قد حفظته لك من فتنة البناء. ومن فتنة النساء. ومن فتنة الثناء. ومن فتنة الرياء. ومن أيدي الوكلاء فإنهم الداء العياء.
تأمل هذا الصوغ والتقسيم المحكم ذا النغم المطرب ثم وازن بينه وبين قول شاكسبير:
Shall I compare thee to a summer's day?
Thou art more lovely and more temperate:
Rough winds do shake the darling buds of May,
And summer's lease hath all too short a date:
Sometime too hot the eye of heaven shines
And often is his gold complexion dimmed.
And every fair form fair something declines,
By chance or nature's changing course untrimmed,
But thy eternal summer shall not fade,
Nor lose possession of that fair thou owest,
Nor shall death brag thou wander'st in this shade,
When in eternal lines to time thou growest,
So long as men can breathe or eyes can see,
So long lives this, and this gives life three.
ولعلي إن تمثلت بشيء من خطب شكسبير في مسرحياته كان يكون أيسر المأتي في هذا الموضوع. ولكني تعمدت هذا المثل تعمدًا من «سوناتاته» (١) لأن نظمها أشد أحكامًا وأدخل في حاق الأوزان الشعرية عند الإفرنج. فإن وضح ما أزعمه في التمثيل به، كان أوضح في المرسل. وليس مرادي بقولي «وازن» آنفًا أن تقصد إلى موازنة المعاني وإنما أريدك لتوازن بين شكلي الإيقاع.
ألا تجد أن شكسبير لا يتجاوز في إيقاعه أمر المقابلة والمطابقة وجرس الصوت المستمد من مخارج الكلمات، ثم القوافي من بعد؟ أم لا تحس أن قوافيه أقرب إلى
стр. 947
السجع في نظام العربية منها إلى الروي المتلئب؟ ولعمري قد يقع للجاحظ ما هو أدنى إلى شبه الروي منها كالذي في آخر ما استشهدنا له من قوله فيما مضى. ولا أغلو إن زعمت أن أكثر نثر الجاحظ الذي لم ينح فيه منحى التأليف يشبه في وزنه وإيقاعه أصنافًا من الشعر الإنجليزي المقفى والمرسل. ولئن صدق هذا القول على الجاحظ لهو أصدق على كثير من معاصريه ممن كانوا أميل إلى السجع كأبي العيناء مثلاً. ولئن صدق على كتاب القرن الثالث لهو أصدق على كتاب القرن الرابع من أصناف الصاحب والبديع، وعلى من اتبعوا سبيلهم من أصناف الحريري والقاضي الفاضل. وإنما أقول ذلك لأن هؤلاء قد كانوا أحرص على رونق الشكل، وتصنيع الأسجاع والازدواج والتجنيس والتطبيق والتقسيم وما إليه؛ على أنه قل منهم من يقارب الجاحظ في تدفق التيار وانسياب المعنى وإطراد النغم.
وإني ليُخيل إلي أحيانًا أن دقيقي الإحساس، رقيقي الشعور، من كتاب القرن الرابع والذين اتبعوا سبيلهم، قد ادمنوا النظر في فواصل القرآن وآيه، كما أدمن الذين من قبلهم، ثم أثروا أن يستحدثوا أشكالاً من القول الموزون يحذونها على نحو ذلك، ثم يجعلونها مسالك لما كان يختلج في نفوسهم من الشاعرية، ويهجرون إليها صوغ القريض المحكم ما استطاعوا. فنشأت من صنيعهم هذا أفانين الرسائل والمقامات وما يجري مجراها من مصقول السجع والمزدوج. ومما يدلك على أن السجع قد صار في القرن الرابع فما تلاه، مذهبًا مقاربًا لمذاهب الشعر، قول ابن الأثير في نعته: «اعلم أن الأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام. والاعتدال مطلوب في جميع الأشياء، والنفس تميل إليه بالطبع. ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند تواطؤ الفواصل على حرف واحد. إذ لو كان ذلك هو المراد من السجع لكان كل أديب من الأدباء سجاعًا. وما من أحد منهم ولو شدا شيئًا يسيرًا من الأدب إلا ويمكنه أن يؤلف ألفاظًا مسجوعة ويأتي بها في كلام. بل
стр. 948
وينبغي أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة طنانة رنانة. لا غثة ولا باردة. وأعني بقولي غثة وباردة أن صاحبها يصرف نظره إلى مفردات الألفاظ المسجوعة وما يشترط لها من الحسن. لا إلى تركيبها وما يشترط له من الحسن، وهو في الذي يأتي به من الألفاظ المسجوعة كمن ينقش أثوابًا من الكرسف أو ينظم عقدًا من الخرز الملون» (١).
فهذا كما ترى نص فيما نذهب إليه من أن كتاب القرن الرابع إنما أرادوا طريقًا جديدًا من الشاعرية في الذي اعتمدوه من السجع والتقسيم وأحسب أنه دفعهم إلى هذا الصنيع ما كانوا يجدونه من عسر في مسلك القصيد، إذ هو ضيق المجال على غير الفحل الموهوب. وفي كتاب «من حديث الشعر والنثر» للدكتور طه حسين إشارة إلى شيء من هذا المعنى، وذلك حيث يقول في أول حديثه عن نثر الجاحظ (٢): «فالجاحظ قد تناول في كتبه أغلب الفنون التي تناولها الشعراء»، ثم يقول في آخره: «فنحن عندما نقرأ نثرًا كنثر الجاحظ لا نحس عسرًا في فهمه، بل نجد يسرًا ومرونة. وفوق هذه المرونة واليُسر كسب النثر خصلة أخرى هي الموسيقا، فالنثر أيام الجاحظ لا يلذ العقل وحده ولا الشعور وحده ولكنه يلذ العقل والشعور والأذن أيضًا، لأنه قد نظم تنظيمًا موسيقيًا، وألف تأليفًا خاصًا له نسب خاصة. فهذه الجملة لها هذا المقدار من الطول، وهذه الجملة تناسب هذا الموضوع. وإذا قصرت هذه الجملة لاءمتها تلك الجملة. وإذا ضخمت ألفاظ هذه الجملة كانت الجملة التي تليها على حظ من السهولة وهكذا».
وربما حسن بنا هنا أن نستطرد إلى حديث الدكتور طه حسين عن ابن الرومي
стр. 949
من بعد، إذ ذكر أنه كان يذهب في شعره مذهبًا قريبًا من مذاهب النثر الجاحظي وما إليه من طريقة الكتاب. وليس ببعيد أن يكون ابن الرومي قد جارى كتاب زمانه -وكان كما قد تعلم كاتبًا- ليظهر لهم قدرة القصيد على ما كانت تتعاطاه أساليبهم من أغراض البلاغة، فضلاً على الذي كان آخذًا فيه معهم بنصيب. ولقد أوشك بفعله هذا أن يخرج بالقصيد في نظمه جملة واحدة على النهج الذي أريد له ولم يك ليصلح إلا عليه.
وقد وهم فيما أحسب ابن رشيق وابن حزم إذ نعتاه بدقة الغوص على المعاني كما لم ينعتا غيره. فأوشك الأول أن يقدمه على أبي تمام، إلا أنه احترس بما ذكر من إجماع النقاد على أبي تمام (١)، ولم يقدمه بحال على الأوائل، وهذا يدلك على دقته وصحة بصره بالنقد. وأما الثاني فقد غلا فألحق ابن الرومي بامرئ القيس (٢).
وأحسب أن ابن رشيق وابن حزم كليهما لم يخلوا في الذي ذهبا إليه من نظر إليه طريقة القالي حيث اختار من ابن الرومي في أماليه؛ كما لم يخلوا من تأثر بمذهب المولدين، ولا سيما مولدي الأندلس، في إيثار الإطناب والتفصيل وتطويل النفس فيها على مذهب بديعي، خلافًا لما كان عليه الأوائل من إيثار الجزالة والإيجاز.
ولابن حزم خاصة ولع أيما ولع بالتفصيل البديعي لمعاني الحب. من ذلك قوله في طوق الحمامة، واستشهد به صاحب النثر الفني ﵀ (٢ - ١٦٨):
محبة صدق لم تكن بنت ساعة ... ولا وريت حين ارتياد زنادها
ولكن على مهل سرت وتولدت ... لطول امتزاج فاستقر عمادها
فلم يدن منها عزمها وانتقاضها ... ولم ينأ عنها مُكثها وازديادها
стр. 950
يؤكد ذا أنا نرى كل نشأة ... تتم سريعًا عن قريب بعادها
ولكنني، أرضي عزاز صليبة ... منيع إلى كل الغروس انقيادها
فما نفذت منها لديها عروقها ... وليست تُبالي أن يجود عهادها
وهذا الشعر فخم التركيب وفيه ما ترى من نفس ابن الرومي، ولكنه غير جزل. أو قل ليس فيه ماء، إذ فخامته نحوية لغوية؛ وجزالة الشعر لا تكون من تجويد النحو واللغة فحسب، وإنما هذا عرض من أعراضها؛ بل إن الجزالة مما يكون سرًا تتبعه جودة النحو واللغة والتركيب. وأحسب من أهم عناصر أن تتحد الموسيقى التي في الوزن مع الألفاظ والمعاني اتحادًا تامًا يجعل منهن جميعًا «كلا» نغميًا واحدًا. وأبيات ابن حزم هذه، بالرغم من «كُليتها» المعنوية، وانتظام بحرها، ومظهر جودة التراكيب واللغة فيها، فاقدة للكل النغمي الذي هو من خواص جزل الشعر. وهذه شكاة تعرض لأصناف كثيرة من أشعار المولدين ولا سيما الأندلسيين. وقد كان ابن هانئ الأندلسي مقتدرًا في النظم فخم العبارات، يصيب ظاهر الجزالة في غير قليل. ومع هذا أبى المعري إلا أن يشبه شعره برحى تطحن قرونًا، يوحي بقولته هذه أن مذهبه تجازل لا جزالة. وأحسب هذا من أجود ما قيل في الفخامة التي تروع ولكنها تُشوي حاق الجزالة والأصالة (١).
هذا وكأن البديع والصاحب والخوارزمي وابن العميد قد راموا أن يعكسوا قضية ابن الرومي، لما مالوا به من إيقاع الجاحظ وسجع أبي العيناء عن طريقة التدفع والانسياب، إلى مباراة بينة لأسلوب القصيدة في الوثب واللمح وطلب التأثير بإيحاء
стр. 951
الكلمات وبضروب أخرى من التصنيع، منها مثلاً نقل أغراض الشعر المعروفة له إلى رسائل النثر ومقالاته. ولا أكاد أشك أن أبا العلاء المعري قد قصد إلى شيء من السخرية بهذا المذهب في فصوله وغاياته، حيث عمد إلى أوصاف الحُمر الوحشية ورحلات الثيران والصيران فأحال كل ذلك إلى نثر مسجوع. على أن المعري ربما التذما هو بسبيله من أغراض الشعر أحيانًا فخرج به ذلك عن مراده من السخرية أو كاد.
هذا والصاحب أوضح كتاب القرن الرابع طريقة في اقتراء أغراض الشعر وانتحالها، على سطحية كانت فيه، وكلف بإظهار المقدرة على التصرف في الظرف والفكاهة يوشك أن يقارب التفيهق المنهي عنه في الحديث. خذ مثلاً قوله، من رسالة كتب بها إلى القاضي الجرجاني (وهو غير صاحب الوساطة):
«تحدثت الركاب بسير أروي ... إلى بلد حططت به خيامي
فكدت أطير من شوقي إليها ... بقادمة كقادمة الحمام
أفحق ما قيل من أمر القادم؟ أم ظن كأماني الحالم؟ لا والله بل هو درك العيان. وإنه ونيل المنى سيان. فمرحبًا أيها القاضي براحلتك ورحلك. بل أهلاً بك وبكافة أهلك. ويا سرعة ما فاح نسيم مسراك. ووجدنا ريح يوسف من رياك. فحث المطى تزل غُلتي بسقياك. وتُزح علتي بلقياك. ونص على يوم الوصول لنجعله مُشرفًا. ونتخذه موسمًا ومُعرفًا. ورد الغلام أسرع من رجع الكلام. فقد أمرته أن يطير على جناح نسر. وأن يترك الصبا في عقال وأسر» (١).
وله من أخرى يهنئ بمولد طفلة:
«أهلاً وسهلاً بعقلية النساء. وأم الأبناء. وجالبة الأصهار. والأولاد
стр. 952
الأطهار. والمبشرة بأخوة يتناسقون. نجباء يتلاحقون.
فلو كان النساء كمثل هذي ... لفضلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... وما التذكير فخر للهلال
فادرع يا سيدي اغتباطًا. واستأنف نشاطًا. فالدنيا مؤنثة. والرجال يخدمونها والذكور يعبدونها. والأرض مؤنثة. ومنها خلقت البرية. وفيها كثرت الذرية. والسماء مؤنثة. وقد زينت بالكواكب. وحليت بالنجم الثاقب. والنفس مؤنثة. وبها قوام الأبدان. وملاك الحيوان. والحياة مؤنثة ولولاها لم تتصرف الأجسام. ولا عرف الأنام. والجنة مؤنثة. وبها وعد المتقون. ولها بعث المرسلون .. فهنيئًا هنيئًا ما أوليت. وأوزعك الله شكر ما أعطيت. وأطال بقاءك ما عُرف النسل والولد. وما بقي الأمد .. وكما عُمر لُبد» (١). فههنا تلذذ بالسجع والفواصل مع هيل من الألفاظ وانثيال. وكأن هذا التلذذ هو المراد لذاته في كلتا هاتين القطعتين دون ما يداخله من معاني التهنئة والترحيب. وإلى نحو من هذا المعنى أردنا إذ قلنا أن الصاحب ومعاصريه مالوا بطريقة الجاحظ إلى الوشي والتصنيع وإلى شكلية يضاهئون بها عمود الشعر إذ عجزوا أن ينهضوا به. وهذا تأويل ما قدمناه من أنهم عكسوا قضية ابن الرومي ومذهبه، إذ كما أراد ابن الرومي حمل القصيد على إطناب المنثور، أرادوا هم حمل المنثور على أريحية القصيد وشدة أسره.
وما أستبعد أنه تحامل الصاحب على أبي الطيب إنما كان ضربًا من الحسد الذي يحسه شويعر يرى أنه مجدد مبدع لآخر أفحل منه بأبواع، لا يتنكب النهج الموروث ولا يعجز أن يبلغ به غايات البيان.
هذا وبديع الزمان قريب من الصاحب في المذهب غير أنه أطبع، وربما تعاطى
стр. 953
الوزن المحكم فأصاب، وله في المقامات ما يدل على بصر بنفوس الناس ودقة في الملاحظة، وتصرف في الخيال ومقدرة على التمثيل ذي الروح المسرحي وأضرب مثلاً لذلك مقامته الخمرية (١) وله منها:
«ولما حشرج النهار أو كاد. نظرنا فإذا برايات الحانات أمثال النجوم في الليل البهيم. فتهادينا بها السراء. وتباشرنا بليلة غراء. ووصلنا إلى أفخمها بابًا وأضخمها كلابًا. وقد جعلنا الدينار إمامًا. والاستهتار لزامًا. فدفعنا إلى ذات شكل ودل. ووشاح منحل. إذا قتلت أحاظها. أحيت ألفاظها. فأحسنت تلقينا. وأسرعت تقبل رؤوسنا وأيدينا. وأسرع معها العلوج. إلى حط الرحال والسرج. وسألناها عن خمرها فقالت:
خمر كريقي في العذو ... بة واللذاذة والحلاة
تذر الحليم وما عليه ... لحلمه أدنى ملاوة
كأنما اعتصرها من خدي. أجداد جدي. وسر بلوها من القار بمثل هجري وصدي. وديعة الدهور. وخبيئة جيب السرور. وما زالت تتوارثها الأخيار. ويأخذ منها الليل والنهار. حتى لم يبق إلا أرج وشعاع. ووهج لذاع. ريحانة النفس. وضرة الشمس. فتاة البرق. عجوز الملق. كاللهب في العروق. وكبرد النسيم في الحلوق. مصباح الفكر. وترياق سم الدهر. بمثلها عُزر الميت فانتشر. ودووي الأكمه فأبصر. قلنا هذه الضالة وأبيك. فمن المطرب في ناديك. ولعلها تشعشع للشرب بريقك العذب». إلى آخر ما قاله.
وهذا كما ترى فيه نظر شديد إلى مذهب أبي نواس في نعت الخمر والقيان ولو قلت، نظر إلى الأعشى ما باعدت.
стр. 954
وابن العميد أدنى إلى مذهب الجاحظ في الاعتماد على أصالة الغرض وتسخير الإيقاع للبيان، إذا قرنته إلى الصاحب والبديع وأشباههما. ولا أقول هو أدنى إلى الجاحظ في العموم، إذ روم الشكل السجعي الذي يضاهئ القصيدة. ويحاول التفوق على بلاغتها، واضح في طريقته. خذ مثلاً قوله: «وزعمت أنك في طرف من الطاعة بعد أن كنت متوسطها، وإذ كنت كذلك فقد عرفت حاليها. وحلبت شطريها. فنشدتك الله لما صدقت عما سألتك: كيف وجدت ما زلت عنه؟ وكيف تجد ما صرت إليه؟ ألم تكن من الأول في ظل ظليل. ونسيم عليل. وريح بليل. وهواء عذي. وماء. روي. ومهاد وطي. وكن كنين. ومكان مكين. وحصن حصين. يقيك المتألف. ويؤمنك المخاوف. ويكنفك من نوائب الزمان ويحفظك من طوارق الحدثان. عززت بعد الذلة. وكثرت بعد القلة. وارتفعت بعد الضعة وأيسرت بعد العسرة. وأثريت بعد المتربة. واتسعت بعد الضيقة. وظفرت بالولايات. وخفقت فوقك الرايات. ووطئ عقبك الرجال. وتعلقت بك الآمال. وصرت تُكاثر بك. وتشير ويشار إليك. ويذكر على المنابر اسمك. وفي المحاضر ذكرك. ففيم الآن أنت من الأمر؟ وما العوض عما عددت؟ والخلف مما وصفت؟ وما استفدت حين أخرجت من الطاعة نفسك؟ ونفضت منها كفك؟ وغمست في خلافها يدك؟ وما الذي أظلك بعد انحسار ظلها عنك؟ أظل ذو ثلاث شعب؟ لا ظليل ولا يُغني من اللهب؟ قل نعم كذلك والله أكثف ظلالك في العاجلة، وأوحها في الآجلة، إن أقمت على المحايدة والعنود، ووقفت على المشاقة والجحود».
ولعل الخوارزمي أصدق نفسًا في شاعرية النثر من ابن العميد، على أنه دونه في فحولة اللفظ. وإليك منه هذه الفصول. وقد أخذتها من كتاب النثر الفني لطيب الذكر الدكتور زكي مبارك (١). وهذا الكتاب من أنفس ما كتب في عصرنا هذا فلا
стр. 955
زالت تهمي على صاحبه شآبيب الرضا والغفران. وللقارئ الكريم بعد أن يرجع إلى رسائل الخوارزمي فهي مجموعة مطبوعة. قال من رسالة إلى الجرجاني:
«ومن أنقذ إنسانًا من الفقر وانتشله من مخالب الدهر، وفكه من أسار العسر. فقد اعتقه من الرق الأحمر. والرق رقان: رق الملك ورق الهوان والأسر أسران: أسر العدو وأسر الزمان».
ومن أخرى كتب بها إلى الصديق:
«وأظن أن لو ألفيتك عليلاً لانصرفت عنك، وأنا أعل منك. فإني بحمد الله جلد على أوجاع أصدقائي. ينبو عني سهم الدهر إذا رماني. وينفذ في إذا رمى إخواني. فأقرب سهامه مني. أبعد سهامه عني. كما أن أبعدها عني. أقربها مني».
وأحسب نحو هذا لو وقع في دواوين بعض من يُلهج بذكره من أهل العصر لعد مدرسة كأحذق ما يصنع الغربيون. والحمد لله على ما قضى. وله بذلك منا تمام الرضا.
ومن أخرى للخوارزمي في رجل يذمه:
«وإذا أردت أن تعلم أني في ذمك جاد. وفي مدحك لاعب. وإني في الشهادة عليك صادق. وفي الشهادة لك كاذب. فأنظر إلى تهافت قولي إذ لا ينتك، وجاملتك: وإلى إصابتي الغرض وحزي المفصل. إذا كاشفتك وصدقتك. وذلك أن الصادق معان، ومأخوذ بيديه. والكاذب مخذول، مغضوب عليه».
وهذه القطعة كسابقتها مقاربة للشعر- يقربها جودة رنينها وعمق معانيها وحرارة أنفاسها، وصدق صاحبها. وقد وقف الدكتور زكي مبارك عند هذا الجانب من أبي بكر وقفة نفث بها بعض ما كان يعتلج في صدره من حسرات الزمان. وهي من جيد ما كتب في عصرنا هذا، فليرجع إليها في موضعها من النثر الفني (٢ - ٢٦٥).
стр. 956
هذا ولابد من ذكر أبي حيان التوحيدي فقد عاصر من قدمناهم، وأصاب من مذاهبهم غير قليل على إيثاره للجاحظ واقتدائه به وتفضيله له. ولقد تنقصه الدكتور زكي مبارك بعض قدره من حيث الإنسانية لا البيان. ولعل هذا من باب تناكر الأشباه. وما أبعد التوحيدي مما وصمه به من الحقد والنكران والجحود فالرجل قد عانى مرارة الظلم، ولم يجد ناصرًا غير القلم. ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل. ويعجبني من التوحيدي أصالته. وغزارة علمه، وصدق لهجته، وافتتانه في مذاهب الفكر والمعنى واللفظ.
ولقد يكون أنفذ نظرًا من الجاحظ أحيانًا إلا أنه أثقل حلية وأعمد إلى التفخيم.
وله من كلة اعتذر بها إلى أحد أصدقائه، عما كان منه من إحراق كتبه (١):
«ثم اعلم علمك الله الخير أن هذه الكتب حوت أصناف العلم، سره وعلانيته. فأما ما كان سرًا، فلم أجد من يتحلى بحقيقته راغبًا. وأما ما كان علانية، فلم أصب من يحرص عليه طالبًا، على أني جمعت أكثرها للناس ولطلب المثالة منهم. وعقد الرياسة بينهم. ولمد الجاه عندهم. فحرمت ذلك كله. ولا شك في حسن ما اختاره الله لي. وناطه بناصيتي. وربطه بأمري. وكرهت مع هذا وغيره أن تكون حجة علي لا لي. ومما شحذ العزم على ذلك، ورفع الحجاب عنه. أني فقدت ولدًا نجيبًا، وصديقًا حبيبًا، وصاحبًا قريبًا، وتابعًا أديبًا. ورئيسًا منيبًا. فشق علي أن أدعها لقوم يتلاعبون بها. ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها .. ويشمتون لسهوي وغلطي إذا تصفحوها. ويتراءون نقصي وعيبي من أجلها. فإن قلت ولم تسمهم بسوء الظن؟ وتقرع جماعاتهم بهذا العيب؟ فجوابي لك أن عياني منهم في الحياة هو الذي يحقق ظني بهم بعد الممات. وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة، فما صح لي
стр. 957
من أحدهم وداد، ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ؟ ولقد اضطررت بينهم بعد الشهرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء. وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة. وإلى بيع الدين والمروءة. وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق. وإلى ما لا يحسن بالحر أن يرسمه بالقلم. ويطرح في قلب صاحبه الألم. وأحوال الزمان بادية لعينيك. بارزة بين مسائك وصباحك. وليس ما قلته بخاف عليك مع معرفتك وفطنتك» إلى آخر ما قاله.
وأتم قراءة هذه الكلمة في موضعها إن شئت فإنك واجد فيها ما ذكرنا من عناية أبي حيان بزخرفة الشكل مع الذي عنده من الجاحظية. وقد كان من أقدر كتاب عصره وأقعدهم في باحة البيان، وربما دانى أبا العلاء وأبا الفرج الأصفهاني في منزلة التأليف، والله أعلم.
هذا وقد نشأت بعد القرن الرابع أجيال أرادوا أن يبلغوا من إحكام الشكل النثري فوق ما بلغه أسلافهم. فارتادوا مسالك من الزخرفة والتزيين يضاهئون بها ما غلب على القصيد من أصناف البديع. وأهم هؤلاء جميعًا الحريري صاحب المقامات والقاضي الفاضل صاحب الرسائل. أما الحريري، فقد عمد إلى الإشارة والتورية والتضمين والاقتباس وأحسبه دوم النظر في أبي العلاء. وله مقدرة بارعة على لي عبارات الأوائل عن وجهها، وإلى طريق ما كان فيه من القصص؛ وله احتفال شديد بمواترة السجع حتى يوشك أن يبلغ به إلى ضرب من الروي المتلئب؛ من ذلك قوله مثلاً (١): «نظمني وأخدانا لي ناد. لم يخب فيه مناد. ولا كبا قدح زناد، فينما نحن نتجاذب أطراف الأناشيد. ونتوارد طرف الأسانيد. إذ مر بنا شيخ عليه سمل. وفي
стр. 958
مشيته قزل. فقال يا أخاير الدخائر. وبشائر العشائر. عموا صباحًا. وانعموا اصطباخًا إلخ».
وأما القاضي الفاضل فهو دون الحريري في الجزالة. ولقد يُلفى فيه بعض التعثر والاستكراه. غير أنه قد كاد ينفرد عمن سبقوه بمذهب في أحكام الشكل السجعي على منهج شديد الشاعرية، قوي الشبه بكثير من الأصناف التي ترد في شعر الإفرنج. خذ مثلاً قوله من كلمة يكتب بها إلى العماد الأصفهاني (١):
«فهذه الكتب المهداة
والسحب المنشاة
فروعها المصنفة ستة أصناف
وأصلها
كتابه الكريم
وأجزاؤها المؤلفة تسعة أصداف
وكلها
دره اليتيم
تلك عشرة في المشايعة
أذعنت عونها
لفضيلة بكرها
كعشيرة الصحابة في المبايعة
أُغضيت عيونها
لفضل أبي بكرها
فهل كانت عدة، أتمها بعشر لا كمالها
أو حسنة، جزاؤها بعشرة أمثالها»
стр. 959
وقد كتبنا لك هذه القطعة هكذا كما تفعل المجلات الأدبية المعاصرة لترى شاهد ما نذهب إليه.
ولقد أخذت مذاهب النثر بعد القاضي الفاضل وعصره في طريق تتفاوت في الصناعة وزخرفة الشكل بين مذاهب الصاحب والحريري ومذهبه هو. وشاع توحيد السجعات في فقرات متتالية على نحو قريب من روي القصيد في العصور المتأخرة. من شواهد ذلك خطبة المقدمة لابن خلدون وخطبة القاموس، وقد يهم بعض النقاد فينسبون إلى ابن خلدون أصالة في الأسلوب إذ طرح السجع وآثر الترسل في المقدمة نفسها. والحق أنه اتبع مذهب كل العلماء من العمد إلى النثر الخالص في باب التأليف العلمي، فعل ذلك الغزالي وابن تيمية وابن القيم والسيوطي وكثيرون غيرهم- كما اتبع مذهب كل الكتاب من العمد إلى الزخرفة في الخطب.
هذا وإنما قدمت تقديمي السابق كله من أجل أن أدل على شاعرية النثر العربي، وقد بينت مرادي من هذه العبارة بما ذكرته من الشواهد منذ زمان الحديث إلى العصر الحديث. ولا أرى القارئ الكريم إلا يحط معي في أن النثر العربي في طرائقه المختلفة، من رصف عبد الحميد إلى انسياب الجاحظ إلى سجع الصاحب إلى صناعة الحريري، إلى زخرفة القاضي الفاضل، شديد الشبه بالشعر الإفرنجي. ولقد يقال إن ضروبًا من النثر الإفرنجي قد تنحو نحوًا يقارب الشعر الإفرنجي، ولكن ينبغي هنا أن نتذكر أن الشعر الإفرنجي نفسه، الذي تريغ هذه الضروب إلى مقاربته، يشبه نثرنا الفني دون شعرنا. وهنا موضع التنبيه إلى أن شعرنا ذو طبيعة خاصة، جعلته كأنه طريقة وحده بين سائر مذاهب القول المنظوم لا يجوز تشبهها على أية حال بهذه المذاهب التي يسميها الإفرنج شعرًا ولا تصح الموازنة بينه وبينها. وأحسبنا متى تنبهنا إلى هذه الحقيقة أمنا أن نقع في كثير من المزالق التي يقع فيها بعض نقادنا المحدثين. وإليك بعض البيان فيما يلي إن شاء الله.
стр. 960
الباب الثاني
طبيعة الشعر العربي
قلنا إن النثر العربي له مذاهب في الإيقاع تشبه أشعار الإفرنج وزعمنا أن الجاحظ والتوحيدي والصاحب وأضرابهم عمدوا إلى أشكال في الصياغة قريبة من أشكال الشعر الإفرنجي. ونحسب أنهم لو وقعوا في لغة أفرنجية لعدوا بصنيعهم هذا من شعرائها. على أنا نعلم أنهم لم يوصفوا في اللغة العربية بنعت الشعراء ولو على سبيل المجاز. ولم توصف أساليبهم بأنها من قرى الشعر ولو على سبيل التوسع.
وذلك بأن الذوق العربي لم يكن يرى إيقاع النثر داخلاً في حيز الوزن والعروض، مهما يبلغ من درجات الإتقان والرنين. ولقد نجسر فنبني على هذا أن الذوق العربي قد لا يرى أن كثيرًا من أشعار الإفرنج تدخل في حيز الوزن والعروض على ما يذكره لها نقادها من مصطلحات هذين في تصانيفهم. وآية ذلك أن الذوق العربي قد اكتفى في تعريف الشعر بأن قال: «هو الكلام الموزون المقفى» وعنده أن هذا التعريف حد جامع مانع، ولو قد كان يعد شيئًا من إيقاع النثر وسجعه ذا مشابه من الوزن والتقفية، ما كان ليكتفي بهذا التعريف أو يقطع بأنه حد جامع مانع. ولعلك قائل فهذا مجرد تحكم من الذوق العربي أن يعد أوزان الخليل وما إليها هي الأوزان، ثم يضرب عما عدا ذلك؟ وهذا التحكم لا ينبغي أن يقيدنا نحن الآن.
والحق أنه ليس بتحكم، ولكنه مذهب وأسلوب تفرد به ذوق العرب، وقد استوحوه من بيتئهم وسجية لغتهم. ذلك بأنهم كانوا في أول أمرهم قومًا بدوا لا يحسنون من الصناعات كبير شيء. وكانت لغتهم هي صناعتهم. فأقبلوا عليها كل
стр. 961
الإقبال. وافتنوا في صوغها أشد افتنان. وجعلوا شعرها ذروة تجتمع عندها غايات ما يستطيعونه من الملكة والإتقان والإيداع.
وقد بنوا شعرهم حين أحكموه على عناصر أربعة من النغم. أولها الموازنة وثانيها السجع. وثالثها التجنيس. ورابعها الوزن المقفى. والعناصر الثلاثة الأوليات قد سبق الحديث عنها. إذ هي مادة «ما قبل الشعر»، حين كان شعرًا، ومنها نشأ إيقاع النثر الذي ذكرناه آنفًا واستشهدنا به. كما قد حيزت بحذافيرها إلى صناعة الشعر من بعد فصارت من متممات جرسه ورنينه. وقد فصلنا الحديث عنها بعض التفصيل في الجزء الثاني من كتابنا هذا.
والعنصر الرابع هو الفاصل بين الشعر و «ما قبل الشعر». وهو الذي يجعلنا نقول عن الأمثال وعن الخطب وعن نثر الجاحظ وعن سجع البديع وعن زخارف القاضي الفاضل أنهن جميعًا لسن بشعر وهو الذي يجعلنا ننظر في كل ما انتظمه الوزن الخليلي والقافية الخليلية فنقول إنه داخل في مدلول شكل الشعر، وإن كان عسى أن يخرج بعضه من هذا المدلول حين يُعرض على مقاييس الجودة والتأثير، كأراجيز الفقه والعلوم مثلاً وكرموز الشاطبية ولامية الأفعال.
وحقيقة هذا العنصر -أي عنصر الوزن المقفى- أنه نسب موسيقة محضة، تؤلف معًا، ليكون منها قالب موسيقى محض. ومن ههنا كانت طبيعة إيقاعه تختلف عن طبيعة الإيقاع الذي في سائر أصناف «ما قبل الشعر». الإيقاع في هذه الأصناف يدور على جرس اللفظ، وألوان المخارج، وموازنات العبارات. ولكن الإيقاع في القالب الموسيقى الذي ينشأ عن الوزن المقفى، يدور على تناسب ضربات، لها أبعاد زمانية، أشبه شيء بالضربات التي تصحب التأليف الموسيقى المعروف. ولقد يهم بعض من يتعرض لدرس الأعاريض العربية، فيحسب أنها مجرد مقاطع طوال وقصار، وليس الأمر كذلك. نعم، قد نقول: «فعولن مفاعلين» , مقطع قصير فمقطعان طويلان، ثم مقطع قصير فثلاثة طوال. ولكن مثل هذا القول ليس في حقيقته إلا وصفًا تقريبيًا يجاء به في معرض التعليم من أجل التيسير
стр. 962
والتبسيط. وليس المراد به حاق التحليل والاستقصاء.
وقد جريت في الجزء الأول من هذا الكتاب على هذا المذهب لأني أردت أن أعين أصحاب الملكة، ممن لم يهشوا إلى درس العروض في متونه المعروفة، على أن يلموا بأطرافه في غير ما عناء كبير، وعلى منهج ربما كان أقرب إلى أذواق أصحاب الملكات. ولقد أخذ علي الأستاذ الكبير بلاشير في مقال جيد كتبه في مجلة أرابيكا (١) أني لم أعترف بسابقة بعض المستشرقين من أمثال فايل وهارتمان وجايار. حين أقبلت على شرح العروض بطريقة المقاطع القصيرة والطويلة، وهي طريقتهم، دون الأسباب والأوتاد. والحق أني قد اعترفت لهم بهذه السابقة اعترافًا محضًا إذ قلت في مستهل تمهيدي عن بحث الأوزان (المرشد- ١ - ٧٤) «ولا أريد أن أعني القارئ بالحديث عن التفصيلات من حيث زحافاتها وعللها. فهذا أمر قد فرغ العروضيون محدثوهم وقدماؤهم- من درسه. ومرادي أن أحاول بقدر المستطاع تبيين أنواع الشعر التي تناسب البحور المختلفة». ولقد فطن الأستاذ بلاشير إلى مرادي أيما فطنة. فأعجب مع هذا كيف فاته الذي فاته من احتراسي. ولو قد كنت أريد إلى حاق العروض. لكان يلزمني ذكر أسماء الذين ذكرهم وسواهم معهم ولكان يلزمني إقامة الدليل على مكانهم من الصواب والخطأ، ولكني إنما أردت ما قدمت، فهذا هذا.
وإني، بعد، أكرر ما قلته، ثم من أني أعيب على قدماء العروضيين ما أسرفوا فيه من المصطلحات، وما جنحوا إليه من فساد القسمة في بعض الدوائر. وأوثر على مذهبهم في التعليم ما أخذ به المستشرقون من استعمال علامات المقاطع القصار والطوال، فهي في جملتها أيسر منالاً من حفظ التفصيلات وأجزائها وأسماء عللها وزحافاتها. على أني لا أغفل في هذا الموضع عن تنبيه القارئ إلى ما أراه من عجز هذا المذهب عن إحكام تقطيع الأبيات في العروض. إذ أكثر جهده منصب على تحليل
стр. 963
التفعيلات من حيث كمها المقطعي. والبيت العربي يحتاج المرء في تقطيعه إلى معرفة موضع الضرب والعروض ونصف الضرب ونصف العروض وكسورًا من ذلك أيضًا. فمن هنا لا يكاد دارس العروض يستغنى عن الاستعانة بالنظام الخليلي، وأن ينظر في كثير من أصناف الزحاف والعلل، خشية ألا يخفى أمرها عنه كل الخلفاء.
ولقد حرصت في الجزء الأول أن استدرك هذا النقص بالجمع بين المذهبين من طريق المزاوجة بين الأجزاء الثمانية (فعولن، مفاعلن، مفاعلتن- فاعلاتن- متفاعلن- مستفعلن- فاعلن- مفعولات) ورموزها المقطعية. وقد جربت هذه الطريقة في التعليم فوجدتها مجدية. تقول مثلاً: ت تن تن تن «u---» هذا الجزء هو مفاعيلن التي تقع في الطويل أو مفاعلتن التي تقع في الوافر حين يدخلها الزحاف، وفي الهزج وفي مجزوء الوافر الذي هو ضرب من الهزج حين يدخلها الزحاف. فمتى وجدت هذا الجزء في أول البيت فهو إما هزج وإما وافر، إلخ. ومتى وجدته هكذا تـ تن تتـ تن «- U-U-U-» فهو وافر ليس غير. وأساليب المعلمين بعد، تتباين، وليس ههنا موضع البسط والتفصيل. هذا وهنا أمر في غاية الأهمية في النظام الخليلي ينبغي التنبيه عليه، وهو أنه يبرز جانب الموسيقا المحضة في أوزان الشعر. وهذا مرادنا من قولنا أن مذهب المقاطع مقصر عن حقيقة إدراك النسب الزمانية. ولقد نبه الأستاذ بلاشير في مقاله القيم إلى هذا التقصير من طرف خفي، ودعا إلى استدراكه دعوة صريحة (١). ولقد حرصنا آنفًا على التنبيه إلى جانب الموسيقا المحضة الكامنة في الأعاريض من طريق الأمثلة التي تقرب هذا المعنى كقولنا مثلاً في المديد.
تن ترن مستفعلن تتن ... فاعلن تن تن تتن تتري
وفي السريع
يا صاحبي مستفعلن عندنا ... يا سيدي عن عندنا عندنان
وأمثال هذا كثير.
стр. 964
وقد كان الخليل وأصحابه على ما في نظامهم من عسر وتعقيد وهفوات يدركون حقًا طبيعة النسب الموسيقية في أصل الأعاريض. وقد ذكر هذا المعنى صريحًا صاحب معجم الأدباء بمعرض حديثه عن الخليل إذ قال أن معرفته بالإيقاع هي التي أعانته على اختراع العروض (١). وقد ذكر قصة طريفة فحواها أن ابنًا للخليل دخل عليه وهو يقطع بيتًا من الشعر. فريع من منظره، وظن أنه أصابه مس من الجن ومضى ليخبر الناس بذلك. وذكر القفطي في إنباه الرواة: أن الخليل اهتدى إلى معرفة العروض من سماع النقر بالنحاس وأصوات الصفارين.
وفي نظام الخليل الذي تبعه، غير هذا الذي يروونه عنه، ما يدل دلالة واضحة على إدراكه لحقيقة النسب الزمانية والموسيقا الكامنة في الأعاريض. من ذلك مثلاً تقسيمه الطويل إلى أربعة أقسام في كل قسم منها فعولن تقابلها فعولن من القسم التالي ومفاعيلن تقابلها مفاعيلن. وفعل ذلك في المديد والبسيط وسائر البحور. وقد كان يسعه مثلاً أن يجعل الوافر. فعالن مفعلاتن فاعلونا أو فاعلاتن. ولكن تحريه النسب الزمنية ألجأه إلى «مفاعلتن مفاعلتن فعولن» في الضرب والعروض.
وأدل من هذا على إدراك الخليل لموسيقا العروض توهمه أبحرًا مثالية. وقد أخطأ في هذا التوهم من حيث المنهج التعليمي. كما قد أخطأ من حيث حاق الاستقراء. إذ لا معنى للنص على ما لا وجود له. ولكنه قد أصاب من حيث الإراغة إلى تبيين «النغمية» المحضة في الأعاريض. إذ قد كانت الدائرة في عرف ذلك الزمان، المولع بالقياس، رمزًا للكمال. وكان الخليل يعلم بذوقه وبإدراكه أن الأوزان ما هي إلا أشكال موسيقية، فالتمس لها نموذج الكمال في الدائرة، وحين استعصى عليه أن يضع كل بحر موجود في دائرة، توهم أصلاً دائريًا ينبع منه ذلك البحر، فنسبه إليه وبنى أنظمة الزحاف والعلل على ما اقتضاه هذا التوهم.
стр. 965
وأحسب أن الخليل ومن اتبعوه قد أُتوا من حيث إنهم كانوا نحاة. وقد جرت الخليل عادة النحو إلى أن يسلك بالعروض مذهبًا نحويًا. وقد كان رجلاً عظيم الذكاء دقيق المداخل إلى العلل في أبواب النحو. ذكر سيبويه مثلاً أنه كان يمتنع من حذف الأصلي من أمثال سفرجل، ويرى أن تُحقر على سفيرجل لتكون بمنزلة دنينير، كما ترى، مع علمه بأنه لم يجئ سفيرجل في كلام العرب (١) فهذا بعينه هو الاتجاه الذي اتجهه في العروض إذ افتعل أوزانًا في ضوء الذوق العربي، ثم نفى وجودها.
ولقد اضطر الخليل، في حمله العروض على طريقة النحو، إلى أن يستكثر من الاصطلاحات التي قدمنا لك ما نراه من عيبها. وإنما اضطره إلى هذه الاصطلاحات ما تعوده من إتباع القواعد الشواذ في منهج النحو. والعلل والزحارف كلها تنزل منزلة الشواذ من قواعد البحور المثالية وغير المثالية. ولعمري ما أكثرها من شواذ.
وكما أخطأ الخليل حيث حمل العروض على مناهج النحو، أخطأ أكثر المحدثين حيث حملوا الأعاريض حملاً مطلقًا على طريقة المقاطع اللغوية، التي إن صلحت مطلق الصلاحية في توضيح الأوزان الإفرنجية. فإنها لا تصلح إلا على وجه تقريبي في توضيح الأوزان العربية. خذ مثلاً قول دريد بن الصمة:
يا ليتني فيها جذع
أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع
كأنها شاة صدع
طريقة التقطيع الحديثة تريك أن البيت الأول (٢) «يا ليتني فيها جذع» مكون من هذه المقاطع: -- U- --U-
стр. 966
وأن البيت الثاني مكون من هذه المقاطع: U-U- -UU-
وكما ترى فإن «كم» المقاطع في البيتين مختلف. ويكون الشاعر على هذا قد تجوز في تصنيفه. وطريقة التقطيع القديمة تدلك على أن الشاعر زاحف في البيت الثاني، زحافًا محتملاً. وهي في هذا أدق وصفًا لحقيقة تصنيفه من الطريقة الأولى. إلا أنها كأنها ترى في ما صنعه نوعًا من شذوذ.
والحق أن الشاعر لم يشذ ولم يخطئ في نسبه الزمانية بحيث يقال إنه زاحف، وكأنما يؤبن بذلك. ذلك بأن كل عروض إنما هو شكل موسيقي تام ذو أبعاد زمانية ثابتة النسبة بعضها إلى بعض، وليس بمجرد مقاطع طوال وقصار تدل على كم كلامي. وهذه الأبعاد الزمانية بمنزلة القوالب من المقاطع اللفظية طوالها وقصارها. ودريد حين قال:
يا ليتني فيها جذع
أخب فيها وأضع
إنما أراد وزنًا مداره على ثلاثة أبعاد زمانية متساوية ثالثها مقسوم إلى بعدين متلاحقين وهو وزن الرجز.
وصورة جزئه الحقيقية هكذا:
تم تم تم تم
الرنتان الأولى والثانية لكل واحدة منهما حيز زمني منفرد. والثالثة والرابعة في حيز زمني واحد معًا مساوٍ لكل من الحيزين قبله. وقصارى الشاعر في محاكاة هذه الأبعاد، ومحاولة إبرازها إلى الأذن الموسيقية، أن يجعل لكل واحد من البعدين الأولين مقطعًا منفردًا. وما أحرى أن يكون طويلاً، وللبعد الثالث مقطعين معًا، وما أحرى أن يكون أولهما قصيرًا ليكون أدل على التلاحق.
стр. 967
وقد حاكى الخليل هذا الوجه المحتمل في طريقة الشعراء فمثل لجزء الرجز بقوله «مستفعلن». ولكن هذا التمثيل كما ترى وصف تقريبي وليس بحد كامل. لأن «مستفعلن» هذه في الإمكان تصورها «متفعلن» أو «مفتعلن» - وذلك بأن يصب الشاعر مقطعًا قصيرًا (كما يقول اللغويون) في قالب الضربة الأولى التامة فيصير الوزن هكذا:
م تف علن
تم تم تم تم
فيكون الشاعر كأنه استشعر سكتة بعد «م» هذه من غير محاولة منه لتقصير الضربة. وننبهك ههنا -من قبيل الاستطراد- إلى موضع (علن) في بياننا. وهي ما يسميه العروضيون «وتدًا مجموعًا». وعندي أنهم قد راموا بذكر الوتد المجموع (علن) والمفروق (تفع) نوعًا من البيان النمي، ومن هنا أراهم أدق من الذين اكتفوا بالبيان المقطعي وحده. إذ (علن) و (تفع) فيهما معان نغمية أكثر من مجرد قولنا (U-) أو (U-). وقس على ذين قولهم «فاصلة كبرى» و «فاصلة صغرى». وما أرى القوم إلا قد عجزوا عن الكتابة الموسيقية فالتمسوا الأسماء للنغم، مع الذي قدمته من تأثرهم بنظام النحو.
معنى الزحاف:
هذا وقد يجيء الشاعر في جزء الرجز بمقطع قصير في مكان الضربة الثانية هكذا:
مس ت علن
تم تم تم تم
стр. 968
وقد يجمع بين النوعين هكذا:
م ت علن
تم تم تم تم
وفي كل ذلك تجده يقدر في نفسه سكنات بعد المقاطع، أو فجوات زمانية تحل المقاطع في جوفها من غير إخلال بالتناسب. وهذا التقدير للسكنات والفجوات من جانب الشعر هو الذي سماه الخليل وأصحابه بالزحاف. وعندي أن هذه حقيقة معناه. تأمل مثلاً الأبيات السابقة من رجز دريد. فإنك تجده قال في الشطر الثاني
أخب فيها وأضع
وضربات هذا من حيث نسبها الزمنية هكذا:
أخب * بفى * ها و * أضع
تم تم * تم تم * تم تم * تم تم
والألف والواو كما ترى حولهما فجوات زمانية، أو بعدهما سكنات، أي التعبيرين ساغ لك فذاك. وليس بعد أي اختلال في حقيقة الوزن. وليس تم اختلاف بين أصول النسب الزمانية في هذا الشطر وبينها في الشطرين:
يا ليتني فيها جذع
أقود وطفاء الزمع
ولا ريب أن التقطيع العروضي بالمقاطع أو بالأجزاء الخليلية يظهر شيئًا كأنه خلل وليس به.
وفي اصطلاح العروضيين لفظ الزحاف ما يشعر بأنهم رأوه من قري الخلل. إذ أصل الزحاف من زحف البعير إذا أعيا فجر فرسنه. فكأن الشاعر عندهم أصابه
стр. 969
إعياء فجر فرسن كلامه جرًا ليكمل التفعيلة (١) وأحسب أنهم أرادوا هذا الاصطلاح أول الأمر لأمثال قول الأخطل:
مفترش كافتراش الليث كلكله ... لوقعة كائن فيها له جزر
وقول امرئ القيس:
ألا رب يوم لك منهن صالح ... ولا سيما يوم بدارة جُلجل
ثم اضطروا إلى إطلاقه على غيره مما يشبهه من مخالفة المقاطع للتفعيلات. الذي لا يظهر أمره لأذن العروض، كالذي يقع من الإضمار في الكامل، وشاهد العروضيين كما تعلم:
وإذا شربت فإنني مُستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يُكلم
وعندي أن نحو (مفترش) و (ألا رب يوم لك منهن) ليسا بأبعد من صحة النسبة الزمنية من (أخب فيها واضع). كل ما هناك أن السكتة بعد التاء من «مفترش» أدخل في حاق السكتة الموسيقية وأقعد في ذلك من أن يلوكها إخراج الكلام.
وقد كان القدماء من الشعراء يعرفون هذا ويدركون صحته وتلذهم حلاوته، إذ التعبير الموسيقي قد كان من ضمن تعبيرهم الشعري. أما المحدثون فقد بعدوا شيئًا من الفطرة العربية. إذ صار أمر الصناعة التي يدركها الحس اللامس والناظر أسرع إلى إعجابهم. وكان الإحكام، بملء كل فجوة في التفاعيل مما يجري مجرى الصناعة المرئية الملموسة فراموه. وبقي قليلون من أهل الذوق الأصيل يطلبون السر الكمين في موسيقا التفاعيل. كطلبهم إكمال الإيقاع المقطعي. من هؤلاء أبو
стр. 970
تمام وأبو عبادة البحتري على حذر إزاء الذوق الذي كان يعاصرهما، وقد كان أبو تمام أعمد إلى أن يزاحف، وأجرأ فيما يجيء به. إلا أن البحتري كان أخبر بحيث ينبغي أن يقع. وقد كان المتنبي يعرض عن ظاهر الزحاف ألا الخرم وعسى أن يكون من أسباب ذلك أنه كان رجلاً مُحاربًا تُلتمس في أشعاره السقطات، فكان لا يألو تجويدًا، على أني أرجح أنه كان أميل بطبعه إلى الاندفاع والإقدام، فهذا مما كان يحول بينه وبين السكنات الطوال، وعسى أن يكون مذهبه في الخرم من دلائل إقدامه واندفاعه كقوله:
لا يحزن الله الأمير فإنني ... سآخذ من حالاته بنصيب
ويبدو لي أيضًا أنه قد استبدل ما يكون من سكنات الأوائل بالاختلاس. وهذا قد كان يقع في أشعارهم كالذي رواه سيبويه من قولهم (١):
له زجل كأنه صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير
ومن قولهم:
وأيقن أن الخيل إن تلتبس به ... يكن لفسيل النخل بعده آبر
معنى الاختلاس:
والاختلاس كالزحاف سواء بسواء.
وأعجب للعروضيين، إذ لم يذكروه في باب الوزن ولعلهم اكتفوا بذكر النحويين له في باب إشباع الضمائر كالذي مر بك من استشهاد سيبويه. ولا ريب أن الاختلاس مذهب موسيقي صادق التعبير عن نفس المتنبي الساخن الجارف
стр. 971
وإقدامه عليه، وكان معاصروه أشد له عيبًا منهم لكثير من أصناف الزحاف، مما يدلك على أصالة الرجل في موسيقا الشعر العربي وصدق فطرته وفنه.
تأمل مثلاً قوله:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
تعثرت به في الأفواه ألسنها ... والبرد في الطرق والأقلام في الكتب
وقد جمع في قوله (تعثرت به) زحافًا خفيًا مع الاختلاس كما ترى. وهذا في قصيدة مما احتفل له وهو ناضج يعرف كيف يقول، فلا يسبقن إليك أنه قد زل (١). وقد روي أنه كان ربما أنشد «تعثرت بك» (٢) فأحسبه إن فعل ذلك إنما كان يلتمس، ألا يُحرج بالسؤال من بعض من قد ينفس عليه وهذا من باب التقية اللازمة أحيانًا. وبين قوله (تعثرت به) و (تعثرت بك) بون بعيد ومكان الجودة من الأولى لا يخفى.
стр. 972
هذا وتأمل اختلاسه في قوله:
ولا إلا بأن يصغى وأحكي ... فليته لا يُتيمه هواكا
هذه هي الرواية الجيدة المشهورة. ورووا «فليتك» وهي متهافتة. وهذه القصيدة آخر ما نظمه المتنبي وهي من عيون شعره.
وحقيقة الاختلاس هي تحويل الضربة التامة إلى اثنتين متلاحقتين ومن ههنا كان كأنه عكس للزحاف. إذ هذا يعوض، إيقاع المقطع بالسكوت. وأقول (كأنه) لأن هذا مجرد تقريب وتمثيل. ولزيادة الإيضاح أضرب لك ما رووه من قول المتنبي (فليتك لا) وهذا جار على ترك الاختلاس وعلى جزء الوافر (مفاعلتن) وما هو مشهور من قوله (فليته لا) وهو جار على الاختلاس وجار أيضً على جزء الوافر (مفاعلتن). فالأول بيانه عندنا شيء من هذا القبيل:
مفا ع ل تن
فليـ ت ك لا
تم تم تم تم تم
والثاني هكذا:
مفا ع لـ تن
فـ لي تُهلا
تم تم (تم) و (تم تم) معا
وهذا البيان تقريب وواضح منه ما نرمي إليه، إذ قد راث الشاعر في ضرباته الأوليات وجعل الأخيرة ثنتين متلاحقتين أو كالثنتين المتلاحقتين
رأي المعري:
هذا الذي ذكرناه من أمر الزحاف والاختلاس من أنهما من عنصر الموسيقا
стр. 973
الشعرية نفسه وليسا بعيب يحسن تجنبه، كما رأى أكثر المحدثين، قد تنبه أبو العلاء المعري إلى جانب كبير منه في وقفته مع امرئ القيس في رسالة الغفران إذ قال:
«فيقول، لا برح منطيقًا بالحكم. فأخبرني عن كلمتك الصادية والضادية والنونية التي أولها:
لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عسيب يماني
لقد جئت فيها بأشياء ينكرها السمع كقولك:
فإن أُمس مكروبًا فيا رب غارة ... شهدت على أقب رخو اللبان
وكذلك قولك في الكلمة الصادية:
على نقنق هيق له ولعرسه ... بُمنقطع الوعساء بيض رصيص
وقولك:
فاسقى به أختي ضعيفة إذ نأت ... وإذ بعد المُزدار غير القريض
في أشباه ذلك، هل كانت غرائزكم لا تحس بهذه الزيادة؟ أم كنتم مطبوعين على إتيان مغامض الكلام وأنتم عالمون بما يقع فيه؟ كما أنه لا ريب أن زهيرًا كان يعرف مكان الزحاف في قوله:
يطلب شأو امرأين قدمًا حسنًا ... نالا الملوك وبذا هذه السوقا
فإن الغرائز تحس بهذه المواضع فتبارك الله أحسن الخالقين.
فيقول امرؤ القيس: أدركنا الأولين من العرب لا يحفلون بمجيء ذلك ولا أدري ما شجن عنه. فأما أنا وطبقتي فكنا نمر في البيت حتى نأتي إلى آخره. فإذا فني أو قارب تبين أمره للسامع.
стр. 974
فيقول ثبت الله تعالى الإحسان عليه، أخبرني عن قولك:
ألا رب يوم لك منهن صالح ... ولا سيما يوم بدارة جُلجل
أتنشده (لك منهن) فتزاحف الكف؟ أم تنشده على الرواية الأخرى؟ فأما يوم فيجوز فيه النصب والخفض والرفع. فأما النصب فعلى ما يجب للمفعول من الظروف والفاعل في الظرف ههنا فعل مضمر. وأما الرفع فعلى أن تجعل (ما) كافة. وما الكافة عند بعض البصريين نكرة. وإذا كان الأمر كذلك (فهو) بعدها مضمرة، وإذا خفض يوم فما من الزيادات ويشدد سي ويخفف. فأما التشديد فهو اللغة العالية وبعض الناس يُخفف. ويقال أن الفرزدق مر وهو سكران على كلاب مجتمعة فسلم عليها، فلما لم يسمع الجواب أنشأ يقول:
فما رد السلام شيوخ قوم ... مررت بهم على سكك البريد
ولا سيما الذي كانت عليه ... قطيفة أرجوان في القعود
فيقول امرؤ القيس -أما أنا فما قلت ألا بزحاف- (لك منهن صالح) - وأما المعلمون في الإسلام فغيروه على حسب ما يريدون ولا بأس بالوجه الذي اختاروه ا. هـ (١)».
وجلي من هذه المقالة أن المعري كان يرى نحوًا من هذا القول الذي نقول به من أن أوزان الشعر إنما هي نسب زمنية وضربات موسيقية. فمتى وقع عند الشاعر أنها استقامت له، فلا بأس عليه أن يختلس المقطع أو يريث به في داخل ما اختاره من قوالب الوزن والأبيات التي ذكرها المعري من شعر امرئ القيس مما يوضح هذا أجمل توضيح ... خذ مثلاً قوله:
شهدت على أقب رخو اللبان
стр. 975
فهذا في أجزائه الثلاثة الأول ألوان من الزحف والخطف. إذ بعد (شهدت) سكتة يسيرة وفي الهمزة من (أقب) سكتة تكاد تختفي في المد والتسهيل. وفي اللام الساكنة من «أقب إلخ» اختلاسة راقصة، سببها إتمام الجزء الثالث إتمامًا مقطعيًا، والذي يجري عليه الشعراء مزاحفته بالقبض هكذا (رخو لبان). ولابد ههنا من التنبيه على أن قلقلة اللام مما يفسد سياق الموسيقا في هذا البيت، وكثيرًا ما يقلقلها المعاصرون، وهي حرف هين لين، والقلقلة تحدث فيه سكتة يزيد بها حجم النغم.
هذا قول المعري في آخر حديثه: «فيقول امرؤ القيس أما أنا فما قلت إلا بزحاف». هو النص الذي أردنا إليه من سياق الحديث وفي خزانة الأدب رأى عيسى صاحبه أن يكون نظر فيه إلى مقالة المعري هذه (١).
ضربات الوزن:
لعله الآن قد وضح مرادنا من القول بأن الوزن يدور على نسب وضربات لا على مجرد مقطعية، وما ذكرناه بمعرض التبيين عن ألوان الزحاف الظاهر، التي حسبها المحدثون خللاً وليست به، مما يساعد على إبراز هذا المعنى.
والآن نلفت القارئ إلى ألوان الزحاف الخفي والعلل مما تقبله المحدثون ولم يعيبوه بأنه تنبو عنه الآذان كالذي تمثلنا به من قول دريد:
أخب فيها وأضع
وكالذي في بيت عنترة:
وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
فالذي نراه أن هذه الزحافات الخفية في (مستهلك إلخ) وفي (أخب) لم تنشأ
стр. 976
عن عجز الشاعرين أن يوردا المقاطع التي تطابق ضربات ما أخذا فيه من وزن، اعتمادًا على خفاء العجز عن أذن السامع. كلا. ولكنا نرى أن طبيعة الصياغة الشعرية عندهما هي التي اقتضتهما أن يفعلا ما فعلاه. وكذلك يفعل كل شاعر. إذ لا تجد شاعرًا يجري ضربات وزنه مطابقة كل المطابقة لضربات التفعيلات النموذجية. وإنما يغير وينوع، فيطيل حينًا، ويقصر حينًا. والعروضي قد يعتذر له عن ذلك بأنه غير ناب عن الأذن وإن يك زحافًا. والعروضي يخطئ في هذا الاعتذار، إذ قد غاب عنه أن الشاعر إنما أراد ليسر الأذن لا مجرد ألا ينبو وزنه عنها. لا بل إنما أراد أن يستغل مادة الوزن النغمية في البحر الذي هو بصدده أتم استغلال، ويستخرج خبيء أسرارها ليُعبر به عن جانب هام من معانيه. ذلك بأن معاني الشاعر لا تعتمل كلها في نفسه ليكون تعبيرها من طريق اللفظ المبين، ولكن جانبًا كبيرًا منها يروم أن يكون تعبيره من طريق النغم والرنين. والزحاف من أكبر ما يستعين به الشاعر في هذا الباب.
الحركات والسكنات والحروف:
على أن سكنات الزحاف وخلجات الاختلاس وضربات الوزن، كل ذلك لا يتضح اتضاحًا موسيقيًا حقًا إلا مع الحركات والسكنات وضروب اللين والإشباع والمد والشد والإمالة والإشمام والمخارج التي تخرج بها الحروف. ولا يسبقن إلى وهمك أن تربط هذا بكلمات الشاعر من حيث هي أدوات للبيان المحض، (ونعني بالبيان المحض مدلول القول الظاهر) فإن لهذه جميعها قوة تعبير نغمية، أدخل في حاق الوزن منها في الصياغة البيانية مع أن الكلمات نفسها أدخل في حاق الصياغة البيانية منها في الوزن.
ولأمر ما اختلفت رنات الشعراء في البحر؟ ؟ ؟ جسيمًا. هذا الفرزدق مثلاً, شاعر فحل مبين، قدير على ضبط الوزن وتنويع زحافه. ولكنه مع
стр. 977
ذلك دون صاحبه جرير في قوة الرنين وإيحائيته. وكذلك نجد إذا وازنت ابن الرومي بالبحتري، والشريف الرضي بأبي الطيب المتنبي.
وإذا تأملنا قول جرير مثلاً:
دعوتك واليمامة دون أهلي ... ولولا البُعد أسمعك المنادي
على علياء ترفع نار خير ... وتقدح بالوري من الزناد
إذا ما خفت رد إلي نفسي ... وصار إلى مساكنه فؤادي
لم نجده زاد في التنويع الزحافي على (مفاعلين) في أول العروض أو الضرب. ومع ذلك نحس في أبياته هذه طربًا شديدًا ورنينًا عظيمًا، ومع هذا الرنين إيحاء وجدانيًا يصل إلى سويداء القلب. ولا ريب أن هذا منشؤه من الصياغة الموسيقية التي التزمها الشاعر، حيث أعطى كل ضربات تفعيلاته ألوانًا تناسب معاني نفسه من الحركة والسكون واللين والمد والإشباع وأصوات الحروف. وإنما تجيء أصوات الحروف بعد ما قدمناه، ومتى صار الشاعر إليها فقد دنا من الكلمات والبيان اللفظي المحض.
ولا أكاد أرتاب أن الشاعر ربما جاش المعنى في نفسه بشيء من هذا القري أول الأمر:
تتم ت ت تم * تـ ... ـتا تتتا * تتم تم
ت تو تو تو * تتت تم ... تم * تتم تم
دعوتك تا * دعوتك ... تا * دعوتو
ولولا ذاك قد علم المنادي
دعوتك والفراشة فوق عيني
دعواتك و؟ ؟ ؟ فوق عيني
دعوتك والمفاوز بين قومي
стр. 978
دعوتك والمفاوز دون أهلي
دعوتك واليمامة دون أهلي
ترم تم تم لأسمعك المنادي
ولولا البعد أسمعك المنادي
وهذا مجرد تمثيل كما ترى.
والحديث عن الحركات واللين والإشباع والمخارج يؤدي بنا إلى الحديث عن القافية لا محالة. ذلك بأن الحركات تنزل من ضربات الوزن منزلة الحدة والارتفاع والانخفاض في الضربة الموسيقية. والمخرج ينزل منزل الصوت الذي تُؤدى به الضربة. والقافية في الوزن العربي إن هي إلا رمز جامع بين عمل الحركة وعمل المخرج وضربة الوزن.
القافية:
الذي عندي، أن الشاعر العربي إنما عمد إلى القافية فقرنها بالوزن ليُضفي عليه صبغًا نغميًا، متى اصطبغ الوزن به صار أكثر تهيؤًا لأداء ما يختلج في صدره من معان. وإن جاز لنا أن نشبه أبعاد الوزن ونسبه الزمانية برنات متناسبة، فإن موقع القافية من هذه الرنات شبيه بموقع الكثافة من رنات الموسيقا، مثلاً الشدة التي تُشد عليها أوتار العود قطعة ما، وللزيادة في توضيح هذا المعنى نضرب لك أمثالاً أخرى: خذ دقات الطبل ودقات القدم على الأرض، والنقر على النحاس، والنقر على قرع مُكفا على وجه الماء. والصفير المتلاحق على هيئة دقات، كل أولئك لهن طبائع صوتية متباينة، أو قل لهن كثافات صوتية متباينة، وإذا فرضنا الشبه الزمني الكامل في جميع هذه الدقات فإن الوزن المجرد المبني عليه التناسب الزمني فيهن جميعًا، واحد وليس فيه أدنى تفاوت. وهذا التناسب الزمني المجرد أشبه شيء بأعاريض الشعر الكامنة وراء إرزام الشاعر.
стр. 979
والطبائع الصوتية المختلفة الناشئة من دق القدم، ودق الطبل، ونقر النحاس ونقر القرع وهلم جرًا، أشبه بشيء بالطبائع النغمية التي تضفيها القوافي على الأوزان. ولقد ألمعنا إلى شيء من هذا المعنى في مقدمة المرشد الأول إذ تحدثنا عن ألوان القوافي وضربنا لها أمثالاً من ألوان الشعر (١). وقد أخطأ قدامة حيث زعم أن القافية شيء زائد على الوزن لأنها كما قال كلمة تزاد عند مقطع البيت ليست لها ذات قائمة بنفسها. وقد بينا هذا من خطئه في الجزء الثاني من المرشد فليرجع إليه (٢).
طور التنويع:
ولا أكاد أشك أن الشاعر العربي كان أول أمره يُنوع القوافي. ولعل هذا أن يستفاد من مقال ابن سلام أن أوائل العرب كانت تصنع البيت والأبيات فيما يعن لها من حوادث (٣). وأحسب أنا أن الشاعر القديم ربما كان ينشد بيتًا أو بيتين من روي واحد. ثم يسكت وينشد آخرين من روي آخر.
ولعل الشعراء أول اهتدائهم للوزن قد كانوا ينوعونه أو يخلطون أصنافًا منه. ثم استقام لهم طريق العروض من بعد. وأحسب نحو قول القائل:
الشيخ شيخ ثكلان
والورد ورد عجلان
أنعي إليك مرة بن سفيان
ربما صح أن يستشهد به في هذا الموضع لاختلاف أعاريضه، وإن يك كل من بحر الرجز، وقد عثرت على أبيات أخرى تشبه هذه ند عني الآن موضعها ولعلها في سيرة
стр. 980
ابن هشام (١). ومما يجري هذا المجرى من أراجيز السيرة ما رواه ابن إسحق من ارتجاز نساء هوازن بعد حنين (٢):
قد غلبت خيل الله خيل اللات ... وخيله أحق بالثبات
وفي السيرة بعد أشعار كثيرة مضطربة الأوزان مما أرى أنها كانت من قبيل الغناء الشعبي. وابن هشام يعلق على أكثرها بقوله وهذا سجع لا شعر. وربما روى ما يستقيم به وزنها من بعد.
هذا وكثير مما بلغنا من الأراجيز التي كان يتناشدها الأبطال عند المناجزة (أو يُنسب إليهم إنشادها في معرض القصص) مما يجوز به الاستشهاد ههنا إذ منهجها يقوي هذا الذي نذهب إليه من أن القوم كانوا يُنوعون قوافيهم قبل أن يصلوا إلى توحيدها. خذ مثلاً ابنة عُتبة يوم أحد:
ويها بنى عبد الدار ... ويها حماة الأدبار
ضربًا بكل بتار
نحن بنات طارق ... أن تُقبلوا نُعانق
أو تُدبروا نُفارق ... فراق غير وامق
(وقد سبق منا الاستشهاد بهذه الأبيات في الجزء الأول) ومما يجري مجراها ما كانت تتساب به الفتيات في ملاعبهن، تُلقي إحداهن رويًا تمدح به أباها وتسب أبا قرينتها، وتجيبها الأخرى بنحو من ذلك، من ذلك ما رواه صاحب الحماسة من قول إحدى الجواري (٣).
سُبي أبي، سبك لن يضيره
إن معي قوافيًا كثيرة
ينفح منها المسك والذريره
стр. 981
والذريرة طيب بعمل من الصندل المدقوق وهي معروفة عندنا في السودان.
وقول الأخرى:
يا رب من عادى أبي فعاده
وارم بسهمين على فؤاده
واجعل حمام نفسه في زاده
واذكر على سبيل الاستطراد أن هذا اللون من تساب الفتيات معروف عندنا في قرى السودان. منه مثلاً قول إحداهن:
أبوي أنا
الراكب الحمرا
المحجلة
وأبوك انت
الراكب الكديس
يمشي وينيص
والكديس هو القط في عاميتنا.
هذا ولا يبعد إن كانت العرب تذهب بأناشيد الأعراس إلى شيء من التنويع والتسميط، بدليل اعتمادها الأوزان القصار كالذي يروي عن الجرادتين:
أقفر من أهله مصيف ... فبطن مكة فالعريف
هل تُبلغني ديار قومي ... مهرية سيرها ذفيف
يا أم نعمان نولينا ... قد ينفع النائل الطفيف
وقد روى المعري في رسالة الغفران بيتين من قصير المتقارب، مما كانت تتغنى به الجواري في الأعراس، لا يكاد يشك الناقد أنهما بقية بقيت من أسماط تشبههما، وهما (١):
стр. 982
وأهدي لنا أكبشا ... تُبحبح في المربد
وزوجك في النادي ... ويعلم ما في غد
ولا يخفى أن نحو هذا إنما كان يراد به محض الترنم، لتباعد أطراف معانيه، وأحسب أن هذين البيتين خلصا إلينا لارتباطهما ببعض ما جاء في الحديث. إذ هما كالمشار إليهما في حديث البخاري عن غناء الجواري في عرس الربيع بنت معوذ بن عفراء، وذلك أن الجواري أنشدن «وفينا نبي يعلم ما في غد» فنهى عن ذلك الرسول ﷺ إذ لا يعلم الغيب إلا الله، ولم ينهين عن الغناء نفسه. والله أعلم.
هذا وشواهد الإيطاء والإقواء وتقارب المخارج نحو:
بُني إن البر شيء هين ... المنطق اللين والطعيم
كلها مما يقوي حجتنا في أن أمر القوافي لم يبدأ محكمها. ولعل أكثر الأنماط الشعبية لم تكن تلتزم الإحكام أو تعمد إليه. وفي فواصل القرآن ما ينبئنا أن تشابه الوزن والجرس وتقارب المخرج ربما نزل منزلة الروي كالذي في سورة الطور مثلاً: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾.
وكالذي في سورة قاف: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)﴾.
وقبل هذا: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾. وفي سورة الإنسان تجد فواصل
стр. 983
من أمثال: «كان مزاجها سلسبيلاً» ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ «قوارير. قواريرًا» ﴿جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾.
ثم إن الشعراء أحكمت القوافي كما أحكمت الوزن بعد طول تدرج، والتمست وحدة الروي فيما تحتفل له من كلام، وهذا مدلول قول ابن سلام الذي ذكرناه آنفًا قال إن القصيد إنا قُصد على عهد هاشم وعبد المطلب بن هاشم.
الرجز والهزج:
أحسب أن القصيد أطلق أول أمره على ما يكون رؤيه واحدًا دون ما تُنوع فيه القوافي وتكون الأوزان فيه أميل إلى القصر والخفة كالرجز والهزج. أما الرجز فالراجح عندي أنه كان غناء تصحبه حركة، ويتناشده الجماعة والأفراد في أوقات الحماسة، سواء أكان ذلك عند الطواف أو بإزاء القتال أو في ملاعب الفتيات اللواتي يتفاخرن. وما روى لنا من الأراجيز القديمة يقوي هذا الحدس من جانبنا، كالذي جاء في خبر غزوة الخندق من أن الصحابة ارتجزوا برجل اسمه جُعيل وحول النبي اسمه إلى عمرو فقالوا:
سماه من بعد جُعيل عمرًا ... وكان للبائس يومًا ظهرًا
قالوا وكان النبي يشاركهم فإذا قالوا «عمرًا» «قال عمرًا» وإذا قالوا ظهرًا «قال ظهرًا» وهذا نص في الحركة والإنشاد الجماعي (١). ومما هو أيضًا نص على الإنشاد والحركة خبر الهذلي، إذ كان يطوف بالكعبة ويعد أشواطه هكذا: (الخزانة ٢ - ٢٥٦):
لا هم هذا خامس إن تما
أتمه الله وقد أتما
стр. 984
وقد ذكروا أن النبي ﷺ كان يعجبه الرجز (١) وقد تعلم فيما روى أصحاب السير أن عمرو بن سالم الخزاعي أنشده ﷺ الرجز وهو يستنصر به على قريش إذ نقضوا صلح الحديبية:
إن قريشًا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا
واشتقاق لفظ الرجز نفسه يدل على الحركة. إذ يقال أرتجز الرعد. وإنما طُول الرجز وذُهب به مذهب الروي الواحد بعد تمصير الكوفة والبصرة. وأحسب أن العرب اتخذته ضربًا من الملهاة تتبدى به في حضارتها الجديدة. واحتاجت إلى أن تطوله لأن ذلك أدخل في حاق التسلية. وهذا باب سنعرض له إن شاء الله. ومما يدلك على معنى مما نروم إليه في أمر الملهاة والتسلية أخبار أبي النجم العجلي مع هشام بن عبد الملك (٢)، وخبر العجاج ودكين الراجز إذ كانا يجمعان الصبيان ليسمعا تراجزهما. وزعم العجاج أن الصبيان يُغلبون ويُبلغون (٣). وقصة أبي النجم مع العجاج من هذا القبيل، إذ جاء على جمل أجرب، فاهتاج جمله إلى ناقة العجاج، وجعل ينشد (٤):
إني وكل شاعر من البشر ... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
والناس يضحكون من المنظر وعندهم أن أبا النجم قد غلب وقد كانوا مما ينحون في ملهاة الرجز وغيره، منحى الفُحش. والفُحش قد يكون من فكاهات البداوة، ما دام لا يشوبه قذع مريض. وأعني بالقذع المريض نحو هذا الذي نجده
стр. 985
عند ابن حجاج وابن سكرة ممن نفقوا بأخرة عند بعض الأذواق المتحضرة. وهذا باب نامل أن نتناوله في موضعه (١)، ونتمثل له بشيء يسير إذ أمثلته كثيرة لا يكاد يخلو منها مرجع قديم من كتب اللغة والأدب والأخبار وهلم جرًا.
هذا، وأما الهزج فيبدو أنه لقب كان يطلق على أصناف من الغناء الخفيف، وفي اللسان «كأنها جارية تهزج» (راجع المادة)، والذي استشهدنا به آنفًا من كلام الوليد بن المغيرة، حيث قسم الشعر إلى قريض وهزج رجز، ينبئك أنهم كانوا يرون الهزج أمرًا غير القريض. ولعل أبيات جواري الربيع بنت معوذ بن عفراء: «وأهدى لنا أكبشًا إلخ» -وهن متقارب قصير- مما كان يدخل في مدلول مسمى الهزج، لا أنه كان مقصورًا على ما كانت تفعيلاته هزجية لا غير، نحو «عفا من آل ليلى الحزم» وهلم جرا. ولعل أكثر قصار الأوزان تدخل هذا المدخل. ألم يقولوا عن بائية عبيد بن الأبرص أنها من قري الخطب (٢)؟ أم لم يذكروا عن الخليل أنه لم يكن يعد الرجز المشطور والمنهوك من الشعر؟ وأحسبه أراد بالشعر القصيد خاصة ههنا- وهذا قول العرب إذ كانوا يفرقون بين الشاعر صاحب القصيد وبين الراجز صاحب المشطور (٣) - وإلى هذا المعنى أشار المعري في رسالة الغفران، إذ جعل الرجاز في