وساحرة الأطراف يجني سرابها ... فتصلب حرباء بريا على جذع (١).
ولكن عاطفته كانت أقوى من أن يسترها بشيء، فاستمر مندفعًا بعد هذه الدندنة المخفقة:
وما الفصحاء الصيد والبدو دارها ... بأفصح يومًا من إلهكم الوكيع
أدرتم مقالا في الجدال بألسن ... خلقن فجانين المصرة للنفع
سأعرض إن ناحيت من غيركم فتى ... واجعل زورا من بناتي في سمعي (٢)
ولا أظني محتاجًا إلى أن أنبه القارئ على أن أبا العلاء أعرض مرة واحدة في هذه الأبيات، عن ضروب الجناس المتشابه - فلم يكن سلطان العاطفة يدعه يفكر في ذلك، واكتفى بأسلوب العرب القديم، في الترنم بالحروف المكررة ومزاوجة الكلمات، تجد ذلك في غلبة الألف والمد والتشديد والتنوين على الأبيات الأول، وفي البيت الثاني للعين منه حظٌ وافرٌ. والرابع يكاد يكون كله ضمائر منتهية بالميم. وفي البيت الخامس تجد المزاوجة بين "قدرت" وأفنيت"، والمجانسة بين "دجلة" و "الجرع" و "إذن، وأفنيت، وزودوني، ولو إنني". ولا أحسبك خفي عنك مكان التجنيس. في قوله "الصيد والبو دارها"، أعني تجنيس الحروف، والموازنة عند قوله: "مقالًا في الجدال". وغاية الغايات، كما كان يقول الدكتور زكي مبارك ﵀، قوله: "وأجعل زوًا" - ولا ريب أن تعبيره بجعل الإصبع في الأذن تعبير صادق أيما صدق، إذ قد كان جل استمتاعه في بغداد يأتيه من جهة السمع. وقد كان يمكن المعري أن يقول: "وأجعل زوجًا" - ولكنه طلب الحركة المزدوجة، مبالغة في تصيد
стр. 772
الجرس القوي، والموسيقا اللفظية. ولا مراء في أن زوًا، أقوى من ناحية الصوت في هذا الموضع من "زوجًا".
هذا، وقد استفرغ المعري عند قوله: "أودعكم يا أهل بغداد"، إلى قوله: "سأعرض" قطعة كاملة من معاني اللوعة والشوق. فرأى أن يستريح شيئًا إلى التغني والترنم، ريثما يستجمع في نفسه معنى آخر، ولا يستبعد أيضًا أنه كان يقصد بهذا التغني والترنم صرف القارئ شيئًا عن أن ينتبه إلى ما كان هو فيه من حرارة العاطفة. والذي قد طالت صحبته لأبي العلاء، لابد أن يكون قد استرعى انتباهه أن ذلك الشاعر المشتعل الصدر بالعاطفة، من أحرص خلق الله على ادعاء البرود والجمود، ليوهم الناس أنه مسكين مسكين، لا يملك من أدوات البشرية الساخنة شيئًا، حتى هذه العاطفة التي يفور بها دم الغريزة.
وقد بدأ المعري ترنمه بذكر شيء يناسب المعاني التي فصلها في الشوق، وذلك بأن أخذ يصف المشقات التي لاقته ولاقاها في طريق الرحلة إلى بغداد، من جوع وعطش ولص وسبع. وقارئ المعري، لا يملك نفسه من أن يسأل (لكثرة ما يصف هذا الشاعر مخاوف الطريق في قصائده) هل كان المعري لقي في بعض هذه الأسفار ما ذعره حقًا؟ والمعري يدعي الصبر والشجاعة فيما يصفه لنا. ولكن هل كان المعري صادقًا؟ أليس محتملًا جدًا أنه قد هلع حقًا، ومما زاد في هلعه، ضعفه وحاجته إلى من يأخذ بيده، وانصراف المعونة عنه، وهو في أشد الحاجة إليها، لانشغالها بخويصة نفسها؟ تأمل قوله:
عذيت النعام الروح دون مزاركم ... وأسهرني زار الضراغمة الفدع (١)
وما ذاد عني النوم خوف وثوبها ... ولكن جرسا جال في أذني سمع (٢)
стр. 773
أم لعله لقوة سمعه كان أول من نبه الركب إلى اقتراب الأسد؟
وكم جبت أرضًا ما انتعلت بمروها ... وجاوزت أخرى ما شددت لها شسعي
أي جاوزتها مجاوزة سريعة، على ظهور الإبل النواجي، لم تمكني من أن أسير عليها حافيًا أو ناعلًا. ولا يعني بهذا البيت أن يتصعلك على طريقة المتنبي في قوله:
ومهمه جنته على قدمي
وإن كان ظاهر لفظه يوهم ذلك.
وبت بمستن اليرابيع راقدًا ... يطوفن حولي من فرادى ومن شفع
وفي هذا البيت إفصاح قوي بدقة حاسة اللمس عند المعري، ومقدرته على التعبير بها. ولا أظن أحدًا ممن أتيح له أن نام في صحراء تحبو خنافسها ويرابيعها، يفوته ما في هذا البيت من جمال الوصف.
هذا، ثم انتقل المعري من صفة اليرابيع والسباع إلى صفة اللصوص الذين صحبهم في الطريق. واتخذ هؤلاء ذريعة إلى أحد الأغراض التقليدية، التي كان له بها غرام زائد، وذلك وصف السيف. ولعل المعري كان يتوق من أعماق نفسه إلى هذا البريق الذي ينسبه الشعراء إلى السيف. ولعل "عقله الباطن" كان يدفعه إلى وصف كل لماع ذي شعاع كالسماء ونجومها، وكالسراب والدرع والسيف والنار - أليس في عماه ما يبرر مثل هذا الحنين من جانبه إلى الضوء ولا سيما في مظاهره البارعة الرائعة، كفرند السيف، وائتلاق النجوم؟
ولا أريد هنا أن أطيل على القارئ، بإنشاد جميع ما قاله المعري في السيف في هذه القصيدة. وبحسبي أن أعلق على ذلك تعليقًا مجملًا، فأقول: إنه أفعم هذا الوصف بضروب الجثاس والبديع والاستعارات البعيدة، مثل قوله:
ويأبى ذباب أن يطور ذبابه ... ولو ذاب في أرجائه عمل الرصع
стр. 774
أي يخاف الذباب أن يقترب من ذباب هذا السيف: أي حده، ولو كان هذا الحد ملطخًا بالعسل، الذي هو عمل الصع: أي النحل (١).
وأظن القارئ قد تأمل براعة الجناس التام، وتكميله بالجناس السجعي الحرفي في ذاب.
وانتقل المعري في ترنمه هذا من وصف السيف، إلى غرض آخر تقليدي، من أغراضه التي كان كلفًا بها، وهو وصف النجوم. وشبه الليل ونجومه بالنوق التي عرقت، وعليها قلائد من ودع في قوله:
كأن الدجى نوق عرقن من الونى ... وأنجمها فيها قلائد من ودع
وألفت القارئ هنا إلى موضع النونات من "نوق، وعرقن"، ومن "الونى"، وأنجمها" - ثم إلى شبه الجملة "فيها"، وهي تمهد للانتقال من هذه النونات إلى نظام آخر من التعبير.
ويبدو لي أن فكرة سواد الليل، وسواد العرق الذي تنضح به النوق، أحدثت في قلب المعري نوعًا من تداعي المعاني، فانتقل من الترنم والتأمل "النوستالجي" في سواد الليل ونجومه، إلى التفكر في حقيقة الحال التي كان يعانيها، فقال:
لبست حداد بعدكم كل ليلة ... من الدهم لا الغر الحسان ولا الدرع
والدرع من الليالي: هي التي تكون مقمرة شطرًا صالحًا. والصلة المعنوية بين هذا البيت وما قبله واضحةٌ.
أظن الليالي وهي خونٌ غوادرٌ ... يردي إلى بغداد ضيقة الذرع
وكان اختياري أن أموت لديكم ... حميدًا فما ألفيت ذلك في الوسع
стр. 775
وهذا معنى واضحٌ صادقٌ، ناطق بحرارة ما كان يشعر به المعري، فرأى أن يترنم بعده، ليخفف شيئًا من حدته:
فليت حمامي حم لي في بلادكم ... وجالت رمامي في رياحكم المسع
وليت قلاصًا ملعراق خلعنني ... جعلن ولم يفعلن ذاك من الخلع
والخلع: طعام من أطعمه العرب "وهو أن تنحر الجزور"، ويطبخ لحمها بشحمها، ويطرح فيها توابل، ثم يفرغ في جلد، فيأكلونه في أسفارهم (١) " ولا يخفى أن المجانسة في "حمام. وحم"، والسجع في "رمامي"، وتكلف القافية - "المسع" (أي ريح الشمال)، وقوله: "خلعنني، والخلع"، كل ذلك ترنم، أريد به صرف الذهن عما كان يشعر به المعري من حسرة.
هذا، وبعد أن ظن المعري أنه قد أفرغ جهده من ترنم وبكاء وصناعة، وعرض على البغداديين آخر ما عنده من الإبداع، رأي أن يندمهم على ما فرطوا فيه، وأن يذكرهم بأنهم إنما يطرحون بطرحه درة، لا درة مثلها، فقال:
فدونكم خفض الحياة فإننا .... نصبنا المطايا بالفلاة على القطع
تعجلت إن لم أثن جهدي عليكم ... سحاب الرزايا وهي صائبة الوقع
ولا يخدعنك ما في البيت الأول من تلطف بالنحو وتسجيع في قوله "الحياة، والفلاة"، عما تحته من الدعوة الملحة لأهل بغداد ألا يفرطوا فيه، وأن يشركوه معهم، كما يشاء هو، في خفضهم.
هذا، ولما رحل المعري عن بغداد، ورأى أن قد حيل بينه وبينها، واستقرت به الحال على الاعتزال، والتبتل، والتزهد، جعل يراسل أصدقاءه بقصائد طوال، تحرى فيها أصنافًا من البديع، على أسلوب من الإغراب والتعمق، عندي أنه قصد
стр. 776
به إلى ما زعمناه آنفًا، من إظهار الاقتدار والجبرية، كما قصد به إبشام البغداديين، وإتخامهم من هذا الصنف من التعبير الذي كانوا يحبونه، ويودون أن يصنعوه ولا يقدرون عليه (١) هذا المزج الغريب بين مذهب البداوة والحضارة، وبين جزالة القدماء وصناعة المحدثين. والمعري الذي كان يحس الضعف، ويتحرق إلى أن يكتسب إعجاب المجتمع البغدادي المثقف، ويظفر بالاعتراف من قادته، قد صار في قصائده التي أرسلها من بغداد، يشعر بأنه أكبر من أن يقنع بمجرد اكتساب الإعجاب، صار يشعر بأنه قوي في وسعه أن يتفضل على بغداد، بعرض خزائنه في أبهتها الكاملة. ولبغداد أن تتخير منها ما تشاء، أو أن تنظر إليها نظرة الأسف على التفريط في صاحبها. أو تنبهر انبهار العاجز. لقد صار في ركنه المنزوي في معرة النعمان جبارًا طاغية، لا يبالي أن يرضي مجتمع بغداد كله، أو يطر به كله، وإنما يبالي بجانب واحد منه، هو العلماء، وخاصة الأدباء، وهؤلاء إنما كان يبالي بهم، لكي يشعهم بأنه أعلم وأقدر منهم. وقد ذكر بصراحة شيئًا يدل على هذا في قوله:
ولي حاجةٌ عند العراق وأهله ... فإن تقضياها فالجزاء هو الشرط
سلا علماء الجانبين وفتيةً ... أبنوهما حتى مفارقهم شمط
أعندهم علم السلو لسائلٍ ... به الركب لم يعرف أماكنه قط
وما أربي إلا معرس معشرٍ ... هم الناس لا سوق العروس ولا الشط
وقد انعكس هذا الاتجاه النفسي كل الانعكاس في جناسات المعري، في رسائله الشعرية إلى علماء بغداد. فقد سخر فيها حبه للغة، وغرامه بها، لإعجازهم وقهرهم. وتجد ما يتعاطاه من الجناس في هذه الرسائل، من طراز كأنما أريد به التحدي وحده ليس إلا. والغالب عليها أصناف الجناس المتشابه والتام والموهم دون
стр. 777
السجعي والحرفي والموسيقي الصرف. وكان يشفعها أحيانًا بالتوريات. وكما قدمنا، فإن التورية شقيقة الجناس وسليلته. تأمل مثلًا قوله من عينيه (تحية كسرى في السناء وتبع (١)):
وطارقتي أخت الكنائن أسرة ... وستر ولحظ وابنة الرمي أربع
وبيضاء ريا الصيف والضيف والرى ... بسيطة عذر في الوشاح المجموع
ومرآتها لا يقتضيها جمالها ... بمرآتها والطبع غير التصنع (٢)
وقد حبيت أموالها في أديمها ... سنين وشبت نارها تحت برقع
أفق إنما البدر المقنع رأسه ... ضلالٌ وغي مثل بدر المقنع (٣)
أراك أراك الجزع جفن مهموم ... وبعد الهوى بعد الهواء المجزع (٤)
فتأمل هذا الإغراب في جعل صاحبة الطيف أختًا لكنائن أربع: كنانة القبيلة، والكنانة التي هي الستر، وعيناها كنانة ترمي بأسهم اللحظ، وقومها ذوو سهام يرمون بها من يهم بها. وأتبع هذا الإغراب إغرابًا آخر، في هذا الجناس المصحف الرائع عند قوله الصيف والضيف. ولا أنسى أن أنبه السامع إلى قوله "البرى" وقوة الشبه بينه وبين قوله "ثقيلة حجل" والبيت الثالث فيه الجناس الشبيه بالتام لفظًا، التام خطًّا، عند قوله "مرآتها ومرآتها".
وأغرب في معنى البيت الرابع، وأشار إلى حادث المقنع الذي ادعى الربوبية في البيت الخامس .. والبيت الأخير فيه أوابد الجناس التام لفظًا وخطًا، والجناس المتشابه، وذلك قوله "أراك أراك"، وقوله: "الجزع" وهو موضع وواد بعينه،
стр. 778
والمجزع: أي المفصل بالخرز والدر. وهاك مثالًا آخر من الإغراب في هذه القصيدة نفسها أورده المعري بمعرض وصف المطايا:
على عشرٍ كالنخل أبدى لغامها ... جنى عشر مثل السبيخ الموضع (١)
تود غرار السيف من حبها اسمه ... وما هي في التوم الغرار بمطمع
مطايا مطايا وجدكن منازلٌ ... منازل عنها ليس عني بمقلع (٢)
تبين قرارات المياه نواكزًا ... قوارير في هاماتها لم تلفع (٣)
مسكينٌ مسكينٌ أبو تمام. لو قد سمع هذا، أظنه كان يضطرب في لحده، على أنه لم يستطع أن يجيء بمثله فيما سهره من ليال. فقد كان أبو تمام، ﵀، يعتد أمر هذا الجناس عسرًا عويصًا، وكان يطلبه من بعيد، ويقيم من أجله الألفاظ ويقعدها فما هو إلا أن جاء هذا العبقري الضرير، فجعل يلهو بالألفاظ والمعاني لهوًا، ويعبث بهن عبثًا، انظر مثلًا إلى قوله: "عشرٍ كالنخل" وما فيه من الإيهام. هذا مع أن تشبيه الإبل بالنخل أمرٌ شائع في الشعر لا يلام المعري على المجيء به. ثم إلى لعبه بلفظ "الغرار" و"بالقرارات" و"القوامير". وأما ما جاء به من النحت المحض في "مطايا مطايا"، و"منازل، ومنازل" فأقل ما يقال فيه أنه ليس مما يأتي لعقل خالٍ من شوائب الشذوذ.
وشبيهٌ بهذا الإغراب الذي جاء به في العينية، إغرابه في الطائية التي بعث بها إلى خازن دار العلم ببغداد. والتزام قافية الطاء نفسه أغراب. فمن ذلك قوله:
تجل عن الرهط الإمائي غادةٌ ... لها من عقيل في ممالكها رهط
стр. 779
الرهط الأولى، هو ما نسميه في السودان: الرحط (والكلمة فصيحة) وهو إزار من سيور الجلد. والرهط الثانية: القبيلة.
وحرفٍ كنونٍ تحت راءٍ ولم يكن .... بدالٍ يؤم الرسم غيره النقط
وهذا نهاية العبث والتقعر. والحرف في أول البيت بمعنى الناقة، وشبهها بحرف النون في الضمر، والعرب تشبه النون بالأهلة. والرائي: هو الراكب الذي يضرب رئتها. والدالي: وهو الشفيق: أي هذا الراكب غير شفيق. والرسم الديار. والنقط: المطر. وهذا إيهام كما ترى، مصدره طلب الجناس، بحسب ما قدمنا لك من رأينا في التورية.
ولا يكاد بيت من هذه القصيدة يخلو من جناس تام أو ناقص أو موهم، أو شيء بمجراه، مثل:
خذت بسواك الناقلاتك في الضحا ... بمشي سواكٍ لا تجد ولا تمطو (١)
ومثل:
قريطية الأحوال ألمع قرطها ... فسر الثريا أنها أبدًا قرط (٢)
ومثل:
فيا ليتني طارت بكوري إذ دنا ... بكوري قطاةٌ بالصراة لها وقط (٣)
стр. 780
وفي التائية التي وجه بها التنوخي أوابد نافرةٌ من هذا القبيل، مثل قوله يصف طرائف السيف:
كأن أهل قرى نملٍ علون قرى ... رملٍ فغادرن آثار مخافيتا (١)
وفي قوله في السيوف:
كأنهن إذا عرين في رهجٍ ... يعرين بالورد إرعادًا وتصويتا (٢)
معظمات عليها كبوةٌ عجب ... تكبي المحارب أو تثنيه مكبوتا
ومنها في وصف الأعراب:
وأهل بيت من الأعراب ضفتهم ... لا يملكون سوى أسيافهم بيتا (٣)
عنها الحديث إذا هم حاولوا سمرًا ... والرزق منها حلوا أماريتا (٤)
جنٌّ إذا الليل ألقى ستره برزوا ... وخفضوا الصوت كيما يرفعوا الصيتا
وفيهم البيض أدمتها أساورها ... رمي الأساور إجلًا حار مبغوتا (٥)
وأغرب من هذا قوله، وكنا قد استشهدنا به:
أروى النياق كأروى النيق يعصمها ... ضرب يظل له السرحان مبهوتا
стр. 781
وعمر هند كأن الله صوره ... عمرو بن هند يسوم الناس تعنيتا
وقوله:
ألفت خوص المطايا إن منكرة ... إلف الغزال مقاليتا مقاليتا (١)
وخلاصة القول، ما قدمنا آنفًا من أن المعري أكثر من صناعة الجناس التام والناقص والخطي، في رسائله المنظومة إلى علماء بغداد، ليقهرهم ويبهرهم. وكانت جناساته نفسها، لكثرتها وغرابتها، وبعدها، واقتداره على أن يظهرها بمظهر القرب والطبع والجزالة، تنطق نطقًا مبينًا بما كان يملأ جوانب صدره من الرغبة في القهر والسطوة والتشفي، بإبراز ملكته في أعنف مظاهر جبروتها. ولا يخفى أن هذه الطريقة مخالفة لطريقته في القصائد البغداديات التي كان موقفه فيها موقف طالب اعطف والإعجاب.
وفي الدرعيات واللزمات، تجد أن المعري قد ركن إلى مسلك وسط بين طلب القهر وطلب الإعجاب، وهو مذهب الترنم والجنوح إلى التماس العزاء في اللعب بالألفاظ، والتجمل بالإشارات العلمية وفي الدرعيات تجد ناحية طلب السلوى والتعزي أقوى وأظهر، وفي اللزوميات تجد كلامه لا يخلو من قصد على تعجيز السامع وقهره.
وقد وصف الدكتور طه حسين عددًا من قصائد المعري اللزومية ي كتابه مع أبي العلاء في سجنه، مثل قصيدته:
خوى دن شرب فاستراحوا إلى التقى ... فعيسهم نحو الطواف خوادي (٢)
وقصيدته:
أواني هم فألقي أواني ... وقد حل في الشرخ والعنفوان
стр. 782
وكلتا هاتين القصيدتين مما تجد فيه طلب التعزي باللعب اللفظي، مشوبا بالرغبة في إظهار المقدرة والبراعة والتعجيز والتحدي. وقد التزم المعري فيهما أن يجيء في صدر البيت بلفظة مجانسة للقافية، مثل قوله:
توى دين في ظنه ما حرائر ... نظائر آم وكلت بتوادي (١)
وقد حمل الدكتور طه حسين كلتا هاتين القصيدتين على العبث والتسلي، وسماه عبث الأطفال الكبار وعندي أن المعري قد كان من الشياطين الكبار. وفي هاتين القصيدتين خاصة (ونظائرهما كثير) لم يخل من قصد إلى التعجيز، وإظهار المقدرة. والجناس الموهم التام، أو الشبيه بالتام هو عمدة الصناعة فيهما.
ومن قصائده اللزومية المشعرة بمجرد الترنم لطلب السلوى والعزاء نونيته التي أولها (٢):
يا شائم البارق لا تشجك الـ ... ـروض فما وجدك لما أببن
وقصيدته القصيرة التي يقول فيها (٣):
أطربوني وما ابن سبرة في السبـ ... ـرة إلا منية الأطربون
فعامل تداعي المعاني "والنوستالجيا" وممارسة الكتب، والعيش معها وفيها، واضح في كل هذا ونحيل القارئ بعد على كتاب مع أبي العلاء في سجنه، ففيه أمثلة كثيرة من عبث المعري في كتابه: "لزوم ما لا يلزم".
стр. 783
أما نهج المعري في الدرعيات فقد كان أصفى. وكأنه إنما أراد هذه المنظومات لمجرد التعبير عن نفسه بالدندنة والأنغام. وصفة الرمزية الغالبة عليها -أعني تشبيهه لنوع الحياة التي كان يحياها بالدرع الواقية- تؤكدما ننسه إليها من غلبة العنصر الذاتي عليها، وكذلك ضعف "عامل" طلب افعجاب (الواضح في قصائده البغدادية)، "وعامل" طلب السيطرة (الملموس في رسائله المنظومة وكثير من لزومياته) ولأن المعري قد كان في هذه القصائد مترنما، مناغيا للحروف والأصوات، في اسى وشجن، كان الجناس السجعين أغلب شيء عليها ويرافقه الجناس المتشابه تاما أحيانا، وغير تام كثيرا والمعري لا يحرص على أن يجانس بين كلمة في أول البيت وآخره دائما، وإنما يفعل ذلك حين يتيسر له، فإن لم يتيسر رضي بأن يكون الجناس بين كلمة في بيت سابق وآخر لاحق وعنصر الاطمئنان والثقة والرضا، الذي يكون الجناس بين كلمة في بيت سابق وآخر لاحق وعنصر الاطمئتان والثقة والرضا، الذي يكون أبدا مع المترنم الخالص الترنم، تلمسه جليا واضحا في القصائد الدرعيات ونكتفي هنا بأن نستشهد بجانب من قصيدته الميمية (١)
كم أرفمي من نبي وائل ... موائل في حلة الأرقم
للدلالة على بعض ما نقول ونلفت القارئ إلى هذه السلاسة والتدفق والصفاء الغامر لروح هذه القصيدة، ولعله يوازن بينه وبين الانفعال والحرارة والتدفع الذي ي قصيدته:
نبي من الغربان ليس شرع
والحزونة والعسر والإشراف من عل، الذي في رسائله المنظومة قال:
كم أرقمي من نبي وائل ... موائل في حلة الأرقم
يحمل منها صاديًا سابح ... مثل غدير الديمة المفعم
لاحظ خلو البيت الثاني من الجناس التام، واكتفاء الشاعر بحاء يحمل وسابح
стр. 784
ودال "صاديا، وغدير، والديمة"، والميمات المنتظمة لشطري البيت.
قضاء تحت اللمس قضاءة ... غير قضاء السيف واللهذم
كبردة الأيم العروس ابتغى ... بها جلاء الحية الأيم
قد درمت من كبر أختها ... وعمرت عصرًا ولم تدرم
وهنا لا يخلو بيت من جناس يخلطه بنوع من تظرف ونادرة فالدرع القضاء:
هي الخشنة والقضاءة: هي الفعالة من القضاء وهي تقين والسيف واللهذم يخرقان ويعتديان ثم شبهها بجلد الحية على عادة العرب، فجعلها بردًا على أيم عروس أي ثعبان عروس، ينبغي جلوة ثعبانة أيم لا زوج لها. ولا يخفى أن المعري هنا لا يخلو من سخرية خفية لطيفة بمذهب العرب في هذا التشبيه ثم رجع إلى صفة الدرع، فزعم أنها ملساء سالمة النواحي لم تدرم: أي تتفلل أسنانها، كما درمت أخواتها. وبعد هذه الجناسات السائغة المأتى، من حيث انسجامها التام مع ما سبقها، وتوافقها (بخلاف جناساته المفتعلة في الرسائل المنظومة) عدل الشاعر عن التجنيس المتشابه، إلى الترصيع، فقال:
كسابياء السقب أو سافيا ... ء الثغب في يوم صبا مرهم
ولا يخفى مكان الألفات، وتعمد الشاعر للتقريب بين مخارج الحروف في قوله:
"سابياء وسافياء" و"السقب والثغب" والسابياء كما فسره الشراح: هو الماء الرقيق الذي يخرج مع الولد من بطن أمه والسقب: هو ولد الناقة والسافياء: التراب، والثغب (١): هو الغدير. وسافياؤه: ما تراه طرائق عليه من مرور الرياح.
من أجم الدرعاء أو نابت الفقعاء بل من زرد محكم (٢)
стр. 785
والدرعاء: هي الليلة التي نصفها مقمر، والفقعاء: نبات تشبه به الدروع. ومكان السجع واضح (هذا والقفعاء بتقديم القاف على الفاء هي الصواب).
لاقي بها طالوات في حربه ... جالوت صدر الزمن الأقدم
كانت لقابوس بني منذر ... إرث الملوك الشوس من جرهم
وأخذ بعد في مدح درعهن ونسبتها إلى القدم والمتانة، بأن نسبها إلى طالوت وداود والأزمنة القدمية. ولا يخفى أن المعري كان يقصد بهذا الوصف الرمز إلى قوة درعه المعنوية التي اندس فيها من سهام الدهر والناس. والقارئ لن يخفى عليه محل التكرار الحرفي والملائمة بين الألفات وحروف الإشباع مثلا قوله: "قابوس والشوس ومنذر وجرهم":
شج عليها قينها أن ترى ... مجهولة الصانع لم توسم
فلاح للناظر من سردها ... آثار داود ولم يظلم
لا تنتمي كبرا إلى سابر ... لكن إليها سابر ينتمي
وهي إذا الموت بدا معلما ... نعم دثار الفارس المعلم
وهنا اعتماد الشاعر على التكرار كما ترى ثم انتقل إلى التجنيس:
لم تخضم البيض لها حلقةٍ ... يسيرة الصنع ولم تقضم
تردها اسغب من جذوة ... وغن غدت آكل من خضم
أردانها أمن غداة الوغى ... للكف والساعد والمعصم
لو أنها كانت على عصمةٍ ... في الوقبى لم يدع بالأجذم
ولاحظ هنا تمهله للتجنيس المتشابه بحيث رضي أن يقرن بين بيتين بيتين، ولا يورد الجناس كله في بيت واحد كما كان يفعله في قصائده البغدادية، والرسائل المنظومة، وهذا النوع من التجنيس يقع السمع خفيا، وكأنه غير مقصود انظر إلى
стр. 786
قوله: "تخضم وخضم"، وقوله: "المعصم وعصمة" ثم لا أحسبك خفي عنك مكان الإشارة إلى أخبار العرب في قوله "خضم" وهو العنبر بن تميم، وكان أكولا وإشارته إلى قولهم:
فالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله
في قوله: "تتركها أسغب من جذوةٍ" وإلى خبر الوقبى، وهي حرب قبلية كانت في أخريات خلافة عثمان. وعصمة المشار إليه: هو ابن عاصم المازني. وأحسب المعري إنما أشار إلى الوقبي لورود خبرها في معرض شعر جيد في أول كتاب الحماسة، هو قول الحماسي (١):
فدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدقت فيهم ظنوني
فوارس لا يملون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبزن
هم منعوا حمى الوقبى بضرب ... يؤلف بين أشتات المنون (٢)
واستمر المعري في هذه الإشارات، يسلي بها نفسه، ويترنم كعادته في الترنم حتى قال، ولم يخل في هذا من سخرية بالفرزدق الشاعر:
ما خلت همامًا لو ابتاعها ... يفر من خوف أبي جهضم
وحاجب لو حجبت شخصه ... لم يمس في المنة من زهدم
تزاحم الزرق على وردها ... تزاحم الورد على زمزم
لا مرة الطعم ولا ملحة ... وكيف بالذوق ولم تعجم
وأسلوب الأبيات الأولى -إذا استثننا الإشارة- جاهلي صريح، حتى ما جاء فيه من جناسه (حاجب لو حجبت). والبيت الثالث إنما هو دندنة من الراء والزاي
стр. 787
والدال وفيه جناس تام خفي لا تكاد تشعر به في قوله: "وردها، والورد"، والبيت الرابع آية من آيات تداعي المعاني. فقد جعله ذكر زمزم يفكر فيما ينسبه الناس إليها من الملوحة. وإلى هذا المعنى أشار في اللزوميات:
تباركت أنهار البلاد سوائح ... بعذب وخصت بالملوحة زمزم
وذكر المرارة والملوحة ذكره بقول الحجاج: "إن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، نثر كنانته بين يديه، وعجم عيدانها، فوجدني أمرها طعما، وأصلبها مكسرا". ثم رجع يصف قوة الدرع وتماسكها، حتى إذا بلغ من ذلك غرضه، أخذ في التحدث عن نفسه، وكأنه -فيما يبدو- ترك وصف الدرع على سبيل الاقتضاب مرة واحدة وأخذ في غرض آخر مباين له كل المباينة. والمتأمل يجد الأمر على خلاف ذلك. فهو بدأ بمدح درعه. ثم ذكر قوتها واقتدارها على رد الأحداث، في قوله:
هازئة بالبيض ارجاؤها ... ساخرة الأثناء بالأسهم
لو أمسكت ما زل عن سردها ... لأبصر الدارع كالشيهم
أي هذه الدرع تهزأ بالسيوف والسهام، وتساقط عنها النبال لملاستها. ولو كانت السهام تلصق بها، لصار لابسها أشبه شيء بالقنفذ، لكثرة ما تساقط عليه. وهذا المعنى، كما لا يخفى، ينظر إلى قول المتنبي:
تكاثرت الهموم علي حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال
وما أظن إلا أن المعري قد رمز بقوله هذا، إلى صبره وثباته على الحداث، وسخريته بالنوائب، وعجزها وعجز أعدائه عن أن يؤثروا فيه. وقد كان لهذا الرمز من القوة في نفسه، ما جعله يخرج من التلميح الخفي إلى التصريح الواضح، فيقول
стр. 788
أستغفر الله، ولا أندب الـ ... ـأطلال فذ الشخص كالتوءم (١)
وما له يستغفر الله لو لم يشعر أنه قد افتخر افتخارا جاوز به القصد، واقترب به من الإثم؟ ولكن هذا الاستغفار لم يمنعه من أن يستخر من العجاج، ويترنم به في نفس الوقت عند قوله:
هل سمسم فيما مضى عالم ... بوقفة العجاج في سمسم
ثم مضى يصف حقيقة درعه هاته، التي كنى عنها بالأوصاف التقليدية، والتشبيهات المأثورة:
ولست بالناسب غيثًا همى ... إلى السماكين ولا المزرم (٢)
وليس غرباني بمزجورة ... ما أنا من ذي الخفة الأسحم (٣)
مثل خفافٍ ساد في قومه ... على اجتياب الحسب المظلم (٤)
وبعد أن نفى المعري عن نفسه غي هذه الأبيات مذاهب الشعراء، في التظرف بالوصف، والعبث ونعت الطلول، وذكر الغيوث، وزجر الطير، رأى أن ينتقل من النفي إلى الإيجاب، بذكر الحال التي كان عليها من اعتزال وصبر. وقد أحسن التخلص في قوله:
يا ملهم السخل ولا أتبع الـ ... ـأظعان كالنخل على ملهم
стр. 789
ولا شك أن القارئ قد فطن إلى المجانسة بين "النخل" و"السخل"، وما فيها من غرابة، وإلى إشارة الشاعر هنا إلى قول المرقش يصف الأظعان ويقول:
أم هل شجتك الظعن باكرة ... كأنهن النخل من ملهم
وحسن تخلص المعري، يبدو في احتفاظه بعنصر النفي، الذي كان آخذًا فيه، ومزجه بشيء من الإيجاب- إذ هذا البيت فيه نفي للمعري عن نفسه، أنه يتبع مذهب الشعراء، في تشبيه الظعائن بالنخل، وهذا كلام منساق مع المعاني السابقة التي بينها، من ذكر الطلول والغيوث وزجر الطير. وفيه إيجاب بذكر ما كان عليه من حال التبتل، والإعراض عن النساء، فهو في هذا لا يخالف الشعراء، وإنما يخالف سائر الناس، ويتشبه بالزهاد والنساك. وقد مهد له هذا الإيجاب أن ينتقل إلى وصف حاله عامة، ببيتين أرادهما أن يكونا بمنزلة الخاتمة والشرح لكلامه السابق، وموضعهما حيث وضعا، يشعر بأن المعري ما أراد إلا إلى الكناية عن توقيه وحذره، وانقباضه واعتزاله، بوصفه الدرع والمبالغة في مدحها قال:
مالي حلس الربع كالميت بعد السبع لم آسف ولم أندم
على أناس من يجاورهم ... تعوزه فيهم عشرة المكرم
فهو تلخيص شامل لفلسفته المتشائمة (١) والبيتان معا، كما ترى، متلاحمان، يجمع بينهما التضمين. وفيهما بعد إجمال للموسيقا الهادئة المتعددة الأصوات، التي افتن في عرضها آنفا- تبصر ذلك من خلال الترصيع في قوله "الربع" و"السبع"- والمزاوجة في قوله "لم آسف ولم أندم"، وتكرار الراءات في البيت الأخير.
وأحسب القارئ، بعد، قد جمع من هذه القصيدة، فيما اختصرناه منها، صورة واضحة لما كنا زعمناه من أن المعري كان مطمئن النفس، صافي القريحة في
стр. 790
الدرعيات، يطلب الجناس ليقوى به معاني ما كان يحسه من جمال الوحدة ووحشتها وليتخذه في نفسه وسيلة للتعزي والتسلي، بمسعد من الترنم والدندنة، ومناغاة الألفاظ.
خلاصة:
بعد هذا الكلام الطويل الذي ذكرناه عن أبي تمام والبحتري وشعراء القرن الرابع، وبعد هذه الإفاضة التي أفضاها عن المعري وعقده وتناقضه، وسعيه ليجد وسائل للإفصاح عن شعوره في الوشي، والتجميل في الصناعة، والافتنان في التجنيس، نريد أن نلخص هنا، جميع ما ذكرناه عن الجناس.
أولا- الجناس ضرب من التكرار. عمدته: إما مراعاة وزن الكلمات، وإما تكرار حروفها، والنوع الأول لم يفطن له نقاد العرب إلا تلميحًا.
ثانيًا- تكرار الحروف، الذي سميناه الجناس السجعي، وقد يقع مرادًا به تقريب الصورة الموصوفة، عن سبيل محاكاة صوتها، وقد يقع مرادًا به محض الترنم، والارتفاع بجرس الكلام. وكلا نوعيه كان الجاهليون يكثرون منهمان وقد أقل المتأخرون منهما إلا البحتري والمتنبي وأبا العلاء، وبعض أعلياء الشعراء.
ثالثا- قد اهتم النقاد الغربيون بهذا النوع من الجناس الذي سميناه السجعي، وعرفوا له نوعين، ما كان الاعتماد فيه على الحروف السالمة، وهذه يعرف عندهم باصطلاحهم Alliteration، وما كان الاعتماد فيه على الحروف المتحركة، وهذا يعرف عندهم باصطلاحهم Assonance. وقد كانت أشعار الإنجليز تعتمد كل الاعتماد على هذين النوعين، في إظهار موسيقا الشعر، ولا تعرف الوزن. وهذا كان للرد على ما زعمه الدكتور مندور، من أن جمع أشعار الدنيا، عمدتها التفاعيل.
رابعا- قد اهتم العرب بالجناس الذي تلتقي فيه الكلمات عند أصول
стр. 791
كتقاربة. وقسموه إلى تام، وناقص، ومصحف، وخطي، في غير ذلك من القسام. وقد كان هذا النوع من الجناس من أهم أدوات البديع. وقد نبهنا على أن الشعراء المولدين، عمدوا نحوه هو، يقودهم أبو تمام، دون الجناس السجعي، إلحاحًا منهم في طلب التعبير عن الجمال، بأسلوب المعادلات الهندسية اللفظية. وقد بلغ أبو العلاء المعري بهذا النوع ذروته، لأنه ذلله تذليلا جعله يفصح به عن مختلف أحواله، من رضا وسخط وطموح.
خامسًا- ذكرنا أن الجناس المتشابه العباسي، أدى بطبيعته إلى التورية والإيهام. ويمكن أن نقول هنا أن الألغاز لها صلة قوية به. وإن كانت الألغاز ذاتها فنا موغلا في القدم.
خلاصة عن قيمة الجناس، من ناحية الجرس:
للجناس ما للتكرار من تأكيد النغم ورنته. ويزيد عليه بأنه يوجد نوعا من الانسجام بين المعاني العامة، ورنة الألفاظ العامة. وأضرب مثلا على ذلك بيت المعري:
ويأبى ذباب أن يطور ذبابه ... ولو ذاب في أرجائه عمل الرصع
فالذباب الأول غير الذباب الثاني في المعنى، ولكنه هو بعينه في اللفظ. فهذا التشابه في جرس الكلمتين، يدفع الذهن، لا محالة، إلى التماس تشابه بين معنى الكلمتين، لا، بل يوجد في الذهن نوعًا من التشابه الرمزي بين معنى الكلمتين. وهذا التشابه يقوي الانسجام بين معنى البيت كله، ورنته كله. وأوضح ما يكون هذا الانسجام، في أنواع الجناس السجعي والمتشابه غير التام، التي فيها عنصر من محاكاة أصوات الصور التي ينعتها الشاعر- مثال ذلك قول المتنبي:
وأمواه تصل بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني
стр. 792
فالصادات واللامات هنا، تظهر معنى خرير الماء.
ونحو قول المعري:
تلاق تفرى عن فراق
فراءات تفرى عن فراق وفاءاتها، تشعر بمعنى العنف الذي قصد إليه الشاعر. ونحو من ذلك قول البحتري:
مغلق بابه على جبل القبـ ... ـق إلى دارتي خلاطٍ ومكس
فالقافات هنا تؤكد ما أراده من معنى الإغلاق، والباءات تقوية ورفد لنغم القافات.
وقد ذكرنا آنفا أن الانسجام هو سر الجمال. والجناس لما فيه من عاملي التشابه في الوزن والصوت، من أقوى العوامل في إحداث هذا الانسجام. وسر قوته كامن يقرب بين مدلول اللفظ وصوته من جهة، وبين الوزن الموضوع فيه اللفظ (بما يسبغه عليه من الدندنة) من جهة أخرى، ثم إنه يمكن به الجمع بين التكرار والطباق، وهما شيئان متقابلان. وذلك بأن تجئ بالألفاظ واختلاف المعاني. إلى شيء يقرب من التضاد.
стр. 793
المطلب الثالث
الطباق:
هو أن يعدل الشاعر عن التكرار المحض، وعن الجناس، إلى نقيضهما أو ضدهما، إما بالنفي الظاهر، وإما بالنفي المضمر. فمثال النفي الظاهر قول البحتري:
يقيض لي من حيث لا أعلم الهوى ... ويسري إلي الشوق من حيث أعلم
وكما ترى، فإن حقيقة هذا النوع من الطباق تكرار.
ومثل قول الفرزدق:
لعمري لئن قل الحصى في عديدكم ... بني نهشل ما لؤمكم بقليل
وقد يعمد الشاعر إلى كلام، فيكرر معناهن منقوضًا بلفظ واحد، كالذي جاء في شعر هدبة:
إن يك أنفي زال عنه جماله ... فما حسبي في الصالحين بأجدعا
فكأنه قال -كما ذكر ابن رشيق (١) - إن كان أنقي أجدع، فحسبي غير أجدع. وهذا تكرار كما ترى، وإن كان تكرارًا خفيًا.
وقد يعمد الشاعر إلى لفظ، فيأتي بنقيضه ظاهرًا، ويكون باطنه تكرارًا، مثل قول أبي تمام:
ولقد سلوت لو أن دارًا لم تلح ... وحلمت لو أن الهوى لم يجهل
стр. 794
فقوله: لم يجهل، معناه قريب من حلم.
ومنأمثلة النفي المضمر، ما يأتي الشاعر فيه بكلمات متضادة، كقول امرئ القيس:
بماء سحاب زل عن ظهر ضخرة ... إلى بطن أخرى طيب طعمه خصر
فبطن ضد ظهر، وأخرى ضد صخرة. وكأنه قال؛ إلى صخرة غيرها.
ويجري هذا المجرى قوله:
مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
فكل هذا من باب التكرار النفي، المستغنى عنه بلفظة واحدة.
ويجري هذا المجرى أيضًا، قول طفيل الغنوي يصف حصانًا، بأنه قوي ساهم الوجه، لم تقطع عروقه من مرضٍ:
بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول
فقوله: "يصان، ومبذول" ضدان، باطنهما تكرار، أي يصان، ولكنه يوم الروع لا يصان.
وقد يعمد الشاعر إلى لفظة واحدة فيجعلها ضدا لكلام سبق منه، مثل قول الآخر:
فإن قتلونا في الحديد فإننا ... قنلنا أخاكم مطلقًا لم يكبل
فقوله "مطلق" ضد لقوله "في الحديد". وقوله "لم يكبل" نفي في الظاهر لقوله "في الحديد"، وتكرار في الباطن لقوله "مطلق"، أو لقوله "في الحديد"، كأنه
стр. 795
قال "ليس في الحديد". وهذا يشبه ما قدمناه من قول أبي تمامك
وحملت لو أن الهوى لم يجهل
وكل هذه الشواهد نقلناها من كتاب العمدة لابن رشيق، فراجع كلامه في الطباق (٢: ٥ - ١٤).
آراء القدماء في المطابفة
نقل لنا ابن رشيق آراء ثلاث فرق في الطباق: فريق الأوائل وفريق المتأخرين، وفريق قدامة والنحاس، وهو فرع من فريق المتأخرين.
أما الأوائل، فيستفاد من كلام ابن رشيق: أنهم كانوا يطلقون المطابقة أو الطباق، على هذه الأصناف الكثيرة من الشعر، التي يعند فيها الناظم إلى كلامٍ سابق، يتحرى أن يلحقه بكلام آخر مواز له، واقع في موقعه، كما تقع أرجل ذوات الأربع مواقع أيديها، على حد تعبير الأصمعي، وكما يقع النعل على المثالـ على حد تعبير الخليل: قال الخليل (١): "يقال طابقت بين الشيئين: إذا جمعت بينهما على خذو واحدٍ وألصقتهما". واستشهد ابن رشيق، على صحة هذا الرأي بقول لبيد:
تعاورت الحديث وطبقته ... كنا طبقت بالنعل المثالا
وعبارة الأصمعي: "المطابقة في الشعر، أصلها وضع الرجل في موضع اليد، في مشي ذوت الربع" وانشد لنابغة بني جعدة:
وخيل يطابقن بالدارعين ... طباق الكلب يطأن الهراسا"
ويفهم من تمثيل الأصمعي والخليل: أن مرادهم بالطباق أوسع مما فهمه
стр. 796
المتأخرون. ويدخل فيه ما أطلق عليه هؤلاء لقب المقابلة والموازنة، وهذا اللفظ الخير أضافه ابن رشيق، ليتم به معنى المقابلة.
والذي فهمه المتأخرون من الطباق أنه جمع بين الشيء وضده، في الجزء من الرسالة أو الخطبة أو بيت من الشعر، وهذا الرأي ذكره أبو هلال (١)، وادعى الإجماع عليه، إلا ما كان من امر قدامة. وكرر ابن رشيق عبارة أبي هلال بلفظ يشبهها، وذكر خلاف قدامة والنحاس، اللذين يسميان الجمع بين الشيء وضده التكافؤ. والفرق الأساسي بين رأي المتأخرين ورأي الأوائل: انهم، كما قدمنا، ضيعوا معنى الطباق، وحصروه في الناحية اللفظية، المتمثلة في الجمع بين أشياء متضادة، كالليل والنهار، والحر والبرد.
وقد مال قدامة شيئًا إلى مذهب الأصمعي والخليل، حين زعم أن الطباق: هو اشتراك لفظة بعينها، مكررة في معنيين مختلفين (٢) مثل قول زياد العاجم:
ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام
وعد ابن رشيق هذا من باب المجانسة، إلا أنه رجع ففسر مذهب قدامة فيه تفسيرًا حسنًا، يوضح فيه نظرة قدامة إلى آراء الأوائل، قال (٣): "ألا ترى أنهم يقولون: "فلان يطابق فلانا على كذا". إذا وافقه عليه فيه، فيكون مذهب قدامة أن اللفظة وافقت معنى، ثم وافقت بعينها معنى آخر، ويصح هذا أيضًا في قول الخليل في الطباق: إنه جمعك بين الشيئين على حذو واحد، فيكون الشيئان للمعنيين، والخو الواحد للفظة -ا- هـ-". وقد زعم أبو هلال أن الذي سماه قدامة
стр. 797
طباقًا يسميه الجمهور تعطفًا (١)، لأن معناه أن من ذكرهم يستنصرون بكاهل، وليسوا بأهل لأن تنصرهم كاهل. وقد ذكر أبو هلال شيئًا قريبًا من شاهد قدامة في باب المقابلة، حيث تمثل بقول عدي بن الرقاع:
ولقد ثنيت يد الفتاة وسادة ... لي جاعلا إحدى يدي وسادها
وأشبه بقول قدامة من هذا قول الآخر:
ولا زال محبوسًا عن الخير حابس
فهذا تجانس، والمضادة فيه ظاهرة، إذ جعل الحابس محبوسًا.
ولم يخل قدامة من نر إلى القدامى في حديثه عن التكافؤ (وهو الذي يسميه غيره طباقًا) لأنه زعم أن التكافؤ هو: "أن يصف الشاعر شيئًا أو يذمه ويتكلم فيه أي معنى كان، فيأتي بمعنيين متكافئين، والذي أريد بقولي متكافئين في هذا الموضع: أي متقاومين إما من جهة المصادرة، أو السلب أو الإيجاب، أو غيرهما من أقسام التقابل" (٢).
وقد كان في وسع قدامة أن يذكر التضاد في تعريف ما سماه التكافؤ، ولكنه عدل إلى التقابل والتقاوم، لأن هذا أدل على ما قصد القدماء من الحذو، ومن وضع الأيدي مكان الأرجل.
وقد حاول ابن رشيق أن يوفق بين آراء المتقدمين والمتأخرين وقدامة، ويدرجها جميعها تحت تعريف شامل للطباق، رواه عن علي بن عيسى الرماني، وهو قوله "المطابقة: المساواة في المقدار، من غير زيادة ولا نقصان" (العمدة ٢: ٦).
стр. 798
وزعم ابن رشيق أن هذا أحسن تعريف سمعه، وأجمعه لفائدة. وما أشك أن علي بن عيسى الرماني، لم يكن يريد أن يدرج قول قدامة (وكان معاصرًا له) في تعريفه هذا، لأنه كان ذا آراء واضحة شديدة في الجناس، وشاهد قدامة هذا داخل في الجناس، كما عرفه- ويرجح عندي أن الرماني أراد أن يؤكد معنى الضدية التي تكون في الطباق، بتعريفه هذا، ويخرج منه أمثلة التناقص التي يذكرها كثير من البلاغيين مثل قول الفرزدق:
لعمري لئن قل الحصى في عديدكم ... بني نهشل ما لؤمكن بقليل
وهذا يشبه مذهبه في الجناس. وقد كان الرجل منطقيًا، يعجبه التدقيق والتعميق، حتى عيب عليه ذلك (١). ومما يؤكد رأينا هذا في تفسير كلام الرماني، ما رواه لنا ابن رشيق عنه، بمعرض الحديث عن بيت الحسين بن مطير (٢):
بسود نواصيها، وحمرٍ أكفها ... وصفر تراقيها، وبيض خدودها
فهذا مما كان يعده الناس طباقًان والرماني ينظر إليه نظرة شرزًا، قال: السواد والبياض ضدان، وسائر الألوان يضاد كل واحدٍ منهما كلما قوى، زاد بعدًا من صاحبه، وما بينهما من الألوان كلما قوى زاد قربًا من السواد، فإن ضعف زاد قربًا من البياض، وأيضًا فلأن البياض منصبغ لا يصبع، والسواد صابغ لا منصبغ، وليس سائر الألوان كذلك، لأنها تصبغ وتنصبغ. ا. هـ. ومن أجل هذا فضل الرماني -كما يظهر من كلام ابن رشيق، رواية ابن الأعرابي لهذا البيت:
بصفر تراقيها، وحمر أكفها ... وسود نواصيها، وبيض خدودها
стр. 799
قال ابن رشيق: "وهذه الرواية أدخل في الصنعة".
والمتأمل لكلام الرماني، يجد فيه مصداق ما قلناه، من طلب الضدية في الطباق، واشتراطها دون غيرها. والضدية عنده أن تتساوى اللفظتان مساواة تناقض، كالذي ذكره من البياض والسواد، وليس بخاف عنك تدفيقه وتنقيره، حتى إنه ذكر الانصباغ والصابغية.
هذا ويبدو أن ابن رشيق -بدليل الشواهد التي استشهد بها- قد أدرك أن محاولته لجمع الآراء المتضاربة في نطاق قول الرماني، غير مجدية. فرجع إلى الذي كان ذكره آنفًا، من أن الطباق هو الجمع بين الشيء وضده، عند جميع الناس.
وعندي -واعتذر من هذا الاستطراد- أن ابن رشيق إنما دفعه إلى محاولة التوفيق بين هذه الآراء المتناقصة المتضاربة أول الأمر، حرصه الشديد على الاستقصاء، وعلى ذكر الأقوال المختلفة، والانزواء وراءها، يوهمك بذلك- أو لعله كان يريد أن يوهم سيده أبا الحسن، الذي من أجله صنع كتاب العمدة- أنه رجل متواضع، جماع، لاحظ له من الاجتهاد. وهذا غاية التقية والاحتياط منه.
وهو بلا ريب من سادة نقاد العربية القدماء (١) أجمعين، وسيرى القارئ مصداق ذلك إن شاء الله.
هذا، وأرى أن فريق النقاد المتأخرين، قد كانوا أقل حذقًا من المتقدمين الأولين فيما ذكروه من اصطلاحي الطباق، والمقابلة، وكلا النوعين كان يعرفه القدماء باسم المطابقة. وإنما أنسبهم إلى قلة الحذق، لأني أجدهم قد قصدوا إلى الحصر والتبسيط ثم عجزوا عن ذلك. فهم أرادوا بالطباق -كما قدمنا- حصر هذه اللفظ- واصطلاحه لشيء معين، هو الجمع بين الشيء وضده، وهذا أضيق من معناه عند
стр. 800
الأوائل، ثم أرادوا بالمقابلة حصر ما كان يدخله القدماء في باب الطباق من صنوف المساواة والحذف في حيز واحد. فعرفوا المقابلة بأنها إعطاء كل شيء حكمه من جهتي المخالفة والموافقة، وهذا مذهب قدامة، واتبعه عليه الناس، قال (١): "من أنواع المعاني وأجناسها أيضًا صحة المقابلة، وهو أن يصنع الشاعر معاني يريد التوفيق بين بعضها وبعض، والمخالفة، فيأتي في الموافق بما يوافقه، وفي المخالف بما يخالف على الصحة، أو يشترط شروطًا ويعدد أحوالا في احد المعنيينن فيجب أن يأتي في ما يوافقه بمثل الذي شرطه وعدده، وفي ما يخالف بضد ذلك. أ. هـ. ثم اخذ قدامة يستشهد، فذكر قول الشاعر:
تقاصرن واحلولين لي ثم إنه ... أتت بعد أيام طوال أمرت
وقول الشاعر:
وإذا حديث ساءني لم أكتئب ... وإذا حديث سرني لم آشر
وغير ذلك. والشاهدان الماضيان كما ترى يصح إيرادهما في باب الطباق على حسب رأي المتأخرين، وفي باب التكافؤ على مذهب قدامة والنحاس. والحق أن النقاد القدماء قد خلطوا بين أمثلة الطباق والمقابلة خلطًا واضحا، حتى إن مدلولهما ليكاد يخفي. ومن أمثلة خلطهم، بيت الغنوي:
لقد كان أما حلمه فمروح ... عليه وأما جهله فعزيب
ذكر ابن رشيق عن الجرجاني أن بعضهم عدوه طباقًا، وعاب ذلك عليهم قائلا إنه مقابلة.
وقد فطن ابن رشيق إلى ناحية الخلط والالتباس بين الطباق والمقابلة، فحاول أن يصلح الأمر بتوضيح معنى المقابلة، فزعم أنها أكثر ما تقع في الطباق، وأن كل ما
стр. 801
وقع فيه أكثر من طباق واحد: أي أكثر من ضدين، فهو مقابلة ثم إنه لم يجد هذا التوضيح كافيًا. فعقب على ما اشتراطه قدامة والنقاد من الموافقة، والمخالفة، بأن ذلك غير لازم فيها، وأنها قد تقع فيما ليس فيه موافقة ولا مخالفة، وسمي هذا موازنة، والحق أن ابن رشيق قد كشف عن ناحية مهمة جدًا في تركيب النظم، عندما تحدث عن الموازنة. ولو قد تفطن قليلا لأدرك أنها شيء أعم من المقابلة، وأن اشتراط النقاد للموافقة، في المقابلة خطأ في ذاته، وكان الواجب أن يكتفوا بشرط المخالفة، وأن يدركوا قوة العلاقة بينها (أي المقابلة) وبين الطباق، ويكشفوا عن حقيقتها.
وهذا، ومما يستحسن ذكره بصدد ما نحن فيه من عرضن آراء القدماء، أنهم قسموا الطباق أنواعا لا تخرج في جملتها عم سبق تقديمه. وقد خلط ابن رشيق فذكر قول المتنبي:
ضربن إلينا بالسياط جهالة ... قلما تواقفنا ضربن بها عنا
في باب الطباق، فقال: "ضربن إلينا: مجيء إقدام، وقوله: ضربن بها عنا ذهاب فرار، وهما ضدان"- وهو كذلك ولكن كان ينبغي أن يذكر هذا في الباب الذي افرده لما اشترك فيه الطباق والجناس. إذ كلام المتنبي كما ترى ظاهره تكرار وباطنه طباق. وقد ذكر ابن رشيق صنوفا ظاهرها تكرار وباطنها طباق في ذلك الباب.
وقد زعم ابن رشيق أن الجرجاني "أظنه القاضي عبد العزيز لا عبد القاهر" (١) عد مقابلة أسماء الإشارة من باب الطباق، واستشهد بقول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل
стр. 802
وقد خطأه ابن رشيق في هذا. ونسب أبا تمام إلى الزلل في هذا البيت، اقتداء بالآمدي، وإن كان لم ينسبه إليه من الجهة التي نسبها الآمدي (١).
ومما عده ابن رشيق في الطباق مقابلة الألوان، وأورد قول الرماني في ذلك، ومن شواهده قول عمرو بن كلثوم:
بأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا
وقد سبق أن ذكرنا طرفًا من كلام الرماني في بيت الحسين بن مطير.
هذا، وقد انفرد ابن رشيق عن النقاد القدماء بحسب ما نعلم، بتخصيصه بابًا لما اشترك فيه التطبيق والتجنيس. قال (٢): من ذلك أن يقع في الكلام شيء مما يستعمل للضدين كقولهم "جلل" بمعنى صغير، و"جلل" بمعنى عظيم. فإن باطنه مطابقة، وإن كان ظاهره تجنيسًا. وكذلك الجون الأبيض والجون الأسود وما أشبه ذلك. وكذلك إن دخل النفي كما قدمت: قال البحتري:
يقيض لي من حيث لا أعلم الهوى ... ويسري إلي الشوق من حيث أعلم
أما القسم الثاني، فقد ذكرنا أنه يدخل في باب التكرار المحض، إذ ليس أعلم و"أعلم" جناسًا. وأحسب أن ابن رشيق استعمل كلمة جناس هنا بمعناها الواسع. وقد رأينا في معرض حديثنا عن التجنيس، ميله مع الرماني إلى إخراج أنواع التصرف منه. فعده التكرار جناسًا، هنا، من الغرائب.
стр. 803
أنواع الطباق
إذا نظرنا إلى الطباق من حيث طبيعته وذاته، فهو نوعان: نوع يكون بين الألفاظ المفردة، ونوع يكون بين مدلول التراكيب. فالذي يقع في الألفاظ المفردة فهو نحو التقابل (من حيث الضدية) بين الليل والنهار والباطن والظاهر، والظهر والبطن، ومن ذلك قول ابن المعتز: "هواي هوى باطن ظاهر"، وقول امرئ القيس: "زل عن بطن صخرة إلى ظهر أخرى" والتقابل هنا بين البطن والظهر والصخرة والأخرى، كأنه قال: إلى صخرة غيرها، وأنت تذكر قولنا في الطباق إنه على نية النفي الظاهر أو المضمر. والطباق بين المفردات يكون ملفوظًا مضمر النفي، كما في سائر الأضداد نحو البطن والظهر، وملفوظًا ظاهر النفي، وهذا يدخل في التكرار نحو "يعلم" و"لا يعلم"، وقد سبق الحديث عن هذا! ويكون ملحوظًا داخلا تحت عنصري الإضمار والإظهار، ومثال الإضمار قوله:
فإن تقتلونا في الحديد فإننا ... قتلنا أخاكم مطلقًا لم يكبل
فقوله "مطلقًا" مضاد لقوله "في الحديد" الملحوظ منه معنى المقيد، والمقيد ضد المطلق. ومثال الإظهار:
فإن يك أنفي زال عنه جماله ... فما حسبي في الصالحين بأجدعا
وهذا تكرار خفي بحسب ما قدمنا.
وطباق المفردات المحض شيء نادر لا يقع إلا في الكلام الإخباري المحض نحو: "هذا حلو حامض" أو "زل عن بطن صخرة إلى ظهر أخرى". وأنا في شك إن كان هذا الثاني غير داخل فيه تقابل التراكيب.
والنوع الثاني: هو الطباق الذي يقع بين مدلول التراكيب. ولا بد أن ينضوي تحت هذا طباق المفردات، ويكون واقعًا منه موقع التفصيل من الجملة. ومثال هذا
стр. 804
الطباق المركب قول كثير:
أمؤثرة الرجال علي ليلى ... ولم أوثر على ليلى النساء
فقوله: "أمؤثرة الرجال" "ولم أوثر" فيه طباق النقض والتكرار، وقوله "الرجال والنساء" فيه طباق الضدية. وهو وليلى -إن شئت- ضدان. وكل هذه الطباقات تفصيلية، واقعة في حيز الطباق المركب بين إيثاره ليلى على النساء، وإيثار ليلى للرجال عليه.
ومثال آخر قول حبيب:
فطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد
فطول المقام مضاد للاغتراب، ومخلق مضادة للتجدد. وهذه الطباقات التفصيلية واقعة في حيز الطباق الإجمالي المركب، وهو كون الإقامة مخلقة والاغتراب مجددًا.
ومثال آخر قول الغنوي:
لقد كان أما حلمه فمروح ... علينا وأما جهله فعزيب
فالحلم ضد الجهل. والمروح ضد العزيب، وهذه طباقات تفصيلية واقعة في حيز الطباق المركب، وهو كونه قريب الحلم منهم بعيد الجهل عنهم.
ولك إن شئت أن تقول: إن الطباق المركب هو ما أراده النقاد ائقدماء من لفظ المقابلة، أليس ابن رشيق يزعم أن أكثر ما تقع المقابلة في الطباق؟ وأنه ما جاوز الطباق ضدين إلا كان مقابلة؟ على أن رأي الأوائل في المقابلة يشينه اشتراطهم جواز الموافقة فيها، وهذا أمر أحق به التقسيم والموازنة. وقد فطن ابن رشيق لهذا حين
стр. 805
زعم "أن المقابلة بين الطباق والتقسيم" (١)، ويشينه أيضًا اشتراط أكثر من ضدين في الطباق فعلى رأيهم لا يكون قول زهير:
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا
من الطباق. لأنه لا يشمل على أكثر من ضدين هما "كذب" و"صدق". وعندي أن هذا البيت من خالص الطباق المركب، تفصيله الطباق الجزئي في الصدق والكذب، وإجماله الطباق الكلي الذي تراه في المقابلة، بين إحجام الليث عن الأقران، وإقدام الممدوح عليهم. ولهذا استشهد به الأصمعي حين ذكر الطباق. ألا ترى أنوضع الشاعر إقدام الممدوح، مكان إحجام الليث، يشبه كلام الأصمعي، حيث قال: إن المطابقة، أصلها من وضع الأيدي مكان الأرجل في مشي ذوات الأربع؟
هذا، وأحسب أننا بقولنا إن الطباق بين المفردات يكون تفصيلا لطباق أكبر يقع بين التراكيب، (لك أن تسمية بالمقابلة) قد ذهبنا مرة واحدة، إن شاء الله، بالخلط الكثير، والالتباس الذي كان يقع فيه النقاد عند الحديث عن المقابلة والطباق. اللهم إلا ما كان من نحو: "هذا حلو حامض"، وقول امرئ القيس:
"زل عن ظهر صخرة إلى بطن أخرى" (٢) والأول في النفس منه شيء، لأنه يوشك أن يكون طباقًا محضًا بين المفردات، لا ينضوي تحت طباق أكبر منه. أما الثاني فأرجح الآن أن فيه عنصر المقابلة، بين نزول الماء منحدرًا من ظهره صخرة، واستقراره في بطن أخرى- ومثل هذا يقع في أكث الطباقات المزدوجة التي ينظر فيها الشاعر إلى كلمة سابقة فيعمد إلى أخرى تناظرها في الوزن وفي الموضع من الكلام، فيجعلها بإزائها.
стр. 806
هذا، وإذا نظرنا إلى الطباق من جهة الداء، وجدناه أنواعًا ثلاثة، يسلك بها الشاعر إحدى طريقتين، إما الإخبار، ونعني بالخطابة: "المسلك الإنشائي المندفع، وبالأخبار المسلك التقريري المتأني.
أما النوع الأول، فهو طباق الازدواج. وهذا أكثر أنواع الطباق شيوعًا. وقد تجده متخللا في الأنواع الأخرى. والازدواج يكون إما بمراعاة وزن الكلمة العروضي أو الصرفي، وإما بمراعاة موضعها من الكلام، وإما بمراعاتها معًا. فمثال الأخير قول حبيب:
وأحسن من نور تفتحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المطالب
فقد جعل البياض بإزاء السواد، والعطايا إزاء المطالب وهي متضادة في المعنى، متساوية في الوزن العروضي والصرفي، متقابلة من حيث موضعها من الكلام. فالبياض مضافة إلى العطايا، والسواد مضاف إلى المطالب، وقل شبيهًا بذلك في العطايا والمطالب.
ومثال النوع الثاني، وهو التقابل في الموضع من الكلام من دون الموازنة العروضية أو الصرفية، قول حبيب أيضًا:
جاد الفراق بمن أضن بنأيه ... لمسالك الإتهام والإنجاد
والشاهد في "جاد، وأضن" فهما متقابلتان من حيث موضع التركيب، ولكنهما غير متوازنتين. أما الإتهام والإنجاد، فهما التقى فيه الموضع التركيبي والوزن الصرفي.
ومثال النوع الأول، قول أبي الطيب:
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد
стр. 807
فالسواد والبياض متوازنان من حيث العروض، وإن كان هذا التوازن غير تام، لمكان الألف واللام في السواد ويجيء التوازن في اللفظ والموضع أكثر ورودًا في الشعر من مجيئه في اللفظ وحده، ومجيئه في الموضع دون اللفظ أقل من الأول وأكثر من الثاني.
ولعل القارئ يرجع إلى ما قدمناه من الحديث عن الجناس الازدواجي، وقد قلنا هناك إنه تجانس الكلمات من حيث الوزن دون الحروف، مثل مصابيح ودنانير، ومجهود ونبراس- والوزن قد يكون صرفيًا كما في الأول، وعروضيًا كما في الثاني. فغن فعل ذلك، رأى قرب الصلة بين هذا الذي نسميه طباقًا ازدواجيًا متوازنًا في اللفظ، وذلك الذي سميناه جناسًا ازدواجيًا. والحق أن أمثال، سواد وبياض وإتهام وإنجاد، وطريف وتليد، مما يلتقي فيه الطباق والجناس. هذا الالتقاء كثيرٌ، لأن هذه الأصناف كثيرة في الكلام، ويعول الشعراء عليه في تقوية الجرس وإيجاد انسجام بين اللفظ والمعنى، أيما تعويل. وسنفصل الحديث عنه في باب الموازنة إن شاء الله.
هذا، والنوع الثاني من أنواع الأداء الطباقي، ما يقصد فيه الشاعر إلى تأكيد معنى، بأن يجمع بين أطرافه المتناقضة، مثل قول المتنبي:
ولكن ربهم أسرى إليهم ... فما نفع الوقوف ولا الذهاب
ولا ليل أجن ولا نهار ... ولا خيل حملن ولا ركاب
فالوقوف والذهاب، والليل والنهار، والخيل والركاب، جميعها أضداد. وقد جمعها الشاعر تحت حكم واحد، هو عدم النفع، ليؤكد ويظهر قوته.
وهذا النوع من الطباق، يلجأ ليه شعراء لدفع الشك والتأكيد المطلق.
ومثله قول جرير:
ويقضى الأمر حين تغيبب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود
стр. 808
فحكم عليهم بالضعف في جميع حالاتهم.
والشعراء الخطابي النزعة يكثرون من هذا النوع، والمتنبي من أكثر الشعراء تعاطيًا له، وهو بمذهبه أشبه ولا سيما في بحر الوافر، (وقد ذكرنا شدة طلب هذا البحر لرد المور بعضها على بعض، والإكثار من المطابقة الخطابية). ومن أمثلة شعر المتنبي فيه قوله:
أقمت بأرض مصرف لا ورائي ... تخب بي الركاب ولا أمامي
وملني الفراش وكان جنبي ... يمل لقاءه في كل عام
ومما يدخل في هذا النوع من الطباق، أن يعمد الشاعر على معنى يريد أن يطلق عليه حكما عاما. فيحكم عليه بنقيضه أو ضده، إغرابًا منه ومبالغة في تأكيد الحكم العام. مثال ذلك قول أبي الطيب:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرًا به الماء الزلالا
فالمراد هنا أن يقول: "يجد كل شيء مرًا" فحكم بالمرارة على الماء الزلال، وهو نقيضها، ليؤكد المعنى.
ومثل هذا قول جرير:
لئيم العالمين يسود تيما ... وسيدهم وإن كرهوا مسود
ومثله قوله أبي الطيب:
فلا تنلك الليالي إن أيديها ... إذا رمين كسرن النبع بالغرب
ولا يعن عدوا أنت قاهره ... فإنهن يصدن الصقر بالخرب
وقصده أن يدل على قوة الليالي وجبروتها، فاختار النقائض ليدلل بها على ذلك، وليدفع كل شك في الحكم الذي أصدره. ولعمري إن ما يسكر النبع بالغرب
стр. 809
ويصيد الصقر بالخرب، لا يعجزه شيء، وجدير أن يخاف العاقل من مكره.
والنوع الثالث من أنواع الأداء الطباقي، هو القياس، وذلك أن يعمد الشاعر إلى قضيتين متقابلتين، فيجمعهما معًا، بحيث يستنتج السامع منهما حكمًا. وقد تكون إحداهما هي النتيجة، والقضية الأولى أو الواسطة محذوفة. وقد تكون بينهما قضايا كثيرة محذوفة. ومثال ذلك قول حبيب:
إذا حدث القبائل ساجلوهم ... فإنهم بنو الدهر التلاد
فهنا قضيتان تؤديان إلى نتيجة هي أن أعداء الممدوحين لن ينتصروا عليهم. وبين هاتين القضيتين قضايا يمكن استخراجها في يسر. والنتيجة محذوفة، لكن لفظ القضيتين واضح الدلالة عليها.
ومثال آخر من شعره:
فطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد
وهنا، عندنا القضية الأولى، والنتيجة، والقضية الواسطة أشار إليها بلفظة "فاغتراب".
ومثال ثالث قوله:
ولكنني لم أحو وفرًا مجمعًا ... ففزت به إلا بشمل مبدد
ولم تعطني الأيام نوما مسكنا ... ألذ به إلا بنوم مشرد
والبيت الأول كأنه يريد أن يقول فيه: لا خير في مال يفرق بينك وبين أحبائك، أو يفرق شملك. وقد حذف هنا قضية واسطة مع النتيجة.
والبيت الثاني حذف فيه النتيجة، لدلالة قوله: "ألذ به" عليها. ويمكنك أن تقول إن قوله: "ففزت به" في البيت الأول يدل على النتيجة، وهي "لا فوز مع
стр. 810
تفريق الشمل". وعلى هذا يكون حذف النتيجة في البيتين لفظيًا لا حقيقيًا.
والغالب على مذهب أبي تمام، إما ذكر النتائج ومقدماتها، وإما حذفها بعد أن يحشد لها من القضايا ما يدل عليها. وهذا شبيه بمذهبه في التأني والتصنيع المحكم.
الخطابة والإخبار:
تظهر صيغة الخطابة في الطباق الازدواجبي حين يقرر الشاعر معيين متقابلين، أو يحمل واحدًا منهما على الآخر بقصد التأكيد والمبالغة، مثال الأول قول أبي الطيب:
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد
ومثال الثاني قوله:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
ويمكننا أن نجمل القول فنحكم بأن الطباق الازدواجي لا يتجلى فيه عنصر الخطابة، إلا إذا كان داخلا في حيز الطباق الذي يجمع بين النقائض، أو الطباق الذي يذهب مذهب القياس. وسنذكر تفصيل ذلك فيما بعد.
وتظهر صيغة الخبر في الطباق الازدواجي، إذا عمد الشاعر إلى تأكيد معنى بعرض مناقضه إلى جواره، وليس غرضه من غرض المناقض إلا إظهار المعنى الأول. كما في قول كعب الغنوي:
لقد كان أما حلمه فمروج ... علينا وأما جهله فعزيب
فكون جهله عزيبًا يؤكد كون حلمه مروحًا عليهم. والمزاوجة هنا عروضبة صرفية في الجهل والحلم، موضعية في المروح والغريب.