إن المنية والحتوف، كلاهما ... يوفي المخارم، يرقبان سوادي (١)
ماذا أؤمل بعد آل محرقٍ، .... تركوا منازلهم، وبعد إياد (٢)
أهل الخورنق، والسدير، وبارقٍ، ... والقصر، ذي الشرفات، من سنداد (٣)
ومن خير ما يتمثل به على التقسيم الخفي، كلمة أعشى باهلة الرائية [الكامل ٢: ٢٩١]، وسنذكرها هنا، وفيها شيءٌ كثيرٌ من التقسيم الواضح، وسننبه عليه في موضعه إن شاء الله. قال:
إني أتتني لسانٌ لا أسر بها، ... من عل، لا عجبٌ فيها، ولا سخر
فبت مرتفقًا للنجم، أرقبه .... حيران، ذا حذرٍ، لو ينفع الحذر
فجاشت النفس لما جاء جمعهم .... وراكبٌ جاء من تثليث معتمر،
يأتي على الناس، لا يلوي على أحدٍ ... حتى التقينا، وكانت دوننا مضر،
أقول: قف ساعة هنا أيها القارئ، أو "قم" كما كان يقول شوقي ﵀ كلما أراد رياضة القوافي، وتأمل هذا الوصف المصور المعبر، سماع الشاعر لنبأ موت صاحبه المنتشر الباهلي، وتشككه في هذا الخبر، وسهره وحذره، ثم خروجه صبحًا إلى مجمع الناس، وجيشان نفسه إليه، لما جاء جمع القوم الذين كان فيهم المنتشر، وتركوه وراءهم قتيلًا، وهذا الراكب الذي يتخلل الناس حتى يصل إليه، ويبلغه الخبر المر:
ينعى امرأ لا تغب الحي جفنته ... إذا الكواكب أخطأ نوءها المطر،
من ليس في خيره شرٌ يكدره، ... على الصديق، ولا صفوه كدر
стр. 842
وهنا انتقل الشاعر من الهلع والجزع واضطراب النفس، إلى الحزن المحض، ورمز له بهذه الخطابة الراثية التي يذكر فيها محاسن المنتشر، وقد تعمد أن يجمع في ذلك فضائل البداوة كلها وينسبها إليه:
طاوي المصير على العزاء منصلتٌ ... بالقوم، ليلة لا ماء ولا شجر
والتقسيم هنا يوشك أن يكون واضحًا.
لا تنكر البازل الكوماء ضربته ... بالمشرفي إذا اخروط السفر
أي اشتد وطال. وعندئذ يكون المرء أشدٌ ضنًّا بالبازل وغير البازل، لأنه لا يأمن أن تسقط الرواحل رذايا، فيضطر إلى الترجل. هذا، وأظنك لمحت أن هذا البيت يوشك أن يكون خاليًا من الوقف (وأقول يوشك، لأنه سواي ربما اختار أن يقف عند آخر صدره)، ومثله قوله فيما تقدم من أبيات: "تنعى أمرًا الخ". ولا ريب أن تلاحم الأبيات ذوات المواقف، والتي لا موقف فيها، هكذا، بعضها في بعض، مما يزيد في رنة الكلام، ويقوي جرسه، ويظهر تلك الخاصة الغربية التي سميناها بالمقابلة التقسيمية.
وتفزع الشول منه حين تبصره، ... حتى تقطع في أعناقها الجرر،
وهي جمع جرة: أي تغص بما كانت تجتر. من شدة الخوف لما وقع في وهمها أنه سيقتلها، وهذا مثل قول الآخر:
تركت ضأني تود الذئب راعيها ... وأنها لا تراني آخر الأبد
الذئب يطرقها في الدهر واحدةً ... وكل يومٍ تراني مديةٌ بيدي
ورفع الفعل "تقطع" من قولك "حتى تقطع" أجود من نصبه، لأنه لا ينوي معنى كي هنا، ولا الغاية، وإنما التقوية والتأكيد، أي حتى إن الجرر لتكاد تتقطع في أعناقها.
стр. 843
لا يصعب الأمر، إلا ريث يركبه، ... وكل أمرٍ سوى الفحشاء يأتمر،
وهذا من أجود النعت. يقول إنه لا يعد أمرًا صعبًا، إلا بمقدار ما يتهيأ لركوبه واقتحامه، غير أنه لا يركب أمر الفحشاء، فهو وحده الأمر الذي يعده صعيًا. وفي البيت مقابلة خفية بارعة كما ترى:
تكفيه فلذة كبدٍ، إن ألم بها، .... من الشواء، ويكفي شربه الغمر
وهو القدح الصغير:
لا يتأرى لما في القدر، يرقبه ... ولا تراه أمام القوم يقتفر،
فسر المبرد هذا البيت، فقال في "لا يتأرى": أي "لا يتحبس له، ومن ذا سمي الآري، لأنه محبس الدابة". وقال في "يقتفر": أي "لا يسبقهم إلى شيء من الزاد". وكأنه اشتقها من الاقتفار وهو التبع والتقفي. والمعنى على رأي المبرد، أن هذا الرجل عف، لا يتحبس ليأكل ما في القدر، ولا ينتظر وراء القوم، طلبًا للمطعم. وقد وجدت في بعض الكتب، لا أذكر أيها، أن معنى يقتفر "يأكل الخبز قفارًا"، ووجه تفسير البيت أن هذا الرجل لا يسبق إلى الخبز شرها، فيقتفره قبل أن يحضر الإدام، مما كان يصفه الجاحظ وأضرابه. والصواب عندي ما ذكره المبرد، وهو أشبه بمذهب العرب.
لا يغمز الساق من أينٍ ولا نصبٍ ... ولا يعض على شر سوفه الصفر (١)
مهفهفٌ، أهضم الكشحين، منخرقٌ ... عنه القميص، لسير الليل محتقر،
стр. 844
وهذا تقسيمٌ واضحٌ، والبيتان إجمال لما تقدم من النعوت والفضائل، على سبيل الرمز والإشارة، كما هي طريق العرب. وليس المعنى أنه كان لا يغمز ساقه بإصبعه، أو أن ثعبان الجوع، وهو الصفر، كان لا يعض على شر سوفه، ولا أنه مهفهف هضيم الكشح، منخرق القميص كفتاة طرفة بن العبد التي وجدها هو ونداماه رفيقة بالجس، بضة المتجرد. أنما كل هذه أوصافٌ مرادٌ بها نعوت للفضائل، ورمزٌ وإشارة إليها. وقد كان الجاهليون أكثر شيء استعمالًا للرموز في شعرهم، لما كان لديهم من تفرغ الذهن، وما يتبعه من طول التأمل، وسنعرض لتفصيل ذلك حين نتحدث عن البيان إن شاء الله.
ثم انتقل الشاعر من هذا الحزن المحض المعبر عنه بالمدح الخطابي للمرثي، إلى الحزن الشخصي؛ وهذا يربط كلامه هنا بأوله، حيث ابتدأ بالسهر والحذر والتوجس.
عشنا بذلك دهرًا، ثم فارقنا، ... كذلك الرمح ذو النصلين ينكسر
وعسى أن يقرأ متنطس هذا البيت، فيزعم أن العرب كانت تستعمل رمحًا ذا نصلين في حروبها، ويقول: قال أعشى باهلة، انظر الكامل طبعة كذا صفحة كذا.
وما أرى إلا أن الشاعر قد أعمل خياله وأراد التمثيل.
ف
عن جزعنا، فقد هدت مصيبتنا، ... وغن صبرنا، فإنا معشر صبر،
إني أشد حزيمي، ثم يدركني ... منك البلاء، ومن آلائك الذكر
قوله: أشد حزيمي: أي أتجلد. وبعد هذا الشاعر في التعزي أولا بتأبين المنتشر، ثم بذكر كيد أعدائه، وخيانة حلفائه، ثم ختم كلامه بأن سبيل الموت غاية كل حي:
لا يأمن الناس ممساه ومصبحه ... من كل أوب، وإن لم يأت، ينتظر،
إما يصبك عدوٌ في مباوأةٍ ... يومًا، فقد كنت تستعلي وتنتصر،
стр. 845
لو لم تخنه نفيلٌ، وهي خائنةٌ، ... ألم بالقوم وردٌ منه، أو صدر
وراد حربٍ، شهابٌ يستضاء به، ... كما يضيء سواد الطخية القمر،
والشطر الأول تقسيمه واضحٌ كما ترى. وفيه صيحةٌ آيسةٌ من صيحات النوح.
إما سلكت سبيلا، كنت سالكها ... فاذهب، عليك سلام الله، منتشر
وهذا هو المقطع، وبه تنتهي هذه القطعة الرائعة المتحدة المتماسكة من أولها إلى آخرها، ومع وجود أمثال هذه الكلمة العربية مما الوحدة فيه بينةٌ ظاهرةٌ، لا تزال تجد من يتحذلقون قائلين: إن الجاهليين والأوائل ومن بعدهم من الشعراء المحدثين، لم يكونوا يعرفون وحدة القصيدة، وإنما يعنون بوحدة القصيدة وحدة الموضوع. وقد ذكرنا أنفًا أننا لا نقول بوحدة القصيدة بهذا المعنى (١). أما إن كان المعني بوحدة القصيدة، وحدة روحها العاطفي؛ وهذا ما ينبغي، فمن الخبال والضلال أن يزعم زاعم أن الشعر العربي ليس فيه شيء من ذلك. ونأمل أن نفصل الحديث في هذا عندما نعرض لأمر البيان.
هذا، ولعل كلمة أعشى باهلة، والأبيات التي قدمناها من قبل، تكفي في الدلالة على ماهية التقسيم الخفي، وقوة فعله في الارتفاع بموسيقا الشعر وتنويعها.
التقسيم الواضح
التقسيم الواضح، كما لعله قد بدا للقارئ الكريم من سياق حديثنا، هو ما كانت المواقف اللسانية فيه ناصعةً، بينةً، بحيث لا يمكنك تجاوزها أو تجاهلها. نحو قول زهير:
стр. 846
تقاسمها المها شبها، ودر البحور، وشاكهت فيها الظباء.
وقول النصيب:
فقال فريق القوم لا، وفريقهم ... نعم، وفريقٌ قال ويحك ما ندري
وقول عمر بن أبي ربيعة:
وغاب قمير كنت أرجو غيوبه، ... وروح رعيانٌ، ونوم سمر
وقوله من الكلمة نفسها:
تهيم إلى نعم، فلا الشمل جامعٌ، ... ولا نأيها يسلي، ولا أنت تصبر
وأخرى أتت من دون نعمٍ، ومثلها ... نهى ذا النهى، لو ترعوي أو تفكر
والوقوف بعد قوله: تهيم إلى نعم، قريبٌ من الخفي.
وقول المتنبي:
أطعنها بالقناة، أضربها ... بالسيف، جحجاحها، مسودها
شمس ضحاها، هلال ليلتها، ... در تقاصيرها، زبرجدها،
وهذا النوع من التقسيم، أعني النوع الواضح كله، لا تقسيم المتنبي في بيتيه هذين، أقل مجيئًا في الشعر من النوع الخفي، والسبب فيما أرى، هو أنه طراز قديمٌ من الأسلوب الشعري، عفت عليه أساليب أحدث منه؛ وهذا الذي نراه منه في تضاعيف كلام الشعراء، إنما هو آثار، قوية منه أبت إلا بقاء. وسنتحدث عن هذا عما قليل إن شاء الله.
والتقسيم الواضح ضروبٌ. فمنه ما يقع فقرًا فقرًا، يراعى فيها سجع ولا وزن عروضي، أو كالعروضي، مثل بيت زهير، وبيت النصيب. وقول طرفة:
стр. 847
ولا تجعليني كامرئٍ ليس همه ... كهمي، ولا يغني غنائي، ومشهدي
وقوله:
ولكن نفى عني الرجال جراءتي ... عليهم، وإقدامي، وصدقي، ومحتدي
لعمرك، ما أمري علي بغمةٍ ... نهاري، ولا ليلي علي بسرمدٍ
وقول علقمة بن عبدة يصف الخمر:
تشفي الصداع، ولا يؤذيه صالبها، ... ولا يخالط منها الرأس تدويم
وهذا الصنف عزيزٌ جدًا، لأنه أقدم أنواع التقسيم الواضح جميعها فيما نرى. ودعنا نصطلح له اسم التقسيم المرسل. ومن خير أمثلته، وأندرها، قول زهير يصف القطاة ومطاردة الصقر لها؛ وكان قد شبه بها فرسه (١).
كأنما من قطا الاحباب، حلأها ... وردٌ، وأفرد عنها أختها الشبك،
جونية، كحصاة القسم، مرتعها ... بالسي ما تنبت القفعاء والحسك،
أهوى لها أسفع الخدين، مطرقٌ ... ريش القوادم، لم ينصب له الشبك،
لا شيء أسرع منها، وهي طيبةٌ ... نفسًا بما سوف ينجيها وتترك
وهذا البيت فيه مواقف، ولكنها خفية اختيارية، فلذلك لم نبينها، ويوشك
стр. 848
البيت الثاني أن يكون مثله في العجز دون الصدر:
دون السماء وفوق الأرض قدرهما، ... عند الذنابى، فلا فوت ولا درك
عند الذنابى، له صوت وأزملة ... يكاد يخطفها طورًا، وتهتلك
وفي الأصل: "لها صوت" وهذا لا يستقيم، لأم الأزملة: هي الصوت الشديد، وهذا أشبه بوصف الصقر، وأذكر أني وجدت البيت هكذا في شرح الأعلم:
حتى إذا ما هوت كف الغلام لها ... طارت، وفي كفه من ريشها بتك
وهذا البيت يمثل عنف المطاردة، فقد اشتد الصقر في طيرانه وراء القطاة حتى أوشك أن يدركها، ثم لما كاد، دفعت نفسها دفعة قوية هاوية إلى أسفل، حتى هم غلام عابث أن يمسك بها، وقد مست أنامله ريشها، فاقتطفت منه بتكا: أي قطعًا. وإذا قد بلغت القطاة مكانًا فيه الصبية العابثون، فقد أمنت الصقر، لأن اقتفاءها حينئذ يكون عسيرًا عليه.
ثم استمرت إلى الوادي، فألجأها منه، وقد طمع الاظفار والحنك
وعسى أن يكفي هذا القدر في التمثيل على التقسيم المرسل. وهو أول ضروب التقسيم الواضح كما قدمنا.
والضرب الثاني هو التقسيم المفصل، ونسميه مفصلا مستعيرين هذا اللفظ من تفصيل العقود بالدر والفضة، لا من التفصيل الذي هو نظير الإجمال وقرنه وضده. والتقسيم المفصل نوعان: (١) ما نظر فيه الشاعر إلى ناحية الوزن. (٢) وما نظر فيه الشاعر إلى ناحية القافية، ودعنا نسمي الأول التقسيم الوزني، والثاني التقسيم القافوي، وكلا القسمين يلتقيان في أنواع سنبينها.
والتقسيم الوزني، نوعان: ما لم يراع الشاعر فيه مسايرة التفاعل، ووضع الموافق في مكان التقطيع. وما راعى فيه الشاعر مسايرة التفاعيل، ووضع المواقف
стр. 849
في مكان تقطيع الوزن، على حسب وحدات وزنه الظاهر. ودونك أمثلة توضح الطراز الأول: قال امرؤ القيس:
مكر، مفر، مقبل، مدبر، معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
الشاهد هنا في تقسيم الأول إلى أجزاء هي: فعول فعول فاعل فاعل فعل، وهذه تجزئة كما ترى لا تساير الأجزاء الطبيعية للبيت، وهي: فعولن مفاعيلن، جزء، فعولن مفاعلن، جزء، وهكذا. وإنما كانت هذه تفعيلات طبيعية، لأن كل واحد منها يساوي ربع البيت.
ومثال آخر قوله:
برهرهة، رودة، رخصة، ... كخرعوبة البانة المنفطر
فالمصراع الأول مفاعلة فاعلن فاعلن. والقسمة الطبيعية أن تجعله أرباعًا:
فعولن فعولن فعولن فعولن.
ومثل هذا قوله:
وعين لها، حدرة، بدرة
ومن غريب هذا الضرب قول المتنبي:
مخلى له المرج، منصوبا بصارخة، ... له المنابر، مشهودا بها الجمع
فقوله: "منصوبا بصارخة" موازن لقوله "مشهودا بها الجمع". وقوله "مخل له الرج" موازن لقوله "له المنابر" إلا أن الثاني مزاحف بالخبن مرتين في مستفعلن وفي فاعلن.
ومن غريب ما وقع له أيضًا من هذا القري قوله:
خير قريش أبا، وأمجدها، ... أكثرها نائلا، وأجودها
стр. 850
أفرسها فارسًا، وأطولها ... باعًا، ومغوارها، وسيدها
شمس ضحاها، هلال ليلتها ... در تقاصيرها، زبرجدها
فالبيت الأول لا يطاوع تقطيع المنسرح الطبعي "مستفعلن فاعلون مفتعلن"، وإنما يجري على مستفعلن فأعلن، مفاعلتن، وكذلك قوله "أفرسها فارسًا" وسائر البيت بعد من نوع التقسيم المُرسل. والبيت الثالث كأنه مُرسل، وليس كذلك إذ مباراة الوزن فيه واضحة.
هذا، والنوع الثاني من التقسيم الوزني، وهو ما وضع الشاعر فيه مواقف اللسان الواضحة، مكان التقطيع الطبعي، عرفه النقاد الأوائل وسموه التقطيع، ومن أمثلته قول عمر بن أبي ربيعة:
تحن إلى نُغم، فلا الشمل جامع ... ولا نأيها يُسلي، ولا أنت تصبر
ومنه لامرئ القيس:
له أطيلا ظبي، وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان، وتقريب تنقل
وقوله:
وليس بذي رُمح، فيطعنني به ... وليس بذي سيف، وليس بنبال
وأمثلة هذا كثيرة في الشعر.
والتقسيم القافوي، منه ما ينظر إلى قافية البيت، فيسجع في داخل البيت بقواف مثلها، ومنه ما يسجع بقواف ليست مثلها. ومن تأليف هذين النوعين القافويين مع النوعين الوزنيين، تحصل عندنا الأقسام الثمانية الآتية:
١ - التقسيم الوزني من غير تقطيع.
٢ - التقسيم الوزني من غير تقطيع، مع سجع مخالف للقافية.
стр. 851
٣ - التقسيم الوزني من غير تقطيع، مع سجع يشبه القافية.
٤ - التقسيم الوزني التقطيعي.
٥ - التقسيم الوزني التقطيعي مع سجع مخالف للقافية.
٦ - التقسيم الوزني التقطيعي مع سجع مثل القافية.
٧ - التقسيم القافوي بسجع مخالف للقافية.
وهذان القسمان الأخيران، لا يحصرني شيء أُمثل لهما به، ولا أحسب أنه يجيء في الشعر شيء منهما إلا تابعًا للوزن، ولعل هذا دليل قوي على أن القافية إنما جاءت بعد الوزن. فإن حذفنا هذين القسمين (ولنا في الحذف قُدوة صالحة في قُدامة ابن جعفر، على أنه حذف اثنين من تأليفه، من دون مبرر (١) صارت الأقسام ستة.
ومن هذه الأقسام الستة واحد (هو التقسيم الوزني اللاتقطيعي، مع سجع يشبه القافية)، لا أحسبه يوجد في الشعر، ولا يحضرني منه شيء أتمثل به. وعندي أن ذوق العرب قد نبأ عنه، كما قد نبأ عن السجع بشيء يشبه القافية أو يخالفها من دون مراعاة للوزن. ذلك بأن في نظرتك للوزن من دون أن تطاوع التقطيع،
стр. 852
واستعمالك مع ذلك سجعة لقافية البيت، ما يُشعر بأن القافية مستبدة بالبيت استبدادًا كاملاً، من غير نظر للوزن. وإذ الوزن هو الأول والأقوى، فقد رأى الشعراء بحسهم الصادق الدقيق أن يتنكبوا هذا النوع وأحسب أنهم استعاضوا منه التجنيس السجعي، لذلك ناب في أسماعهم مناب السجع المشبه للقافية حقًا- كما في قول امرئ القيس:
برهرهة رودة رخصة ... كخرعوبة البانة المنفطر
فالراءات هنا تناغي القافية، من دون أن يكون في الكلام سجع ظاهر.
وقد ضربنا لك أمثلة على الشعر الذي يقع فيه التقطيع من دون سجع. والذي يباري الوزن ولا يسجع. وهاك أمثلة على الأنواع الثلاثة الباقية.
أ- التقسيم الوزني من غير تقطيع مع سجع مُخالف للقافية:
قال أبو المثلم الهذلي يرثي صخر الغي:
آبي الهضية، ناب بالعظيمة متلاف الكريمة، جلد غير ثُنيان وقال أمرؤ القيس يصف ثوبًا نصبوه، ونزلوا تحته:
وقُلنا لفتيان كرام إلا انزلوا ... فعالوا علينا فضل ثوب مُطنب
أحسب الفعل "عالوا" على صيغة الماضي لا الأمر، أي فرفعوا علينا فضل ثوب وجعلوا له طُنبًا، ويدلك أنه على صيغة الماضي، سياق الوصف بعده، إذ جعل امرؤ القيس يصف هذا الطنب، والبيت الثاني هو محل الشاهد من كلامنا:
وأوتاده ماذية، وعماده ... رُدينية، فيها أسنة قعضب
وأطنا به، أشطان خُوص نجائب ... وصهوته، من أتحمي مشرعب
أي حبالة من حبال نوقنا النجائب، وصهوته من ثوب أتحمي مُمزق.
стр. 853
وقوله من اللامية يصف حصانًا:
سليم الشظئ عبل الشوى، شنج النسا ... له حجبات مشرفات على الفال
وقد جارى هذا أبو العلاء المعري بقوله:
صحبت الملا، حتى تعلمت بالفلا ... رنو الطلا، أو صنعة الآل بالخدع
ومن أغرب ما جاء له في هذا الضرب قوله:
تلاق، تفرى عن فراق، تذمه ... مآق، وتكسير الصحائح في الجمع
فقوله: "تفرى عن فراق" موازن لقوله "تذمه مآق" حذو النعل بالنعل. ومن النادر أن يتسنى لشاعر أن يجيء بمثل هذه القسمة الوزنية السجعية، في بيت رباعي الأجزاء، من الطويل، مثل هذا، على هذا النحو:
ب- التقسيم الوزني التقطيعي، مع سجع مخالف للقافية:
قال أمرؤ القيس:
فتور القيام، قطيع الكلا ... م تفتر عن ذي غروب، خصر
ولك أن تجعل الميم في الصدر، ويكون العجز مخرومًا، أو تجعل البيت موصولاً.
وقال أيضًا:
كان المُدام، وصوب الغمام ... وريح الخُزامي، ونشر القُطر
يُعل به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المُستحر
وقال:
بلاد عريضة، وأرض أريضة ... مدافع غيث، في فضاء عريض
стр. 854
هكذا على ترك الاعتماد (١) أو تعتمد بأن تجعل الفضاء مضافًا إلى العريض فيستقيم الوزن في عجز البيت، كما يريد العروضيون.
ومما يجري هذا المجرى قول الخنساء:
شهاد أندية، هباط أودية ... حمال ألوية، للجيش جرار
ويجري هذا المجرى قول أبي الطيب:
الدهر مُعتذر، والسيف مُنتظر ... وأرضهم لك مُصطاف ومُرتبع
ج- التقسيم الوزني التقطيعي، مع سجع مثل القافية:
نحو قول امرئ القيس:
ألا إنني بال، على جمل بال ... يسير بنا بال، ويتبعنا بال
ولك أن تُعد هذا من التكرار، ولكن هذا لا يخرجه من صنف القسم الذي نحن بصدده.
ونحن قول المتنبي:
فنحن في جذل، والروم في وجل ... والبر في شُغل، والبحر في خجل
ومما جعل فيه المتنبي بين الصنفين، قوله:
للسبى ما نكحوا، والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا، والنار ما زرعوا
وهذا أوان التمثل بأشعار تجمع كل هذه الأصناف، فذلك أجدر أن يدل على قيمتها الجرسية، وأن يبين طريقة استعمال الشعراء لها:
стр. 855
ونبدأ بذكر شيء يسير من امرئ القيس:
وبيت عذارى يوم دجن ولجته ... يطفن بجباء المرافق، مكسال
سباط البنان، والعرانين، والقنا ... لطاف الخصور، في تمام وإكمال
نواعم، يُتبعن الهوى، سبل الردى ... يقلن لأهل الحلم، ضل بتضلال
وقد سبق لنا الاستشهاد بهذا الكلام، والتنبيه على محاسنه.
وقال أبو المُثلم الهذلي، يرثي صخر الغي، وهذا مما استشهد به قُدامة في باب التقسيم (١):
لو كان للدهر مال كان مُتلده ... لكان للدهر صخر، مال قُنيان
آبي الهضيمة، متلاف الكريمة، نا ... ب العظيمة، جلد غير ثُنيان (٢)
حامي الحقيقة، نسال الوديقة، معـ ... تاق الوسيقة، لا نكس ولا وان (٣)
رباء مرقبة، مناع مغلبة ... وهاب سلهبة، قطاع أقران (٤)
هباط أودية، حمال ألوية ... شاد أندية، سرحان فتيان (٥)
ولعلك رأيت أن البيتين الأولين مما سجع فيه الشاعر من غير تقطيع، والبيتين الأخيرين مما قطع فيه وسجع، وهذا يسميه النقاد ترصيعًا، ثم تخلص من هذا جميعه بسجعات أطول غير متشابهة كل التشابه، وأتبعها بيتًا كاملاً مُقسمًا بحسب المواقف ليس إلا:
стр. 856
يحمى الصحاب، إذا كان الضراب، ويكـ ... في القائلين، إذا ما كُبل العاني (١)
يُعطيك ما لا تكاد النفس ترسله ... من التلاد، وهوب غير منان
وروي قدامة كلمة شبيهة بهذه لأبي صخر الهذلي يتغزل، قال:
وتلك هيكلة، خود مُبتلة ... صفراء رعبلة، في منصب سنم (٢)
عذب مُقبلها، جزل مُخلخلها ... كالدعص أسفلها، مخضودة القدم (٣)
سود ذوائبها، بيض ترائبها ... محض ضرائبها، صيغت على الكرم (٤)
عبل مُقيدها، حال مُقلدها ... بض مُجردها، لفاء في عمم (٥)
سمح خلائقها، دُرم مرافقها ... يُروى مُعانقها، من بارد شبم (٦)
كأن مُعتقة، في الدن مُغلقة ... صهباء مصفقة، في رابئ رذم (٧)
شيبت بمرهبة، من رأس مرقبة ... جرداء سلهبة، في حالق شمم (٨)
خالط طعم ثناياها وريقتها ... إذ يكون توالي النجم كالنظم
стр. 857
والتقسيم هنا، كما ترى، ترصيغ كله، تجري الأقسام منه على أرباع البيت. وقد استحسنه قُدامة غاية الاستحسان، وتبعه ابن رشيق، من دون أن يصرح بتعليق من عند نفسه، وإنما اكتفى بأن يقول: (العمدة ٢: ٢٥) "وإذا كان تقطيع الأجزاء مسجوعًا، أو شبيهًا بالمسجوع، فذلك هو الترصيع عند قُدامة، وقد فضله وأطنب في وصفه إطنابًا عظيمًا، وأنشد أبيات أبي المُثلم يرثي صخر الغي. أما أبو هلال العسكري فتحفظ شيئًا في استحسان هذا النوع، وانتقد أبيات الخنساء، وأبي صخر، وأبي المثلم قال (١): "فمن ذلك ما يروى أنه للخنساء:
حامي الحقيقة، محمود الخليقة مهـ ... ـدي الطريقة، نقاع وضرار
هذا البيت جيد.
فعال سامية، وراد طامية ... للمجد نامية، تعنيه أسفار
هذا البيت رديء، لتبرؤ بعض ألفاظه من بعض. ثم قالت:
جواب قاصية جزاز ناصية ... عقاد ألوية، للخيل جرار
آخر هذا البيت لا يجري مع ما قبله، وإذا قسته بأوله؛ وجدته فاترًا باردًا، ثم قالت:
قالت:
حلو حلاوته، فصل مقالته ... فاش حمالته، للعظم جبار
وهذا مثل ما قبله. وقول أبي صخر الهُذلي:
وتلك هيكلة، خود مُبتلة ... صفراء رعبلة، في منصب سنم
هذا البيت صالح، وبعده:
عذب مُقبلها، جذل مُخلخلها ... كالدعص أسفلها، مخصورة القدم (٢)
стр. 858
كأن قوله: مخصورة القدم، ناب عن موضعه، غير واقع في موقعه، وبعده:
سُود ذوائبها، بيض ترائبها ... محض ضرائبها، صيغت على كرم
وهذا البيت أيضًا قلق القافية، وبعده:
سمح خلائقها، دُرم مرافقها ... يُروى مُعانقها، من بارد شبم
هذا البيت رديء، لبُعد ما بين الخلائق والمرافق، وما بين الدرم والسمح، ولولا أن السجع اضطره لما قال: سمح، وليس لعظم مرفقها حجم. وهذا مثل قول القائل لو قال: خُلق فلان حسن، وشعره جعد. وليس هذا من تأليف البلغاء، ونظم الفصحاء. وقول أبي المثلم:
آبي الهضيمة، ناء (١) بالعظيمة، متلاف الكريمة، جلد غير ثنيان حامي الحقيقة، نسال الوديقة، معتاق الوسيقة، لا نكس ولا وان البيت الثاني أجود من الأول، وبعده:
هباط أودية، حمال ألوية ... شهاد أندية، سرحان فتيان
قوله: "سرحان فتيان" ناب قلق، وبعده:
يُعطيك ما لا تكاد النفس ترسله ... من التلاد وهوب غير منان
التارك القرن مُصفرًا أنامله ... كأن في ريطتيه نضح أرقان
هذا البيت جيد. وقد سلم من سائر العيوب، إذ لم يتكلف فيه السجع، ولم يتوخ الموازنة". أهـ.
والذي جسر أبا هلال على هذا النقد فيما أرى، هو أنه وجد قُدامة يقول:
стр. 859
(نقد الشعر ٢٨): "وأكثر الشعراء المصيبين، من القدماء والمحدثين، قد غزوا هذا المغزى، ورموا هذا المرمى، وإنما يحسن إذا اتفق له في البيت موضع يليق به، فإنه ليس في كل موضع يحسن، ولا على كل حال يصلح، ولا هو أيضًا إذا تواتر واتصل في الأبيات كلها بمحمود، فإن ذلك إذا كان، دل على تعمد، وأبان عن تكلف، على أن من الشعراء القدماء والمحدثين، من قد نظم شعره كله، ووالى بين أبيات كثيرة منه، منهم أبو صخر، فإنه أتى من ذلك بما يكاد لجودته أن يُقال فيه: أنه غير متكلف إلخ". وكأن أبا هلال، قد هاله أن يقدم قدامة قاعدة، ثم يرجع فينتقضها محاباة للقدماء، فانبرى هو ليعود به، إلى رشده وينبهه على أن القدماء أنفسهم قد وقعوا في التكلف، لا يستثني منهم أبا صخر، ولا أبا المُثلم، ولا الخنساء كما رأيت.
ولا يخالجني ريب في أن قُدامة قال ما قاله، من أن كثرة التقسيم المسجع المرصع في الشعر، والموالاة بين أبيات منه في كلمة واحدة، تدل على التكلف، مدفوعًا بحكم العادة التي جرى عليها نقاد عصره، من تحذير المولدين، وصرفهم ما استطاعوا عن الإكثار في التجنيس والتصنيع، وما أحسبه إلا قد ندم على ما قدمه هكذا مندفعًا، بدليل اعتذاره عن أبي المثلم، وأبي صخر وزعمه أن ترصيعهما غير متكلف، على توافره، ولعله مما زاده ندمًا، أنه لم يجد عند المولدين شيئًا يُضاهي ما جاء به هذان، من التزام الترصيع، وقوة النفس.
وقد غلب على أبي هلال ذوقه الحضري، وطمى على حاسته النقدية، فحكم بالتكلف، ضربة لازب، على كلام الخنساء وأبي صخر وأبي المُثلم، لاشتماله على عنصري، السجع والموازنة. وفي قلة التقسيم المسجع المتوازن بين أشعار المحدثين، ما ينبئ عن قوة الذوق الحضري، الذي كان يتحدث بلسانه. إلا أنه، من حيث كونه ناقدًا، قد عجز كل العجز، أن يفطن إلى أن هذا النوع الذي كان يرد في أشعار القدماء من التقسيم، لا يمت إلى صناعة المولدين بشيء، وليس بين "تكلفه"
стр. 860
وتكلفهم قُربى ولا نسب، ونفوره هو نفسه عن عنصري السجع والموازنة اللذين فيه، بنبيء بذلك، لأن هاتين خصلتان من صميم آثار البداوة.
وقد كان ابن رشيق أحذق من أبي هلال ومن قُدامة، إذ تنبه لما تنبها إليه، من أن هذا الصنف من التقسيم، كان يرد كثيرًا في أشعار القدماء، وزاد عليها بأن القدماء كانوا لا يعرفون غيره حين يعمدون إلى التسجيع، ومماثلة الأقسام في الوزن، وكأن المحدثين لم يعجبهم هذا من طريقة القدماء، فعمدوا إلى الأقسام، فصغروها، وجعلوها كلمات كلمات، يتبع بعضها بعضًا، إما تكون صفات، وإما تكون أفعالاً، مثل قول البحتري:
قف مشوقًا، أو مُسعدًا، أو حزينًا ... أو مُعينًا، أو عاذرًا، أو عذولاً
وقول ديك الجن:
أحل وأمرر، وضر وأنفع، ولن واخـ ... شن، ورش وابر، وانتدب للمعالي
قال ابن رشيق (٢: ٢٧) بعد أن أنشد بيت ديك الجن:
حُر الإهاب وسيمه، بر الإيا ... ب كريمه، محض النصاب صميمًا
فأكثر البيت ترصيع كيف أردته، وكان المذهب الأول، وهو المحمود، أن يؤتي ببيت من هذا، أو بعض بيت، كما قال امرؤ القيس
وأوتاده ماذية، وعماده ... رُدينية فيها أسنة قعضب
وكما قال أمرؤ القيس:
كحلاء في برج، صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب (١)
стр. 861
وأما ما هو شبيه بالمسجوع، فقال امرئ القيس:
فتور القيام، قطوع الكلا ... م، تفتر عن ذي غروب أشر
وقوله:
ألص الضروس، حني الضلوع
فجاء فتور، في وزن قطوع، وكذلك الضروس والضلوع، وألص وحني. ثم أدخل المولدون في هذا الباب أشياء عدوها تقطيعًا وتقسيمًا. وذلك نحو قول أبي العميثل الأعرابي:
فأصدق، وعف، وجد، وأنصف، واحتمل ... واصفح، ودار، وكاف، واحلم، وأشجع
إلى آخر ما قاله". أهـ.
ومما يُلفت النظر أن ابن رشيق مر بباب التقسيم مرور مُتحفظ، وكأنه كان في حيرة من أمره، أيعده تصنيعًا كتصنيع المحدثين، أم لا. ومن تأمل الأمثلة التي ذكرها هو في التقسيم والترصيع والتقطيع، وجد أكثرها للقدماء، وقد ذكر ستة وستين بيتًا، منها أربعة وعشرون للمحدثين، وسائرها للقدماء، وقد تبلغ بها ثلاثين، إن عددت ابن أبي ربيعة والنصيب والكميت وذا الرمة من المحدثين. ومن هذه الأبيات المُحدثة ستة للمتنبي وحده. وأبو تمام، وهو شيخ الصناعة، لم يذكر له ابن رشيق إلا قوله:
تجلى به رُشدي، وأثرت به بني ... وفاض به ثمدي، وأورى به زندي
وقوله:
تدبير مُعتصم بالله مُنتقم ... لله مرتقب، في الله مُرتغب
وقوله:
عن ثامر ضاف، ونبت قرارة ... واف، ونور كالمراجل خافي (١)
стр. 862
ولم يزد فيما رواه من ترصيع المحدثين على البيت الواحد لا يتبعه بقرين، إلا المتنبي، فإنه ذكر له بيتين وعابهما، وإنما فعل ذلك لإكثار المتنبي من هذا الصنف.
وأنشد أبو هلال ثمانية وثلاثين بيتًا، ليس للمحدثين منها إلا بيتان، وللإسلاميين الأوائل ثلاثة فقط، أما قُدامة، فأنشد ثلاثة وثلاثين بيتًا، ليس فيها واحد محدث وفيها بيتان فقط لغير المخضرمين.
وقد نظرت في دواوين الشعراء التي بيدي، فوجدت أن الشاعر كلما كان أدخل في البداوة، أو أقدم في العهد، كان الترصيع وشبه الترصيع، أظهر وأوضح في كلامه. من ذلك شعراء هذيل، وقد رأيت كلام صخر الغي وأبي المُثلم هنا. وأوردنا لك من قبل كلمة أبي المُثلم: (يا صخر إن كنت ذا بز تجمعه). ومن ذلك نساء البدو، وشعر الخنساء كثير فيه هذا الصنف. ومن ذلك شعراء اللصوص، وأحيلك مثلاً على وصف الذئاب، الذي جاء به الشنفري في لاميته، وعلى تائيته المفضلية. وامرؤ القيس وهو شاعر قديم، خالط البداوة، وتنقل بين مياه العرب. كثير التقسيم المسجع، لا تكاد تخلو قصيدة له منه، وقد رأيت استشهادنا بكلامه في مواضعه، وقل كتاب من كُتب البلاغة لا يفتتح به الاستشهاد. أما طبقات النابغة وزهير والأعشي، فهذا النصف قليل في أشعارهم. وقد ذكرنا أن زهيرًا يرد في كلامه التقسيم الواضح بلا تسجيع، وأن هذه ظاهرة قديمة من ظواهر النظم؛ أبت آثارها إلا بقاء في شعره وشعر مقلديه، وأخذها الناس عنهم فيما بعد. وربما قولنا هذا مُناقضًا لما زعمناه في الترصيع، من أنه من أسلوب البداوة والقدم، وأن شعر زهير خال منه. ولكن مثل هذا التناقض (ومن الأفضل أن نسميه شذوذًا) كلا تناقض، وهو من المعالم الهامة، التي قد تُعيننا على فهم طريقة النظم العربي، وكيف تم لها النضج والنماء. ذلك بأنه كثيرًا ما يحدث في تاريخ التطور اللغوي، لأسلوب حديث، أن تكون فيه ظواهر عتيقة السنخ، لا توجد في أسلوب أقدم منه، فالناقد- يمكنه أن يحدس لها مكانًا في
стр. 863
الماضي ويحاول نسبة الأسلوب القديم الخالي منها، إليها ويحاول أن يعرف سبب خلوه منها، وكيف أمكن أسلوبًا جاء بعده أن يتصف بها.
هذا، وشعر المولدين في جملته قليل الترصيع. وإنك لتجد أمثال حبيب، ممن كانوا يُبالغون في التصنيع، ويتكلفون له الكلف، لا يتعاطون الترصيع والتقطيع إلا أحيانًا، وكأنما يتظرفون به تظرفًا، وأكثر ما يجيء ذلك منهم في البحر الكامل، وقد تجي لهم أشياء في الخفيف. والغالب على مذهبهم، التقسيم الخفي، أو الشبيه بالواضح، على أسلوب زهير. وحتى هذا، ليس بكثير عندهم. وكأنهم قد اكتفوا من القسمة بأشطار البيت، وإتمام الوزن، من دون مُزاحفة، أو تعاطي شيء من الرخص، التي كان يتعاطاها القدماء، وهذا أشبه بمذهبهم في طلب الإحكام والهندسة.
وقفة عند المتنبي
على أن المتنبي، من بين المحدثين، كان يُكثر من التقسيم، وقد نبه الثعالبي إلى هذه الظاهرة من شعره، ومدحها، وأطنب في ذلك، وتمثل له بأشياء منها، زعمها أحسن من تقسيمات إقليدس (١) وقلت قصيدة للمتنبي تخلو من هذا الصنف ولا سيما شعر شبابه الأول، كبائيته في أبي المغيث العجلي، التي يقول فيها متغزلاً:
ناءيته فدنا، أدنيته فنأى ... جمشته فنبا، قبلته فأبى
وقال حين تخلص:
مرت بنا بين سربيها فقلت لها ... من أين جانس هذا الشادن العربا؟
فاستضحكت، ثم قالت، كالمغيث: يرى ... ليث الشرى، وهو من عجل إذا انتسبا
стр. 864
جاءت بأشجع من يسمى، وأسمح من ... أعطى، وأبلغ من أملي، ومن كتبا
لو حل خاطره في مُقعد، لمشى ... أو جاهل، لصحا، أو أخرس خطبا
ومقطع القصيدة قوله:
فالموت أعذر لي، والصبر أجمل بي ... والبر أوسع، والدنيا لمن غلبا
وقصيدتاه: "سرب محاسنه حُرمت ذواتها" و"أهلاً بدار سباك أغيدها" مشحونتان بهذا الصنف، والترصيع فيهما واضح المكان ناصعه. وكذلك كلمته في بدر ابن عمار:
أصبحا نرى، أم زمانًا جديدًا ... أم الدهر في شخص حي أعيدا
ومن تقسيمه الذي يُستشهد به، في إحدى لامياته السيفيات:
معطى الكواكب، والجرد السلاهب، والـ ... بيض القواضب والعسالة الذبل
ضاق الزمان، ووجه الأرض، عن ملك ... ملء الزمان وملء السهل والجبل
فنحن في جذل، والروم في وجل ... والبر في شإل، والبحر في خجل
ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليب، وأهل الأعصر الأول
خُذ ما تراه، ودع شيئًا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يُغنيك عن زحل
وأحيلك من قصائده السيفيات، على بسيطياته، مثل: "عُقبى اليمين على عُقبى الوغى ندم"، و"غيري بأكثر هذا الناس ينخدع". فالتقسيم كثير فيها ومما يستشهد به من وافرياته قوله:
أقمت بأرض مصر، فلا ورائي ... تخب بي الركاب، ولا أمامي
قليل عائدي، سقم فؤادي ... كثير حاسدي، صعب مرامي
عليل الجسم، ممتنع القيام ... شديد السكر، من غير المدام
стр. 865
وزائرتي كأن بها حياء ... فليس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطاف والحشايا ... فعافتها، وباتت في عظامي
وهذا شبيه بنفس امرئ القيس في كلمته "أحار بن عمرو"، على أن البحر مختلف. ويعجبني له، قوله من إحدى قصائده في سيف الدولة:
سقتني بها القطر بلي مليحة ... على كاذب من وعدها، ضوء صادق
سهاد لأجفان، وشمس لناظر ... وسقم لأبدان، ومسك لناشق
وأغيد يهوى نفسه، كل عاقل ... عفيف، ويهوى جسمه، كل فاسق
يُخبر عما بين عاد وبينه ... وصدغاه في خدي غلام مراهق
وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق
وعندي أن هذه الأبيات من أفصح ما نطق به اضطراب عاملي الحضارة والبداوة في نفس المتنبي. وألفت نظرك إلى هذه الغانية التي تعد الشاعر وعدًا يريده هو أن يكون كاذبًا على حسب ما توجبه مقاييس البداوة في الحب والغزل ويعجبه في نفس الوقت، أنه وعد غير كاذب، وأنه ليس بوعد أعرابية بخيلة، تحميها الغيرة والصوارم والقنا، وإنما هو ووعد قينة من قيان حاضرة، لا تعرف من الصدود إلا اسمه.
وألفت نظرك أيضًا إلى هذا الأغيد الذي نظر المتنبي إلى جسمه، كما كان ينظر أبو تمام إلى غلمان الترك والخزر، وأعجبه منه ما كان يُعجب الأذواق الحضرية المنحرفة، التي كان يعيش في دنياها، ثم أبت له كبرياؤه البدوية بعد، إلا أن "يغالط في الحقائق نفسه"، ويدعي أنه لم يعجبه من هذا الأغيد غيده وجماله ولكن أعجبته منه نفسه وخلقه، وأعجبه ذكاؤه كما أعجبه علمه "وأنه كان يخبر عما بين عاد وبينه"، ولعله كان يعرف النحو والصرف، ويحفظ كتابي الكامل والفصيح، ويروي أشعار تنوخ وهذيل. ولا ارتاب لحظة في أن المتنبي كان يشعر بالخطيئة، وهو يقول هذا الكلام، خطيئة من سمح لنفسه البدوية الفطرية، أن تستحسن هذا النوع من
стр. 866
الجمال، المحرم في قانون البداوة والفطرة، وأن تنظر إليه بشره كما كان ينظر خلعاء المحدثين. ولا يخدعنك ما في ظاهر هذا الكلام من الفخر بالعفة، وبالحب الذي يكلف بالنفس دون الجسم، فإنما هو ضرب من معاتبة النفس وتقريعها. وفي طيه من التعقد النفساني أشكال وضروب. وبحسبك أن تنظر إلى قوله: "ويهوى جسمه كل فاسق"- ما الذي دعاه إلى ذكر جسمه؟ ألا تجده كأنما يريد أن يقول لنفسه، مالك والغرام بجسم هذا الغلام، إنما يفعل ذلك الفساق! وأنظر إلى قوله "وصدغاه في خدي غلام مُراهق" ... ولا تظن أنه قد أراد به مجرد الدلالة على صغر السن، فإن موضع التأمل للصدغ والخد بين هنا. ولا تنس أن الغلمان في ذلك الزمان، كانوا يفتنون في زينة أصداغهم وليها وعقصها، حتى سمى الشعراء خصل الشعر التي تتدلى على هذا النحو: "واوات الأصداغ". وأشهد لقد نظر المتنبي نظرة عارمة!
ولا أريد أيها القارئ أن أتهم أبا الطيب بحب المذكر، وعمل قوم لوط، فلست ممن يمتري في صدقه حين يزعم أنه لم يكن يريد ما يريد الفساق، وإنما الذي أمتري فيه هو ما ادعاه من أفلاطونية محضة، وعزوف خالص. وما أرى عفته وعزوفه عن العشق، إلا قد كان ذلك نتيجة شعور منه بالخزي والندم، على أنه قد أحس من الضعف في نفسه ما كان ينعاه على أولئك الحضريين، الذين كان يحتقرهم، ويؤذيه نفاقهم وزيفهم. ومما يؤيد مزعمي هنا، قوله في هذه الأبيات نفسها:
وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق
فهذا البيت. أقرب لأن يكون نُصحًا منه لنفسه، لا تبريرًا لمذهبه في العشق الأفلاطوني ولا تنس موضع كلمة "الحسن" من هذا البيت، فهي تنضج بألوان من الشعور.
هذا، وفي كتاب "الصبح المنبني، عن حيثية المتنبي" ليوسف البديعي (١)
стр. 867
خبر ينسبه إلى أبي الفرج الببغاء، فقد زعم الببغاء، أنه كان من أثراء المتنبي، وخاصته، وأنه أوصل إلى المتنبي ذات ليلة غلامًا، فلما مضى قطع من الليل، دعا أبو الطيب بسرجه فأوقدت، وبدفاتره فأحضرت، وجعل يقرأ والغلام قاعد لا يريم، حتى ذهب من الليل معظمه، ثم صرف أبو الطيب الغلام، بعد أن أمر بأن يُدفع له ثلاثمائة درهم. واستكثر الببغاء هذا العطاء، وقال للمتنبي إن الغلام رخيص، ولا يستحق ما أمر له به. واعتذر المتنبي عن إسرافه، بأن العطية ينبغي أن تكون على قدر المعطي لا الآخذ. فإن صحت هذه القصة (١) فإن فيها أشياء كثيرة تفسر لنا ما رويناه من هذه الأبيات القافية.
منها، هذه الدعوى الطويلة العريضة، أن الغلام كان عالمًا، يعرف أخبار ما بين عاد وبينه، فهل تخيل المتنبي- وهو يُحلي مجلس درسه بهذا الأغيد، كما يُحلي بعض الأدباء اليوم مجالس درسهم بسماع الموسيقا- أن أبا عبيدة والسكري والشيباني والأصمعي حين كانوا يخبرونه الأخبار، من خلال الأسطار، إنما كانوا ينطقون بلسان الجمال الناطق، على صدغ هذا الغلام المراهق؟
ومنها: ما أدعاه للغلام من شرف الخلق، كأنه يرد بهذا على دعوى الببغاء! الذي نسب الغلام إلى الرخص والدناءة، وأن الخلوة معه لا تساوي ثلاثمائة درهم.
والحق أن المتنبي قد كان بدويًا قحًا، نشأة وغريزة، وتركيبًا، وكل الذي أصابه من الدرس والعلم والتحصيل، إنما كان مُغامرة كبيرة، جعلته يَصلى بنار الحضارة العباسية المدنية، وجعلتها هي تَصلى بناره. ولقد لقي الرجل ما فرضه عليه
стр. 868
الدهر من مدح الأمراء، من كل من:
يستخشن الخز حين يلمسه ... وكان يُبرى بظفره القلم
ودخول القصور، وشم الرياحين، ومجالسة المدنيين المتقعرين، ومحاولة الاندماج فيهم- قد لقي كل ذلك بغزيرة البداوة الصحراوية، غريزة الجمل وصبره، واحتماله للأثقال، ونهوضه بها. على أنه، ﵀، لم يخل من أن أصابه من المدنية التي أحتمل ثقلها، واحتملت ثقله، شيء شبيه بما يصيب الجمل الثقال، من دبر. فقد علق بقلبه حب كثير مما عرضته عليه حضارة حلب والعراق. ألم ينظر إلى عراقيب الحضريات الصقيلات، وأوراكهن الماثلات، حين قال:
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمام ماثلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب
ألم ينظر بعين شرهة أو ظامئة، إلى الأغيد في قوله:
وأغيد يهوى نفسه كل عاقل ... عفيف ويهوى جسمه كل فاسق
ألم يصرح بعد أن انحلت عقدته بفارس، أنه خلا بشامية مُحجبة، لعلها خولة أخت سيف الدولة، وأنه غازلها كأرق ما يُغازل حضري عف حضرية عفة، وذلك قوله:
شامية طالما خلوت بها ... تبصر في ناظري مُحياها
فقبلت ناظري تُغالطني ... وإنما قبلت به فاها
أحب حمصًا إلى خُناصرة ... وكل نفس تحب محياها
حيث التقى خدها وتفاح لُبنا ... ن وثغري على حُمياها
وصفت فيها مصيف بادية ... شتوت بالصحصحان مشتاها
стр. 869
هذا من الشعر العزيز! أراد أن يقول: جلسنا مجلسًا كان فيه التفاح والخمر، وكان فيه التقبيل والحديث الناعم. وكان فيه خدها المتألق، وثغرها المترقرق، فلم يتسع له البيت، حتى يقول ذلك مُفصلاً. فجمعه لك كله جمعًا على هذا النسق، وتركك تحدس ما أراد. وعندي أنه أراد ثغرها حين قال "ثغري". وأراد أنه كانت ثم مُدامة حين وصف ثغرها بالحميا.
وقال في هذه القصيدة نفسها:
في بلد تُضرب الحجال به ... على حسان ولسن أشباهًا
فيهن من تقطر السيوف دمًا ... إذا لسان المُحب سماها
تبل خدي كلما ابتسمت ... من مطر برقه ثناياها
ما نفضت في يدي غدائرها ... جعلته في المدام أفواها
وهنا لا يريد أنها تملأ خديه بُصاقًا. كما توهم بعض السخفاء. وإنما حمل هذا الكلام على التذكر. فتذكر بكاءها وهي تبكي، وابتسامها وهي تبتسم، ومناجاته لها، على الكأس، في الخلوة الآنسة، وتلماسه. في رفق غدائر شعرها المضمخة بالطيب، وما تنفضه هذه الغدائر على أنامله من المسك والعرف المُندي، وكيف كان يغمس هذه الأنامل في الكأس، يطيبها بذلك، ثم يضعها في فمه، استمتاعًا بهذا الغرام العنيف- تذكر أبو الطيب كل ذلك، وجمعه جمعًا كما ترى، بحيث لو فسرت الألفاظ على ظاهر تركيبها، لم تحصل على شيء، وإنما سبيلك أن تحاول النفوذ إلى أعماقها، وتنظر إلى جوهر المعنى الذي أراده الشاعر. وقد فسر ابن جنى هذه الأبيات كما فسرناها. ولا شك أنه قد أخذ تفسيره عن المتنبي نفسه (١).
стр. 870
وبعد، فلعل هذا كله يثبت عندك، أن المتنبي قد علق بقلبه شيء كثير من حب الحضارة، ولا يصرفنك عن درك هذه الحقيقة، ما تجده في كثير من شعره الذي يتعرض فيه لذكر محاسن عصره، من نفحة سُخط، ومرارة وزراية، كما في الأبيات البائية، والأبيات القافية؛ فأرجح الاحتمالات عندي أن تلك الزراية كانت موجهة منه إلى نفسه. إذ نظر نظرة استحسان إلى هذه المفاتن الحضرية، ولعله كان يرى أن في مثل هذه النظرة نوعًا من الخيانة للقيم البدوية، التي قد سيطت بلحمه ودمه. وقد صرح باضطراب نفسه بين الميل إلى المقام في ظل الحضر، والميل إلى الشظف وعيش البداوة، في قصيدته النونية المشهورية:
مغاني الشعب طيبًا في المغاني
وذلك قوله في شعب بوان:
يقول بشعب بوان حصاني ... أعن هذا يسار إلى الطعان
أبوكم آدم، سن المعاصي ... وعلمكم مفارقة الجنان
وإنما وقع له هذا التصريح بدخيلة نفسه لما اطمأن شيئًا بفارس، والغالب على مذهبه الكتمان والصبر، وعض الشكيمة، والتحمل على أية حال. وقد كان يجد من هذا التحمل مُتنفسًا في الرمز، يُفصح به عن هذه النيران البدوية، التي كانت متأججة في صدره، فيرمز أحيانًا بهذا العناء الحزين، الذي تجده في أوائل قصائده، وبهذه الغُربة التي يتغنى بها، وبهذه الأسفار التي يصفها، ويدعي القدرة على مقاساتها، والغنى عن الأوطان بها؛ - وما أظن التقسيم، كما استعمله المتنبي، إلا قد كان رمزًَا عروضيًا لفظيًا موسيقيًا، اتخذه ليرمز بدقاته القوية التي تُجاوب أصداء هُذيل، وتناغى امرأ القيس، من خلف غياهب القرون إلى هذه النزعة المتوحشة من قلبه، التي تعطو إلى الحضارة، لتنال من أشربتها الواقفات بلا أوان، ثم تنفر في حياء وهلع إلى مسارح الربد، ومرابض الحفان والعين ومكامن العصم، وسباسب المهرية القود.
стр. 871
أليس البدو، أهل الفلوات العراض والتأمل الواسع، والخلوة الطويلة، من أقدر خلق الله على خلق الرموز وتقبلها، حتى إن أحدهم ليرمز إلى نفسه وآماله وآلامه بالناقة والظليم، فأي بدع إن جاء رجل منهم في آخر الزمان، ورمز إلى نفسه واضطرابها بدقات التقسيم؟
التقسيم والموازنة:
في الدهر الأول، قبل أن تعرف العرب الوزن، كان التقسيم هو عماد النظم وفقاره، يأتي الناظم بكلامه قسيمًا قسيمًا، بحسب استراحات النفس، ووقفات اللسان، وتهدي الفكر. وكل قسم يأتي به، يمثل جملة، أو فقرة، أو دفعة من دُفعات التعبير. ثم يتعمد أن يكافئ ويؤاخي بين هذه الأقسام. وهذه المؤاخاة أو المكافأة، تنظر إلى الأقسام نظرة مزدوجة، طرف منها يبصر الأقسام من حيث إن كل واحد منها "كل"، ودعنا نُسمي هذا الطرف بالموازنة الكلية وطرف آخر يبصر أجزاء الأقسام وتفاصيلها، فيحاول أن يجعل بينها صلة، ودعنا نسمي هذا الموازنة الجزئية.
أما الموازنة الكلية فسبيلها في مؤاخاة الأقسام ومكافأتها، أن تُوجد بينما أحد هذه العناصر:
١ - التوافق.
٢ - التضاد.
٣ - التكامل.
٤ - الإجمال والتفصيل.
٥ - التدرج.
стр. 872
ولا يحضرنا مثل من كلام العرب في الدهر الأقدم، فنستشهد به. فنكتفي بأن نستشهد بشيء مما نقله لوث من التوراة والإنجيل، في معرض حديثه عن عنصر الموازنة فيهما- وقد سماها هو: "الموازنة العددية"، أو Parallelismus Membrorum ثم نتبع ذلك بالاستشهاد بشيء من مأثور كلام العرب، ومن الحديث والقرآن، على وجه التمثيل لا التدليل، إذ القرآن، على أنه أزلي القدم، ليس من كلام العرب في دهرها الأول، بسبب نزوله بين قوم عرفوا الوزن والسجع والأعاريض، وتنكبه لهذا المذهب، الذي كان يعجبهم طلبًا للإعجاز. ثم آمل ألا تنفر من استشهادنا بالقرآن والحديث في هذا المعراض، لما قدمناه من أننا نتحدث عن النظم، فمرادنا بالنظم في هذا الباب، كما ترى، رصف الكلام، بحيث يكون بليغًا مؤثرًا، وقد جرت سنة اللغة العربية، ألا يُعد الكلام نظمًا، بمعنى أنه شعر، إلا إذا جمع إلى السلامة في التركيب، صفتي الوزن والقافية. وأضاف ابن رشيق النية، وهذا منه غاية في الإتقان والتدقيق.
أما كلام لوث فهو (١).
The correspondence of one verse, or one line, with another, I call parallel- ism. When a proposition is delivered, and a second is subjoind to it, or drawn under it, equivalent, or contrasted with it, in sense, or similar to it in the form of grammatical construction , these. I call parallel lines, and the words or phrases answering one or another in the corresponding lines, parallel terms. Parallel answering one or another in the corresponding lines, parallel term. Parallel lines may be reduced to three sorts: parallels synonymous, pacrllels antithetic and parallels synthetic.
стр. 873
ثم ضرب لوث هذه الأمثال لأقسامه الثلاثة:
Synonymous:
The heavens declare the glory of God
And the flrmament showeth his handywork
Antithetic:
The memory of the just is blessed.
But the name of the wicked shall rot
Synthetic:
I waited patiently for the lord.
And he imclined unto me and heard my cry.
ولم ير "لوث" من الموازنة إلا أقسامًا ثلاثة، هي: "التوافق، والتضاد، والتكامل. وقد استدرك عليه "بيرني" عنصر التدرج، وسماه: Step Parallelism، ووصفه بأنه ذلك العنصر:
In which a second line takes up a thought contained in the first line. And re- peating it, makss it as it were, a step upwards for the development of further thought, which is commonly the climax the whole,
وتمثل "بيرني" بالآتي:
He that receiveth this? ? ? my name receiveth me.
And he that receiveth me, receiveth Him that sent me.
ونحن نستدرك عليهما معًا عنصر التفصيل والإجمال، الذي لا تخلو منه الموازنة في لغة. ولعلهما عداه من التكامل. ثم سنستدرك عليهما فيما بعد، أصنافًا هي خاصة بطبيعة النظم العربي، بعد أن دخله الوزن، وانتظمته القافية.
وقد تحدث "لوث" عن الموازنة المركبة، التي تتكون من تداخل العناصر معًا،
стр. 874
واختصار الكلام. وإدراك هذه سهل، بعد إدراك العناصر الرئيسية، ومما ينبغي ذكره هنا، أن ابن رشيق قد سبق "لوث" إلى تحديد العناصر الرئيسية الثلاثة في الموازنة، في باب حديثه عن المقابلة، إذ بعد أن ذكر رأي النقاد، في أن المقابلة تأتي من ناحيتي الموافقة والمخالفة، زاد عليهم، بأنها قد تتأتى من غير ذلك. واستشهد ببيت ذي الرمة:
أستحدث الركب عن أشياعهم خبرًا ... أم راجع القلب من أطرابه طرب
وهذا تكامل. على أن الذي لفت ابن رشيق إليه هو تكافؤ الوزن، والموازنة الموضعية التركيبية، وهذا أمر سنعرض له بعد، إن شاء الله.
والآن نذكر أمثلة نشير بها إلى طبيعة العناصر التي قدمناها، كما وعدنا، حتى تكتمل صورتها للقارئ الكريم:
التوافق:
قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾.
وقول الأنصاري: أنا جُذيلها المحكك. وعُذيقها المُرجب.
التضاد:
قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾.
وفي المثل: "الأخذ سُريط، والقضاء ضريط".
التكامل:
قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾.
الإجمال والتفصيل:
стр. 875
في الأثر: "يقول ابن آدم مالي مالي، ومالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت".
وفي الأثر: "المسلمون إخوة، يقوم بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم". وعنصر التركيب في هذا النوع من الموازنة واضح، إذ هو مركب من تكامل بين القسيم الأول والقسيمين بعده، ومن توافق أو تضاد بين القسيمين اللذين يليان- وقد يُجاء بأكثر من قسيمين.
التدرج:
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾.
والتدرج في الاستشهاد السابق، يقع موقع التفصيل من الإجمال، من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وهنا يقع موقع التفصيل من الإجمال، بالنسبة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا﴾ ... إلخ، وموقع الإجمال بعد التفصيل في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ﴾ ... إلخ.
هذا، والموازنة الجزئية تنظر إلى تفاصيل الأقسام نفسها، فتكافئ بينها وتؤاخي، غما بواسطة التكرار، ملفوظًا أو ملحوظًا، وإما بواسطة التجنيس الأزدواجي، وهو التوافق في الوزن، أو شبه التوافق، وإما بواسطة الطباق، وإما بواسطة الموازنة الموضعية، بأن يكون لفظ مناظرًا لآخر في موضعه من القسيم الذي يوازنه. ولم أجد حديثًا "للوث" أو "بيرني" في كتاب Manson عن هذه الأنواع.
стр. 876
وقد سبق أن فصلنا الحديث عن كل واحد منها في موضعه من هذا الكتاب. وإذا أخذنا -على سبيل التمثيل- بعض ما استشهدنا به سابقًا على الموازنة، مثل قول الأنصاري:
أنا جُذيلها المُحكك، وعُذيقها المرجب
وجدنا الموازنة الجزئية هنا في الجناس الازدواجي بين الجُذيل والعُذيق، والمحكك والمرجب، والموازنة الموضعية فيهما معًا، إذ الجُذيل والعُذيق خبران، والمحكك والمرجب صفتان. ومحل التكرار واضح في الآيتين اللتين استشهدنا بهما على الموازنة التدرجية. ومحل الطباق واضح أيضًا من قولهم: "الأخذ سريط، والقضاء ضُريط"، وبين الأخذ والقضاء موازنة موضعية، وبين السريط والضريط جناس ازدواجي، (وسجعي إذا اعتبرت السجع- وخير أن تتجاهله الآن، لأنا نتحدث عن عهد نحسب أنه لم يستعمل القوم فيه الأسجاع).
تطور التقسيم والموازنة:
قلنا من قبل: إن أمر النظم العربي كله، كان يدور على الأقسام، والملاءمة بينها عن طريق الموازنة، حتى عُرفت القافية وعُرف الوزن، وصار الشعر محكمًا رصينًا، على النحو الذي نجده عند الأعشى والنابغة وزهير. ويخيل لي أن النظم قد مر بهذه الأطوار قبل أن يبلغ هذا المبلغ.
١ - كان الناظم يأتي بقسيم بعده قسيم، مراعيًا في ذلك الموازنة، من غير كبير نظر إلى السجع أو الوزن. وأمثلة هذا النوع كثيرة في أُخيات اللغة العربية، من اللغات السامية، كالعبرية مثلاً، وقد ذكرنا لك ما استشهد به "لُوث". ويشبهه مما وصلنا من كلام العرب، بعض ما ذكره الميداني في كتاب الأمثال، نحو: "إنا لتكشر
стр. 877
في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتقليهم" (١). وقولهم: "إذا كنت في قوم، فأحلب في إنائهم" (٢)، وقولهم: "إذا ظلمت من دونك، فلا تأمن عذاب من فوقك" (٣)، وقولهم: "إن يبغ عليك قومك، لا يبغ عليك القمر" (٤)، وقولهم: "إذا أدبر الدهر عن قوم، كفى عدوهم" (٥).
٢ - جعل الناظم يراعي السجع والازدواج، ويغلب على ظني أن السجع دخل أولاً في الكلام، وجعل الساجعون يراعون الموازنة بين كلمة وكلمة في أقسامهم، مثل قول الكاهن: "أقسم برب الحرتين من حنش، لتهبطن أرضكم الحبش" (هذا مجرد تمثيل فقط)، والحبش وحنش كما ترى متوازيتان. ومما جاء من كلامهم على السجع من دون وزن، ما ذكره الميداني من قولهم: "إنما هو كبارح الأروي، قليلاً ما يُرى" (٦)، وقولهم "أصوص، عليها صوص" (٧). وقد أدى السجع بطبيعته إلى المجانسة الازدواجية، فكان الازدواج، وربما صار يُكتفى به وحده دون السجع، أو مع سجع قليل، مثل قولهم: "إن المنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى" (٨)، وهنا تجد الجناس المزدوج في أرض ظهر. وتجد المجانسة الصرفية الموضعية في قطع وأبقى. وقد ذكروا هذا في الحديث. وأحسبه تمثل به النبي ﷺ ، والله أعلم. ومثل قوي الأنصاري: "أنا جُذيلها المحكك، وعُذيقها المُرجب"، وأظنه تمثل به أيضًا. ومثل قولهم: "إنك لُتكثر الحز، وتُخطيء المفصل" (٩).
٣ - جعل الناظم يحكم المزاوجة والتسجيع، بأن يتعمد الموازنة بين أجزاء الأقسام في مواضع التركيب النحوية، وفي الهيئة الصرفية، وفي الصيغة العروضية،
стр. 878
مثل قولهم: "أمر مُضحكاتك، لا أمر مُبكياتك" (١)، وقولهم: "أنت تئق، وأنا مئق، فمتى نتفق" (٢)، فالمُضحكات كالمُبكيات في الوزن. وتئق ومئق كلاهما متوازن. ومثل هذا كثير من الأمثال القديمة، نحو: "الأخذ سُريط، والقضاء ضُريط" (٣) و"الأكل سلجان، والقضاء ليان" (٤) (وإن كان التوازن بين سلجان وليان، من النوع الصرفي لا العروضي). وكان التكرار كثيرًا ما يدخل هذا النوع ليُقويه. مثل قولهم: "إنما أنت عطينة، وإنما أنت عجينة" فهذا كامل التوازن.
ويبدو أن هذا النوع من التسجيع والازدواج المحكم، أول ما بُدى به، كان يجيء في قسيمين قسيمين، مثل: "إذا قُرح الجنان، بكت العينان، وإذا تلاحت الخصوم، تسافهت الحلوم" (٥). ثم تجاوزوا القسيمين إلى ثلاثة، كما في قولهم: "إنه يحمي الحقيقة، وينسل الوديقة، ويسوق الوسيقة" (٦). وترى التوازن الموضعي هنا بين الأفعال الحقيقة، وينسل الوديقة، ويسوق الوسيقة" (٧). وترى التوازن الموضعي هنا بين الأفعال والمفاعيل، والصرفي أيضًا، إذ كل الأفعال مضارعة، ثم تجد الجناس الازدواجي العروضي في الحقيقة والوديقة والوسيقة، وكما في قولهم المنسوب إلى لُقمان بن عاد وابني تقن (٨): قالوا: "كان لقمان رب غنم، وكان ابنًا تقن صاحبي إبل، فأعجبته أبلهما، فراودهما عنها وقال يعرض عليهما ضأئه: "اشترياها ابني تقن، إنها الضأن، تُجز جُفالاً، وتُنتج رُخالاً، وتُحلب كثبًا ثقالاً" (٩) فأجاباه بمثل كلامه: "لا نشريها يا لُقم، إنها الإبل، حملن فاتسقن، وجرين فأعنقن، وبغير ذلك أفلتن".
стр. 879
وهكذا، فكل هذه الأمثلة، كما ترى، فيها الموازنة الموضعية، حتى راعى الناظم بناء الفعل للمجهول في بعض ما جاء به، وفيها المساواة في وزن الرخال والجفال والثقال. والهيس والميس والحيس.
٤ - جعل الناظم يتجاوز مجرد الموازنة في الأقسام، إلى تكميل الوزن نفسه حتى يصير كل قسيم مساويًا للآخر من جهة العروض. وهذه الخطوة، يزعم العقل أنها لابد أن تكون قد جاءت بعد أن درب الناظمون على الإتيان بقسيمين قسيمين متوازيين، وثلاثة أقسام متوازنة، مثل قولهم: "إنه يحمي الحقيقة، وينسل الوديقة، ويسوق الوسيقة". فبتزيين ووشي وصنع قليل، صار هذا إلى قولهم: إنه حامي الحقيقة، نسال الوديقة، سواق الوسيقة.
وعندما وصل الناظمون هذا الطور، خرجوا من مجرد التقسيم المتوازن، إلى التقسيم الموزون، إلى طريق الشعر التي عبدوها فيما بعد. وسُرعان ما كثر في كلامهم أمثال:
حامي الحقيقة
نسال الوديقة
آبي الهضيمة
ناب بالعظيمة
معتاق الكريمة
وبعد التحوير والتشذيب، صارت هذه الأقسام المسجوعة الموزونة، أرصن وأحكم، مثل:
رباء مرقبة
وهاب سلهبة
مناع مغلبة
стр. 880
ويمكنك أن تحدس بكل يسر أن أصل هذا هو: "إنه يربأ المرقبة، ويهب السلهبة، ويمنع المغلبة". ومثل:
شهاد أندية
جواب أودية
حمال ألوية
وهذا كان أصله إنه يشهد الأندية، ويجوب الأودية، ويحمل الألوية. ويمكنك أن تتوهم أن هذا نفسه، قد كان سبقه طراز أقل توازنًا، مثل: إنه يشهد النادي، ويجوب الأودية، ويحمل اللواء.
٥ - وإذ قد بلغ الناظم هذه المرحلة، مرحلة الأسجاع الموزونة، فقد سلك سبيل الشعر، كما (نعرفها الآن)، وقد اهتدى إلى أُولى خُطوات الوزن الرصين. وما هو إلا قليل، حتى جعل يعمد إلى التسميط، كلما جاء بأسجاع ثلاثة متوازنة، أتبعها سجعة تخالفها، وتوافق أخرى تقع في موقعها، بعد ثلاثة أقسام مسجوعة تالية.
وليس لدينا من هذا النوع شيء نستشهد به. ولكن لدينا أشعارًا تحمل آثاره قوية واضحة، مثل قول أبي المثلم:
آبي الهضيمة،
ناب بالعظيمة،
متلاف الكريمة،
جلد غير ثُنيان،
حامي الحقيقة
نسال الوديقة
معتاق الوسيقة
لا نكس ولا واني