← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وهذا الذي تمثلنا به كله، يبين لك قوة ما بين الموازنة المجارية للتقسيم، والموهمة له، وما بين هذين البحرين الطويل والبسيط، فأنت ترى الشاعر فيه، إما يقسم عند كل جزء، وإما يشير إلى التقسيم بما يتعمده من الموازنة. ومما يلفت النظر كثرة هذه الأصناف التي يجيء فيها التكرار والإيهام والسجع عند هذيل (١). وهذيل كانوا في طرف الحجاز مما يتاخم نجدًا شرقي مكة والطائف، وكانوا موغلين في البداوة والتأبد، وكانوا يسعون إلى الأسواق ولا تسعى إليهم. فهم بهذا كانوا أبعد من التأثير المشرقي التميمي، إذا قسناهم بالقبائل الكبيرة مثل غطفان والقبائل التي كانت تسكن في مكة وحلولها، وفي الطائف وحولها. وكأن الوزن المشرقي، لما وصلهم من إخوانهم الحجازيين ولما سمعوا ذرءً منه في الأسواق، غبر زمنًا بينهم وهو ممزوج بالأصناف التقسيمية التوازنية، الصارخة الظاهرة، الغالبة عليها دندنة التأبد والوحشية. وبنو أسد يشبهون هذيلًا شيئًا، من ناحية انتحائهم عن الحجاز، ومتاخمتهم نجدًا، وبعدهم عن سبيل الأسواق، فقد كانوا يسكنون قريبًا من ناحية أجأ وسلمى وذانك معدودان في طرف الحجاز، متوسطين (إلى الجانب النجدي) بين غطفان وطيء. وقد ترك لنا بنو أسد أثرًا شعريًا مهمًا للغاية، يدل على غلبة التقسيم في مذهبهم، وهو قصيدة عبيد بن الأبرص المعلقة: أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب وقد عاب قدامة هذه القصيدة من جهة الوزن (نقد الشعر ١٠٧)، وذكر أن عبيدًا أسرف في تخليعها، وفي مداومة الزحاف، حتى لم يكد يسلم منه فيها بيت واحد واستشهد بقوله:

стр. 912

والمرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب وقال: "هذا معنى جيد، إلا أن وزنه قد شانه، وقبح حسنه، وأفسد جيده". ولو قد أحسن قدامة التأمل، لوجد أن شاعر هذه القصيدة أجراها على التقسيم والموازنة، مشربًا لها روح الوزن البسيط المخلع، وهو وزن لم يستقر في فؤاده، يدلك على ذلك توفيقه إليه في نحو قوله: وكل ذي غيبة يئوب ... وغائب الموت ولا يئوب من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب ولعل امرأ القيس أعجبه اضطراب عبيد الجاري على الموازنة والتقسيم، فباراه بكلمته: عيناك دمعهما أوشال ... كأن غربيهما سجال (١) وقد وقع عروة بن الورد في قريب مما وقع فيه عبيد، إذ حاول الوزن الكامل الأحذ, وهو وزن مشرقي لم يستقر في قلبه، فما كان منه إلا أن مزجه بالتقسيم، فجاء له منه هذا البيت الذي رواه قدامة: ونكحت راعي ثلة يثمرها ... والدهر فائته بما يبقي فعجز هذا جار على الكامل الأحذ، إلا أن صدره جار على الموازنة والتقسيم. وقد اتصل امرؤ القيس ببني أسد اتصالا شديدًا، وظهرت أوائل خلاعته وهو بين ظهرانيهم، فطرده أبوه كما يروي الرواة، فجعل يتنقل بين مياه العرب، ويأوي أحيانا إلى عمه شرحبيل بين بني تميم. ولا شك أن امرأ القيس قد علق بفؤاده من التقسيم والموازنة التي رآها عند بين أسد، شيء كثير، وشعره ناطق بذلك، إذ لا تجد

стр. 913

بين الشعراء الفحول، أحدًا يشبهه في الإكثار منه، وقد قدمنا لك شواهد من كلامه، ودونك هذا الشاهد، زيادة على ما سبق (١) وتأمل فيه موضع الموازنة التي توهم القسمة، والقسمة التي تجري معها الموازنة: ألما على الربع القديم، بعسعسا، ... كأني أنادي أو أكلم أخرسا وفيها يقول: تأوبني دائي القديم، فغلسا، ... أحاذر أن يرتد دائي، فأنكسا فيا رب مكروب، كررت وراءه، ... وطاعنت عنه الخيل، حتى تنفسا، ويا رب يوم قد، أروح مرجلًا، ... حبيبًا إلى البيض، الكواعب، أملسا، يرعن إلى صوتي، إذا ما سمعنه، ... كما ترعوي عيط، إلى صوت أعيسا أراهن لا يحببن، من قل ماله، ... ولا من رأين الشيب، فيه وقوسا، وما خفت تبريح الحياة، كما أرى، ... تضيق ذراعي أن أقوم، فألبسا، فلو أنها نفس، تموت سوية، ... ولكنها نفس، تساقط أنفسا وبدلت قرحًا داميًا، بعد صحة، ... فيالك من نعمى، تحولن، أبؤسا، وهاك مثالا آخر لتقسيمه وموازنته أوضح من هذا (٢): تروح إذا راحت، رواح جهامة، ... بإثر جهام، رائح، متفرق كأن بها هرا، جنيبًا تجره، ... بكل طريق، صادفته، ومأزق كأني، ورحلي، والقراب، ونمرقي، ... على يرفئي، ذي زوائد، نقنق واليرفئي: ذكر النعام شبه به ناقته. تروح من أرض، لأرض نطية، ... لذكرة قيض، حول بيض، مفلق

стр. 914

هذا، وأحسب أن بحري الطويل والبسيط، إنما صارا أجل بحور الشعر العربي، وأعمرها بالنغم، وأصلحها للكلام القوي الجزل الفحل، لما اجتمع فيها من رصانة الموازنة بكامل أداتها، وتمام الوزن كما أخذ في أصله من المشارقة، وصلاحية أرباعها للأقسام، وإيهام الأقسام، كما ترى، جعلهما من أحب الأوزان إلى الحجازيين وأعلقها بآذانهم، ولعل الحجازيين أن يكونوا هم الذين اخترعوهما في صيغتهما الكاملة، بعد أن وصلتهم أصولهما من المشرق. ويقوي هذا ظهور التقسيم واضحة في الأمثلة التي ذكرناها من شعر هذيل ولا سيما الرصع المسمط منه، وفي شعر امرئ القيس ولا سيما المسجع والمزاحف منه، ولعله أخذه عن بني أسد (١). وقد لبس الطويل والبسيط في شعر النابغة وتزهير أبهتهما كاملة. وإنك لتجد هذين الشاعرين اللذين تنكبا البحور القصار والخفيف والمنسرح كل التنكب، (ربما لعدم الثقة من أنفسهما أن سيحكمان أوزانها)، قد بلغا من تصنيع الطويل والبسيط المبلغ الذي لا بعده. فقد كانت روح الموازنة الحجازية الراقية، لا البدوية الخشنة، كالتي كانت عند أسير وهذيل وسليم، راسخة في نفوسهما وأنفس الذين عنها أخذوا، فتجد النابغة مثلاً، زوج هذه الموازنة إلى أشطار الطويل، في الأكثر الغالب، لا إلى أقسامه، وتعمد بذلك أن يجري هذا البحر إجراء يوهمك به أنه من قبيل النظم التوازني القديم، برغم القافية ورصانة الوزن وإحكامه، تأمل قوله (٢): وإني لألقى من ذوي الضغن منهم، ... وما أصبحت تشكو من الوجد ساهره كما لقيت ذات الصفا من خليلها، ... وما انفكت الأمثال في الناس سائره فقالت له أدعوك للعقل وافياً، ... ولا تغشيني منك بالظلم بادره،

стр. 915

فوقها بالله حين تراضيا، ... فكانت تديه المال غباً وظاهره فلما توفي العقل إلا أقله، ... وجارت به نفس عن الحق جائرة تذكر أنى يجعل الله جنة، ... فيصبح ذا مال ويقتل واتره وأراد بالعقل هنا: الدية. ولعلك تأملت هنا كيف جعل شطر البيت قسيماً، حتى إنك لو حذفت الوزن لم يفسد ذلك ما جاء به من الموازنة. ونحو هذا قوله (١): أتاني أبيت اللعن أنك لمتتني، ... وتلك التي تستك منها المسامع، مقال أن قد قلت سوف أناله، ... وذلك من تلقاء مثلك رائع، لعمري وما عمري علي بهين، ... لقد نطقت بطلا علي الأقارع، أقارع عوف لا أحاول غيرها، ... وجوه قرود تبتغي من تجادع وفيها: فإن كنت لاذو الضغن عني مكذب ... ولا حلفي على البراءة نافع ولا أنا مأمون بشيء أقوله، ... وأنت بأمر لا محالة واقع، فإنك كالليل الذي هو مدركي، ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع فالموازنة ناصعة بينة في كل هذا، وكأن الكلام سيق من طريقها، لا من طريق الوزن. ومذهب زهير، كما قدمنا لك منه طرفاً في بحر البسيط، يعتمد على المواقف الخفية، وفي الطويل يدخله تقسيم المواقف الواضح نوعاً ما، والموازنة التي تكاد توهم التقسيم، مع مراعاة الموازنة الكبرى، التي تكون بين شطري البيت على أسلوب النابغة. وهاك مثلاً قوله: إذا السنة الشهباء بالناس أجحفت، ... ونال كرام المال في الجحرة الأكل رأيت ذوي الحاجات عند بيوتهم، ... قطيناً لهم، حتى إذا نبت البقل،

стр. 916

هنالك إن يستخبلوا المال، يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا، وإن ييسر وايغلوا، وفيهم مقامات حسان وجوهم ... وانديه ينتابها القول والفعل على مكثريهم رزق من يعتريهم، ... وعند المقلين، السماحة والبذل، وهكذا بلغ النظم الذي لعله بدأ موازنة وتقسيماً في الدهر السالف، ودخله الوزن من طريق ربيعة وإياد وتميم، كماله وغاياته، بعد أن تزاوجت فيه الموازنة، بالوزن المقطعي الكمي التزاوج التام، واستخدما التقسيم خفياً وجلياً بين أيديهما وصيفاً ومنصفاً وساعياً ومبارياً. ولما بلغ الوزن هذا الإحكام، تم معه أيضاً إحكام البيان، على الأسلوب الرمزي، الذي يستهل بشجن النسيب ثم يسيح في الفلوات، ثم يخلص بعد ذلك إلى الغرض المراد، خلاص لا يراد منه الإفصاح، كما يراد الترنم والإيماء. وكان هذا الأسلوب الرمزي، مع ما يمازجه من الانسجام الموسيقي اللفظي المركب، يعكس صورة هذه البداوة المتحضرة في وثنيتها، التي نسيت الإله الغيور الفرد ذا الحرم المقدس بمكة، وعكفت على بطولة قوامها فضائل مستمدة من الفطرة السحيقة والمدنيات الكافرة المجاورة. وحتى أهل الحجاز المحافظون قد بلغهم نضج هذه الوثنية، فضربوا في غمرتها بسهامهم. ألم ينتقل الشعر من تميم إلى قيس؟ أم لم يصر النابغة وزهير وأوس هم فحول الشعراء لا يزاحمهم في ذلك إلا الأعشى، الذي كان على ربعيته شاعراً جوالاً، يمدح سادات قيس، ويدخل في منافراتهم، ويتاح رفدهم، ويباري شعراءهم؟ لا، بل حتى قريش الحمس حقاً الذين كانوا أقل الناس نصيباً من الشعر، قد أصابتهم موجة هذه البلاغة الوثنية الناضجة، فجعل ينبت بينهم الشعراء، الذين ينظمون في الطويل والوافر - أليس يخبرنا أصحاب السير، أنهم تعاضدوا على هجاء النبي ﷺ ؟ ألا يذكرون عبد الله بن العري وأبا عزة الذي أسر ثم

стр. 917

غدر؟ أم لا ينسبون لامية طويلية إلى أبي طالب، توشك، على ما داخلها من منحول، أن تبلغ مبلغاً حسناً، ولا شك أن عدداً من أبياتها صحيح؟ (السيرة? : ٢٨٦) لقد كان المسرح مهيئاً لثورة دينية كبيرة، تهز هذا الرضا المشرك الذي عم الجزيرة العربية. وقد جعلت بوادر هذه الثورة تبرز دفعاً دفعاً، يحمل ألويتها هؤلاء الديانون، والمأهون، والأنبياء المضيعون، أمثال خالد بن سنان، ثم انفجرت في تيارها الذي اجتاح أمامه كل شيء، حين أسفر نور سيدنا محمد ﷺ ، يدعو إلى الإسلام، دين إبراهيم القديم، ويهيب بالناس إلى عبادة الله الواحد الفرد الصمد الذي لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك، ويحمل في بين يديه القرآن كتاباً عربياً مبيناً، يتحدى الفصحاء والبلغاء، ويهزأ بالكهان والشعراء، وإذا تأملت هذا الكتاب الأزلي القدمي، كما تأمله الوليد بن المغيرة وأبو جهل والنضر بن الحارث وصناديد صريش، وجدته كما وجدوه، ينكر الشعر، ولا يستعمل من أساليب النظم البلاغي، غير الموازنة، بإجمالها وتفصيلها، موافقتها ومخالفتها، وتدرجها وتبلجها تلك الموازنة التي نزلت بها ألواح موسى، ونطقت بيانها مزامير داود، وكان بها دعاء إبراهيم الخليل. إذ يرفع القواعد من البيت هو وإسماعيل، فهل عجيب أن بهرهم ودحرهم، وأن رأوا منه الإعجاز الذي ليس كمثله إعجاز!

стр. 918

تعقيب على الخاتمة مر على كتابة ما تقدم بعد هذه المراجعة له نيف وثلاثون عاما. وبدا لكاتب هذه السطور في بعض آرائه نظر جديد. مثلا نمي إلى علمي أن قدماء اليونان والفرس أخذوا كثيرا من علم الخيل وأسمائها عن العرب. وفي كتاب الزينة أن الفرس إنما أخذوا أوزان أشعارهم من العرب - والعرب أمة قديمة. ولعل العبرانية ما كانت إلا فرعا من العربية. وهنا نسأل، ألا يجوز أن يكون اليونان أنفسهم إنما أخذوا أوزانهم عن أصول عربية قديمة؟ وعلى هذا يصح وصف الجاحظ شعر العرب أنه انفرد بالوزن وأن الوزن فيه هو الشيء المعجز الذي يجعل ترجمته لا تستطاع؟ وأما القرآن فإن نظمه أكبر وأعظم وأخطر شأناً من أن يقال كان على نهج الموزانة أو شيئا من هذه البلاغات التي يتعاطاها الناس، إنه كلام الله المنزل القديم، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] ولله الحمد أولا وأخيرا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلم تسليمًا. تمت المراجعة في الخرطوم الأحد ٢٢ من رجب ١٤٠٧، ٢٢ مارس ١٩٨٧ عبد الله الطيب

стр. 919

تذييل تحدثت لك أيها القارئ الكريم في هذا الكتاب عن ماهية الجرس، وعما قاله العلماء عن قبح الألفاظ وحسنها ثم عمدت بعد ذلك إلى الحديث عن الانسجام في أنغام الشعر اللفظية والموسيقية كيف يتأتى؟ وحصرت ذلك كله في التكرار والتنويع، وفصلت لك فيهما الحديث على قدر استطاعتي من التحصيل والاستنباط والتأمل. ثم ربطت لك بين هذا كله، وبين الوزن والقوافي التي كنت قد تحدثت إليك عنها في الكتاب الأول. وإلى هنا أكون قد استوفيت الكلام عن موسيقا الشعر اللفظية النغمية. على أني أذكرك أن هذا الاستيفاء محدود بمنهج البحث الذي نهجته من تقسيم صناعة الشعر جميعها إلى ثلاثة أبواب: هي النظم، والجرس اللفظي، والصياغة، وقد قدمت لك أن فصل هذه الأشياء بعضها عن بعض، إنما هو احتيال يحتاله الباحث، كيما يمكنه التحليل، كما يحتال الطبيب على الحيوان فيقتله، ثم يشرحه ميتاً ليستدل بما يراه من تركيب أعضائه على كيف يكون أداؤها وهي حية. وآمل أن أضع بين يديك، عن قريب إن شاء الله، كتاباً ثالثاً في صياغة الشعر، من حيث صورها البيانية، وظواهرها الأسلوبية. وإن مد الله في الأجل، وقوي الساعد والقلب، وفتق الرأي والحجا، وأيد العزيمة والنية، استمررت أبحث في صناعة الشعر حتى أقدم لك في ذلك كتابة جامعة. وأتبع ذلك بتأريخ لصناعة النقد والنقاد، وعرض للجهد الصالح الذي بذلوه من لدن ابن سلام إلى ابن الأثير. وبالله التوفيق، وعليه الاعتماد. وله الحمد وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا

стр. 920

عبد الله الطيب المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها - (مج: ٣/ الجزء الثالث/ في الرموز والكنايات والصور) -

стр. 921

الطبعة الأولى: بيروت ١٩٧٠ م-١٣٩٠ هـ الطبعة الثانية: الكويت ١٩٨٩ م-١٤٠٩ هـ

стр. 922

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها

стр. 923

تم إعادة طباعة هذا الكتاب بالتعاون مع دار الآثار الإسلامية- وزارة الإعلام ص. ب ١٩٣ الصفاة الكويت ١٣٠٠٢

стр. 924

الإهداء إلى جميع من أعانوا على خلق هذا الكتاب، بما تولوه من إرشادي وتعليمي ونقدي، أولهم أبي ﵀. عبد الله الطيب

стр. 925

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين وله الحمد أولاً وأخيرًا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد، فقد فرغت من هذا الجزء الثالث من المرشد منذ أعوام ثمانية. وكنت هممت أول الأمر أن أصدره منفصلاً عن الجزئين السابقين، خشية أن يطول الكتاب فيُمل. ثم رأيت العدول عن هذا الرأي، وحالت شواغل العمل وعسر وسائل النشر عن إصداره في حينه فأخرجت منه قطعًا في مجلة المجمع اللغوي بالقاهرة حرسها الله. ثم رأيت بعض الفضلاء يأخذ من ذلك ولم يشر إليه. وإنما نتف العلم عارية متداولة. غير أن هذا صحح العزم عندي في إخراج هذا القدر الذي أنجز كله مرة واحدة. وآمل أن ألحق به جزءًا رابعًا أُحدث القارئ الكريم فيه عن تطور القصيدة وطبقات شعراء وهلم جرا. وهذا يعد أوان أقدم السفر بين يديه وآمل أن يرضاه وبالله التوفيق. ١٦ - ٤ - ١٩٦٩ ... عبد الله الطيب

стр. 926

الباب الأول تمهيد طبيعة القصيدة تعريف القصيدة: هي في عرف النقاد القدماء ما تألف من عشرة أبيات فأكثر أو سبعة فأكثر. وما دون ذلك هو القطعة والمقطوعة. والأراجيز من ملحقات القصائد. والمقاطيع والمزدوج والمسمط والموشح وسائر ما افتن فيه المتأخرون مما يجوز إلحاقه بالقصائد والمقاطيع غير أننا ههنا سنقصر حديثنا على القصيدة إذ هي جوهر الشعر العربي وعليها مداره. أطوار أوزان القصيدة: سبقت القصيدة العربية أطوار من النمو فيما نرى. ويبدو لي أن الشعر قبلها كان يدور أول أمره على موازنة الألفاظ ومقابلة المعاني (١) في تراكيب يخالطها شيء من الإيقاع، على نحو قريب مما في العبرانية. وليس بأيدينا شيء من أمثلة هذا الضرب. وعسى أن تكون الأمثال القديمة، الخالية من السجع، قد حذيت على نماذج منه أو لعلها بعض بقاياه وآثاره. نحو قولهم:

стр. 927

الرأي نائم والهوى يقظان وقولهم: يداك أوكتا وفوك نفخ فالرأي في المثال الأول بإزاء الهوى، والنائم بإزاء اليقظان. والموازنة اللفظية معها مقابلة معنوية. وفي المثال الثاني قولهم «يداك» يقابله «فوك» و «أوكتا» تقابلها «نفخ». وكل ذلك يخالطه شيء من الإيقاع. لعلما أن يكون منشأه من طريقة التأليف. السجع والتقفية: ثم يبدو أن أسلوب الموازنة والمقابلة دخلته ألوان من طلب التقفية من طريقي السجع والازدواج. وذلك بعد أن اتسعت العربية وكثرت مشتقاتها ومترادفاتها (١). ولعل سجع الكهان بعض ما بقي من أمثلة هذا الأسلوب، أو الأمثلة التي كانت تحذى على نماذجه كقول سطيح (٢): أقسم بما بين الحرتين من حنش. لتهبطن أرضكم الحبش. فليملكن ما بين أبين إلى جرش. وكقول شق: «أقسم بما بين الحرتين من إنسان. لينزلن أرضكم السودان. فليغلبن على كل طفلة البنان. وليملكن ما بين أبين إلى نجران». وكما ترى فإن هذا الأسلوب أشد إيقاعًا من سابقه لما فيه من تقفية الأسجاع.

стр. 928

الأوزان: ثم يخيل إلي أن طور الأسجاع استمر زمنًا طويلاً، ثم دخله الوزن بفجاءة. وربما كان ذلك تحت تأثير أغاني الحيرة وما حولها. وقد بسطت رأيي في هذا المعنى في الجزء الثاني فليرجع إليه (١). ومما ذكرته هناك أن غناء الحيرة -فارسيًا كان أو غيره- ربما سبق له أن تأثر بأوزان الشعر اليوناني. فيكون الوزن العربي. على هذا القول، مقتبسًا في أصله من جذوة يونانية. وأريد هنا أن أقيد هذا القول بنوع من الاحتراس أراه ضروريًا جدًا. وهو أني لا أرى الوزن العربي قد كان أخذًا بحتًا واقتباسًا صرفًا من أوزان اليونانية أو من النماذج التي حذيت عليها في الغناء الفارسي القديم أو غيره. ولكن الراجح في حدسي أن سماع الغناء المحذو على أوزان يونان أو أوزان مقتبسة من أصول يونانية (٢)، وقع في نفوس بعض أذكياء العرب موقعًا جعلهم يخترعون مبادئ البحور اختراعًا «تلقائيًا» مفاجئًا- وقل إن سماعهم لغناء القيان المحذو على أوزان يونان أثارهم وأحدث في أنفسهم إلهامًا فأشرقت حقيقة «البحور» عليهم بغتة، فأخذوا في مسالكها أيما أخذ. ولا يغفلن القارئ الكريم عن أهمية ما أزعمه من عنصر المفاجأة في ظهور الوزن العربي ذي البحر والقافية. بعد أن سبقته دهور طويلة من أطوار النضج والنماء. فإن هذا الزعم يوشك أن يطابق ما ذكره محمد بن سلام الجمحي في طبقاته حيث قال (٣): «ولم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حادثة، وإنما قصدت القصائد وطول الشعر على عهد عبد المطلب وهاشم بن عبد

стр. 929

مناف. وذلك يدل على إسقاط شعر عاد وثمود وحمير وتبع» - فابن سلام كما ترى لا يرد القصيدة الطويلة إلى تاريخ بعيد بعدًا سحيقًا عن أوان بعثة النبي، إذ ليس بين النبي ﷺ وبين هاشم إلا أبوان أو قل ثلاثة أجيال أو قل قرن على أبعد تقدير، فذلك مقارب لزمان امرئ القيس والمهلهل وعمرو بن قميئة وعبيد بن الأبرص وعلقمة بن عبدة وهؤلاء أوائل الشعراء، وما سبقهم فهو كالتمهيد والتوطئة لهم. ما قبل الشعر وأثره في النثر العربي: نريد بقولنا «ما قبل الشعر» جميع أصناف الموازنة والمقابلة والسجع والازدواج التي سبقت اختراع الوزن المحكم والقصيدة التامة. فإذا وضح هذا من مرادنا، فانا نرى أن «ما قبل الشعر» هذا قد أتيح له، بعد أن انفرقت عنه القصيدة وصارت هي الشعر، أن تنشأ منه ضروب النثر العربي الفني من لدن الأمثال الأولى إلى المقامات والرسائل وما يجري مجراها. وقد كان القرآن هو السبب الأكبر في هذا التطور العظيم. إذ قد جاء خارجًا من أعاريض القصيد، ولكنه مع ذلك ذو إيقاع رصين وفواصل كالقوافي، وأسجاع وازدواج بارع النغم، كقوله تعالى (سورة سبأ): ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ (١) مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾ ونحو قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ

стр. 930

قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤)﴾. وكقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا (١) عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾. وكقوله تعالى مما هو ظاهر التسجيع بالحروف الصحائح: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢) (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾. وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾. وقرئ ناخرة وذكر الطبري أن هذه القراءة أعجب إليه من أجل مراعاة السجع (٣). وكقوله تعالى مما التسجيع فيه بالألف اللينة: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦)﴾.

стр. 931

وفي القرآن إحدى عشرة سورة رؤوسها هكذا وللقراء فيهن مذاهب في الأداء بين التفخيم (١) والتقليل (٢) والبطح (٣). وكقوله تعالى مما التسجيع فيه بالضمائر وهاء السكت: «ما أغنى عني ماليه. هلك عني سلطانيه». وسورة الرحمن بعد من أنصع الأمثلة على تسجيع الفواصل وإحكام الازدواج وإتقان الإيقاع وتكرار نغم بعينه للزيادة من رنين هذا الإيقاع وذلك قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. والحق أن الناظر في سورة القرآن يجد فيها ألوانًا من طرق الإيقاع الغريب الواقع. مثلاً سورتا الكهف (وقل أوحي) لهما إيقاع متشابه. وسورة الإسراء والفرقان. و «هل أتى على الإنسان حين من الدهر». فيهن إيقاع متشابه. وسورة ص وق متشابهتا الجرس والفواصل. ولنظام السجع والازدواج في كل ذلك أثر لا ينكر. ثم طريقة سوق الآيات في السورة تتبع نظامًا من التكرار والترجيع ورد الآخر على الأول، يجعل منها كلاً ذا كينونة واضحة وجرس خاص. ثم توشك كل سورة أن تدفع إلى الأخرى أما بتجاوب في ألفاظ ما بين أواخرها وأوائل ما يليها نحو قوله تعالى في آخر الإسراء: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾. وفي أول الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾. وفي آخر مريم: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ إلخ ..

стр. 932

وفي أول طه: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (٢)﴾. وفي آخر هذه: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ وأول ما يليها: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾. ومن أوضح هذه الأمثلة ما في آخر الأحقاف: ﴿بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وأول القتال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وآخر الطور: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾. وأول النجم بعدها: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾. وآخر هذه: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾. وأول ما يليها: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. وأنت تعلم أن الله جل شأنه يقول في سورة العلق: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. فهذا قد يبين عندك ما نزعمه من قوة الصلة بين السجود في آخر هذه والاقتراب في أول السورة التي بعدها. هذا وآخر القمر: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾. وأول الرحمن بعدها: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢)﴾. والصلة غير خافية. وآخر الواقعة: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾. وأول الحديد: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. هذا ولا يخفى ما بين أول الواقعة وآخر الرحمن من الصلة المعنوية القوية. هذا ولأمر ما ذكروا عن حمزة القارئ إنه كان يعد القرآن كله بمنزلة السورة الواحدة (١). وقد كان غير حمزة من القراء كثير «يرون وصل السور بسكت وبلا

стр. 933

سكت. ولهم مذاهب في ذلك فليرجع إليها في النشر والشاطبية وسواهما من كتب القراءة والأداء». وأحيل القارئ أيضًا إلى كتاب مرآة الإسلام للدكتور طه حسين فإن فيه بحثًا جيدًا مبسوطًا في هذا المعنى. وإنما نحونا ههنا إلى مجرد التمثيل والتقريب. ولم نرد إلى الاستقصاء. أثر القرآن على البلغاء: هذا، ولقد حازت العرب في أمر القرآن، فذكر بعضهم أنه شعر وأنه كهانة. إلا أن الله قد أكذبهم فيما زعموه. وكذلك أكذبهم علماؤهم وحذاقهم، كالذي رواه ابن إسحق في السيرة حيث قال (١): «ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش. وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم. فقال لهم يا معشر قريش، قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا. فأجمعوا فيه رأيً واحدًا. ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا. قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيًا نقل به. قال بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا نقول: كاهن قال لا والله ما هو بكاهن. لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا فنقول مجنون. قال: ما هو بمجنون. لقد رأينا الجنون وعرفناه. فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا فنقول شاعر. قال ما هو بشاعر. لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر. قالوا فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر. لقد رأينا السحار وسحرهم. فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله

стр. 934

لحلاوة. وإن أصله لعذق. وإن فرعه لجناة (قال ابن هشام ويقال لغدق) وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أنه باطل. وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا هو ساحر جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه وأخيه إلخ ... ». وعن ابن إسحق في موضع آخر ينسبه إلى النضر بن الحرث أنه قال (١): «يا معشر قريش، إنه والله لقد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد. قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم كاهن، لا والله ما هو بكاهن. قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم. وقلتم شاعر لا والله ما هو بشاعر. قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه إلخ.». ولعل النضر قد صدر بهذا القول عن ملأ من الوليد بن المغيرة وأضرا به فقد كان من شياطين قريش وبلغائها وأشدها حسدًا للرسول وعداوة لدعوته وقرآنه. وفي القرآن نفسه ما يقوي شاهد هذه الأخبار التي رواها ابن إسحق من حيرة قريش والعرب إزاء بيان التنزيل وغرابته. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ (٢) ومنه أيضًا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ (٣). ومنه أيضًا: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (٤)﴾.

стр. 935

وهذه الآية تريك إلى أي حد اشتطوا في الحيرة مع العداوة حتى نسبوا إلى محمد أنه كان يتلقى وحيه عن أعجمي ممن له علم بسير الأولين. نفاسة منهم وحسدًا. وكما تعلم أيها القارئ الكريم، وسرعان ما انتقلت خصومة قريش والعرب للقرآن من باب الجدل إلى باب العمل. وقد رام بعض الذين دخلوا في حرب النبي بعد أن فلج أمره أن يقلدوا مذهبه في الوحي والرسالة فافتعلوا لأنفسهم أصنافًا من محاكاة القرآن، من ذلك ما فعله مسيلمة وسجاح وأضرابهما، وقد حفظ الرواة لنا بعض ما جاءوا به- (أم لعلهم افتعلوه على سبيل التهكم والاستهزاء؟ ) نحو قول مسيلمة- يا ضفدعة بنت ضفدعين، علام تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعير (١) وقول سجاح: اليمامة اليمامة، ودفوا دفيف الحمامة (٢). ثم إن الإسلام ضرب بجران، ونظر العرب في ما خلص إليهم من تراث البلاغة، فوجدوا القرآن في ذروتها، وهو كلام الله المنزل المعجز. فأقبلوا على حفظه وجمعه وتفسيره، وجعل فصحاؤهم من شعراء وخطباء وحكماء وقصاص يتأثرونه ويقتبسون من ضوئه. فأما الشعراء والرجاز وطبقاتهم فأخذوا من بلاغته ما قدروا على أخذه وأدخلوه على ما كانوا يؤمونه من أغراض الرجز والقصيد، وسنعرض لذلك في شيء من التفصيل، فيما بعد إن شاء الله. وأما أهل النثر من خطباء وقصاص وحكماء فأخذوا من بلاغته ما قدروا على أخذه وأدخلوا على ما آل إليهم من تراث السجع والموازنات والأمثال والمنافرات وغير ذلك م قُريان القول المأثور. وما هو إلا قليل حتى صارت سائر أصناف البلاغة النثرية تقر ومذاهب شبيهة بمذاهب «ما قبل الشعر». في طلبها ضروبًا من الإيقاع والرنين التي لا تصل إلى إحكام الأوزان ذات البحور والقوافي. ولعل

стр. 936

الحديث من أوائل ما يستشهد به في هذا الباب. ودونك فتأمل حديث أم زرع وأكتفي ههنا بأن أذكر لك طرفًا منه (١). قالت السادسة: زوجي إن أكل لف. وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف ولا يولج الكف ليعلم البث (٢). قالت السابعة: زوجي غياياء أو عياياء، طباقاء، كل داء له داء، شجك، أو فلك أو جمع كلا لك (٣). قالت الثامنة: زوجي المس مس أرنب، والريح ريح زرنب (٤). قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد. قالت العاشرة: زوجي مالك، وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك قليلات

стр. 937

المسارح، وإذ سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك (١). وقالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع، فما أبو زرع؟ أناس من حُلي أدني. وملأ من شحم عضدي، وبجحني فبجحت إلي نفسي. وجدني في أهل غنيمة بشق (٢) فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق (٣)، فعنده أقول فلا أُقبح، وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقنح (٤). أم أبي زرع. فما أم أبي زرع؟ عُكومها رداح، وبيتها فُساح (٥). ابن أبي زرع، فما ابن أبي زرع؟ مضجعة كمسل الشطبة، ويُشبعه ذراع الجفرة (٦). بنت أبي زرع، فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها. جارية أبي زرع. فما جارية أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثًا، ولا تنقث ميرتنا تنقيثًا، ولا تملأ تعشيشًا إلخ (٧). وجلي واضح أيها القارئ الكريم ما في هذا الحديث من جودة الإيقاع وتلاحق الرنين.

стр. 938

وتأمل بعده كثيرًا من الأحاديث فإنك واجد فيها ألوانًا من طريقة ما فيه. وتأمل أيضًا عن الراشدين وخطباء العهد الأول من بني أمية وخصومهم. مثلاً خطبة سيدنا أبي بكر إذ أحس من بعض الصحابة كراهة العهد لعمر، فقال: «إني وليت أموركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه، والله لتتخذن نضائد الديباج. وستور الحرير ولتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان. والذي نفسي بيده لأن يُقدم أحدكم فتُضرب عُنقه في غير حد، خير له من أن يخوض غمرات الدنيا. يا هادي الطريق جرت. إنما هو الفجر أو البجر (١)». ورسالة عمر في القضاء حيث يقول: «أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة. فأفهم إذا أُدلى إليك. فإنه لا ينفع تكلم لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك. حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى. واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين. إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالاً إلخ (٢)». وكتاب عثمان إلى علي: «أما بعد فإنه قد جاوز الماء الزبي، وبلغ الحزام الطبيين. وتجاوز الأمر بي قدره وطمع في من لا يدفع عن نفسه. فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أُمزق (٣)». وخطبة علي في الجهاد حيث يقول: «يا عجبًا كل العجب، عجب يميت القلب، ويشغل الفهم، ويُكثر الأحزان، من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقكم. حتى أصبحتم غرضًا تُرمون ولا تَرمون. ويُغار عليكم ولا تُغيرون. ويُعصى الله فيكم وترضون. إذا قلت لم اغزوهم في الصيف. قلتم هذه

стр. 939

حمارة القيظ. أمهلنا ينصرم عنا الحر. وإذا قلت لكم اغزوهم في الشتاء قلتم هذا أوان قُر وصر فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون، فأنتم والله من السيف أفر. يا أشباه الرجال ولارجال. ويا طغام الأحلام ويا عقول ربات الحجال (١) إلخ .. ونغم هذه الخطبة أوضح وإيقاعها أبين مما استشهدنا به قبلها سوى الحديث وقد كان علي كرم الله وجهه من بناة العربي العظام، وقالوا رُوي عن عبد الحميد بن يحيى أنه قيل له: «ما الذي مكنك من البلاغة وخرجك فيها؟ فأجاب: حفظ كلام الأصلع، يعني أمير المؤمنين عليا (٢)». وإنما استطردت هذا الاستطراد لما هو شائع بين الناس من أن نهج البلاغة كله من وضع الشريف الرضي. وأقرب. عندي أن يقال إن فيه كثيرًا مما انتحله بلغاء الشيعة ورواه الشريف عنهم. وأستبعد أن يكون هو زاد فيما رواه شيئًا. هذا، وقد كان العرب من حب البلاغة بحيث حرصوا على حفظ كلام بلغائهم من زمان بعيد والذي روي عن عبد الحميد نص على ذلك، وهي رواية سابقة لزمان الشريف إذ قد ذكرها الجهشياري من رجال القرن الثالث. كما أن هذه الخطبة التي استشهدنا بها آنفًا مما رواه قدماء العلماء أمثال ابن قتيبة والجاحظ ومحمد بن يزيد. هذا، وتأمل أيضًا بتراء زياد التي أولها: «أما بعد فإن الجهالة الجهلاء. والضلالة العمياء والغي الموفي بأهله على النار. ما فيه سفهاؤكم. ويشتمل عليه حلماؤكم. من الأمور العظام التي يشب فيها الصغير، ولا يتحاشى عنها الكبير إلخ (٣)». وخطبة الحجاج التي أولها: «أنا ابن جلا وطلاع الثنايا (٤)».

стр. 940

ولعلك لمحت نفس القرآن في كلام على وبتراء زياد. وقد كان الحجاج شديد الأخذ، كثير الاقتباس، من القرآن يُضمنه خطبه تضمينًا كالذي وقع منه في قوله: «والله لأحزمنكم حزم السلمة. ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل. فإنكم لكأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان. فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. وإني والله لا أقول إلا وفيت. ولا أهم إلا أمضيت. ولا أخلق إلا فريت». وتأمل رسائل عبد الحميد والناس ينسبون إليه أنه أبو الكتابة، وليس معنى ذلك أنه لم تكن كتابة قبله، ولكن العرب كانت تؤثر ببلاغتها المنابر. ومتى عمدت إلى الكتابة نأت عن التزيين ما استطاعت لأسباب منها حاجتها إلى إبلاغ الناس جمعاء، إذ كانوا هم السند والعضد، ولم تكن تحس مثل هذه الحاجة حينما تروم بلاغ فرد. ومن شواهد ذلك البالغة ما روي من كتاب خالد إلى عياض: «آياك أريد» ولم يزد على هاتين الكلمتين شيئًا. ومنها ندرة الورق والرق الذي كان يُكتب عليه، فكانت هذه الندرة مما يدعو إلى الاقتصاد في اللفظ وإيثار الإيجاز. وقد جعلت الشقة بين الخلفاء وأمرائهم وبين سائر الناس تتباعد شيئًا فشيئًا بعد زمان عبد الملك. فصار الخلفاء وأمراؤهم يستغنون شيئًا فشيئًا بالإطناب إلى عمالهم في الرسائل دون الاحتفال للخطب العامة. ورسالة عمر في القضاء فلتة في زمانها من حيث إن فيها طولاً ما، وهي في جملتها أشبه بالخطبة المحكمة منها برسائل المتأخرين، وكذلك رسالة علي إلا الأشتر، إلا أني أميل إلى الشك في نسبتها إليه، وعسى أن يكون انتحلها أناس من شيعة على الأقدمين ليضاهوا بها رسالة عمر في القضاء. وقد شهد زمان عبد الملك خطباء فصحاء كثيرين من أمثال الأشدق والمختار ومصعب وعبد الله بن الزبير والحسن البصري وقطري بن الفجاءة والحجاج وعبد الملك نفسه. ثم إن الخطباء أخذوا يقلون بعد ذلك حتى إنك لا تجد بين رجالات

стр. 941

الدولة العباسية من يقارب هؤلاء الذين ذكرناهم إلا ما كان من أمر أبي جعفر وعمه داود بن علي، على فتور ما في كلام هذين. وقد كان أوائل من دونوا الرسائل يعتمدون مذهبًا قريبًا من الخطبة، كالذي يروى من قول يحيى بن يعمر على لسان يزيد بن المهلب: «أنا لقينا العدو، فمنحنا الله أكتافهم، فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة ولحقت طائفة برؤوس الجبال، وعرائر الأدوية، وأهضام الغيطان، وأثناء الأنهار، فبتنا بعرعرة الجبل، وبات العدو بحضيضه». وفي هذا الكلام مشابه مما روى من خطابة عبد الله بن الزبير عند سيدنا عثمان لما قدم عليه بنبأ الفتح من أفريقية. وقد سلك عبد الحميد بن يحيى سبيل الخطابة. إلا أنه مال بها إلى شيء من الأناة، التي لا تسمح بمثلها مواقف المنابر، ولكن صحبة السراج، ووقار العزلة. ومن كلام عبد الحميد، قال في كلمته الطويلة التي وصى بها الكتاب (١): «ونزهوا صناعتكم، واربأوا بأنفسكم عن السعاية والنميمة، وما فيه أهل الدناءة والجهالة. وإياكم الكبر والعظمة. فإنها عداوة مُجتلبة بغير إحنةٍ، وتحابوا في الله في صناعتكم. وتواصلوا عليها. فإنها شيم أهل الفضل والنبل من سلفكم. وإن نبا الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه. حتى ترجع إليه حاله. وإن أقعد الكبر أحدكم عن مكسبه، ولقاء إخوانه فزوروه وعظموه وشاوروه. واستظهروا بفضل رأيه وقديم معرفته ... إلخ». ونفس الخطابة في هذه القطعة وفي سائر الوصية ظاهر. وله من كتاب كتبه إلى أهله وأقاربه (٢):

стр. 942

«أما بعد، فإن الله جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور وجعل فيها أقسامًا مختلفة بين أهلها. فمن درت له بحلاوتها وساعده الحظ فيها. سكن إليها. ورضي بها. وأقام عليها. ومن قرصته بأظفارها. وعضته بأنيابها. وتوطأته بثقلها. قلاها نافرًا عنها، وذمها ساخطًا عليها. وشكاها مستزيدًا منها. وقد كانت الدنيا أذاقتنا من حلاوتها. وأرضعتنا من درها أفاويق استحليناها. ثم شمست منا نافرة. وأعرضت عنا متنكرة. ورمحتنا مُولية. فملح عذبها. وأمر حلوها وخشن لينها. فمزقتنا عن الأوطان. وقطعتنا عن الإخوان. فدارنا نازحة. وطيرنا بارحة». وهلم جرا. وهذه القطعة تصلح شاهدًا على ما زعمناه من ميل عبد الحميد بأسلوب الخطابة إلى شيء من الأناة التي تكون مع رؤية العزلة والاحتفال. ولا يخفي بعد ما التزمه عبد الحميد من التقسيم المتتالي والإيقاع المنتظم. وابن المقفع دون عبد الحميد اسماحًا، ولكنه مثله يتحرى التقسيم وتجويد الإيقاع وشواهد ذلك كثيرة في نثره. وقد وصمه الدكتور طه حسين في كتابه من حديث الشعر والنثر. بشبه الاستشراق في بعض ما يستكرهه من القياسات. ولا أرى كيف تأتي الدكتور طه حسين إلى هذا القول على ما عنده من دقة البصر وبعد الغور وصفاء الذوق إذ ليس ما يضعف فيه ابن المقفع بمبلغه إلى العجمة ضربة لازب، على أنه كان أصله أعجميًا. والرجل بعد ممن عبدوا طريق الكتابة. وليس ما يلاقيه المبتدئ من حزونة البداية كما يلاقيه التالي من سهولة الإتباع. وإليك بعد هذه القطعة من الأدب الكبير: «ابذل عدلك وانصافك. واضنن بعرضك عن كل أحد». (رسائل البلغاء- مصر- ١٩٥٤ - ٧١). وهذه القطعة من الأدب الصغير: «وعلى العاقل أن يذكر الموت في كل يوم وليلة مرارًا، ذكرًا يباشر القلوب،

стр. 943

ويقدح الطماح، فإن في كثرة ذكر الموت عصمة من الأشر. وأمانًا بإذن الله من الهلع». (نفسه-١١). وفي هاتين القطعتين على قصرهما شاهد الإيقاع. إلا أن ابن المقفع كما ترى أشد روية وأبكأ درًا من عبد الحميد. وتأمل بعد توقيعات الوزراء الأوائل أيام المهدي والهادي وهرون، من ذلك مثلاً ما رواه الجهشياري من مأثور حديث أبي عبيد الله: «التماس السلامة بالسكوت، أولى من التماس الحظ بالكلام، وقمع نخوة الشرف، أشد من قمع بطر الغني، والصبر على حقوق النعمة، أصعب من الصبر على ألم الحاجة. وذل الفقر قاهر لعز الصبر. كما أن عز الغني مانع من الإنصاف. إلا من كان في غريزته فضل كرم. وفي أعراقه مناسبة لعلو الهمة» (١). وما رواه من كلام يحيى بن خالد بن برمك في بعض ما وصى به بنيه إذ يقول: «لابد لكم من كتاب وعمال وأعوان. فاستعينوا بالأشراف وإياكم وسفلة الناس. فإن النعمة على الأشراف أبقى. وهي بهم أحسن. والمعروف عندهم أشهر. والشكر منهم أكثر» (٢). وعن جعفر بن يحيى إذ وقع على رقعة دفع بها إليه بعض أبناء الرجاء: «هذا يمت بحرمة الأمل. وهي أقرب الوسائل. وأثبت الوصائل. فليعمل له من ثمرة ذلك عشرون ألف درهم. وليُمتحن ببعض الكفاية. فإن وجدت عنده، فقد ضم إلى حقه حقًا. وإلى حرمته حُرمة. وإن قصر عن ذلك فعلينا مُعوله وإلينا موئله. وفي مالنا سعة له» (٣). وكل هذا كما ترى واضح الإيقاع، ظاهر الطريقة في التقسيم والموازنة والازدواج والسجع.

стр. 944

وبعد فحسبنا هذا القدر من الاستشهاد. وإنما أردنا لنبين به كيف أقبل النثر العربي من أصوله الجاهلية في «ما قبل الشعر» على القرآن فأخذ من مادته وشكله وأساليب جرسه فنشأ من ذلك أسلوب الخطب بجرسها وإيقاعها. ثم تلاهن عهد الرسائل بتقسيمها ذي النفس الخطابي في مذاهب عبد الحميد، والتريث الفلسفي في مذهب ابن المقفع، والإسماح شيئًا فشيئًا، مع الاحتفاظ بجوهر الإيقاع في إنشاء الوزراء من لدن أبي عبيد الله إلى آل برمك زمان الرشيد، وكل هذا كما ترى شديد الصلة «بما قبل الشعر» قوي النظر إلى القرآن، غير بعيد حقًا عن مذاهب الشاعرية في غير العربية. شاعرية النثر العربي: ولعلك إذا تبينت هذا تبينت أيضًا أنه لم يكن في العربية نثر خالص النثرية حقًا، إلا ما كنا ألمعنا إليه من رسائل الأوائل القصار التي كان يراد بها التبيين بلفظ موجز وحتى هذه لم تكن تخلو من الموازنة والإيقاع متى جاوزت الجملتين والثلاث وربما قصدت إليهما قصدًا ككتاب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد: «أما بعد، فإن الممدوح مسبوب يومًا ما. وإن المسبوب ممدوح يومًا ما. وقد انتميت إلى منصب كما قال الأول: رفعت فجاوزت السحاب وفوقه ... فما لك إلا مرقب الشمس مرقب وقد ابتلى بحُسين زمانك دون الأزمان. وبلدك دون البلدان. ونكبت به من دون العمال، فأما أن تعتق. أو تعود عبدًا كما يُعبد العبد. والسلام» (١). وإنما دخل النثر البحت الأجرد في نطاق العربية مع دخول التأليف المستفيض كالذي كان من كتب النحو واللغة والخراج الأولى. وكالذي تفرع من هؤلاء

стр. 945

من صنوف العلوم كالمذاهب والمنطق واللغة والتقويم والمعاجم والتراجم والتواريخ. أما سائر أساليب النثر العربي فقد انساقت في الطريق الذي سلكه الحديث والخطباء والبلغاء وأصحاب الرسائل وأوائل الوزراء من إيثار الإيقاع وتجويد النغم ونجم في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث كتاب قد انتهى إليهم من تراث البيان العربي قدر عظيم، وحباهم الله من الملكة قدرًا عظيمًا فنحوا بهذا الإيقاع والنغم المجرد إلى محض الإتقان والأحكام فيما غروا به من السجع والازدواج. وعلى رأس هؤلاء عمرو بن بحر الجاحظ. وقد كان يحتفل لإرسال اللفظ متدفعًا تدفع الأمواج، ومنطلقًا انطلاق التيار، كما كان يحتفل لسوق المعاني متتابعات متدرجات متساويات أولها فرط لآخرها، وأواخرها نتائج لأوائلها. فيجمع من الاحتفالين وشيًا منمنًا، وفصوصًا كفصوص العقود، تبهر النفوس وتروع القلوب. تأمل مثلاً قوله في كتاب البخلاء. على لسان خالد بن يزيد يوصي ابنه (١): «ولست أرضاك وإن كنت فوق البنين. ولا أثق بك وإن كنت لاحقًا بالآباء. لأني لم أُبالغ في محنتك. إني قد لابست السلاطين والمساكين. وخدمت الخلفاء والمكدين. وخالطت النساك والفتاك. وعمرت السجون، كما عمرت مجالس الذكر. وحلبت الدهر أشطره. وصادفت دهرًا كثير الأعاجيب. ولم أحمد نفسي على جمعه. كما حمدتها على حفظه. لأن بعض هذا المال لم أنله بالحزم والكيس.

стр. 946

قد حفظته لك من فتنة البناء. ومن فتنة النساء. ومن فتنة الثناء. ومن فتنة الرياء. ومن أيدي الوكلاء فإنهم الداء العياء. تأمل هذا الصوغ والتقسيم المحكم ذا النغم المطرب ثم وازن بينه وبين قول شاكسبير: Shall I compare thee to a summer's day? Thou art more lovely and more temperate: Rough winds do shake the darling buds of May, And summer's lease hath all too short a date: Sometime too hot the eye of heaven shines And often is his gold complexion dimmed. And every fair form fair something declines, By chance or nature's changing course untrimmed, But thy eternal summer shall not fade, Nor lose possession of that fair thou owest, Nor shall death brag thou wander'st in this shade, When in eternal lines to time thou growest, So long as men can breathe or eyes can see, So long lives this, and this gives life three. ولعلي إن تمثلت بشيء من خطب شكسبير في مسرحياته كان يكون أيسر المأتي في هذا الموضوع. ولكني تعمدت هذا المثل تعمدًا من «سوناتاته» (١) لأن نظمها أشد أحكامًا وأدخل في حاق الأوزان الشعرية عند الإفرنج. فإن وضح ما أزعمه في التمثيل به، كان أوضح في المرسل. وليس مرادي بقولي «وازن» آنفًا أن تقصد إلى موازنة المعاني وإنما أريدك لتوازن بين شكلي الإيقاع. ألا تجد أن شكسبير لا يتجاوز في إيقاعه أمر المقابلة والمطابقة وجرس الصوت المستمد من مخارج الكلمات، ثم القوافي من بعد؟ أم لا تحس أن قوافيه أقرب إلى

стр. 947

السجع في نظام العربية منها إلى الروي المتلئب؟ ولعمري قد يقع للجاحظ ما هو أدنى إلى شبه الروي منها كالذي في آخر ما استشهدنا له من قوله فيما مضى. ولا أغلو إن زعمت أن أكثر نثر الجاحظ الذي لم ينح فيه منحى التأليف يشبه في وزنه وإيقاعه أصنافًا من الشعر الإنجليزي المقفى والمرسل. ولئن صدق هذا القول على الجاحظ لهو أصدق على كثير من معاصريه ممن كانوا أميل إلى السجع كأبي العيناء مثلاً. ولئن صدق على كتاب القرن الثالث لهو أصدق على كتاب القرن الرابع من أصناف الصاحب والبديع، وعلى من اتبعوا سبيلهم من أصناف الحريري والقاضي الفاضل. وإنما أقول ذلك لأن هؤلاء قد كانوا أحرص على رونق الشكل، وتصنيع الأسجاع والازدواج والتجنيس والتطبيق والتقسيم وما إليه؛ على أنه قل منهم من يقارب الجاحظ في تدفق التيار وانسياب المعنى وإطراد النغم. وإني ليُخيل إلي أحيانًا أن دقيقي الإحساس، رقيقي الشعور، من كتاب القرن الرابع والذين اتبعوا سبيلهم، قد ادمنوا النظر في فواصل القرآن وآيه، كما أدمن الذين من قبلهم، ثم أثروا أن يستحدثوا أشكالاً من القول الموزون يحذونها على نحو ذلك، ثم يجعلونها مسالك لما كان يختلج في نفوسهم من الشاعرية، ويهجرون إليها صوغ القريض المحكم ما استطاعوا. فنشأت من صنيعهم هذا أفانين الرسائل والمقامات وما يجري مجراها من مصقول السجع والمزدوج. ومما يدلك على أن السجع قد صار في القرن الرابع فما تلاه، مذهبًا مقاربًا لمذاهب الشعر، قول ابن الأثير في نعته: «اعلم أن الأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام. والاعتدال مطلوب في جميع الأشياء، والنفس تميل إليه بالطبع. ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند تواطؤ الفواصل على حرف واحد. إذ لو كان ذلك هو المراد من السجع لكان كل أديب من الأدباء سجاعًا. وما من أحد منهم ولو شدا شيئًا يسيرًا من الأدب إلا ويمكنه أن يؤلف ألفاظًا مسجوعة ويأتي بها في كلام. بل

стр. 948

وينبغي أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة طنانة رنانة. لا غثة ولا باردة. وأعني بقولي غثة وباردة أن صاحبها يصرف نظره إلى مفردات الألفاظ المسجوعة وما يشترط لها من الحسن. لا إلى تركيبها وما يشترط له من الحسن، وهو في الذي يأتي به من الألفاظ المسجوعة كمن ينقش أثوابًا من الكرسف أو ينظم عقدًا من الخرز الملون» (١). فهذا كما ترى نص فيما نذهب إليه من أن كتاب القرن الرابع إنما أرادوا طريقًا جديدًا من الشاعرية في الذي اعتمدوه من السجع والتقسيم وأحسب أنه دفعهم إلى هذا الصنيع ما كانوا يجدونه من عسر في مسلك القصيد، إذ هو ضيق المجال على غير الفحل الموهوب. وفي كتاب «من حديث الشعر والنثر» للدكتور طه حسين إشارة إلى شيء من هذا المعنى، وذلك حيث يقول في أول حديثه عن نثر الجاحظ (٢): «فالجاحظ قد تناول في كتبه أغلب الفنون التي تناولها الشعراء»، ثم يقول في آخره: «فنحن عندما نقرأ نثرًا كنثر الجاحظ لا نحس عسرًا في فهمه، بل نجد يسرًا ومرونة. وفوق هذه المرونة واليُسر كسب النثر خصلة أخرى هي الموسيقا، فالنثر أيام الجاحظ لا يلذ العقل وحده ولا الشعور وحده ولكنه يلذ العقل والشعور والأذن أيضًا، لأنه قد نظم تنظيمًا موسيقيًا، وألف تأليفًا خاصًا له نسب خاصة. فهذه الجملة لها هذا المقدار من الطول، وهذه الجملة تناسب هذا الموضوع. وإذا قصرت هذه الجملة لاءمتها تلك الجملة. وإذا ضخمت ألفاظ هذه الجملة كانت الجملة التي تليها على حظ من السهولة وهكذا». وربما حسن بنا هنا أن نستطرد إلى حديث الدكتور طه حسين عن ابن الرومي

стр. 949

من بعد، إذ ذكر أنه كان يذهب في شعره مذهبًا قريبًا من مذاهب النثر الجاحظي وما إليه من طريقة الكتاب. وليس ببعيد أن يكون ابن الرومي قد جارى كتاب زمانه -وكان كما قد تعلم كاتبًا- ليظهر لهم قدرة القصيد على ما كانت تتعاطاه أساليبهم من أغراض البلاغة، فضلاً على الذي كان آخذًا فيه معهم بنصيب. ولقد أوشك بفعله هذا أن يخرج بالقصيد في نظمه جملة واحدة على النهج الذي أريد له ولم يك ليصلح إلا عليه. وقد وهم فيما أحسب ابن رشيق وابن حزم إذ نعتاه بدقة الغوص على المعاني كما لم ينعتا غيره. فأوشك الأول أن يقدمه على أبي تمام، إلا أنه احترس بما ذكر من إجماع النقاد على أبي تمام (١)، ولم يقدمه بحال على الأوائل، وهذا يدلك على دقته وصحة بصره بالنقد. وأما الثاني فقد غلا فألحق ابن الرومي بامرئ القيس (٢). وأحسب أن ابن رشيق وابن حزم كليهما لم يخلوا في الذي ذهبا إليه من نظر إليه طريقة القالي حيث اختار من ابن الرومي في أماليه؛ كما لم يخلوا من تأثر بمذهب المولدين، ولا سيما مولدي الأندلس، في إيثار الإطناب والتفصيل وتطويل النفس فيها على مذهب بديعي، خلافًا لما كان عليه الأوائل من إيثار الجزالة والإيجاز. ولابن حزم خاصة ولع أيما ولع بالتفصيل البديعي لمعاني الحب. من ذلك قوله في طوق الحمامة، واستشهد به صاحب النثر الفني ﵀ (٢ - ١٦٨): محبة صدق لم تكن بنت ساعة ... ولا وريت حين ارتياد زنادها ولكن على مهل سرت وتولدت ... لطول امتزاج فاستقر عمادها فلم يدن منها عزمها وانتقاضها ... ولم ينأ عنها مُكثها وازديادها

стр. 950

يؤكد ذا أنا نرى كل نشأة ... تتم سريعًا عن قريب بعادها ولكنني، أرضي عزاز صليبة ... منيع إلى كل الغروس انقيادها فما نفذت منها لديها عروقها ... وليست تُبالي أن يجود عهادها وهذا الشعر فخم التركيب وفيه ما ترى من نفس ابن الرومي، ولكنه غير جزل. أو قل ليس فيه ماء، إذ فخامته نحوية لغوية؛ وجزالة الشعر لا تكون من تجويد النحو واللغة فحسب، وإنما هذا عرض من أعراضها؛ بل إن الجزالة مما يكون سرًا تتبعه جودة النحو واللغة والتركيب. وأحسب من أهم عناصر أن تتحد الموسيقى التي في الوزن مع الألفاظ والمعاني اتحادًا تامًا يجعل منهن جميعًا «كلا» نغميًا واحدًا. وأبيات ابن حزم هذه، بالرغم من «كُليتها» المعنوية، وانتظام بحرها، ومظهر جودة التراكيب واللغة فيها، فاقدة للكل النغمي الذي هو من خواص جزل الشعر. وهذه شكاة تعرض لأصناف كثيرة من أشعار المولدين ولا سيما الأندلسيين. وقد كان ابن هانئ الأندلسي مقتدرًا في النظم فخم العبارات، يصيب ظاهر الجزالة في غير قليل. ومع هذا أبى المعري إلا أن يشبه شعره برحى تطحن قرونًا، يوحي بقولته هذه أن مذهبه تجازل لا جزالة. وأحسب هذا من أجود ما قيل في الفخامة التي تروع ولكنها تُشوي حاق الجزالة والأصالة (١). هذا وكأن البديع والصاحب والخوارزمي وابن العميد قد راموا أن يعكسوا قضية ابن الرومي، لما مالوا به من إيقاع الجاحظ وسجع أبي العيناء عن طريقة التدفع والانسياب، إلى مباراة بينة لأسلوب القصيدة في الوثب واللمح وطلب التأثير بإيحاء
следующие страницы →