يعقوب الأناضولي (المولود في باريس ١١٩٤) للتدريس والترجمة فترجم إلى العبرية المجسطي ومختصر المجسطي لابن رشد (ولا تعرف له إلا هذه الترجمة العبرية) وشرح ابن رشد على مقولات أرسطو، وشرحه على الإيساغوجي لبورفيريوس والفرغاني. ثم أرسل نسخاً من الترجمات مع بعثة على رأسها ميخائيل سكوت إلى جامعات إيطاليا وباريس وأكسفورد، فتفشت فلسفة ابن رشد في معظمها. وتناول جامعة بولونيا بحمايته وأصلح مدرسة سالرنو - وقد جاءت في كتب العرب باسم سالرنه - ووسعها ووهبها نسخة من الطب العربي (١) وأمر بتشريح الجثث فيها.
كما كان يحتفى في بلاطه بعلماء الشرق الأدني، وممن زاروه ليوناردو فيبوناتشي الذي قدم له بعد عودته من مصر رسالتين في حل معادلات الدرجة الأولى والثانية (١٢٢٥) ويرسل بالأسئلة العلمية والفلسفية إليهم فعله مع ابن سبعين العالم المتصوف وكان قد اتهم بدينه وفر من الأندلس إلى شمالى أفريقيا فأرسل إليه فردريك الثاني يستفتيه في بعض المسائل الفلسفية، فأجابه بكتاب عنوانه: الأجوبة عن الأسئلة الصقلية، في ٤٩ صفحة (منه نسخة خطية في أكسفورد) فلقب به فيلسوف صقلية. وقد ذكر عنه المستشرق أماري أحاديث طريفة ورأي البابا في فلسفته.
وسار ابنه منفرد - الذي أشرف على ترجمة كتاب التفاحة وقد ضاع أصله العربي - وخليفته شارل دانجو، وآل هوهنسجتين على نهج فردريك الثاني فظلت الصلوات الخمس تقام في معسكر لوكرا (١٢٦٦) وقربوا العلماء والشعراء وأغدقوا على أهل الفن والمترجمين فترجم الطبيب فرج بن سالم الصقلى في نابولي كتاب الحاوي للرازي (١٢٧٩) وما زالت إحدي نسخه في المكتبة الوطنية بباريس. وقد طبع في البندقية عام ١٥٤٢ وستراسبورج ١٥٣٢ وآخر طبعة سنة ١٩٠٣ وتقويم الأبدان لابن جزله (ستراسبورج ١٥٣٢) والطب التجريبي لجالينوس بترجمة حنين بن إسحق، وكتاب الجراحة لابن ماسويه. وترجم ناتان هاماتي السنتي، في رومة، كتاب الحكم (١٢٧٩ - ١٢٨٢) وجعلوا من العربية - على الرغم من أن صقلية كانت ملتقى الثقافتين اليونانية والعربية والعلماء
стр. 107
الذين ينقلونهما إلى اللاتينية - لغة ثقافتهم، وقد عاونهم على نشرها، كونهم يملكون جنوب إيطاليا، واشتراك إيطاليا - البندقية وجنوى - في الحملات الصليبية سعياً وراء التجارة، واقتصارها منذ الحملة الرابعة على قطف ثمارها فعقدت مع سلاطين مصر معاهدات لقاء امتيازات عادت على الفريقين بثروات طائلة حاربا في سبيلها البرتغاليين معاً، مما جعل العربية ضرورة لتجارة المدن البحرية ولغة المعاملات والعقود والمعاهدات بين جنوة والبندقية وبين مصر ولبنان، وبين تونس وبين بيزا (١٢٦٥) حتى سقوط القسطنطينية (١٤٥٤) فأضيفت التركية إلى العربية. وهكذا كان ملوك صقلية وأمراؤها عرباً في ثقافتهم وأساليب حياتهم (١) وتزينت نساؤها بزينة المسلمات من ثياب حرير وتخضيب وتعطر، كما خلف العرب في صقلية وجنوب إيطاليا: مصنع الحياكة في قصر بالرمو الذي ظل يجهز الأسر الملكية في أوربا بالبزات الرسمية حقبة من الزمن، وفن تجليد الكتب على النمط العربي، وما زال الطراز الإسلامي على قصر لازيزا (العزيز) وسقف معبد بولا تينا، وقصور ملوك النورمان المزدانة بالنقوش العربية. وتعاون العرب واليونان في ترصيع كنائس بالرمو، ودير مونريال، وكنيسة سيغالو بالفسيفساء (١١٤٨). هذا خلا ما خلفوه في اللغة الإيطالية مثل: قرمز، كافور، زعفران، أكسير، جزية، صك، رزمة، قنطار، دار الصناعة، ورياح الموسم. ومن أسماء الأمكنة: قلعة النساء، قلعة الجن، مرسى الميناء، منزل الأمير. وسائر أسماء آلات الطرب.
وقد أفاد الصقليون والإيطاليون من الفن القصصي الذي أمدهم العرب به، فجاء كتاب كليلة ودمنه لهم كما جاء كتاب ألف ليلة وليلة للفرنسيين فيما بعد، معينة من الإيحاء ومثلاً رائعاً في الاحتذاء، وعلى غراره صنفوا: الطراز الأول المحادثات الحيوان الفلسفية الأدبية، وحكومة الحكومات، والأمثلة الأدبية للحيوانات المتفاهمة الخ.
وانتشرت فلسفة ابن رشد انتشاراً كاد يجعلها الطراز العصري بين مختلف طبقات رجال الدين في إيطاليا (١٢٤٠) وصادفت لدى الناشئة قبولا عده بترارك ازدراء باليونانية واللاتينية فلم تأبه له إذ كانت ترى من مفاخرها التثقف بالثقافة
стр. 108
العربية على سنة بيك دي لا ميزاندول، ثم التشبه بداني زعيم أدباء إيطاليا. وقد حقق الأب آسين بلاثيوس صلة الملهاة (الكوميديا) الإلهية لدانتي برسالة الغفران للمعري (مدربد ١٩١٩ - ١٩٤٢) وأثبت مونيوث سندينو (معراج محمد، مدريد ١٩٢٩) وأنريكوتير وللي (قصة المعراج، والأصل العربي الإسباني للملهاة الإلهية، الفاتيكان ١٩٤٩) أثبتوا بالرجوع إلى مخطوطات لاتينية في مكتبة باريس وغيرها اطلاع داني على الثقافة العربية وإفادته منها في وصف الجنة والنار، وذكر بعض أعلامها كالفارابي، والغزالى، وابن سينا، والبطر وجي، وابن رشد الذي وضعه في المحيط الخارجي للجحيم، في حين جعل الجنة مثوي سيجر دي برابان زعيم الحركة الرشدية في جامعة باريس، وبعض رجال الدين المسيحي من أهل النار. وتأثر ليوناردو دافنشي بالثقافة العربية في ترجماتها اللاتينية وشروح ميخائيل سكوت، وتوما الأكويني، والبر الكبير، وروجر بيكون عليها فظهر أثرها في بعض رسومه. أما الجامعات فقد ظلت جامعة بادوي تعج بنزعة ابن رشد العقلية من منتصف القرن الثالث عشر إلى مطلع القرن السابع عشر. وانطبعت جامعة بولونيا بطابع علماني كاد يكون معادياً للكنيسة، ومنها ذهب القول المأثور: حيث يجتمع ثلاثة أطباء يكون اثنان منهم كافرين. ومن أشهر زعمائها: بوبونتسي (المولود عام ١٤٦٢) أستاذ الطب والفلسفة في جامعة بادوي الذي قيل فيه: إن روح ابن رشد قد تقمصت جسم بوبونتسي. وبرونو (١٥٤٨ - ١٦٠٠) الذي حمل لواء ابن رشد وابن جبيرول وصاغ من آرائهما مذهب انطلاق في فلسفة النهضة.
٥ - من الفاتيكان:
وبدأ الاستشراق أكثر ما يكون تنظيماً وانتشاراً واستمراراً بالفاتيكان: باباوات وأساقفة ورهباناً، واصطناع نفوذهم في سبيله لدى الملوك والأمراء والبلديات، والإفادة منه في الرد على البروتستانتية بعد انفصالها عنهم مما جعله لغايات منوعة، بوسائل متعددة، في أرجاء شاسعة.
كان رجال الدين، ومرجعهم الفاتيكان يومئذ، يؤلفون الطبقة المتعلمة في أوربا،
стр. 109
ولا سبيل لهم إلى إرساء نهضتها إلا على أساس من التراث الإنساني الذي تمثلته الثقافة العربية، فتعلموا العربية، ثم اليونانية، ثم اللغات الشرقية للنفوذ منها إليه (١) دون ما استكبار إلا لدى بعض المتأخرين الذين برروا أخذ نصارى الغرب عن مسلمي الأندلس باستعادة ما أخذه المسلمون من الثقافة اليونانية والهليستينيه عن طريق نصاري الشرق (٢).
ولتخريج أهل جدل بقارعون فقهاء المسلمين واليهود ويردون عليهم ببراهين من كتبهم أنفسهم، في البلاد التي أجلاهم الإسلام عنها وبلغ أوروبا منها. فقصد الفرنسيسكانيون المغرب حيث قتل خمسة منهم (١٢٢٠) وانطلق الدومينيكيون (١٢٥٢) إلى بلغاريا ورومانيا والشرق.
ثم لتدريب أدلاء يتخاطبون بالعربية للقيام على خدمة الحجاج من أصقاع العالم إلى الأراضي المقدسة والعناية بعابري السبيل، وقد كلف الفرنسيسكانيون بمن يفدون على فلسطين، والدومينيكانيون بمن يقصدون سوريا ومصر. وأسس البابا جمعية الموالين (١٢٠٠) وقد انتشرت انتشاراً واسعاً (١٣١٨) واتخذ بعد سقوط القسطنطينية (١٤٥٣) لونا آخر فطبع الأب مارتن روث P.M.Roth الدومينيكي دليل الحج لبرنارد دي برايد نباخ. B.de Breydenbach اشتمل على أبجدية عربية كاملة مع طريقة النطق بها في حروف لاتينية، وخريطة لمدينة القدس، ورسم جماعة من اللبنانيين بازيانهم الوطنية، فكان أول ما عرفت أوربا من الطباعة العربية (ماينس ١٤٨٦ ثم تكررت طبعاته إحدى وأربعين طبعة ١٧٢٨) وتلاه دليل توريانتينوس بالشعر، وفيه المفردات العربية اللاتينية، ثلاثاً وعشرين طبعة (١٥٠٥ - ١٥٣٦، ثم تعددت طبعاته حتى عام ١٦٠٦).
ثم التحقيق الكتاب المقدس، ففي عام ١٥٠٦ صنف روكلن، وكان علامة باليونانية والعبرية، كتابا في قواعد اللغة العبرية، رفعها إلى مصاف اليونانية واللاتينية في معاهد إيطاليا وأسبانيا وفرنسا وإنجلترا والبلاد المنخفضة (بلاد القاع) وألمانيا.
وعلى أساس العبرية، نشرت التوراة في طبعات متعاقبة: كطبعة الكالا
стр. 110
(١٥١٤ - ١٥٢٠) وعرفت باسم الكردينال كزيمنس، والطبعة السبعينية (١٥١٨ - ١٥٢٩) Aldine des Septante وطبعة فيليب الثاني ملك إسبانيا (١٥٢٧ - ١٥٩٨) ولا زيدت عليها ترجمة سريانية عرفت بطبعة انفر (١٥٧٢) Anvers وترجمات من التوراة لتريميليوس وتلميذه يونيوس من جامعة هايدلبرج بأمر فردريك الثالث، على أساس سرياني وعربي (١٥٦٩ - ١٥٧٨) وطبعة باريس على أساس سرياني وعربي وعرفت باسم لي جاي (١٦٢٨ - ١٦٤٥) Le Jay وطبعة لندن عرفت باسم الأسقف والتون (١٦٥٤ - ١٦٥٧) B.Walton.
وبلغت العناية بالتوراة ذلك المبلغ الخطير لانفصال لوثر (١٥٢١) عن الفاتيكان وإنكاره على البابا سلطانه ومناداته بالإصلاح، ثم اعتناق فردريك الثالث البروتستانتية (١٥٦٠) وانتشارها من بعد. ولما كان الكتاب المقدس، والتوراة أساسه، المرجع الوحيد للعقيدة المسيحية، فقد نقل لوثر ومؤازروه وأتباعه إلى ميدانه وحاربوها فيه. وقابلهم الفاتيكان في ميدانهم بعلمائه وفلاسفته ومؤرخيه، ومعظمهم يتقن اللاتينية واليونانية والعبرية، والشرقيون منهم يتقنونها ويضيفون إليها السريانية والعربية والكلدانية الخ. ومن ذلك الميدان اتجه نشاط الفريقين العلمي، وقد تركا المسلمين واليهود جانباً، إلى الشرق، مهد الديانة المسيحية، فتناوله في جغرافيته وتاريخه ولغاته وثقافته وتطوره للكشف عن أسرار الكتاب المقدس.
ومن أجدى الوسائل التي اصطنعها الفاتيكان وأوجزها.
تعلم العربية - ثم اليونانية واللغات الشرقية - في مدارس إسبانيا وتعليمها في مدارس أديارها وكاتدرائياتها وكراسي جامعاتها (١) ونشر الثقافة عن طريق ما أسسه منها كجامعات: بولونيا (١٠٧٦) وتولوز (١٢١٧) ومونبلييه (١٢٢٠) وصلمنكه (١٢٢٧ وبياسنزا (١٢٤٨) ورومه (١٣٠٣) وفلورنسا (١٣٢١) وبادوي (١٣٦١) وغيرها. كما استعان بالملوك والأمراء والبلديات على تأسيس مدارس اللغات الشرقية في عواصم بلدانهم وتخصيصها بكراس مستقلة في كبرى جامعاتهم فاستجابوا له، ولكنها لم تنتظم إلا بعد أن قضى البابا أكليمنضس الخامس (١٣٠٥ - ١٢١٥) في مجمع فيينا (١٣١١ - ١٣١٢) بإنشاء كراس للعبرية
стр. 111
والعربية والسريانية - وأطلق عليها يومئذ الكلدانية، أي الآرامية - في جامعات: رومه على نفقة الفاتيكان، وباريس على نفقة ملك فرنسا - وكان الفاتيكان ينفق على عشرين طالبة أكليريكية من الشرق في باريس، بقرارات باباوية في أعوام ١٢٤٨ و ١٢٥٨ و ١٢٨٥ - وأكسفورد على نفقة ملك انجلترا. وبولونيا، وصلمنكه على نفقة رجال الكنيسة في كل من البلدين. وقد خصت كل لغة من اللغات الثلاث بكرسيين وعين أساتذتها، وأجزل أجرهم لقاء قيامهم بتعليمها تعليما سليما يمكن من الكتابة والتخاطب بها. ولقاء ترجمتهم لمصنفاتها إلى اللاتينية ترجمة علمية دقيقة. ثم توسع الفاتيكان في إنشاء الكراسي والمدارس والمكتبات والمطابع والمجلات في إيطاليا وعاون على مثلها في الغرب والشرق وعلى ترجمة التراث الإنساني عن العربية - ثم عن اليونانية واللغات الشرقية - والاستعانة بمن يجيدها من النصارى والمسلمين واليهود على نقله نقلا حرفية، ثم يعمد رجال الدين إلى صياغته في أسلوب لاتين مبين. ولم يكتفوا بتلك المنقولات، فأنشأ دون رايموندو الأول رئيس أساقفة طليطلة مكتب المترجمين في طليطلة (١١٣٠) وأشرف ميخائيل سكوت على مكتب الترجمة الذي أنشأه فردريك الثاني في صقلية (١٢٢٠ - ١٢٣٦) وأفادوا من مكتب ألفونسو الحكيم (١٢٥٢ - ١٢٨٤) والمصنفات التي أمر الملوك والأمراء بنقلها أو نهض العلماء بها ونشروا جميع ذلك في مدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم، ومنها انتقلت إلى مثيلاتها في أوربا وظل بعضها يدرس فيها حتى القرن السابع عشر.
وكان في ترجمة الفلسفة أو الطب أو الفلك الخ نقل لسائر العلوم. لأن اليونان والعرب من بعدهم خلطوا بينها جميعاً - فجمع ابن سينا في رسالة النفس آراء الفلاسفة إلى أصول الدين على شيء من تصوف الشرق ومذاهب الهنود - ولم تفرع إلا في متوسط القرن الخامس عشر. ولما كان الشرق أسبق في الحضارة من أوربا بنحو ثلاثة قرون، فقد أخذت عنه في العصر الوسيط بادئة بالعبرية، لغة الشعوب الأولى، ولكن العربية تفوقت عليها لأنها لغة العلم، ولغة الفلاسفة، كابن رشد، وابن سينا وغيرهما (١). وكان الكندي والفارابي وابن سينا أشهر
стр. 112
المتقدمين في الترجمات الفلسفية، وابن باجه وابن طفيل وابن رشد في الطبقة الثانية. ولكل منهم مذهب واحد في الحقيقة وإن اختلفوا في العرض، ما داموا أخذوا جميعاً بالأفلاطونية الحديثة. وحاول الكثيرون منهم التوفيق بين أرسطو وأفلاطون (١) إلا أن الفلسفة الإسلامية منيت بعقبات كان من العسير تذليلها إذ تمثل أصحابها تراث اليونان وجمعوا بعضه إلى بعض، وحاولوا التوفيق بينه وبين الدين. وأبدعوا منه نظريات ومذاهب اختلفوا فيها اختلافاً كبيراً فعل مدرسة الإسكندرية من قبلهم ويهود إسبانيا من بعدهم ونصارى أوربا الذين أخذوا عنهم. مما حمل الكنيسة على تحريم فلسفة أرسطو وشروح ابن رشد عليه في أشهر معاقلها وهي جامعة باريس.
لقد انتقلت الفلسفة من مدرسة شارتر (١١١٧) إلى جامعة باريس (١٢٠٠) التزلزل عقائد طلابها. فأسرعت الكنيسة إلى تحريم قراءة كتابي ما وراء الطبيعة، والفلسفة الطبيعية لأرسطو والشروح عليهما (١٢١٠ - ١٢١٥ - ١٢٤٠) ولما عادت جامعة باريس إلى تعليمهما (١٢٥٥) أعادت الكنيسة تحريمهما (١٢٦٣) ولكن الحرمان لم ينفذ لتأكيد توما الأكويني لها بأنه من الممكن تطهيرهما (١٢٦٦) ثم أصبحت لجنة الامتحان البابوية تحتم على الطلاب درس أرسطو دراسة وافية النيل الشهادة.
أما فلسفة ابن رشد فكان أثرها في المسيحية أشد منه في الإسلام فقد اضطهده معاصروه اضطهاداً أضاع أصول معظم كتبه العربية وسلمت ترجماتها بالعبريه. وطفق الأوربيون يحملون على فلسطين ويستعيدون إسبانيا وصقلية، حتى إذا نقلوا من الثقافة العربية فلسفة أرسطو وأبن سينا وابن رشد وغيرهم انبثت النزعة العقلية في أوربا ونالت من معتقدها واختلف رجال الدين فيها. وأول من نشر فلسفة ابن رشد: ميخائيل سكوت، وموريس الإسباني، واسكندر الحاليسي. فوجدها وليم الأوفرني، أسقف باريس، وكان يناصر البحث العلمي، قد استحوذت على عدد كبير من طلاب جامعة باريس (١٢٤٠) وراحوا يلتهمون نتائجها دونما تمحيص، وأغرقوا فيها (١٢٥٦) فروع البابا ألكسندر الرابع وكلف
ألبير الكبير أن يكتب رسالة في وحدة العقل للرد عليها، والذهاب إلى معاجة باريس لمناهضتها، فأناب عنه توما الأكويني. وكان سيجر دي برابان (١٢٣٥ - ١٢٨١) كاهناً متبحراً في العلم مطلعاً على الفلسفتين الإسلامية واليهودية، فتزعم الحركة الرشدية في جامعة باريس وبلغ بها الذروة (١٢٦٦ - ١٢٧٦) على الرغم من انتصار توما الأكويني على الرشدية أنتصاراً أدى إلى تحريمها (١٢٤٢ - ١٢٧٠) وإلى إدانة سيجر (١٢٧٧) وسجنه في رومه. وشجر النزاع حولها بين الرهبانيات طوال مائة عام. وقسم الدفاع نفسه إلى معسكرين: الصوف الأفلاطوني ومعظمه من الرهبان الفرنسيسكانيين. والعقلى الأرسطاطلي وجله من الرهبان الدومينيكيين. هذا على اختلاف فيما بين الرهبانية الواحدة: فتوما الأكويني الدومينيكي اعتمد على فلسفة ابن رشد، مع أنه من أشد
стр. 113
خصومه، في التوفيق بين الفلسفة والدين. ورد عليه زميله رايموندو مارتيني الدومينيكي في كتابه خنجر الإيمان، مستنداً إلى حجج الغزالي وغيره ممن تصدوا لمجادلة المشائيين. ودحض جيل الروماني آراء ابن رشد باعتماده على صوفية ابن عربي - ولم يعبأ بهم أرمنجو، وهو طبيب فرنسي واسع الاطلاع على الثقافة العربية، فترجم منها كتاب القانون لابن سينا، وفلسفة ابن رشد (١٢٨٤) - وانتقده رايموندولوليو الفرنسيسكاني في مجموعة ردود على ابن رشد (باريس ١٣٠٩ - ١٣١١) ثم طلب البابا يوحنا الثاني والعشرون (١٣٢٥) مراقبة الأساتذة فيما يدخلونه عن اللغات السامية في كراسي الجامعات، على أثر انتشار الثقافة السريانية واليهودية والعربية، واستمرت الرقابة بين شدة ولين حتى أقر الملك لويس الحادي عشر تدريس أرسطو بشرح ابن رشد (١٩٧٣ وقد) ظلت جامعة باريس طوال ثلاثة قرون، زعيمة التفكير الحر في أوربا، ولها من النفوذ في الدين والدولة مالا عهد لمعهد علمي به منذ أرسطو، وملتقى نخبة المفكرين الممتازين أمثال: بيار ابيلار، ووليم الكوشي، وميخائيل سكوت، ويوحنا السالم بوري، وتوما الأكويني، وبونا فنتورا، وألبر الكبير، ودونس سكوتوس وسيجر دي برابان، وروجر بيكون، ورايموندو لوليو. فهؤلاء هم تاريخ الفلسفة السكولاستيكية (١١١٠ - ١٤٠٠) التي تميزت في مصطلحاتها وأغراضها وصياغتها بدقة وحجة ووضوح لم يعرفها الأقدمون أنفسهم، وعلى ضوها درسوا القانون الروماني ووضعوا الشريعة الكنسية فكانت من خير ما تمخض عنه العقل البشري في العصر
стр. 114
الوسيط. ولما سقطت القسطنطينية في أيدي العثمانيين (١٤٥٣) ورحل علماؤها عنها بمخطوطات العلوم والآداب والفنون إلى أوربا - وأنفق مجلس شيوخ البندقية الأموال الطائلة في اقتناء مخلفات القديسين الشرقيين من القسطنطينية، وعرض عشرة آلاف دوقه ليظفر برداء المسيح - رجعت المدرسة السكولاستيكية، رجوع العلماء والأدباء وأصحاب الفنون، إلى الأصول اليونانية، وجعلوها كبري دعائم النهضة الأوربية. إلا أن أثر الفلسفة الإسلامية ظل جلياً متنوعاً متتابعاً حتى بعد تنخلها من عناصرها الدينية في المدرسة السكولاستيكية على تعدد مذاهبها: الأرسطاطلية، والأفلاطونية الحديثة، والأوغسطينية، وفيمن زاولها عن طريق الفلسفة اليهودية تأثر سبينوزا بموسي بن ميمون في الاعتماد على الرياضيات لإثبات وحدة الكون في جميع التصورات. ولدى الذين قادهم نزعتها العقلية إلى الخروج على المسيحية مع احتفاظهم بقانونها الأخلاقي من أمثال فولتير، وديدرو، ودارون، واسبنسر، ورينان.
وكان لأولئك الرهبان فضل في: عمارة أوربا ومدها بالمهندسين والرسامين والمثالين منذ القرن التاسع، واصطناع عباقرتها في تشييد أديرتهم وكنائسهم وقصور أمرائهم وتزيينها بالروائع. فرسم ليوناردو دافنشي صورة العشاء الأخير على جدار معظم دير الدومينيكيين في ميلانو (١٤٩٥ - ١٤٩٨) فما زالت أشهر الصور على الإطلاق في العالم. وفي الحفاظ على التراث الطي من الضياع وتمهيد السبل لزراعة النباتات الطبية، وقد كتب بدرو الإسباني أوسع مصنفات الطب انتشاراً في العصر الوسيط.
وفي تصنيف الموسوعات وأشهر أصحابها: الكسندر نكهام، وتوما كانتمبرى، وبوفيه صاحب المرأة الكبيرة، وكان هدفه نقل ٤٥٠ كتاباً من اليونانية واللاتينية والعربية. وفي علم الميكانيكا؛ فقد سبق جوردان جراديوس نيوتن إلى عدد من المبادئ الأساسية فيها.
وفي الرياضيات: فصنف جوانس دي سكرو بسكو رسالة في الكرة الأرضية، وأخرى بعنوان الرياضيات للملايين، أطلق على أرقامها الأرقام العربية.
وقام جربر، وأدارد أوف باث، وميخائيل سكوت، والبر الكبير، وروجر بيكون بتجارب علمية وانتهوا إلى مبادئ أساسية حطمت ما كان لأرسطو وبلني
стр. 115
وجالينوس من سلطان على العقول. ولكن الناس اتهموهم بالسحر لأنهم لم يكونوا يصدقون أنهم حصلوا علمهم ذاك بالوسائل الطبيعية فعزوا مصنفاتهم في الحجر السحرى إلى جابر بن حيان الكيماوي العربي الشهير لينجوا بأنفسهم من غضب المتزمتين والعامة. كما عرفت أوربا أدق المعلومات عن الشرق الأقصى وصححت رحلة ماركو بولو عن طريق الرحالة من الرهبان.
وأول مطبعة أنشأها الراهبان: سفا ينايم، وبامرتز في دير سوبيا كو (١٤٦٤) ثم نقلاها إلى رومة (١٤٦٧) وبدأت الطباعة في البندقية وفي ميلانو (١٤٦٩) وفي فلورنسا (١٤٧١) وفي ماينس حيث طبع الأب
روث الدومينيكى دليل الحج، وفيه الأبجدية العربية (١٤٨٦) وقبل أن يختتم القرن الخامس عشر صدر عن إيطاليا ٤٩٨٧ كتاباً منها ٣٠٠ في فلورنسا و ٦٢٩ في ميلانو، و ٩٢٥ في رومه، و ٢٨٣٥ في البندقية، ونشر التراث اليوناني بتكاليفه، وصنف كاليبينو الراهب الأوغسطيني معجماً في اللاتينية والإيطالية أخذ يزداد كلما أعيد طبعه
حتى اشتمل على إحدى عشرة لغة (١٥٩٠).
٦ - طلائع المستشرقين:
جربر دي أورالياك (٩٣٨ - ١٠٠٣) Jerbert de Oraliac
من الرهبانية البندكتية (المؤسسة عام ٥٢٩) قصد الأندلس وأخذ على أساتذتها في مدارس ريبول وأشبيلية وقرطبة، حتى أصبح أوسع علماء عصره ثقافة بالعربية والرياضيات والفلك. ولما ارتحل إلى رومة سما على أقرانه وانتخب حبرة أعظم باسم سلفستر الثاني (٩٩٩ - ١٠٠٣) فكان أول بابا فرنسى، وقد أمر بإنشاء مدرستين عربيتين: الأولى في رومة مقر خلافته، والثانية في رايمس وطنه، ثم أضيف إليها مدرسة شارتر. وقيل إنه أول من صنع ساعة رقاصة ووصف حروف الغبار وصفاً علمياً، وبث الأعداد العربية في أوربا - التي كان ينقصها رقم الصفر - وترجم بعض الكتب الرياضية والفلكية كالزيج المنصوري (١٠٠٠) وله دراسة عن كتاب أقليدس بالعربية (محفوظات كنيسة وستر بانجلترا) وقد نشر نيك بوينوف مصنفاته الرياضية (برلين ١٨٩٩).
стр. 116
قسطنطين الأفريقي (المتوفى عام ١٠٨٧) Constantinus Africanus
ولد في قرطاجنة، ورحل إلى خراسان وبغداد والشام ومصر والقيروان والهند. ولما رجع إلى تونس وقع أسيراً، ثم اعتنق النصرانية والتحق بمدرسة الطب في سالرنه (١٠٦٠) وترهب في دير مونتي كاسينو. وطفق يترجم كتب الطب والفلك من العربية إلى اللاتينية عن إسحق بن عمران، وكتاب العلاج العام لإسحق الإسرائيلى، وكتاب التقاسيم وزاد الحاضرين لتلميذه أحمد بن الجزار - وجميعهم قيروانيون - والقسم النظري من كتاب الملكي لعلي بن عباس، وبعض رسائل الرازي.
ولكنه انتحل بعض ما ترجم ككتاب المقالات العشر في العين لحنين ابن إسحق، فجعل عنوانه: كتاب قسطنطين الأفريقي في طب العيون. وقد جمعت آثاره، وعددها ٢٤ مصنفاً، ونشرت في ليون (١٥١٥) وبال بسويسرا (١٥٢٩).
أوجو دي سانتالا (نزل بسرقسطة ١١٠٧ - ١١١٩) Ugo di Santala
آثاره: ترجم بإشراف أسقف طرزونة شرح البيروني على الفرغاني، ورسائل في الكيميا وعلم الرمل.
وقد أحصي ترجماته بول تانيري (المذكرات العلمية، ج ٤ ص ٢٩٥ - ٤١١).
ديكويل (لمع اسمه عام ١١٢٥) Dicuit
راهب أرلندي تتلمذ على كلونارد، وزار مصر، ووصف أهراماتها وحقق أبعادها، وطوى كتابه: الجغرافيا، على تقرير تيودوسيوس وأبحاث الرحالة إلى مصر في عهده.
أدلرد أوف باث (١٠٧٠ - ١١٣٥) Adelard of Bath
ولد في مدينة باث ونسب إليها، وانخرط في سلك الرهبانية البند كتية، وطلب
стр. 117
العلم في تور والأندلس وصقلية، وأهدى أسقف سرقسطة أحد كتبه (وقد نشره هانز فيللر، في مونستر ١٩٠٣) ومصر ولبنان وأنطاكية واليونان (١١٠٤ - ١١٠٧) والقدس وجمع معارف في علوم الطبيعة والفلك والرياضيات. وعند عودته إلى إنجلترا عين معلمة للأمير هنري الذي أصبح فيما بعد الملك هنري الثاني، وقد أهدى إليه أحد كتبه، واشتهر باختباره سرعة الضوء والصوت، وتضلعه من ثقافة العرب، الذين آثر مذهبهم في العلم على مذهب الفرنجة، فقال في كتابه المسائل الطبيعية، وهو محاورة بينه وبين ابن أخيه خريج جامعات الفرنجة: «إنني، وقائدي هو العقل، قد تعلمت من أساتذتي العرب غير الذي تعلمته أنت فبهرتك مظاهر السلطة بحيث وضعت في عنقك لجاماً تقاد به قياد الإنسان الحيوانات الضارية ولا تدري لماذا ولا إلى أين ... فقد منح الإنسان العقل لكي يفصل به بين الحق وبين الباطل ... فعلينا بالعقل أولا فإذا اهتدينا إليه - لا قبل ذلك - بحثنا في السلطة فإن سايرت العقل قبلناها وإلا ... ».
آثاره: ترجمات لاتينية وفيرة في الفلك والرياضيات أشهرها زيج الخوارزمي بتنقيح المجريطي (مكتبة مازارين، في باريس ١١٢٦، وقد شرحه سوتر في تقارير مجمع العلوم في الدانمرك ٣، ١٩١٤) وكتاب الغورتي (نشره كورتيس، ليبزيج ١٨٨٩) وكتاب الأصول الأقليدس وكان الأصل اليوناني مفقوداً (١١٣٠) وما زالت إحدى رسائله عنه محفوظة في مكتبة كنيسة وستر. وترجع، بمعاونة يوحنا الأشبيلي، أربعة كتب لأبي معشر البلخي (١١٣٣) وصنف كتاب الأسئلة الطبيعية (١١٣٠، وقد نشره مارتن موللر طبعة حديثة، مونستر ١٩٣٤) وعدة مباحث في الفلك والرياضيات. والاسطرلاب (١١٤٣) والقنص بالباز (محفوظة في مكتبات باريس ومونبلييه وإنجلترا والعلوم عند العرب (طبع بعد عام ١٩٧٢) وقد ساعده بنفوذه على نشر تلك العلوم وازدهارها في أوربا جمعاء.
بطرس المكرم (١٠٩٤ - ١١٥٦) Pièrre Le Vènèrable
فرنسي من الرهبانية البند كتية، عينته، لسعة اطلاعه، رئيساً على دورها في كلوني، (١١٢٣) Cluny - الذي شيدته في فرنسا (٩١٠) وانطلقت منه
стр. 118
حركة إصلاح عمت النصرانية الأوربية، وجعل منه رهبان الإسبان، بعد أن آووا إليه في القرن الثاني عشر، مركزاً خطيراً لنشر الثقافة العربية - وقصد الأندلس فيمن قصدها مستزيداً من علومها ولا رجع إلى ديره نظمه وطفق يصنف الكتب في الرد على علماء الجدل المسلمين وشجب اليهود، وقد طبع من مصنفاته ثلاثة (ليبزيج ١٨٩٦).
يوحنا بن داود الأسباني (منتصف القرن الثاني عشر) Juan Abendaud
يهودي متنصر، خلف رايموندو على أسقفية طليطلة، ولم يكتف بما نقله مع زميله جونثالث فترجم وحده كتاب العلل، وكتاباً في الطبيعة وآخر في المنطق، وفلسفة ابن رشد (١٢٣٠) وكتاب السياسة لأرسطو عن ترجمة ابن البطريق (١١٣٥ - ثم أعاد ترجمته فيليب الطرابلسي ١٣٤٠) وكتاب الجبر الخوارزمي، وصنف كتاباً بعنوان كتاب الخوارزمي في الحساب العملي (نشره ب. بونكومباني في رومة ١٨٠٤) وترجمات من الكرابيسي والفرغاني (فرارا ١٩٩٣، ونورمبرج ١٣٥٧، وباريس ١٤٥٦) وكتابي القبيسي في النجوم وأبعاد الكواكب.
يوحنا الإشبيلي (منتصف القرن الثاني عشر) Juan de Sevilla
هو الآخر يهودي متنصر، عنى بعلم التنجيم، فترجم بمعاونة أدلرد أوف باث إلى اللاتينية أربعة كتب لأبي معشر البلخي (١١٣٣ وقد طبعت في البندقية ١٤٩٥ و ١٥١٥ وفي فرانكفورت ١٥٧٧) وترجع وحده: رسالة في الاسطرلاب للمجريطي، وكتاباً في آلات الساعات لثابت بن قرة، وبمعاونة جيرار دي كرمونا: المدخل إلى علم هيئة الأفلاك للفرغاني (١١٣٥) والموجز في الفلك للفرغاني (١١٤٢) وإحصاء العلوم للفارابي (وقد نشر الترجمة اللاتينية كليمنس باور، محاضرات في تاريخ الفلسفة ١٩٠٠) وصنف موجزاً في الحساب.
روبرت أوف تشستر (أشهر من عام ١١٤١ إلى ١١٤٨) Robert of Chester
من أهالى كيتون، تلقى العلم في تشستر، ونسب إليها، ودخل الرهبانية
стр. 119
البندكتية. وقصد الأندلس وعين أسقفاً على بامبلونه (١١٤٣) وتثقف بالثقافة العربية ولاسيما بالعلوم الرياضية والفلكية منها. واختير مستشاراً لصقلية واشترك مع زميله هرمان الدلمطي في ترجمة العلوم كما جاء في خطاب بطرس المكرم إلى القديس برنار: قابلت روبرت وصديقه هرمان البلاطي عام ١١٤١ بالقرب من الابر وفي إسبانيا، وقد صرفتهما عن علم الفلك إلى ترجمة القرآن باللاتينية فأتماها عام ١١٤٣ - وكانت أول ترجمة للقرآن استعانا فيها باثنين من العرب، نشرها بيبلياندر في ثلاثة أجزاء (بال ١٥٤٣) وأنجز ترجمته الثانية الأب ماركوس الطليطلي بتوجيه من الأسقف رودريك دى وادا في القرن الثالث عشر، ونشر الساندرو باجانينى أول طبعة للنص العربي (البندقية ١٥٣٠) - ولكن روبرت وهرمان لم ينصرفا عن العلم فترجما كتاب الجبر والمقابلة للخوارزمي في خمسة فصول (١١٣٥ ثم نشرها كر بنسكي عام ١٩١٥) فكانت ترجمتهما له ولكتاب الكيميا من بعده فاتحة العلوم المنظمة في أوربا. وترجم روبرت كتباً في الكيميا والفلك وصنف عدة رسائل (١١٤٧) وعاون على إدخال حساب المثلثات في إنجلترا (١١٤٩) ولفظ الجيب عند تحقيق زيج البتاني - وقد فقدت ترجمته - والزرقالى، كما عدل كتاب الخوارزمي لينطبق على خط الزوال في لندن (١١٥٠).
هرمان الدماطي (المتوفى ١١٧٢) Hermann Alemanus
زميل روبرت في رهبانيته ودراساته وترجماته، وقد عين رئيساً لشمامسة سر بابيلونا ثم راعياً لكنيسة شيني (١١٤١ - ٤٣) ثم أسقفاً على استورجه. ونقل إصلاح المجسطى للمجريطي (تولوز ١١٤٣ ثم نشر النص في إسبانيا ١٢٤٠ ثم نشر هايبرج الترجمة اللاتينية في كتاب الهيئة الصغير لبطليموس، ليبزيج ١٩٠٧) وعلم الأخلاق وبعض الرسائل في الكيميا. وصنف في كتاب البلاغة والشعر لأرسطو، مستعيناً بشرح الفارابي على البلاغة، وبتلخيص ابن رشد للشعر.
وفي الجوهر متأثرة بالعرب، كما ترجم رودلف دي بر وجس R.de Bruges تلميذ هرمان شروح مسلمة المجريطي على النظام الرياضي لبطليموس.
стр. 120
أفلاطون التيفولي (برشلونة ١١٣٤ - ١١٥٤) Platon di Tivoli
آثاره: ترجم رسالة ابن الصفار في الاسطرلاب، وزيج البتاني بعنوان: علم النجوم (١١٤٠ وقد حققها ريجو مونتانوس وأصلح ما فيها وعلق عليها، نورمبرج ١٥٣٧، بولونيا ١٦٤٥ - ٤٦) والحساب لبطليموس عن ترجمته العربية، وكتاب الجبر والهندسة العملية لإبراهيم برحيا عن العبرية (١١٤٥) وقد وصف ترجماته كورتس (ليبزيج ١٩٠٣).
دومنجو جونثالث (المتوف ١١٨١) D.D.Gonzalez
نائب أسقف شقوبية، وهو ويوحنا بن داود الإسباني أشهر النقلة بمكتب المترجمين في طليطلة. فكان يوحنا يملى النص العربى بالإسبانية العامية ويصوغه جونثالث باللاتينية الفصحى، وقد نقلا عن ابن سينا: النفس، والطبيعة، وما وراء الطبيعة، وأقساماً من الشفاء (باريس ١٥٦٨) وكتاب الشفاء، في ٢٨ مجلداً. وعن الفارابي: إحصاء العلوم. وعن الغزالي: مقاصد الفلاسفة. وعن ابن جبير ول: ينبوع الحياة (١١٥٠ وقد نشره باوماكر في مونستر ١٨٩٢ - ٩٥) ونقلا فلسفة الكندي (أوجسبرج ١٤٨٩) وعن قسطا بن لوقا، وما شاء الله، والبلخي وأبي حفص الطبري، وابنه أبي بكر محمد (البندقية ١٥٠٣) والخياط (نورمبرج ١٥٦٤) والبتاني، وثابت بن قرة، ومسلمة المجريطي، وابن أبي الرجال. ولم يقف جونثالث عند الترجمة بل صنف عدة كتب (١).
دانييل أوف مورلي (اشتهر بين ١١٧٠ - ١١٩٠) Daniel of Morley
درس في أوكسفورد وباريس. ولم يكن راضياً عن جامعات الغرب، فقصد الأندلس، بعد أدلرد، بحثاً عمن هم أكثر حكمة من فلاسفة العالم على حد قوله. وكلف أحد نصاري طليطلة المدعو غالب بترجمة المجسطي لبطليموس (١١٩٧) ثم عاد إلى إنجلترا بمجموعة كبيرة من المصنفات النفيسة وألف كتاباً بعنوان:
стр. 121
الطبيعة السفلية والعلوية (وقد كتب سنجر بحثاً عن المؤلف، إيزيس ١٩٢٠) وآخر في الفلسفة.
جيرار دي كريمونا (١١١٤ - ١١٨٧) Gèrard de Crèmona
إيطالي من الرهبانية البند كتية قصد طليطلة حيث تضلع من العربية، وعكف على مصنفاتها، فترجم منها ما لا يقل عن ٨٧ مصنفاً في الفلسفة والطب والرياضيات والفلك وضرب الرمل، فقدت معظم أصولها العربية وسلمت ترجماتها اللاتينية، فهدت مع مثيلاتها إلى انتشار العلوم في أوربا وتوثيق صلتها بالشرق، وقد توفي في طليطلة.
آثاره: في الفلسفة والمنطق ترجم: رسائل الكندي في العقل والمعقول وفي الجواهر الخمسة (البندقية ١٥٠٧، وستراسبورج ١٥٣١) وبمعاونة يوحنا الأشبيلي: إحصاء العلوم للفارابي (نشر في مجموعة آثار الفارابي، باريس ١٩٣٨) وترجم وحده: شرح الفارابي على أرسطو وترجمة موسي بن طبون وإسحق الإسرائيلي. وفي الطب: القانون لابن سينا (وقد أعيد طبع ترجمته خمس عشرة طبعة وواحدة عبرية، ١٤٧٣ - ١٥٢٧، ثم اعتمدت المطابع ترجمة أندريا الباجو، ونشرت النص العربي، في رومة ١٥٩٣) وللرازي الأسرار في الكيميا (١٤٨٠ - ١٤٨٩) والمنصوري. ثم العقاقير ليحيى بن سرابيون (البندقية ١٤٧٩ و ١٤٩٧ و ١٥٣٠ و ١٥٥٠) والأدوية المركبة للكندي. وتفصيل الأزمان ومصالح الأبدان، وعلق عليه بالعربية، والأنواء، وكلاهما للأسقف ربيع بن زيد. ولزهراوي الجراحة من كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف (وقد نشر متنا وترجمة، في جزءين، البندقية ١٤٩٧، وبال ١٥٤١، وأكسفورد ١٧٧٨) والأدوية المفردة لابن الوافد، وبضعة كتب لأبقراط، وعلى بن رضوان. وفي الرياضيات والفلك: علم الفلك وأصول الهندسة لأقليدس، وقسمة الزاوية الابن موسى، وبمعاونة يوحنا الأشبيلي: المدخل إلى علم هيئة الأفلاك للفرغاني (١١٣٥) والموجز في الفلك للفرغاني (١١٤٢) ووحده: رسالة في حساب الخبر والمقابلة للخوارزمي، فقد أصلها العربي وسلمت ترجمتها باللاتينية (وقد نشرت في
стр. 122
تاريخ العلوم والرياضة في إيطاليا) وكتاب المجسطي (البندقية ١٥١٥) وكتاب الهيئة في إصلاح المجسطي (نورمبرج ١٥٣٤) والشفق لابن الهيثم (لشبونة ١٥٤٢) وتسعة كتب في الفلك لجابر بن أفلح، والزيج الطليطلي، وكتاب الأحجار الكريمة المنسوب إلى أرسطو، وميزان الذهب لثابت بن قره، ورسائل لأحمد بن يوسف، والنيريزي، وأبي كامل، وأبي عثمان عريب بن سعد. وفي الطبيعيات والميكانيكا: للكندي، وثابت بن قره، وابن الهيثم، هذا عدا رسائل متفرقة الأرسطو وجالينوس وأبقراط وأقليدس وأرشميدس وسواهم، وما خلا مصنفات له من أشهرها كتاب المرئيات. كما أعيد من ترجماته الأولى طبع الأنواء، لربيع ابن زيد (باريس ١٨٣٨ - ١٨٦٥) ومقالة في الخبر (رومة ١٨٥١) وتعليق عبد الباقي على كتاب أقليدس العاشر (رومة ١٨٦٣، وليبيا ١٨٩٦) وتعليق النيريزي على الكتب العشرة الأولى لأقليدس (١٨٨٩) والموجز في الفلك للفرغاني (١٩١٠).
ميخائيل سكوت (١١٧٥ - ١٢٣٦) Michael Scot
اسكتلندي من الرهبانية البندكتية. تلتقي العلم في أكسفورد، ولما حاز من جامعة باريس لقب العالم الرياضي غادرها إلى بولونيا وطليطلة حيث أتقن العربية والعبرية وانكب على تصنيف أول مؤلف نفيس له هو خلاصة الفلسفة لابن سينا فأتمه عام ١٢١٠، وترجم تاريخ الحيوان لأرسطو من العربية، في عشرة أجزاء، وكتاب السماء والعالم لأرسطو بشرح ابن رشد، وكتاب الهيئة للبطر وجي (١٢١٧) ثم أغراه الإمبراطور فردريك الثاني بالذهاب إلى صقلية واقامه منجماً في بلاطه ومشرفاً
على مكتب الترجمة (١٢٢٠ - ١٢٣٦) فنقل مختصر كتاب الحيوان لابن سينا وأهداه إلى الإمبراطور وبعض كتب أرسطو وشروح ابن سينا عليها بمعاونة أندريا الباجو. وفي سنة ١٢٣٠، تقدم إلى جامعة أكسفورد بترجمة مؤلفات أرسطو. ثم صنف عدة كتب نفيسة، وأتم ترجمات لشروح ابن رشد على ما كتبه أرسطو عن السماء والعالم والنفس، (مجموعة كتب أرسطو، بادوي ١٤٧٢) فذاعت فلسفة ابن رشد في أوربا، ونال سكوت منها ومن تأليفه في
стр. 123
العلوم الخفية: كأسس علم التنجيم، والمدخل إلى علم التنجيم، والأنواع، ريبة، إلا أن مهارته جعلته فوقها، وعلى حسن الصلة بفردريك الثاني والباباوات، ولو أن داني جعل النار مثواه.
آثاره: كتاب علم النفس (١٤٧٧، ثم عرف بعنوان سر الأسرار) والمسألة الدقيقة عن طبيعة الشمس والقمر في علم السيمياء. ورواية ابن سينا لكتاب أرسطو في علم الحيوان (١٤٩٢) وكتاب في التنجيم، وآخر في العلاقة بين الصفات الخلقية والصفات الجسمانية، وكتابان في الكيميا، وذكر ثماني وعشرين طريقة للتنبؤ بالغيب. وقد ترجمت جميعها إلى عدة لغات، هذا ما عدا دراسات خطية لما تطبع.
ليوناردو فيبوناتشي (١١٧٠ - ١٢٤١) Leonardo Fibonacci
من بيزا، عاش مع والده، وكان مديراً لإحدى المؤسسات التجارية في الجزائر، حيث تعلم العربية على أستاذ مسلم، ثم طوف في مصر ولبنان وسوريا واليونان وصقلية، فاتقن رياضيات أرشميدس، وأقليدس، وهيرون، وديوفانتوس، وصنف كتاب العدد (١٢٠٢) وهو أول عرض مستوفي للأرقام الهندية، وللصفر، والطريقة العشرية يقوم به مؤلف أوربي. ثم كتابة في الهندسة التطبيقية (١٢٢٠) مستخدماً لأول مرة في أوربا الحبر في حل النظريات الهندسية، ثم صنف رسالتين (١٢٢٥) لفردريك الثاني لحل معادلات الدرجة الأولى والثانية (وقد أصدر الأمير بونكومباني طبعة كاملة لمصنفات فيبوناتشي، رومة ١٨٥٧ - ٦٢).
توماس هيبرنيكوس (المتوفى في عام ١٢٦٩) Hibernicus Thomas ,
إرلندي درس في باريس وسافر إلى جنوب إيطاليا حيث تعلم العربية والعبرية وعلمها في مدارس الرهبان.
توما الأكويني (١٢٢٥ - ١٢٧٤) Thomas d'Aguin
ولد في قصر روكاسيكا بمدينة أكويني، من أسرة ألمانية شريفة وتعلم في دير موتي كاسينو للرهبان البندكتيين (١٢٣٠) حتى احتله فردريك الثاني وطرد
стр. 124
رهبانه (١٢٣٩) وأعاد توما إلى قصر أبيه فالتحق بجامعة نابولي - وكان طلابها مقبلين على ترجمات ميخائيل سكوت باللاتينية لفلسفة ابن رشد وترجماتها بالعبرية ليعقوب الأناضولى، وعلى شروح بطرس الإيرلندي المتعصب لأرسطو، فتموج عقولهم بالمؤثرات اليونانية والعربية والعبرية - وتعرف توما إلى الرهبان الدومينيكيين (١٢٤٤) وقرر الانخراط في سلكهم لانصرافهم إلى العلم والتعليم العالي في أشهر العواصم، فخيب بقراره آمال أسرته في رياسة دير مونتي كاسينو فسجنته في القصر سنة كاملة. ولما أطلقت سراحه، أرسله رؤساؤه إلى باريس (١٢٤٥) في طلب العلم فأخذه على البر الكبير. وأعجب الأستاذ بتلميذه فصحبه إلى دير كلوني وسهر على تعليمه، ثم صرفه إلى جامعة باريس للتدريس فباشره فيها بتفسير الكتاب (١٢٥٢ - ٥٤) وشروح عن آراء المعلم اللومباردي أسقف باريس (١١٥٩) وصاحب كتاب جوامع الكلم الذي اتخذته الجامعة نموذجاً لحل المسائل الفقهية والفلسفية (١٢٥٤ - ٥٦) فأجمع طلابه وزملاؤه - على الرغم مما كان بينه وبين الآخرين من خلاف ولاسيما الرهبان الفرنسيسكانيين الذين كانوا يسلكون إلى معرفة الله طريق الصوفية فصدمتهم فلسفته العقلية - على الإعجاب به حتى إن المحاضرات كانت تتوقف في الجامعة لإقبال أساتذتها وطلابها على محاضراته. وقد أحرز لقب أستاذ في اللاهوت (١٢٥٦).
واستدعى إلى رومة (١٢٥٩) وتولى إلقاء المحاضرات في مدرسة البلاط البابوي زهاء عشر سنين، واجتمع بأستاذه البر الكبير، وهو في ذروة من النضج، وبوليم دي مربيكا، كبير المترجمين عن اليونانية؛ فطفق وليم يترجم أرسطو وتوما يفسره على ضوء ترجماته وشروحه المنقولة من العربية، ثم بدأ بتصنيف أشهر مصنفاته.
ولا تفشت الرشدية في باريس، وكانت مشبوهة في نظر الكنيسة استدعي ألبر الكبير لمناهضتها، فاعتذر بصحته وأوفد عنه توما فراح يناضل أبناء الكنيسة وقد انقسموا إلى فريقين، على جبهتين: فيدافع عن أرسطو لا حباً به بل خشية من ابن رشد ويصد في الوقت نفسه هجمات زملائه الرهبان الذين لا يأخذون بالعقل حتى انتصر على الرشدية انتصاراً أدى إلى تحريمها (١٢٧٠ ثم تكرر حرمانها
стр. 125
مراراً) فعكف على التأليف، ثم استدعاه دوق أنجو (١٢٧٢) لتنظيم جامعة نابولى ولكنه ما لبث أن انقطع عن التدريس (١٢٧٣) وفيما كان قاصداً ليون لحضور مجمعها وافاه أجله (١٢٧٤) وقد عدت الكنيسة ٢١٩ قضية من قضاياه الفلسفية خروجا على الدين (١٢٧٧) ثم أعلنت قداسته (١٣٢٣) فأضحى أكبر فلاسفتها وما زالت فلسفته أساس الدراسات اللاهوتية الكاثوليكية حتى اليوم.
آثاره: خلاصة المذهب الكاثوليكي ضد الوثنيين، في أربعة مجلدات (١٢٦٧ - ٧٣) وتفاسير لما بعد الطبيعة، ووحدة العقل، وأزلية العالم، ومجموعة الردود على الخوارج. وقد طبع من مصنفاته عشرة آلاف صفحة من القطع الكبير اعترف فيها صراحة باقتباسه عن ابن سينا، والغزالى، وابن رشد، وإسحق الإسرائيلي، وابن جبيرول، وابن ميمون - ونقل بعضها إلى العربية اللبنانيون: يوحنا فهد، والمطران نعمة الله أبو كرم، والمطران بولس عواد ناقل الخلاصة اللاهوتية (بيروت ١٨٨٧ - ١٩٠٨).
بونا فنتورا (١٢٢١ - ١٢٧٤) Bonaventura
ولد في بانياريا من أعمال توسكانا. وانخرط في سلك الرهبنة الفرنسسيكانية، وأصبح رئيساً عاماً لها ثم كردينالا، ومندوباً للبابا في مجمع ليون، وقد قرأ الترجمات العربية للفلسفة وصنف فيها كتباً نفيسة عد بها من كبار الفلاسفة وأئمة الكنيسة.
البر الكبير (١٢٠٦ - ١٢٨٠) Albert le Grand
من أسرة ألمانية شريفة. دومينيكي الرهبانية، تلقي العلم في جامعة بادوي، ودير كلوني، وستراسبورج، وباريس حيث تخرج من جامعتها، وطار له صيت بتدريس الفلسفة واللاهوت فيها وعد كبير الأساتذة الدومينيكيين، وعليه أخذ توما الاكويني - وقد قيل لولا ألبرلما وجد توما - فاستدعاه رئيس أساقفة ألمانيا وسامه أسقفاً على ريجنز برج (١٢٦٠) ثم ترك منصبه ليتوفر على دراسة كنوز الثقافة الوثنية والعربية واليهودية والمسيحية فأدهش معاصريه بسعة علمه ولقبوه دكتوراً عاماً. ثم سافر في بحر الشمال، وزار مختبرات التجارب، وكتب عنها وصنف
стр. 126
كتاباً ضخماً في حيوان ألمانيا، وسبعة كتب في الخضر والنبات، فعد أعظم علماء التاريخ الطبيعي في عصره. أما في الفلسفة فقد اقتبس عن الفارابي، وابن سينا، والغزالى، واستعان بشروح ابن رشد (١) بالرغم من نقده إياه وابن ميمون. وألف كتاباً كبيراً طبع بعنوان: تفاصيل في الفلسفة وقضايا فلسفية ولاهوتية (١٤٧٣، ثم توالى طبعه في القرن السادس عشر).
رايموندو مارتيني (١٢٣٠ - ١٢٨٤) R.Martini
من الرهبانية الدومينيكية. وفي طليعة العشرين راهباً الذين اتقنوا العربية منهم، وعلمها في تونس وكان يحسن العبرية والكلدانية واليونانية. وقد تبحر في القرآن، وحفظ صحيحي مسلم والبخاري.
آثاره: خنجر الإيمان، وهو كتاب في الرد على المسلمين واليهود، اعتمد فيه على حجج الغزالي وغيره ممن تصدوا لمجادلة المشائيين، وقد شاع أصله العربي وترجمته اللاتينية، وظل طوال قرون نموذجاً رفيعاً للجدل الديني بين فقهاء المسيحية والإسلام واليهودية (باريس ١٦٥١).
جوفروا (اشتهر عام ١٢٩٠) Jofroi
إرلندي ترجم من اللاتينية واليونانية والعربية إلى الفرنسية ترجمته النص السر الأسرار المنسوب إلى أرسطو باللاتينية.
روجر بيكون (١٢١٤ - ١٢٩٤) Roger Bacon
إنجليزي تلقي العلم في أكسفورد، وباريس (١٢٤٠) حيث نال الدكتوراه في اللاهوت. ودرس الطب ولا شرع يكتب رسالة فيه اضطر إلى السفر إلى إيطاليا بحثاً عن مظانه في المصنفات العربية، وتعلما لليونانية، ثم عاد إلى أكسفورد (١٢٥١) فعلم فيها، وأنفق ألفي جنيه على اقتناء الكتب والآلات، واستأجر
стр. 127
اليهود ليعلموه وطلابه العبرية ويعاونوه على قراءة التوراة بنصها، ثم انضم إلى الرهبانية الفرنسيسكانية (١٢٥٥) ولكنه فصل من التدريس لتعرضه للرهبان وسجن حتى أنقذه صديقه البابا إكليمنضس الرابع. ودعا بيكون إلى تشجيع تدريس اللغات الشرقية في جامعات أوربا لأغراض علمية صرف، فلبى دعوته رؤساء أكفسورد الفرنسيسكانيون: روبرت جروستيست، وتوماس أوف ويلز، وآدم أوف مارش. ووعده بتحقيق أمنيته البابا اكليمنضس الرابع - الذي كتب إلى بيكون في إرسال نسخة من مصنفاته سراً وعاجلاً، فأجمل موسوعته في الكتاب الأكبر ثم الأصغر وأرفقها بدراسة في تضاعف الرؤية وخلاصة لآرائه هي الكتاب الرابع، فبلغت البابا بعد وفاته (١٢٦٨) - وأولع بعلوم الرياضيات والفلك والكيميا، وأكب على كتب بطليموس وابن الهيثم والرازي، فإذا نتيجة دراسته اختراع المجهر، ومادة تشتعل في الماء، ونوع من البارود، وتنبؤه بالطيران، ووضع قاعدة لصنع المتفجرات، فلقب بدكتور المعجزات وسجن مرة أخرى. وقد اعتمد في فلسفته على ابن سينا، الذي وصفه بأنه عميد الفلسفة بعد أرسطو، وعلى ابن جبيرول، وإسحق الإسرائيلي، وغيرهم. وأحدث في تفسير اللاهوت بدعاً سجن بها (١٢٧٧) ولكنه عد من كبار الفلاسفة.
آثاره: صنف رسائل في النحو، والمنطق، والرياضيات، والهيئة، والموسيقى، والبصريات، والتنجيم، والكيميا، والطب، والعلوم التجريبية والزراعة، وغيرها. من أشهرها: رسائل في العدسات المحرقة، وفي طاقة الاختراع والطبيعة العجيبة، وفي تقدير الحادثات الطبيعية (١٢٥٧ - ١٢٦٦) والكتاب الأكبر، في أربعة مجلدات، وما زال الإقبال عليه شديداً حتى اليوم، ومختصراه (١٢٦٨) وموجز الدراسات الفلسفية (١٢٧١) وموجز الدراسات اللاهوتية (١٢٩٠) كما ترجم عن العربية كتاب مرآة الكيميا (نورمبرج ١٥٢١) وسر الأسرار (وقد نشر الترجمة ستيل، في أكسفورد ١٩٢٠) وانتقد ترجمة ساراشل كتاب النبات لأرسطو. وللأب بويج اليسوعي دراسة بعنوان: هل قرأ بيكون كتب العرب؟ (محفوظات التاريخ العقائدي والأدبي ١٩٣٠).
стр. 128
ألفرد دي ساراشل (أوائل القرن الثالث عشر) Alfred de Sarashel
آثاره: ترجم رسائل كثيرة في الكيميا، وكتاب النبات المنحول لأرسطو (الذي نقله حنين بن إسحق، ونقحه ثابت بن قره) والشفاء لابن سينا (١٢٠٠) كما صنف عدة كتب ظهر فيها التأثير العربي واضحاً جلياً.
ارنولد الفيلانوفي (١٢٣٥ - ١٣٩١) A.Villeneuve
ولد في ضواحي بلنسية، وتعلم اللغات العربية والعبرية واليونانية. وتخرج بالطب من جامعة نابولي، وعلمه في باريس ومونبلييه وبرشلونة ورومة. ثم عين طبيباً الملك أراغون، ولطالما حذره بقوله: إن لم تحم الفقراء من الأغنياء فسوف يلقي بك في الجحيم، فلم يغضب الملك عليه وإنما كان يسفره في كثير من البعثات. وأنذر البابا بونيفاس بخراب الكنيسة إن لم تصلح أحوالها، ولا شفاه أهداه قصراً في أنياني، ورمي بالسحر والإلحاد فطاردته محكمة التفتيش ولكن الباباوات والملوك دافعوا عنه وحموه منها حتى غرق في سفاره من قبل ملك أراغون إلى البابا اكليمنضس الخامس.
صنف أرنولد كتباً وفيرة في الطب، والكيميا، والتنجيم، والسحر، واللاهوت، وعصر النبيذ، وتفسير الأحلام متأثراً بالعربية، وترجم كتاب الأسرار في الكيميا للرازي. وثلاثة كتب لجالينوس، وخمسة للكندي في معرفة قوى الأدوية المركبة، ورسائل قسطا بن لوقا، وابن سينا، وأبي العلاء زهر وكتاب الصيدلة لأبي الصلت الداني.
رايموندو لوليو (١٢٣٥ - ١٣١٤) R.Lalio
من أغرب شخصيات العصر الوسيط المتعددى المواهب، فهو شاعر وقصصي ورياضي ومعلم ومبشر ومتصوف ورحالة. ولد في بالما من جزيرة ميورقة وقضى في تعلم العربية وحفظ القرن - على عبد أسود - والقطلونية تسع سنوات (١٢٦٦ - ١٢٧٥) ثم قصد باريس وانضم إلى الرهبانية الفرنسيسكانية. وأقنع ملك أراغون (١٢٧٦) بإنشاء مدرسة لها في ميرامار لتدريس العربية، وأشرف بنفسه عليها
стр. 129
فتخرج منها بالعربية أكثر من ١٣ راهباً، ولكنها نجحت بصعوبة مدة ٣٥ سنة. وقد مهد بها إلى إنشاء معهد الدراسات الإسلامية في مدريد ومراكز الثقافة الإسبانية في الشرق. وصنف في أثناء ذلك كتب جدل كثيرة في الرد على المسلمين واليهود. وعلم في أديار مختلفة، ثم أخذ بالصوفية فأبحر إلى تونس (١٢٩١) حيث عرف بالصوفي النصراني، وطفق يطوف فيها فقيراً واعظاً فاعتقل وسجن ثم طرد. وبلغ نابولي (١٢٩٣) وبذل قصارى جهده (١٢٩٤ - ١٣٠٠) لإثارة اهتمام الكنيسة والملوك بتعليم اللغات الشرقية في جامعات أوربا، فأخفق إخفاقه في قبرص (١٣٠٠) وليون (١٣٠٥) فحول وجهه شطر بوجى من أعمال الجزائر (١٣٠٦) مبشراً فلم يكن فيها أوفر حظاً منه في تونس فسجن ستة أشهر ثم طرد، وفي عودته استقر بساحل بيزا (كانون الثاني - يناير ١٣٠٧) وحارب فلسفة ابن رشد في باريس (١٣٠٩ - ١٣١١) وحضر مؤتمرفيينا (١٣١١ - ١٣١٢) حيث شاهد مساعيه تكلل بالنجاح إذ أقر البابا أكليمنضس الخامس إنشاء كراسي للعبرية والعربية والكلدانية في أربع الجامعات الرئيسية بأوربا وهي: باريس، وأكسفورد، وبولونيا، وصلمنكه، ثم في جامعة خامسة بالبلاط البابوي. مع تنصيب أستاذين لكل من هذه اللغات الثلاث في كل كرسي، وتكليفهم بترجمة نصوص عبرية وعربية وكلدانية للرد على منتقدي الدين. وقد ظل هذا القرار أصلاً من أصول القانون الكنسي أكثر من خمسمائة عام. ورجع رايموندو لوليو إلى شمالي أفريقيا وقتل فيها (١٣١٤) وقد عرف لوليو من المتصوفين المسلمين: ابن سبعين، وابن هود، والششتري، وابن مدين، وعفيف التلمساني، وشغف بابن عربي، وتأثر بهم في ابتداع مذهب الإشراق، تأثره بكليلة ودمنة في مصنفه: الكتاب السعيد في عجائب الدنيا. أما من حيث الفلسفة فقد أخذ بالأفلاطونية الحديثة ولكنه تميز عنها بطابعه الخاص وبمعارضته للرشدية. كما أفاد من ترجمة أرنولد الفيلانوف كتاب سر الأسرار للرازي، واشتهر بفنه الذي عرفته أوربا بالفن اللولوى الكبير واقتبس منه، بعد ثلاثة قرون، أثنائيوس كيرخر، وأعجب به الفيلسوف الألماني ليبنش.
آثاره: منوعة وفيرة أربت على المئات، أشهرها: تأملات في الله، وهي
стр. 130
موسوعة في علوم الدين كتب القسم الأكبر منها بالعربية ثم نقلها وأتمها بالقطلونية (١٢٧٢) وحرب الفروسية (١٢٧٤) وعقائد الشباب (١٢٧٤) والحكماء الثلاثة، وفيه يعرض يهودي ومسيحي ومسلم فضائل الدين الذي يعتنقه (ميورقه ١٢٧٥) والصديق والمحبوب، كتبه على الطريقة الصوفية (شمالي أفريقيا ١٢٨٣) والترترى والنصراني، وبلا نكرنا، وهي رواية دينية طواها على قصص رحلاته في بلاد الإسلام حتى السودان، وقد عدت من روائع الأدب في العصر الوسيط (مونبلييه ١٢٨٣) والكتاب السعيد في عجائب الدنيا وهو قصة خيالية تشتمل على قسم خاص بالحيوان (١٢٨٦) وكتاب الفن الكبير (باريس ١٢٨٩) والفن هو حقيقة مبتدعة، وقد نقل إلى العربية (١٢٩١) وشجرة العلم (١٢٩٦) والأراضي المقدسة (١٣٠٩) والردود على ابن رشد، وكان يوقعها بتوقيع واهم (١٣٠٩ - ١٣١١) والتعاون بين النصارى والمسلمين (ميورقة ١٣١٢) وصنف بالعربية: الكندي في التأليف، ومناظرات بين رايموندو المسيحي وعمر العربي في بوجي ثم ترجمة إلى اللاتينية، عام ١٣٠٨، ونشر في مائي صفحة (بلنسية ١٥١٠).
وقد نشر مجموعة مؤلفاته سلسينجر في عشرة مجلدات (ماينس ١٧٣١ - ١٧٤٢) وكان زنستر قد طبع مجموعة مؤلفاته للفن الكبير مزدانة بالرسوم (١٥٩٨ وأعيد طبعها ١٧٠٩ - ١٧١٩) ثم صنف عنه: هللفريخ (برلين ١٨٥٨) وكنجر (مونستر ١٩٠٩) وبر وبست (تولوز ١٩١٤) وريبيرا في كتاب مباحث ورسائل (مدريد ١٩٢٨) والأب أوجين قمر الفرنسيسكاني (الدراسات الأولوية، ميورقة ١٩٥٧، والقاهرة ١٩٦١).
تورميدا (١٣٥٢ - ١٤٣٢) A.Turmeda
ولد في ميورقه، وتلقى علومه في إيطاليا، وانضم إلى الرهبنة الفرنسيسكانية، ورحل إلى تونس حيث أسلم على يد السلطان أحمد ابن أبي بكر الحفصي وتسمى بعبد الله بن على. واشتغل ترجماناً ثم ولاه السلاطين المكوس. ولا يزال قبره داخل باب المنارة.
стр. 131
آثاره: تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب، معتمداً فيه على آراء ابن حزم (١٤٢٠، وقد رد عليه أسين بلاثيوس) والتعاليم الصالحة، وضعه بالقطلونية، ورباعيات مملكة ميورقه، وكتاب التبوات، ومجادلة الحمار (١٩١٧) مستنداً فيه إلى رسائل إخوان الصفا، كتبه بالقطلونية، ثم ترجم أربع مرات إلى الفرنسية، ومرة إلى الألمانية، ونشر في المجلة الإسبانية (مجلد ٢٤، عام ١٩١١).
الأسقف جويستنياني (المولود عام ١٤٧٠). Guistiniani, Aug
في جنوى، من أسرة نبيلة أحسنت تربيته. ولما بلغ الرابعة عشرة قرر الانضمام إلى رهبانية الإخوة المبشرين فصرفته أسرته عنها برحلة إلى بلنسيه حيث تعلم اللغة العربية. وبعد عودته انخرط في سلك الرهبانية الدومينيكية (١٤٨٨) وتابع دراسة اللغات الشرقية. ثم درس في معاهد رهبانيته، واتصل بأعلام عصره من المستشرقين أمثال: أراسموس، والسير توماس مور. وأنفق ثروته على جمع المخطوطات العربية والعبرية والكلدانية حتى إذا رقاه البابا ليون العاشر إلى أسقفية نبيو Nebbio (آب - أغسطس ١٥١٦) أهداه كتاب المزامير بخمس لغات هي: العربية والكلدانية واليونانية واللاتينية والعبرية، وضمنه حواشي وشروحاً وفيرة (فانو ١٥١٦) وصحح ترجمة دليل الحائرين لموسي بن ميمون (باريس ١٥٢٠).
ليون الأفريقي (١٤٩٤ - ١٥٥٢) Loo Africanus
هو الحسن بن محمد الوزارن الفاسي. ولد في فاس، وقيل في غرناطة، وقام برحلات طويلة في أقطار الإسلام حتى غرب أفريقيا، ودون مشاهداته في كتاب نفيس أنشأ فصوله في رومة، وقد اتخذها مقراً له بعد وقوعه في أسر قراصنة البحر المسيحيين (١٥٢٠) وتسمى بجيوفاني ليوني نسبة إلى البابا ليون العاشر الذي أظله بحمايته ولكنه اشتهر بليون الأفريقي، ثم رجع إلى تونس (١٥٥٠) وتوفي في حمى دينه.
آثاره: المعجم العربي العبرى اللاتيني (ما زال مخطوطاً في مكتبة الإسكوريال تحت رقم ٥٩٨) وكتاب وصف أفريقيا (١٥٢٦) بدأه بالعربية ثم أتمه
стр. 132
بالإيطالية، وظل مدة المرجع الوحيد لدراسة السودان (البندقية ١٥٥٠ والطبعة التاسعة ١٨٣٧ وترجمة فرنسية في أنفر، ١٥٥٦ و ٩٩ و ١٩٣٢، وترجمة جديدة في ليون ١٥٦٦، ثم ترجمة إلى الفرنسية جان فامبورال، باريس ١٨٣٠، وشيفر ١٨٩٦، وترجمه بوري إلى الإنجليزية، لندن ١٦٠٠، ثم ترجمه براون، في ثلاثة أجزاء، بشروح ضافية، لندن ١٨٩٦، وترجمه لورسباخ عن الإيطالية إلى الألمانية هربون ١٨٠٥) ولماسينيون كتاب المغرب في السنوات الأولى من القرن السادس عشر، نقلاً عن ليون الأفريقي (الجزائر ١٩٠٦) ورسالة في القياس المسطح (نشرتها انجيلا كوداتزي في تكريم، دلافيدا ١٩٥٦) وكتاب في التراجم (١٥٢٧ ثم نشر في مجموعة هوتنجر، في زيوريخ ١٦٦٤).
٧ - من الحملات الصليبية:
وبين حرب وسلم تزوج الصليبيون من بنات نصارى المشرق لقلة النساء فيهم، وعقدوا مع المسلمين اتفاقات لحماية الصيادين وتأمين التجار والمسافرين. وآثروا الأطباء المسلمين، وائتمنوا صناعاً وفلاحين منهم على أعمالهم، وصلوا في مزاراتهم، واستغاثوا بهم في خصوماتهم الخاصة كما كان المسلمون يستنجدون بالصليبيين على إخوانهم في نزاعهم معهم.
وتزى الصليبيون بأزياء المسلمين من عمامة وقفطان، وشادوا بيوتهم على غرارهم، وأكلوا التوابل والسكر مثلهم، واتخذوا البواشق والخيول وكلاب الصيد لقنصهم، ونقلوا عنهم: اصطناع النشابه المصلية، وتقلد الدروع والحبة العسكرية، وشارات. الفرسان والأوسمة، والطنبور في الموسيقى العسكرية، والحمام الزاجل لنقل أخبارهم، وإشعال النار احتفالاً بالظفر، وحفلات السيف ورمي الجريد. وأضافوا، في المعمار، الطراز الشامي البيزنطي إلى النمط القوطي، أي الشرقي المحور في بناء أديارهم وكنائسهم وقصورهم وفنادقهم وحماماتهم وأثرها بالرياش الشرقي.
وجلب الصليبيون معهم، ولاسيما من إيطاليا ونورمانديا، هندسة البناء الحربي، وما زالت حصونهم قائمة حتى اليوم، ومن أشهرها: حصن الأكراد، والمرقب، وشقيف أرنون، وأقسام من كنيسة القيامة، وكنيسة القديس يوحنا في بيروت
стр. 133
(١١١٠)، وبرجان على باب يافا رفعهما المهندس الذي بني كنيسة سيدة باريس بنيت على مراحل من ١١٦٣ إلى ١٢٣٠ - في حملة الملك لويس التاسع. وخلف الصليبيون ضرباً من نظام الإقطاع، وأنواعاً من السلاح والذخيرة والسفن وفنون الملاحة، وأسماء القرى كسنجل والرينة في فلسطين، وبعض الأديار والشعائر الدينية المسيحية، وألقاب أسرهم التي حورت على أيام أحفادهم، ومنها: البرنس نسبة إلى أمراء تولوز، ودريان إلى الكونت دي ريان، وصوايا إلى الكونت سافوى (١)، وفرنجيه، وصليبي، والدويهي، وبردويل.
ولا أجلى الصليبيون عن الشرق حملوا معهم إلى أوربا: طرازاً جديداً من النواعير، اقتبسه الألمان عن نهر العاصي، والزنجبيل، وقصب السكر، والتوت، والحلى، والمساحيق، والأصباغ فعرفت بأسمائها العربية: آزير - أزرق. وللاك - ليلكي، وسافران - زعفران. والأنسجة: دمشقي، وموصلي، وغزي، وغيرها. ثم أتقنوا صناعتها فغزوا بها العالم. وسار بعض الزهاد (١١٥٠) على سنة القديس باسيل وانتشروا في فلسطين فلما سقطت في أيدي المسلمين هاجروا إلى قبرص وصقلية وفرنسا وإنجلترا، ثم صدق البابا إينوسنت الثالث على قانونهم فعرفوا بالثالوثيين، وكلفوا بافتداء المسيحيين الذين وقعوا في أيدي المسلمين. وكان هيلاري أسقف بواتييه (المتوفى ٣٦٧) قد اقتبس من منفاه بلبنان بعض الترانيم الهليستينية، ونقلها إلى اللاتينية فتأثرت من بعده بالشعر العربي والبروفنسي، وأخذ الرهبان في الحملات الصليبية عن النصارى الشرقيين عبادة العذراء، وصلاة السبحة، وشعيرة طريق الصليب. وكانت اللاتينية لغة رجال الدين والفرنسية لغة الأشراف، والإيطالية لغة البحارة والتجار، والسريانية لغة أهل الجبال.، والعربية لغة التخاطب اليومية. فحمل الصليبيون معهم الكتاب الملكي في الطب لعلي بن عباس، الذي نقله إسطفان الأنطاكي وهو من بيزا (١١٢٧) ترجمة أصدق من ترجمة قسطنطين الأفريقي، وأضاف إليه كشافة يونانياً عربياً لاتينيناً للمصطلحات التي استعملها ديوسقوريدس (البندقية ١٩٩٢ وليون ١٠٢٣) وقصة كأس العشاء السرى، وكليلة ودمنة. وتأثر شوسر بألف ليلة وليلة. وبوكاتشيو بالحكايات
стр. 134
الشرقية في كتابه ديكامرون، وعثر فيليب الطرابلسي في أنطاكية (١٢٤٧) على مخطوط سر الأسرار بالعربية المنسوب خطأ إلى أرسطو، فترجمه باللاتينية فأضحى أكثر المنقولات تداولاً في العصر الوسيط. وكان في ذلك العهد ٤٤٦ شاعراً منهم أربعة ملوك: رتشارد الأول، وفردريك الثاني، وألفونسو الثاني، وبدرو الثالث. فاصطحب بعضهم الشعراء في حملاتهم؛ كبيار فيدال (١١٦٧ - ١٢١٥) ولم يفتخروا جميعاً بها، بل خرج منهم من أشاد بنجاح حملة فردريك المحروم، وإخفاق حملة لويس القديس، وهجا غيرهم رجال الدين وسخروا من الجحيم، وسما ولتر، في نشيد الصليبيين، فوق القتال، فقال فيه: لكل الناس أم واحدة، والنصارى واليهود والمسلمون يعبدون الله، والله يبسط رعايته على خلقه جميعاً. وكان صلاح الدين الأيوبي بطل تلك الحملات، فأرخ ابن العماد الأصفهاني لفتحه القدس، ودون سيرته بهاء الدين بن شداد - نشرها شولتنس متناً وترجمة لاتينية (ليدن ١٧٣٥)، وأخذ عنها رينو في كتابه مختصر ما كتبه مؤرخو العرب عن حروب الصليبيين (باريس ١٨٢٩) - ونشأت بين فرسان الفرنجة والفارس أسامة بن منقذ (١٠٩٥ - ١١٨٨) صلات ود وشارك في الحروب عليهم فوجد وأنهم بهائم فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لا غير (١)». في حين نقل الصليبيون إلى أوربا: أن المسلمين قوم متحضرون كرماء، أمناء. واعترف خصوم صلاح الدين له بالشهامة والنبل، فصنف غليوم الصوري (١١٣٠ - ١١٩٠) وهو فرنسي الأصل ولد في فلسطين، وعين مستشاراً لبودوين الرابع ثم أصبح كبير أساقفة صور، وكان يتقن الفرنسية واللاتينية والعربية، صنف في الحملات الصليبية الأولى تاريخاً بعنوان: حوادث ما وراء البحار (١١٨٤) ما زال مرجعاً ذكر فيه الحضارة الإسلامية ذكراً ملؤه الإجلال والإعجاب. وأملى جوفر وادي فيلهاردوين (١١٥٠ - ١٢١٨) من نبلاء فرنسا المقاتلين كتابه فتح القسطنطينية (١٢٠٧) وصنف بيار ديبوا كتاباً في استرجاع الأراضي المقدسة (١٣٠٦) ودون سيرة لويس التاسع ملك فرنسا جان سير دي جوا نفيل قيم القصر في شمبانيا وملازمه في حملته الصليبية (١٣٠٩) وأطنب في ذكر صلاح الدين: ولترسكوت
стр. 135
في قصة الطلسم، ولسنج في ناثان درفيزه وغيرهما كثر. وقد نشر دي مالان ودى مينار مجموعة مؤرخي الصليبية متناً وترجمة فرنسية، في ستة عشر مجلداً، اشتملت على نصوص من مؤرخي اللاتين واليونان والأرمن، ومن العرب على ما كتبه عنها: أبو الفداء، وابن الأثير، والعيني، وابن شداد، وابن الجوزي، وابن العديم، وأبي شامة (باريس ١٨٧٠ - ١٨٩٤) ثم صدرت لها تتمه من حجم أصغر بعنوان: وثائق خاصة بتاريخ الصليبيين.
٨ - من الرحلات:
رسم بعض الرحالين والتجار الغربيين للشرق في أذهان قرائهم صورة غامضة غريبة أو ناقصة مشوهة. وفي طليعتهم ماركو بولو، الذي قضى في الشرقين الأدنى والأقصى عشرين سنة، ودون رحلته في جزءين (انفر ١٩٨٥) حشاهما بغرائب الثراء والأخلاق والأديان. ثم صححها الراهب أوديريك البوردينوني، بعد عودته من الهند والصين (١٣٢١) عن طريق التيبت وفارس، برحلة ممتعة. ويليها كتاب الكنوز وهو رحلة شاباي وفيها ضلالات وفيرة ليس أقلها قوله إن الشرقيين ثمانية أنامل ورأسين. إلا أن ترهات هؤلاء وغيرهم لم تحل بين الغرب ورحيل المنصفين منه إلى الشرق. فزار فورير مصر، وأحسن وصف بعض معالمها في كتابه الدليل (١٥٦٥) وطوف رودزيفيل بسوريا ولبنان وفلسطين ومصر، وفصل الكثير من عادات أهلها وأخلاقهم وأحوال بلادهم. واعترف لهم شاردن بأنهم شعب لطيف الأحدوثة، خفيف الظل، نابه مضياف (باريس ١٦٨٦) ورأى دى لافال فيهم قوماً روحيين، قنوعين، صوفيين يؤثرون الحياة الأخرى على الحياة الدنيا. ولكن دي بروسلوس اتهمهم بأنهم واليهود سواء، لا عهد تجاري لهم ولا ذمام فيهم، فهم مراءون، متقلبون، انتهازيون، يخفون جميع ذلك تحت برقع من السذاجة المصطنعة والكلم المعسول (١). على أن المثقفين لم يأخذوا بتلك الأباطيل فردوها وحذروا منها، فنعي فولتير على أولئك الرحالين والتجار اتخاذهم من شاذ قانوناً وقياساً (٢). وحقق لوفا وصف بعض معالم مصر في رحلته (لاهاي
стр. 136
١٧٠٥) وتوافد على لبنان: لاكوبان، ودي روزال، ودرفو، ودي نوانتيل، ورجع برنار روجيه سبتيه بفسيلة من أرزه (١٧٣٧) غرسها في حديقة النبات بباريس وما زالت حتى اليوم، وأطلق فولناى على رحلته: ثلاثة أعوام في مصر وبر الشام (١٧٨٣) وجون كارن: رحلة إلى لبنان في القرن التاسع عشر، وروبنصون: يوميات في لبنان: تاريخ وجغرافيا. وهنري جيز: بيروت ولبنان منذ قرن ونصف قرن. ولويس لورته: مشاهدات في لبنان. ورحل شاتوبريان إلى القدس وخلدها في كتابه: عبقرية المسيحية (١٨٠٢) ولا مارتين إلى لبنان (١٨٣٢ - ٣٣) واستعان في وصفه في أثناء رحلته إلى الشرق، في مجلدين، (الطبعة الثانية، ١٨٣٨) بفتح الله الصائغ والمستشرقين. ودي نرفال (١٨٥١) ورحلته أصدق وصف لحياة الشرق وأكثرها إنصافاً ولاسيما لمصر - قد وصف فيها الزواج القبطى، والحريم، وليالي رمضان، والمحافل وغيرها - (الطبعة الثانية في جزوين ١٩٢٩). ونزل رينان بدير الآباء اليسوعيين في غزير بلبنان حيث صنف كتابه: حياة يسوع. ثم تتابع الرحالون الكتاب من أمثال: بارس، وبوردو، وتارو، وبنوا، ولوتي، وليكونت، وديهامل وغيرهم فخلدوا الشرق العربي مصنفات نفيسة.
٩ - من السفارات:
كانت دول الشرق تسفر إلى أوربا وتستقبل سفراء ها (١)، إلا أن السفارات لم ينتظم أمرها وتعم دوله إلا بعد أن قويت شوكة الدولة العثمانية وبعثت فرنسا إليها أول سفير فوق العادة؛ فأبرم معاهدة الامتيازات الأجنبية مع السلطان سليمان القانوني (١٥٣٥) وتشبهت بعض الدول الكبرى بها ثم تعددت سفاراتها إلى غيرها من بلدان الشرق. وطفقت صحف فرنسا تذيع أخبار سفرائها لدى الباب العالي وأسرار قصوره ومغامرات حسانه، فأغرت برحلات جديدة إلى الشرق أنصفته مما اتهمته
стр. 137
به بعض الرحلات التي تقدمتها.
أما السفراء وملحقوهم الذين تخرجوا من مدارس اللغات الشرقية وبعثوا إلى الشرق وأقاموا فيه، فقد حققوا ما كتبوه في مواضعه وعاونوا على جمع مخطوطاته وتعليم لغاته وإنشاء المطابع لنشر مصنفاته فكانوا نواة طيبة للاستشراق العلماني. واقتبس بعضهم بطول إقامتهم بين الشرقيين بعض عاداتهم فدخنوا الأفيون والنارجيلة وشربوا القهوة (١). واعتنق غيرهم الإسلام وبلغ الوزارة ونال رفيع الألقاب كبوتفال باشا وغيره كثير. ومنهم من عاب على قومه نظرتهم الخاطئة إلى الشرق فعل الأب شوازي بعد عودته من سيام فقال: إنهم يحيطون بنا إحاطتهم بالدببة للتفرج علينا، حتى إن الملك نفسه لا يدع لنا من الوقت متسعاً للجواب على أسئلته، كأننا خارجون من بلاد الأسرار. ومنهم من وقف عند حد سفارته ولم يتعدها كالرزبلي الذي أسفره الملك لويس الرابع عشر إلى سلطان المغرب لفك الأسرى النصاري (١٦٣٠) بيد أن أشهر سفارة غربية في البلدان الشرقية كانت مغامرة الآنسة باتي كيتا التي أحبت تاجراً فارسياً في باريس وصحبته إلى فارس حتى إذا توفي أعلنت نفسها سفيرة لفرنسا في فارس (١٧٠٣) فجاءت مغامرتها موضوعاً فذاً المجموعة من القصص والمسرحيات والأغاني.
واستبدلت أوربا بسفرائها في الشرق سفراء في عواصمها: فاستقبلت باريس سفراء: تركيا (١٦٦٩) وسيام (١٦٨٤) وفارس (١٧١٥) ثم سفير الهند بعد سنوات. وقد ذكر عبد الرحمن بن زيدان. استناداً إلى الكونت دي كاستري، رسائل مولاي إسماعيل صاحب المغرب إلى لويس الرابع عشر ملك فرنسا، وجيمس ملك إنجلترا، والدون كارلوس ملك إسبانيا، وفيها من اللوم والتهديد الشيء الكثير مما يدل على اتصالات بين تلك الدول عن طريق السفارات.
وكان معظم سفراء الشرق فخوراً بنفسه، محباً للترف، ساعياً إلى الجاه: في أزياء فاخرة، وحلى من ذهب وماس، وضروب طيب على مقاصف عامرة. حتى إذا قدم سفير على الملك ازدحم الناس في الشوارع وتسابقت حسان القصر إلى الأروقة ليروا كيف يسير ويجلس ويشرب ويأكل. ثم يسعون إليه في داره
стр. 138
للتحدث معه وشرب قهوته. وكانت الحسان أكثر الناس أخذاً بجاه السفراء وإسراعاً إليهم وإفادة من سخائهم: فعرض سليمان سفير تركيا على إحداهن التسرى على الطريقة التركية، ولا لم تكن هذه العادة معروفة في فرنسا فقد تحظاها حتى مغادرته باريس. وعلق رضا بك سفير فارس غيرها فأسلمت وتزوج بها ورزقت منه بوليد.
وذاعت أنباء سفراء الشرق، في بلاط فرنسا، وأسرارهم ومغامراتهم فعمد الأدباء إلى تسجيلها والنسج حولها والنظم فيها، ومما قاله الشاعر رونيه: هلموا كباراً وصغاراً انظروا سفير دولة بني عثمان، فقد وصل من تركيا وجاءنا من بلاد العرب بالنوادر والطرائف. ولم يكن الشاعر مبالغاً في قوله، فإن سليمان القانوني كان يبعث إلى ملوك أوربا بهدايا لم يعرفوا لها شبيهاً؛ كالخوخ والدمقس والأرجوان والملابس الموشاة بالذهب وضروب من الطيب
يتطيب الأمراء بها ليدفعوا عنهم نتن المجدفين (١). وأقبل الأدباء على الشرق بأديانه وأبطاله وقصصه فجعلوها غذاء للمسرح الفرنسى قرناً كاملاً. وتأثر به كبارهم من القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر، ومن لم يكتب فيه عيب عليه تقاعده فعل فولتير ببوسييه.
فهل اقتصرت الثقافة الإسلامية على أوربا؟
١٠ - إلى الهند:
ولما كان الدين هو لب الحياة الدينية في الهند، فقد عنى الرهبان البوذيون بالعلوم التي تعاون عليه، فازدهرت، في الجزء الغربي من الهند، وعلى اثر غزوة الإسكندر العمارة الفارسية والنحت اليوناني. وقامت، بفضل نزوح جموع من السوريين واليونان والعراقيين في القرنين الأول والثاني للميلاد، ثقافة يونانية بكترية طول ثلاثمائة عام اشتملت على: علم الفلك لتحديد أيام الأعياد والقرابين، وعلم الرياضيات لحساب عمليات الملك المعقدة، فكانت الأعداد والنظام العشري والصفر، ثم تلتها علوم الكيميا والطب، ومتعدد الصناعات من مختلف المعادن، وأسهم العرب الذين نزلوا بمليبار ونشروا الإسلام بين أهلها في شتى مرافق حياتها، فروجوا تداول النقود العربية إلى جانب النقود اليونانية والصينية والتونسية والفارسية
стр. 139
واخترعوا حروفاً خاصة لنطق بعض الألفاظ الدينية نطقاً صحيحاً منها: الرحمن، والقرآن، ومحمد، والصلاة، والصوم ... إذ خلت اللغة المليبارية من حروف: ح، ص، ف إلخ ... خلو العربية من بعض الحروف المليبارية. وأدخلوا مفردات عربية وفيرة في اللغة المليبارية: كمنسب - المنصف، وكرار - القرار، وجكتان - الشيطان، وكستي - القسط، ورسيد - الرصيد. وقد اعترف الدستور الهندي بأربع عشرة لغة هندية محلية إحداها المليبارية.
واحتفظوا بالعربية لغة بينهم ومن أغانيهم الشعبية في الزواج:
الله حسبي، وهو نعم الوكيل الله
آمنة الزهرية أم خير عروس محمد
وأخرى ومطلعها:
طه طه طه رسول الله سموات بعلاها
فاه فاه فاه بوحى الله شافعنا محمد
واعتز الهنود بورود بعض مفردات لغتهم في القرآن الكريم: كمسك، وكافور، وزنجبيل - وقد ترجم القرآن إلى السندية عبد الله بن عمر العراق بأمر راجا مهروك، ثم ترجع إلى الأردية في القرن التاسع عشر - وباستخدام اللغة العربية الكلمات الهندية الدالة على الأحجار الكريمة والمعادن والأفاوية والعقاقير والأصباغ والحيوان والطير. كما دخلت كلمات عربية اللغات الهندية منها: صابون، وجلد، وقميص، وحكيم، وطلاق، وولدان.
ولئن لم يكن فاتحو الهند عرباً فقد دخلوا في الإسلام واقتبسوا منه حضارته وشجعوا، على مزجها بثقافتها، فاشتهر في بلاط محمود الغزنوي: الفردوسي الذي أهداه الشاهنامه. ولما لم يجزل عطاءه - وكان الغزنوي سنياً يؤثر العربية على الفارسية - هجاه وفر إلى بغداد. والعتبي، والبيروني. وقرب أكبر المؤرخين وأغدق على الشعراء وجعل الفارسية لغة بلاطه، وأمر المترجمين فنقلوا إليها روائع الثقافة الهندية، ورعي الموسيقى فاصطنعها المتصوفون في حلقاتهم وأطلقوا على آلاتها أسماء فارسية، مثل: الرباب والسارود والطوس، وغيرها.
стр. 140
وشجع خلفاؤه الرسم والنحت فتطور الرسم في زمن جهان كير من الأشخاص إلى الطبيعة مناظر وحيواناً وطيراً، واشتمل على تزيين الكتب السنسكريتية والفارسية والأردية والعربية. واستدعي شاه جهان أساتذة النحت الإيطاليين لتعليم الهنود تطعيم المرمر بفسيفساء من الأحجار الكريمة.
أما التعليم فقد كان جله مدعاة للزينة والوجاهة، ومما كتبه السلطان أورنجزيب إلى أستاذه في العربية قوله: كنت تنكب على تعليمي اللغة العربية قراءة وكتابة. والحق إني شاكر لك ما سببته لى من مضيعة لوقتي في لغة تتطلب اثني عشر عاماً لكي يجيدها الطالب.
على أن رعاية هؤلاء السلاطين لفن العمارة لم يفقها رعاية، فقد مزجوا بين التزيين الهندي والفارسي والشكل العربي وعهدوا بها إلى كبار المهندسين العالميين، وجاءوا بمهرة الصناع من بغداد والآستانة وبلاد الشام، فأقاموا في الهند مساجد وقصوراً لا مثيل لها في الشرق والغرب، وأضرحة وحصوناً فريدة في نوعها، أشهرها: منار قطب، وضريح هميون، ومسجد الجمعة، ومسجد اللؤلؤة، ومجموعات القصور التي شادها شاه جهان، وفي أحدها عرش الطاووس الشهير. ثم القبر الذي شيده شاه جهان لزوجته ممتاز محل. وقد وضع تصميمه ثلاثة من المهندسين: أستاذ عيسى الفارسي، وجير ونيموفير ونيو الإيطالي، وأوستن دي بوردو الفرنسي. وأطلق عليه تاج محل.
وانحصرت الكتب في المعاهد الإسلامية من القرن الحادي عشر إلى أوائل الثالث عشر للميلاد في: الكشاف للزمخشري، وعوارف المعارف للسهروردي، ومقامات الحريري، وشاهنامة الفردوسي، والقانون لابن سينا. ثم اتسعت في نهاية القرن الرابع عشر لكتب: النحو والأدب والمنطق والتفسير والحديث والفقه والتصوف والطب.
ونشر الهنود: شرح القرآن للفيضي، وآخر لعبد الحكيم، وسلم العلوم المحب الله، والفتاوى للشيخ نظام، وتحفة المجاهدين لزين الدين، والجواهر لمحمد غوث.
وصنف شاه ولي الله كتاب حجة الله البالغة فعد من أمهات الكتب في الفلسفة
стр. 141
الإسلامية. وألف إقبال، بالإنجليزية، تحديد التفكير الديني في الإسلام فبلغ به مبلغ إحياء العلوم للغزالي، وحجة الله البالغة لشاه ولي الله.
وبلغت المدارس الإسلامية في الهند - خلا مدارس المساجد والزوايا، وكراسي اللغة العربية والثقافة الإسلامية، التي سيفصلها الفصل الخاص بالاستشراق الإنجليزي - ١١٨ مدرسة. ومن أشهر مراكز التعليم الإسلامي:
دار العلوم (١٨٧٠) وفي مكتبتها ١٠٠ ألف كتاب عربي وفارسي واردي. خلا مخطوطات القرآن النادرة، وقد كتب أحدها في القرن الأول الهجري، ويقوم أساتذتها بترجمة المؤلفات العربية والفارسية إلى الأردية.
جامعة عليجرة (مدرسة ١٨٧٥ ثم تحولت إلى جامعة ١٨٨١) وتجمع بين المسلمين والهندوس وتسهم الحكومة في ميزانيتها.
مظاهر العلوم (أواخر القرن التاسع عشر) تعنى بالشريعة، وتضم مكتبتها مجموعة نفيسة من الكتب العربية والفارسية والمخطوطات النادرة.
الجامعة الملية الإسلامية، والتعليم فيها بالأردية.
ندوة العلماء في لكنهو، وهي مدرسة للعلوم الدينية والتاريخ باللغات المختلفة.
الجامعة العثمانية (١٩١٨) وقد ضمت إليها دائرة المعارف العثمانية (المؤلفة عام ١٨٨٨) بفضل ريع وقف عليها ومنح الحكومة، على يد نفر من العلماء بينهم المستشرقون، لإحياء تراث الشرق باقتناء أمهات مصنفاته وتحقيقها ونشرها فجمعت عدداً وفيراً من المخطوطات النادرة والأفلام المصغرة والترجمات الدقيقة في مكتبات أوربا وروسيا وإيران وتركيا والبلدان العربية والهند. وقد نشرت، خلال سبعين سنة، ١٧٠ كتاباً تؤلف في مجموعها ٣٧٠ مجلداً منها: المنتظم لابن الجوزي (٦ مجلدات) ومفتاح السعادة لطاشي كوبر زاده (٣ مجلدات) وكتاب المعاني الكبير لابن قتيبة (٣ مجلدات) وجمهرة اللغة لابن دريد (٤ مجلدات) وكتاب المعتبر لابن ملكه البغدادي (٣ مجلدات) ومعرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري، وإعراب ثلاثين سورة من القرآن لابن خالويه، والسنن الكبرى للبيهي (١٠ مجلدات) وكنز العمال لعلى المتقي (١٦ مجلداً) وتهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني (١٢ مجلداً) والجرح والتعديل لابن أبي
стр. 142
حاتم الرازي (٩ مجلدات) والتاريخ الكبير للإمام البخاري (٨ مجلدات) ورسائل ابن عربي (مجلدان) ورسائل الفارابي وابن سينا وابن رشد وابن سنان وابن الهيثم وأبي نصر العراق أستاذ البيروني. والأزمنة والأمكنة للمرزوقي، وميزان الحكمة للخازن، وتذكرة السامع لابن جماعة، وتنقيح المناظر لكمال الدين الفارسي ومختارات في الطب (٤ مجلدات) وكتاب العمدة لابن القف (مجلدان) والجماهر في معرفة الجواهر للبيروني. ومن أحدث مطبوعاتها: صور الكواكب لبطليموس الإسكندرى، بتحقيق أبي الحسين عبد الرحمن الصوف، وقد نشر لأول مرة من المخطوطات الملكية للأمير الفلكى أولوغ بيك بعد مضي عشرة قرون على وضعه، والقانون المسعودي للبيروني، وقد ظل مخطوطاً طوال عشرة قرون. وكان الرياضيون الهنود والأوربيون يتمنون نشره، ولاسيما بعد أن
نشر زخاو كتاب البيروني: الآثار الباقية في القرون الحالية، فنشرته الدائرة بعد أن أضافت إليه المجلدين الأول والثالث المكتشفين حديثا وهما يضمان ثماني مقالات. وكتاب الحاوي الكبير في الطب للرازي، وكان مخطوطه الأصلي نادراً فاشتهر بترجمته إلى اللاتينية حتى وفقت الدائرة إلى فيلم مصغر للمخطوط من كنيسة القديس لورنزو التابعة لها مكتبة الأسكوريال في إسبانيا فحققته وقارنته بالمخطوطات الأخرى وباشرت نشره في عدة مجلدات اشتمل الأول على أمراض الرأس والعينين. كما نشرت الجزء الثاني من كتاب مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي، وذيله لقطب الدين اليونيني البعلبكي، وهو يعالج التاريخ الأوربي وفترة ما بعد الحروب الصليبية (٤ مجلدات).
مجلس الهند للروابط الثقافية بالعربية:
أسس مكتبة تضم ثمانية آلاف كتاب. وأصدر ثقافة الهند، وهي مجلة بالعربية تصدر أربع مرات في السنة (منذ ١٩٥٠) بدلهي الجديدة، واشترى حقوق الطبع لترجمات ستة كتب من عيون الأدب الهندي نقلها إلى العربية الشاعر وديع البستاني اللبناني.
فإذا عدنا من الهند إلى الغرب حق لنا أن نسأل عما قدمه ليرد للشرق يده عنده في نهضته؟
стр. 143
١١ - النهضة العربية:
(١) كان نصارى لبنان قد عرفوا الغرب قبل الحملة الصليبية الأولى بأربعمائة سنة (١)، ثم اتصلوا بملوكه وأسفروا إلى فرساي وعلموا وترجموا وحققوا في: إيطاليا وإسبانيا والنمسا وروسيا وغيرها ولاسيما في رومة مقر الفاتيكان.
وكما كان الفاتيكان أول من أرسى النهضة الأوربية على الثقافة العربية ووفد أتباعه - الذين عرفوا بالكاثوليك تمييزاً لهم من الأرثوذكس والبروتستانت - على الشرق العربي (١٢١٩) فقد كانوا أول من أدخل التراث الأوربي إليه لإرساء النهضة العربية عليه، عن طريق مدارسهم ومطابعهم وصحفهم وجامعاتهم ومكتباتهم ومستشفياتهم وجمعياتهم.
وكان لذلك النشاط رد فعل لدى الأرثوذكس فرحل البطريرك مكاريوس الحلبي إلى القسطنطينية وبلغاريا وروسيا (١٦٥٣) وقد ترجم رحلته من العربية إلى الإنجليزية بلفور، في مجلدين (لندن ١٨٣٤) وإلى الروسية اللواء جرجس مرقص الدمشقي (١٨٨٩) ثم أجمع الأرثوذكس العرب على انتخاب البطريرك دوماني العربي خلفاً للبطريرك اليوناني المتوفى (١٨٩٩) فتعربت الكنائس الأرثوذكسية في أنطاكية وتوابعها وأيدتها روسيا القيصرية وطفقت تنشئ المدارس العربية في الشرق الأدنى وخصت مدرستي القاهرة وبيت جالا بتخريج المعلمين والمعلمات.
ولا وفدت الإرسالية البروتستانية على الشرق العربي استعانت بالمدارس لنشر مذهبها بين الكاثوليك والأرثوذكس عرباً وأرمن. فحرم البطريرك الماروني معاملتها، ولجأ بطريرك الأرمن إلى الباب العالي في شأنها، حتى إذا أصبحت طائفة وطنية نافست في إنشاء المدارس - وما يروى عن فانديك رئيس الرسالة الأمريكية قوله: إني سأنشيء مدرستين في تلك القرية، فلما قيل له إنها لا تتحملهما لصغرها أجاب: سأكتفي بواحدة ولكن اليسوعيين سيلحقون بي لإنشاء الثانية - فشيدت في بيروت أول مدرسة للبنات في الإمبراطورية العثمانية (١٨٣٠) ومطبعة (١٨٣٤) والكلية السورية الإنجيلية (١٨٨٦) وقد تحولت فيما بعد إلى الجامعة
стр. 144
الأمريكية ومكنت لها بالمكتبات والمستشفيات والجمعيات والمجلات.
ولحقت البعثة العلمانية، التي فصلت الدين عن الدولة في بلادها، بالغربيين إلى الشرق العربي وزاحمت طوائفه بمدارسها.
ومما انجلى عنه نشاط الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت والعلمانيين: تعريب مذاهب الغرب وفنونه وآدابه وعلومه بلسان عربي مبين، وقد استعانوا فيها بعلماء من العرب. والعناية بالعربية لغة وأدباً «ومن هنا وجدت اللغة العربية موئلاً لها في المدارس الأجنبية والمدارس المسيحية الطائفية، فانتشر تعليم الأدب العربي بين المسيحيين أكبر من انتشاره بين المسلمين (١)». وإصدار خليل الخوري أول صحيفة عربية باسم حديقة الأخبار، ونهوض بطرس البستاني بأول دائرة معارف عربية (١٨٧٦) وقيام نهضة عربية في الفن والأدب والعلم والسياسة يطالب أصحابها بإصلاح شامل في الإمبراطورية العثمانية أو الانفصال عنها بتكوين دولة عربية مستقلة.
(ب) وكانت حملة نابليون (١٧٩٨ - ١٨٠١) أولى الحملات الغربية على مصر في تاريخها الحديث، مجهزة ببعثة علمية قوامها علماء أعلام في كل ضرب من ضروب ثقافة ذلك العصر، منها: الأثريون والمهندسون والأطباء والمؤرخون والمستشرقون والمترجمون اللبنانيون والمصريون والسوريون من أمثال: ميخائيل صباغ (١٧٨٠ - ١٨١٦) الذي اتصل بالمستشرقين: دي ساسى، وكاترمير وعمل في المكتبة الوطنية بباريس، وصنف مسابقة البرق والغمام في سعاة الحمام، والرسالة التامة في كلام العامة (نشرها توربيكه، جوتنجن ١٨٦٦). وإلياس بقطر من مصر (١٧٤٨ - ١٨٢١) أستاذ العربية في مدرسة اللغات الشرقية بباريس ومصنف المعجم العربي الفرنسي (حققه وزاد عليه أرمان كوسن دي بر سفال، باريس ١٨٢٩) ونقولا الترك (١٧٦٣ - ١٨٢٨) صاحب: حرب بونابرت مع النمسا (باريس ١٨٠٧) وتملك جمهور الفرنساوية (نشر نصفه الأول - إيمي دي جرانج، متناً وترجمة، باريس ١٨٣٩) وتاريخ أحمد باشا الجزار (مخطوط) وديوان شعر، وحوادث الزمان في جبل لبنان (مخطوط). وروفائيل زخور
(١٧٥٧ - ١٨٣١) المولود في القاهرة من أصل حلبي وقد علم العربية في باريس ثم جعله محمد على مديراً لمطبعة بولاق، فترجماً في مدرسة الطب، وكان العضو الشرقي الوحيد في المجمع العلمي المصري، وترجم الكثير من الفرنسية والإيطالية بينها: قانون الصباغة في صناعة الحرير المالبرور، وقد أمر نابليون بتأليف المجمع العلمي المصري، وتأسيس مطبعة عربية - كان قد استصفاها من الفاتيكان - الطبع تصريحاته وبلاغاته ومنشوراته،
стр. 145
وإصدار ثلاث صحف واحدة منها بالعربية، وإنشاء مكتبة ومتحف ومختبر (معمل) ومصنع ومرصد ومسرح، ويسر للجميع الاطلاع عليها والإفادة منها.
ونشرت بعثته بحوث علمائها ورسومهم وخرائطهم في كتاب: وصف مصر (١٨٠٩ - ١٣) ثم حل شمبوليون رموز الكتابة الهيروغليفية بقراءته حجر رشيد (١٨٢٢) وألف لها أجرومية ومعجماً (١٨٣٢) فوضع أساس علم الآثار المصرية ومهد السبيل إلى العلماء للتنقيب عن عالم عظيم مفقود (١).
ولم يقتصر أثر تلك البعثة على حملة نابليون بل تجاوزها إلى العصور التي تلتها والدول التي تشبهت بها.
فكانت آخر الحلقات التي تلاقي فيها الشرق والغرب لقاء سيف ودينار واستعمار. وكانت البعثات خاتمة الحلقات التي اتصل منها الشرق بالغرب في الفنون والآداب والعلوم. فوفي الغرب بدينه الثقافي للشرق، أما التراث العربي في الغرب فقد فصلناه في واحد وعشرين فصلاً تفصيلاً تناول ما استوعبه من: كراس ومكتبات ومتاحف ومطابع وجمعيات ومجلات ومجموعات ومؤتمرات وغيرها، مع تراجم المستشرقين وتدوين آثارهم عنه وفضلهم فيه.