← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وقد سبق أن فصلنا الحديث عن كل واحد منها في موضعه من هذا الكتاب. وإذا أخذنا -على سبيل التمثيل- بعض ما استشهدنا به سابقًا على الموازنة، مثل قول الأنصاري: أنا جُذيلها المُحكك، وعُذيقها المرجب وجدنا الموازنة الجزئية هنا في الجناس الازدواجي بين الجُذيل والعُذيق، والمحكك والمرجب، والموازنة الموضعية فيهما معًا، إذ الجُذيل والعُذيق خبران، والمحكك والمرجب صفتان. ومحل التكرار واضح في الآيتين اللتين استشهدنا بهما على الموازنة التدرجية. ومحل الطباق واضح أيضًا من قولهم: "الأخذ سريط، والقضاء ضُريط"، وبين الأخذ والقضاء موازنة موضعية، وبين السريط والضريط جناس ازدواجي، (وسجعي إذا اعتبرت السجع- وخير أن تتجاهله الآن، لأنا نتحدث عن عهد نحسب أنه لم يستعمل القوم فيه الأسجاع). تطور التقسيم والموازنة: قلنا من قبل: إن أمر النظم العربي كله، كان يدور على الأقسام، والملاءمة بينها عن طريق الموازنة، حتى عُرفت القافية وعُرف الوزن، وصار الشعر محكمًا رصينًا، على النحو الذي نجده عند الأعشى والنابغة وزهير. ويخيل لي أن النظم قد مر بهذه الأطوار قبل أن يبلغ هذا المبلغ. ١ - كان الناظم يأتي بقسيم بعده قسيم، مراعيًا في ذلك الموازنة، من غير كبير نظر إلى السجع أو الوزن. وأمثلة هذا النوع كثيرة في أُخيات اللغة العربية، من اللغات السامية، كالعبرية مثلاً، وقد ذكرنا لك ما استشهد به "لُوث". ويشبهه مما وصلنا من كلام العرب، بعض ما ذكره الميداني في كتاب الأمثال، نحو: "إنا لتكشر

стр. 877

في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتقليهم" (١). وقولهم: "إذا كنت في قوم، فأحلب في إنائهم" (٢)، وقولهم: "إذا ظلمت من دونك، فلا تأمن عذاب من فوقك" (٣)، وقولهم: "إن يبغ عليك قومك، لا يبغ عليك القمر" (٤)، وقولهم: "إذا أدبر الدهر عن قوم، كفى عدوهم" (٥). ٢ - جعل الناظم يراعي السجع والازدواج، ويغلب على ظني أن السجع دخل أولاً في الكلام، وجعل الساجعون يراعون الموازنة بين كلمة وكلمة في أقسامهم، مثل قول الكاهن: "أقسم برب الحرتين من حنش، لتهبطن أرضكم الحبش" (هذا مجرد تمثيل فقط)، والحبش وحنش كما ترى متوازيتان. ومما جاء من كلامهم على السجع من دون وزن، ما ذكره الميداني من قولهم: "إنما هو كبارح الأروي، قليلاً ما يُرى" (٦)، وقولهم "أصوص، عليها صوص" (٧). وقد أدى السجع بطبيعته إلى المجانسة الازدواجية، فكان الازدواج، وربما صار يُكتفى به وحده دون السجع، أو مع سجع قليل، مثل قولهم: "إن المنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى" (٨)، وهنا تجد الجناس المزدوج في أرض ظهر. وتجد المجانسة الصرفية الموضعية في قطع وأبقى. وقد ذكروا هذا في الحديث. وأحسبه تمثل به النبي ﷺ ، والله أعلم. ومثل قوي الأنصاري: "أنا جُذيلها المحكك، وعُذيقها المُرجب"، وأظنه تمثل به أيضًا. ومثل قولهم: "إنك لُتكثر الحز، وتُخطيء المفصل" (٩). ٣ - جعل الناظم يحكم المزاوجة والتسجيع، بأن يتعمد الموازنة بين أجزاء الأقسام في مواضع التركيب النحوية، وفي الهيئة الصرفية، وفي الصيغة العروضية،

стр. 878

مثل قولهم: "أمر مُضحكاتك، لا أمر مُبكياتك" (١)، وقولهم: "أنت تئق، وأنا مئق، فمتى نتفق" (٢)، فالمُضحكات كالمُبكيات في الوزن. وتئق ومئق كلاهما متوازن. ومثل هذا كثير من الأمثال القديمة، نحو: "الأخذ سُريط، والقضاء ضُريط" (٣) و"الأكل سلجان، والقضاء ليان" (٤) (وإن كان التوازن بين سلجان وليان، من النوع الصرفي لا العروضي). وكان التكرار كثيرًا ما يدخل هذا النوع ليُقويه. مثل قولهم: "إنما أنت عطينة، وإنما أنت عجينة" فهذا كامل التوازن. ويبدو أن هذا النوع من التسجيع والازدواج المحكم، أول ما بُدى به، كان يجيء في قسيمين قسيمين، مثل: "إذا قُرح الجنان، بكت العينان، وإذا تلاحت الخصوم، تسافهت الحلوم" (٥). ثم تجاوزوا القسيمين إلى ثلاثة، كما في قولهم: "إنه يحمي الحقيقة، وينسل الوديقة، ويسوق الوسيقة" (٦). وترى التوازن الموضعي هنا بين الأفعال الحقيقة، وينسل الوديقة، ويسوق الوسيقة" (٧). وترى التوازن الموضعي هنا بين الأفعال والمفاعيل، والصرفي أيضًا، إذ كل الأفعال مضارعة، ثم تجد الجناس الازدواجي العروضي في الحقيقة والوديقة والوسيقة، وكما في قولهم المنسوب إلى لُقمان بن عاد وابني تقن (٨): قالوا: "كان لقمان رب غنم، وكان ابنًا تقن صاحبي إبل، فأعجبته أبلهما، فراودهما عنها وقال يعرض عليهما ضأئه: "اشترياها ابني تقن، إنها الضأن، تُجز جُفالاً، وتُنتج رُخالاً، وتُحلب كثبًا ثقالاً" (٩) فأجاباه بمثل كلامه: "لا نشريها يا لُقم، إنها الإبل، حملن فاتسقن، وجرين فأعنقن، وبغير ذلك أفلتن".

стр. 879

وهكذا، فكل هذه الأمثلة، كما ترى، فيها الموازنة الموضعية، حتى راعى الناظم بناء الفعل للمجهول في بعض ما جاء به، وفيها المساواة في وزن الرخال والجفال والثقال. والهيس والميس والحيس. ٤ - جعل الناظم يتجاوز مجرد الموازنة في الأقسام، إلى تكميل الوزن نفسه حتى يصير كل قسيم مساويًا للآخر من جهة العروض. وهذه الخطوة، يزعم العقل أنها لابد أن تكون قد جاءت بعد أن درب الناظمون على الإتيان بقسيمين قسيمين متوازيين، وثلاثة أقسام متوازنة، مثل قولهم: "إنه يحمي الحقيقة، وينسل الوديقة، ويسوق الوسيقة". فبتزيين ووشي وصنع قليل، صار هذا إلى قولهم: إنه حامي الحقيقة، نسال الوديقة، سواق الوسيقة. وعندما وصل الناظمون هذا الطور، خرجوا من مجرد التقسيم المتوازن، إلى التقسيم الموزون، إلى طريق الشعر التي عبدوها فيما بعد. وسُرعان ما كثر في كلامهم أمثال: حامي الحقيقة نسال الوديقة آبي الهضيمة ناب بالعظيمة معتاق الكريمة وبعد التحوير والتشذيب، صارت هذه الأقسام المسجوعة الموزونة، أرصن وأحكم، مثل: رباء مرقبة وهاب سلهبة مناع مغلبة

стр. 880

ويمكنك أن تحدس بكل يسر أن أصل هذا هو: "إنه يربأ المرقبة، ويهب السلهبة، ويمنع المغلبة". ومثل: شهاد أندية جواب أودية حمال ألوية وهذا كان أصله إنه يشهد الأندية، ويجوب الأودية، ويحمل الألوية. ويمكنك أن تتوهم أن هذا نفسه، قد كان سبقه طراز أقل توازنًا، مثل: إنه يشهد النادي، ويجوب الأودية، ويحمل اللواء. ٥ - وإذ قد بلغ الناظم هذه المرحلة، مرحلة الأسجاع الموزونة، فقد سلك سبيل الشعر، كما (نعرفها الآن)، وقد اهتدى إلى أُولى خُطوات الوزن الرصين. وما هو إلا قليل، حتى جعل يعمد إلى التسميط، كلما جاء بأسجاع ثلاثة متوازنة، أتبعها سجعة تخالفها، وتوافق أخرى تقع في موقعها، بعد ثلاثة أقسام مسجوعة تالية. وليس لدينا من هذا النوع شيء نستشهد به. ولكن لدينا أشعارًا تحمل آثاره قوية واضحة، مثل قول أبي المثلم: آبي الهضيمة، ناب بالعظيمة، متلاف الكريمة، جلد غير ثُنيان، حامي الحقيقة نسال الوديقة معتاق الوسيقة لا نكس ولا واني

стр. 881

وقول أبي صخر: وتلك هيكلة خود مُبتلة صفراء رعبلة من منصب سنم عذب مُقبلها جزل مُخلخلها كالدعص أسفلها مخضودة القدم وهذا النهج من كلام أبي صخر، يمثل أسلوبًا أحدث مما جاء في شعر أبي المثلم. ومثله قول الخنساء: جواب قاصية جزاز ناصية حمال ألوية للجيش جرار حلو حلاوته فصل مقالته فاش حمالته للعظم جبار وأقول إن الأقسام التي في شعر أبي صخر والخنساء. تمثل أسلوبًا أحدث، لرصانة وزنها، وجريانه على الأرباع التي كُتب لها فيما بعد، أن تكون وزن البسيط. ٦ - أخذ الناظمون يعرفون البيت الكامل، من طريق هذه الأقسام، التي

стр. 882

كانوا يجيئون بها أسماطًا؛ ويغلب على ظني أنهم عرفوا البيت الكامل، بتطويل هذه الأقسام شيئًا. ثم أرجح أنهم لم يقدموا إقدامًا جريئًا على نظم الأبيات الكاملة متواترة أول الأمر، وإنما كانوا يجيئون بالأسماط، ثم يتخلصون منها إلى أقسام أطول منها، مستعملين السجع والازدواج بلا سجع، ثم يتخلصون بعد ذلك إلى البيت الكامل. كلمة أبي المثلم تمثل هذا الأسلوب، وبحسبك أن تنظر في هذه الأبيات الأخيرة منها: ١ - رباء مرقبة مناع مغلبة ركاب سلهبة قطاع أقران ٢ - شهادة أندية حمال ألوية جواب أودية سرحان فتيان ٣ - يحمي الصحاب، إذا كان الضراب، ويكفي القائلين. إذا ما كبل العاني ٤ - يعطيك ما لا تكاد النفس ترسله من التلاد، وهوب، غير منان فالجزء الثالث عمد فيه الشاعر إلى أقسام طويلة كالمسجعة، وإلى التقسيم المزدوج من غير سجع، ليأتي ببيت تام، وكان هذا التنويع منه، بمنزلة التخلص من أسلوب الأقسام المسمطة السابقة.

стр. 883

والجزء الرابع، جاء فيه الشاعر بالبيت تامًا، بعد أن مهد لذلك بالبيت المقسم قبله. ونحو من هذا تجده في كلمة أبي صخر: ١ - كأن مُعتقة. في الدن مُغلقة صهباء مُصفقة من رابئ رذم ٢ - شيبت بمرهبة من رأس مرقبة جرداء سلهبة في حالق شمم ٣ - خالط طعم ثناياه وريقتها. إذا يكون توالي النجم كالنظم، والشاعر هنا لم يجيء بجزء مُمهد، كما فعل أبو المثلم، لكنه جاء بالزحاف الشديد الظهور في أول الجزء الثالث، ليشعر بالانتقال من التسميط إلى البيت التام ومذهب الخنساء في الرائية أشبه بمذهب أبي المثلم: ١ - فعال سامية ورد طامية للمجد نامية تعنيه أسفار ٢ - جواب قاصية جزاز ناصية

стр. 884

عقاد ألوية للجيش جرار ٣ - حلو حلاوته فصل مقالته فاش حمالته للعظم جبار ٤ - وإن صخرًا، لكافينا وسيدنا وإن صخرًا إذا نشتو لنحار ٥ - وإن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار فأنت ترى هنا أنها قد اتخذت من التقسيم بلا مواقف، سُلما تصعد به إلى البيت الكامل. والتقسيم بلا موقف، كلما قدمنا، أسلوب أقدم من التقسيم المسجوع الموزون، ولكن طلب رصانة البيت وإحكامه (وهو أحدث وأقوى ما وصل إليه النظم من المذاهب) استدعى الرجوع إلى استعمال تقسيم المواقف القديم، حتى تندمج الأقسام بعضها في بعض، وتكون وزنًا تامًا متماسكًا، ومن خير ما يمكن الاستشهاد به، على هذا، قول امرئ القيس من ضاديته: بلاد عرضية وأرض أريضة مدافع غيث في فضاء عريض والأقسام هنا كلها، تمثل أسلوبًا أقدم من الذي رأيناه عند أبي المثلم وأبي

стр. 885

صخر والخنساء. وقد اعتمد الشاعر، وهو ممن كانوا يعرفون الوزن التام، في صياغته على سجعتين متوازنتين، وازدواج غير مسجوع. ومثل هذا قوله: له قُصريًا عير وساقا نعامه كفحل الهجان ينتحي للعضيض وإذ قد وضح هذا، تبينًا خطأ أبي هلال العسكري الفاحش، في نقده لأبيات أبي صخر وأبي المثلم والخنساء، حين حكم ذوقه العباسي، وجعل يتحذلق، فيزعم أن "تعنيه أسفار" و"سرحان فتيان" أقسام قلقة غير مطمئنة. ولو قد كان أدرك أنها أشطار، لا بل أبيات كل بيت منها قائم بنفسه، لم يُجسر على هذه المقالة. افتراق التقسيم والموازنة: كان التقسيم والموازنة، حتى المرحلة الخامسة من المراحل التي قدمناها، متساوقين تساوق الشمس وضوئها؛ الموازنة الشمس، والتقسيم ضوؤها، ومرتبطين ارتباط الهيولي والصورة؛ الموازنة الهيولي، والتقسيم هيئتها، وكان بينها من النسب والقرب ما بين الطباق الكلي والطباق الجزئي. ولو قد وقف النظم عند المرحلة الخامسة ولم يجاوزها، لغبر التقسيم والموازنة يتسايران طوال الدهر. ولكن النظم كما رأيت، اكتشف الوزن، وأقبل عليه أول الأمر حذرًا فرقًا، يتوكأ على التقسيم. ثم ألقى بالتقسيم إلى جانب، وطلب توحيد البيت وإحكامه، وإجادة سبكه. والموازنة خل لا وفاء عنده، فهي على طول ما صاحبت التقسيم، لم تكن تضمر له من الود، وصدق العلاقة، ما كانت تضمر للنظم. فحين اتجه النظم إلى الوزن، اتجهت معه إليه. ولو قد تجاوز النظم الوزن إلى طراز أنضج منه، وأشد

стр. 886

صلابة ورصانة، لاتجهت معه، وفارقت الوزن. وبعد أن كانت إنما تحرص على الملاءمة بين قسِيم وقسيم، صار يهمها أن تلائم بين شطر وشطر، وبيت وبيت، وإن شاء التقسيم جاء يخدم بين يديها، ويعينها، فيما تفعل، وإن لم يشأ، طرحته جانبًا، ومضت في سبيلها. ويصح لنا أن نصف الموازنة، بعد دخول الوزن والقافية في الشعر، بأنها ذلك الوسيط الموسيقى المعنوي، الذي يؤلف بين أطراف الوحدات والتنويع في الكلام، من طباق وتكرار وجناس، وتقسيم واضح وتقسيم خفي، وتقسيم مرصع وتقسيم مقطع، ويجعلها كلها متلائمة متماسكة، مفصحة بالانسجام التام، ولو جاز لنا أن نستعير تشبيهًا من العقيدة المسيحية، فالانسجام بمنزلة الأب، والنظم، بوزنه وجناسه وطباقه وتكراره وتقسيمه ومقابلته، بمنزلة الابن، والموازنة بمنزلة الروح القدس. تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. تعقد الموازنة في الشعر العربي وبافتراق الموازنة والتقسيم، وتفرد الموازنة وحدها بأمر التوفيق بين أطراف النظم، واعتمادها على أن تبرز في الملاءمة بين شطر وشطر، وبيت وبيت، وفي ما تتكون منه الأبيات والأشطار، تعقدت الضروب المؤلفة للانسجام في جرس الشعر العربي تعقدًا شديدًا؛ فهناك الضرب الذي تحدث فيه الموازنة، من مقابلة تركيب بتركيب أو مجانستهما، وهناك الموازنة التي تكون بين قسيم وقسيم، وهناك الموازنة التي تكون بين أجزاء التفعيلات في البيت، من دون نظر إلى الأقسام والمواقف. وكل هذه الأشياء، تجتمع معًا في حيز وزن البيت، وقد تتجاوزه إلى جزء من القصيدة مكون من بيتين أو أكثر؛ وكل هذا يجعل النظم العربي، غاية في النضج تتجاوب فيه الأصداء، بعضها يتحدث من وراء عهد عاد، وبعضها يشع بنور الحضارة العباسية.

стр. 887

الوزن في نظم الشعر العربي هو في ذات نفسه موسيقًا وإيقاع مُعبر كتعبير الموسيقا بذات نفسه قبل أن يندرج فيه بيان اللفظ والمعنى. ومن أجل هذا ما يصح وصف الجاحظ لوزن الشعر العربي خاصة أنه هو المعجز وأن الترجمة تعجز عنه. هذا ويمكن حصر الوجوه التي نشأ منها العقد في الانسجام، بعد افتراق الوزن والتقسيم (هذا بعد استثناء ما ذكرناه سابقًا من أنواع الموازنة) في ثلاثة: ١ - الموازنة التي تطاوع التقسيم وتساوقه، ومثالها، مما التقسيم فيه غير مسجع قول ابن أبي ربيعة: تهيم إلى نُعم، فلا الشمل جامع ... ولا الحبل موصول، ولا أنت مقصر وقول إبراهيم بن المهدي يرثي ابنه: تبدل دارًا غير داري، وجيزة ... سواي، وأحداث الزمان تنوب ومثاله مما التقسيم فيه سجع، قول المتنبي: الدهر مُعتذر، والسيف منتظر ... وأرضهم لك مُصطاف ومرتبع ٢ - الموازنة التي تستعين بالتقسيم، وتعينه على الظهور، مثل قول امرئ القيس: سباط البنان، والعرانين والقنا ... لطاف الخصور، في تمام وإكمال فتوازن سباط البنان، ولطاف الخصور، يعين التقسيم الأول على الوضوح. ومن هذا قول الحطيئة (١): ألم أك نائيًا، فدعوتموني ... فجاء بي المواعد والدعاء فلما كنت جاركم، أبيتم ... وشر مواطن الحسب الإباء

стр. 888

ولما كنت جارهم، حبوني ... وفيكم كان، لو شئتم حباء ولما أن مدحت القوم، قلتم ... هجوت، وهل يحل لي الهجاء ولم أشتم لكم حسبًا ولكن ... حدوت بحيث يُستمع الحداء فقوله: "ألم أك نائيًا" و"فلما كنت جاركم"، وقوله: "ولما كنت جارهم" كلها متوازنة من جهة العروض؛ وقوله: "ولما أن مدحت القوم"، وقوله: "ولم أشتم لكم حسبًا" كلاهما متوازن من جهة العروض؛ وهذا يساعد على ظهور القسمة، والقسمة تساعد على ظهوره. وأما قوله: "قُلتم هجوت، ولكن حدوت" فمتوازنان من جهة العروض، ولكن لا قسمة في موضع حدوت. وقد نظر إبراهيم بن المهدي إلى هذا الصنف في كلمته التي يقول فيها: تبدل دارًا غير داري، وجيزة ... سواي، وأحداث الزمان تنوب كأن لم يكن كالغصن، في ميعة الصبا ... سقاه الندى، فاهتز وهو رطيب كأن لم يكن كالدر، يلمع نوره ... بأصدافه، لما تشنه ثُقوب والشاهد ما وضعنا تحته خطًا. ومن أجود ما جاء في هذا الصنف كلمة امرأة عُبيد الله بن عباس، ترثي ابنيها، وقد سبق أن استشهدنا بها في باب القوافي من الجزء الأول، ونذكر هنا منها بيتين لندل على ما نذكره في هذا الموضع: - يا من أحسن صغيري اللذين هما ... كالدرتين، تشظى عنهما الصدف يا من أحس صغيري اللذين هما ... سمعي وطرفي، فطرفي اليوم مُختطف والموازنة العروضية الموضعية واضحة في الأقسام التي بيناها بالخطوط. ٣ - الموازنة التي توهم القسمة ولا قسمة، مثل قول ذي الرمة: أستحدث الركب عن أشياعهم خبرًا؟ ... أم راجع القلب من أطرابه طرب؟

стр. 889

فهنا يخيل إليك أن البيت مقسم، وإنما هي الموازنة بين أجزائه، تلعب بسمعك وتخادعه. ونحوه قول المتنبي: ضروب ما بين الحسامين ضيق ... بصير وما بين الشجاعين مظلم ونحو هذا كثير في الشعر العربي. وتجده في أبيات الحطيئة السابقة. عند قوله: "حدوت بحيث يستمع الحداء". وقد وقف ابن رشيق عند بيت ذي الرمة المذكور قبل هذا، وقفة طويلة، استطاع أن يدرك بها سر هذا الذي سميناه الموازنة، وسماه "لوث" بالموازنة "العددية" ... قال وهو يتحدث عن المقابلة (١): " ومن الشعر ما ليس مخالفًا ولا موافقًا كما شرطوا، إلا في الوزن والازدواج فقط، فيسمى حينئذ موازنة؛ نحو قول النابغة: أخلاق مجد تجلت ما لها خطر ... في البأس والجود، بين الحلم والخبر وعلى هذا الشعر حشا النعمان بن المنذر فم النابغة درًا، وينضاف إلى هذا النوع، قول أبي الطيب: نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال فوزان في قو "حياتك" بقوله: "في منامك" وليس بضده ولا موافقه، وكذلك صنع في الموازنة بين حبيب وخيال؛ وإن اختلف حرف اللين فيهما، فإن تقطيعه في العروض واحد، فأما قول أبي تمام: فكنت لناشيهم أبا، ولكهلهم ... أخا، ولذي التقويس والكبرة ابنما فإنه من أحكم المقابلة، وأعدل القسمة. وقد بينت في هذا الباب أن المقابلة

стр. 890

بين التقسيم والطباق، فكما توفر حظهما منهما كانت أفضل. ومن أملح ما رويناه في الموازنة وتعديل الأقسام مما يجب أن نختم به هذا الباب قول ذي الرمة: أستحث الركب عن أشياعهم خبرًا ... أم راجع القلب من أطرابه طرب لأن قوله: "أستحدث الركب" موازنة لقوله: "أم راجع القلب"، وقوله، "عن أشياعهم خبرًا" موزان لقوله: "من أطرابه طرب"، وكذلك "الركب" موازن "للقلب" و "عن" موازن "لمن" و "أشياعهم" موزان "لأطرابه"، و"خبرًا" موازن "لطرب" اهـ. وابن رشيق يستعمل المقابلة هنا بالمعنى الواسع، وهي تعادل ما نسميه الموازنة وما سماه "لوث": parallelismus Membrorum، وإنما ذكرنا كلامه اعترافًا بفضله وسبقه، وتبركًا بذلك. هذا، والموازنة الموهمة للقسمة من أفعل الأشياء أثرًا في زيادة جرس الشعر، وكلما بعد موضعها عن التقسيم، وزاد إيهامها به، كانت أقوي، مثل قول الحطيئة: ملوا قراه، وهرته كلابهم ... وجرحوه بأنياٍب وأضراس فجرحوه، موازنة للمواقراه، على أنه ليس بموقف. ومن هذا النوع قول البحتري: بأروع من طي كأن قميصه ... يزر على الشيخين زيد وحاتم فقوله: "يزر على" يوهم القسمة، لموازنته لقوله "بأروع من". وأحسب القارئ الكريم، قد أدرك ما تفعله الموازنة من ربط جرس الألفاظ، بالوزن الذي وضعت فيه. ومن ربط هذين معًا، بالمعنى الذي يبلغ السمع. وقد سبق أن فصنا الحديث عن الوزن، فليربط القارئ بين ذلك، وبين ما فصلناه هنا من الحديث عن الجرس، فإنما كان الفصل بينهما بغرض الدرس والتحليل. وسبيل الناقد أن ينظر إلى الشعر من حيث إنه كل واحد لا يتجرأ.

стр. 891

خلاصه عن التقسيم والموازنة ١ - عرفنا التقسيم، بأنه تجزئة البيت بحسب مواقف اللسان. ٢ - هذه التجزئة: إما تكون خفية، وسمينا هذا بالتقسيم الخفي، وهو ما تكون المواقف فيه كأنها اختيارية؛ وإما واضحة، وسمينا هذا بالتقسيم الواضح. ٣ - والتقسيم الواضح أنواع: فمنه ما لم يراع وزنًا ولا سجعًا، ومنه ما راعى الوزن والسجع. ٤ - وقد ذكرنا من التقسيم بحسب مسايرته للوزن والسجع أو مخالفته لهما أربعة أقسام: الوزن التقطيعي بلا سجع، والذي يباري الوزن بلا سجع، والذي يقع فيه التقطيع مع السجع المخالف للقافية، والذي يقع فيه السجع المشابه للقافية. ٥ - وذكرنا أن التقسيم كان عماد الشعر قبل اكتشاف الوزن، وكانت تسايره الموازنة، وهي عامل يعمد إلى الملاءمة بين الأقسام، إما بالتوافق، وإما بالتضاد، وإما بالتكامل، وإما بالتدريج، وإما الإجمال والتفصيل، وإما بذلك جميعًا أو بأشياء من ذلك مجتمعة. ٦ - وبعد أن جاء الوزن، فارقت الموازنة التقسيم، فصارت تنظر إلى التأليف بين الأشطار والأبيات، وأنطوي تحت ذلك ما كان يحدث بين التأليف بين الأقسام.

стр. 892

خاتمة عن النظم حين وضحنا رأينا في ارتباط التقسيم والموازنة، وتساوقهما إلى أن ظهر الوزن التام، ثم افتراقهما بعد ذلك، ذكرنا ستة أطوار "راجع الباب السابق"، رجحنا أنها هي المراحل التي مر بها نظم الكلام العربي من الموازنة اللفظية، إلى الصياغة البحرية القافوية المحكمة. وبين هذه المراحل، مرحلة مهمة جدًا، لم نطل الوقوف عندها، لأن منهج بحثنا، وسياق كلامنا، كان يقتضينا ألا نتريث ريثًا يبعد القارئ عن غرضنا الذي سقنا الكلام له من أجله (وهو صلة الموازنة بالتقسيم). هذه المرحلة المهمة هي المرحلة الخامسة، التي انتقل أسلوب النظم فيها من السجع الموزون إلى التسميط المحكم، وقد قلنا عنها في حديثنا السابق: إن الناظم بعد أن عرف الأسجاع الموزونة، "اهتدي إلى أولي خطوات الوزن الرصين. وما هو إلا قليل، حتى جعل يعمد إلى التسميط، كلما جاء بأسجاع ثلاثة متوازنة، أتبعها سجعة تخالفها، وتوافق أخر تقع في موقعها، بعد ثلاثة أقسام مسجوعة تالية. وليس لدينا من هذا النوع شيء نستشهد به. ولكن لدينا أشعارًا تحمل أثاره قوية واضحة" (١) ... ثم ذكرنا من هذه الآثار أبيات الهذليين والخنساء. ولعل القارئ يكون قد حدس من كلامنا هذا، أن المرحلة الخامسة في تطور النظم العربي، يمكننا أن نستدل عليها، بما وصلنا بعدها من شعر هذيل والخنساء، وبعض تقسيمات امرئ القيس بن حجر، مثل قوله: بلاد عريضة، وأرض أريضة ... مدافع غيث، في فضاٍء عريض

стр. 893

وقوله: فتور القيام، قطوع الكلا ... م، تفتر عن ذي غروب خصر كأن المدام، وصوب الغمام ... ونشر الخزامي، وريح القطر إلخ وقوله: وعين لها، حدرة، بدرة وقوله: ألص الضروس، حنى الضلوع وقوله: برهرهة، ر ودة، رخصة وقوله: إلا إنني باٍل، على جمٍل بالي، ... يسير بنا باٍل، ويتبعنا بالي (١) وقوله: سباط البنان، والعرانين، والقنا ... لطاف الخصور، في تمام وإكمالي وقوله: وأوتاده ماذية، وعماده ... ردينية، فيها أسنة قعضب وقوله: له أيطلا ظبي، وساقا نعامٍة ... وإرخاء سرحان، وتقريب تنفلي وقوله: إذا أقبلت، قلت دباءة ... من الخضر معموسة في الغدر وإن أدبرت، قلت أثفية ... ململمة ليس فيها أثر وإن أعرضت، قلت سرعوفة ... لها ذنب خلفها مسبطر

стр. 894

وقوله: أفاد فجاد، وشاد فزاد ... وقاد فذاد، وعاد فأفضل ويحلق بهذا قول أبي دؤاد الإيادي (العمدة ٢: ٢٦): والعين قادحة، والرجل ضارحة ... واليد سابحة، واللون غربيب (١) والشد منهمر، والماء منحدر ... والقضب مضطمر، والمتن ملحوب وأكثر هذا قد سبق لنا الاستشهاد به. وهنا نتساءل: هل هذه هي المرحلة الخامسة، التي تدل عليها هذه الشواهد، جاءت طبيعية سليقية، تدعوها سجية التوازن، التي لا تفارق السجع والمزاوجة؟ هل أدراك الناظم العربي القديم، بما ركب فيه من حدس صادق، وفطرة سلمية، جوهر الصلة الوزنية بين قولة، حامي الحقيقة نسأل الوديقة معتاق الوسيقة والوزن الكبير -وزن البسيط- الذي يمكن أن تدرج فيه هذه السجعات جميعًا، إذا أضيفت إليها فقرة تتممها؟ ثم هل هدته الفطرة أيضًا، إلى أن هذه الفقرات المتممة، التي تصير بها كل سجعات ثلاث بيتًا محكم الوزن، ينبغي أن تكون جميعها متحدة في القافية، حتى ينشأ من تألفها مع ما قبلها، وانسجامها مع ما بعدها،

стр. 895

تسميط رصين؟ ثم هل دلته إلى أن أمثال هذه المجموعة من السجعات: حامي الحقيقة نسأل الوديقة معتاق الوسيقة وهذه المجموعة من السجعات: مناع مغلبة رباء مرقبة ركاب سلهبة كلها تنتمي إلى سنخ واحد، مع الاختلاف الوزني الواضح بين الأقسام المكونة لها؟ وأنه لن يحتاج في إبراز هذه الحقيقة، إلى أكثر من أن يعتمد إلى المجموعة الأولى، فيتمها بفقرة قصيرة مثل: "لانكس ولا وان". وإلى لمجموعة الثانية، فيتممها بفقرة أطول من هذه مثل: "قطاع أقران". وأعجب من هذا قول امرئ القيس: بلاد عريضة وأرض أريضة ... مدافع غيث ففضاٍء عريض فالقسيمان الأولان مختلفان جدًا عن القسيمين الأخيرين، فهل الفطرة أيضًا هي التي هدت إلى أن جميع الأقسام، يمكن جمعها في نطاق البحر الطوي الثالث؟ ربما يميل بنا الظن بادئ الرأي إلى القول بأن الفطرة السليمة، وطبيعة التكافؤ في السجع والازدواج، هما اللتان مكنتا من كل هذا. ولكنا نسأل بعد، لماذا لم تفعل الفطرة السليمة مثل هذا الفعل في اللغة العبرية القديمة، التي نزلت بها التوراة في الدهر الأول، ولماذا كان أسلوب المزامير، والأناشيد العبرية، والأحاديث الإنجيلية الرفيعة التي تحدث بها المسيح، كل ذلك مبنيًا على أسلوب الموازنة. وليس

стр. 896

فيه شيء من الأعاريض (١)؟ أليست اللغة العبرية التي نزلت بها التوراة، والأرامية التي تكلم بها عيسى، كلتاهما من أخوات العربية، وتشبهانها شبهًا عظيمًا؟ فلماذا إذا لم تهتديا بالفطرة، إي ما اهتدت إليه العربية، أو إلى شيء شبيه به؟ ولعلك تقول: إن لغة العرب أحدث عهدًا من جميع هذه اللغات، ونجيبك حينئذ بأن في رصانة أوزان العربية، وإحكام التقاليد التي في قصيدها ومقطعاتها، ما يدل على أنها موغلة في القدم. فإن كنت تريد بالحداثة أنها عاشت حية إلى عهد طويل، بعد موت تلك اللغات، فإن في قولك هذا تسليمًا بأنها قد تعرضت من عوامل التطور، لما لم تتعرض له أخواتها. ولعل أهم هذه العوامل جميعًا أن تكون اقتباسها

стр. 897

الوزن في صيغة بدائية من فارس، أو من الشعر اليوناني، من طريق آثاره التي تركها في الأدب الفارسي بعد غزوة الإسكندر. وقيام مستعمرة إغريقية في بلاد ما وراء النهر! ولا يهولنك هذا الحدس، فتطالبني بالدليل النقلي. فأنا لا أزعم أن بعض العرب الأولين اطلعوا على "أوميروس" في كتاب إغريقي، أو زيروا صحفية مما خلفه دارا وقمبيز، وإنما ألتفت إلى هذه الطريقة المحكمة من العروض والقافية، التي سلكها العرب، فأعجز أن أقتنع بأن الفطرة السليمة وحدها، هي التي طورتها من الموازنة والازدواج إلى هذا القدر العظيم من الإحكام، الذي يعتمد على كم المقطع ورنته، لا مقابلة التركيب بالتركيب، كما هي الحال النظم العبرية القديمة، ثم أنظر في حال الأمم القديمة، فأجد الإغريق هم قد احكموا الشعر في الزمان الغابر، مثل إحكام العرب، "وأكثر من أحكامهم في رأي النقاد الفرنجة". وقد عرفوا الوزن المقطعي والكمي: سداسيًا وغير سداسي، وعليه بنوا روائعهم في الملاحم والمسرحيات. هكذا يخبرنا النقاد الإنجليز الذين درسوا الإغريقية، عندما يعرضون تحليل الوزن عند شعرائهم أمثال شكسبير، ومارلو، وبوب، وهؤلاء الإغريق قد فتحوا الدنيا في عهد الإسكندر، وأثروا أعظم تأثير في الفرس من جهة دولتهم التي شادوها في بلاد ما وراء النهر. ثم جاء الرومان أولو الملك الواسع، فنشروا علم يونان في كل مكان. وأنت تعلم أن حدود دولتهم كانت عند الفرات وبادية الشام، وأن سفنهم كانت تصل إلى بلاد اليمن وحضر موت. ثم بعد تصدع دولة الرومان القديمة، ونهوض بيزنطة بالمشرق، استحكم الاتصال بين الإغريق والفرس (١).

стр. 898

وكلا المدنيتين الإغريقية والفارسية (التي تأثرت بها) كانتا تتاخمان بلاد العرب والأستاذ الكبير "أرنولد توينبي" يقول في كتابه: "دراسة في التأريخ"، في غير ما موضع واحد، إن المدنيات العظيمة كانت لا تملك أنفسها من إرسال "إشعاعات" تجتذب تلك الأمم، فبعضها يخضع للمدنية العظيمة ذات الإشعاع، ومثل هذا قد حدث فرنسة وبريطانيا بعد فتح الرومان، وبعضها يعدو على المدينة العظيمة ويخربها، ونحو من هذا قد حدث لروما على أيدي القبائل المتوحشة في القرن الخامس الميلادي، ولبغداد على أيدي التتار، في القرن الثالث عشر. ولا يفوت الأستاذ "توينبي" وهو يقص علينا أمر الرومان واليونان، أن يذكر أن مدنياتهم قد أرسلت "إشعاعات" قوية، وصلت إلى أعماق الجزيرة العربية، وأن هذه الإشعاعات قد اجتذبت العرب، فانضوى بعضهم في ظل المدينة الرومانية والفارسية، كالذي حدث من أمر "تدمر" في عهد أورليان وقبله، وكالذي حدث من شأن لخم وغسان، ثم اعتدي سائرهم علي كلتا دولتي فارس والروم، حين فاض الإسلام. وأدلة هذه "الإشعاعات" التي كانت ترسلها الحضارة الإغريقية من طريق فارس أو غيرها (وطريق فارس أرجح عندنا، ما سنذكره فيما بعد) واضحة، تقريناها في كلام الجاهلية القديم. وأسوق لك على سبيل المثال قصه "ذات الصفا" التي جري بها المثل، ونظم فيها النابغة أبياته الرائية. وأصل هذه القصة "كما هو معروف" من خرافات "إيسوب (١) ". فهل تستبعد إذن، أيها القاري الكريم، أن يكون الوزن المحكم من بعض ما وصل من " إشعاعات" المدينة الإغريقية الفارسية؟ ألا تجد أن اللغة السريانية قد

стр. 899

استعملت الوزن المقطعي (١)، بسيطا بلا كم، وهو شيء لم يكن معروفًا في أمها الآرامية؟ أليس في قوة اتصال السريان بالحضارة الإغريقية، ما يشرح سر هذا الوزن المقطعي الدخيل؟ وإذ نرى أن "إشعاع" الإغريق قد أصاب السريان، فأثر فيهم هذا التأثير، ألا يجوز أن يكون قد أصاب العرب، فأثر فيهم تأثيرًا أقوي عن طريق مدينة الفارسية؟ (٢). والوزن كما لا يخفى أخو الغناء والموسيقا. والناس وأسرع شيء إلى أخذ الغناء والتأثر به. ولو لم يفهموا معانيه. ونحن نشاهد دليل ذلك الآن في بادنا، إذ يأخذ الناس عن المغنيات الأثيوبيات بعض النغمات، مما ينشدنه بلغتهن التي لا يفهمونها. وغنية المعروفة: "يا حبيبي تعالا" (ولا أدري أغنتها أسمهان رحمها الله أم غيرها) إنما هي منقولة النغم من أغنية أوربية، وأنا لا أتزيد فأزعم أن الوزن المقطعي شع على العرب في فخامته الناضجة، كما عرفها الإغريق، أو على طريقة ومنهج واضح حذا عليه الناظم العربي عن قصد وتعمد. وكل ما أريد أن أزعمه هو أن فكرة الوزن بالمقاطع، شعت علي العرب من بريق يوناني فارسي. وتلقوها هم بشغف، وأخذوها وكأنهم لا يشعرون، شأنهم في هذا شأن الصليبين حين أخذوا القافية من العرب. وما إن وجدوا هذه الطريقة المقطعية سبيلها إلى النظم العربي،

стр. 900

الذي كان عماده الموازنة والسجع والمزاوجة والتقسيم، حتى أحدثت فيه معجزة التغيير، التي أدت إلى اختراع البحور. ولعلك تقول لي: إنك استدللت بالسريانية، لتقوي أمر ما تزعمه من تأثر العربية بالمدينة الإغريقية الفارسية. فلماذا تهمل أمر العبرية وتغفل عنه، وأدبها أعظم وأعمق واليهود، من بين سائر الأمم، اتصلوا بالرومان واليونان والفرس اتصالا أقوى وأعنف مما اتصل السريان؟ أليس اليهود قد عاصروا رمسيس وبختنصر وكورش وأباطرة الرومان جميعًا؟ فلماذا لم يقتبسوا الوزن من الإغريق أو الرمان؟ أو من أي أمة عساها أن تكون اقتبسته من هاتين الأمتين؟ لماذا لم يسبقوا العرب إلى الكامل والوافر والبسيط أو شيء نحوهما، إذ قد كانت لديهم أداة التأثر كاملة؟ وهذا الاعتراض يحمل فيطياته عناصر الرد عليه. ذلك أن اليهود أمة في غاية الغايات من المحافظة على التراث القديم والحرص على إبقائه نقيًا، وكانوا أمة ذات كبرياء، معتزة بتواراتها ومزاميرها وأخبار صلحائها، فخزرًا بما خصها الله من النبوة والكتاب. وكانت تأنف من أن تدنس هذه الخاصة التي خصها بها الله، بالزينة التي كانت تراها عند أبناء الغرل والأميين (هكذا كان بنو إسرائيل يسمون غيرهم من الأمم). فهذا فيما أرى هو سر إعراضهم عن أن يأخذوا الوزن عما سمعوه من شعر اليونان وغيرهم. على أن المتأخرين منهم جدًا، لم يستنكفوا أن ينظموا في الوزن المقطعي اللاكمي، وفي أوزان عروضية أخذوها من العرب المسلمين. وقد كان أهل مشرق الجزيرة العربية، من قبائل ربيعة وتميم وإياد، هم أول من نقل الوزن عن فارس فيما أرى، لقربهم منها، واحتكاكهم بها، وقلة تحفظهم في الأخذ عن مدنيتها، والمحاكاة لها ما استطاعوا. كما قد كان أهل الحجاز هم آخر من استعمل الوزن، وإنما أخذوه من جيرانهم من المجموعة التميمية. ولعلك تقول: إن بعد الحجاز عن فارس، ليس معناه أن الحجاز لم يتصل بالأجانب، فتجارة مكة ورحلاتها الصيفية والشتوية وحدها، دليل كافٍ على أن العرب الحجازيين عرفوا

стр. 901

غيرهم من الأمم وخالطوها. وقد اتصلوا عن كتب بآثار المدينة الرومانية في الشام. ورأوا أملاكا عربا يسيرون سيرة رومية أيام "تدمر" وأيام "غسان" من بعد ذلك ويجاب عن هذا الاعتراض، بأن أهل الحجاز كانوا في جملتهم قوما محافظين، ومحافظتهم هذه كانت دينية السنخ (١). وإنما نزعم لأنا لا نرتاب في أن العرب قد عرفوا في دهرهم السالف ربا واحدا غيورا، كالذي عرفته يهود. ثم جعلوا يتناسبون غيرته شيئًا، وأشركوا معه أربابا آخرين، أخذهم عن العقائد الوثنية، التي كانت عليها بداية جاهليتهم، والتي رأوها في أمم تجاوزهم. وقد نفر بعضهم من هذا الإله الذي دنسه الإشراك، إلى النصرانية واليهود وغيرها. وبقي أهل الحجاز وحدهم أشد الناس حرصا عليه وتمسكًا به، مع ما خالطه من عناصر الإشراك، لمكان البيت الحرام في ديارهم. وقد ظهر بينهم على توالي العصور هداة وأنبياء يذكرونهم شأن هذا الإله، ويدعونهم إلى عبادته دون غيره، مثل صالح نبي ثمود، ﵇، ومثل خالد بن سنان، نبي بني عبس (٢)، ومثل جماعة المتألهين الذين كانوا يذكرون دين إبراهيم بمكةـ وقد حفظ لنا الأخباريون أسماء بعضهم، مثل قس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعبد المطلب بن هاشم. وكل هؤلاء متأخرو العهد، ولا بد أن قد سبقهم رجال اقتبسوا هم منهم هذا التأله. هذا، وبعض الحكايات والخبار والآثار المروية، وبعض القصص التي وردت في القرآن الكريم، ترينا مدى الرهبة والخشية التي كان ينظر بها أهل الحجاز إلى البيت المقدس بمكة. من ذلك ما رووه من أن بني جرهم فجروا وغدروا، فسلط الله عليهم أضعف خلقه "الذر"، فلم يبق منهم ولم يذر (٣) وأحسب أن أكل الذر لجرهم

стр. 902

كأنه كناية عن قحط توالت عليهم سنواته. ومن ذلك أن خزاعة بدلت وغيرت، فسلط الله قصي بن كلاب، فانتزع مفاتيح الكعبة من أيديها، وأجلاها إلى الظواهر، ومن ذلك أن أبرهة رام غزو البيت، فبلاه الله بطير أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل. وقد عرف أهل الحجاز عامة بين قبائل العرب، بالحرص على الدين، والتمسك به وعرفت قريش وكنانة وبطون من القبائل الموالية لها خاصة، بشدة التحمس في مراعاة الشعائر والحرمات، وسموا من أجل ذلك بالحمس، وسميت بنو عامر، وهم ليسوا بعيدين في الدار من قريش بالأحامس لتشددهم (١). أما المجموعة الشرقية من تميم وربيعة وإياد، فلم تكن في مثل هذا التحفظ، بل كانوا سراعًا إلى تقليد الأعاجم، والأخذ عنهم، والاقتداء بهم والأخباريون يروون لنا أن إيادًا بنت الحضر. وأن بعض القائل الأخرى بنت قصورًا عرفت باسم: سنداد، والسدير وبارق والخورنق. وقد ذكر ذلك الأسود بن يعفر النهشلي، في قوله: ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد وقد بنت بنو حنيفة مدينة حجر باليمامة، وبنى كسرى قصرًا لعامله بالبحرين، سماه المشقر، وقد بلغ من تأثر المجموعة التميمية بالأعاجم، أن جماعة منهم سكنوا الحيرة، وعرفوا بإسم العباد، وتعلموا الفارسية، وصاروا يكتبون بها وبالعربية بين يدي كسرى، منهم عدي بن زيد العبادي. وأن فروع تميم صار من مآثرها ومفاخرها أن تحصل على ألقاب، من هذه الألقاب التي كان يطلقها ملوك الفرس والروم على جيرانهم من الأمم المتوحشة، مثل قولهم: أرداف الملوك، يعنون أولئك الرؤساء منهم، الذين كان يستصفيهم صنائع الفرس، مثل المناذرة،

стр. 903

ويستصحبونهم في مواكبهم، وهذا اللقب لا تجده مما كانت تفاخر به القبائل الحجازية مثل غطفان وهوازن وكنانة، ومن طريف ما روته لنا السيرة، أن وفد تميم حين قدموا على النبي ﷺ أوسعهم شاعره حسان، ﵁، تبكيتًا وتقريعًا على أنهم كانوا يرتدون زيًا أعجميًا، ذلك قوله: فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا في المقاسم فلا تجعلوا لله ندا وأسلتوا ... ولا تلبسوا زيًا كزي الأعاجم (١) ولا شك أنهم قد عرفوا من آلة البذخ الأعجمية، شيئًا كثيرًا غير الزي، يدلنا على ذلك قول عدي بن زيد (٢): يا ليت شعري وان ذو عجة ... متى أرى شربًا حوالي أصيص (٣) بيت جلوف بارد ظله ... فيه ظباء ودواخيل خوص (٤) والربرب المكفوف أردانه ... يمشي رويدًا. كتوقي الرهيص (٥) والمشرف المشمول نسقى ... أخضر مطموثًا بماء خريص (٦) وقد عاب النقاد قول عدي هذا -ذكر ذلك الآمدي (٧) - ينكرون قوله:

стр. 904

"أخضر" بمعرض نعته للخمر. ولو قد تفطنوا قليلا أن عديًا إنما كان يعني ذلك الخزف الأخضر الفارسي المسمى الحنتم، الذي ذكره الشاعر الإسلامي فيما بعد، حيث يقول: ومن يبلغ الحسناء أن حليلها ... بفارس يسقى في زجاج وحنتم أم لعله عنى نوعًا أخضر من الخمر، مما لم تكن تعرفه العرب، وكان يلم به عدي في ديارات النساطرة. ومهما يكن من شيء، فهذا الأخضر الذي يصفه لم يكن للعرب علم به. ومن ذلك الأعشى (ديوانه: ١٦٢): ولقد أغدو على ذي عتب ... يصل الصوت بذي زير أبح فما علمه بالعود ذي العتب والزير الأبح؟ ولفظة الزير خاصة ليست عربية. وهل ترى الأعشى كان يجرؤ على استعمالها: لو لم يتوقع من سامعيه فهم مراده؟ وقل مثل ذلك في كلمة "المزهر" التي يخبرنا العلماء أن أصلها سرياني أو نبطي، ومثلها في ذلك الفعل "ازدهر". ويبدو أن أول استعماله كان في صنعة الغناء. وقد أنشدوا في ذلك (راجع زهر في اللسان) قول القائل: كما ازدهرت قينة بالشراع ... لأسوارها عل منها صباحا وهذا البيت مشرقي بلا أدنى ريب، لما فيه من ذكر الأسوار، وهو اصطلاح مأخوذ من الفرس، يراد به الجندي الرامي بالنبل. وقد تلطف جرير (المادة نفسها في اللسان) وهو تميمي، مشرقي الأصل، فأشار إلى أصل معنى "ازدهر" الغنائي، في قوله يهجو الفرزدق: فإنك قين وابن قينين فازدهر ... بكيرك، إن الكير للقين نافع

стр. 905

أي ترنم بكيوك لانك ابن قين أي حداد وابن قينة أي مغنية تطرب لهذا القين وتطربه فانظر إلى هذه البراعة والبلاغة. فلعل هذا كله يقوي ما زعمناه، من قلة تحفظ المشارقة، وإسراعهم إلى الأخذ من الأعاجم. ومن شاء أن يستقصى هذا الباب فعليه بأشعار ربيعة وتميم، وخاصة أشعار عدي بن زيد، والمرقشين، والمهلهل، والمخبل السعدي. ونحن كأنا لا نرتاب أن والوزن المقطعي، مما أخذوه من الأعاجم، أقدموا عليه حذرين متهيبين أول الأمر. ثم وجدوا من طبيعة لغتهم ما يعين على تنميته وتقويته. ومما يدلك على أن الوزن لا بد أن يكون قد بدأ بالمشرق بين ربيعة وتميم وإياد، هذه الأوزان الغريبة الشاذة التي نجدها في منظومهم، ولا نجدها عند شاعر من شعراء الحجاز، مثل كلمة المرقش: هل بالديار أن تجيب صمم ... لو أن رسمًا ناطقًا كلم ومثل كلمة عدي بن زيد (١): أنعم صباحًا علقم بن عدي ... أثويت اليوم لم ترحل وهذا الوزن، كان كثيرًا عندهم، رويت منه كلمات لعدي والمرقش والأعشى، ولم يرد منه شيء لزهير والنابغة وعامر بن الطفيل وطفيل الغنوي ولبيد بن ربيعة. وكذلك وزن المرقش: لابنة عجلان بالجو رسوم ... لم يتعفين والعهد قديم وهذا كما ترى "بسيط" في طور التكوين. ولا تجد من نحوه مثلا واحدًا فيما وصلنا من الشعر الحجازي.

стр. 906

وقد ذكرنا لك في كتابنا الأول، أن البحر الخفيف والكامل الأحذ والمنسرح، كلها مما جاء كثيرًا في أشعار ربيعة، ولم يجيء منه إلا النادر، وذلك بأخرة، في شعر الحجاز (١). وقل مثل ذلك في بحر المديد، الذي في كلمة عدي: يا سليمى أوقدي النارا ... إن من تهوين قد حارا فهذا لم يجيء منه شيء في شعر زهير والنابغة والذين ذكرنا من شعراء الحجاز، وجاء في شعر امريء القيس، وهو رجل عرف مشرق الجزيرة، وعاش فيه دهرًا مع عمه شرحبيل، بين بني دارم، ولا تنس بعد أنه كندي، وأن جده الحارث آكل المرار، إنما غزا العرب من صقع عمان. ومما هو جدير بالملاحظة، أن هذه الأوزان التي لم يستعملها أهل الحجاز إلا أخيرًا، أو لم يستعملوها قط، تمثل طورًا بدائيًا، بالنسبة إلى أوزان أكمل منها، كالذي نجده في قول المرقش "لابنة عجلان"، وفي كلمة عدي: أنعم صباحًا علقم بن عدي ... أثويت اليوم لم ترحل وكلمة الأعشى (٢): أقصر فكل طالب سيمل وهذا كله شيء بين الكامل الأحذ والسريع، كما قلنا من قبل (٣). وبعضها يمثل نهجًا فيه عسر على أسلوب الموازنة العربي، كبحر المنسرح وبحر الخفيف، إذ ليست أجزاؤها ستة متساوية، كما في البحر الكامل: متفاعلن متفاعلن متفاعلن

стр. 907

أو ثمانية متساوية، كما في البحر الطويل والبحر البسيط، أو ستة كالمتساوية، كما في البحر الوافر. ويؤيد هذا الحدس الذي نحدسه، من أن الشعر الموزون بدأ في مشرق الجزيرة، وانتقل من بعد إلى الحجاز، ما يذكره لنا الرواة من أن أول من هلهل القصائد هو المهلهل الربعي. وما أجمعوا عليه من أن الشعر بدأ في ربيعة، وانتقل إلى اليمن، يعنون امرأ القيس، ثم انتقل إلى تميم، ثم منهم إلى قيس بالحجاز. وكلهم قد أجمعوا على أن حظ قريش من الشعر لم يكن كبيرًا (١). ولعلك تسأل بعد، كيف انتقل الوزن من مشرق الجزيرة إلى مغربها. والجواب عن هذا ليس بعسير. فقد كانت للعرب أسواق تقام طول العام، تبدأ من دومة الجندل، ثم تنتقل إلى اليمامة والبحرين وحضرموت، ثم تصل إلى اليمن، ثم من بعد إلى الحجاز، وتوافي هناك الأشهر الحرم. وقد صور لنا أبو حيان التوحيدي، في كتابه الإمتاع والمؤانسة، صورة, لا تدع مجالا للشك في أن الاختلاط كان شديدًا بين مجموعة تميم ومجموعة الحجاز، بحيث أمكن كل واحدة منهما أن تؤثر في الأخرى تأثيرًا عظيمًا (٢). وقد استدل أبو حيان من كثرة أسواق العرب وانتظامها لأكثر أصقاع الجزيرة، واتصال مواسمها، وتكررها من عام إلى عام، على أن العرب قد كانوا في باديتهم متحضرين. وهذا رأي جيد منه، ويقوي ما نحن بصدد زعمه، من أن تبادل المعارف والأساليب، كان أمرًا شائعًا بينهم، ومن طريقه كونوا لغتهم الفصحى وشعرهم الرصين (٣) ويخيل إلي أن الأوزان الركائك التي استحدثها الربعيون مثل

стр. 908

الكامل الأخذ، وأوزان المرقش وعدي، وقول الآخر: لو وصل الغيث لأبنينا امراً ... كانت له قبة سحق بجاد يخيل إلي أن هذه الأوزان لم تلبث أن نفحتها ريح التقسيم والموازنة القوية، وهي التي كانت غالبة على أساليب الحجاز، فأفادتها قوة أعانتها على التطور والنضج. ولعلك إن نظرت إلى بنية الكامل، عندما كان أخذ ومضمرا هكذا: متفاعلن متفاعلن فعلن وبنيته حين تم صار: متفاعلن ٦ تجد مصداق ما نقول. فإن (متفاعلن متفاعلن) اقرب وأنسب لأن يقع فيه قسيم يتبعه آخر مثله، ثالث من (متفاعلن متفاعلن فعلن). وأوضح من هذا بحر الطويل وبحر البسيط. فهما من مطاوعة الموازنة والتقسيم بمكان يوهم أنهما إنما تفرعا عن الأقسام القديمة بالفطرة والطبيعة من دون مؤثر خارجي خذ مثلا قول امرئ القيس: بلاد عريضة وأرض أريضة ... مدافع غيث في قضاء عريض

стр. 909

وخذ قول الهذلي (١): شدوا على القوم، فاعتطوا أوائلهم ... جيش الحمار، ولاقوا عارضًا بردا فالطعن شغشغة، والضرب هيقعة ... ضرب المعول تحت الديمة العضدا وللقسي أزاميل، وغمغمة ... حس الجنوب تسوق الماء والبردا ومن كلام هذيل في تقسيم الطويل، قول ساعدة بن جؤية (٢): ومشرب ثغر للرجال كأنهم ... بعيقاته هدءا سباع خواشف أي مارة مرا سريعًا. به القوم، مسلوب قليل، وآئب شماتا, ومكتوف أوانا، وكاتف وقوله من أخرى: فجال وخال أنه لم يقع به ... وقد خله سهم، صويب, معرد وهذا من الشعر الناضج، إلا أنه يحمل آثار التقسيم كما ترى. وتقسيم امرئ القيس الذي استشهدنا به من قبل، أقرب إلى النهج القديم، الذي إنما هذه آثاره. وانظر في هذا الطراز من كلام أبي المثلم (٣): أصخر بن عبد الله، إن تك شاعرًا، ... فإنك لا تهدي، القريض لمفحم أصخر بن عبد الله، قد طال ما ترى ... ومن لا يكرِّم، نفسه لا يُكرَّم، أصخر بن عبد الله، من يغو سادرًا ... إليك ارتجاعي، أفندي وتسلمي

стр. 910

وشبيه هذا، وفي توخي الجزء من البيت، وموازنته بقطع واضحة من الكلام، قول مالك بن خالد الخناعي الهذلي (١): فدى لبني لحيان، أمي وخالتي، ... بما ما صعوا بالجزع، رجل بني كعب ولما رأو نقرى، تسيل إكامها، ... بأرعن جرار، وحاملة غلب، فضاربهم قوم، كرام أعزة، ... بكل خفاف النصل، ذي ربد عضب فما ذر قرن الشمس, حتى كأنهم ... بذات اللظى خشب، تجر إلى خشب كأن بذي دوران، والجزع حوله ... إلى طرف المقراة، أرغية السقب أي كأن سقب السماء رغا على من بهذه المواضع فأهلكم. ويجري هذا المجرى، من كلام هذيل في البحر البسيط، قول صخر الغي يهجو أبا المثلم (٢): أبا المثلم، إني غير مهتضم، ... إذا دعوت تميمًا، سالت المسل، أبا المثلم أقصر، قبل فاقرة، ... إذا تصيب سواء الأنف تحتفل، أي ينكشف العظم منها. أبا المثلم، قتلي أهل ذي خنب، ... أبا المثلم، والسيء الذي احتملوا يذكره بهؤلاء القتلى والسيء من الأمر الذي احتملوه. أبا المثلم، لا تخفرهم أبدًا، ... حتى الممات، ولا تنس الذي فعلوا أبا المثلم مهلًا، قبل باهظة، ... تأتيك مني، ضروس، نابها عصل أبا المثلم، إني، ذو مبادهة، ... ماض على الهول، مقدام الوغي، بطل

стр. 911

وهذا الذي تمثلنا به كله، يبين لك قوة ما بين الموازنة المجارية للتقسيم، والموهمة له، وما بين هذين البحرين الطويل والبسيط، فأنت ترى الشاعر فيه، إما يقسم عند كل جزء، وإما يشير إلى التقسيم بما يتعمده من الموازنة. ومما يلفت النظر كثرة هذه الأصناف التي يجيء فيها التكرار والإيهام والسجع عند هذيل (١). وهذيل كانوا في طرف الحجاز مما يتاخم نجدًا شرقي مكة والطائف، وكانوا موغلين في البداوة والتأبد، وكانوا يسعون إلى الأسواق ولا تسعى إليهم. فهم بهذا كانوا أبعد من التأثير المشرقي التميمي، إذا قسناهم بالقبائل الكبيرة مثل غطفان والقبائل التي كانت تسكن في مكة وحلولها، وفي الطائف وحولها. وكأن الوزن المشرقي، لما وصلهم من إخوانهم الحجازيين ولما سمعوا ذرءً منه في الأسواق، غبر زمنًا بينهم وهو ممزوج بالأصناف التقسيمية التوازنية، الصارخة الظاهرة، الغالبة عليها دندنة التأبد والوحشية. وبنو أسد يشبهون هذيلًا شيئًا، من ناحية انتحائهم عن الحجاز، ومتاخمتهم نجدًا، وبعدهم عن سبيل الأسواق، فقد كانوا يسكنون قريبًا من ناحية أجأ وسلمى وذانك معدودان في طرف الحجاز، متوسطين (إلى الجانب النجدي) بين غطفان وطيء. وقد ترك لنا بنو أسد أثرًا شعريًا مهمًا للغاية، يدل على غلبة التقسيم في مذهبهم، وهو قصيدة عبيد بن الأبرص المعلقة: أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب وقد عاب قدامة هذه القصيدة من جهة الوزن (نقد الشعر ١٠٧)، وذكر أن عبيدًا أسرف في تخليعها، وفي مداومة الزحاف، حتى لم يكد يسلم منه فيها بيت واحد واستشهد بقوله:

стр. 912

والمرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب وقال: "هذا معنى جيد، إلا أن وزنه قد شانه، وقبح حسنه، وأفسد جيده". ولو قد أحسن قدامة التأمل، لوجد أن شاعر هذه القصيدة أجراها على التقسيم والموازنة، مشربًا لها روح الوزن البسيط المخلع، وهو وزن لم يستقر في فؤاده، يدلك على ذلك توفيقه إليه في نحو قوله: وكل ذي غيبة يئوب ... وغائب الموت ولا يئوب من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب ولعل امرأ القيس أعجبه اضطراب عبيد الجاري على الموازنة والتقسيم، فباراه بكلمته: عيناك دمعهما أوشال ... كأن غربيهما سجال (١) وقد وقع عروة بن الورد في قريب مما وقع فيه عبيد، إذ حاول الوزن الكامل الأحذ, وهو وزن مشرقي لم يستقر في قلبه، فما كان منه إلا أن مزجه بالتقسيم، فجاء له منه هذا البيت الذي رواه قدامة: ونكحت راعي ثلة يثمرها ... والدهر فائته بما يبقي فعجز هذا جار على الكامل الأحذ، إلا أن صدره جار على الموازنة والتقسيم. وقد اتصل امرؤ القيس ببني أسد اتصالا شديدًا، وظهرت أوائل خلاعته وهو بين ظهرانيهم، فطرده أبوه كما يروي الرواة، فجعل يتنقل بين مياه العرب، ويأوي أحيانا إلى عمه شرحبيل بين بني تميم. ولا شك أن امرأ القيس قد علق بفؤاده من التقسيم والموازنة التي رآها عند بين أسد، شيء كثير، وشعره ناطق بذلك، إذ لا تجد

стр. 913

بين الشعراء الفحول، أحدًا يشبهه في الإكثار منه، وقد قدمنا لك شواهد من كلامه، ودونك هذا الشاهد، زيادة على ما سبق (١) وتأمل فيه موضع الموازنة التي توهم القسمة، والقسمة التي تجري معها الموازنة: ألما على الربع القديم، بعسعسا، ... كأني أنادي أو أكلم أخرسا وفيها يقول: تأوبني دائي القديم، فغلسا، ... أحاذر أن يرتد دائي، فأنكسا فيا رب مكروب، كررت وراءه، ... وطاعنت عنه الخيل، حتى تنفسا، ويا رب يوم قد، أروح مرجلًا، ... حبيبًا إلى البيض، الكواعب، أملسا، يرعن إلى صوتي، إذا ما سمعنه، ... كما ترعوي عيط، إلى صوت أعيسا أراهن لا يحببن، من قل ماله، ... ولا من رأين الشيب، فيه وقوسا، وما خفت تبريح الحياة، كما أرى، ... تضيق ذراعي أن أقوم، فألبسا، فلو أنها نفس، تموت سوية، ... ولكنها نفس، تساقط أنفسا وبدلت قرحًا داميًا، بعد صحة، ... فيالك من نعمى، تحولن، أبؤسا، وهاك مثالا آخر لتقسيمه وموازنته أوضح من هذا (٢): تروح إذا راحت، رواح جهامة، ... بإثر جهام، رائح، متفرق كأن بها هرا، جنيبًا تجره، ... بكل طريق، صادفته، ومأزق كأني، ورحلي، والقراب، ونمرقي، ... على يرفئي، ذي زوائد، نقنق واليرفئي: ذكر النعام شبه به ناقته. تروح من أرض، لأرض نطية، ... لذكرة قيض، حول بيض، مفلق

стр. 914

هذا، وأحسب أن بحري الطويل والبسيط، إنما صارا أجل بحور الشعر العربي، وأعمرها بالنغم، وأصلحها للكلام القوي الجزل الفحل، لما اجتمع فيها من رصانة الموازنة بكامل أداتها، وتمام الوزن كما أخذ في أصله من المشارقة، وصلاحية أرباعها للأقسام، وإيهام الأقسام، كما ترى، جعلهما من أحب الأوزان إلى الحجازيين وأعلقها بآذانهم، ولعل الحجازيين أن يكونوا هم الذين اخترعوهما في صيغتهما الكاملة، بعد أن وصلتهم أصولهما من المشرق. ويقوي هذا ظهور التقسيم واضحة في الأمثلة التي ذكرناها من شعر هذيل ولا سيما الرصع المسمط منه، وفي شعر امرئ القيس ولا سيما المسجع والمزاحف منه، ولعله أخذه عن بني أسد (١). وقد لبس الطويل والبسيط في شعر النابغة وتزهير أبهتهما كاملة. وإنك لتجد هذين الشاعرين اللذين تنكبا البحور القصار والخفيف والمنسرح كل التنكب، (ربما لعدم الثقة من أنفسهما أن سيحكمان أوزانها)، قد بلغا من تصنيع الطويل والبسيط المبلغ الذي لا بعده. فقد كانت روح الموازنة الحجازية الراقية، لا البدوية الخشنة، كالتي كانت عند أسير وهذيل وسليم، راسخة في نفوسهما وأنفس الذين عنها أخذوا، فتجد النابغة مثلاً، زوج هذه الموازنة إلى أشطار الطويل، في الأكثر الغالب، لا إلى أقسامه، وتعمد بذلك أن يجري هذا البحر إجراء يوهمك به أنه من قبيل النظم التوازني القديم، برغم القافية ورصانة الوزن وإحكامه، تأمل قوله (٢): وإني لألقى من ذوي الضغن منهم، ... وما أصبحت تشكو من الوجد ساهره كما لقيت ذات الصفا من خليلها، ... وما انفكت الأمثال في الناس سائره فقالت له أدعوك للعقل وافياً، ... ولا تغشيني منك بالظلم بادره،

стр. 915

فوقها بالله حين تراضيا، ... فكانت تديه المال غباً وظاهره فلما توفي العقل إلا أقله، ... وجارت به نفس عن الحق جائرة تذكر أنى يجعل الله جنة، ... فيصبح ذا مال ويقتل واتره وأراد بالعقل هنا: الدية. ولعلك تأملت هنا كيف جعل شطر البيت قسيماً، حتى إنك لو حذفت الوزن لم يفسد ذلك ما جاء به من الموازنة. ونحو هذا قوله (١): أتاني أبيت اللعن أنك لمتتني، ... وتلك التي تستك منها المسامع، مقال أن قد قلت سوف أناله، ... وذلك من تلقاء مثلك رائع، لعمري وما عمري علي بهين، ... لقد نطقت بطلا علي الأقارع، أقارع عوف لا أحاول غيرها، ... وجوه قرود تبتغي من تجادع وفيها: فإن كنت لاذو الضغن عني مكذب ... ولا حلفي على البراءة نافع ولا أنا مأمون بشيء أقوله، ... وأنت بأمر لا محالة واقع، فإنك كالليل الذي هو مدركي، ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع فالموازنة ناصعة بينة في كل هذا، وكأن الكلام سيق من طريقها، لا من طريق الوزن. ومذهب زهير، كما قدمنا لك منه طرفاً في بحر البسيط، يعتمد على المواقف الخفية، وفي الطويل يدخله تقسيم المواقف الواضح نوعاً ما، والموازنة التي تكاد توهم التقسيم، مع مراعاة الموازنة الكبرى، التي تكون بين شطري البيت على أسلوب النابغة. وهاك مثلاً قوله: إذا السنة الشهباء بالناس أجحفت، ... ونال كرام المال في الجحرة الأكل رأيت ذوي الحاجات عند بيوتهم، ... قطيناً لهم، حتى إذا نبت البقل،
следующие страницы →