فانسحب البريطانيون إلى هنغ كنغ حيث أطلقوا مدافعهم على مدنها فصالحتهم الصين على التخلي عن هنغ كنغ وفتح خمسة ثغور للتجارة الأجنبية وامتيازات عديدة.
وطلبت عدة دول أخرى، منها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. تطبيق تلك الامتيازات على رعاياها وتجارها فأجيبت إلى طلبها. ولما تمادت فيها وأبتها الصين عليها فتح البريطانيون والفرنسيون كانتون وأملوا على الصين معاهدة شجعت دولا ًكثيرة فاستولت روسيا على الأراضي الواقعة شمالي نهر عامور وشرق نهر الأوسري (١٨٦٠) واستقطعت فرنسا الهند الصينية (١٨٨٥) واغتصبت اليابان فرموزه (١٨٩٤) وحررت كوريا لتستولى عليها (١٩١٠) وفازت ألمانيا بشبه جزيرة شانتنغ (١٨٩٨) واحتلت الولايات المتحدة الأمريكية جزر الفلبين (١٨٩٨).
وفي عام ١٩٠٠ قام الملاكمون الصينيون بذبح المسيحيين بمن فيهم الراهبات والأطفال، فزحفت الجيوش المتحالفة على بكين لحماية رعاياها وأعملت في المدينة السلب والنهب والقتل، وفرضت عليها غرامة حربية قدرها ٣٣٠ مليون دولار. ثم رفعتها معظم الدول عنها لقاء تعليم الطلبة الصينيين في جامعاتها. ورجع طلبة الغرامة من إنجلترا والولايات المتحدة واليابان إلى الصين بالجديد من العلوم والآداب والفنون فأذاعوها فيها بفضل المعونة التي لقوها من الحكومات والمنظمات والأفراد لإنشاء الكليات - كهبة جون، و، روكفلر الصغير وقدرها خمسة ملايين دولار لكلية الطب (١٩٣٢) - والمستشفيات والمعامل، خلا المنح الدراسية العديدة لتلقي العلم في الغرب.
١٤ - العودة إلى الشرق الأدنى:
لما أجلت إنجلترا فرنسا عن الهند، قررت فرنسا تجديد الطريق القديم المار بمصر لكى تفسد على غريمتها تجارتها المارة برأس الرجاء الصالح، فأخذ عمال فرنسا وتجارها في مصر يلحون على حكومتهم للاستيلاء على مصر، إلا أنها قنعت منها بعقد معاهدات مع البكوات والمماليك ضمنت لها تيسير نقل تجاربها عن طريق مصر. وأدرك جورج بولدوين، أحد أعضاء شركة الهند الشرقية، الاتجاه
стр. 72
السياسي لتلك المعاهدات فحمل حكومته على عقد مثلها مع البكوات والمماليك.
وفي أواخر القرن الثامن عشر تطور الموقف السياسي تطوراً سريعاً وخطيراً: فقد قامت الثورة الفرنسية، ونشبت الحرب بين إنجلترا وفرنسا الجمهورية (١٧٩٣) وكتب نابليون إلى تاليران (١٧٩٧ يقول: لن نلبث طويلاً حتى نشعر باضطرارنا إلى احتلال مصر لتحطيم إنجلترا. وكانت انتصارات نابليون على إيطاليا قد مكنت له في الأرض وأطمعته في الشرق موطن الفتوحات العظيمة، وزينت له إقامة دولة شرقية كبرى على ضفاف النيل ينعم بخيراتها ويضرب منها إنجلترا الضربة القاصمة. وهكذا بلغت حملة نابليون مصر (تموز - يوليو ١٧٩٨ وكان الإنجليز على علم بأغراضها، فأسرعوا إلى تحطيم أسطولها في خليج أبي قير (آب - أغسطس ١٧٩٨) وحصار سواحل مصر الشمالية حصاراً قطع الاتصال بين مصر وفرنسا، وتأليب العثمانيين عليها، والإسهام في إخراجها حتى جلت عن مصر (أواخر عام ١٨٠١) ثم تعاقبت الأحداث وقد سجلها التاريخ الحديث.
стр. 73
الفصل الرابع
فنون وآداب وعلوم
أما فنون وآداب وعلوم تلك البلدان التي فتحها العرب فقد انصرفت عنها الخلافة الأموية (٦٦٠ - ٧٥٠) إلى درس القرآن الكريم وضبط اللغة لشرحه واستنباط الأحكام منه، وإلى تدوين الحديث مخافة ضياعه. ونظرت إلى كل ما عداهما في ريبة وحذر، حتى إن عمر بن عبد العزيز، وقد انتقلت الفلسفة في أيامه من الإسكندرية إلى أنطاكيه، استخار الله أربعين يوماً ليضع بين أيدي المسلمين كتاباً طبياً - نقله ماسرجويه من السريانية إلى العربية - يفيدون منه في إصلاح أبدانهم ومداواة عللهم. وقبل انقراض الخلافة الأموية بسبع سنين، نقل أول كتاب في الفلك عن اليونانية بعنوان كتاب عرض مفتاح النجوم، ونسب إلى هرمس الحكيم. ولئن لم يدرك الأمويون قيمة التراث اليوناني والهليستيني فقد تركوه وشأنه - فعلهم بالمكتبات والمراصد والمستشفيات - يعلمه النصارى والصابئة والفرس في مدارس شمالي أفريقيا والإسكندرية والقدس وبيروت وأنطاكية وحران والرها وجنديسابور، ويحتفظون بأمهات كتبه في ترجمة معظمها سرياني حتى القرن العاشر. وكان العرب يقتبسون منه كلما دعتهم الحاجة إليه فنقل الحجاج الحركات من ضم وفتح وكسر عن السريانية ليضع حداً للحن، وأفضى اتصالهم بما كان لنصاري دمشق من تفكير فلسفي ولاهوتي وقانوني إلى نشوء المعتزلة - ومن أتباعها معاوية الثاني ويزيد الثالث - والمرجئة، وإخوان الصفا، والقدرية، وعلم الكلام. وتأثر الفقه بالقانونين اليوناني والروماني، وكان القديس يوحنا الدمشتي (٦٧٦ - ٧٤٩) الذي خلف أباه على بيت المال في خلافة هشام، ثم اعتزل في دير القديس سابا بفلسطين، خير معبر لنقل تلك الأفكار إلى العربية في مصنفاته: منبع العلم، وفيه بحث عن الفرق والمذاهب. ومحاورة مع مسلم، وإرشاد النصارى في جدل المسلمين، وقصة برلعام ويوصافات.
стр. 74
١ - الخلافة العباسية:
فلما قامت الخلافة العباسية (٧٥٠ - ١٢٥٨) على أنقاض الدولة الأموية، بفضل الشعوبية، وعلى رأسها الفرس. وأصبحت أمهات الخلفاء العباسيين السبعة والثلاثين، إلا ثلاثة منهم، جواري نقلوا عاصمتها من دمشق إلى بغداد أقرب الأمصار إلى فارس فاصطبغوا بصبغتها في: نظام الحكم وتوارثه، وترتيب الخاصة والعامة، وأبهة الملابس والمحافل والمجالس. وولوا الفرس الوزارة والكتابة والحجابة والقيادة، واستعانوا بالعناصر السريانية والفارسية والهندية والتركية واليونانية في إقامة الدولة - وكان الفتح قد انتهى أو كاد، واتسع العمران وتشعبت الفرق وأطلقت الحرية الدينية - على أساس من الفنون والآداب والعلوم: فأنشأ المنصور مدرسة للطب وقرب علماء الفلك واقتني الكتب من القسطنطينية وشجع على الترجمة. واقتدى بالمنصور خلفاؤه، ما عدا المادي والمهدي، فشيد الرشيد البيمارستان الكبير في بغداد على النمط الفارسي وأمر بنقل كتب العلوم على اختلافها، وقام أول مصنع للورق في بغداد (٧٩٤) واتخذ المأمون بطانته من علماء اليونان والسريان والفرس، وبعث في طلب الأسفار العبرية واليونانية والفارسية من أرمينيا وسوريا ومصر. وسأل أباطرة القسطنطينية إعارته ليو الأرمني، وكان مشهوراً بالرياضيات، مقابل صلح دائم وألفي دينار، ثم جعل من شرائط صلحه معهم تزويده بمجموعة من الكتب النادرة. وأنشأ داراً الحكمة فانتقل إليها علماء حران والرها وجند يسابور، ونقلوا إليها ما امتاز به التراث الإنساني في مدارس اليونان والرومان والشرق الأدنى وشمال أفريقيا فورثتها بغداد جميعاً. ثم ابتني المراصد (١) وتشبه به الأمراء والعلماء في جميع بقاع الإسلام، واشتهرت فيها أزياجهم.
وقد شجع العباسيون على نقل ذلك التراث من متعدد اللغات إلى العربية والتصنيف فيه والإبداع منه ومن استجاب لدعوتهم:
(أ) نصارى السريان ، ولم يكونوا بغرباء عنه أو دخلاء عليه، لأنهم توارثوه من علماء الشرق الأدنى وفيهم أسلافهم الذين تعاونوا مع اليونان والرومان على إرساء
стр. 75
قواعده ونشر مبادئه وطبعه بالطابع الإنساني (١)، ثم نقله السريان إلى لغتهم وأضافوا إليه وعلموه في مدارسهم. وكان معظمهم يجيد من اللغات: السريانية - ولها يومئذه قيمتها العلمية لأنها الآرامية الكنسية التي استوعبت الثقافتين اليونانية والهليستينية والفارسية والعربية واليونانية، فطفقوا ينقلون من اليونانية والسريانية إلى العربية بحسب حاجة الدولة إليها وعناية الخلفاء بها ورغبة المترجمين فيها. ومن أشهر علمائهم: جورجيس بن بختيشوع (المتوفى ٧٧١) عميد أطباء جند يسابور ثم طبيب المنصور وقد اشتهرت أسرته في بغداد بالأطباء طوال قرنين ونصف قرن. وأبو يحيى بن البطريق (المتوفى ٨٠٦) ناقل أمهات مصنفات جالينوس وأبقراط والأربع مقالات لبطليموس. وابنه أبو زكريا مترجم سر الأسرار المنسوب إلى أرسطو. ويحي بن ماسويه (المتوفى ٨٥٧) دارس التشريح بتقطيع أجسام القردة - وقد احتفظت العربية بترجمة سبعة كتب في علم التشريح فقدت أصولها اليونانية، وترجم فرج بن سالم كتابه في الجراحة (البندقيه ١٤٧١) ثم ترجم كتابه النوادر الطبية (بولونيا ١٤٨٩) وكتب عنه في علاج العيون ماير هوف (عالم الإسلام ١٩١٦ - ١٧) - وحنين بن إسحق (المتوفى ٨٧٧) رأس مترجمي دار الحكمة الذي نقل من اليونانية إلى السريانية ومن السريانية إلى العربية معظم مصنفات أبقراط وأفلاطون وأرسطو وجالينوس فبلغت ٩٥ كتاباً إلى العربية منها كتاب النفس لأرسطو فنقله ابنه إسحق إلى العربية، والنبات المنسوب إلى أرسطو (فترجمه الفرد دي ساراشل ١٢٠٠) وديوسقوريدس في العقاقير الطبية - أول من نقله تلميذه أسطفان بن سهل ناقل تسعة كتب لجالينوس - وبطليموس، والعهد القديم من الترجمة السبعينية، فكاد المأمون يفلس وكان يعطى وزن ما يترجم له ذهباً. وصنف حنين كتباً كثيرة منها التعليق على الإيساغوجي (وقد ضم إلى مجموعة مدرسة سالرنو الطبية وينسب إليه كتاب المقالات العشر في العين الذي عد أقدم كتاب جامعي لأمراض العين، وقال ليكلر في مؤلفه: كان أرجح شخصيات القرن التاسع عقلاً وأنبلها خلقاً .. ونقل ابنه إسحق (المتوفى ٩١٠) عدداً وفيراً من كتب أرسطو وشروح إسكندر الأفروديسي ذات الأثر البالغ في الفلسفة الإسلامية، وأرشميدس وأصول الهندسة لإقليدس
стр. 76
وغيرهم. وحذا حذوه ابن أخته حبيش بن الحسن الذي ترجم كل كتب جالينوس. ثم عيسي بن إبراهيم، وقسطا بن لوقا البعلبكي (المتوفى ٩١٢) وقد نسب إليه صاحب الفهرست تأليف أربعة وثلاثين كتاباً بينها كتاب الحيل لهيرون الإسكندري فلم يسلم منه سوى النص العربي (وقد ترجمه كارادي فو) ومن مؤلفاته الاسطرلاب الكروي والعمل بالكرة ذات الكرسي، وقد ترجمت جميعها، وكتاب الفلاحة اليونانية (طبع في مصر ١٢٩٣ هـ). وسرجيوس الاسعني أقدر المترجمين من اليونانية إلى السريانية، ولما ترجم الحجاج بن يوسف بن نصر أصول أقليدس والمجسطي ضمن الأخير النص السرياني لسرجيوس وقد عد هؤلاء أشهر من نقل إلى العربية (١) وضاقت منقولاتهم على الحصر (٢).
(ب) الصابئه ، وجعلت الحرية الدينية الصابئه - وهي فئات منها المنديون المعروفون بنصارى القديس يوحنا، وسكان الأغوار على مصب نهر الفرات (٣)، وأساتذة مدرسة حران وكانوا يكتبون بالسريانية - تشارك في النقل والتحقيق والتصنيف ويشتهر بينها علماء من أمثال: جابر بن حيان (المتوفى ٧٦٥) وقد أسلم وعد أشهر الكيماويين المسلمين، وأول من اصطنع التجربة العلمية، وصنف في الأقراباذين، وكان لمؤلفاته، والمشهور منها ٢٨ كتاباً (نشرت في المجموعات الكيماوية، جنيف ١٧٠٢ وبال ١٨١٠ و ١٨٥٠) أثر عميق في أوربا وآسيا. وثابت بن قره (٨٣٦ - ٩٠١) رئيس نقله حران - وقد ترجم مصنفاته فيادمان وفرانك (١٩١٢ - ٢٢) وحققت كلير بوردو تنقيحه ترجمة اسحق بن حنين لأصول أقليدس (١ ركيون ١٩٣٧) وإليه وإلى ابنه سنان (المتوفى ٩٤٣) وحفيديه: إبراهيم (المتوفى ٩٤٦) وثابت (المتوفى ٩٧٣) وابن حفيده أبي الفرج يرجع فضل نقل كتب العلماء: أبولونيوس وأرشميدس وأقليدس الخ في الرياضيات والفلك وتنقيح الترجمات السابقة والتصنيف في تلك العلوم. والبتاني (٨٥٨ - ٩٢٩) وهو
стр. 77
صابئي اعتنق الإسلام، وقد أصلح كتب بطليموس واهتدى إلى الكثير من المبادئ فعد أعظم الفلكيين المسلمين وبلغ بحساب المثلثات الغاية.
(ج) علماء الهند ، وكان لتشجيع العباسيين أثره في تدعيم العلاقات الثقافية بين الإسلام والهند. فوفد على المنصور رحالة من الهند (حوالي ٧٧١) بمقالتين: الأولى في الرياضيات، وبنقلها دخلت الأعداد والنظام العشري والصفر الحساب العربي - وكان الراهب سفيروس سوبخت رئيس دير قنسرين قد ترجم وشرح كتاب التحاليل لأرسطو وصنف رسائل في الفلك والجغرافيا فذكر الأرقام الهندية لأول مرة (٦٦٢) - التي عرفتها أوربا فيما بعد بالأرقام العربية. والثانية السند هند، وهي في الفلك فنقلها الغزاري، وهو أول مسلم وضع زيجا استند إليه الخوارزمي في زيجه الشهير، ثم نقحه مسلمة المجريطي. ونزح نفر من علماء الهند إلى بغداد أشهرهم: منكه، وابن دهن، فنقلا مع غيرهما عن السنسكريتية: أقدم موسوعتين في الطب لسوشوترا وتارا كا، وكتبا في أمراض النساء، والطب البيطري والسموم والجراحة، ومصنفات في الفلك والموسيقى والكيميا الصناعية، مثل: التقطير والتبخير واللحام وإنتاج الضوء بغير حرارة، فأربت مترجماتهم على ثلاثين كتاباً. واستهوت الهند علماء المسلمين رحالة وجغرافيين ومؤرخين من أمثال: ابن حوقل، وابن خرداذبة، وسليمان العراقي، والينبوعي، والبيروني، وابن بطوطه، والسمرقندي، والمعبري، فوصفوا ما فيها من صناعة الصياغة والصباغة والعاج والبارود والأسمنت. وما زال كتاب البيروني: تحقيق ماللهند خير ما كتب عن ثقافتها بعد نحو ألف سنة. ونقلت أحاديث وفيرة عن الهند وجزيرة سرنديب (سيلان) ومليبار في كتب الأحجار كأزهار الأفكار للتيفاشي، ورسائل القزويني، وكتب الدمشقي، والأكفافي، وغيرهم فدخلت اللغة العربية مفردات سنسكريتية عديدة للدلالة على الأحجار الكريمة والأفاويه والعقاقير والأصباغ والنبات والفواكه والحيوان، وتأثر الأدب العربي بأدب الهند في الأمثال والحكم والقصص والتصوف.
(د) الشعوبية ، ومعظمها فارسي الأصل، عكفت على التأليف أكثر مما أخذت بالترجمة وكانت فئات: أقلها تنقم على العرب إضعافهم لغاتها وأديانها واستئثارهم بالسلطنة والثروة من دونها فسعت إلى التشكيك والإلحاد، وأغلبها قبلت
стр. 78
الإسلام دينا والعربية لغة فأرادت التمكين لهما بما لديها من ثقافة، وبعضها طمعت في عطايا العظماء فنقلت وصنفت. وقد تجاوز فضل الإسلام في إظهار العبقريات المنوعة لأصول متعددة من الشرق الأدنى إلى آسيا وأفريقيا وبعض أوربا والشرق الأقصى فمن علماء اللغة: سيبويه، ومن الشعراء: أبو نواس، وابن الرومي، ومن الأطباء: على الطبري، والرازي، ومن العلماء: الجاحظ، والبيروني، ومن الفلاسفة: الفارابي، وابن سيناء، وأول علماء الاجتماع: ابن خلدون، وأعظم الجغرافيين ياقوت الحموي وغيرهم كثير. على حين انحصرت الترجمة من الفارسية بابن المقفع (المتوفى ٧٥٧) ناقل تاريخ الفرس وكليلة ودمنة - ولما فقد أصله السنسكريتي وترجمته بالفهلوية أصبحت الترجمة العربية أصلاً ترجم إلى نحو أربعين لغة - وابنه محمد مترجم أربعة كتب يونانية الأصل من الفارسية إلى العربية وآل نوبخت وبعض المتشبهين بهم فما زاد ما نقلوه على عشرين كتابة في التاريخ والسير والأدب والحكم.
وهكذا نقل النقلة عن اليونانية والسريانية والهندية والفارسية، أمهات كتب الطب والفلك والرياضة والكيميا والجغرافيا والأدب - ما خلا الأدب اليوناني الذي اكتفي منه تاوفيل الرهاوي (المتوفى ٧٨٥) منجم الخليفة المهدي، وكان على مذهب موارنة جبل لبنان بترجمة كتاب هوميروس على فتح أيلون إلى السريانية بغاية ما يكون من الفصاحة، على حد قول ابن العبري، كما ترجع من السريانية كتاباً الجالينوس وألف كتاب الكنوز، ثم نظم سليمان البستاني إلياذة هوميروس شعراً بالعربية في ١١ ألف بيت (القاهرة ١٩٠٤) - والموسيقي وأساليب الحياة المتمدينة، ولم تكن حاجة الدولة إلى الفلسفة والمنطق وعلم الكلام والتصوف بأقل من حاجتها إلى الطب وغيره من العلوم، فمنذ الخلاف على الخلافة والتحكيم بين معاوية وعلى، وقيام الفرق والتفاف الأعاجم حولها طفق النقلة ينقلون إلى العربية مذاهب الهنود والفرس واليهود والنصارى مما جعل ازدهار الثقافة الإسلامية تطوراً مركباً لعناصر وفيرة من أصول متعددة، كتأثير الزردشية واليهودية في تعريف الحشر والحساب، واعتناق مذهب الأفلاطونية الحديثة، والتوفيق بين الدين والفلسفة، ونظريات النصرانية في صفات الله والوحي والعقل وتصور المهدي المنتظر ومصير مرتكب
стр. 79
الكبائر، وجمع الصوفية بين الإسلام والبوذية والأفلاطونية الحديثة والأوغسطينية رداً على ترف الناس ومجونهم، وبدء الأدب الديني بتأثيرات النصرانية السريانية - ثم أخذ المؤلفين المسلمين أكثر معارفهم عن النصرانية وبيزنطية في عهود الجاهلية عن المصادر السريانية - والموسيقى بالألحان السامية ثم بالتقاسيم الهليستينية والأنغام الفارسية والهندية، واقتباس الفنون من الحضارات الأخرى ثم تميزت بأساليب إسلامية صرف. حتى قيل إن حضارة الإسلام في بغداد من صنع الفرس والسريان والهنود، لأن العرب كانوا يومئذ وراث بداوة وجهالة، وهؤلاء وراث ملك وحضارة وفلسفة وعلم (١).
وأدخلت تلك الحضارة على اللغة العربية المصطلحات الزراعية من الأرامية، والإدارية من الفارسية واليونانية، والجدلية من العبرية والسريانية، والعلمية والفلسفية من اليونانية، فبلغت نحو: ٩٨٨ كلمة آرامية، و ٨٥٤ فارسية، و ٤٧٢ يونانية، و ٦٧ لاتينية، و ٤٢ عبرية، ثم ٣٢ تركية و ١٧ إيطالية، و ١٢ فرنسية، و ٣١ من لغات أخرى أصبحت بها أغنى اللغات السامية، وحلت محل الفارسية والسريانية والقبطية واليونانية واللاتينية من فارس إلى جبال البرانس وتجاوزتها إلى غيرها من لغات أوربا وحملت الدول الإسلامية على استبدال حروفها بالحروف العربية: كالتركية - حتى عهد مصطفى كمال - والإيرانية، والكردية، والأفغانية، وما تفرع منها. وفي الهند: الهندوستانية والكشميرية، والداخينية، والكورازية، والبلتية، والبنجابية، والملتانية، والسندية، والتاميلية، والهدنيه، والمليالامية. وفي تركستان: الأزبكية، والحاكاتائية والكرغزية، والكشغرية، وفي جاوه: الحاويه، والسندانية. وفي ما لازيا: المالائية. وفي جزائر سولو: السولائية. وفي أفريقيا: القبائيلية، والشلهائية، والسواحلية، والببارية، والغولية، والهوسائية، والغينية، والفيداجية، وفي أوربا: القازانية، والنوكائية والكوموكيه (٢) - بعد أن استوعبت العربية التراث الإنساني قروناً طويلة. ذلك أنه أعقب عصر ترجمة تلك الفنون والآداب والعلوم وتفسيرها والتعليق عليها،
стр. 80
بأقلام علماء الفرق والفلاسفة والمتصوفين، عصر إنتاج لإصلاح أخطائها واستكمالها، ووضع مذهب الاستقراء والقياس والتمثيل لها، والابتكار منها في تصانيف كانت أكبر دعائم النهضة الأوربية مكنتها، طوال ثلاثة قرون، من الرقى والتطور والتكامل، ورجعت إليها جامعاتها حتى القرن الثامن عشر، وما زال مستشرقوها يتناولونها بالتحقيق والترجمة والتأليف، فدخل علماؤها تاريخ الفنون والآداب، ولاسيما العلوم والفلسفة والمنطق، دخولاً فذاً: فعد الكندي، والفارابي، وابن سينا أشهر المتقدمين في الترجمات الفلسفية (١)، ولا غرو فالكندي (المتوفى ٨٥٠) أول فيلسوف عربي اهتدى إلى الفلسفة اليونانية وحاول التوفيق بينها وبين الإسلام وصنف وشرح كثيراً، سلم أقلها، ومن رسائله: رسالة الموسيقي (برلين) والأدوية المركبة بترجمة لاتينية (ميونيخ) والمد والجزر (أكسفورد) واختبارات الأيام (ليدن) وتحويل السنين (الأسكوريال) وقد جعله روجر بيكون في كتابه المرئيات مع ابن الهيثم في مستوى بطليموس، ورفعه كروانو الإيطالي إلى مرتبة الاثنى عشر عبقرياً منذ ابتداء العالم حتى القرن السادس عشر. والفارابي (المتوفى ٩٥٠) التركي الأصل، صنف نحو أربعين كتاباً أشهرها: فصوص الحكم، وإحصاء العلوم، والتعريف (نسخة خطية في الأسكوريال) ومختصر النواميس، وكتاب الموسيقى الكبير، والمدينة الفاضلة وكان أول كتاب عربي في العلوم السياسية، تلاها في الغرب كتاب الأمير (في أواسط القرن السادس عشر) وابن سينا (المتوفى ١٠٣٧) الفارسي الأصل، وأعظم فلاسفة الإسلام وأغزرهم علماً قد أربت مؤلفاته على المائة (٢) خيرها تسعة في الطب والفلسفة والمنطق والطبيعيات والرياضيات والفقه والفلك، طبعت مجموعة منها في فينا (١٤٩٥) وحل كتابه القانون، بعد ترجمته إلى اللاتينية محل كتب جالينوس، والرازي، وطبع خمس عشرة طبعة لاتينية وواحدة عبرية (١٤٧٣ - ١٥٢٧) ثم اعتمدت المطابع ترجمة أندريا الباجو، ونشرت النص العربي في رومة (١٥٩٣) واستمر مرجعاً في مونبلييه ولوفان إلى القرن السابع عشر وما زال لابن سينا صورة تزين القاعة الكبرى في كلية الطب بجامعة باريس.
стр. 81
أما فلسفته فقد اعتمد عليها توما الأكويني، والبر الكبير، وروجر بيكون الذي وصفه بأنه أكبر عميد للفلسفة بعد أرسطو وجدد طبعها كامبانيلا (فرانكفورت ١٦٣٠، باريس ١٦٣٦) وشرحها الدكتور صليبا في رسالته، عنه. والغزالي المتوفى (١١١١) مؤلف تهافت الفلاسفة، ومقاصد الفلاسفة وإحياء العلوم إلخ. مما كان له شديد الأثر في مجادلة المشائيين، شرقيين وغربيين.
وفي الطب أشهر الرازي (٨٦٥ - ٩٢٦) بأنه أعظم أطباء عصره، فترجمت أوربا إلى اللاتينية والعبرية ثم إلى سائر لغاتها كتبه: المنصوري، والحاوي - وهو في عشرين مجلداً، ترجمه فرج بن سالم (نابولي ١٢٧٩) وجعل أحد الكتب التسعة التي كانت تتألف منها مكتبة كلية الطب في جامعة باريس، وطبع خمس مرات في أوربا (١٤٨٦ - ١٩٠٣) وما زال للرازي صورة إلى جانب ابن سينا تزين قاعتها - والترياق، ورسالة الجدري والحصبة، وهي أولى الدراسات للأمراض المعدية، وقد عدد الدكتور ماكس مايرهوف لمصنفها ثلاثاً وثلاثين ملاحظة سريرية. وعلى بن عباس (المتوفى ٩٩٤) صاحب كتاب الملكي (ترجمه اسطفان الأنطاكي إلى اللاتينية ١١٢٧ وطبع في البندقية ١٤٩٢ وفي ليون ١٥٢٣ ثم ترجم القسم النظري منه قسطنطين الأفريقي) وابن بطلان (المتوفى ١٠٥٢) مؤلف كتاب تقويم الصحة (ترجم إلى اللاتينية ١٥٢٨ ثم إلى النمسوية ١٥٣٢) وابن جزله (المتوفى ١١٠٠) مصنف كتاب تقويم الأبدان (ترجم إلى اللاتينية في ستراسبورج ١٥٣٢) وذكر تاريخ الطب ابن الهيثم بأنه أول من كتب في أقسام العين ورسمها ووضع المصطلحات العلمية لبعضها فأخذت أوربا عنه: الشبكة القرنية والسائلين المائي والزجاجي. كما عولت جامعاتها على كتاب تحرى المناظرة للخازن، ثم نشره روبستر متنا وترجمة (بال ١٥٧٢) وترجمت تذكرة الكحالين لعيسى بن يحي إلى العبرية واللاتينية مرتين واستمرت أوربا في تدريسها حتى القرن الثامن عشر.
وفي الرياضيات أرجع كربنسكي تقدمها وإيجاد التكامل والتفاضل بينها إلى المبادئذ التي وضعها علماء اليونان، وإلى الأساليب المبتكرة التي عالجها بها علماء الهند، وإلى درس العرب لها وإصلاح بعضها والإضافة إليها إضافات هامة دلت على نضج في أفكارهم وخصب في عقوله (١). وقد كان الخوارزمي (المتوفى ٨٥٠).
стр. 82
أبرز عالم في تاريخ الرياضيات فوضع زيجه الشهير (وقد ترجمه بتنقيح المجريطي أدلرداوف باث ١١٢٦) وصنف رسالة في حساب الجبر والمقابلة (ترجمها دي كريمونا. ولما فقد أصلها سلمت ترجمتها باللاتينية وظلت تدرس في جامعات أوربا حتى القرن السادس عشر) واشتهر ابن الهيثم (٩٦٥ - ١٠٣٨) بنبوغه في الهندسة والرياضيات وقد ترجم دي كريمونا رسالته في الشفق (لشبون ١٥٤٢) وبارمان رسالته في الضوء (ليبزيج ١٨٨٢) وعزا نللينو إلى أحكام الشريعة الإسلامية، حمل الفلكيين على البحث عن المسائل العويصة المتصلة برؤية الهلال وأحوال الشفق فبرزوا في ذلك وأتوا بحسابات وطرق لم يسبقهم إليها سابق من الهنود أو الفرس (١). وقد أمر المتوكل (٨٦١) الغرغاني بعمل مقياس للنيل، ومن أهم كتبه: المدخل إلى علم هيئة الأفلاك. الذي ترجع إلى العبرية وترجمه دي كريمونا إلى اللاتينية. (١١٣٥) وكان أبو معشر البلخي (المتوفى ٨٨٦) أول من اهتدى إلى حقيقة طلوع الفجر وغيابه وأثرهما في تنظيم المد والجزر، فترجمت جميع كتبه إلى اللغات الأوربية.
وفي الكيميا أكد مؤرخها هوليارد بأن الكيميا الإسلامية أثرت في الهند أضعاف ما تأثرت بها من قبل (٢) وقد اقتبس علماء أوربا في العصر الوسيط الكيميا عن العرب، وعزا الرهبان مصنفاتهم في الحجر السحري إلى جابر بن حيان الكيماوي العربي الشهير لينجوا بأنفسهم من غضب المتزمتين والعامة.
وفي العلوم، عد البيروني (المتوفى ١٠٤٨) أعظم بحاثة بين العلماء المسلمين وأكثرهم ابتكاراً في العلوم الطبيعية والرياضيات والفلك والتاريخ (منها مخطوطات في مكتبات باريس وبرلين والأسكوريال) وقد عرفه زاخاو، بعد ترجمته لمصنفيه الآثار الباقية (ليبزيج ١٨٧٨) وتحقيق ما للهند (لندن ١٨٨٧) بأنة أعظم عقلية عرفها التاريخ.
كل هذا حمل سارتون مؤرخ العلوم على القول: إن الجانب الأكبر من
стр. 83
مهام الفكر الإنساني اضطلع به المسلمون فالفارابي أعظم الفلاسفة، وأبو كامل، وإبراهيم بن سنان أعظم علماء الرياضيات، والمسعودي أعظم الجغرافيين، والطبري أعظم المؤرخين (١). ولو استرسل سارتون لذكر مئات الأعلام في مختلف ضروب العلم، بله الكتاب والشعراء وأصحاب الفنون، وعشرات آلاف المصنفات النفيسه التي خلفوها فهل انحصرت الثقافة العربية في الشرق ووقفت عنده؟
٢ - الأندلس
راقت العرب الإقامة في الأندلس وظنوا أنفسهم خالدين فيها لا يبغون عنها حولا فتفننوا في إتقان دورهم وتنسيق حدائقهم وتنظيم دساكرهم لتنسجم وما شيده الخلفاء والأمراء من مئات المساجد والقصور والأبراج والحمامات والحدائق فجاء وليد الفطرة والبيئة أكثر منه جلباً من الشرق كمعظم آثارهم العقلية. وأدخلوا إلى الأندلس الأساليب الزراعية التي عرفوها في الشرق، وجاءوها بأشجار وأغراس أزاهير وبقول، من دمشق ومصر وأفريقيا والهند. وعنوا بالصناعات على اختلافها كالحياكة والدباغة والمعادن والسلاح والنقش في الخشب والزجاج والخزف. حتى إذا تم لهم بناء الأندلس السياسي والاقتصادي والاجتماعي سعوا إلى التشبه بالعباسيين في إرساء ملكهم على أسس من الفنون والآداب والعلوم: فأسسوا المدارس وحبسوا الأموال عليها، وخرجوا في طلب الكتب إلى الشرق وملأوا مكتباتهم الخاصة منها ما خلا خزائن بعض المساجد، لا كما قال الغزيري: إن مكتبات قرطبة العامة بلغت السبعين عداً» (٢).
ووفد على قرطبة ثم على غيرها من حواضر الأندلس أهل الفن والأدب والعلم، من الشرق والغرب، وعنوا بتفاصيلها تفسيراً واقتباساً وتصنيفاً، واختلفوا إلى مجامع كمجامع اليوم للجدل والمناظرة، وجلست الأميرات للشعراء ووازن بينهم.
وأقبلت الأندلس على تلك الثقافة التي تميزت بتعدد مبدعيها: عرباً وبربراً ومستعربين ويهوداً ونصاري، في إدراك وحب وسماح إلا ما حرمها منه الفقهاء،
стр. 84
فازدهرت فيها ازدهارها على الفرات. وفي ذلك يقول دوزي، الذي وقف جل نشاطه على الأندلس واشتهر بميله للعرب، إن كل إنسان تقريباً كان يحسن القراءة والكتابة يوم خلت أوربا ممن يلم بها ما خلا الطبقة العليا من القسيسين (١).
أما الفلسفة والمنطق والفلك والكيميا والرياضيات، فقد كانت أحب العلوم إلى الخاصة والمجددين، وأقبحها لدى العامة والرجعيين. وكان الخلفاء من علمائها فريقين: فريقاً يقربهم ويجزل عطاءهم ويوليهم كبار المناصب. وفريقاً، وهو الأكبر، ينكبهم بإحراق كتبهم واستصفاء أموالهم ورجمهم فيهربون منه إمساكأ على حياتهم (٢) وكان فقهاء الأندلس المالكيون حرباً على تلك العلوم وعلى الغناء والموسيقى وبعض أطرزة البناء (٣) فأحرقت على يدهم كتب خليل بن عبد الملك، وإحياء العلوم للغزالى، ومعظم كتب ابن رشد. وفر الحباب، وابن مسرة وأتباعه، وعبد الرحمن ابن زيد الملقب بأقليدس الأندلس. حتى إذا انقرضت دولة بني أمية، وصارت الأندلس إلى ملوك الطوائف، وبيعت كتب القصور انتشرت العلوم على اختلاف أنواعها انتشاراً واسعاً:
كان عبد الرحمن الثاني أول من بدل حياة البلاط من خشونة إلى ترف باستقدامه زربابا الشاعر من بغداد فأدخل الغناء والموسيقى الشرقيين إلى الأندلس. وتألق في بلاطه الشعراء: يحي بن الحكم بن الغزال - وقد نشر فابريسيوس Fabricius تقرير ابن الغزال عن سفارته إلى ملك النورمان في أعمال مؤتمر المستشرقين ٨ سنة ١٨٩٢ - وتمام ابن علقمة، وحسانة التميمية.
وقال عبد الله الشعر فشاع بين الناس وظهر فيه: القلفاط، وعبيد يس، وسعيد بن جودي شاعر الفروسية، ومقدم بن معاني القبرى الضرير مبتدع الزجل والموشح.
وشمل عبد الرحمن الناصر الثقافة برعايته فاشتهر الشاعران: ابن هانئ والزبيدي، والمؤرخون: الرازي، وابن القوطية، والخشنى. وصاحب الموسوعة:
стр. 85
ابن عبد ربه. ورائد الفلسفة: ابن مسرة - الذي سبق أن رأس حلقة في جبل العروس (٩٠٠) فنشأت على غرارها حلقات في المدن الإسبانية حتى القرن الثالث عشر -، وعالم الرياضيات والفلك أحمد بن نصر، ومسلمة بن القاسم، ولكنهما تسترا على بحوثهما خوفاً من الفقهاء والعامة. وترجم كتاب ديوسقوريدس في العقاقير الطبية (٣).
وقدم الحكم الثاني العلماء والفلاسفة والرياضيين والفلكيين فظهر مذهب مسلمة المجريطي الذي أدخل رسائل إخوان الصفاء في الأندلس، واشتهر ابن صلا الله القرطبي بآرائه المعتزلية المنحرفة. وازدهر الطب بفضل أبي القاسم الزهراوي صاحب التصريف لمن عجز عن التأليف، في جزء ين، جمع الثاني معارف الجراحة في عصره، وقد ترجم إلى اللاتينية، وصدرت منه طبعات متعددة (البندقية ١٤٩٧، بال ١٥٤١، أكسفورد ١٧٧٨) وظل مرجعاً في مدرستي الطب في سالرنو ومونبلييه (١) - وعلم النبات على يد ابن جلجل (المتوفى ٩٨٢) كما احتفى الحكم بوفادة أبي على القالى الذي خلف أثراً كبيراً فيمن عاصره أو جاء بعده من أهلها.
أما ملوك الطوائف فقد تنافسوا - وكان معظمهم على جانب كبير من الثقافة - فيما بينهم في ميادين الفنون والآداب والعلوم فنبغ في غرناطة: أبو الفتوح الجرجاني، وصمويل بن نجدله. وفي بلنسية: ابن وهبون، والوقشي، وابن خفاجة، وابن سيده صاحب كتاب المخصص.
وفي بطليوس: جمع المظفر بن الأفطس مواد موسوعته المظفرية. وفي أشبيلية: كان المعتضد والمعتمد وزوجته اعتماد ووزيره ابن عمار من أعلام الشعر.
стр. 86
فقربوا ابن حصن، وابن زيدون، وابن اللبانة. وفي قرطبة: استوزر ابن حزم (المتوفى ١٠٧٤) مؤلف طوق الحمامة، والخصال، والفصل في الملل والأهواء والنحل، والمقتبس في تاريخ الأندلس.
وفي طليطلة: اشتهر الزرقاني (المتوفى ١٠٨٧) بالفلك - الذي عاون على وضع الزيج الطليطلي فأثرت ترجمته بعد فقد أصله في أوربا حتى عهد كولمبس - وابن البغونش بالفلسفة والرياضيات، وابن الوافد ومحمد التميمي بالطب. وابن أرفع رأسه بالشعر، وابن غيث بتحرير العقود، وصاعد الطليطلى والحجاري بالتاريخ.
وفي سرقسطة: كان المقتدر والمؤتمن من أنصار الفلسفة والرياضة والفلك. وقد صنف المؤتمن كتاباً في الفلك، ونزل بسرقسطة الفيلسوفان ابن جبيرول، وابن باجة وغادرها الطرطوشي صاحب كتاب سراج الملوك إلى الإسكندرية (١٠٨٩).
وفي المرية: مهد الوزير أحمد بن عباس للعلم والأدب بمكتبته التي ضمت أربعمائة ألف مجلد، فلجأ إليها من الشعراء: ابن شرف البرجي، وابن الحداد. وعاش فيها أبو عبيد الله البكرى (المتوفى ١٠٩٤) أحد طلائع رواد الجغرافيين صاحب المسالك والممالك.
أما الدويلات الأخرى فقد اقتصر ملوكها على الاحتفاظ بما لديهم من فن وأدب وعلم أو الترحيب بمن يفد عليهم من أصحابها.
وفي عهد المرابطين طفق الشعب يحتفل بأعياد غير إسلامية ويسير أعماله على التقويم الغربي ويلبس أزياءه ويتحدث بلغته، فلم يفت ذلك في عضدهم فجمع أبو يعقوب يوسف في داره حلقة من الشعراء والعلماء، وأقام بعضهم تراجمة على كتب أقليدس وأرسطو، وولى غيرهم كبار المناصب كابن رشد الذي جعله قاضي القضاة بأشبيلية. وممن اشتهر في عهد المرابطين: ابن خاقان، وابن بشكوال، والضبي، وابن خير، وأبو أحمد الغرناطي، وابن مسعود، وابن سهل الضرير، وجبير ابن أفلح الأشبيلي، وأبو الصلت الداني، وسفيان الأندلسي، وأبو العلا بن زهر، وابن أبي الخصالة، وعياش بن موسى، والرشاطي، وابن الباذش، وأبو بكر بن العربي.
وممن أشتهر في عهد الموحدين من الشعراء: أبو جعفر بن سعيد، وعبد الرحمن
стр. 87
السهيلي، وأبو الحسين محمد بن جبير، وأبو البقاء الرندي. ومن شراح الأدب: عقيل بن عطيه، والشريشي. ومن الرحالة: أبو محمد حامد المازني الذي بلغ روسيا (١١٣٦) ومن الفلكيين: البطروجي (المتوفى ١٢٠٤) مؤلف كتاب الهيئة. ومن الجغرافيين: ابن جبير (المتوفى ١٢١١) صاحب كتاب اعتبار الناسك في ذكر الآثار القديمة والمناسك. ومن المؤرخين: ابن الأبار (المتوفى ١٢٦٠). ومن علماء الطب: ابن زهر الوزير مصنف كتاب التيسير في المداواة والتدبير. والغافقي (المتوفى ١١٦٥) جامع نباتات إسبانيا وأفريقيا بأسمائها العربية واللاتينية والبربرية، ومؤلف كتاب الأدوية المفردة، وابن العوام الأشبيلى (المتوفى ١١٨٥) صاحب كتاب الخلاصة الأندلسية، وهو خير ما صنف في الزراعة يومئذ. ومن علماء النبات: ابن البيطار (المتوفى ١٢٤٨) أشهر علماء النباتات والصيدلة في الإسلام، وقد جمع في كتابه: الجامع في الأدوية، والمغني في الأدوية معارف اليونان والعرب واختباراته الشخصية، فعدد له الدكتور مايرهوف ١٤٠٠ عقار منها ٤٠٠ لم يعرفها اليونان، وقد ترجم المغني إلى اللاتينية وطبع في كرمونا. وهو خير ما صنف في الزراعة يومئذ. ومن الفلاسفة: ابن باجه (المتوفى ١١٣٨) وقد رمى بالزندقة، ومن مؤلفاته: تدبير المتوحد الذي حفظ مختصراً بالعبرية، (نشر قسماً منه مونك، ١٨٥٧) ورسالة الوداع، وهي مشروحة بالعبرية ومجموعة في الفلسفة والطب والطبيعيات (منها نسخة في برلين وأخرى في أكسفورد) وابن طفيل المراكشي (المتوفى ١١٨٥) صاحب كتاب أسرار الحكمة المشرقية، وقصة حي بن يقظان (منها مخطوط في أكسفورد) وقد تأثر بها فلاسفة العصر الوسيط ونشرت وترجمت بلغات عديدة. وابن رشد (المتوفى ١١٩٨) خير شارح الأفلاطون وأرسطو وقد ذكر رينان له ثمانية وسبعين كتاباً منها تهافت الفلاسفة، وتهافت التهافت، والمقولات، والشروح على أرسطو، وبعضها محفوظ بترجمات عبرية أو لاتينية منقولة عنها، والعقل والمعقول، ومقدمة الفلسفة في اثنتي عشرة رسالة (الإسكوريال) والكليات في الطب الذي طبع في أوربا مراراً. وقد سيطرت فلسفته على جميع مراكز الثقافة في أوربا حتى القرن السادس عشر، على الرغم مما لاقته من أهل السنة في الأندلس، ثم من علماء التلمود، ثم من بعض رجال
стр. 88
الدين النصارى، وقد صنف فيه رينان كتاباً بعنوان: ابن رشد والرشدية (باريس ١٨٥٢ - ٦٩) وقال فيه: ألقى أرسطو على كتاب الكون نظرة صائبة ففسره وشرح غامضة، ثم جاء ابن رشد فألقي على فلسفة أرسطوا نظرة خارقة ففسرها وشرح غامضها. وقال فيه كارا دي فو: كان شرحه لأرسطو أوفي شرح في العصر الوسيط (١) ومحيي الدين بن عربي (المتوفى ١٢٤٠) أعظم عبقرية تفتق عنها التصوف الإسلامي وقد تأثر بكتابيه: الفتوحات المكية، ومختصره فصوص الحكم دونس سكوتوس، وروجر بيكون، ورايموندو لوليو، وفلاسفة اليهود من أمثال يحيى بن لاوي، وموسي بن ميمون. وكان ابن تومرت مؤسس دولة الموحدين من تلاميذ الغزالي (١١٠٧) قد نشر الأشعرية في المغرب فقامت لها سوق في صقلية والقيروان وقرطبه.
وعلى الرغم من اقتصار دولة الإسلام في الأندلس على مملكة غرناطة، ورحيل كثير من أهل الفن والأدب والعلم عنها، وإهمال المسلمين للغتهم فقد أنشأ بعضهم المدارس لقراءة القرآن، وصنف مفتي سيجوفيا (١٤٦٢) كتاب فروض السنة، ونبغ الشاعران: ابن سعيد المغربي، وأثير الدين أبي حيان، والمؤرخان: ابن الخطيب (المتوفى ١٣٧٤) الوزير ومصنف نحو ستين كتاباً سلم منها عشرون أشهرها الإحاطة في تاريخ غرناطة. وابن خلدون (المتوفى ١٤٠٦) أسبق عالم إلى فلسفة الاجتماع، إذ بينه وبين مونتسكيو مؤلف: روح الشرائع (١٧٤٨) عدة قرون. والنحوى أبو حيان البربري الأصل، وقد ألف في نحو اللغات: الفارسية والتركية والقبطية والحبشية. والرحالان: العبدري، وابن رشيد، والرياضيان: ابن البناء، والرقوطي. وبقيت العربية لغة المعاملات والعقود حتى عام ١٥٨٠ واستمر بعض أهل قرى بلنسية يتخاطبون بها إلى أواخر القرن التاسع عشر.
هذا خلا فقهاء الأندلس ومحدثيها وقراءها، وعدا علماء شمالي أفريقيا الذين اشتهروا فيها من أمثال: الشريف الإدريسي (المتوفى ١١٦٦) الذي ولد في سبتة واشتهر في بلاط روجه الثاني ملك صقلية وألف له: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، وذيله بتسع وستين خريطة ظلت مرجع جغرافي أوربا طوال ثلاثة قرون ونصف
стр. 89
قرن. وابن سبعين (المتوفى ١٢٧١) العالم المتصوف الذي فر من الأندلس إلى أفريقيا وهو صاحب الرسائل العديدة، منها الأجوبة عن الأسئلة الصقلية. وحسن المراكشي الذي نشر جداول الرياضة في مراكش (١٢٢٩) وظل كتابه شكل القطاع مرجعاً مدى مائتي عام. وابن بطوطه (المتوفى ١٣٧٧) الذي ولد في طنجه، وقد استغرقت رحلته في أفريقيا وآسيا والشرق الأقصى خمساً وعشرين سنة، وأطلق عليها: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.
فهل قضى على ذلك التراث الإسلامي بالقضاء على غرناطة؟ .
стр. 90
الفصل الخامس
النهضة الأوربية
لم يطلب الإسلام من الإسبان الذين دخلوا فيه إلا النطق بالشهادتين لقاء إعفائهم من الجزية والضرائب والخبايات، وترك للنصارى واليهود حرية الدين والشريعة والحكم، ما عدا أيام نفر من الخلفاء خضعوا لسلطان الفقهاء أو الأمراء الذين حملتهم الأغراض على التشبه بهم (١).
(١) واستعان الفاتحون أول ما استعانوا باليهود فولوهم كبرى المدن وقربوا المتعلمين منهم. فاستوزر عبد الرحمن الناصر ومن بعده الحكم الثاني الطبيب حسداي بن شبروط (٩٤٥ - ٩٧٠) زميل الزهراوي، والمعاون على نقل كتاب ديوسقوريدس في العقاقير الطبية، ثم استوزر الأمير حبوس في غرناطة الأديب صموئيل بن نجدله (١٠٢٤) مؤلف كتاب القصص اليهودي، وصاحب أشهر المكتبات المعدودة (٢). فاطمأن اليهود، بعد اضطهاد القوط، إلى سماح الحكام المسلمين، وأقبلوا على لغتهم: قواعد ومفردات وعروضاً وثقافة ينحون نحوها ويوازنون بها لغتهم لتحقيق تطورها التاريخي، ويفيدون من علم الكلام في إرساء الدراسات التلمودية، ويأخذون بفلسفتها فيشتهر منهم: ابن جبيرول (١٠٢١ - ١٠٥٨) الذي تأثر في قصائده العبرية بالشعر العربي، وضمن فلسفة ابن مسرة في كتابه الرئيسي ينبوع الحياة (وقد ترجم إلى اللاتينية ١١٥٠، ثم ترجمه مونك بالفرنسية) وإصلاح الأخلاق (نشره متنا وترجمة إنجليزية ستيفن س. ويز نيويورك ١٩٠٥) وموسي بن ميمون (المتوفى ١٢٠٤) الذي احتل المقام الثاني بعد ابن رشد مواطنه ومعاصره، وصنف بالعربية في الطب والفلسفة ما خلا كتاب دليل الحائرين - وقيل دلالة الحائرين (حقق ترجمته جويستنياني، باريس ١٥٢٠
стр. 91
ونشره مونك بحرفة العبري وترجمة فرنسية، في ثلاثة أجزاء، باريس ١٨٥٦ - ٦٦) وتأثر بفلسفته البر الكبير، وخصمه دونس سكوتوس، ثم سبينوزا، وكنت. ثم أصبحت شروح ابن رشد على أرسطو منذ القرن الثالث عشر أساً لمذاهب اليهود في التوفيق بين الفلسفة المشائية وبين العقيدة الموسوية (١). ومن العلماء: يوسف ابن حداي، واضع الشرح على كتاب أبقراط بعنوان شرح الفصول، ومن النقلة: يوسف قمحي (١١٩٠) مترجم المرشد إلى واجبات القلب للفيلسوف بهية من العربية إلى العبرية، وإبراهام بن حسداي مترجم كتاب التفاحة المنسوب إلى أرسطو (ثم ترجمة إلى اللاتينية لوزيوس ١٧٠٦) (٢) ويهوذا الحريزي (المتوفى ١٢١٨) مترجم كتاب السياسة لأرسطو (وقد نشرت الترجمة في مجلة الجمعية الآسيوية الملكية بلندن ١٩٠٧) وكتاب آداب الفلاسفة لناسخه محمد بن على ... الأنصاري (نشر الترجمة لوفنتال في كتاب حكم الفلاسفة، فرانكفورت ١٨٩٦) وكتاب النفس لأرسطو (وكان قد نقله من اليونانية إلى السريانية حنين بن إسحق ومن السريانية إلى العربية ابنه إسحق وما زال المخطوط في تورين تحت رقم ١٥٧) فحفظت هذه الترجمات مع مثيلاتها، في أوربا، أصول مصنفات العرب التي بددت معظمها الفتن والانقلابات.
(ب) وتزوج العرب، الذين دخلوا الأندلس من غير نساء، من النصرانيات: فعرفت زوجة موسى بن نصير، وكانت أرملة الملك رودريك، بأم عاصم، وولد عبد الرحمن الناصر لأم نصرانية، وزوج المعتمد إحدى بناته لألفونسو السادس ملك قشتاله. وتشبه المسلمون بحكامهم حتى غلب على المعروفين منهم باسم مور - ومعناها بالفينيقية غربي - الدم الإسباني. ولطالما اشترك المسلمون والنصارى، في الأعياد الإسلامية والمسيحية واستخدموا المبنى الواحد مسجداً وكنيسة، ما عدا أيام الخلفاء الذين خضعوا لسلطان الفقهاء، فقد كان بعضهم يوجب على النصاري التخلى عن أسمائهم النصرانية، بينما يقرهم البعض الآخر على ترك تشبههم بالمسلمين والتسمية بأسمائهم (٣). ومن وجوه النصارى الذين تسموا بأسماء عربية: ابن العزيز
стр. 92
الحمامي، وخالد سلمان، وصالح بن عمر، والأسقفان: ربيع بن زيد، والأصبغ ابن عبد الله بن نبيل (١). وقد يسر لهم الخلفاء إحراز المناصب في السفارات وقصور الخلافة وقيادة الجيوش: فعندما ردت قرطبة على بغداد في أسفارها إلى الدول الأوربية بعث عبد الرحمن الثاني يحي بن الغزال إلى ملك النورمان والدانمرك (٨٤٥) وتبادل عبد الرحمن الناصر السفارات مع القسطنطينية (٩٥٠) وأوفد أسقف قرطبة ريسيموندو المشهور عند العرب بربيع بن زيد إلى أوتو إمبراطور ألمانيا، واحتفي بسفيرة الأسقف جرتز (٩٥٣) فقضى في قرطبة ثلاث سنوات تعلم خلالها العربية ورجع منها بالمخطوطات النفيسة. ووفد على بلاط الخليفة سفراء بيزنطية وألمانيا وإيطاليا وفرنسا (٢). وفي بلاط الخلافة يقول المقري: وتقدم الحكم الثاني باستدعاء أردون (ابن ألفونسو) وقد حفته جماعة من نصاري وجوه الذمة يؤنسونه ويبصرونه، فيهم: وليد بن خيزران قاضي النصارى بقرطبة، وعبيد الله ابن قاسم مطران طليطلة وغيرها (٣). وممن تولى قيادة جيوش المسلمين السيد، وقد تلقب به دون رودريك الذي قضى أجمل أيامه في خدمة عرب سرقسطه عند ما أقصاه ألفونسو السادس (١٠٨١) ثم قاتل المسلمين إلى جانبه.
أما الثقافة العربية فيقول البارو القرطبي في كتابه الدليل المنير: وأقبل أهل مالقة على مصنفات المسلمين في الأدب والفقه والفلسفة تثقفاً بثقافتها لا للرد عليها وبذلوا أموالا طائلة في تأسيس مكتباتها. وينطبق قوله على المستعربين في الأندلس قاطبة الذين جروا على عادات المسلمين في نظام الحريم وختن الأولاد وإتقان العربية واستعمال حروفها لكتابة اللاتينية. ثم على الخاصة من النصارى وقد آثروا أسماء العرب ولغتهم وثقافتهم، وفي طليعة هؤلاء رجال الدين فاختلفوا إلى مدارس المسلمين ومجامعهم ومكتباتهم ثم قبعوا في أدبارهم ينقحون ذلك التراث ويترجمونه ويفسرونه ويصنفون فيه ويذيعونه بين الرهبان وطلاب العلم، فينتشر انتشاراً سريعاً بفضل مدارسهم في أديار: ريبول - حيث تعلم الأب جربر،
стр. 93
وترجم إلى اللاتينية من مخطوطات مكتبتها المصنفات الرياضية والفلكية كالزيج المنصوري - وسان كوجات، وسان ميليان، وثيلا نوبا، وسائر مدارس المستعمر بين في قرطبة. ومنذ القرن العاشر حملت الكاتدرائيات العبء الأكبر عن الأديار، فذاعت شهرة مدارس: أوبيدو، وليون، وبيك، وخيرونا، وبرشلونه، وسانتياجو دي كوبو ستيلا. وقامت مثيلات لها في: باريس وشارتر، وأورليان، وتور، ولاؤن، وريمس، وفي كبرى مدن إيطاليا وإنجلترا وبلجيكا وغيرها. ثم أنشأ الرهبان الفرنسيسكانيون دير عكا (١٢٢١) وعلم العربية فيه الأب روبرك. ومدرسة ميرامار (١٢٧٦) فأشرف عليها رايموندو لوليو خلال عشر سنوات، وتعلم فيها العربية أحد عشر راهباً، وقد عاون لوليو رايموندو مارتيني الدومينيكي واستأنف نشاطه دي ليرا الفرنسيسكاني في القرن الرابع عشر. وقرر مجمع طليطلة (١٢٥٠) الانفاق على ثمانية من الرهبان الدومينيكيين، على رأسهم رايموندومارتيني كانوا قد انقطعوا لدراسة العربية وصنف أحدهم أول معجم عربي إسباني (١٢٣٠) خلا نفر من زملائهم أرسلوا إلى باريس، لتعلم اليونانية والعربية والعبرية فيها (١٢٥٥) ثم كلفهم مجمع بلنسيه (١٢٥٩) تأسيس مدرسة للعربية والعبرية في قطلونيا (١٢٦١) وقد صنف أحدهم غليوم الطرابلسي كتاباً عن الإسلام، أهداه إلى من أصبح البابا غريغوريوس (١٢٧١ - ١٢٧٦) وألف دي مونتي كروسيس كتاباً عن عقائد تركيا والتتر.
وانتشرت مدارس الرهبان العربية في أشبيلية (١٢٥٠) وميورقه (١٢٥٥) وبرشلونه (١٢٥٩) وبلنسية (١٢٨١) وجانيفا (١٢٩١) وقد تطور بعض مدارس الكاتدرائيات إلى جامعات ونالت على غرارها حقها المعلوم في مساعدة الباباوات والملوك، ومن أشهرها:
جامعة بلنسية (١٢٠٨) التي انتقلت إلى صلمنكه (١٢٢٧) ومعهد الدراسات الشرقية في طليطلة (١٢٥٠) وجامعة بالما (١٢٨٠) وجامعة لشبونه (١٢٩٠) وجامعة لريدا (١٣٠٠) وجامعة بلد الوليد (١٣٠٤).
وكان دون رايموندو الأول رئيس أساقفة طليطلة (١١٢٦ - ١١٥١) قد أنشأ فيها مكتب المترجمين (١١٣٠) فنقل المسلمون واليهود والنصارى إلى اللاتينية
стр. 94
أمهات كتب الرياضيات والفلك والطب والكيميا والطبيعة والتاريخ الطبيعي وما وراء الطبيعة وعلم النفس والمنطق والسياسة، ومن أشهرها: أورجانون أرسطو بشروح الكندي والفارابي وابن سينا والغزالي ومختصراتهم له. ومؤلفات أقليدس وبطليموس وجالينوس وأبقراط، بشروح الخوارزمي والبتاني والبطروجي، كما نقلوا الكثير من مصنفات علماء العرب واليهود ومن أشهر المترجمين: جونثالث، ويوحنا بن داود الأسباني، ويوحنا الأشبيلي، وروبرت أوف تشتسر، وهرمان الدماطي، وأوجودي سانتلا، وأفلاطون التيفولى، وساراشل وغيرهم. وبفضل مكتب الترجمة والمدارس والمكتبات، ظلت طليطلة طوال قرنين ملتقى طلاب العلم، من إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، يفدون عليها وينهلون من الثقافة العربية فيها ثم يرجعون إلى بلدانهم فيذيعونها بين أهلها.
ولم يقف رجال الدين والمثقفون عند الترجمة من العربية بل نقلوا إليها، وكتبوا بها وصنفوا فيها: فنقل من اللاتينية إلى العربية يوحنا رئيس أساقفة أشبيلية التوراة (٧٢٤) والأب فيسنتي ثمانية أجزاء في قوانين الكنيسة، وأهداها إلى الأسقف عبد الملك في أبيات من الشعر العربي الرصين مطلعها:
كتاب لعبد الملك الأسقف الندب جواد نبيل الرفد في الزمن الحدب
ونقل إسحق فلاسكز إنجيل لوقا (٩٤٦).
وصنف ربيع بن زيد الأسقف كتاباً في تفصيل الأزمان ومصالح الأبدان، وآخر بعنوان الأنواء. ووصف أسقف جرتز رحلته إلى قرطبة في كتاب نفيس. واستمروا على ذلك حتى بعد أن استعاد ألفونسو السادس طليطلة (١٠٨٥) وغيره غيرها. فألف بدر وألفونسو (١٠٦٢ - ١١١٠) كتاباً بالعربية عنوانه: تعليم رجال الدين، ثم ترجمة إلى اللاتينية، ومنها نقل إلى لغات كثيرة، وقد طواه على ثلاث وثلاثين قصة شرقية اقتبسها عن حنين بن إسحق، ومباشر، وكليلة ودمنة، كما ألف محاورات مع اليهود ورسائل فلكية وخرائط جغرافية حققها فاليكروسا (تربيز ١٩٣٧) وصنف جونثالث، إلى جانب ترجماته في مكتب طليطلة، عدة كتب من أشهرها: خلود الروح، معتمداً على ابن سينا، وابن جبير ول. وحول فيض العالم، ناحياً
стр. 95
فيه نحو الفلسفة الإسلامية. وفي فروع الفلسفة، متأثراً بالفارابي. وأرخ رودريك كزيمنس رئيس أساقفة طليطلة (١١٧٠ - ١٢٤٧) لإسبانيا من البدء إلى عام ١٢٤٣ (فترجمة الأب ريبيرا دي بريخا إلى القطلونية سنة ١٢٦٦ وترجمه دي هينوخوسا أسقف بروجس ١٣١٣ - ١٣٢٧ إلى القشتالية) والتاريخ العربي من النبي إلى الموحدين، وفيه مختصر عن كتاب الرازي (والكتابان مطبوعان في فرانكفورت ١٩٠٣) وقد ظهر أثر الرازي في كتاب التاريخ العربي الذي صنفه بدرو دل كورال.
(ج) وعندما طفق ملوك إسبانيا يستعيدونها من المسلمين لم يعطلوا تراثهم أو يكتفوا بما نقلوه منه، وإنما عمدوا إلى إقامة حكمهم على أساسه والمفاخرة به. فكان بدرو الأول ملك أراغون لا يحسن من الكتابة إلا العربية. وجرى الفونسو السادس على غرار أسلافه وتسمى بإمبراطور العقيدتين الإسلامية والنصرانية، وجعل من طليطلة منارة معارف، زادت تألقاً، أيام ألفونسو السابع، باعتصام العلماء بها من تعقب الموحدين. واحتفظ الفونسو الثامن بالكتابة العربية على نقوده، وكانت المسكوكات الإسلامية والفرنسية عملة ممالك النصارى طوال أربعمائة سنة. وفي عهد ألفونسو العاشر (١٢٥٢ - ١٢٨٤) الملقب بالحكيم بلغت الثقافة الأوج، فأنشأ معهداً للدراسات العليا في مرسيه (١٢٦٩) واختار له أعلام المسلمين والنصاري واليهود، وعلى رأسهم أبو بكر الرقوطي، ثم نقله إلى أشبيلية وألحق به مجمعاً علمياً امزج الحضارتين الإسلامية والمسيحية في حضارة إسبانية موحدة، كما حافظ على طابع طليطلة في مركزها الثقافي العالمي. وجمع حوله العلماء وعهد إليهم بالترجمة والتصنيف، وكان يشرف بنفسه على التوجيه والتحرير والتلخيص، فترجم إلى الأسبانية: الإنجيل، والقرآن، والتلمود، والقبالة، وسر الأسرار المنحول لأرسطو، ثم كتاب كليلة ودمنة (١٢٥١) - من ترجمة لاتينية لترجمة عبرية لترجمة فهلوية للترجمة السنسكريتية المزعومة، ثم ترجع إلى أربعين لغة، والترجمة الأسبانية نشرها اليماني (١٩١٥) - وألف ليلة وليلة، وكتاباً في التنجيم العبيد الله محمد الأستيجي. وصنف التاريخ العام المعروف باسمه، وقد ضمنه تاريخ إسبانيا للأسقف رودريك الطليطلي وبعض الأحداث والقصص والأساطير (١٢٦٠ -
стр. 96
١٢٦٨) وكتاب فن الشطرنج (نشره ارنالد شتايجر، زوريخ ١٩٤١) وديوان التسابيح، وقد طواه على ٤٥٠ قصيدة نظمها بالقشتاليه والحيليقية البرتغالية وزينه ب ١٢٢٦ نقشاً (١٢٨٠) واستعان بقوانين القوط والرومان والكنيسة في وضع مجموعة من الشرائع ما زالت أساً للتشريع الأسباني. وأنشأ مكتباً لتصنيف كتب علم الفلك المترجم منها كاسطرلاب مسلمة المجريطي ليوحنا الأشبيلي، وزيج البتاني لأفلاطون التيفولى (١١٤٠) وغيرها، وأمر بترجمة ما تبقى من أمهاتها، فتجمعت لديه مصنفات الزرقاني، وللمسلمة المجريطي: غاية الحكيم، وشروحه على النظام الرياضي لبطليموس، التي نقلها رودلف دي بروجس، ورسائل قسطا بن لوقا، وعلى بن خلف وغيرهم. وكان الملك يراجع ما أنجز من ترجمانها وينظمه ويختصره ويصلح من أسلوبه. ويشرف، في الوقت نفسه، على صنع الآلات والأجهزة لعلم الفلك، لم تكن معروفة من قبل، فجمع ذلك العلم في:
ا- الكتب الأربعة في نجوم الفلك الثامن.
٢ - الكتب الألفونسية في أجهزة علم الفلك وأدواته وكتبه (البندقية ١٤٨٣ - ١٤٩٢).
٣ - كتاب الزيج الألفونسى في دراسة التقاويم.
وقد نشر هذه المجموعة مانويل ريكواي سينوباس. M.R.YSinobas في خمسة أجزاء (مدريد ١٨٦٣ - ٦٧). وشجع دون فادريك، أخو الفونسو العاشر على ترجمة مجموعة السندباد من ألف ليلة وليلة، فترجمت إلى الإسبانية بعنوان: مكايد النساء وحيلهن (١٢٥٣؛ ثم نشرها بونيلا في مجموعة المكتبة الأندلسية المجلد الرابع عشر) وترجمها دياجو دي جانيثارا في القرن الخامس عشر (مجموعة قصة علماء رومة السبعة) وماركوس بيريث (١٥٣٠) وبدرو دي لافيرا (١٥٧٣).
٢ - من إسبانيا:
ولم يقتصر أثر التراث العربي على العلوم المتقدمة أو يقف عند حدود إسبانيا وإنما تجاوزها إلى التغلغل فيها لأوربا من قصص وأساطير ومقامات وشعر وموسيقي وغناء: فغلب على قصص دون خوان مانويل الطابع العربي على الرغم من صياغته في أسلوب مبتكر. وأشار الأب بو اليسوعي إلى وجه الشبه بين قصة حي ابن يقظان
وبين الفصول الأولى من الكريبتيكون لبلتازار. وعند ما ترجمها أوكلى إلى الإنجليزية (١٧٠٨) أوحث إلى ديغويه بقصة روبنسون كروزوه. وكان سرفنتس (١٥٤٧ - ١٦١٦) قد قضى ردحاً من الزمن سجيناً في الجزائر فتأثر بها في قصته دون كيشوت وقال عنها كاراديفو: إنها جديرة باعظم نوابغ الفلسفة (١).
стр. 97
ورد جارنوي معظم الأقاصيص التي بنت عليها فرنسا فنها إلى أصل شرقي (١). وهناك مجموعة من الحكم والأمثال صنف فيها الإسبان على غرار العرب: فالأقوال الذهبية مقتبس من كتاب الأمثال لابن فاتك المصرى. وكلمات الفلاسفة وحكمهم، وهو أول كتاب نشر في إنجلترا، شبيه بمختار الحكم لابن فاتك المذكور. والأمثال الطبية مستقي من حكم الفلاسفة لحنين بن إسحق (وقد ضاع أصله العربي وسلمت ترجمته العبرية فنقلها إلى الألمانية لوفنتال، فرانكفورت ١٨٩٦) ونصائح الملك سانشو ووثائقه مستخرج عن واسطة السلوك في سياسة الملوك لأبي حمو موسي بن يوسف ملك تلمسان. وكليلة ودمنة كانت من مصادر لافونتين كما اعترف هو نفسه.
وفن الموشحة بما فيه من تعدد القوافي والوزن وتضمين الغزل والوصف والتشبيب؛ ترك في إسبانيا وأوربا أثرا بالغاً. فنظم خوان رويث نائب أسقف هيثا ديوان الحب الطاهر، متأثراً بالمقامات وفلسلسفة ابن حزم والأفلاطونية الحديثة، فجاء أنفس ديوان في الأدب الأسباني يومئذ. وقد أثبت ريبيرا أي طراجو، في بحثه شعر ابن قزمان، أن الشعر الغنائي الذي عرف في فرنسا باسم الشعراء الموالين «التروبادور» وانتقل منها إلى ألمانيا وأطلق عليه منيسانجر (١١٣٠ - ١١٥٠) نمت جذوره في تربة إسبانية من الزجل العربي بالأندلس (٢) واعترف لانسون بأن الغزوة العربية جاءت الغرب بكثير من علوم الحساب والطب والفلسفة ... وبشعر كثير الصور غذي الشعراء الموالين، وبقصص ترك أثره في الأمثال والروايات (٣). ففي
стр. 98
فرنسا تأثر به الكونت دي بواتييه (١١٠١) - الذي اشترك في الحملة الصليبية الأولى وتغني بنصرها، وكان ملحداً فطرده الأسقف من الكنيسة، ثم التي به فقال له: اغفر لي وإلا قتلتك. ولما مد الأسقف له عنقه لوى عنه مجيباً: لست أحبك بالقدر الذي يكفي لأن أبعثك إلى السماء- ثم عدل فن الموشحة (١٠٧١ - ١١٢٧) وظهر أثر بواتييه وعليه الطابع العربي، في الشعراء أمثال: الراهب دي مونتودون، ورينو، وما جربه، وماركيري. وتجاوز بواسناد الزجل فقال: لم تكن ملحمة رولان، وهي أغان شائعة منذ القرن التاسع جمعت (١١٣٠) واعتبرت أسمي تراث في الأدب الأوربي يوم ذاك، إلا صدى لاشتراك الفرنسيين في الحروب بين المسلمين والنصارى في أراغون (١). ثم أثر الشعر القصصي الفرنسي في الشعر الإسباني فنظمت ملحمة السيد (١١٦٠) وفي الشعر الإنجليزي عندما انتقلت ماري الفرنسية إلى إنجلترا في عهد هنري الثاني فنظمت عدداً من القصص شعراً: كقصة طروادة، في ثلاثين ألف بيت (١١٨٤) وقصة الإسكندر، في عشرين ألفاً (١٢٠٠) وقصة بروت، في اثنين وثلاثين ألف بيت (١٢٠٥) وتبعها شعراء عديدون. وظهرت الموشحة في ألمانيا في شعر دردامن وأتباعه. وفي إنجلترا في شعر دي مريل ونظرائه. وفي البرتغال في شعر ديونيس وأشباهه. وفي إيطاليا طبعت الموشحة بطابعها موضوعات الشقاء والخصام وأغاني المرافع ولا سيما في مدائح دي تودي، ومرقصات دي مديتشي.
ولمع من العرب موسيقيون في قصور ملوك قشتاله وأراغون حتى إذا ترجم أدلرد أوف باث رسالة الخوارزمي في الرياضيات، وفيها قسم عن الموسيقى عدت أقدم الرسائل التي أدخلت الموسيقى العربية أوربا. ثم شاعت في الجنوب الغربي منها، منذ القرن الثالث عشر، موسيقى شعبية منبثقة من مصادر عربية انبثاق شعر الغزل الغنائي والتاريخي والملحمي، وقد وضع الفونسو الحكيم ألحان تسابيحه على أساس الموسيقي العربية. وأصبحت آلات الطرب عربية بكامل أسمائها، مثل: القيثارة، والمزمار، والعود، والأرغن، والبوق، والنفير، والطبل. وجل أسماء الأمكنة والبقاع والصناعة
стр. 99
وأصناف الماعون ومرافق الحياة وبعض المصطلحات العلمية والأدبية والفنية، في اللغتين الإسبانية والبرتغالية عربية صرف (١)، وما زال فيها منها أربعة آلاف كلمة متداولة، وانتقل إلى اللغات الأوربية من مصطلحاتها في الطب: كجلاب، ورب، وشراب، وكحل، وإنبيق. وفي علم الجبر: الجذر الأصم، والصفر، والتقويم. وفي علم الفلك: العقرب، والجدي، والفرقد، والسمون، والنظير والسمت.
وعبرت الثقافة العربية - بفضل الرهبان ولاسيما الملتحقين بدير كلوني، واللاجئين إلى فرنسا - جبال البرانس والألب إلى فرنسا وإيطاليا وإنجلترا وألمانيا وغيرها، ثم استقرت في أشهر مراكزها، ففي فرنسا: وضعت تقاويم فلكية مبنية على أزياج طليطلة بمرسيليا (١١٤٠) وأنجز هرمان الدماطى ترجمة إصلاح المجسطي في تولوز (١١٤٣) وترجم إبراهيم بن عزرا المعروف بابن ماجد (١٠٩٠ - ١١٦٧) أحد شارحي التوراة، ومدرس السامية في لندن (١١٥٨) رسالتين في التنجيم لما شاء الله، وشرح البيروني على زيج الخوارزمي، في أربونه (١١٦٠) وصنف كتابين في الحساب. وهاجرا بن طبون (المتوفى ١١٩٠) من الأندلس إلى جنوب فرنسا وترجم مصنفات: سعديه جاؤن، وابن جبيرول، ويحيى بن لاوي. وترجم موسي بن طبون ٣٠ كتاباً من العربية إلى العبرية في مرسيليا (١٢٤٠ - ١٢٨٣) أشهرها: كتاب الأصول لإقليدس، والقانون الصغير لابن سينا، والترياق للرازي، وثلاثة من مؤلفات ابن ميمون بينها الشرح (١٢٥٧) وشروح ابن رشد الصغرى على أرسطو، وزاد المسافرين للجزار، والعمل بالكرة ذات الكرسي لقسطا بن لوقا. وترجم الطبيب شم طب في مرسيليا كتاب المنصوري للرازي (١٢٦٤). وتزعم يعقوب بن طبون حركة الكفاح من أجل ابن ميمون في مونبلييه، وترجم عدداً من رسائل الفلك العربية إلى العبرية. ودرست كتب الطب العربي في مونبلييه قروناً عديدة، ومنها كتاب الحكم الذي شرحه أطباؤها: برتوليو البروجي، وبيرانجه التومباوي، وجيرال السولي. واشتهر مارتن دي سن جيل في أفينيون (١٣٦٢).
стр. 100
بترجمته إلى الفرنسية أصول العلوم من اليونانية والسريانية والعربية والعبرية.
فهل كانت إسبانيا المورد الوحيد الذي نهلت منه أوربا الثقافة العربية وأرست نهضتها عليها.
٣ - من البرتغال:
منذ استقل العرب بما يطلق عليه اليوم جنوب البرتغال نشروا فيه ثقافتهم ونبغ منهم في الشعر: ابن عمار، وابن عبدون، وابن ساره، وغيرهم. وفي اللغة: الأعلم الشنتمري، وابن السيد، وابن السراج. وفي التاريخ: ابن صاحب الصلاة مؤرخ الموحدين، وابن بسام صاحب الذخيرة. وفي الفلسفة: ابن السيد مصنف كتاب الحدائق، وابن قسي مؤلف كتاب خلع النعلين - وما زال مخطوطاً- وأبو عمران المرتولى، والعرياني أستاذا ابن عربي أشهر متصوف في الإسلام.
وأبدع العرب في فن العمارة فاشتهر جامع لشبونة بقبابه، وجامع مرتولا بمحرابه - وما زال قائماً - وتغنى بقصر الشراجيب في شلب المعتمد، وابنه المعتد بالله، ووزيره ابن عمار، وابن اللبانه، ومما خاطب به المعتد بالله ابن عمار عنه:
وسلم على قصر الشراجيب عن في له أبدأ شوق إلى ذلك القصر
وأقام عمر بن الأفطس في قصره بابره قبل أن يتوج على بطليوس. وفي متحف لشبونة زخارف من قصور العرب وجوامعهم الدارسة، وأحجار أثرية، وشواهد قبور، ورقم، وقطع خزف، ومجموعة نقود. كما يضم متحف الركائب الملكية طائفة من العربات الملكية المذهبة على توالى العصور.
أما أثر العرب في البرتغال فوفير متنوع متسلسل:
ففي اللغة: جمع الأب جان دي صوصه الفرنسيسكاني الألفاظ البرتغالية المشتقة من العربية في معجم من ١٦٠ صفحة، وعدد دافيد لوبس أسماء الأماكن العربية في كتاب من ٤٤١ صفحة. وأوضح ما تكون العربية بياناً في المفردات التي تبدأ بأل التعريف، والمصطلحات الدالة على المرافق العامة والمناصب والمهن والحرف: كالمنارة، والمد، والتعريفة، والوزير، والمتصرف، والريس،
стр. 101
والبرقوق، وغيرها. ثم كتب البرتغاليون، في المغرب، البرتغالية بحروف عربية، وتبادلوا رسائلها مع العرب.
وفي الأدب: تأثر البرتغاليون بما كان من أصل هندي كقصص برلعام وكليلة ودمنة، وقد ترجموهما إلى البرتغالية، وبألف ليلة وليلة التي طبعوها مراراً. واشتمل قصصهم على العديد من أساطير أهل المغرب الذين ألقاهم السحر في قاع الآبار والأغوار، فراحوا يرقبون النجاة على أيدى فرسانهم. وتناولت الأغاني البرتغالية تدله البرتغاليين بنساء العرب، وأهل المغرب بالأميرات البرتغاليات، ومن أروعها أسطورة خطف ابن محفوظ ملك المغرب الأميرة برانكا بنت الملك ألفونسو الثالث، التي نظمها الشاعر المايدا جاريث في ملحمة، وألف منها خوسه دي شربا بينانتل مسرحية بعنوان المنصور بن عفان، وصاغها الفريد كايل وسيزار فريالي أوبرا. واستعان الأب خيل برت بمحمد العريف في ترجمة تاريخ أمراء الأندلس لأحمد الرازي القرطبي المشهور، ثم نقل الترجمة الأسقف رودريك الطليطلي إلى الإسبانية وضمت من بعد إلى تاريخ إسبانيا العام لألفونسو الحكيم.
وأفاد البرتغاليون من علوم العرب في: الرياضيات والفلك والخرائط والجغرافيا - وكان أبو الحسن قد وضع الاسطرلاب وخرائط الجزيرة الأيبرية فنقلها علماء قطالونيا إلى البرتغال - وبناء السفن فاستدعى الأمير هنري خبراء العرب بعلم البحار، واصطنع طرازاً من سفنهم في اكتشافاته، وحقق رحلة ماركو بولو على رحلة ابن بطوطة، واستعان فاسكو دي جاما بابن ماجد لهديه في مجاهل المحيط الهندي، فنسب بعض المؤرخين اكتشاف طريق الهند إلى البرتغال والعرب.
وظل لأهل المغرب في أحيائهم بالبرتغال فقهاء وعلماء يعلمون أصول الإسلام ويجادلون النصارى فيها، وقد تضمن الكتاب الإمبراطوري من ذلك الجدل كثيرة في صحة الأديان ولا سيما أديان موسى وعيسى ومحمد. وأنشأ الملك دينيس (١٢٧٩ - ١٣٢٥) جامعة لشبونه (١٢٩٠) وأمر بترجمة الكتب الأسبانية واللاتينية والعربية إلى البرتغالية وكلف المهندس محمد العريف تحويل جامع مترولا إلى كنيسة، وترميم قصر الأندورال فطبعه بالطراز العربي زخارف ونوافذ وكتابات، وشيد الملك نفسه برج المراقبة في قصر باجه فجعل إحدى قبابه قوطية عربية على غرار قباب
стр. 102
الأندلس. وبعد نزول البرتغاليين بسبتة بدا الأثر العربي المغربي على القصر الملكي في شنتمره، وقصر فرناندو دوق باجه، والجناح الشرقي في القصر الملكي بشنتمره والقصر الملكي في يابره، وفي برج بيليم. ثم تأثرت العمارة البرتغالية بالفن العربي من تركيا والعراق ومصر، فلاح على الجناح الجديد من قصر بنا في شنتمره، والقاعة العربية بقصر البولسا في بورتو، وميدان الثيران في لشبونة، ومتحف الركائب الملكية.
٤ - من صقلية وإيطاليا:
وأفادت صقلية وهي المشرفة على مناطق مدنيات ثلاث: الغربية والأفريقية والشرقية من فنون وآداب وعلوم الفينيقيين والمصريين واليونان والرومان والبيزنطيين والعرب، وازدهرت الثقافة العربية فيها فشاهد ابن حوقل فيها نحو ٣٠٠ مسجد و ٣٠٠ من معلمي المدارس (٩٧٠) واشتهر من علمائها: الشيخ أبو القاسم ابن القطاع (المتوفى ٥١٥ هـ) صاحب الأفعال وتصاريفها، وتاريخ صقلية، والشافي في على القوافي، والملح البصرية، وطبقات الشعراء. وابن ظفر (المتوفى ٥٦٨ هـ) مؤلف كتاب الاشتراك اللغوي والاستنباط المعنوى، وينبوع الحياة في التفسير، وأعلام النبوة. وسلوان المطاع (وقد ترجمه ميشيل أماري، فلورنسا ١٨٥١) ومن كتابها: أبو الحسن الكلبي، وابن مكي، والرقباني. ومن شعرائها: عمار بن منصور الكلي، وعبد الرحمن بن أبي العباس، وعيسى بن عبد المنعم، وعبد الجبار بن حمديس (وقد ترجم ديوانه سكيابا ريللي، رومة ١٨٩٧) كما كان الحميدي أشهر مؤرخي ميورقه. وظلت تلك الثقافة مزدهرة حتى بعد أن أجلى النورمان العرب عنها (١٠٥٧ - ١٣٠٨) فغزاها روجه الأول، المعروف عند العرب برجار، غزوات متواصلة في جماعة من القرصان، ولما استولى عليها (١٠٦٠ - ١٠٩١) وجد فيها خمسة شعوب، لكل منها لغته ومذهبه وشريعته فآثر العرب واعتمد عليهم في جيشه، وفي إدارة دولته، وضم فلاسفتهم وأطباءهم ومنجميهم إلى بلاطه في بالرمو. وقد جعله شرقيا أكثر منه غربياً، وأطلق لهم الحرية في إقامة شعائرهم، وأضاف شارة محمد إلى شارة المسيح في ضرب نقوده واضعاً على
стр. 103
إحدى صفحتها: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ومن أقدم الوثائق الأوربية المكتوبة على الورق أمر إداري أصدرته باللغتين اليونانية والعربية زوجة روجه الأول (١١٠٩).
وخلف روجه الثاني أباه (١١٠١) ثم تلقب بملك الصقليتين (١١٣٠ - ١١٥٤) وسار على خطاه، فارتدي ملابس شيوخ المسلمين وكتب على حلة التتويج عبارة بالخط الكوفي والتاريخ الهجري (٥٢٨ هـ أي ١١٣٤ م) وصك نقوداً تحمل تاريحاً ونقشاً عربيين (١١٣٨) وشيد المباني على الطراز العربي، وزين سقف كاتدرائية بالرمو بالنقوش الكوفية، واستقدم النساجين اليونان واليهود من كورنثه وطيبة إلى بالرمو، وأسكنهم أحد قصورها (١٩٩٧) وعاون على تأسيس مدرسة الطب في سالرنو - وقيل إن مؤسسها أربعة: لاتيني ويوناني ومسلم ويهودي (١١٥٠) - وقصر مهنة الطب على الذين ترخص لهم الدولة مزاولته وترك للعرب واليهود حريتهم الدينية واستقلالهم الثقافي؛ فأطلق عليه خصومه الملك الوثني. في حين عاب شاعر على الشعراء أن يحطوا من قدر أنفسهم بمدح الكفار. وعقد لواء أسطوله لجورجي الأنطاكي فمكنه من بعض مدن شمالي أفريقيا، وحمل على جنوب إيطاليا بجيوش ومهندسي حصار عربا. ونزل الشريف الإدريسي (المتوفى ١١٨٠) على الملك، فألفي العرب قد خلفوا في صقليه مصانع وقصوراً ومنازل ومساجد وفنادق وحمامات وحوانيت، وأعجب بر وجه فذكره بالملك المعظم رجار المعتز بالله .. ووصف عدله وهمته وتوسعه في العلوم الرياضية وغيرها ... وإنجازه وهو نائم ما لم ينجزه غيره من الرجال وهم أيقاظ، فاتهم الفقهاء الأدريسي في دينه وأهمل مؤرخوهر ذكره. وكلفه الملك تصنيف كتاب في صفة الأرض فبعث الإدريسي نفراً من العلماء يصاحبهم الرسامون في شتى الأنحاء وجعل يسجل ما يتلقاه منهم حتى فرغ منه وأساه كتاب روجاري (١١٥٤) ثم أضاف إليه أجزاء وأطلق عليه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق (وقد طبعت خلاصته مع إحدى وسبعين خريطه في رومه سنة ١٥٩٢، وترجم قسما منه إلى اللاتينية جبرائيل الصهيوني ويوحنا الحصروني وطبع في باريس عام ١٦١٩ ثم تعددت ترجماته وطبعاته).
ولم يتميز عهد غليوم الأول، الملقب بالشرير (١١٥٤ - ١١٦٦) إلا بثورة
стр. 104
المسلمين على النصاري، وضياع سلطان النورمان في شمالى أفريقيا أما في الناحية الثقافية فقد ترجم يوجين البارمي كتاب العين إلى اللاتينية، وعاون على ترجمة المجسطي من النص اليوناني إلى اللاتينية (١١٦٠) وكليلة ودمنة من العربية إلى اليونانية (١١٦٩).
وفي عهد غليوم الثاني الملقب بالصالح (١١٦٦ - ١١٨٩) اشهر الإنجليزي توماس براون Brown الذي ذكرته الوثائق العربية باسم القاضي برون (١١٧٠) ثم رجع إلى وظيفته في وزارة الخزانة البريطانية. وارتحل ابن جبير إلى صقليه (١١٨٧) فوصف غليوم بقوله: «وشأن ملكهم هذا عجيب في حسن السيرة، واستعمال المسلمين، وهو كثير الثقة بهم، وساكن إليهم في أحواله، والمهم من أشغاله، حتى إن الناظر في مطبخه رجل من المسلمين، وعليهم قائد منهم، ووزراؤه وحجابه الفتيان ... وهو يتشبه في الانغماس في نعيم الملك، وترتيب قوانينه، ووضع أساليبه، وتقسيم مراتب رجاله، وتفخيم أبهة الملك، وإظهار زينته بالملوك المسلمين ومن عجيب شأنه المتحدث به أنه يقرأ ويكتب بالعربية، وشعاره على ما أعلمنا به أحد المختصين به: الحمد لله، حق حمده (١).
ولم يخلف غليوم الثاني فاختير للعرش تانكرد وهو ابن غير شرعي لأحد أبناء روجه الثاني (١١٨٩) حتى إذا تزوج هنرى السادس إمبراطور ألمانيا من ابنة عمه غليوم الثاني طالب بعرش صقلية وتوج في بالرمو (١١٩٤) وخلفه بعد وفاته (١١٩٧) لابنه فردريك الثاني. فتوجه البابا أينوسيت الثالث، وكان وصياً عليه، ملكاً على صقلية (١١٩٨) وزوجه من كونستانس الأرغونية (١٢٠٩) وأمده بالمال لاسترجاع ألمانيا فتوج إمبراطوراً في أخن (١٢١٥) وبعد وفاة زوجته (١٢٢٢) تزوج إيزابلا وارثة عرش القدس (١٢٢٥) وأضاف إلى ألقابه لقب ملك القدس ثم حرمه البابا غريغوريوس (١٢٢٧) لتسويفه في الحملة الصليبية فقام بها وما زال محروماً (١٢٢٨) ووقع مع الكامل أغرب معاهدة المدى عشر سنوات (١٢٢٩)(٢).
ومال إلى المسلمين بعد رجوعه فأحسن وفادتهم في مجمع الأمراء الألمان بفريولي (١٢٣٢) وشاركهم الاحتفاء بأحد أعيادهم على مرأى من الأساقفة الذين يعرفون
стр. 105
أنه لم يبن في حياته كلها إلا كنيسة واحدة. وخرج ابنه هنرى عليه فزجه في السجن (١٢٣٤) وفيه انتحر (١٢٤٢) واحتل دير مونتي كاسينو وطرد رهبانه فكرر البابا حرمانه (١٢٣٩) ولا حارب البابوية قضت عليه وكسته مسوح الرهبان حتى وفاته (١٢٥٠) وقد أوصى لابنه كنراد بعرش الإمبراطورية وعين مانفرد ابنه غير الشرعي نائباً عن الإمبراطور في إيطاليا.
كان فردريك الثاني يتحدث بتسع لغات ويكتب بسبع وينظم باللاتينية شعراً أثنى عليه دانتي فولد الشعر الإيطالي في بلاطه في أبوليا متأثراً بالغزل العربي وناحيا نحو شعراء الفروسية والتشبيب في بروفانس. ولطالما طوف الإمبراطور بحاشيته في إيطاليا فنشرت الشعر بين أرجائها. وقرأ الإمبراطور بنفسه أمهات التراث الإنساني. وأنشأ مكتبة للترجمة أقام عليه ميخائيل سكوت (١٢٢٠ - ١٢٣٦) فبلغت منقولاته من المراجع اليونانية والعربية إلى اللاتينية ثلاثمائة مجلد في: الفلسفة، والطبيعيات، والرياضيات، والكيميا، والطب والحجامة. وأدى عجز المترجمين في مكتبي طليطلة وصقلية عن إيجاد مفردات لاتينية للمعاني العربية إلى دخول مفردات عربية وفيرة في اللاتينية، وجعل بعض الترجمات أقل أمانة وإبانة وأحفل أخطاء وخلطاً حتى توفر عليها المستشرقون فيما بعد وأصلحوها، منها: تعبير الأحلام لابن سيرين ترجمه ليون توزيوس من بيزا ونشره دراكسل (ليبزيج ١٩٢٥) وترجمة تيودور الأنطاكي رسالة في حفظ الصحة وهي تلخيص سر الأسرار المنسوب خطأ إلى أرسطو، ورسالة عربية في تربية البزاة، فكانت مع رسالة أخرى فارسية نواة كتاب صنفه فردريك نفسه لابنه مانفرد بعنوان: القنص بالطير، في ٥٨٩ صفحة مزدانة بمئات من الرسوم في ستة أجزاء (نشر الجزءين الأولين شنايدر في ليبزيج، ١٧٩٨ وترجمة إلى الألمانية شوبفر، برلين ١٨٩٦) وبعد أن أحل رجال القانون محل رجال الدين أصدر في مالي الكتاب الأعظم (١٢٣١) وهو أول مجموعة منظمة للقوانين بعد جوستينيان (١). إلا أن أعظم مآثره هو إنشاؤه جامعة نابولي (١٢٢٤) بمرسوم ملكي، ووقفه الأموال الطائلة على أساتذتها وطلابها، وجعله منقولات مكتب الترجمة كمصنفات أرسطو، وابن رشد كتباً مدرسية لها. واستدعاؤه
стр. 106
يعقوب الأناضولي (المولود في باريس ١١٩٤) للتدريس والترجمة فترجم إلى العبرية المجسطي ومختصر المجسطي لابن رشد (ولا تعرف له إلا هذه الترجمة العبرية) وشرح ابن رشد على مقولات أرسطو، وشرحه على الإيساغوجي لبورفيريوس والفرغاني. ثم أرسل نسخاً من الترجمات مع بعثة على رأسها ميخائيل سكوت إلى جامعات إيطاليا وباريس وأكسفورد، فتفشت فلسفة ابن رشد في معظمها. وتناول جامعة بولونيا بحمايته وأصلح مدرسة سالرنو - وقد جاءت في كتب العرب باسم سالرنه - ووسعها ووهبها نسخة من الطب العربي (١) وأمر بتشريح الجثث فيها.
كما كان يحتفى في بلاطه بعلماء الشرق الأدني، وممن زاروه ليوناردو فيبوناتشي الذي قدم له بعد عودته من مصر رسالتين في حل معادلات الدرجة الأولى والثانية (١٢٢٥) ويرسل بالأسئلة العلمية والفلسفية إليهم فعله مع ابن سبعين العالم المتصوف وكان قد اتهم بدينه وفر من الأندلس إلى شمالى أفريقيا فأرسل إليه فردريك الثاني يستفتيه في بعض المسائل الفلسفية، فأجابه بكتاب عنوانه: الأجوبة عن الأسئلة الصقلية، في ٤٩ صفحة (منه نسخة خطية في أكسفورد) فلقب به فيلسوف صقلية. وقد ذكر عنه المستشرق أماري أحاديث طريفة ورأي البابا في فلسفته.
وسار ابنه منفرد - الذي أشرف على ترجمة كتاب التفاحة وقد ضاع أصله العربي - وخليفته شارل دانجو، وآل هوهنسجتين على نهج فردريك الثاني فظلت الصلوات الخمس تقام في معسكر لوكرا (١٢٦٦) وقربوا العلماء والشعراء وأغدقوا على أهل الفن والمترجمين فترجم الطبيب فرج بن سالم الصقلى في نابولي كتاب الحاوي للرازي (١٢٧٩) وما زالت إحدي نسخه في المكتبة الوطنية بباريس. وقد طبع في البندقية عام ١٥٤٢ وستراسبورج ١٥٣٢ وآخر طبعة سنة ١٩٠٣ وتقويم الأبدان لابن جزله (ستراسبورج ١٥٣٢) والطب التجريبي لجالينوس بترجمة حنين بن إسحق، وكتاب الجراحة لابن ماسويه. وترجم ناتان هاماتي السنتي، في رومة، كتاب الحكم (١٢٧٩ - ١٢٨٢) وجعلوا من العربية - على الرغم من أن صقلية كانت ملتقى الثقافتين اليونانية والعربية والعلماء
стр. 107
الذين ينقلونهما إلى اللاتينية - لغة ثقافتهم، وقد عاونهم على نشرها، كونهم يملكون جنوب إيطاليا، واشتراك إيطاليا - البندقية وجنوى - في الحملات الصليبية سعياً وراء التجارة، واقتصارها منذ الحملة الرابعة على قطف ثمارها فعقدت مع سلاطين مصر معاهدات لقاء امتيازات عادت على الفريقين بثروات طائلة حاربا في سبيلها البرتغاليين معاً، مما جعل العربية ضرورة لتجارة المدن البحرية ولغة المعاملات والعقود والمعاهدات بين جنوة والبندقية وبين مصر ولبنان، وبين تونس وبين بيزا (١٢٦٥) حتى سقوط القسطنطينية (١٤٥٤) فأضيفت التركية إلى العربية. وهكذا كان ملوك صقلية وأمراؤها عرباً في ثقافتهم وأساليب حياتهم (١) وتزينت نساؤها بزينة المسلمات من ثياب حرير وتخضيب وتعطر، كما خلف العرب في صقلية وجنوب إيطاليا: مصنع الحياكة في قصر بالرمو الذي ظل يجهز الأسر الملكية في أوربا بالبزات الرسمية حقبة من الزمن، وفن تجليد الكتب على النمط العربي، وما زال الطراز الإسلامي على قصر لازيزا (العزيز) وسقف معبد بولا تينا، وقصور ملوك النورمان المزدانة بالنقوش العربية. وتعاون العرب واليونان في ترصيع كنائس بالرمو، ودير مونريال، وكنيسة سيغالو بالفسيفساء (١١٤٨). هذا خلا ما خلفوه في اللغة الإيطالية مثل: قرمز، كافور، زعفران، أكسير، جزية، صك، رزمة، قنطار، دار الصناعة، ورياح الموسم. ومن أسماء الأمكنة: قلعة النساء، قلعة الجن، مرسى الميناء، منزل الأمير. وسائر أسماء آلات الطرب.
وقد أفاد الصقليون والإيطاليون من الفن القصصي الذي أمدهم العرب به، فجاء كتاب كليلة ودمنه لهم كما جاء كتاب ألف ليلة وليلة للفرنسيين فيما بعد، معينة من الإيحاء ومثلاً رائعاً في الاحتذاء، وعلى غراره صنفوا: الطراز الأول المحادثات الحيوان الفلسفية الأدبية، وحكومة الحكومات، والأمثلة الأدبية للحيوانات المتفاهمة الخ.
وانتشرت فلسفة ابن رشد انتشاراً كاد يجعلها الطراز العصري بين مختلف طبقات رجال الدين في إيطاليا (١٢٤٠) وصادفت لدى الناشئة قبولا عده بترارك ازدراء باليونانية واللاتينية فلم تأبه له إذ كانت ترى من مفاخرها التثقف بالثقافة
стр. 108
العربية على سنة بيك دي لا ميزاندول، ثم التشبه بداني زعيم أدباء إيطاليا. وقد حقق الأب آسين بلاثيوس صلة الملهاة (الكوميديا) الإلهية لدانتي برسالة الغفران للمعري (مدربد ١٩١٩ - ١٩٤٢) وأثبت مونيوث سندينو (معراج محمد، مدريد ١٩٢٩) وأنريكوتير وللي (قصة المعراج، والأصل العربي الإسباني للملهاة الإلهية، الفاتيكان ١٩٤٩) أثبتوا بالرجوع إلى مخطوطات لاتينية في مكتبة باريس وغيرها اطلاع داني على الثقافة العربية وإفادته منها في وصف الجنة والنار، وذكر بعض أعلامها كالفارابي، والغزالى، وابن سينا، والبطر وجي، وابن رشد الذي وضعه في المحيط الخارجي للجحيم، في حين جعل الجنة مثوي سيجر دي برابان زعيم الحركة الرشدية في جامعة باريس، وبعض رجال الدين المسيحي من أهل النار. وتأثر ليوناردو دافنشي بالثقافة العربية في ترجماتها اللاتينية وشروح ميخائيل سكوت، وتوما الأكويني، والبر الكبير، وروجر بيكون عليها فظهر أثرها في بعض رسومه. أما الجامعات فقد ظلت جامعة بادوي تعج بنزعة ابن رشد العقلية من منتصف القرن الثالث عشر إلى مطلع القرن السابع عشر. وانطبعت جامعة بولونيا بطابع علماني كاد يكون معادياً للكنيسة، ومنها ذهب القول المأثور: حيث يجتمع ثلاثة أطباء يكون اثنان منهم كافرين. ومن أشهر زعمائها: بوبونتسي (المولود عام ١٤٦٢) أستاذ الطب والفلسفة في جامعة بادوي الذي قيل فيه: إن روح ابن رشد قد تقمصت جسم بوبونتسي. وبرونو (١٥٤٨ - ١٦٠٠) الذي حمل لواء ابن رشد وابن جبيرول وصاغ من آرائهما مذهب انطلاق في فلسفة النهضة.
٥ - من الفاتيكان:
وبدأ الاستشراق أكثر ما يكون تنظيماً وانتشاراً واستمراراً بالفاتيكان: باباوات وأساقفة ورهباناً، واصطناع نفوذهم في سبيله لدى الملوك والأمراء والبلديات، والإفادة منه في الرد على البروتستانتية بعد انفصالها عنهم مما جعله لغايات منوعة، بوسائل متعددة، في أرجاء شاسعة.
كان رجال الدين، ومرجعهم الفاتيكان يومئذ، يؤلفون الطبقة المتعلمة في أوربا،
стр. 109
ولا سبيل لهم إلى إرساء نهضتها إلا على أساس من التراث الإنساني الذي تمثلته الثقافة العربية، فتعلموا العربية، ثم اليونانية، ثم اللغات الشرقية للنفوذ منها إليه (١) دون ما استكبار إلا لدى بعض المتأخرين الذين برروا أخذ نصارى الغرب عن مسلمي الأندلس باستعادة ما أخذه المسلمون من الثقافة اليونانية والهليستينيه عن طريق نصاري الشرق (٢).
ولتخريج أهل جدل بقارعون فقهاء المسلمين واليهود ويردون عليهم ببراهين من كتبهم أنفسهم، في البلاد التي أجلاهم الإسلام عنها وبلغ أوروبا منها. فقصد الفرنسيسكانيون المغرب حيث قتل خمسة منهم (١٢٢٠) وانطلق الدومينيكيون (١٢٥٢) إلى بلغاريا ورومانيا والشرق.
ثم لتدريب أدلاء يتخاطبون بالعربية للقيام على خدمة الحجاج من أصقاع العالم إلى الأراضي المقدسة والعناية بعابري السبيل، وقد كلف الفرنسيسكانيون بمن يفدون على فلسطين، والدومينيكانيون بمن يقصدون سوريا ومصر. وأسس البابا جمعية الموالين (١٢٠٠) وقد انتشرت انتشاراً واسعاً (١٣١٨) واتخذ بعد سقوط القسطنطينية (١٤٥٣) لونا آخر فطبع الأب مارتن روث P.M.Roth الدومينيكي دليل الحج لبرنارد دي برايد نباخ. B.de Breydenbach اشتمل على أبجدية عربية كاملة مع طريقة النطق بها في حروف لاتينية، وخريطة لمدينة القدس، ورسم جماعة من اللبنانيين بازيانهم الوطنية، فكان أول ما عرفت أوربا من الطباعة العربية (ماينس ١٤٨٦ ثم تكررت طبعاته إحدى وأربعين طبعة ١٧٢٨) وتلاه دليل توريانتينوس بالشعر، وفيه المفردات العربية اللاتينية، ثلاثاً وعشرين طبعة (١٥٠٥ - ١٥٣٦، ثم تعددت طبعاته حتى عام ١٦٠٦).
ثم التحقيق الكتاب المقدس، ففي عام ١٥٠٦ صنف روكلن، وكان علامة باليونانية والعبرية، كتابا في قواعد اللغة العبرية، رفعها إلى مصاف اليونانية واللاتينية في معاهد إيطاليا وأسبانيا وفرنسا وإنجلترا والبلاد المنخفضة (بلاد القاع) وألمانيا.
وعلى أساس العبرية، نشرت التوراة في طبعات متعاقبة: كطبعة الكالا
стр. 110
(١٥١٤ - ١٥٢٠) وعرفت باسم الكردينال كزيمنس، والطبعة السبعينية (١٥١٨ - ١٥٢٩) Aldine des Septante وطبعة فيليب الثاني ملك إسبانيا (١٥٢٧ - ١٥٩٨) ولا زيدت عليها ترجمة سريانية عرفت بطبعة انفر (١٥٧٢) Anvers وترجمات من التوراة لتريميليوس وتلميذه يونيوس من جامعة هايدلبرج بأمر فردريك الثالث، على أساس سرياني وعربي (١٥٦٩ - ١٥٧٨) وطبعة باريس على أساس سرياني وعربي وعرفت باسم لي جاي (١٦٢٨ - ١٦٤٥) Le Jay وطبعة لندن عرفت باسم الأسقف والتون (١٦٥٤ - ١٦٥٧) B.Walton.
وبلغت العناية بالتوراة ذلك المبلغ الخطير لانفصال لوثر (١٥٢١) عن الفاتيكان وإنكاره على البابا سلطانه ومناداته بالإصلاح، ثم اعتناق فردريك الثالث البروتستانتية (١٥٦٠) وانتشارها من بعد. ولما كان الكتاب المقدس، والتوراة أساسه، المرجع الوحيد للعقيدة المسيحية، فقد نقل لوثر ومؤازروه وأتباعه إلى ميدانه وحاربوها فيه. وقابلهم الفاتيكان في ميدانهم بعلمائه وفلاسفته ومؤرخيه، ومعظمهم يتقن اللاتينية واليونانية والعبرية، والشرقيون منهم يتقنونها ويضيفون إليها السريانية والعربية والكلدانية الخ. ومن ذلك الميدان اتجه نشاط الفريقين العلمي، وقد تركا المسلمين واليهود جانباً، إلى الشرق، مهد الديانة المسيحية، فتناوله في جغرافيته وتاريخه ولغاته وثقافته وتطوره للكشف عن أسرار الكتاب المقدس.
ومن أجدى الوسائل التي اصطنعها الفاتيكان وأوجزها.
تعلم العربية - ثم اليونانية واللغات الشرقية - في مدارس إسبانيا وتعليمها في مدارس أديارها وكاتدرائياتها وكراسي جامعاتها (١) ونشر الثقافة عن طريق ما أسسه منها كجامعات: بولونيا (١٠٧٦) وتولوز (١٢١٧) ومونبلييه (١٢٢٠) وصلمنكه (١٢٢٧ وبياسنزا (١٢٤٨) ورومه (١٣٠٣) وفلورنسا (١٣٢١) وبادوي (١٣٦١) وغيرها. كما استعان بالملوك والأمراء والبلديات على تأسيس مدارس اللغات الشرقية في عواصم بلدانهم وتخصيصها بكراس مستقلة في كبرى جامعاتهم فاستجابوا له، ولكنها لم تنتظم إلا بعد أن قضى البابا أكليمنضس الخامس (١٣٠٥ - ١٢١٥) في مجمع فيينا (١٣١١ - ١٣١٢) بإنشاء كراس للعبرية