وشيا ومعادلات هندسة "أربسكية". وقد تعمد تكرار الوشي بالمعني المجازي والمعني الحقيقي، ليؤكد التشبيه ويثبته، ولكي لا يترك شكًا فيما خلفه من مقابلة معنوية. ولم يكن البحتري محتاجًا الى هذا النحو من التوكيد. إذ قد فرغ أبو تمام منه. ولم يبق أمامه هو، إلا أن يعمد إلى كلام أبي تمام نفسه، فيدمثه بتعريته من خشونة التأكيد المتمثلة في المجانسة المجازية، وإجراء القول على منهج يوهمك بأنه طبعي لا تصنيع في- وقد تأتى له ذلك في هذا المعني الذي تمثلنا به، باستبدال "وشي الخدود" بقوله "ديباج الخدود". وهاك أمثلة أخري منه تجري هذا المجرى: كيف اهتديت وما اهتديت لمغمد ... في ليل عانة والثريا تجنب عفت الرسوم وما عفت احشاؤه ... من عهد شوق ما يحول فيذهب فكون الشاعر نفسه مغمدا في جفن هو ليل عانة، وكون الأحشاء تعفو كما تعفو الرسوم، كل هذا من باب الزخرفة المعنوية التي كان يحتاج أبو تمام في إبرازها إلى تكرار الألفاظ في هندسة من الجناس المجازي. واستغنى البحتري عن ذلك لسبق أبي تمام له.

стр. 732

والحق، ان البحتري يكاد يكون قد استغنى عن طريقة التجنيس المجازي الغالبة على شعر حبيب، إذ استبدل منها تنويع الألفاظ، وتمويه المقابلات المعنوية، بطلاء من السلاسة الناشئة من التنويع، يجعل ما تشتمل عليه من زخرف أبرع وأبهر، وعمد في التجنيس إلى تلافي ما قصر عنه حبيب ولاسيما في باب الجناس المتشابه بحسب الأصول. ومع أن حبيبا كان يتعاطى هذا، كان مع ذلك أحرص على الضرب الأول، وكان طلبه للجناس المتشابه بمنزلة الارتياح بعد الحاحه على المعادلات والمقابلات المشتملة على الجناس المجازي فمن أمثلة الجناس المتشابهة عند البحتري قوله: راحت لأربعك الرياح مريضة ... وأصاب مغناك الغمام الصيب وقوله: رحلوا فأية عبرة لم تكسب ... أسفا وأي عزيمة لم تسلب قد بين البين المفرق بيننا ... عشق النوى لربيب ذاك الربرب صدق الغراب لقد رأيت شموسهم ... بالأمس تغرب عن جوانب غرب وقوله: كم بالكئيب من اعتراض كثيب ... وقوام غصن في الثياب رطيب وبذي الأراكة من مصيف لابس ... نسج الرياح ومربع مهضوب دمن لزينب قبل تشريد النوى ... من ذي الأراك بزينب ولعوب ومن مشهور جناساته المشابهة قولة: ألما فات من تلاق تلاف ... أم لشاك من الصبابة شاف؟ أم هو الدمع عن جوى الحب باد ... والجوى من جوانح الصدر خاف ووقوف على الديار فمن مر ... تبع شائق ومن مصطاف

стр. 733

وفيها واعترافي بما اقترفت فكم قد ... ذهب الاعتراف بالاقتراف عجب الناس لاعتزالي وفي الأطـ ... راف تغشي أماكن الأشراف وجلوسي عن التصرف والأر ... ض لمثلي رحيبة الأكناف ليس عن ثروة بلغت مداها ... غير أني أمرؤ كفاني كفافي هذا وقد كان البحتري أقعد في الشعر (١)، وأعلم بموسيقاه، وأقدر عليها من حبيب لأن حبيبا كان من أصحاب الصناعة والفكر والترنم عن طريق الفكر. بينما كان البحتري من أصحاب الصناعة والانسياب معا، وممن يفكرون بالعقل والقلب معا، وممن يدركون أن جمال الجرس لا يتسنى عن طريق تسخير الجناس والطباق للمقابلات المعنوية، وإنما عن جعل الجناس والطباق يسايران المقابلات المعنوية، فينزويان حين تبرز، ويبرزان حين تنزوي. وهذا سر إعراضه عن جناس المجاز، وإكثاره شيئا من جناس المتشابه وجناس الاشتقاق، على النحو الذي تمثلنا به. ثم إنه قد أدراك من حقيقة الجناس الحرفي السجعي، ما غاب عن أبي تمام. فافتن فيه افتنانا ينظر بعين إلى منهج الجاهلين، وبأخرى إلى حاجة الزخرفة التي يتطلبها عصر وبيئته. وسينيته من أبلغ الأمثلة في هذا الصدد، خذ قوله فيها: لا ترزني مزاولاّ لا اختباري ... عند هذي البلوى فتنكر مسي وقديماّ عهدتني ذاهنات ... آبيات على الدنيئات شمس ولقد رابني نبو ابن عمي ... بعد لين من جانبيه وأنس وإذا ما جفيت كنت حريا ... أن أرى غير مصبح حيث أمسي

стр. 734

حضرت رحلي الهموم فوجهـ ... ت إلى ابيض المدائن عنسي أتسلى عن الحظوظ وآسي ... لمحل من آل ساسان درس فهنا تجد تكرار الراء في البيت الأول، وصيغة المؤنث السالم في الثاني، والباء والنون في الثالث، والحاء في الرابع، والسين في السادس. والفرق بين هذا النوع من التكرار والتكرار الجاهلي، هو أن البحتري جمع بينه وبين أصناف من توشية الجرس، كالمزاوجة اللفظية والتقسيم والطباق. وهاك مثالا آخر قوله: طربت بذي الأراك وشوقتني ... طوالع من سنا برقٍ كليل وذكرنيك والذكرى عناء ... مشابه فيك بينة الشكول نسيم الروض في ريح شمال ... وصوب المزن في راحٍ شمول عذيري من عذول فيك يلحي ... على ألا عذيرٌ من عذول تجرمت السنون ولا سيبل ... إليك وأنت واضحة السبيل وقد حاولت أن تخد المطايا ... إلى حي على حلب حلول تأمل مجانسة الريح والراح، والشمال والشمول في البيت الثالث، فهذا من الجناس المتشابه. وتأمل تكرار الحاء في البيت الأخير، فهذا من الصنف السجعي القليل الورود عند أبي تمام، الكثير عند القدماء. وخلاصة القول في البحتري أنه عدل عن مذهب أبي تمام في المقابلات، إما بالتنويع كالمثال الذي ذكرناه من ديباج الخدود، وإما بالتكرار المحض كما في قوله: عفت الرسوم وما عفت أحشاؤه وأكثر البحتري من جناس المتشابه شيئا. ورجع إلى مذهب القدماء في الجناس السجعي والمزدوج. ولم تكن رجعته هذه عدولاّ عن طريقة أبي تمام، وإنما

стр. 735

كانت تقوية لها، بإضفاء جرس لفظي سابغ سلس رنان، على المعادلات المعنوية في الاستعارات والتشبيه والمقابلات اللفظية في الطباق والتقسيم. بعد البحتري بلغ فن الزخرف أوجه في أخريات القرن الثالث وسائر القرن الرابع، ثم استقرت عقلية الفن الإسلامي عليه من بعد ذلك قرونا طوالا. وقد دفعت الحاجة إلى التعبير عن الجمال، الذي كان يتعقد فهمه والتذوق له مع ازدياد المعرفة والحضارة وتعقدهما، إلى مزيد من الزخرفة التي ابتدعها أبو تمام، وحسنها البحتري. فبرز أمثال أبي الفتح البستي يبهرون الناس بأنواعٍ من التنسيق والتجنيس، ما كان الطائيان، على جسارتها، ليقدما عليها، مثل قوله: كلكم قد أخذ الجام ولا جام لنا ما الذي ضر الراح لو جاملنا (١) ومثل أصناف تشبيهاته (٢) وتشبيهات معاصرية التي أكثروا فيها من وصف النجوم. وقصيدة المعري: عللاني فان بيض الأماني وقصيدة صاحبه التي أولها: غير مستحسن وصال الغواني (وقد أورد شراح سقط الزند منها نتفا) (٣) من أقوى ما يستشهد به في هذا

стр. 736

الباب. وأظن أن زخرفة سمائهم المصحية في الليالي الدرع والدهم، كانت تدفعهم من تلقاء نفسها دفعا إلى وصفها. وكيف لا، وقد كان حب الزخرف قد تربع من نفوسهم في المكان الأول، حتى إنه كان يدعوهم إلى زركشة الألفاظ والمعاني، في صفة كل شيء يستحسونه أو يصادفونه في حياتهم اليومية، كالشمع والمداد والفحم والنار والفاكهة وأصناف المصنوعات والأثاث المنزلي؟ أفلا يدعوهم إلى الافتنان في صفة السماء ونجومها، التي قد صاغتها الطبيعة في أشكال هندسة متقابلة، أشبه شيء بالجناس والطباق وأصناف البديع؟ لا بل ألا يكاد يجزم الشاعر بأن هذه الكواكب والأنجم الزهر ما هي إلا بديع نوراني في القصيدة أبدية لا نهائية، صنعها شاعر السماء الأكبر؟ وقد بلغ من حب الناس للبديع اللفظي، أنهم صاروا ينظرون إلى جناس أبي تمام المجازي، نظرتهم للتكرار المحض، وصاروا ينظرون إلى جناس الاشتقاق (وقد كان هو والبحتري يكثران منه) نظرتهم إلى تصرف الكلمة الواحدة الذي لا يبلغ مبلغ الجناس الأصيل. وقد عرفت رأي الرماني والعسكري وأصحابهما في ذلك. وعلى إكبار الناس لحبيب وأبي عبادة، فإنه قد صار يعجبهم نحو قول القائل: عارضاه بما جنى عارضاه ... أو دعاني أمت بما أودعاني وقد أشبعهم الحريري من هذا النوع في غرائبه التي أودعها المقامات. وقد بلغ من حب الناس للبديع المعنوي، أنهم تجاوزوا مجرد الهندسة والمقابلة المعنوية التي كان يصنعها أبو تمام، إلى شيء شيبه بالفسيفساء، وكان التشبيه الوصفي عمدتهم في هذا الباب. مثال ذلك قول القائل: كأنما النار في تلهبها ... والفحم من فوقها يغطيها زنجية شبكت أناملها ... من فوق نازنجةٍ لتخفيها

стр. 737

فانظر إلى هذا الطلب الذهني الملح لشيء أسود شبكي الهيئة يكون محيطا بآخر من أحمر. وقد كان ابن الرومي من أوائل من صنفوا في هذا النوع من التشبيه، وذللوا سبيله لمن بعدهم، من أمثال كشاجم والصنوبري. وقد تنبه ابن رشيق إلى هذه الظاهرة من شعر ابن الرومي، فزعم أنه أشد الشعراء غوصا على المعاني، وأنه أبرع في ذلك من أبي تمام، أستاذ الغوص والإغراب (١)، وصاحب الابتداعات والوساوس، كما يقول الآمدي. وعندي أن ابن الرومي، على حذقه في زخرفة التشبيه والاستعارة، وبعد غوصه على غرائبهما، لم يكن إلا متبعا لأبي تمام في هذا الباب. وأن مذهبه في الوصف، إنما كان إتماما لمذهب ذلك الشاعر، ووصولا به إلى نهايته. وقد وهم بعض المعاصرين فحسبوا أن ابن الرومي قد كان متقدما على عصره، وأنه كان يدرك من معاني الشعر على وجه الإجمال فوق ما كان يدرك معاصروه. وحقيقة الأمر عندي أن ابن الرومي قد كان من أكثر رجال زمانه تغلغلا في روح زمانه، وتأثرا بذوقه وانحرافاته، وقد كان هو وابن المعتز كلاهما من أصحاب الفسيفساء المعنوية. إلا أن ثانيهما كان من طبقة الملوك والعلية، فهو بذلك أشد بعدا عن فهمنا من صاحبه. (أليس هذا الدهر الذي نحن فيه دهر "البرجوازية والبتروليتاريات"). وقد تنبه ابن الرومي نفسه إلى قوة الشبه بين مذهبه ومذهب ابن المعتر، عندما عرض عليه قول هذا الأخير في صفة الهلال: وانظر اليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر فقال، كالمدافع عن نفسه، إن ابن المعتز يصف من ماعونه. ثم أنشد لنفسه في صاحب الرقاق: ما أنس لا أنس خبازا مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر

стр. 738

ما بين رؤيتها تنساب في يده ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر ألا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر وقد أعجب المازني، ﵀، في كتابه حصاد الهشيم (١) بهذا المعني، وعده تصويرا للمتحرك. ولم يفطن إلى ما فطن إليه ابن الرومي نفسه، من أن هذا الكلام من سنخ كلام ابن المعتز: انظر إليه كزورق من فضة وإنما جاء الفرق بينما من اختلاف بيئته، هذا يصف الفضة والعنبر، وهذا يصف الخباز والرقاق. ولا يخفى أن كلام ابن الرومي إنما هو حذق وبراعة ومهارة ذهنية، وليس داخلا في حيز ما نسميه نحن بالتصوير العاطفي، وإنما يدخل في حيز الزخرفة المعنوية. ونحوه قوله في الأحدب: قصرت أخادعه وغاب قذاله ... فكأنه مترقب أن يصفعا وكأنه قد ذاق أول صفعة ... وأحس ثانية لها فتجمعا ونحن في هذا العصر لا نستطيع أن ندرك من عنصر النكتة "الذهنية" في هذا البيت ما كان يدركه معاصرو ابن الرومي، الذين كانوا يستعملون الصفع كثيرا. وما كان أجهلنا بكنه هذه اللفظية ومدلولها لو نقرأها في الكتب. هذا، ولا يخفي من هذه الأمثلة التي ذكرناها من ابن الرومي ومن غيره، وضرائبها ونظائرها مما هو كثير مبثوث في كتب الأدب، أنها كانت محاولة للرسم من طريق الكلمات. ولا شك أن رغبة العباسيين في الرسم والتصوير والنحت، التي منعها الدين من أن تسلك سبيلها الطبعي، هي التي ألجأتهم إلى هذه المحاولة، وهي التي اضطرتهم إلى أن يجعلوا من الكلمات ألوانا وطلاءات و"فرشا" يرسمون بها

стр. 739

ويزينون ويزركشون على طريقة ابن الرومي وابن المعتز وكشاجم والصنوبري وأبي الفتح البستي، وسائر شعراء القرن الرابع. المتنبي (١) ولعل المتنبي والشريف الرضي من أمثلة الشذوذ التي تعين على برهنة القاعدة. فكلاهما قد نفر من الزخرفة شيئا، ورجع إلى المنحى القديم، منحى الشعراء الأمويين والجاهلين أما رجعة الشريف فكانت لفظية، من حيث أنه طلب الجزالة والضخامة. وابن هانئ قريب من الشريف في هذه الناحية. وأما رجعة المتنبي فكانت معنوية، من حيث أنه طلب الوضوح، والقصد إلى الغرض مباشرة. وقد فطن النقاد إلى هذه الناحية منه، وشبهه ابن رشيق بالفارس الشجاع الجاسر (٢)، الذي يهجم على مراده ولا يتلطف وما أحسب إلا أن نشأة المتنبي البدوية، كانت ذات أثر بليغ في توجيهه إلى هذا الأسلوب. هذا، ولا ننسى بعد أن المتنبي والشريف كليهما لم يسلما من تعاطي المجازات والتشبيهات الراسمة. ومن أمثلتها عند المتنبي وصفه للبحيرة حي يقول: كأنها في نهارها قمر ... حف بها من جنانها ظلم (٣) ثم إنهما كلاهما لم يخل من نظرة قوية إلى ابن الرومي في طريقة الغوص على المعاني واستخراجها. وقد حرص المتنبي على أسلوب القدماء في اظهار الجرس عن طريق التقسيم البسيط، والجناس السجعي، بتكرار الحروف، والترصيع والتكرار المحض، (كما قدمنا آنفا). والذي يقرأ أوصاف المتنبي للحروب لا يمكن أن يخفي

стр. 740

عنه قصد هذا الشاعر إلى إظهار جلبة القتال وهدير الألفاظ ذات الحروف المتشابهة، في غير النسق الجناسي التقليدي المألوف مثل: تثير على سلمية مسبطرا ... تناكر تحته لولا الشعار ومثل قوله: وكرت فمرت في دماء ملطية ... ملطية أم للبنين ثكول ودون سميساط المطامير والملا ... وأودية مجهولة وهجول وقد نظر أبو فراس في رومياته إلى بداوة المتنبي، وحاول مجاراتها. ولكنه كان حضري الذوق، فجاء بشيء أمشاج، يقعقع قعقعة المتنبي، ويطنطن طنطنة البحتري، ولا يبلغ مبلغهما. أبو العلا المعري قد زعمنا أن شذوذ المتنبي والشريف، مما يعين على برهنة القاعدة التي ذكرناها في الزخرفة ومن أدلة مزعمنا هذا مذهب أبي العلاء المعري، ذلك الشاعر الذي حاول أن يجمع بين النصوع والإغارة على المعني، على النحو القديم، ويضيف إلى ذلك عنصر الزخرف والبديع على النحو العباسي. وقد توفر لأبي العلاء من نفسيته الشاذة الغريبة ما أعانه على هذه المحاولة العنيفة. فقد كان من أقدر خلق الله على النظم، وأعرفهم بوجوه الكلام، وأدراهم بدقائق اللغة، وأشدهم تذوقا لمنهج الجاهلية. ثم إنه قد كان عامر الصدر بالمعاني التي تدعو إلى الإيضاح والوضوح والنصوع، إذ قد كان ثائرا على أوضاع المجتمع، متذمرا من حظه المبخوس في هذه الدنيا، ولم يكن يخلو من سخط وحسد لأولئك الذين كانت تكيل لهم الأقدار السعادة كيلا غير منقوص. ثم إنه كان طماحا وتواقا، عنيف الرغبات، جسديها وأدبيها (ومن له أدني شك في رغبات المعري الجسدية، فليقرا رسالة الغفران، وليتصيد زلات المعري في اللزوميات، نحو قوله:
следующие страницы →