الباب. وأظن أن زخرفة سمائهم المصحية في الليالي الدرع والدهم، كانت تدفعهم من تلقاء نفسها دفعا إلى وصفها. وكيف لا، وقد كان حب الزخرف قد تربع من نفوسهم في المكان الأول، حتى إنه كان يدعوهم إلى زركشة الألفاظ والمعاني، في صفة كل شيء يستحسونه أو يصادفونه في حياتهم اليومية، كالشمع والمداد والفحم والنار والفاكهة وأصناف المصنوعات والأثاث المنزلي؟ أفلا يدعوهم إلى الافتنان في صفة السماء ونجومها، التي قد صاغتها الطبيعة في أشكال هندسة متقابلة، أشبه شيء بالجناس والطباق وأصناف البديع؟ لا بل ألا يكاد يجزم الشاعر بأن هذه الكواكب والأنجم الزهر ما هي إلا بديع نوراني في القصيدة أبدية لا نهائية، صنعها شاعر السماء الأكبر؟
وقد بلغ من حب الناس للبديع اللفظي، أنهم صاروا ينظرون إلى جناس أبي تمام المجازي، نظرتهم للتكرار المحض، وصاروا ينظرون إلى جناس الاشتقاق (وقد كان هو والبحتري يكثران منه) نظرتهم إلى تصرف الكلمة الواحدة الذي لا يبلغ مبلغ الجناس الأصيل. وقد عرفت رأي الرماني والعسكري وأصحابهما في ذلك. وعلى إكبار الناس لحبيب وأبي عبادة، فإنه قد صار يعجبهم نحو قول القائل:
عارضاه بما جنى عارضاه ... أو دعاني أمت بما أودعاني
وقد أشبعهم الحريري من هذا النوع في غرائبه التي أودعها المقامات.
وقد بلغ من حب الناس للبديع المعنوي، أنهم تجاوزوا مجرد الهندسة والمقابلة المعنوية التي كان يصنعها أبو تمام، إلى شيء شيبه بالفسيفساء، وكان التشبيه الوصفي عمدتهم في هذا الباب. مثال ذلك قول القائل:
كأنما النار في تلهبها ... والفحم من فوقها يغطيها
زنجية شبكت أناملها ... من فوق نازنجةٍ لتخفيها
стр. 737
فانظر إلى هذا الطلب الذهني الملح لشيء أسود شبكي الهيئة يكون محيطا بآخر من أحمر. وقد كان ابن الرومي من أوائل من صنفوا في هذا النوع من التشبيه، وذللوا سبيله لمن بعدهم، من أمثال كشاجم والصنوبري. وقد تنبه ابن رشيق إلى هذه الظاهرة من شعر ابن الرومي، فزعم أنه أشد الشعراء غوصا على المعاني، وأنه أبرع في ذلك من أبي تمام، أستاذ الغوص والإغراب (١)، وصاحب الابتداعات والوساوس، كما يقول الآمدي.
وعندي أن ابن الرومي، على حذقه في زخرفة التشبيه والاستعارة، وبعد غوصه على غرائبهما، لم يكن إلا متبعا لأبي تمام في هذا الباب. وأن مذهبه في الوصف، إنما كان إتماما لمذهب ذلك الشاعر، ووصولا به إلى نهايته. وقد وهم بعض المعاصرين فحسبوا أن ابن الرومي قد كان متقدما على عصره، وأنه كان يدرك من معاني الشعر على وجه الإجمال فوق ما كان يدرك معاصروه. وحقيقة الأمر عندي أن ابن الرومي قد كان من أكثر رجال زمانه تغلغلا في روح زمانه، وتأثرا بذوقه وانحرافاته، وقد كان هو وابن المعتز كلاهما من أصحاب الفسيفساء المعنوية. إلا أن ثانيهما كان من طبقة الملوك والعلية، فهو بذلك أشد بعدا عن فهمنا من صاحبه. (أليس هذا الدهر الذي نحن فيه دهر "البرجوازية والبتروليتاريات"). وقد تنبه ابن الرومي نفسه إلى قوة الشبه بين مذهبه ومذهب ابن المعتر، عندما عرض عليه قول هذا الأخير في صفة الهلال:
وانظر اليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
فقال، كالمدافع عن نفسه، إن ابن المعتز يصف من ماعونه. ثم أنشد لنفسه في صاحب الرقاق:
ما أنس لا أنس خبازا مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
стр. 738
ما بين رؤيتها تنساب في يده ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر
ألا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر
وقد أعجب المازني، ﵀، في كتابه حصاد الهشيم (١) بهذا المعني، وعده تصويرا للمتحرك. ولم يفطن إلى ما فطن إليه ابن الرومي نفسه، من أن هذا الكلام من سنخ كلام ابن المعتز:
انظر إليه كزورق من فضة
وإنما جاء الفرق بينما من اختلاف بيئته، هذا يصف الفضة والعنبر، وهذا يصف الخباز والرقاق. ولا يخفى أن كلام ابن الرومي إنما هو حذق وبراعة ومهارة ذهنية، وليس داخلا في حيز ما نسميه نحن بالتصوير العاطفي، وإنما يدخل في حيز الزخرفة المعنوية. ونحوه قوله في الأحدب:
قصرت أخادعه وغاب قذاله ... فكأنه مترقب أن يصفعا
وكأنه قد ذاق أول صفعة ... وأحس ثانية لها فتجمعا
ونحن في هذا العصر لا نستطيع أن ندرك من عنصر النكتة "الذهنية" في هذا البيت ما كان يدركه معاصرو ابن الرومي، الذين كانوا يستعملون الصفع كثيرا. وما كان أجهلنا بكنه هذه اللفظية ومدلولها لو نقرأها في الكتب.
هذا، ولا يخفي من هذه الأمثلة التي ذكرناها من ابن الرومي ومن غيره، وضرائبها ونظائرها مما هو كثير مبثوث في كتب الأدب، أنها كانت محاولة للرسم من طريق الكلمات. ولا شك أن رغبة العباسيين في الرسم والتصوير والنحت، التي منعها الدين من أن تسلك سبيلها الطبعي، هي التي ألجأتهم إلى هذه المحاولة، وهي التي اضطرتهم إلى أن يجعلوا من الكلمات ألوانا وطلاءات و"فرشا" يرسمون بها
стр. 739
ويزينون ويزركشون على طريقة ابن الرومي وابن المعتز وكشاجم والصنوبري وأبي الفتح البستي، وسائر شعراء القرن الرابع.
المتنبي (١)
ولعل المتنبي والشريف الرضي من أمثلة الشذوذ التي تعين على برهنة القاعدة. فكلاهما قد نفر من الزخرفة شيئا، ورجع إلى المنحى القديم، منحى الشعراء الأمويين والجاهلين أما رجعة الشريف فكانت لفظية، من حيث أنه طلب الجزالة والضخامة. وابن هانئ قريب من الشريف في هذه الناحية. وأما رجعة المتنبي فكانت معنوية، من حيث أنه طلب الوضوح، والقصد إلى الغرض مباشرة. وقد فطن النقاد إلى هذه الناحية منه، وشبهه ابن رشيق بالفارس الشجاع الجاسر (٢)، الذي يهجم على مراده ولا يتلطف وما أحسب إلا أن نشأة المتنبي البدوية، كانت ذات أثر بليغ في توجيهه إلى هذا الأسلوب. هذا، ولا ننسى بعد أن المتنبي والشريف كليهما لم يسلما من تعاطي المجازات والتشبيهات الراسمة. ومن أمثلتها عند المتنبي وصفه للبحيرة حي يقول:
كأنها في نهارها قمر ... حف بها من جنانها ظلم (٣)
ثم إنهما كلاهما لم يخل من نظرة قوية إلى ابن الرومي في طريقة الغوص على المعاني واستخراجها. وقد حرص المتنبي على أسلوب القدماء في اظهار الجرس عن طريق التقسيم البسيط، والجناس السجعي، بتكرار الحروف، والترصيع والتكرار المحض، (كما قدمنا آنفا). والذي يقرأ أوصاف المتنبي للحروب لا يمكن أن يخفي
стр. 740
عنه قصد هذا الشاعر إلى إظهار جلبة القتال وهدير الألفاظ ذات الحروف المتشابهة، في غير النسق الجناسي التقليدي المألوف مثل:
تثير على سلمية مسبطرا ... تناكر تحته لولا الشعار
ومثل قوله:
وكرت فمرت في دماء ملطية ... ملطية أم للبنين ثكول
ودون سميساط المطامير والملا ... وأودية مجهولة وهجول
وقد نظر أبو فراس في رومياته إلى بداوة المتنبي، وحاول مجاراتها. ولكنه كان حضري الذوق، فجاء بشيء أمشاج، يقعقع قعقعة المتنبي، ويطنطن طنطنة البحتري، ولا يبلغ مبلغهما.
أبو العلا المعري
قد زعمنا أن شذوذ المتنبي والشريف، مما يعين على برهنة القاعدة التي ذكرناها في الزخرفة ومن أدلة مزعمنا هذا مذهب أبي العلاء المعري، ذلك الشاعر الذي حاول أن يجمع بين النصوع والإغارة على المعني، على النحو القديم، ويضيف إلى ذلك عنصر الزخرف والبديع على النحو العباسي. وقد توفر لأبي العلاء من نفسيته الشاذة الغريبة ما أعانه على هذه المحاولة العنيفة. فقد كان من أقدر خلق الله على النظم، وأعرفهم بوجوه الكلام، وأدراهم بدقائق اللغة، وأشدهم تذوقا لمنهج الجاهلية. ثم إنه قد كان عامر الصدر بالمعاني التي تدعو إلى الإيضاح والوضوح والنصوع، إذ قد كان ثائرا على أوضاع المجتمع، متذمرا من حظه المبخوس في هذه الدنيا، ولم يكن يخلو من سخط وحسد لأولئك الذين كانت تكيل لهم الأقدار السعادة كيلا غير منقوص. ثم إنه كان طماحا وتواقا، عنيف الرغبات، جسديها وأدبيها (ومن له أدني شك في رغبات المعري الجسدية، فليقرا رسالة الغفران، وليتصيد زلات المعري في اللزوميات، نحو قوله:
стр. 741
سبحان من الهم الأجناس كلهم ... أمرا يقود إلى خبل وتخبيل
لحظ العيون وأهواء النفوس وإهـ ... واء الشفاه إلى لثم وتقبيل
والبيت الثاني ينضح بالشهوة).
وقد كان في ثورة المعري وشدة جنوحه إلى رغائب الدنيا، دافع قوي يؤهله -مع ما توفر ما عنده من الفصاحة وإجادة النظم- لأن ينطق بلفظ ومعانٍ في عنف ما نطق به المتنبي، إن لا أعنف.
غير أن أبا العلاء قد نشأ حضريا في بيت علم ونعمة وسراوة، ولم يكن كذلك أبو الطيب. الذي نشأ بدويا قحا، أدني إلى الجلافة منه إلى الرقة، وأشبه بعروة بن الورد، منه بالمسلم العباسي، الذي كان يتخير الملبس والمأكل، ويتأنق في شتي أساليب المظهر، ثم إن نشأة أبي العلاء قد كانت بأعقاب ازدهار الدولة الحمدانية في الشام، وكانت بلدة معرة النعمان، ناحية من نواحي حلب اللاحقة بها. ولاريب أن ذلك الازدهار الحمداني، قد ترك وراءه آثارا قوية من الحضارة والرقة في حلب وما حولها من المدن والضواحي. ولا يخدعنا ادعاء المعري لمذهب البداوة. فليس التكلف كالطبع وإنما كان التشبه بالبدوين "موضة" مستحسنة عند ظرفاء الحضر في ذلك الزمان، على ألا يجوز ذلك ناحية القول إلى ناحية الفعل. ومن عجب الأمر أنهم استحسنوا كثيرا من مظاهر البداوة في شعر المتنبي (١)، ظنا منهم أنها (أو مخادعة منهم لأنفسهم بأنها) تقليد للبدو، وتظرف بهذا التقليد نحو قوله:
من الجاذر في زي الأعاريب ... حمر الحلى والمطايا والجلايب
أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا خرجن من الحمام ماثلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب
ولا باس من أن نستطرد هنا ونقول: إن هذه الأبيات ليست تقليدا للبداوة،
стр. 742
كما كان يسر العباسيين أن يظنوا، وإنما كانت كلام بدوي تعجبه بعض مظاهر الحضارة أو تشتاق لها نفسه، مع ادعاء للأنفة عنها- وما للمتنبي ﵀ وللأوراك الصقلية العراقيب، الماثلة للناظرين، إن لم يكن يحس من نفسه بميل إليها؟
هذا، ومن تأمل فرق ما بين أبي العلاء والمتنبي في النشأة، من حيث إن الثاني بدوي، والأول حضري، نشأ في بيت دين متحضر، إدراك جيدا أن رغبة أبي العلاء في النصوع الجاهلي، والإغارة على المعاني كما كانوا يفعلون، وكما استطاع المتنبي أن يفعل ببدواته، لا بد أن تكون محدودة بحدود الرقة الحضرية، والذوق المدني المرهف المتأنق، والرغبة في الصناعة والتكلف. وهذا من أوائل ما نلم به من نواحي التناقض في شخصية ابي العلاء ونفسيته مما كان له أثر بليغ في "تكييف" أسلوبه.
ثم إن أبا العلاء، كان يرغب في السلطة والجاه، شأنه في ذلك شأن من تربب في السلطة والجاه، وحباه القدر فطنة وذكاء وحسا مرهفا، وزاده مع ذلك العلم وسعة الخيال، وقوة النقد، وإدراك أسرار الأمور، وسرعة الفهم لمواضع الخطأ في المجتمع الذي كان يعيش فيه، ولكن رغبة أبي العلاء في الجاه والسلطان هذه كان يمنعها من أن تجد سبيلها الطبعي ما رماه به سوء الجد من العمى، الذي جعل منه رجلا مستطيعا بغيره. وأنى لمستطيع بغيره أن ينال السلطة والجاه متفردا بهما، متقدما بذلك على غيره؟ ثم إن العمي من طبيعته أنه يدخل في نفس الإنسان الشك والتهمة لمن حوله. ولا يقدر من لا تخلو نفسه من هواجس الشك، وظلمات الريب، على أي حال، أن يطلق للسانه العنان بالتعبير الناصع الواضح، مهما توفرت لديه الملكة والرغبة، وهنا أيضًا تناقض، لا يسعنا إلا التنبه إليه- ومحله هذه الرغبة العنيفة في السلطان، وهذا الفقدان المجحف لأداته.
ثم ان أبا العلاء تضافرت عليه مع علة العمى علة أخري، وهي الدمامة. فقد كان مجدورا، ناتئة إحدى عينيه، قبيحا مرآه، ضئيلا هزيلا تقتحمه العين. هكذا نقل
стр. 743
البديعي، (وليس هذا لفظه) عن أشياخه (١). وهذا النقل يؤيده ما ذكروه عن أبي العلاء أن أحد الناس تخطاه في زحام الدخول إلى مجلس الشريف المرتضي، ولزه جانبا، ودعاه كلبا، فانفعل أبو العلاء وقال "الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما" (٢) وقد حرمته هذه الدمامة من نعمة التمتع بالنساء. ولو قد كان رجلا معتدل المزاج، خاليا من الكبرياء، لكان قد ظفر بين إناث عصره بمحبوبة واحدة على أقل تقدير. ولكن كبرياءه وشعوره بالنقص والخسران من جراء عماه، ومزاجه العلمي، واعتداده بفكر وذكائه، كل ذلك وقف سدا منيعا بينه وبين المرأة. ثم أضف إلى كل هذا نشأته الدينية التي نشاها، وما هو من شأن هذه النشأة الدينية على اختلاف العصور والدهور والأديان، من غرس نوع من الإحجام، والشعور بالإجرام إزاء العلاقات الجنسية. وقد بلغني -ولم أر ذلك مسطورا- أن إحدى كاتبات هذا الجيل البوارع، زعمت أن أبا العلاء كان عنينا أو معترضا من ناحية النساء. والله أعلم بمستور الغيب. غير أني أرى من شواهد شعره ما ينفي ذلك، مثلا قوله:
معانيك شتي والعبارة واحد ... فطرفك مغتال وزندك مغتال
وماله وزندها إن لم يكن رجلا ذا شهوة، يعرف كيف يعبر عنها بأقوى ما يملك من حواس، حاستي السمع واللمس؟ ولا يخدعك ما تحت هذا الكلام من شهوة محتدمة ظاهرة الوقير، وادعاؤه أنه إنما يطلب الجناس التام، لا الرفث الحرام.
ومثلا قوله:
عجبت وقد جزت الصراة رفلة ... وما خضلت مما تسر بلت أذيال
فما له ﵀ يلمس ثوبها، ليعرف ما ابتل وما لم يبتل؟
стр. 744
وقوله:
وهل يحزن الدمع الغريب قدومه ... على قدم كادت من اللين تنهال
فانظر إلى هذه الشهوة التي تجمع بين الزند المغتال والقدم المنهال.
وقوله من أخرى، وأخفاه تحت ستار الصناعة اللغوية، (وهذا يؤيد ما زعمناه عنه، من أنه كان يجمع بين النقيضين: طلب الإفصاح، وطلب الإخفاء):
نكست قرطيك تعذيبا وما سحرا ... أخلت قرطيك هاروتا وماروتا
فلست أول إنسان أضل به ... إبليس من تخذ الإنسان لا هوتا
ألا ترى هنا اعمى متخابثًا يعبث بالأقراط، ويطلب الغزل، متظرفا بالتلميح إلى كتاب الله؟
وحسبي هذا القدر اليسير. وفي صور أبي العلاء الرائعة في الدرعيات ورسالة الغفران دع عنك غزلة في السقط، ما يكفي لإثبات شهوته للنساء، وللترجيح أنه قد عرف منهن غير قليل، والله بعد علام الغيوب.
هذا، وعندي أن دمامة أبي العلاء مقرونة بالعمى والكبرياء، والحذلقة التي لا يخلو منها عالم لغوي متفقه، بغضت النساء فيه شيئا. ودعته أن يرد على هذا البغض أو العزوف، بادعاء العفاف عنهن، والسخط عليهن. ولو كان ذا حظ من الحكمة، لكان قد اطرح التكبير شيئا، وتذلل لهن ذلك التذلل الذي يلزم مثله الرجل حتى ينال الحظوة من المرأة، جميلة كانت أو غير جميلة. ويترجح عندي أن قوة الشك عند المعري، ومصدرها عماه، كان لها أيضا أثر كبير في تعزيز نفوره عن النساء. ولا يبعد أن هذا الرجل بما وهب له من فطنة وذكاء واعتداد بنفسه، وشعور بجلال تربيته، كان لا يرضي لنفسه إلا بامرأة جميلة، كما يظفر به المبصرون. ولعله كان يظن أن مزية الأبصار وحدها كافية للحصول على المرأة الجميلة، وأن حرمانه إياها سيعرضه
стр. 745
للمصائب. ألا يجوز أن تزف إليه امرأة يزعم الناس له، لما يعرفونه من عجزه عن رؤيتها، أنها (١):
لها خدم وأقرطة ووشح ... وأسورة ثقائل إن وزنه
وليست بالمعنة في جدالٍ ... وإن جدلت كما جدل الأعنة
وأنها شقيقة الثريا، وترب القمر، وآية الحسن، وروح الجمال. ولعلها لا تكون إلا عوانا، ولعلها لا تكون إلا "أخت الغول والنصف الصفنة" أو شيئا من هذا المجرى مما يجعله موضعا للهزء والسخرية، لو ركن إليه ورضي به.
كل هذه العوامل ألجات المعري إلى الإعراض عن المرأة، مع حرصه على طلبها فهذا تناقض آخر من تناقض أبي العلاء، طرف منه يجذبه إلى الوضوح، وآخر يجذبه إلى الغموض. ولا يخفى أن تحريم أبي العلاء على نفسه كل ما يخرجه الحيوان، له صلة قوية بأعراضه عن المرأة. فاللحم واللبن كلاهما من مقويات الشهوة. وقد ذكر غادي في ترجمته التي ترجمها لنفسه أنه كان يجد عناء من اللبن في أولى أيام عزمه على التبتل.
والخمر أيضا مما اشتهاه أبو العلاء، وأعرض عنه. ولعله قد تعاطاها سرا كما ظن العقاد (٢). ومهما يكن من شيء، فقد أدرك من صفتها ما يدركه هواتها ومتعاطوها ولا أدرى كيف تسنى له أن يصف القس الذي خدعته الشياطين فسكر، بقوله:
حتى يفيض الفم منه على ... نمرقته بالشراب القليس (٣)
وقوله:
قلنا له ازدد قدحا واحدا ... ما أنت أن تزداده بالوكيس (٤)
стр. 746
إن لم يكن شاهد هذه الأشياء. وليس مجرد السماع والقراءة بكاف أن ينطق المرء بمثل هذا الوصف. ولعل أبا العلاء قد حضر مجالس الشراب. وما أحسب امرأ يحضرها في ذلك الزمان يسلم من تعاطيها. وغناء أبي العلاء بالخمر ومناغاته لها شيء يواجه القارئ مواجهة صريحة في السقط والدرعيات واللزوميات ورسالة الغفران.
ومن أعجب أوصافه للخمر قوله:
البابلية باب كل بلية ... فتوقين هجوم ذاك الباب
جرت ملاحاة الصديق وهجره ... وأذى النديم وفرقة الأحباب
هتكت حجاب المحصنات وجشمت ... مهن العبيد تهضم الأرباب (١)
فانظر إلى هذه الدقة، وتأمل كيف وصل المعري بين تعري المحصنات بعد الشراب، وجسارة العبيد على ساداتهم. ولا تفوتنك ما في هذا من غرائب الطباق المعنوي، الذي هو صميم أسرار هذه الحياة. وبحسبنا هذا القدر عن أبي العلاء والخمر، ونكتفي بالتنبيه على أن هنا أيضًا تناقضا آخر، بين هذا الشوق إلى الخمر وهذا النفور منها.
المعري وبغداد
لو قد كتب على المعري أن يقيم حياته بالمعرة، ولا يزور بغداد، لربما كان وجد لنفسه من أصناف تناقضه مخرجا، ولعله كان يجد في سمعته بين أهل المعرة، وحنو والدته وأقاربه عليه، عزاء ودافعا إلى الرضا بقضاء الله، والقاعة في ظل الخمول، ولكننه أطاع طموحه الجامح ومضى إلى بغداد.
وقد قدم بغداد متفتح زهرة الآمال، صبا إلى التملي من نعيم الحياة، يجده في مجالس العلم، وحلقات الدرس، وفي السماع إلى القيان، والتسلل إلى غرائب
стр. 747
المتعات في زوايا تلك العاصمة الفسيحة المعقدة. (وفي كتاب الفصول والغايات فصل مفيد عن اصطلاحات الغناء، لا أحسب المعري قد ألم بمعرفته إلا في بغداد (١))، وقد ثسى المعري، وهو في غمرة ابتهاجه بحاضرة الدنيا ومفاتنها، وفي ذروة طموحه وانشراح صدره إلى آماله وأمانيه، أن سبيل الجاه والسلطان والظهور والظفر، لا تكون إلا بالخضوع ولا سيما لمن كان في حاله من الضعف والعلة. وكانت العقوبة التي لقتها على هذا النسيان مرة لاذعة، أقل ما توصف به أنها العقوبة التي لا مفر منها لكل ذي ضعف ظاهر، وطموح جاسر، مشفوع بالكبر والنخوة. وبحسبنا أن نشير إلى ما إصابة من علي بن عيسى الربعي حين هم بالصعود إليه، فاذا به يسمعه يقول:
"ليصعد الإسطيل" (٢). (وقد كانت الإسطيل لفظة ذم جارح، أو كانت من اصطلاح الساسانيين يطلقونها على المكدين من العميان). وما لقيه عند أبي حامد الإسفرائيني من التجاهل والتجاوز وعدم الالتفات بعد أن حبر فيه عينيته الرائعة:
стр. 748
وما رووه من أن الشريف المرتضي أو الرضي قد أمر بسحبه من رجله. وقد كان الشريف طعن في شعر المتنبي فدافع المعري عن صاحبه قائلاّ: لو لم يكن له إلا قوله:
لك يا منازل في القلوب منازل
لكفاه (١)، وكان يشير بهذا الى بيت المتنبي:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
ففطن الشريف إلى مقصد المعري، ولم ير خيرا من أن يكشف حقيقته ويهينه على ملأ من الناس. وقد رجح "مرجليوث" أن هذه الإهانة قد كانت هي السبب المباشر في رجعة المعري من بغداد (٢). وانا لا أدفع ذلك كل الدفع. غير أنى أكتفي بأن أقول إنها كانت من ضمن الأسباب القوية التي استعجلت أوبته.
وقد وجد المعري نفسه بعد تطاول المدة عليه في بغداد، فقيرا معدما ليس أمامه إلا الخضوع كما ينبغي لمثله، أو الرجوع. ولعل الخضوع يطول ثم لا يجد من نفسه المقدرة على الاستمرار في تجرعه، أو ربما لا يحصل على ثمرة الخضوع بعد طول التجرع منه. ثم إنه قد كان ضعيفا، معتلا، ضريرا، لا يقوي، بعد الذي تعوده آنفًا من رأفة الوالدة وحنو الأقارب، على أن يعيش عيش "البوهيمية" البغدادية التي كان يعيشها أمثاله من المنتجعين وطلاب الأمل. وقد وصف المعري جانبًا من هذه الحياة في قوله (٣):
يمسي ويصبح كوزنا من فضة ... ملأت فم الصادي كسور دراهم
ولدي نار ليت قلبي مثلها ... فيكون فاقد وقدة وسخائم
عبثت بثوبي والبساط وغادرت ... في نمرقي أثرا كوشم الواشم
стр. 749
وبينما كان في هذه الحالة وافاه كتاب منظوم، من أخيه عبد الواحد بن سليمان، يلح عليه أن يئوب إلى أمه الوالهة (١). فتواطأ عاملا الشوق، والفقر على الإسراع به إلى داره، بعد أن كانت العوامل الأخرى القوية قد فعلت فعلها البليغ في نفسه، (بما فيها من إهانة الشريف المرتضي إن صح خبرها). والمعري حين يقول:
أثارني عنكم أمران والدة ... لم ألقها وثراء عاد مسفوتا
أحياهما الله عصر البين ثم قضى ... قبل الإياب إلى الذخرين أن موتا
لولا طلاب لقائيها لما تعبت ... عنسي دليلا كسر الغمد إصليتا
ولا صحيت ذئاب الإنس طاوية ... تراقب الجدي في الخضراء مسبوتا (٢)
وإنما يذكر السبب المباشر لرجعته.
وقد ظل يتأسف على الخروج من بغداد، ويمني نفسه الرجوع إليها دهرا طويلا، بعد اعتزاله الناس ولزومه محبسه. من ذلك قوله (٣):
وقد نصحتني في المقام بأرضكم ... رجال ولكن رب نصح مضيع
فلا كان سيري عنكم رأي ملحد ... يقول بيأس من معاد ومرجع
سلام هو الإسلام عم دياركم ... ففاض على السني والمتشيع
كشمس الضحا أولاه في النور عندكم ... وأخراه نار في فؤادي وأضلعي
ولو قد كان المعري رجلا حظه من الكبرياء كحظ سائر الناس، لكان قد اجتهد لينال ما كان يصبو إليه من المتعة والشرف في بغداد، ولكان قد آثر حبه لها على كل شيء ولكان قد استقر فيها، أو رجع إليها بعد أن دعاه داعي الحنين إلى والداته.
стр. 750
ولكنه كان رجلا شاذا، يؤثر الجمع بين المتناقضات. وقد آثر هنا أن يجمع بين حب بغداد ومجتمعها، وهجر بغداد والإعراض عن المجتمع كله. فأضف هذا إلى ما ذكرناه آنفًا من أنواع تناقضه.
المعري وشيطان اللغة:
كان المعري مقتدرا في لغة العرب، خبيرا بأسرارها، وكان من أخبر الناس بصياغة الكلام، وزخرفة البديع. وكان مشغوفًا بالأخبار والآثار والغريب. وتوفر له في بغداد مجتمع من الخاصة يسمع له، ويلتذ بما يقوله، وبعد الرجعة من بغداد، أتيح له جماعة من علية القراء، تتصل بينه وبينهم الرسائل، وجماعة من أفذاذ الطلاب يستريح إليهم من عناء الوحشة.
ثم كان هو بطبيعة عماه حساسا بالأصوات، ميالا إلى الترنم بها، والدندنة بأجراسها في ساعات الملال.
كل هذا جعله يحرص على الافتنان في البديع، ويحاول التأليف بينه وبين أسلوب الجزالة الذي لم يكن يسع أمثاله ممن عرفوا اللغة وخبروها أن يستعملوا غيره.
ثم إن المعري كان مفكرا دقيق الفكر، وحساساّ متلهب الإحساس، مشتعل العاطفة فهذا كان يدعوه إلى الوضوح كما قدمنا آنفًا، واتباع السهل من القول. وهنا وجد المعري نفسه أمام تناقض من أعنف ما لقيه في حياته الأدبية- أيتنكب سبيل البساطة التي يطلبها فكرة؟ لقد خيل إليه أن الجمع بين هذين النقيضين أمر ممكن في مبدأ حياته الفنية حين كان ينظم:
مغاني اللوى من شخصك اليوم أطلال
стр. 751
ونظائرها، مما يجمع فيه بين الكلام الجزل الواضح، والكلام المصنوع المتأنق فيه. ولكن شيطان البديع واللغة جعل يتغلب شيئًا شيئًا عليه، حتى كاد يستولي على جل تفكيره في قصائده التي نظمها أخريات أيامه ببغداد، مثل كلمته السقطية:
نبي من الغربان ليس على شرع
وكلمته السقطية الأخرى:
كفي بشحوب أوجهنا دليلا
وبعد رجعة المعري من بغداد جعل ينظم ألوانًا من الشعر يبلغ فيها الافتنان في البديع والغريب أقصاه مثل:
هات الحديث عن الزوراء أو هيتا
و: تحية كسري في السناء وتبع
وتجده في هذه القصائد لا يكاد يبلغ الذروة من الإغراب، حتى تثور ثائرة فكرة، وينحدر إلى سهل البساطة- مثال ذلك قوله من التالية:
أروى النياق كأروى النيق يعصمها ... ضرب يظل له السرحان مبهوتا (١)
وعمرو هند كأن الله صورة ... عمرو بن هند يسوم الناس تعنيتا
وبعد هذا مباشرة قوله:
يا عارضًا لاح تحدوه بوارقه ... للكرخ حييت من غيث ونجيتا
لنا ببغداد من نهوي تحيته ... فإن تحملتها عنا فحييتا
اجمع غرائب أزهار تمر بها ... من مشئم وعراقي إذا جيتا
стр. 752
إلى التنوخي واسأله أخوته ... فقبله بالكرام الغر أوخيتا
فذلك الشيخ علمًا والفتي كرما ... تلفيه أزهر بالنعتين منعوتا
ولا شبه بين هذا الكلام السهل وأول هذه القصيدة الصعب العويص. وكلا قصيدتيه:
لمن جيرة سيموا النوال فلم ينطوا
و: تحية كسرى في السناء وتبع
تسلكان هذا المسلك الغريب، الذي يبدأ بالإغراب، وينتهي بالسهولة. وقد بلغت ثورة المعري الفكرية على الإغراب الذي كان يضطره عليه شيطان اللغة، حدًا جعله يفر أحيانًا إلى البساطة المحضة، وادعاء أسلوب الفقهاء، الذين لا يعرفون طريقة الشعر ومنهجه البديعي، مثال ذلك قوله (١):
أذاكر أنت عصرًا مر عندك لي ... فليس مثلي بناس ذلك العصرا
أيام واصلتني ودا وتكرمة ... وبالقطيعة داري تحضر النهرا
وحملك الشعر من أشعار طائفة ... وحشية من تنوخ تنكر الجدرا
قوم من الوبرين الذين غنوا ... في البيد يبنون في أرجائها الوبرا (٢)
جزء بدرب جميل في يدي ثقة ... سألته رد مضمون إذا قدرا (٣)
وكم بعثث سؤالًا كاشفًا نبا ... عنه فلم اقض من علمي به طرا
والمالكي ابن نصر زار في سفر ... بلادنا فحمدنا الناي والسفرا (٤)
فظل يثني عليك الخير مجتهدا ... ولم تغب عن ذرى مجد متي حضرا
стр. 753
والآن أشرح حالي غير معتمد ... فيه الإطالة كيما تعلم الخبرا
مد الزمان وأشوتني حوادثه ... حتى مللت وذمت نفسي العمرا (١)
وحلت كلي سوي شيب تجاوزني ... ولم يبيض على طول المدى الشعرا (٢)
فهذا في غاية البساطة واليسر، وهو على امتلائه وتدفقه بالعاطفة، يبدو كأنما نظمه رجل عالم متفقه، لا يدري من أساليب القريض شيئًا.
وقد حاول المعري في الدرعيات أن يوفق بين دواعي قلبه وفكره، ودواعي شيطان اللغة والبديع المستولي عليه، فجعل الدرع رمزًا للقانون الصارم الذي فرضه على نفسه. وتستر وراءها ليرضي من نفسه ناحية العالم، بعرض الأوصاف والأخبار المتصلة بالدرع فيما كان يرويه من شعر القدماء، وناحية الأديب العباسي
بالإكثار من زخرف البديع، وناحية الشاعر الحساس بتخير الألفاظ والتعبير عن رغبات نفسه آنا تلميحًا بوصف النساء والنور، وآنًا تصريحًا بذكر ما كان عليه من حال العزلة، وتحريم الخمر. وقد حاول في كثير من قصائد الدرعيات أن ينظم في قواف عسرة، أو يلتزم مالا يلزم. وبعض القصائد التي التزم فيها مالا يلزم مثل قوله:
عليك السابغات فانهنه
قد سما فيها غاية السمو، وافتن في روح الفكاهة والوصف التصويري. وقد سبق أن تحدثنا عن هذه القصيدة في كتابنا الأول.
على أن نظم الدرعيات لم يكف حاجة المعري من طلب التوفيق بين حاجة الفكر والعاطفة، وناحية اللغة والصناعة. فقد كان شيطان اللغة أغلب عليه، وسلطانه فيه أظهر وأقوي. فعمد المعري إلى التزام مالا يلزم على الطريقة المعقدة في كتابه اللزوميات وقد سبق أن قلت في الجزء الأول من هذا الكتاب، إن قيود المعري في
стр. 754
اللزوميات، كانت خيرًا له على وجه الإجمال، وأعانته إلى حد بعيد على الإفصاح عما في نفسه إذ عن طريق هذه الالتزامات تمكن المعري أن يشغل شيطان الصناعة بتصد القوافي، ويكون حشو البيت كله نصيبًا سائغًا للتعبير الواضح السهل. والتأمل للزوميات يجد أن المعري قد وفق فيها إلى الوضوح بمقدار لم يوقف إلى مثله في سقط الزند أو الدرعيات. على أن هذا لا يدفع الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، من أن كل ما نظمه المعري في القوافي النادرة كالشين والذال والصاد متعمل متصنع. وانه خضع لشيطان اللغة والبديع في كثير من قصائده ذوات القوافي الذل، كالنون والدال والتاء.
انتقام المعري
كما أثابت بغداد -لا بل الدنيا جميعا- أبا العلاء المعري، على تفتح آماله وطموحه وكبريائه، إذلالا وخيبة ويأسا وإخفاقا، رأي هو أن يكيل لها صاعا بصاع وكان الله قد وهبه ذهنا حصيفا، وخيالا واسعا، ومقدرة خارقة على معرفة البشر وقد صرح هو بذلك في قوله في اللزوميات:
على أنني من اعرف الناس بالناس
وقد دله عقله وخبرته وحكمته ودهاؤه، إلى أن الاستيلاء على قلوب الناس، وإخضاعهم (إذ لم يتيسر عن سبيل الطموح والكبرياء) قد يتيسر له بادعاء المسكنة والخضوع والزهد. وقد صرح بشيء من هذا القبيل في قوله (السقط):
ذر الدنيا إذا لم يحظ منها ... وكن فيها كثيرا أو قليلا
وأصبح واحد الرجلين إما ... مليكاّ في المعاشر أو أبيلا
والأبيل: هو الناسك.
فعمد إلى التمسكن والتذلل والتزهد، يدفعه من أعماق قلبه إلى هذا المسلك
стр. 755
سياسة الثعلب الذي جفا العنب لما تعذر عليه بلوغه. وقد صرح بذلك في قوله (اللزوميات).
ولم أعرض عن اللذات إلا ... لأن خيارها عني خنسنه
وقوله يذكر بغداد، وأنه لما لم يستطيع الإقامة بين فضلائها، رأى أن يعتزل الناس جميعًا زهدًا فيهم:
ألم يأتكم أنى تفردت بعدكم ... عن الإنس من يشرب من العد ينقع
ولكنه تعمد أن يظهر للناس أن هذا التزهد والتمسكن إنما كان طبيعة فيه لا طلبا للقربي عند الله، أو تمذهبا وتنسكا على طريقة الفلاسفة. ومتي واجهوه فقالوا له: أنت رجل زاهد أو ناسك، أعرض جانبا، وبالغ في التمسكن، وادعي أنه ليس بزاهد، وليس بناسك، وليس بحكيم، وإنما هو رجل عاجز، حائر لم يستطيع الوصول إلى اللذات فاختار تركها:
وقال الفارسون حليف زهد ... وأخطأت الظنون بما فرسنه
ومع أن هذا الذي يقوله كان صدقًا وحقًا، كان يورده على سبيل التواضع، لئلا يقبله الناس منه، وليلحقوا في نسبته إلى الزهد والنسك والتفلسف ما شاءوا من أوهام. وقد كان هذا المسلك من المعري غاية في الخبث والدهاء.
ولا ريب أن المعري قد جعل لنفسه، من هذا الاعتزال، الذي فر إليه، راضيا، من آمال الدنيا وآلامها، درعا واقية. وجعل يفتن في حوط هذه الدرع بما من شأنه يقويها ويزيدها كثافة إلى كثافتها. فلزم الحزونة في التعبير، اصطناع الغريب، يرضي به شيطانه، ويغيظ أقرانه. واعرض عن شرب الخمر، وغشيان النساء، وتقوي على هجر هذه الملذات، بترك اللحم واللبن، وما يخرجه الحيوان مما يلبس أو يؤكل أو يشرب. ولا يخفي أن في هذا المسلك من الازدراء بالناس ما فيه،
стр. 756
حين يسلكه صاحبه لا طلبا للجنة أو "نرفانا" أو "الشهود القدسي"، ولكن احتقارا لما يتناحر عليه الناس، وإظهاره للقوة طاقة الغاديين الرائحين من ولد آدم وحواء.
وعندي أن المعري قد عمد عمدا إلى طلب السيطرة والجبرية والسلطان على الناس من هذه الطريق- طريق ادعاء النسك والمسكنة والزهد والاختفاء داخل درع من القيود. وقد بلغ بالمعري اعتداده بنفسه، وهو داخل درعه هذه الكثيفة المخيفة، أن يصول على العلماء في آفاق الأرض، برسائل تنطق حروفها بأنه كان يستجهلهم، وحسبك شاهدا واحدا "رسالة الغفران" ونظائرها فيما أملى ذلك الرجل الفذ كثير (١) ولم يقف عند الصولة على العلماء، فقد تعداها إلى أن يصول على المجتمع كله. بما كان يكيله من هذا النقد الساخر الذي لم يغادر ربا ولا نبيا ولا أميرا ولا منجما، ولا ظاهرة عصره، إلا فراها بشفرة لا تنكل. واللزوميات مفعمة بهذه الأصناف. وقد صال على علماء بغداد ومجالس فضلائها التي حضرها وود البقاء في بغداد من أجلها-أليس هو القائل:
وكان اختياري أن أموت لديكم ... حميدا فما ألفيت ذلك في الوسع
صال على هذه المجالس وعلى أولئك الفضلاء، باجتذاب الطلاب من آفاق الأرض إلى داره بالمعرة. واني لأعجب من تناقض المعري (وخبرته بالناس) حين أعلن إعلانا لا تورية فيه، أنه سيعتزل البشر اعتزالا لا تشوبه شائبه اختلاط، ثم رضي بعد ذلك أن يعجل من داره مدرسة لهؤلاء البشر، يثوبون إليها من كل صقع، وكأنه أنما رحل عن بغداد لترحل إليه بغداد.
ثم قد صال على الولاة والأمراء في عصره، بدعوى الصلاح والضعف والفقر والتقشف (مع أن الطلاب الذين كانوا يفدون إليه إنما كانوا يعيشون من البر الذي
стр. 757
يغمرهم به أهل المعرة وغيرها من أجله. وقد راع ناصري خسرو، الرحالة الفارسي هذا البر، فوقع في وهمه أن المعري أمير، وأنه سري مثر، وأنه يحكم المعرة (١) وما أحسب أن لو كان المعري ضعيفا كزعمه، يجرؤ على مثل قوله:
مل المقام فكم أعاشر أمه ... أمرت بغير صلاحها أمراؤها
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها ... وعدوا مصالحها وهم أجراؤها
وقوله:
وأري ملوكاّ لا تحوط رعية ... فعلام تؤخذ جزية ومكوس
وقوله:
مضي قيل مصر إلى ربه ... وخلي السياسة للآئل
وقالوا يعود فقلنا يجوز ... بقدرة خالقنا الآئل
إذا عاد زيد إلى طيئ ... وعاد كليب إلى وائل
وما أحسب أبا العلاء إلا قد كان يري نفسه هزبرا غشوما، وصالح بن مرداس أمير حلب، حمامة ضعيفة، حين قال فيه (أنظر اللزوميات):
بعثت شفيعا إلى صالح ... وذاك من القوم رأي فسد
فيسمع مني سجع الحمام ... واسمع منه زئير الأسد
وقد روي أصحاب الأخبار أن تادرس وزير صالح بن مرادس هم بالفتك بأبي العلاء، فبعث إليه جنودا يحطون بداره، وبات الجنود ليلتهم بالمعرة، آملين أن يشرق عليهم الصبح، فيتحملوا الشيخ المسكين إلى ما حم له من عقاب. ولكن الشيخ المسكين قضي ليلته ساهراّ يهمهم ويزمزم. وأمر غلامه فرصد له المريخ. ثم
стр. 758
أمره أن يغرس في الدار أوتادا بإزاء ذلك الكوكب. ولما فرغ الخادم من فعل ما أمره به، جعل يدعو وفي يده حبال منوطة إلى الأوتاد، ويقطع كلامه بألفاظ غير مفهومة، ويقول: "الدار! الدار! "، "الجنود! الجنود"، الوزير! الوزير! ". وما إن طلع الصبح حتى وجد الناس أن الدار قد انقضت على الجنود فأهلكتهم. وأن الوزير قد سقط من الدرج، فاندقت عنقه (١).
وهذه القصة غاية في الغرابة. ولا يمكننا نحن في هذا العصر أن نقبلها، على أنه يبدو أن معاصري أبي العلاء قد قبلوها وصدقوها، وتهيبوه من أجلها. ولا استبعد أنه كان يعجبه هذا التصديق منهم- ولم لا يعجبه، وهو ما يزيده قوة وسطوة وجبرية، حتى على الأمراء وأصحاب الدولة والصولة، وكأني به قد شعر شعورا قويا بهذه الحقيقة الهائلة، وهو يترنم بقوله المتمسكن المتذلل:
فأترك لأهل الملك لذاتهم ... فحسبنا الكمأة والأحبل (٢)
ونشرب الماء براحاتنا ... إن لم يكن ما بينا جنبل
ومما يؤكد زعمنا أن أبا ال علاء لم يكن يكره أن ينسبه الناس إلى الولاية والقدرة الربانية، هذه الأبيات اللامية التي رواها له مترجموه، وهي فيما أرى، من ديوانه "استغفر واستغفري" الذي قد ضاع أكثره أوكله. قال (٣):
أستغفر الله في أمني وأوجالي ... من غفلتي وتوالي سوء أعمالي
قالوا كبرت ولم تقصد تهامة في ... مشاة وفدٍ ولا ركابٍ أجمال
فقلت إني ضرير والذين لهم ... راي راوا غير فرض حج أمثالي
ما حج جدي ولم يحجج أبي وأخي ... ولا ابن عمي ولم يعرف مني خالي
стр. 759
وحج عنهم قضا بعدما ارتحلوا ... قوم سيقضون عني بعد ترحالي
فإن يفوزوا بغفران أفز معهم ... أو لا فأني بنار مثلهم صال
ولا أريد نعيماّ لا يكون لهم ... فيه نصيب وهم رهطي وأشكالي
فهل اسر إذ حمت محاسبتي ... أم يقتضي الحكم تعتابي وتسالي
من لي بجبريل أدعوه أرخمه ... ولا أنادي مع الكفار يا مال
باتوا وحتفي أمانيهم مصورة ... وبت لم يخطروا مني على بال
وفوقوا لي سهاما من سهامهم ... فأصبحت وقعا عني بأميال
لما هتفت بنصر الله أيدني ... كأن نصرت بجبريل وميكال
وجاء عزريل كالمهتاج يثار لي ... فيقبض الروح متغاظا بإعجال
لقيتهم بعضا موسى التي حرمت ... فرعون ملكا ونجت آل إسرال
فما ظنونك إذ جندي ملائكة ... وجندهم بين طواف وبقال
ولا يخفي أن هذه الأبيات الأخيرة تشير إلى الحادث الذي رويناه، وتحاول أن تثبت وقوعه -أو بتعبير أدق- تحاول أن تبت الذين صدقوا وقوعه، ورووه على تصديقهم هذا. ومن لم يصدق أمر ذلك الحادث ولم يسمع به، فله أن يحمل هذه الأبيات محمل الفخر والاعتزاز بالنفس، والازدراء للأعداء. وأحسب أن المعري ذكر الملائكة وعصا موسي ليشير إلى قصة الأوتاد التي أمر هو بدقها إزاء مصعد المريخ، وليوهم ضعاف العقول أو ثقالها، ممن لا يخلو إيمانهم من عنصر الخوارق، بأنه كان على اتصال بالملا الأعلى!
ثم قال يصف الحال التي كان عليها من الزهد:
أقيم خمسي وصوم الدهر آلفه ... وأدمن الذكر أبكارا بآصال
يومان أفطر من دهري إذا حضرا ... عيد الأضاحي يقفو عيد شوال
لا آكل الحيوان الدهر مأثرة ... أخاف من سوء أعمالي وآمالي
وأعبد الله لا أرجو مثوبته ... لكن تعبد إكرام وإجلال
стр. 760
وقوله: "أخاف من سوء أعمالي وآمالي" يكشف لنا في لفظ واحد، هو قاله: "آمالي"، أسرارا عميقة مما اجتهد أبو العلاء دهره في إخفائه ألا تري أن قوله:
"من سوء أعمالي وآمالي" يوقع في خلدك أن هذا الرجل العنيف، لم يستطيع بالرغم من درعه الكثيفة، أن يذود عن نفسه أماني النفس وآمالها وتطلعها، كيما تنحدر من ربوتها إلى وادي الشهوات؟ أم لا يشعر بأن تركه للحيوان -مع أن فيه طلبا للمأثرة -لم يخل من تعمد من جانبه هو لكسر سورة النفس، وإضعاف نزوات الجسد، وإخضاع الرغبة في النساء، التي قد يعين هجر أن اللبن واللحم على تفليل شفرتها؟
لقد كان أبو العلاء رجلا جبارًا وقد أعانه تناقضه هذا المتعقد النواحي، المتنافر الجوانب، على الجبرية والسيطرة والاستحواذ على إكبار معاصريه، وكثير ممن بعدهم وهو بعد من العباقرة النادرين، الذين اتخذوا من إظهار الضعف والمسكنة والإعراض عن اللذات، سلاحا ماضيا، ينالون به اللذة الكبرى، ألا وهي قهر الناس، واغتصاب الإعجاب منهم، والظفر برهبتهم واحترامهم وقديما قال أبو تمام في المعتصم:
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب
وقد استطاع المعري من علياء ملكه المبني على المسكنة والضعف، أن يهجو الأنبياء، ويذم الأمراء، ويسخر من المجتمع، ويحول بيته إلى كعبة يؤمها القصاد، ثم يعيش بعد ذلك الأمد الطويل، ويموت معززا مكرما، تختم على قبره مئتا ختمة وينشد عند جنازته أكثر من ثمانين شاعراّ وذلك لعمري فوز عظيم (١).
المعري والجناس
وبعد أيها القارئ الكريم، فقد كان من حق هذا الكلام الطويل الذي ذكرناه عن
стр. 761
المعري، أن نورده في ذيل الكتاب، لأنه قد يظن أنه يقع هنا موقع الاستطراد. غير أنا رأينا الإتيان به في هذا الموضع أقرب إلى أن يكون بمنزلة التمهيد الذي يعين القارئ، ويهيئ ذهنه، لتفهم ما سنذكره بعد من طريقة المعري في استعمال الجناس وغيره من المحسنات البديعية في ديوانه سقط الزيد، وديوانه الدرعيات، وكتابه لزوم ما لا يلزم. وخلاصة ما ذكرناه آنفا أن المعري كان رجلا متناقضا، يجمع بين حب النصوع والوضوح، وطلب الإخفاء والغموض، وبين زخرف الحضارة، وصلابة البداوة، وتأثر مذاهبها، وبين دماثة الأدباء وحزونة العلماء، يضاف إلى جميع هذا عقده النفسية المتراكبة، والقيود التي فرضها على نفسه لقمع الشهوات، مع رغبته الجامحة في الشهوات. فهلم ننظر إلى انعكاس جميع هذا في طريقة استعماله للجناس.
نبدأ أولا بشعره البغدادي، الذي كان يجنح فيه إلى إظهار ملكته، والتجمل إلى العلماء، والتحبب إلى الأدباء، والتملي من ترف الحضارة الأدبية التي وجدها ببغداد، والتظرف باستعمال منهج البداوة والجزالة. في هذا الشعر نجد أن المعري كان حق حريص على أن يكسب حسن رأي الناس فيه، وكان من أجل ذلك يسلك مسلكا أشبه شيء بمسلك الطالب النابه، الذي يريد أن ينال أقصى ما يستطاع نيله من درجات في الامتحان. فكان يستعمل الجزالة، لا لأنه يحبها فحسب، ولكن ليسر العلماء الذين يحبونها، والأدباء الذين يطربون لها، وكذلك كان يحاكي مذاهب البدو، ويتظرف بالغزل في البدويات، لأن أدباء بغداد وظرفاءها كان يعجبهم ذلك. وكان يصف طيف الخيال، وبكاء الفتاة على الكثيب، كل ذلك ليجاري روح تلك المدينة المترفقة المتأنقة، التي كان يلذها أن تسمع مثل هذه الأوصاف مرصعة بالجوهر النادر، من التجنيس والتوشية. وكان يضفي على كل ذلك حرارة عاطفية. وحلاوة فكاهية، وافتنانه في النادرة والإشارة العلمية، والنورية التي هي أخت الجناس، والإغراب في الجرس على نحو دقيق رقيق، يذكر السامع برنات البحتري وطنات القدماء، من أمثال زهير والنابغة.
стр. 762
كان المعري في شعره البغدادي، نابغة يشعر بالحاجة إلى أن يعترف به النوابغ. ولعله أول شعر نظمه وهو يشعر من نفسه بالضعف، خوفا من أن يكون الحكم عليه قاسيا، وفي نفس الوقت يشعر بالثقة، لما كان يملأ قلبه بالعواطف والأماني والمطامح. وقد جاء شعر المعري البغدادي، نتيجة لهذه الدوافع، متدفقا مندفعا صافيا، وجاءت جناساته ممثلة لهذا التدفع والتدفق، والحرص على الإجادة والامتاع والاستماع. فهو كان يستعملها إما لتقوية الصور التي كان يأتي بها، وإما ليرتاح إلى التجميل والتصنيع، بعد أن تبلغ به العاطفة مبلغا بعيدا. وكان هذا الارتياح بين كل غرض عاطفي وآخر يلائم طبيعته، فقد كان رجلا ضريرا، تعجبه الدندنة والترنم. كلما خلا فكرة من آراء وأغراض واضحة الأعيان. كما أنها تتيح له فرصة التخفيف من العنف، فيما كان يقصد إليه من أغراض، إذ قد كان من جوهر نفسه رجلا متشككا، حريصا على ألا يكشف عواطفه كل الكشف. فمتي عنت له الفرصة بعد إفصاحة، حاول أن يضفي عليها ستارا من زخرفة الصناعة ممزوجا بالفكاهة، يوهم السامع أنه لم يكن جادا فيما كان يتناوله من قبل.
وقد تعاطى المعري أصناف الجناس جميعا في شعره البغدادي، وزاد عليها الجناس السجعي، يجئ به لمجرد الإطراب على طريقة البحتري في قوله:
أتسلى عن الحظوظ وآسي ... لمحل من آل ساسان درس
أو لتقوية الصورة عن طريق النغم، كما فعل زهير في قوله:
إذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل
وكان أحيانا يتظرف بتعاطي التورية، وهي أخت الجناس وبنته، لأن صاحب التورية إنما يفترض أنه يجانس بين كلمه يوردها في كلامه، وأخري تسبق إلى عقل سامعه، مال قوله:
إذا صدق الجد افتري العم للفتى ... مكارم لا تكري وإن صدق الخال
стр. 763
فمن أمثلة جناسات المعري التي عمد فيها إلى مجرد الإطراب، قوله (١):
تلاق تفري عن فراق تذمه ... مآق وتكسير الصحائح في الجمع
والشاهد في "تفري، وفراق". وحسن تخلصه من تاء تفرى وفائها ورائها، إلى فاء فراق ورائها، ليجعلها مسجوعة مع تلاق، ولا يخفى على القارئ طنة ألفات المد في هذا البيت.
ومن ذلك قوله (٢):
فذكرني بدر السماوة بادنا ... شفا لاح من بدر السماءة بال
والشاهد في قوله: "بدر، وبادن، وبال" وما في هذا من رنة الباء والدال والباء والألف.
وقوله:
يلوذ بأقطار الزجاجة بعدما ... هريقت لما أهديت في الكشر أمثال
والشاهد في قوله "هريقت، وأهديت" وقد كان لو شاء قال: أريقت، ولكنه طلب المجانسة.
وأمثال هذا في الشعر المعري البغدادي، نحو قصيدتيه اللاميتين:
طربن للمع البارق المتعالي
و: مغاني اللوي من شخصك اليوم أطلال
كثير. وأكثر منه أمثلة الجناس المتشابه بأنواعه المتخلفة، مثل:
أأبغي لها شراّ ولم أر مثلها ... سفائن ليل أو سفائر آل
والشاهد في "سفائن، وسفائر".
стр. 764
وقوله:
ولاح هلال مثل نون أجادها ... بجاري النضار الكاتب ابن هلال
وقوله:
تقول ظباء الحزم والدمع ناظم ... على عقد الوعساء عقد ضلال
ولعل اقتدار المعري في تمثيل أصوات ما ينعته بواسطة الجناس الحرفي، شيء كاد ينفرد بالتبريز فيه بين سائر شعراء العرب. وقد وجد في دقة إحساسه بالصوت، وصفاء ذوقه في تخير الألفاظ، ومحبته للترنم ما أعانه على الإجادة في هذا الباب. خد مثلاّ قوله في النار:
نار لها ضرمية كرمية ... تأريثها إرث عن الأسلاف
تسقيك والأري الضريب ولو عدت ... نهي الإله لثلث بسلاف (١)
أنظر إلى هذه الراءات والياءات المشددة، كيف تحمل إليك صوت ضرام النار. ثم تأمل هذا الجناس في قوله: "تأريثها، وإرث"، وقوة الصلة بينه وبين صوت الشيء الموصوف.
وخذ قوله وهو يذكر حنين الإبل، ويزعم متظرفا، أنها ربما تكون قد حلمت ورأت في المنام، أوديتها التي كانت تجاذب فيها ذوائب الطلح والضال:
стр. 765
لقد زارني طيف الخيال فهاجني ... فهل زار هدي الإبل طيف خيال
لعل كراها قد أراها جذابها ... ذوائب طلح بالعقيق وضال
ومسرحها في ظل احوي كأنها ... إذا أظهرت فيه ذوات حجال
فالبيت الأول بهاءاته وراءاته تمهيد لهذه الحركة القوية في البيت الثاني، التي تنقل إلينا صوت مشافر الإبل وكراكرها وهي تجذب الأغصان، والبيت الثالث مع احتفاظه بصدى هذه الحركة، فيه قصد إلى التخلص منها في يسر واختلاس. ولعل من "فهاجني". وقوله: "فهل، وهذي" بعد ذلك، وما داخل هذا من التكرار، ورد الصدر على العجز، وترديد كلمة خيال في قافية البيت.
ثم انظر إلى الفصل "بقد" بين "كراها، وأراها"، وبهما مثل الشاعر جرس الكركرة، التي تصحب انشغال الإبل بجذاب الذائب، ثم انظر التخلص من حركة الراء إلى حركة أخري تمثل أصوات الإبل، هي ذبذبة الذال، وقد أحسن المعري التخلص من "أراها" إلى "جذابها" بهاء المؤنثة وألفها، ثم انتقل من جذابها إلى ذوائب، محتفظا بالذال والألف والياء.
وفي البيت الثالث كرر الراء في مسرحه وأظهرت، وخلص منها إلى الترنم بالحاء في " أحوى، وحجال، ومسرحها". وذلك يسر له أن يستمر في النظم، وينسي صوت الإبل وكركرتها وذبذبتها.
هذا، ومن خير ما يستشهد به المرء، على افتنان المعري في التجنيس ليكسب استحسان الناس، وليعبر مع ذلك عما في نفسه، من نغم مدندن، وحب لموسيقا الأجراس، ومقدرة على تخير اللفظ، عينيته في وداع بغداد، التي مطلعها (١):
стр. 766
نبي من الغربان ليس على شرع ... يخيرنا أن الشعوب إلى الصدع
وهي القصيدة الرائعة التي ودع فيها آماله، وأودعها أحر صرخات قلبه. وكأنما أراد أن يقول بها لأهل بغداد: "أنظروا هذا الجمال، هذا السحر الحلال، هذا الوشي الحبرة، أيسركم أن يركب صاحبه الفلوات"؟ لا، بل قد صرح بهذا القول واضحا في بيته:
فدونكم خفض الحياة فإننا ... نصبنا المطايا بالفلاة على القطع
ومما يحسن التنبيه عليه، في معرض الحديث عن هذه القصيدة، أن طريقة المعري في تقطيع المسافة بين غرض وآخر، بالترنم والدندنة، واضحة فيها أيما وضوح.
ودونك منها قوله في صفة الحمائم، وهو غرض من الأغراض التقليدية، كان لأبي العلاء به ولع خاص، وما فتئ يكرره في منظومه ومنثوره، ويفتن في ذلك، قال:
وشكلين ما بين الأثافي واحد ... وآخر موف من أراك على فرع
يشير هنا إلى ما اعتادته العرب من تشيبه الحمام بالرماد، والرماد بالحمام (١).
أتي وهو طيار الجناح وإن مضي ... أشاح بما أعيا سطيحا من السجع (٢)
يجيب سماويات لون كأنما ... شكرن بشوق أو سكرن من البتع (٣)
تري كل خطباء الجناح كأنما ... خطيب تنمي في الغضيض من الينع (٤)
стр. 767
إذا وطئت عوداّ برجل حسبتها ... ثقيلة حجل تلمس العود ذا الشرع (١)
وهذا الوصف الجيد لا يمنعنا كون موضوعه تقليديا، من إدراك ما فيه من حرارة؛ العاطفة وتحرقها. وقد قدمنا لك أن المعري، لعلة العمي وحدها -ودع عنك ذكاء لبه، وتأجح قلبه-كان شديد الإحساس بوقع الأصوات والأنغام. وقد وجد من الحمامة مثيرا للشجن، كما قد وجد قبله حميد بن ور الهلالي، كما وجد شيلي وكيتس من شعراء الإفراج. وهو هنا قد تمثل في صوت الحامة طرب الثمل، وأنات المشوق، ونغمات العود. وقد اجتهد أن يبرز ما أحس به، لا في معانيه وحدها، ولكن في أصوات ألفاظه أيضا. تأمل نوناته في "سماويات لون، شكرن، سكرن" وتقارب الجرس بين السين والشين. وتعمد الجناس في "شكرن، وسكرن". ومن سمع صوت الحمام، لم يخف عليه ما في هاتين اللفظتين من المحاكاة الشديدة، لأصواتهن وبحسبه دليلا على ما أقول -إن لم يكن قد سمع صوت الحمام- إن العرب حاكته في موسوعتها اللغوية الرمزية بقولها: "ساق حر". ثم إن المعري ألح في إبراز الموسيقا الصوتية التي كان يسمعها من صوت هذا الطائر الغريد، فجنس في قوله "خطباء وخطيب"، وقوله: "العود" بمعني آلة الطرب، وترصيعه "عودا برجل" مع "ثقيلة حجل". ولا يفوتني هنا أن أنبه إلى اللفتة الجنسية في ذكره ثقل الحجل، وهو رجل كانت قوة شعوره بالجمال تبرز عند الملموسات. والمسموعات هذا، ولا تنس هذه الألفات الطويلة والياءات المشبعة التي ينادي بعضها بعضا في قوله: "تنمي، غضيض، وخطباء، وخطيب، وسماويات، وطيار الجناح، أشاح، وسطيحاّ، واعيا" في غير ذلك مما لا يستطاع استقصاؤه.
هذا، وإذ فرغ المعري من صفة الحمامة، وبلغ فيه إلى ذروة عاطفية، عمد بعد
стр. 768
ذلك إلى الدندنة المحضة، وإضفاء ستر من الصناعة على ما سبق الإفصاح به من صادق العاطفة والشعور، فقال:
متي ذن أنف البرد سرتم فليته ... عقيب التنائي كان عوقب بالجدع
تأمل النون من "ذن، وأنف"، والجناس في "عقيب، وعوقب". ومعني هذا البيت من النوع البعيد المتصيد على طريقة ابي تمام، فهو يقول: متي جاء الشتا رحلتم فليت الشتاء لم يجئ. وجعل للشتاء أنفاّ، وليت شعري عن الآمدي لو سمع هذا أكان يثور عليه كما قد ثار على ما استعاره حبيب من الانوف والاخادع؟
وما أورقت أوتاد دارك باللوي ... ودارة حتى أسقيت سبيل الدمع
وأقف بك هنا أيها القارئ عند قوله: "دارك، ودارة"، كيف تلطف وجاء بهما معا في هذا الطراز البديع من الترنم! والبيت كله وشي مرصع، وتصداح مطرب.
ذكرت بها قطعا من الليل وافيا ... مضي كمضي السهم أقصر من قطع (١)
وما شب نارا في تهامة سامر ... يد الدهر إلا أب قلبك في سلع (٢)
ولا أحسب القارئ إلا قد فطن لأسلوب البداوة في قوله: "يد الدهر إلا"
وانسجامه مع الجناس والسجع في "شب وأب".
ولم يزال أبو العلاء يدندن هكذا، حتى بلغ الذروة من النغني في قوله يصف الأعرابية على طريقة المتنبي:
وفي الحي أعرابية الأصل محضة ... من القوم إعرابية القول بالطبع
وقد درست نحو الفلا فهي لبة ... بما كان من جر البعير أو الرفع
стр. 769
ألفت الملا حتى تعلمت بالفلا ... رنو الطلا أو صنعة الآل بالخدع (١)
وليس بخاف عنك أيها القارئ الكريم حسن تخلص الشاعر من هذا الترصيع باللام وألف واللين في قوله: "الملا، والفلا، والطلا"، بذكره "الآل" عند آخر البيت، وهي معكوسة من "الألا" (كلمة خالية كان يمكن أن يستمر بها الترصيع إلى ما لا نهاية له).
وإذا قد نال الشاعر حظه من الترنم، دخل في غرض آخر هو شكوى الدهر، والتحسر على فراق بغداد. وقد بدأ في هذا الغرض على طريقة الرمز عند قوله:
ومن يترقب صولة الدهر يلقها ... وشيكا وهل ترضي الأساود بالوكع
وقال الوليد النبع ليس بمثمر ... وأخطأ سرب الوحش من ثمر النبع (٢)
ولم يخطئ الوليد في قليل ولا كثير، لأن بيته يدل على أنه يعلم أن سرب الوحش وغير سرب الوحش من بعض ما يثمره النبع. وذلك قوله:
وعيرتني خلال العدم آونة ... والنبع عريان ما في نبته ثمر
فهو هنا يحتج بأن النبع على تعريه يكون أفضل من النباتات ذوات الثمر، وكذلك المعدم على بذاذة مظهره، قد يكون أعظم جدوى من المثري ذي الابهة والمظهر، على حد ما قاله كثير:
تري الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد مزير
ويعجبك الطرير فتبتله ... فيخلف ظنك الرجل الطرير
стр. 770
ولا أحسب أن المعري كان يخفى عليه هذا المعنى الذي أراده الوليد. ولكني أظنه خطر بباله بيت الوليد لمعنى في نفسه، ثم رمز إلى هذا المعنى بذكر الوليد والإشارة إليه. ثم أراد أن يعمي، فنسب الوليد إلى الخطأ، وصحح خطأه بكلام إنما هو شرحٌ وتفصيل لما أوجزه الوليد. وعندي أن المعنى الذي دعا المعري إلى تذكر بيت البحتري هذا، هو قوله: "وعيرتني خلال العدم".
ولا شكٌ أن المعري كان معدمًا، أو كالمعدم عندما نظم هذه القصيدة. وأن عدمه كان من الأسباب المباشرة، التي دعت إلى هجرة بغداد، كما نبأنا هو عند قوله:
أثارني عنكم أمران والدة ... لم ألقها وثراء عاد مسفوتا
ثم خرج المعري من الرمز والإيحاء، إلى التصريح الواضح بما كان يحسه من لذع الفراق لبغداد، وذلك قوله:
أودعكم يأهل بغداد والحشى ... على زفرات ماينين من اللذع
وداع ضنى لم يستقل وإنما ... تحامل من بعد العثار على ظلع (١)
إذا أط نسع قلت والدوم كاربي ... أجدكم لم تفهموا طرب النسع (٢)
فبئس البديل الشأم منكم وأهله ... على أنهم قومي وبينهم ربعي
ألا زودوني شربة ولو أنني ... قدرت إذن أفنيت دجلة بالجرع
وأني لنا من ماء دجلة نغبة ... على الخميس من بعد المفاوز والربع
ثم حاول المعري أن يخفف من حرارة هذه العاطفة، ويستر توقدها بشيء من الصناعة، فقال:
стр. 771
وساحرة الأطراف يجني سرابها ... فتصلب حرباء بريا على جذع (١).
ولكن عاطفته كانت أقوى من أن يسترها بشيء، فاستمر مندفعًا بعد هذه الدندنة المخفقة:
وما الفصحاء الصيد والبدو دارها ... بأفصح يومًا من إلهكم الوكيع
أدرتم مقالا في الجدال بألسن ... خلقن فجانين المصرة للنفع
سأعرض إن ناحيت من غيركم فتى ... واجعل زورا من بناتي في سمعي (٢)
ولا أظني محتاجًا إلى أن أنبه القارئ على أن أبا العلاء أعرض مرة واحدة في هذه الأبيات، عن ضروب الجناس المتشابه - فلم يكن سلطان العاطفة يدعه يفكر في ذلك، واكتفى بأسلوب العرب القديم، في الترنم بالحروف المكررة ومزاوجة الكلمات، تجد ذلك في غلبة الألف والمد والتشديد والتنوين على الأبيات الأول، وفي البيت الثاني للعين منه حظٌ وافرٌ. والرابع يكاد يكون كله ضمائر منتهية بالميم. وفي البيت الخامس تجد المزاوجة بين "قدرت" وأفنيت"، والمجانسة بين "دجلة" و "الجرع" و "إذن، وأفنيت، وزودوني، ولو إنني". ولا أحسبك خفي عنك مكان التجنيس. في قوله "الصيد والبو دارها"، أعني تجنيس الحروف، والموازنة عند قوله: "مقالًا في الجدال". وغاية الغايات، كما كان يقول الدكتور زكي مبارك ﵀، قوله: "وأجعل زوًا" - ولا ريب أن تعبيره بجعل الإصبع في الأذن تعبير صادق أيما صدق، إذ قد كان جل استمتاعه في بغداد يأتيه من جهة السمع. وقد كان يمكن المعري أن يقول: "وأجعل زوجًا" - ولكنه طلب الحركة المزدوجة، مبالغة في تصيد
стр. 772
الجرس القوي، والموسيقا اللفظية. ولا مراء في أن زوًا، أقوى من ناحية الصوت في هذا الموضع من "زوجًا".
هذا، وقد استفرغ المعري عند قوله: "أودعكم يا أهل بغداد"، إلى قوله: "سأعرض" قطعة كاملة من معاني اللوعة والشوق. فرأى أن يستريح شيئًا إلى التغني والترنم، ريثما يستجمع في نفسه معنى آخر، ولا يستبعد أيضًا أنه كان يقصد بهذا التغني والترنم صرف القارئ شيئًا عن أن ينتبه إلى ما كان هو فيه من حرارة العاطفة. والذي قد طالت صحبته لأبي العلاء، لابد أن يكون قد استرعى انتباهه أن ذلك الشاعر المشتعل الصدر بالعاطفة، من أحرص خلق الله على ادعاء البرود والجمود، ليوهم الناس أنه مسكين مسكين، لا يملك من أدوات البشرية الساخنة شيئًا، حتى هذه العاطفة التي يفور بها دم الغريزة.
وقد بدأ المعري ترنمه بذكر شيء يناسب المعاني التي فصلها في الشوق، وذلك بأن أخذ يصف المشقات التي لاقته ولاقاها في طريق الرحلة إلى بغداد، من جوع وعطش ولص وسبع. وقارئ المعري، لا يملك نفسه من أن يسأل (لكثرة ما يصف هذا الشاعر مخاوف الطريق في قصائده) هل كان المعري لقي في بعض هذه الأسفار ما ذعره حقًا؟ والمعري يدعي الصبر والشجاعة فيما يصفه لنا. ولكن هل كان المعري صادقًا؟ أليس محتملًا جدًا أنه قد هلع حقًا، ومما زاد في هلعه، ضعفه وحاجته إلى من يأخذ بيده، وانصراف المعونة عنه، وهو في أشد الحاجة إليها، لانشغالها بخويصة نفسها؟ تأمل قوله:
عذيت النعام الروح دون مزاركم ... وأسهرني زار الضراغمة الفدع (١)
وما ذاد عني النوم خوف وثوبها ... ولكن جرسا جال في أذني سمع (٢)
стр. 773
أم لعله لقوة سمعه كان أول من نبه الركب إلى اقتراب الأسد؟
وكم جبت أرضًا ما انتعلت بمروها ... وجاوزت أخرى ما شددت لها شسعي
أي جاوزتها مجاوزة سريعة، على ظهور الإبل النواجي، لم تمكني من أن أسير عليها حافيًا أو ناعلًا. ولا يعني بهذا البيت أن يتصعلك على طريقة المتنبي في قوله:
ومهمه جنته على قدمي
وإن كان ظاهر لفظه يوهم ذلك.
وبت بمستن اليرابيع راقدًا ... يطوفن حولي من فرادى ومن شفع
وفي هذا البيت إفصاح قوي بدقة حاسة اللمس عند المعري، ومقدرته على التعبير بها. ولا أظن أحدًا ممن أتيح له أن نام في صحراء تحبو خنافسها ويرابيعها، يفوته ما في هذا البيت من جمال الوصف.
هذا، ثم انتقل المعري من صفة اليرابيع والسباع إلى صفة اللصوص الذين صحبهم في الطريق. واتخذ هؤلاء ذريعة إلى أحد الأغراض التقليدية، التي كان له بها غرام زائد، وذلك وصف السيف. ولعل المعري كان يتوق من أعماق نفسه إلى هذا البريق الذي ينسبه الشعراء إلى السيف. ولعل "عقله الباطن" كان يدفعه إلى وصف كل لماع ذي شعاع كالسماء ونجومها، وكالسراب والدرع والسيف والنار - أليس في عماه ما يبرر مثل هذا الحنين من جانبه إلى الضوء ولا سيما في مظاهره البارعة الرائعة، كفرند السيف، وائتلاق النجوم؟
ولا أريد هنا أن أطيل على القارئ، بإنشاد جميع ما قاله المعري في السيف في هذه القصيدة. وبحسبي أن أعلق على ذلك تعليقًا مجملًا، فأقول: إنه أفعم هذا الوصف بضروب الجثاس والبديع والاستعارات البعيدة، مثل قوله:
ويأبى ذباب أن يطور ذبابه ... ولو ذاب في أرجائه عمل الرصع
стр. 774
أي يخاف الذباب أن يقترب من ذباب هذا السيف: أي حده، ولو كان هذا الحد ملطخًا بالعسل، الذي هو عمل الصع: أي النحل (١).
وأظن القارئ قد تأمل براعة الجناس التام، وتكميله بالجناس السجعي الحرفي في ذاب.
وانتقل المعري في ترنمه هذا من وصف السيف، إلى غرض آخر تقليدي، من أغراضه التي كان كلفًا بها، وهو وصف النجوم. وشبه الليل ونجومه بالنوق التي عرقت، وعليها قلائد من ودع في قوله:
كأن الدجى نوق عرقن من الونى ... وأنجمها فيها قلائد من ودع
وألفت القارئ هنا إلى موضع النونات من "نوق، وعرقن"، ومن "الونى"، وأنجمها" - ثم إلى شبه الجملة "فيها"، وهي تمهد للانتقال من هذه النونات إلى نظام آخر من التعبير.
ويبدو لي أن فكرة سواد الليل، وسواد العرق الذي تنضح به النوق، أحدثت في قلب المعري نوعًا من تداعي المعاني، فانتقل من الترنم والتأمل "النوستالجي" في سواد الليل ونجومه، إلى التفكر في حقيقة الحال التي كان يعانيها، فقال:
لبست حداد بعدكم كل ليلة ... من الدهم لا الغر الحسان ولا الدرع
والدرع من الليالي: هي التي تكون مقمرة شطرًا صالحًا. والصلة المعنوية بين هذا البيت وما قبله واضحةٌ.
أظن الليالي وهي خونٌ غوادرٌ ... يردي إلى بغداد ضيقة الذرع
وكان اختياري أن أموت لديكم ... حميدًا فما ألفيت ذلك في الوسع
стр. 775
وهذا معنى واضحٌ صادقٌ، ناطق بحرارة ما كان يشعر به المعري، فرأى أن يترنم بعده، ليخفف شيئًا من حدته:
فليت حمامي حم لي في بلادكم ... وجالت رمامي في رياحكم المسع
وليت قلاصًا ملعراق خلعنني ... جعلن ولم يفعلن ذاك من الخلع
والخلع: طعام من أطعمه العرب "وهو أن تنحر الجزور"، ويطبخ لحمها بشحمها، ويطرح فيها توابل، ثم يفرغ في جلد، فيأكلونه في أسفارهم (١) " ولا يخفى أن المجانسة في "حمام. وحم"، والسجع في "رمامي"، وتكلف القافية - "المسع" (أي ريح الشمال)، وقوله: "خلعنني، والخلع"، كل ذلك ترنم، أريد به صرف الذهن عما كان يشعر به المعري من حسرة.
هذا، وبعد أن ظن المعري أنه قد أفرغ جهده من ترنم وبكاء وصناعة، وعرض على البغداديين آخر ما عنده من الإبداع، رأي أن يندمهم على ما فرطوا فيه، وأن يذكرهم بأنهم إنما يطرحون بطرحه درة، لا درة مثلها، فقال:
فدونكم خفض الحياة فإننا .... نصبنا المطايا بالفلاة على القطع
تعجلت إن لم أثن جهدي عليكم ... سحاب الرزايا وهي صائبة الوقع
ولا يخدعنك ما في البيت الأول من تلطف بالنحو وتسجيع في قوله "الحياة، والفلاة"، عما تحته من الدعوة الملحة لأهل بغداد ألا يفرطوا فيه، وأن يشركوه معهم، كما يشاء هو، في خفضهم.
هذا، ولما رحل المعري عن بغداد، ورأى أن قد حيل بينه وبينها، واستقرت به الحال على الاعتزال، والتبتل، والتزهد، جعل يراسل أصدقاءه بقصائد طوال، تحرى فيها أصنافًا من البديع، على أسلوب من الإغراب والتعمق، عندي أنه قصد