هذا، وإذا نظرنا إلى الطباق من جهة الداء، وجدناه أنواعًا ثلاثة، يسلك بها الشاعر إحدى طريقتين، إما الإخبار، ونعني بالخطابة: "المسلك الإنشائي المندفع، وبالأخبار المسلك التقريري المتأني.
أما النوع الأول، فهو طباق الازدواج. وهذا أكثر أنواع الطباق شيوعًا. وقد تجده متخللا في الأنواع الأخرى. والازدواج يكون إما بمراعاة وزن الكلمة العروضي أو الصرفي، وإما بمراعاة موضعها من الكلام، وإما بمراعاتها معًا. فمثال الأخير قول حبيب:
وأحسن من نور تفتحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المطالب
فقد جعل البياض بإزاء السواد، والعطايا إزاء المطالب وهي متضادة في المعنى، متساوية في الوزن العروضي والصرفي، متقابلة من حيث موضعها من الكلام. فالبياض مضافة إلى العطايا، والسواد مضاف إلى المطالب، وقل شبيهًا بذلك في العطايا والمطالب.
ومثال النوع الثاني، وهو التقابل في الموضع من الكلام من دون الموازنة العروضية أو الصرفية، قول حبيب أيضًا:
جاد الفراق بمن أضن بنأيه ... لمسالك الإتهام والإنجاد
والشاهد في "جاد، وأضن" فهما متقابلتان من حيث موضع التركيب، ولكنهما غير متوازنتين. أما الإتهام والإنجاد، فهما التقى فيه الموضع التركيبي والوزن الصرفي.
ومثال النوع الأول، قول أبي الطيب:
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد
стр. 807
فالسواد والبياض متوازنان من حيث العروض، وإن كان هذا التوازن غير تام، لمكان الألف واللام في السواد ويجيء التوازن في اللفظ والموضع أكثر ورودًا في الشعر من مجيئه في اللفظ وحده، ومجيئه في الموضع دون اللفظ أقل من الأول وأكثر من الثاني.
ولعل القارئ يرجع إلى ما قدمناه من الحديث عن الجناس الازدواجي، وقد قلنا هناك إنه تجانس الكلمات من حيث الوزن دون الحروف، مثل مصابيح ودنانير، ومجهود ونبراس- والوزن قد يكون صرفيًا كما في الأول، وعروضيًا كما في الثاني. فغن فعل ذلك، رأى قرب الصلة بين هذا الذي نسميه طباقًا ازدواجيًا متوازنًا في اللفظ، وذلك الذي سميناه جناسًا ازدواجيًا. والحق أن أمثال، سواد وبياض وإتهام وإنجاد، وطريف وتليد، مما يلتقي فيه الطباق والجناس. هذا الالتقاء كثيرٌ، لأن هذه الأصناف كثيرة في الكلام، ويعول الشعراء عليه في تقوية الجرس وإيجاد انسجام بين اللفظ والمعنى، أيما تعويل. وسنفصل الحديث عنه في باب الموازنة إن شاء الله.
هذا، والنوع الثاني من أنواع الأداء الطباقي، ما يقصد فيه الشاعر إلى تأكيد معنى، بأن يجمع بين أطرافه المتناقضة، مثل قول المتنبي:
ولكن ربهم أسرى إليهم ... فما نفع الوقوف ولا الذهاب
ولا ليل أجن ولا نهار ... ولا خيل حملن ولا ركاب
فالوقوف والذهاب، والليل والنهار، والخيل والركاب، جميعها أضداد. وقد جمعها الشاعر تحت حكم واحد، هو عدم النفع، ليؤكد ويظهر قوته.
وهذا النوع من الطباق، يلجأ ليه شعراء لدفع الشك والتأكيد المطلق.
ومثله قول جرير:
ويقضى الأمر حين تغيبب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود
стр. 808
فحكم عليهم بالضعف في جميع حالاتهم.
والشعراء الخطابي النزعة يكثرون من هذا النوع، والمتنبي من أكثر الشعراء تعاطيًا له، وهو بمذهبه أشبه ولا سيما في بحر الوافر، (وقد ذكرنا شدة طلب هذا البحر لرد المور بعضها على بعض، والإكثار من المطابقة الخطابية). ومن أمثلة شعر المتنبي فيه قوله:
أقمت بأرض مصرف لا ورائي ... تخب بي الركاب ولا أمامي
وملني الفراش وكان جنبي ... يمل لقاءه في كل عام
ومما يدخل في هذا النوع من الطباق، أن يعمد الشاعر على معنى يريد أن يطلق عليه حكما عاما. فيحكم عليه بنقيضه أو ضده، إغرابًا منه ومبالغة في تأكيد الحكم العام. مثال ذلك قول أبي الطيب:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرًا به الماء الزلالا
فالمراد هنا أن يقول: "يجد كل شيء مرًا" فحكم بالمرارة على الماء الزلال، وهو نقيضها، ليؤكد المعنى.
ومثل هذا قول جرير:
لئيم العالمين يسود تيما ... وسيدهم وإن كرهوا مسود
ومثله قوله أبي الطيب:
فلا تنلك الليالي إن أيديها ... إذا رمين كسرن النبع بالغرب
ولا يعن عدوا أنت قاهره ... فإنهن يصدن الصقر بالخرب
وقصده أن يدل على قوة الليالي وجبروتها، فاختار النقائض ليدلل بها على ذلك، وليدفع كل شك في الحكم الذي أصدره. ولعمري إن ما يسكر النبع بالغرب
стр. 809
ويصيد الصقر بالخرب، لا يعجزه شيء، وجدير أن يخاف العاقل من مكره.
والنوع الثالث من أنواع الأداء الطباقي، هو القياس، وذلك أن يعمد الشاعر إلى قضيتين متقابلتين، فيجمعهما معًا، بحيث يستنتج السامع منهما حكمًا. وقد تكون إحداهما هي النتيجة، والقضية الأولى أو الواسطة محذوفة. وقد تكون بينهما قضايا كثيرة محذوفة. ومثال ذلك قول حبيب:
إذا حدث القبائل ساجلوهم ... فإنهم بنو الدهر التلاد
فهنا قضيتان تؤديان إلى نتيجة هي أن أعداء الممدوحين لن ينتصروا عليهم. وبين هاتين القضيتين قضايا يمكن استخراجها في يسر. والنتيجة محذوفة، لكن لفظ القضيتين واضح الدلالة عليها.
ومثال آخر من شعره:
فطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد
وهنا، عندنا القضية الأولى، والنتيجة، والقضية الواسطة أشار إليها بلفظة "فاغتراب".
ومثال ثالث قوله:
ولكنني لم أحو وفرًا مجمعًا ... ففزت به إلا بشمل مبدد
ولم تعطني الأيام نوما مسكنا ... ألذ به إلا بنوم مشرد
والبيت الأول كأنه يريد أن يقول فيه: لا خير في مال يفرق بينك وبين أحبائك، أو يفرق شملك. وقد حذف هنا قضية واسطة مع النتيجة.
والبيت الثاني حذف فيه النتيجة، لدلالة قوله: "ألذ به" عليها. ويمكنك أن تقول إن قوله: "ففزت به" في البيت الأول يدل على النتيجة، وهي "لا فوز مع
стр. 810
تفريق الشمل". وعلى هذا يكون حذف النتيجة في البيتين لفظيًا لا حقيقيًا.
والغالب على مذهب أبي تمام، إما ذكر النتائج ومقدماتها، وإما حذفها بعد أن يحشد لها من القضايا ما يدل عليها. وهذا شبيه بمذهبه في التأني والتصنيع المحكم.
الخطابة والإخبار:
تظهر صيغة الخطابة في الطباق الازدواجبي حين يقرر الشاعر معيين متقابلين، أو يحمل واحدًا منهما على الآخر بقصد التأكيد والمبالغة، مثال الأول قول أبي الطيب:
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد
ومثال الثاني قوله:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
ويمكننا أن نجمل القول فنحكم بأن الطباق الازدواجي لا يتجلى فيه عنصر الخطابة، إلا إذا كان داخلا في حيز الطباق الذي يجمع بين النقائض، أو الطباق الذي يذهب مذهب القياس. وسنذكر تفصيل ذلك فيما بعد.
وتظهر صيغة الخبر في الطباق الازدواجي، إذا عمد الشاعر إلى تأكيد معنى بعرض مناقضه إلى جواره، وليس غرضه من غرض المناقض إلا إظهار المعنى الأول. كما في قول كعب الغنوي:
لقد كان أما حلمه فمروج ... علينا وأما جهله فعزيب
فكون جهله عزيبًا يؤكد كون حلمه مروحًا عليهم. والمزاوجة هنا عروضبة صرفية في الجهل والحلم، موضعية في المروح والغريب.
стр. 811
ونحو من هذا قول حبيب:
طال الظلام أم اعترته وحشة ... فاستأنست لوعاته بسهادي؟
فذكر استئناس لوعات الظلام بسهاد الشاعر، يؤكد معنى قوله: "اعتريه وحشة". والمزاوجة هنا موضعية، لأن "فاستأنست" مناظرة لقوله: "اعترته وحشة".
ومن هذا القري قوله أيضًا.
بياض العطايا في سواد المطالب
وقد أرب الشاعر هنا إذ أدخل الطباق في حيز التشبيه، لأنه افتعل زهرة خارجها المطالب السود، وباطنها العطايا البيض، وجعل ذلك مشبها للنور الذي تفتحه الصبا. وسواد المطالب يؤكد بياض العطايا.
والطباق الذي يعمد فيه الشاعر إلى الجمع بين النقيضين في حكم واحد، أو حمل أحدهما على الآخر، خطابي المنحى من جوهره وسنخه، ويزيد لونه الخطابي وقوع التزواج فيه، مثل قول أبي الطيب:
ولكن ربهم أسرى إليهم ... فما نفع الوقوف ولا الذهاب
وقوله:
فصبحهم وبسطهم حرير ... ومساهم وبسطهم تراب
والحرير والتراب كما ترى متوازنان. والتراب نقيض للحرير، وحمله الشاعر عليه ليؤكد معنى الإدقاع، إذ من يبسط التراب ويتوسده، حري ألا يكون عنده الصوف أو القطن، بله الحرير، وحري ألا يكون عنده شيء.
ويجري هذا المجرى قوله:
ومن فيكففه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضاب
стр. 812
أي صار ذكرهم كالأنثى من العجز، وهذا كمثل قوله "يحهد مرا به الماء الزلالا" ومجيء الطباق الازدواجي مع هذا النوع النقيضي من الطباق، لا يعني الخطابة ضربة لازب. ومع أن هذا النوع تغلب عليه الخطابة وهي من جوهره، يقع إيراده على أسلوب الخبر، كثيرًا عند الشعراء المتأنين، وأكثر ما يفعلون ذلك بأن يقدموا الحكم، ثم يفرعوا عليه بذكر النقائض، هب، مثلا، أبا الطيب لم يقل:
ولكن ربهم أسرى إليهم ... فما نفع الوقوف ولا الذهاب
ولم يقل:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
ولم يقل:
فصبحهم وبسطهم حرير ... ومساهم وبسطهم تراب
ولكن قال:
ولكن ربهم أسرى أليهم فما انتفعوا بشيءـ لم يغن عنهم الوقوف ولم يغن عنهم الذهاب.
وقال:
ومنا يك ذا فم مريض يجد كل شيء مرا، حتى الماء الزلال.
وقال:
فصبحهم وهم أغنياء بسطهم الحرير، ومساهم وهم فقراء ليس عندهم شيء ولا بساط لهم إلا التراب.
لو كان قال هذا، لكان أسلوبه قد انتقل من الخطابة إلى الإخبار. ومثل هذا
стр. 813
الإخبار قد يبدو خطابيًا في النثر، ولكنه ليس بخطابي في الشعر، أروحه الخطابي ضعيف جدًا، على أقصى تقدير، ومثال ذلك قول حبيب:
وصيروا الأبرج العليا مرتبة ... ما كان منقلبًا أو غير منقلب
فقد سبق له تقديم أنهم صيروا الكواكب جميعها، والنجوم كلها مرتبة. ثم ذكر المنقلب وغير المنقلب تفريعًا على ذلك. وهذا كما ترى من طباق التكرار.
ومثل قوله:
بكر فما افترعتها كف حادثة ... ولا ترقت إليها همة النوب
فقد قدم أنها بكر، وذكر الافتراع بعد ذلك تفريعًا.
ومثل قوله:
وحشية ترمي القلوب إذا اغتدت ... وسنى فما تصطاد غير الصيد
لا حزم عند مجرب فيها ولا ... جبار قوم عندها بعنيد
فقد قدم أنها تصطاد الصيد، والبيت الثاني تعقيب وتفصيل. ولو كان المتنبي أراد هذا المعنى لاختصره وقال مثلا: "إذا نظرت هذه الوحشية، قهرت الأصيد والمجرب والجبار" بل لعله كان يقول: "قهرت الجبار" ويكتفي بذلك، حاملا الجبروت على نقضيه القهر.
وأحسب أنك قد تبينت موضع المزاوجة الموضعية في البيت الثاني. ومع هذا، فإن ذلك لم يخرج البيت في جملته عن مذهب الإخبار.
وهنا، ينبغي أن ننبه على أن الخطابة والإخبار في هذا الباب خاضعان إلى مدى بعيد لعامل النسبية. فكلام أبي تمام المذكور، خطابي إن قيس إلى ما هو أشد تأنيًا وتأتيًا من كلامه الوارد في البحور المتريثة. ولكن خبري بالقياس إلى جرير
стр. 814
والمتنبي. ثم لا ننسى أن الطباق في جملته وتفصيله ينحو منحى الخطابة. فتقسيمنا له إلى ذي خطابة وذي إخبار تقسيم فرعي، وكأنما نريد أن نقول: خطابي خطابي، وخطابي خبري. وإذا وضح هذا من مذهبنا، فإن القارئ لن يلقى عنتًا في التوفيق بينه وبين ما سبق لنا تقديمه بمعرض الكلام عن ألوان بحور الشعر.
هذا، والطباق القياسي يكون خبري المذهب، إذ ذكر الشاعر فروع القضايا ووضح المقدمات، مثل قول أبي تمام:
فطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد
فكأنه أراد أن يلقي بالنتيجة "اغترب تتجدد" ثم توهم سؤالا "لماذا؟ " فأورد البرهان: "لأن طول المقام مخلق". فهذا الكلام واضح المقدمات والبراهين كما ترى. وكأن أبا تمام لم يكتف بما ذكره في البيت، فأردفه بآخر، وهو قوله:
فأني رأيت شمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
ومثال آخر قوله:
أعطي ونطفه وجهي في قرارتها ... تصونها الوجنات النضرة القشب
لا يكرم الظفر المعطى وإن أخذت ... به الرغائب حتى يكرم الطلب
فالمقدمات والنتائج واضحة هنا.
ومثال ثالث قوله:
كانت لنا ملعبًا نلهو بزخرفه ... وقد ينفس عن جد الفتى اللعب
فالنتيجة هنا جزئية، وقدم لها الشاعر ما يناسبها.
ويظهر المذهب الخطابي في الطباق القياسي حين يختصر الشاعر المقدمات،
стр. 815
ويختزل البراهين، وهذا مذهب المتنبي، وقد كان جسورًا، يطلب لنهج الواضح، ودفع الشك، والبت وطرح التردد. خذ قوله:
أرى المتشاعرين غروا بذمي ... ومن ذا يحمد الداء العضالا
وازن بين هذا، وكلام أبي تمام الأول. تجد أن المتنبي حذف كثيرًا، واختصر المقدمات اختصارًا، وفعل مثل ذلك في النتائج، وأثبت في ذهنك أمرًا واحدًا هو أنه داء عضال بالنسبة إلى المتشاعرين. وهذا الوسيط المهم بين القضية الأولى والقضية الثانية حذفه اقتدارًا من هو ثقة أنك ستعرفه. ثم لا تنس أن هذا الوسيط المحذوف، هو المقصود من كلام المتنبي، دون القضية الأولى والنتيجة. وهذا منه غاية الحذق، ثم إنه لما أردف البيت السابق بآخر، هو قوله:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
لم يفعل هذا من أجل البرهان كما فعل أبو تمام في قوله: "فإني رأيت الشمس زيدت محبة"- وإنما فعل ذلك من أدل التأكيد والمبالغة. ألا تراه كأنما أراد أن يقول لكفي البيت الأول: "أنا داء عضال على المتشاعرين، فلذلك يذمونني"؛ ثم أردف هذا بقوله: "وقد أمرضتهم، فهم يجدون حلاوة كلامي مرة". وهذا تأكيد لكونه داء عضالا؟ ولعل هذا الشرح لكلام المتنبي يوضح مواضع الحذف فيه. ولو قد جاء حبيب به لجاء به مشروحًا هكذا. وقد أنصف المقاد القدماء حين شبهوا أبا تمام بالقاضي العدل، الذي يريد أن ينصف، فيضع كل شيء مواضعه، ولا يسلم من تشكك، وحين شبهوا المتنبي بالشجاع الفاتك الذي يهجم على ما أراده ويخطفه.
وهاك مثالا آخر من شعر المتنبي، قوله:
أشد الغم عندي في سرور ... تيقن منه صاحبه انتقالا
فاجعل هذا بإزاء قول أبي تمام إن الظفر لا يكرم حتى يكون الطلب كريمًا،
стр. 816
وانظر كيف حذف أبو الطيب المقدمات، وفصلها حبيب، وتفصيل حبيب مع أنه يقصد إلى دفع الشك، يصحبه لون من الشك، يجعل النتيجة التي يحصل عليها السامع من كلامه جزئية لا كلية، وهي قولك إن بعض الظفر غير كريم، وذلك حين لا يكون الطلب كريمًا. بينما تجد المتنبي يدفع عنك الشك مرة واحدة، بحذف المقدمات، ويلقي إليك النتيجة كلية، وهي أن كل سرور يصحيه تيقن بالانتقال غم شديد، أو هو أشد الغم.
وانظر في هذا المثال من شعر المتنبي:
وكم ذنبٍ مولده دلال ... وكم بعد مولده اقتراب
وجرم جره سفهاء قوم ... وحل بغير جازمه العقاب
ومحل الشاهد: البيت الأول، وأنما ذكرنا الثاني للتتميم. فانظر فيه، وقسه إلى جانب قول حبيب:
كانت لنا ملعبًا نلهو بزخرفه ... وقد ينفس عن جد الفتى اللعب
فكلا القضيتين جزئية النتيجة. ولكن أبا تمام يذكر المقدمات، والمتنبي يلقي بالنتيجة إلقاء، ويترك لك أن تحدس ما مقدماتها، وهذا شأنه في أكثر القضايا الجزئية، كأنما كان يستكثر أن ينفق في توضيحها جهدًا.
كلمة عن الطباق:
يزعم النقاد أن الطباق كان قليلا عند الأوائل، قلة الجناس التام والمورى والمتشابه، وما هو من قري ذلك من ضروب الصناعة. وهذا زعم باطل فيما أرى. وما عليك إلا أن تتصفح دواوين القدماء لتتحقق من صدق ما أقول. وأسوق ليك، على
стр. 817
سبيل التمثيل، لا الحصر، هذه الأدلة - خذ قول امرئ القيس مثلًا (١):
تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعًا صبر
إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قرّ (٢)
تروح من الحي أم تبتكر ... وماذا عليك بأن تنتظر (٣)
أمرخ خيامهم أو عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر
وفيمن أقام من الحي هر ... أم الظاعنون بها من الشطر
وهر تصيد قلوب الرجال ... وأفلت منها ابن عمرو حجر
فالبيت الثاني فيه الطباق بين الأرض واليوم، والتحرق القر، والمقابلة بين تحرق الأرض وبرد اليوم؛ وفي البيت الثاني الطباق بين الرواح والابتكار، ثم طباق آخر غاية في الحذق بين قوله: "أأنت مسافر، رائح أم مغتد"، وقوله: "وماذا عليك بأن تنتظر"، وكأنه يريد أن يقول: "ألا تقيم؟ ". وشبيه بهذا في قوله: "أمرخ خيامهم الخ"، إذ معناه: أهم مقيمون ضاربون الخيام، وهذه الخيام أهي مرخ؟ والسؤال عن نوعها إنما هو في الحق كناية عن السؤال بإقامتهم. ويقابل هذا قوله: أم القلب في إثرهم منحدر، وهو كناية عن السؤال بسفرهم. ولذلك لم يقل "أم عشر"،
стр. 818
ولكن وقال: "أو عشر". وقد فسر هذا كله في البيت الثاني حيث صرّح قائلًا، أهرٌّ فيمن أقام، أم هي ظاعنة مع الذين ظعنوا؟ والشُّطُر: جمع شطير، أي مشطور، أي مشقوق عن أهله، ومُبعد عن أحبابه. والطباق بين الظعن والإقامة واضح هنا. وكذلك في البيت الذي يليه تجد الطباق واضحًا بين الإفلات والصيد. فتأمل هذا -ألا تجد أمرؤ القيس -وقد أجمعوا على أنه أبعد الناس عن التصنيع- قد صنع في كل بيت من هذه الأبيات التي رويناها طباقًا تصحبه مقابلة؟ ومما أستحسن هذه الأبيات أجدني لا أكاد أملك النفس من إنشاد هذا الجزيء الرفيع المتصل بها:
رمتني بسهم أصاب الفؤاد ... غداة الرحيل فلم أنتصر
فأسبل دمعي كفض الجمان ... أو الدر رقراقه المنتشر
أي رقراقه كالجمان المفضوض.
وإذ هي تمشي كمشي النزيف يصرعه بالكثيب البهر (١)
برهرهة رودة رخصة ... كخرعوبة البانة المنفطر (٢)
وتأمل موضع الجناس من قوله "البهر برهرهة، رودة الخ".
فتور القيام، قطيع الكلا ... م تفتر عن ذي غرب خصر (٣)
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامي ونشر القطر (٤)
يعل به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المستحر (٥)
стр. 819
فبت أكابد ليل التما ... م والقلب من خشية مقشعر
فلما دنوت تسديتها ... فثوب نسيت وثوب أجر
ولم يرنا كاليء كاشح ... ولم يفش منا لدى البيت سر
والبيتان الأخيران قد جاء فيهما بالطباق. وللنحويين وقفة عند قوله: "فثوبٌ" هكذا بالرفع، وهو مما يستشهدون به على جواز الابتداء بالنكرة، ولك أن ترويه بالنصب وقد روي به هكذا: "وثوبًا نسيت". وهذه الأبيات أحلى عندي نفسًا، وأدل على النشوة والمتعة من تفصيله في اللاميتين. وأحسب أن البيت الأخير يدل على أنه لم يتجاوز فيما ظفر به من محبوبته حد العفاف، وإلا فلا معنى لقوله "لدى البيت" ألا ترى إنما مراده أن يقول: "لم يرنا كاليء كاشحٌ، ولو قد رآنا لوجدنا على حال العفاف، ".
هذا، ودونك مثلًا آخر من كلام طرفة، وهو ممن أجمعوا على بعده عن الصناعة
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي ... فدعني إبادرها بما ملكت يدي
فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزيد
وكري إذا نادى المضاف محنبا ... كسيد الغضى نبهته المتورد (١)
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكتة تحت الخباء المعمد
كأن البرين والدماليج عُلقت ... على عشر أو خروع لم يخضد
فذرني أروي هامتي هي حياتها ... مخافة شرب في الممات مصرد
كريم يروي نفسه في حياته ... ستعلم إن متنا غدًا أينا الصدى
стр. 820
أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوى في البطالة مفسد (١)
ترى جثوتين من تراب عليهما ... صفائح صم من صفيح منضد
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد
فالبيت الأول فيه طباق واضح بين "دفع منيتي" و"أبادرها". والثاني طباقه خفي، بين العيشة والموت الذي كنى عنه بقيام العود. والبيت الثامن والتاسع كلاهما فيهما طباق ظاهر عند قوله: "أروى" و"مصرد" و "في حياتها" و "في الممات" وعند قوله: "يروي نفسه"، "الصدى" و "في حياته"، و "إن متنا غدًا" والمقابلة في كل هذا، ظاهرة وخفيه، ناصعة واضحة، والبيت العاشر فيه مطابقة البخيل النحام، والغوى المفسد. في القصيدة بعد أمثلة طباقية أوضح من هذا، نحو:
"متى إدن منه ينأ عني ويبعد"
ونحوه:
"وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي"
وقوله: "طريف ومتلدي" هنا من باب الطباق اللفظي المحض، كالذي في "حلو حامض، " لأن معناه، مالي جميعه، كما معنى ذلك "مز".
هذا، ودونك مثالًا ثالثًا من طباق الجاهلين، وللنابغة (٢)، وهو ممن حكموا له بالطبع والبعد عن التكلف والصناعة:
كتمتك ليلًا بالجمومين ساهرًا ... وهمين همًّا مستكنًا وظاهرًا
أحاديث نفس تشتكي ما يريبها ... وورد هموم لن يجدن مصادرًا
تكلفني أن يفعل الدهر همها ... وهل وجدت قبلي على الدهر قادرًا
стр. 821
ألم تر خير الناس أصبح نعشه ... على فتية قد جاوز الحي سادرا
ونحن لديه نسأل الله خلده ... يُرد لنا ملكًا وللأرض عامرا
ونحن نرجي الخلد إن فاز قدحنا ... ونرهب قدح الموت إن جاء قامرا
لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا ... وأصبح جد الناس يظلع عاثرا
وردت مطايا الراغبين وعريت ... جيادك لا يخفي لها الدهر حافرا
فموضع المطابقة في هذه الأبيات واضح. أما البيتان الأول والثاني ففيهما المطابقة اللفظية البينة، بين المستكن والظاهر، والورد والمصدر. وفي البيت الثالث مقابلة معنوية، أحد طرفيها تكليفها له بالقدرة على الدهر وتكليفه التكاليف، والطرف الأخير عجز كل إنسان عن ذلك. وبين البيتين الرابع والخامس مقابلة معنوية. وفي السادس طباق بين "فاز" وجاء "قامرا".
هذا، وأقف عند هذه الأبيات قليلًا، لشدة ما تعجبني. وقد وجدت بعض الشراح يفسرون النعش بالمحفة، أعني في قوله:
ألم تر خير الناس أصبح نعشه ... على فتية قد جاوز الحي سادرا
وعندي أن هذا بعيد. وإنما أراد الشاعر بالنعش، مدلول هذا اللفظ الظاهر وقد عجبت طويلًا للنابغة يذكر موت النعمات في أول الشعر، ثم يعود بعد ذلك ويعتذر له اعتذارًا يُفهم منه أنه يخاطب حيًا؟ وإذن فما الذي جسره على ذكر الموت في مثل ذلك المقام؟ وهل كان يجدر به وهو يعتذر ويرجو العفو، أن يذكر للملك ما عسى أن يكدر عليه؟ ألم يعب النقاد على أبي نواس أنه استهل قصيدة في مدح البرامكة بما يشعر بالشؤم، وعدّوا ذلك من البراهين على أنه كان منحرفًا عنهم؟ ألم يرووا أن الفضل بن يحيى، أو جعفر بن يحيى تطير بغناء المغني:
فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يبرح أو يغادي
وكل ذخيرة لا بد يومًا ... وإن غبرت تصير إلى نفاد
стр. 822
أترى النعمان يخرج عن سنة التطير والتفاؤل التي درج عليها قومٌ بعده، ممن هم أرقى، وأبعد في الحضارة، وأجدر ألا يتأثروا بالخرافات الوثنية؟ -هذا على أنه كان ملكًا في الرقعة التي كان فيها ملك بابل، مهد السحر، وأرض هاروت وماروت.
والذي أراه أن النابغة أراد أن يستثير جانب الرقة من النعمان، فذكره بالموت؟ وربط هذه الذكرى بما يمكنه هو له من الودّ والمقة وكأنه أراد أن يقول له: أيها النعمان، هبني أتيت الحيرة، فلم أجدك، ولكن وافيت نعشك محمولًا على الأعناق؟ ماذا تراني كنت فاعلًا؟ أكنت أبكي وأرثي وأشجي، أم كنت أشمت كما سيشمت أعداؤك؛ وكأنه طلب من النعمان أن يحتكم إلى خويصة ضميره فإن كان يجد في هاجس نفسه أن النابغة مذنب يستحق العذاب، وعدو لا هوادة عنده، فليفعل ما شاء. أما إن وجد نفسه تخبره بصدق النابغة، فلا سبيل إلا العفو، وجليّ أن النابغة كان صادقًا نبيلًا حرّ النفس حين قال ما قال. وعندي أن هذا من أبلغ ما قيل في الاعتذار، وأصحه وأدله على صفاء النفس، وخلو الجانب من الملامة. وهو يشعر كما ترى، بأن النابغة لم يكن -حين اعتذر إلى النعمان- طالب دنيا وجاه، وإنما كان طالب ود، وعلاقة. وهذه الأبيات من خير ما يفصح بجلية ذلك.
وأحسب أن في الأمثال التي ذكرتها لك أيها القارئ الكريم، نضّر الله ساعتك بالرفة والنعمة، محسبًا، ودليلًا قاطعًا على أن الجاهلين كانوا يكثرون من تعاطي الطباق. وإن رمت أن أعزز لك هذا بأمثلة من شعر الإسلاميين الأولين، فدونك هذه الأبيات من شعر قيس (١) بن ذريح:
إذا خدرت رجلي تذكرت من لها ... فناديت لبنى باسمها ودعوت
دعوت التي لو أن نفسي تطيعني ... لفارقتها من حبها وقصيت
стр. 823
برت نبلها للصيد لبنى وريشت ... وريشت أخرى مثلها وبريت
لما رمتني أقصدتني بسهمها ... وأخطأتها بالسهم حين رميت
وفارقت لبنى ضلة فكأنني ... قرنت إلى العيوق ثم هويت
فيا ليت أني مت قبل فراقها ... وهل ترجعن فوت القضية ليت
فصرت وشيخي كالذي عثرت به ... غداة الوغى بين العداة كميت
فقامت ولم تضرر هناك سوية ... وفارسها بين السنابك ميت
فإن يك تهيامي بلبنى غواية ... فقد يا ذريح بن الحباب غويت
فلا أنت ما أملت في رأيته ... ولا أنا لبنى والحياة حويت
فوطن لهلكي منك نفسًا فإنني ... كأنك بي قد يا ذريح قضيت
وأكثر هذه الأبيات كما ترى يدخله الطباق والمقابلة. ونحو ذلك قوله من أخرى (١):
تكاد بلاد الله يا أم معمر ... بما رحبت يومًا على تضبيق
تكذبني بالود لبنى وليتها ... تكلف مني مثله فتذوق
وهذا من لطيف الكلام وبارعه، لأنه بعلم أنها كانت تلقى منه، كما كان يلقى منها ولو كان غير حاذق، لقال مثلًا: ترى مثله من مثلنا فتذوق.
ولو تعلمين الغيب أيقنت أنني ... لكم والهدايا المشعرات صديق
وهذا موضع الطباق والمقابلة، مع تكذيبها إياه.
تتوق إليك النفس ثم أردها ... حياءً ومثلي بالحياء حقيق
أذود سوام النفس عنك وماله ... إلى أحدٍ إلا إليك طريق
стр. 824
وفي البيت الأول مطابقة بين أن يتوق وأن يرد، وهي نفسها مكررة بلفظ آخر في البيت الثاني.
وإني وإن حاولت صرمي وهجرتي ... عليك من أحداث الردى لشفيق
وهذا البيت يعزز ما ذكرناه آنفًا في تفسير كلام النابغة، وهو يعتذر إلى النعمان. ألا ترى أن ابن ذريح يؤكد لها حبه إياها بأنه يشفق من أن تموت، وكأنه يريد أن يقول لها، كما أراد النابغة أن يقول للنعمان، دعي كل هذا الصدود، وانظري هل يغمني.
ولم أر أيامًا كأيامنا الألى ... مررن علينا والزمان أنيق
ووعدك إيانا، وإن قلت عاجل، ... بعيد كما قد تعلمين سحيق
وحق النحو هنا أن يقول: فهو يعيد كما قد تعلمين ولكنه حمله على أول الكلام.
وحدثني يا قلب أنك صابر ... على البين من لبنى فسوف تذوق
أي فسوف تذوق الجزع، الذي هو نقيض الصبر.
فمت كمدا أو عش سقيمًا فإنني ... بها مغرم صب الفؤاد مشوق
ويقول قيس من أخرى (١).
أتبكي على لبنى وأنت تركتها ... وكنت كآت حنفه وهو طائع
فيا قلب صبرًا واعترافا بحبها ... ويا حبها قع بالذي أنت واقع
ويا قلب خبرني إذا شطت النوى ... بلبنى وبانت عنك ما أنت صانع
стр. 825
أتصبر للبين المشت على الجوى ... أم أنت امرؤ ناسي الحياة فجازع
كأنك بدع لم تر الناس قبلها ... ولم يطلعك الدهر فيما يطالع
فليس محب دائما لحبيبه ... ولا ثقة إلا له الدهر فاجع
كأن بلاد الله، ما لم تكن بها، ... -وإن كان فيها الناس- وجش بلا قع
فما أنت إذ بانت لبيني بهاجع ... إذا ما اطمأنت بالنيام المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهم بالليل جامع
نهاري نهار الناس حتى إذا بذا ... لي الليل هزتني إليك المضاجع (١)
ولعلك تكون قد لمحت هنا موضع الإيطاء، وقد ذكرنا لك أن مثل هذا كان يجيء من الشعراء القدماء، ولا يلتفتون إليه.
لقد رسخت في القلب منك محبةٌ ... كما رسخت في الراحتين الأصابع
أحال على الهم من كل جانب ... ودامت فلم تبرح على الفواجع
ألا إنما أبكي لما هو واقع ... فما جزعي من وشك ذلك نافع
وهنا مقابلة معنوية خفية جدًا. وهي أنه بالجزع يحاول أن يدفع ما سيقع، وليس ذلك بنافع.
وقد كنت أبكي والنوى مطمئنة ... بنا وبكم من علم ما البين صانع
وقوله: "والنوى مطمئنة" ضد لقوله: "البين" كما ترى.
وأشفق من هجرانكم وتروعني ... مخافة وشك البين والشمل جامع
فما كل ما منتك نفسك خاليًا ... تلاقي، ولا كل الهوى، أنت تابع
وأقف قليلًا عند هذا البيت، فهو عندي من آيات الوجدان، لأنه يدل على أن قيسًا
стр. 826
قيسًا بالرغم من حبه الشديد للبنى قد حاول أن يتسلى عنها بغير هاثم هو لم يخل من وجد وكلف ببعض من رام ودادهن سواها. إلا أن شبح ذلك الود كان يكنه لها، وشبح تلك الألفة التي كانت بينه وبينها، وشبح ما شاع بين الناس من غرامه بها، وانصرافه إليها، كل ذلك كان يحول بينه وبين أن يزيغ هوى جديدًا، يتسلى به عن هواه القديم الذي قد أخفق.
لعمري لمن أمسي ولبنى ضجيعه ... من الناس ما اختيرت عليه المضاجع
هذا البيت يؤكد المعنى الذي ذهبنا إليه قبلًا. ألا ترى أن الشاعر يريد أن يوضح لك فيه سبب انصرافه عن كل ما منته نفسه خاليا، ويبرر سبب انصرافه عن كل الهوى؟ ألا تراه هذا البيت أنه لا يزال يطلب لبنى، وأنه عليها غيور حريص؟
فتلك لبيني قد تراخى مزارها ... وتلك نواها غربة ما تطاوع
وليس لأمر حاول الله جمعه ... مشت ولا ما فرق الله جامع
فلا تبكين في إثر لبنى ندامة ... وقد نزعتها من يديك النوازع
وهل النوازع إلا القدر الذي يسخره الله؟ أم ترى أن القافية لو كانت تستقيم على الهاء، كان استبدل من النوازع اسمه جلّ وتقدّس؟
وبعد، فلا أريد أن أثقل عليك بتبيين مواضع الطباق فيما قد سبق، فكل ذلك ظاهر، سواء ما كان الطباق فيه بين أضداد مفردة الألفاظ، وما كان بين أضداد منفية بالنفي الظاهر، وما كان بين أضداد يتصيدها المرء من مضمون المعنى، على نحو ما في قول هدية:
فإن يك أنفي زال عنه جماله ... فما حسبي في الصالحين بأجدعا
وقد تعمدت أن أختار لك من أشعار قيس بن ذريح، دون جرير والأخطل
стр. 827
وعدي بن الرقاع، وكثير عزة، لأنه من أصحاب الطبع، وليس ممن يتوقع منه الطباق والتصنيع في رأي الآمدي وأضرابه. وأحسب أن هذه الأمثلة التي قدمتها لك، كافية لدحض زعم النقاد ودعواهم أن الطباق لم يكن كثيرًا عند القدماء.
والفرق بين طريقتي القدماء والمحدثين في تعاطي الطباق فرق اتجاه وذوق ومذهب، ولا كم وكثرة. ولعل الأمثلة التي سبق تقديمها تعرض لك مذهب القدماء بوضوح، وهو أنهم كانوا يطلبون الطباق من أجل أن يوازنوا بين معنى سابق، وآخر لاحق، ويكون السابق كالمثال، واللاحق يُحذى عليه حذو النعل، أو يقع موقعه، كما تقع الأيدي مكان الأرجل؛ في مشي ذوات الأربع. وإذ كان هذا مذهبهم، فلم يكونوا يتعمدون أبدًا ضربه لازب، أن يطابقوا بين كلمة وأخرى مضادة لها في المعنى، كالليل والنهار، والطريف والتليد. وإنما كان يغنيهم يجزئ عندهم، أن تضاد كلمة كلمة، أو كلمة، عدة كلمات، أو تركيب تركيبًا، أو معنى معنى آخر. وتجد الطباق الذي يمكن تصيده من جملة مدلول الكلام، نحو بيت هدبة السابق، ونحو وقل قيس بن ذريح:
وقد كنت أبكي والنوى مطمئنة ... بنا وبكم من علم ما البين صانع
أكثر ورودًا في أسلوبهم من الطباق الذي توازى فيه لفظة لفظة كقول النابغة:
وهمين باتا مستكنا وظاهرًا
ويمكن تشبيه الطباق الكلي المتصيد من جملة الكلام، بحسب ما كان يرد في كلامهم بالجناس الحرفي الذي في قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وقول زهير:
إذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل
стр. 828
ووجه الشبه: هو أن الجناس الحرفي تتصيده من جملة الكلام، كالطباق الذي في قول قيس بن ذريح وهدبة. على أن الطباق الواضح الظاهر، لم يكن قليلًا في كلامهم قلة الجناس التام والمتشابه. لا، بل كان كثيرًا يلفت سمع السامع بتواتره في نظمهم كما قد رأيت من الأمثلة السابقة.
أما المتأخرون، فقد كان همهم أن يوازنوا بين لفظة ولفظة، وتركيب وتركيب من التضاد. ومقصودهم الذي إليه يرمون، ومن أجله يتكلفون التكاليف، هو الموازنة اللفظية ليس إلا، وتكون الموازنة المعنوية تابعة لها، وخادمة بين يديها. وقد أعانهم الإغراب في المجاز على سلوك هذا المسلك. مثال ذلك قول أبي تمام، وهو شيخ الصناعة (١):
من كان أحمد مرتعًا أو ذمه ... فالله أحمد ثم أحمد أحمدا
أضحى عدوا للصديق إذ غدا ... في الجود يعذله، صديقًا للعدا
برزت في طلب المعالي واحدًا ... فيها تسير مغمورًا أو منجدا
عجبًا لأنك سالم من وحشة ... في غابة ما زلت فيها مفردا
واستوقف القارئ عند هذا البيت الذي إنما دعا إليه طلب الزخرفة، بذكر الوحشة والانفراد، والمطابقة بين السلامة من الوحشة، مع الانفراد الجالب للوحشة بطبيعته، ألا ترى الشاعر هنا مع تعمده إلى أسلوب الطباق المجمل، كان يفكر في اللفظ أولا وزركشته، ثم في أداء المعنى. ثم انظر إليه حيث يقول:
وأنا الفداء إذا الرماح تشاجرت ... لك والرماح من الرماح لك الفدا
وسلمت إنا لا نزال سوالما ... آمالنا بك ما سلمت من الردى
كم جئت في الهيجا بيوم أبيض ... والحرب قد جاءت بيوم أسودا
стр. 829
أقدمت لم تر للحمية مصدرًا ... عنها ولم ير فيك قرنك موردا
لما زهدت في جمع الغنى ... ولقد رغبت فكنت فيه أزهدا
فالمال أني ملت ليس بسالمٍ ... من بطش كفك مُصلحا أو مفسدا
ولا يخفى كل ما في هذا من التصيد العقلي للصور التي يمكن استخدامها في خلق مقابلات لفظية. ونحو هذا كثير في شعر حبيب البحتري والذين جاءوا بعدهم، واتبعوا أسلوبهم. وهو يقوى ما ذكرناه من قبل، من استحواذ الذوق الزخرفي (الأربسكي) على نفوس المحدثين، وشدة عبثه بأساليبهم. ولعل أبا الطيب المتنبي، وحده شذ عن هذه القاعدة، ونظر في مطابقاته إلى الأسلوب القديم. وسنتحدث عن سر هذا من طريقته في باب التقسيم إن شاء الله.
خلاصة:
١ - كان القدماء يعنون بالطباق هذه الأشياء المتوازنة الكثيرة التي ترد في الشعر، مثل مقابلة الأضداد، ومقابلة المنفي، بغير المنفي ووضع تركيب مكان تركيب.
٢ - بوب النقاد المتأخرون هذه الأشياء التي كانت تعرف باسم المطابقة، أبوابًا كثيرة، جعلوا الطباق احدها، وحدّوه بأنه الجمع بين الشيء وضده. وجعلوا المقابلة قسمًا آخر وحدوها بأنها إعطاء كل شيء حكمه، بما يوافقه أو يخالفه. وأضاف ابن رشيق إلى هذا التعريف عدم اشتراط الموافقة والمخالفة.
٣ - يؤخذ على المتأخرين أنهم اضطربوا في التفرقة بين الطباق والمقابلة، كما قد اضطربوا في تعريف الطباق نفسه.
٤ - عرفنا الطباق بأنه مباراة كلام سابق بما يناقضه، على سبيل التكرار المضمر أو الظاهر، بواسطة النفي المضمر أو الظاهر؛ فمثال التكرار المضمر: لا
стр. 830
أحلم وأجهل، ومثال النفي والتكرار الظاهرين: أعلم ولا أعلم. ومثال النفي والتكرار المضمرين: الليل والنهار.
٥ - الطباق من حيث ماهيته ثلاثة أقسام: محضٌ، وهذا نادر الورود، كالذي يجيء في الإخبار المحض من قولك: هذا حلوٌ مرٌّ. وجزئي كقولك: ضحك وبكى. وكلي: وهو الذي يقع بين التراكيب، وما من تكرار كلي إلا وتحته طباق جزئي. ولك أن تسمي الطباق الكلي بالمقابلة. كما لك أن تأخذ على القدماء اشتراطها في المقابلة وقوع أكثر من ضدين، بدليل بيت زهير:
ليثٌ بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا
٦ - وينقسم الطباق بحسب أنواعه إلى ثلاثة أقسام: (أ) ازدواجي: وهو مـ روعيت فيه موازنة الأضداد، إما من حيث الوزن الصرفي أو العروضي، كقولك: طريفٌ وتلادٌ وتليدٌ، وهذا يمكن إدخاله أيضًا في باب الجناس الازدواجي؛ وإما من حيث موضع الكلمة في التركيب، وهذا سميناه طباقًا ازدواجيًا موضعيًا. (ب) وطباق الجمع بين الأضداد بغرض التأكيد، وهذا إما أن يعمد الشاعر فيه إلى الحصر والاستقصاء، كالذي فعله أبو الطيب في قوله:
فلا ليلٌ أجن ولا نهارٌ ... ولا خيلٌ حملن ولا ركاب
وإما أن يحمل الشاعر فيه النقيض على نقيضه ادعاءً ومبالغة كما فعل أبو الطيب في قوله:
ومن يك ذا فمٍ مر مريضٍ ... يجد مرا به الماء الزلالا
(جـ) وطباق القياس، وهو إما أن يذكر الشاعر فيه مقدماته واضحة، وإما أن يحذف منها اعتمادًا على السامع.
стр. 831
٧ - وينقسم الطباق بحسب الأداء إلى خطابي وإخباري أو تقريري. وهذا نسبي، فقد يكون الكلام بالنسبة إلى شاعر بعينه مذهبه الأناة والتمهل خطابيًا، ولكن إذا قيس إلى جنب كلام من هم أدخل وأقعد في مذهب الخطابة، بدا كأنه إخباري، وأوضح ما يكون مذهب الخطابة في الأنواع السالفة، أن تحذف المقدمات في طباق القياس، وألا يذكر شيء جامعٌ نتدرج تحته المتناقضات في طباق الجمع، وأن تكون المطابقة الازدواجية، في الطباق الازدواجي داخلةً في حيز القياس، أو الجمع بين النقائض. ويتجلى عنصر الإخبار في هذا النوع، إذا عمد الشاعر إلى تقوية أمر بذكر نقيضه، وفي النوع الذي يجمع بين المتناقضات، إذا قدم قبله أمرًا يصلح إدخال هذه المتناقضات تحته، وفي القياسي، إذا ذكرت النتائج ووضحت المقدمات، أو افتن الشاعر في عرض المقدمات بحيث تكون النتائج واضحة.
٨ - ليس الطباق بفن من فنون المولدين الخالصة، فهو كثير في أشعار القدماء، وكان مذهب القدماء فيه، مبنيًا على طلب الموازنة بين المعاني، ولكن مذهب المحدثين مبني على طلب المقابلة والمعادلة الهندسية بين الألفاظ والتراكيب، بحسب ما اقتضى حبهم للزخرف.
٩ - من المهم أن نتبين الفرق بين الطباق والجناس من حيث جوهرهما وسنخهما في طبيعة الصناعة الشعرية، والجرس اللفظي. فالجناس عامل يظهره أثره في وحدة الجرس، والطباق عامل يظهر أثره في تنويع هذه الوحدة. ولما كان الأمر كذلك، فان عنصر التحديد الذي أدخله المولدون في باب الجناس، ويبدو أوضح وأظهر من ذلك الذي أدخلوه في باب الطباق.
стр. 832
المطلب الرابع
التقيم
هو تجزئة الوزن إلى مواقف، أو مواضع، يسكت فيها اللسان أو يستريح، أثناء الأداء لإلقائي، وهذا التعريف الشامل يحتاج إلى توضيح. فالمعروف في ميزان البيت العربي أن فيه موقفين عروضيين أو موسقيين: أحدهما: عند آخر الشطر الأول، واسمه العروض. والآخر اسمه الضرب: عند آخر الشطر الثاني، وهو موضع حرف الروى. وهذان الموقفان ليسا بموضع استراحة، أو وقف للسان ضربة لا زب، بدليل الصدور الموصولة بالأعجاز في كثير من الأشعار، وبدليل التضمين الذي يربط بيتًا ببيت، وقد تحدثنا عنه في الجزء الأول.
ودونك الشواهد من قول يزيد بن الحكم الكلابي:
يا بدر والأمثال يضربها لذي اللب الحكيم
فالضاد هنا ليس بموقف اللسان، وإن كان موقفًا عروضيًا عند صدر البيت. ومن أمثلة التضمين قول أبي العتاهية (١):
يا ذا الذي في الحب يلحى أما ... والله لو كلفت منه كما
كلفت من حب رخيم لما ... لمت على الحب فذرني وما
стр. 833
ألقي فإني لست أدري بما ... بليت إلا أنني بينما
أنا بباب القصر في بعض ما ... أطواف في قصرهم إذ رمى
فالأبيات هنا متصلة، مربوطة معًا. وهذا من مبالغات أبي العتاهية في التضمين. وكأنه أراد أن يحدث أسلوبًا جديدًا في الشعر.
ومن أنواع التضمين التي كانت كثيرة الورود في الشعر، قول الفرزدق، وقد سبق لنا الاستشهاد به (١):
فلو أن ذرا أو أباه رأى التي ... رأيت أبت عيناه أن تتأخٌرا
إذن لرأى مثل التي ظل رانيا ... إلى فرعها داود حتى تحدرا
إليها من المحراب وهو على الذي ... يفصل فيه كل شيءٍ مسطرا
وفي جميع هذه الأمثلة، كما ترى، ليس آخر البيت بموضع وقفٍ للسان.
وقد يتفق أحيانًا أن يتعمد الشاعر بآخر الصدر الأول، وآخر الصدر الثاني مواقف اللسان، وهذا كثير في الشعر ولا سيما في الشطر الثاني، ومن أمثلته قول المتنبي:
عواذل ذات الخال في حواسد ... وإن ضجيع الخود مني لماجد
فلو كان هذا كلامًا منثورًا لكان موضع حواسد، محل وقفٍ، وكذلك موضع ماجد. ولو كان كل الشعر، يجيء في صدوره وأعجازه، مثل بيت المتنبي هذا، بحيث يكون
стр. 834
الشطر قطعة كلامية وافيةً، لا محل للوقف في وسطها، ولا بد من الوقف عند آخرها، لكان باب التقسيم في دراسة الشعر باطلًا، لا حاجة إليه. ولكن الشعر لا يجيء كله كبيت المتنبي المتمثل به هنا، بل الغالب عليه أن يكون حرف الروي موقفًا، وما سواه من حشو الأبيات وعروضها تحت تصرف الشاعر، إن شاء جعله محل وقف للسان، وإن شاء لم يفعل.
وإذ قد كان الشاعر حر التصرف في أن يضع مواقف اللسان، واستراحات المتكلم حيث شاء من البيت، فان هذا التصرف من جهته، يدخل في الشعر عنصرًا مهما للغاية، هو ما نرى أن نسميه المقابلة التقسيمية: أي المقابلة بين دقات الوزن، ودقات المواقف والاستراحة للسان. وآمل ألا يلتبس على القارئ أمر المقابلة التقسيمية بما ذكرناه في أول حديثنا عن الانسجام، وذكرنا أن النقاد الإنجليز يسمونه: Counterpoint أو المقابلة اللفظية. فالمقابلة اللفظية تكون بين جرس التلفظ، وجرس النغم الوزني المجرد، والمقابلة التقسيمية شيءٌ بينهما، يربط بين تياريهما المتوازن، ويعين السمع على إدراك عنصر الانسجام الكامن فيهما؛ لأن كل موقف يقفه اللسان، إما يخالف موضع الوقف الموسيقي، نحو: "فعولن مفاعلين" من أجزاء الطويل، و "متفاعلن" من أجزاء الكامل، وإما أن يباريه. فان خالفه، أظهر الانسجام بين عنصري التلفظ والمذهب التكلمي (١) إلى جهة أخرى، وكلا الجهتين محصورتان في دائرة الوزن، مسيرتان في طريقه، تلتقيان عند نهايته. وإن وافقه كانت الموافقة من نفسها كافية لإبراز الانسجام.
стр. 835
آراء القدماء في التقسيم
لعل القارئ قد فطن أن التعريف الذي ذكرناه في التقسيم، يختلف كثيرًا عن تعريف القدماء له. والغالب على مذهب القدماء، أنهم لم ينظروا إلى التقسيم من حيث كونه أمرًا جرسبًا، ولكن من حيث كونه أمرًا يتعلق بالمعنى. وقد عرفه بعضهم بأنه "استقصاء الشاعر جميع أقسام ما ابتدأ به" (١) - روى ذلك ابن رشيق، وذكر شاهدًا عليه قول بشار بن برد:
بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه ... ويدرك من نجى الفرار مثالبه
فراح فريقٌّ في الإسار ومثله ... قتيلٌ ومثل لاذ بالبحر هاربه
قال: "فالبيت الأول قسمان: إما موت، وإما حياة تورث عارًا ومثلبةً؛ والبيت الثاني ثلاثة أقسام: أسيرٌ، وقتيل، وهارب، فاستقصى جميع الأقسام" اهـ. وأقول لو جاز لنا أن نقبل هذا الذي ذكره ابن رشيق من تعريف التقسيم، للزمان أن نصف الكلام كله بأنه تقسيم، لأن صاحبه لا يخلو من طلب الاستقصاء، وتنويع وجوه الآراء. وهذا أمرٌ مركبٌ في طباع البشر، يستدل عليه بالمشاهدة. وقد تنبه ابن رشيق إلى هذا الضعف في التعريف الذي ذكره، فاستدرك بأن اشترط لجودة التقسيم أن يكون جامعًا لكل أقسام ما عليه مدار الحديث في المعاني، مثل قول أبي العتاهية:
وعلي من كفلي بكم ... قيدٌ وجامعةٌ وغل
قال: "فأتى على جميع ما يتخذ للمأسور والمجنون، ولم يبق قسمًا ... هذا وأمثاله فيما قدمت هو الجيد من التقسيم. وأما ما كان في بيتين أو ثلاثة، فغير عاجز عنه كثيرٌ من الناس" (٢). اهـ. وهذه الجملة الأخيرة هي محل استشهاد من حديث ابن رشيق.
стр. 836
وبعد فانه لا يخفى أن التقسيم بحسب ما عرفه ابن رشيق وأضرابه كالعسكري (١)، يختلط أمره بالمقابلة. ولذلك ما زعم ابن رشيق في حديثه عن المقابلة أنها بين الطباق والتقسيم. وكأنه أراد بهذا الوصف الدقيق الرشيق، أن يقيس مالا يمكن أن يقاس. وقد سبق لنا أن ذكرنا تعريف القدماء للمقابلة، بأنها إعطاء كل شيء حكمه. فهل ترى هذا، وبين قولهم في التقسيم إنه استقصاء الشاعر أقسام ما ابتدأ به، كبير فرق؟
وإذا نظرت في أبيات بشارٍ السابقة، تنتقد حكم ابن رشيق وأصحابه عليها، وجدت أن الذي زعموه من تقسيم في البيت الأول:
بضربٍ يذوق الموت من ذاق طعمه ... وتدرك من نجى الفرار مثالبه
ليس بتقسيم حقًا، وإنما هو مقابلة بين الموت والحياة الذليلة، يشفعه توازن بين المصراعين الأول والثاني. وأما البيت الثاني:
فراح فريقٌ في الإسار ومثله ... قتيلٌ ومثل لاذ بالبحر هاربه
ففيه تقسيم، ولكنه ليس في تعداد حالات الفرار والإسار والقتل كما زعموا، وإنما في هذه الموقف اللسانية، التي جزأ الشاعر عليها وزن بيته.
وتأمل هذا المثال مما يستشهدون به على التقسيم، وهو وصف امرئ القيس للفرس:
إذا أقبلت قلت دباءةٌ ... من الخضر مغموسةٌ في الغدر
وإن أدبرت قلت أثفيةٌ ... ململمةٌ ليس فيها أثر
وأن أعرضت قلت سرعوفةٌ ... لها ذنبٌ خلفها مسبطر
стр. 837
وقد استشهدنا بهذه الأبيات من قبل، وشرحناها في معرض الحديث عن الجناس الازدواجي، وبينا موضع التكرار فيها، ومكان التوازن بين أقبلت وأدبرت.
وعندي أن وصف الشاعر لحالات الفرس المختلفة، كما فعل امرؤ القيس، ليس بتقسيم، وإنما هو موازنة ومقابلة. ومن عجبٍ للقدماء عدهم هذا ونحوه تقسيمًا؛ والمقابلة - وهي كما وصفوها إعطاء كل شيء حكمه - أصدق عليه. والتقسيم في هذه الأبيات، لو تأملته، قليل، وهو عند مواقف اللسان، في: أقبلت، وأدبرت، وأعرضت. وأحسب أن الذي راع الأوائل من كلام امرئ القيس هذا، هو عنصر الموازنة الناشئة من المقابلة والتكرار والطباق والتقسيم في أوائل الأبيات. وكأن ابن رشيق "فطن لهذا حين سمي كلام امرئ القيس لمذكور، تنسيقيًا، ذلك حيث يقول: "ولو لم يكن إلا تنسيق هذا الكلام بعضه على بعض ... الخ"
قد شهدت حقيقة التقسيم على النقاد، واختلط أمرها عندهم اختلاطًا شديدًا بالمقابلة والموازنة، جعلهم يستكثرون من المصطلحات، كل ذلك محاولة للتوضيح ودفع الالتباس، فلم يكن من هذه المصطلحات إلا أن زادت الأمر تعقيدًا. من ذلك تسميهم لنحو قول أبي العميثل الأعرابي:
والطف ولن وتأن وارفق واتئد ... واحزم وجد وحام واصل واقطع
تقطيعًا، وقد ذكرناه في باب الحديث عن الجناس. وقد خلطوا بينه وبين التقطيع في نحو قول ديك الجن.
حر الإرهاب وسميه، بر الإياب كريمه، محض النصاب صميما ومن ذلك ما سماه قدامة "التوشيح"، وسماه ابن رشيق التسهيم، وقد اضطرب فيه ابن رشيق، فزعم أن منه ما يشبه المقابلة (١). مثل قول جنوب أخت
стр. 838
عمرو ذي الكلب الهذلية:
فأقسم يا عمرو لو نبهاك ... إذن نبها منك داءً عضالا
إذن نبهات ليث عريسةٍ ... مفتيا مفيدًا نفوسًا ومثالا
وخرقٍ تجاوزت مجهولةٍ ... بوجناء حرفٍ تشكي الكلالا
فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه الهلالا
ثم زاد به الأمر إضرابا، فخلط بين التسهيم والترديد الذي ذكرناه في باب الحديث عن التكرار، قال: "وسر الصنعة في هذا الباب: أن يكون معنى البيت مقتفيًا قافيته، وشاهدًا بها، دالا عليها، كالذي اختاره قدامة للراعي وهو قوله:
وإن وزن الحصى فوزنت قومي ... حدت ثرى ضريبتهم رزينا
فهذا النوع الثاني، هو أجود من الأول، للطف موقعه اهـ. وعني بالأول ما رأيته من قول جنوب، أخت عمرو ذي الكلب.
ومن اصطلاحاتهم التي تدل على التباس الأمر عليهم، ما سماه ابن رشيق "باب التفسير"، قال: "وهو أن يستوفي الشاعر شرح ما ابتدأ به مجملًا، وقلما يجيء هذا إلا من بيت واحدٍ، نحو قول الفرزدق، واختاره قدامة:
لقد جئت قومًا لو لجأت إليهم ... طريد دمٍ أو حاملًا ثقل مغرم
لألفيت منهم معطيًا ومطاعنا ... وراءك شزرًا بالوشيج المقوم
هذا جيدٌ في معناه، إلا أنه غريب مريب، لأنه فسر الآخر أولا، والأول آخرًا، فجاء فيه بعض التقصير والإشكال. على أن من العلماء من يرى أن رد الأقرب على الأقرب، والأبعد على الأبعد، أصح في الكلام. اهـ. وأقول مستطردًا: لله ابن رشيق كيف يجرح ويأسو!
стр. 839
وأنا بعد لا أجد فرقًا بين تعريفه للتفسير المذكور آنفًا، وقوله في التقسيم: إنه "استقصاء الشاعر جميع أقسام ما ابتدأ به" - اللهم إلا ما نبه عليه من أن التفسير قلما يقع في بيتٍ واحدٍ.
ومن الاصطلاحات الداخلة في هذا الباب، مما ذكره ابن رشيق، الاستطراد، والتفريع - وكل ذلك يدخل في حيز المقابلة والموازنة، وعندي أن الذي سبب للنقاد القدماء كل هذا الالتباس، خلطهم بين ناحيتي المعنى والنظم واللفظ، في منهج البحث. وقد غاب عنهم أن كل مقابلة أو توافق معنوي، أو لفظي، من الممكن إدخاله في نطاق التقسيم، إن جعل التقسيم، إن جعل التقسيم أمرًا لفظيًا معنويًا، كما جعلوه. فالحزم أن نصرفه إلى ناحية اللفظ والجرس، ليزول هذا الالتباس.
أنواع التقسيم:
قلنا: إن التقسيم هو تجزئة الوزن إلى مواقف، يسكت عندها المرء أثناء التأدية للفظ البيت، أو يستريح قليلا، كأنه يومئ إلى السكت. فهذا التقسيم إما يكون خفيًا، وإما يكون واضحًا. فالخفي: هو ما لم يقسم الشاعر فيه الكلام إلى فقرات بينه وبين المواقف، وإنما جاء به بحيث تمكنك الاستراحة عند أجزاء منه إذا شئت.
مثال ذلك قول تأبط شرا:
إني إذا خلةٌ ضنت بنائلها، ... وأمسكت بضعيف الوصل، أحذاق (١)
نجوت منها نجائي من بجيلة، إذ ... ألقيت، ليلة خبت الرهط، أرواقي (٢)
стр. 840
ليلة صاحوا، وأغروابي سراعهم ... بالعيكتين، لدى معدى ابن براق (١)
كأنما حثحثوا حصا قوادمه، ... أو أم حثيفٍ، بذي شتٌ وطباق (٢)
لا شيء أسرع مني، ليس ذا عذرٍ، ... أو ذا جناح، بجنب الريد، خفاق (٣)
حتى نجوت، ولما ينزعوا سلبي ... بوالهٍ من قبيض الشد، غيداق (٤)
فقد بينا أماكن الوقف بالفصلات، وكلها اختيارية كما ترى، ولعلك تختصر بعضها في الإلقاء.
ومما يجري هذا المجرى قول الأسود بن يعفر النهشلي:
ومن الحوادث، لا أبالك، أنني ... ضربت علي الأرض بالأسداد، (٥)
لا أهتدي فيها لموضع تلعةٍ، ... بين العراق، وبين أرض مراد، (٦)
ولقد علمت، سوى الذي نبأتني ... أن السبيل سبيل ذي الأعواد، (٧)
стр. 841
إن المنية والحتوف، كلاهما ... يوفي المخارم، يرقبان سوادي (١)
ماذا أؤمل بعد آل محرقٍ، .... تركوا منازلهم، وبعد إياد (٢)
أهل الخورنق، والسدير، وبارقٍ، ... والقصر، ذي الشرفات، من سنداد (٣)
ومن خير ما يتمثل به على التقسيم الخفي، كلمة أعشى باهلة الرائية [الكامل ٢: ٢٩١]، وسنذكرها هنا، وفيها شيءٌ كثيرٌ من التقسيم الواضح، وسننبه عليه في موضعه إن شاء الله. قال:
إني أتتني لسانٌ لا أسر بها، ... من عل، لا عجبٌ فيها، ولا سخر
فبت مرتفقًا للنجم، أرقبه .... حيران، ذا حذرٍ، لو ينفع الحذر
فجاشت النفس لما جاء جمعهم .... وراكبٌ جاء من تثليث معتمر،
يأتي على الناس، لا يلوي على أحدٍ ... حتى التقينا، وكانت دوننا مضر،
أقول: قف ساعة هنا أيها القارئ، أو "قم" كما كان يقول شوقي ﵀ كلما أراد رياضة القوافي، وتأمل هذا الوصف المصور المعبر، سماع الشاعر لنبأ موت صاحبه المنتشر الباهلي، وتشككه في هذا الخبر، وسهره وحذره، ثم خروجه صبحًا إلى مجمع الناس، وجيشان نفسه إليه، لما جاء جمع القوم الذين كان فيهم المنتشر، وتركوه وراءهم قتيلًا، وهذا الراكب الذي يتخلل الناس حتى يصل إليه، ويبلغه الخبر المر:
ينعى امرأ لا تغب الحي جفنته ... إذا الكواكب أخطأ نوءها المطر،
من ليس في خيره شرٌ يكدره، ... على الصديق، ولا صفوه كدر
стр. 842
وهنا انتقل الشاعر من الهلع والجزع واضطراب النفس، إلى الحزن المحض، ورمز له بهذه الخطابة الراثية التي يذكر فيها محاسن المنتشر، وقد تعمد أن يجمع في ذلك فضائل البداوة كلها وينسبها إليه:
طاوي المصير على العزاء منصلتٌ ... بالقوم، ليلة لا ماء ولا شجر
والتقسيم هنا يوشك أن يكون واضحًا.
لا تنكر البازل الكوماء ضربته ... بالمشرفي إذا اخروط السفر
أي اشتد وطال. وعندئذ يكون المرء أشدٌ ضنًّا بالبازل وغير البازل، لأنه لا يأمن أن تسقط الرواحل رذايا، فيضطر إلى الترجل. هذا، وأظنك لمحت أن هذا البيت يوشك أن يكون خاليًا من الوقف (وأقول يوشك، لأنه سواي ربما اختار أن يقف عند آخر صدره)، ومثله قوله فيما تقدم من أبيات: "تنعى أمرًا الخ". ولا ريب أن تلاحم الأبيات ذوات المواقف، والتي لا موقف فيها، هكذا، بعضها في بعض، مما يزيد في رنة الكلام، ويقوي جرسه، ويظهر تلك الخاصة الغربية التي سميناها بالمقابلة التقسيمية.
وتفزع الشول منه حين تبصره، ... حتى تقطع في أعناقها الجرر،
وهي جمع جرة: أي تغص بما كانت تجتر. من شدة الخوف لما وقع في وهمها أنه سيقتلها، وهذا مثل قول الآخر:
تركت ضأني تود الذئب راعيها ... وأنها لا تراني آخر الأبد
الذئب يطرقها في الدهر واحدةً ... وكل يومٍ تراني مديةٌ بيدي
ورفع الفعل "تقطع" من قولك "حتى تقطع" أجود من نصبه، لأنه لا ينوي معنى كي هنا، ولا الغاية، وإنما التقوية والتأكيد، أي حتى إن الجرر لتكاد تتقطع في أعناقها.
стр. 843
لا يصعب الأمر، إلا ريث يركبه، ... وكل أمرٍ سوى الفحشاء يأتمر،
وهذا من أجود النعت. يقول إنه لا يعد أمرًا صعبًا، إلا بمقدار ما يتهيأ لركوبه واقتحامه، غير أنه لا يركب أمر الفحشاء، فهو وحده الأمر الذي يعده صعيًا. وفي البيت مقابلة خفية بارعة كما ترى:
تكفيه فلذة كبدٍ، إن ألم بها، .... من الشواء، ويكفي شربه الغمر
وهو القدح الصغير:
لا يتأرى لما في القدر، يرقبه ... ولا تراه أمام القوم يقتفر،
فسر المبرد هذا البيت، فقال في "لا يتأرى": أي "لا يتحبس له، ومن ذا سمي الآري، لأنه محبس الدابة". وقال في "يقتفر": أي "لا يسبقهم إلى شيء من الزاد". وكأنه اشتقها من الاقتفار وهو التبع والتقفي. والمعنى على رأي المبرد، أن هذا الرجل عف، لا يتحبس ليأكل ما في القدر، ولا ينتظر وراء القوم، طلبًا للمطعم. وقد وجدت في بعض الكتب، لا أذكر أيها، أن معنى يقتفر "يأكل الخبز قفارًا"، ووجه تفسير البيت أن هذا الرجل لا يسبق إلى الخبز شرها، فيقتفره قبل أن يحضر الإدام، مما كان يصفه الجاحظ وأضرابه. والصواب عندي ما ذكره المبرد، وهو أشبه بمذهب العرب.
لا يغمز الساق من أينٍ ولا نصبٍ ... ولا يعض على شر سوفه الصفر (١)
مهفهفٌ، أهضم الكشحين، منخرقٌ ... عنه القميص، لسير الليل محتقر،
стр. 844
وهذا تقسيمٌ واضحٌ، والبيتان إجمال لما تقدم من النعوت والفضائل، على سبيل الرمز والإشارة، كما هي طريق العرب. وليس المعنى أنه كان لا يغمز ساقه بإصبعه، أو أن ثعبان الجوع، وهو الصفر، كان لا يعض على شر سوفه، ولا أنه مهفهف هضيم الكشح، منخرق القميص كفتاة طرفة بن العبد التي وجدها هو ونداماه رفيقة بالجس، بضة المتجرد. أنما كل هذه أوصافٌ مرادٌ بها نعوت للفضائل، ورمزٌ وإشارة إليها. وقد كان الجاهليون أكثر شيء استعمالًا للرموز في شعرهم، لما كان لديهم من تفرغ الذهن، وما يتبعه من طول التأمل، وسنعرض لتفصيل ذلك حين نتحدث عن البيان إن شاء الله.
ثم انتقل الشاعر من هذا الحزن المحض المعبر عنه بالمدح الخطابي للمرثي، إلى الحزن الشخصي؛ وهذا يربط كلامه هنا بأوله، حيث ابتدأ بالسهر والحذر والتوجس.
عشنا بذلك دهرًا، ثم فارقنا، ... كذلك الرمح ذو النصلين ينكسر
وعسى أن يقرأ متنطس هذا البيت، فيزعم أن العرب كانت تستعمل رمحًا ذا نصلين في حروبها، ويقول: قال أعشى باهلة، انظر الكامل طبعة كذا صفحة كذا.
وما أرى إلا أن الشاعر قد أعمل خياله وأراد التمثيل.
ف
عن جزعنا، فقد هدت مصيبتنا، ... وغن صبرنا، فإنا معشر صبر،
إني أشد حزيمي، ثم يدركني ... منك البلاء، ومن آلائك الذكر
قوله: أشد حزيمي: أي أتجلد. وبعد هذا الشاعر في التعزي أولا بتأبين المنتشر، ثم بذكر كيد أعدائه، وخيانة حلفائه، ثم ختم كلامه بأن سبيل الموت غاية كل حي:
لا يأمن الناس ممساه ومصبحه ... من كل أوب، وإن لم يأت، ينتظر،
إما يصبك عدوٌ في مباوأةٍ ... يومًا، فقد كنت تستعلي وتنتصر،
стр. 845
لو لم تخنه نفيلٌ، وهي خائنةٌ، ... ألم بالقوم وردٌ منه، أو صدر
وراد حربٍ، شهابٌ يستضاء به، ... كما يضيء سواد الطخية القمر،
والشطر الأول تقسيمه واضحٌ كما ترى. وفيه صيحةٌ آيسةٌ من صيحات النوح.
إما سلكت سبيلا، كنت سالكها ... فاذهب، عليك سلام الله، منتشر
وهذا هو المقطع، وبه تنتهي هذه القطعة الرائعة المتحدة المتماسكة من أولها إلى آخرها، ومع وجود أمثال هذه الكلمة العربية مما الوحدة فيه بينةٌ ظاهرةٌ، لا تزال تجد من يتحذلقون قائلين: إن الجاهليين والأوائل ومن بعدهم من الشعراء المحدثين، لم يكونوا يعرفون وحدة القصيدة، وإنما يعنون بوحدة القصيدة وحدة الموضوع. وقد ذكرنا أنفًا أننا لا نقول بوحدة القصيدة بهذا المعنى (١). أما إن كان المعني بوحدة القصيدة، وحدة روحها العاطفي؛ وهذا ما ينبغي، فمن الخبال والضلال أن يزعم زاعم أن الشعر العربي ليس فيه شيء من ذلك. ونأمل أن نفصل الحديث في هذا عندما نعرض لأمر البيان.
هذا، ولعل كلمة أعشى باهلة، والأبيات التي قدمناها من قبل، تكفي في الدلالة على ماهية التقسيم الخفي، وقوة فعله في الارتفاع بموسيقا الشعر وتنويعها.
التقسيم الواضح
التقسيم الواضح، كما لعله قد بدا للقارئ الكريم من سياق حديثنا، هو ما كانت المواقف اللسانية فيه ناصعةً، بينةً، بحيث لا يمكنك تجاوزها أو تجاهلها. نحو قول زهير: