← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 150938

حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح

ابن عاشور

Полный текст (515 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ذكره المعتزلة بلسان حالهم ولازم مذهبهم المقتضي للإيجاب. ويجاب عنه بأن المصالح في العالم إضافية اقتضاها احتياج الناس إليها وهي قبل خلق العالم وأهله لا تسمى مصالح فلا يدل تأخيرها على تأخير المصلحة هذا إذا حملت عبارة المصنف على ظاهرها بدون تقدير مضاف في قوله "فيه مصالح وقوله بعد ذلك "ليس فيه مصالح" فإن اراد المص بقوله فيه مصالح وقوله بعده "ليس فيه مصالح" تقدير مضاف أي في إيجاد العالم حتى يكون الاستدلال بحدوثه بعد عدمه على أنه لو كان صلاحاً ما تأخر ولو كان فساداً لما وجد كان حينئذ الجاء للمعتزلة وهو مأخوذ من كلام الإمام في معالم أصول الدين حيث قال" الحجة الثانية أن العالم محدث فكان حدوثه مختصاً بوقت معين لا محالة فإن كان ذلك الوقت مساوياً لسائر الأوقات من جميع الوجوه بطل توقيف فعل الله على الحسن والقبح وإن اختص ذلك الوقت بخاصية لأجلها وقع الإحداث فيه دون غيره فإن حصلت بتخصيص الله تعالى فلا احسن فيها ولا قبح وإن كانت لذاته بطل الاستدلال بحدوث العالم على وجود الصانع لجواز احتمال تأثير الوقت والخاصية آهـ" ويجاب عنه بما أجاب به شرف الدين التلمساني في شرحه بجواز التزام اختصاص الوقت بمصلحة علمها الله تتبع وجود العالم فهي ليست في ذات الوقت بل بإضافة الفعل للوقت فلا يبطل الاستدلال بحدوث العالم قال" وغرضنا من إيراد هذا بيان ضعف ما تمسك به لا تصحيح مذهب المعتزلة". والحاصل أن المصلحة قد تكون ذاتية لكنها طارئة في وقت دون آخر ولا تصلح بأن تكون مخصصاً بالوجود حتى يبطل الاستدلال بحدوث العالم على الصناع لأنها وصف اعتبر باعثاً على الإيجاد لا قوة موجودة

стр. 107

حتى ينقل ما ردوا به على الطبائعيين إليها. والظاهر أن المصنف أراد الوجه الأول الذي هو ظاهر عبارته لأنه قال لم ير هذا الدليل مسطراً. أو أنه أراد الوجه الثاني على تقدير المضاف ويكون قد اتفق خاطره مع خاطر الإمام في المعالم وما ذلك بعجيب (قوله قول من قال من الفقهاء بأن الأفعال قبل الشرع على الحظر الخ) يكفي في التفرقة بين هؤلاء وبين المعتزلة أن الفقهاء التزموا حكماً واحداً من حظر أو إباحة لسائر الأفعال والمعتزلة قالوا بذلك فيما لم يطلع فيه على صفة حسن أو قبح (قوله وأما قولي وكذلك يقول الأبهري الخ) أي قوله ذلك بالمعنى لا بالنص لأن عبارته ليست كذلك وإن كان ذلك معناها وأراد بهذا الاعتذار عن مخالفته لحكاية الإمام في المحصول واتباعه لحكاية سيف الدين الآمدي لأنه المناسب لقواعد الاعتزال والمأثور عنهم ثم اعتذار للإمام بأنه رأى قول طافية من الشيعة المعتزلة فظنه قول جميعهم وهو ما بينه أبو الحسين في المعتمد. ترجمة الأبهري والأبهري هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عمر بن مصعب بن الزبير التميمي المالكي ولد قبل التسعين ومائتين وتوفي ببغداد في شوال ٣٧٥ خمس وسبعين وثلاثماية أخذ عنه أبو بكر الباقلاني والأصيلي واستجاره الشيخ ابن أبي زيد وكان محترماً من العلماء والملوك ومدحه المعري بالقصيدة البائية التي يقول فيها. أيبسط عذري منعم أم يحصني ... بما هو حظي من اليم عتاب وهو رئيس المالكية في وقته بالعراق وكان مثرياً كريماً قال في المدارك

стр. 108

وبعد موته ضعف مذهب مالك بالعراق لخروج الرآسة والقضاء عنهم إلى غيرهم فقل طلبه ولما حضرته الوفاة وزع ماله على أهل الحاجة والخير من جيرانه وأصحابه وأعطى الباقلاني مائة وخمسين مثقالاً من الذهب وحبس كتبه عليهم. ألف شرح مذهب مالك والرد على من خالفه وكتاب الأصول وغير ذلك ﵀. ترجمة أبي الفرج وأبو الفرج هو القاضي عمر بن محمد بن عمر البغدادي المالكي المتوفى ٣٣١ إحدى وثلاثين وثلاثماية ولي قضاء طرطوس ثم قضاء بغداد ومات قتيلاً وقيل من العطش وهو مسافر بالبرية بعد أن تعرض لهم الإعراب ولم يدر خبره كان فصيحاً لغوياً متقدماً فقيهاً أخذ عنه الأبهري وألف الحاوي في الفقه واللمع في أصوله. ترجمة أبي الحسين البصري وأبو الحسين هو محمد بن علي البصري المعتزلي الشافعي أحد أيمة المعتزلة وحذاقهم توفي في بغداد ٤٣٦ ست وثلاثين وأربعمائة وكتبه نافعة محررةألف المعتمد في الأصول وهو شرح على العمد للقاضي عبد الجبار ومنه أخذ الإمام الرازي كتاب المحصل وألف القياس الكبير والقياس الصغير ذكرها المص في ديباجة شرح المحصول واعتمدها

стр. 109

(قوله فائدة الاستدلال بقوله تعالى وما كنا معذبين لا يتم إلا بمقدمتين الخ) أراد بهذا بيان وجه دلالة الآية على نفي التكليف قبل بعثة الرسول لأنها غير ظاهرة فيه إذ غاية ما اقتضته نفي التعذيب قبل بعثة الرسول وهو لا يدل على نفي التكليف بادئ الرأي لجواز أن يكون التكليف مع انتفاء العذاب على الترك أو أن يكون العذاب ثابتاً ولكنه لا ينزل إلا بعد بعثة الرسول. وحاصل البيان الحقيقي أن نفي التعذيب استعمل مجازاً في نفي التكليف لعلاقة اللزوم إذ لو كان تكليف لا عقاب على مخالفته لكان سواء والعدم وهو غير مناسب لحكمة الله تعالى بحسب تفسير الخصم لها لأن الكلام مع المعتزلة إذ من شرع شيئاً لابد أن يحيطه بما يحفظه من الاعتداء فلا جرم يثبت من نفي التعذيب نفي وقوع التكليف للزوم العرفي. وقرينة المجاز هي الغاية أعني قوله حتى نبعث رسولاً إذ لا معنى لترتب عقاب لا يقع إلا بعد البعثة لأن هاته البعثة إن كانت هي سبب التكليف فقد تم المراد لنا. وإن كان التكليف سابقاً ولكنه لا عقاب على مخالفته بل يترتب العقاب على المخالفة بعد بعثة الرسل فغاية الأمر ثبوت تكليف شبيه بالتخيير وليس هو محل النزاع إذ النزاع في ثبوت الثواب والعقاب. وإن كان التكليف والعقاب ثابتين من قبل البعثة فالبعثة إذاً عبث لأنها تحصيل حاصل. هذا ما يظهر في توجيه الاستدلال. واعلم أن العذاب المذكور في الآية إن كان عذاب الدنيا بالاستئصال ونحوه فنفيه نفي لوقوعه وهو المتبادر. وإن كان عذاب الآخرة فنفيه بمعنى نفي تقديره فاسم الفاعل إذاً للمستقبل وقد بين المص الأشكال ووجه الاستدلال بما لا طائل تحته فقال "لاحتمال أن

стр. 110

يكون المكلف" أطاع الخ وهذا لا يحتمله المقام لأن النفي مغي بالبعثة والغاية لأحوال عامة مستفاد عمومها من حذف متعلق قوله معذبين وبه يظهر الاستغناء عن المقدمة الأولى وهي لو كلفوا لتركوا الخ لأن العموم والسياق وهو ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير يعينان أن المراد التعذيب على ترك ما كلفوا به لا على أصل التكليف. وأما المقدمة الثانية فحاصلها لبيان الملازمة بين ترك ما كلفوا به وتعذيب الله إياهم على ذلك ليتم بذلك كون التعذيب لازماً للتكليف في الجملة بواسطة كونه لازماً للترك وهي غير وافية بالمراد لأن مراده أن الملازمة بين الأمرين معلومة من استقصاء الشريعة الدال على أن العصيان سبب العقوبة وقد يمنعه الخصم فيدعي أنه سبب للعقاب بعد البعثة أما قبلها فإنه سبب ترتب الذم والتعزير لأن المعتزلة مع قولهم بالحسن والقبح يعترفون بأن الثواب والقعاب لا يتلقيان إلا من قبل الشرع ولكن ذلك لا يمنع من زجر المفسد على فساده والثناء على صلاح الصالح ولهذا يجمع أصحابنا في ردهم عليهم بين الأمرين كما قال ابن الحاجب وابن السبكي "وبمعنى ترتب الثواب والعقاب آجلاً والمدح والذم عاجلاً شرعي" فلذلك عدلت أنا في بيان وجه الملازمة إلى ما يوافق عليه الخصم وهو لزوم العبث بناء على مذهبه في حكمة الله. وبعد فإن هاتين المقدمتين إنما يدفع بهما السند الأول للمنع وهو الذي أشار له المصنف بقوله "لاحتمال أن يكون المكلف أطاع" وأما السند الثاني المشار إليه بقوله "أو يكون عصى غير أن العذاب الخ" فلم يدفعه المص بشيء وقد علمت أنه محط المنع فكان أجدر بالدفع. والظاهر أن المصنف استغنى عن دفعه بدفع الأول لأن

стр. 111

حاصل المنع بسنديه مبني على جعل نفي التعذيب حقيقة بناء على الظاهر فلما تبين بالمقدمتين أنه مجاز في نفي التكليف علم أن الغاية وهي حتى نبعث رسولاً ليست ح غاية للتعذيب حتى يرد عليها ذلك السند الثاني بل هي غاية للتكليف وعليه فلا تحتمل كون المراد تقدير العذاب قبل البعثة ولا يظهر إلا بعد البعثة. ولذلك عدلت أنا عن تقرير كلام المص إلى بيان كون المراد من نفي التعذيب المجاز عن نفي التكليف وجعلت الغاية قرينة لأني رأيت ذلك أفصح عن المراد وأسرع في ابكات المانع من أول الأمر وأوفق بشرط كون الدفع موافقاً لمذهب المانع ووكلت بيان الملازمة إلى مقدمتي المصنف وإلى ما هو شائع في عرف الشرع والله أعلم. الفصل الثامن عشر في بيان الحقوق الحق هو الثابت الذي لا ينكر لوضوح حجة أو تبين أهلية أحاجة فحق الله علينا اعترافنا له بما هو ثابت له من صفات الكمال وهو معنى العباد المذكور في الحديث مقتصراً عليه المذيل بأن لا يشركوا وحق العباد على العباد رعي مصالحهم لتبين احتياجهم ثم يطلق حق الله على امتثال أوامر لأنه أهل لأن يمتثل وإن لم يكن له فيما أمر حاجة أو منفعة كما قال إن تكفروا فإن الله غني عنكم وقال لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم فإن كان الذي أمر به او نهى عنه لحفظ مصلحة خاصة بآحاد البشر سمي ذلك حق العبد نظراً إلى كونه لو أسقطه لسقط وإن كان لحفظ مصلح عامة أو مصلحة من لا يدفع عن نفسه كالميت والصغير والمجنون والغائب والبهيمة والمحتاج سمي حق

стр. 112

الله لأنه الموصي بحفظه وبالعقاب على غصبه بحيث لا يسقط أبداً فالأحكام الراجعة إلى الضروريات كلها وإلى الحاجيات العامة هي حقوق الله والأحكام الراجعة إلى الحاجيات الخاصة أو إلى التحسينات هي حقوق العباد وقد يجتمعان فيما هو تعد على شخص يرجع إلى استخفاف بالنظام واحتقار النوع كالقتل والقذف فإذا سقط حق العبد فيه بقي حق الله كالتغريب والضرب في قتل العمد عند العبو وتفصيل ذلك في تفاريع المعاملات. وإنما زدت والمحتاج في بيان من حقه يرجع إلى حق الله لإدخال تحريم الربا فإنه لا يجوز بحال ولو رضي المستربي لأن الله حرمه لحفظ حق المحتاج المضطر الذي قد يظهر أنه راض مختار ولكن الحمى أضرعته كما قال المثل فلا يصح إسقاطه حق ماله سداً للذريعة ولذا قال أبو بكر الصديق لابي رافع ﵄ إن أحللته أنت فغن الله لا يحله كما أشار له المصنف في الفرق الثاني والشعرين وأما ذكر حق العبد على الله في الحديث فهو مشكلة أو أراد الحق الشرعي بمقتضى وعد الله وفضله كما قال المازري في المعلم. الفصل التاسع عشر في العموم والخصوص والمساواة أي في النسبة بين المفهومين الكليين باعتبار تصادقهما في الخارج فليس المراد من العموم والخصوص هنا ما يراد به عند أهل الأصول لأن مراد أهل الأصول من الأعم ما هو جنس أو نوع لغيره فالمفهوم بين

стр. 113

الأعم والأخص متحد ومراد المناطقة منه وهو المذكور هنا التصادق بين المفهومين المختلفين ألا ترى أن العموم والخصوص الوجهي ينفرد فيه الأخص عن الأعم في بعض الجهات ولا يجوز انفراد الأخص الأصولي عن أعمه. الفصل العشرون في المعلومات يريد بيان النسبة بين معلومين فأكثر من حيث التحقق وعدمه وهذه الحقائق واضحة ثم قد تكون نسبة الضد للنقيض كنسبة فرد

стр. 114

الماهية فيعبر عنه بمساوي النقيض ويأخذ أحكام النقيض كالسكون مع الحركة وكذلك أيضاً الخلاف كالخمسة مع الفردية وهذا ملاك جواب السؤال والفائدة (قوله والجوهر مع الأكوان الخ) هي عند المتكلمين الحركة والسكون والاجتماع والافتراق وهي التي ينحصر فيها العرض عند المتكلمين لإنكارهم المقولات كلها إلا الاين وحصرهم الاين في الأكوان وفسروها بأنها حصول الجوهر في الحيز فهي من حيث الماهية خلاف الجوهر لكنها ملازمة له لا يعرو عن واحد منها. الباب الثاني في معاني حروف كنا أشرنا في باب الدليل إلى السبب الذي دعا أهل الأصول لذكر أمثال هاته المباحث في كتبهم. ولقد كان علم العربية في الأزمان التي دون فيها علم الأصول ولقد كان علم العربية في الأزمان التي دون فيها علم الأصول علماً غير شائع فلما تقلص في زمن المجتهدين الذوق العربي احتاجوا إلى إدخال كثير من مهم علم العربية إلى علمهم ومن ذلك مباحث الحروف ولائمة الأصول في ذكر معانيها سبق. قال ابن فارس في كتابه المسمى "بالصاحبي" في أصول اللغة باب الكلام في حروف المعنى رأيت أصحابنا الفقهاء يضمنون كتبهم في أصول الفقه حروفاً من حروف المعاني وما أدري ما الوجه في اختصاصهم

стр. 115

إياها دون غيرها الخ وقد أغنى الله الآن عن تتبع ذلك بما لخصه علماء العربية وسهل الله تعلمه مع تعاطي العلوم الفقهية وإنما نريد أن نأخذ من هذا الباب دقائق يهم تحقيقها ويخفى طريقها (قوله لنا قوله تعالى ادخلوا الباب سجداً وقولا حطة الخ) لعل القائل بالترتيب قاله في خصوص الأخبار أما الأوامر فترتيبها لفظي غذ ليس لها خارج توافقه فالترتيب فيها ترتيب اللفظ فتأمل (قوله نموت ونحيا الخ) قاله الدهريون التناسخيون فهم يعتقدون أن الأرواح في الدنيا محصورة لا تزيد ولا تنقص وإنما الحياة مخالطة الروح للجسد والموت انتقالها لغيره فلا تعارض حكاية اعتقادهم القول بالترتيب لأن الذي أرادوا إثباته هو رجوع الأرواح بعد الموت (قوله احتجوا بقوله ﷺ بئس الخطيب أنت الخ) محل الحجة فيه أنه عابه لما عدل عن العطف إلى الجمع لأن العطف يفيد الترتيب وجمع الضمير لا يفيده وحاصل جوابه عنه أن الترتيب يحصل من التقديم الذكري لا من الواو ولعل استفادة ذلك هي النكتة في الفصل بين المتعاطفين بقوله تعالى وامسحوا برءوسكم بين قوله وأيديكم إلى المرافق وقوله وأرجلكم إلى الكعبين تنبيهاً على تأخير غسل الرجلين وبه يظهر وجه لوم عمر ﵁ الشاعر لأنه خالف حق التقديم (قوله كفى الشيب والإسلام الخ) عجز بيت من طالع قصيدة طويلة بديعة لسحيم وقبله. عميرة دع أن تجهزت غاديا - ترجمة سحيم وسحيم اسمه حية وهو عبد لنبي الحسحاس وبهذا الوصف اشتهر بين

стр. 116

أهل الأدب كان عبداً نوبياً اشتراه بنو الحسحاس بطن من بني أسد بنشأ في الجاهلية وأدرك الإسلام فأسلم وقد تمثل النبي ﷺ بهذا العجز من بيته. وكان حلو الشعر كثير النسيب فاحشه كثير المحادثة للنساء ووصف مجالسه معهن وتوفي في خلافة عثمان ﵁ مات قتيلاً قتله مواليه غيرة على بعض نسائهم لقوله فيها. ولقد تحدر من جبين فتاتكم ... عرق على جنب الفراش وطيب وهو أحد شعراء ثلاثة اشتهر كل منهم بلقب سحيم والآخران هما سحيم بن وثيل القبائل. أنا ابن جلا وطاع الثنايا البيت. وسحيم بن الأفرع التميمي شاعر إسلامي (قوله فائدة قال رسول الله ﷺ لا يؤمن أحدكم الخ) المعروف حديث البخاري ومسلم ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أخب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يخبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ووجه الأشكال أنه ﷺ استعمل في كلامه ما عاب به الخطيب من الجمع في ضمير واحد فمن العلماء من قدر وجه نهي الخطيب بما فيه من تشريك الضمير الموهم التسوية تعظيماً لله وعليه كلام القاضي عياض في الإكمال ومنهم من رأى سبب ذلك هو اختصار الضمير وشأن الخطبة البسط بدليل إتيانه ﷺ بمثله في

стр. 117

غير خطبه بل في مقام التعليم وإلى هذا مال النووي. والمصنف ذكر وجهين آخرين كلاهما ضعيف أما الال وهو الاحتقار في جانب الخطيب الذي نقله عن عز الدين ابن عبد السلام فهو راجع إلى أن وجه النهي المحافظة على دين الخطيب من الطعن فيكون وجه ذمة أنه لم يعرف واجب التوقي مما يجر إلى العطن أو اللمز وهذا من أهم وظائف الخطباء وقد أشار عياض في الإكمال إلى مثل هذا الجواب بإجمال ويضعفه أن الخطيب من جهة أخرى لا يتلقى كلامه بالقبول ما لم يوافق الدليل فلا يوهم كلامه المساواة أما كلام رسول الله ﷺ فيوهمها فربما كان كلامه مما يجزئ أمثال هذا الخطيب على الاعتذار بمثله. وأما الجواب الذي ذكره عن بعض الفضلاء ففاسد لأنا لم نعهد في الاستعمال أن توحيد الجملة يسوغ الإضمار وتكريرها يوجب الإظهار لأن المقام للإضمار متى علم المعاد في الكلام سواء تكررت الجملة أم انفردت والعدول عن الظاهر يحتاج إلى نكتة في الأمرين كما يعرف من البلغة. وإذا لم يغن الجوابان في دفع الإشكال شيئاً فقد تعين علينا أن ندفعه وذلك بأن العدول عن الجمع بالضمير إلى العطف مؤذن بغرض يستلفت المتكلم إليه ذهن المخاطب كما في العدول عن التثنية إلى العطف في قول الفرزدق يرثي محمد بن يوسف الثقف أخا الحجاج ومحمد بن الحجاج وقد ماتا في يوم احد. إن الرزية لا رزية مثلها ... فقدان مثل محمد ومحمد ومن شأن الخطيب اللبيب أن يتنبه لأمثال هاته الدقائق فكان من حقه أن يقول ومن يعص الله ورسوله لينبه على أن معصية الله هي العظمى وأن معصية الرسول إن كانت في التشريع فهي مثلها لأنها معصية الله

стр. 118

في الحقيقة وإن كان العصيان في غير التشريع وكان أمره جازماً فعصيانه من الجفاء والغواية ولا يذانه برقة الديانة وضعف احترام الرسول وهو لا ينطوي عليه قلب مليء إيماناً. وإن كان أمره إشارة على غير وجه جازم فلا ضير في عدم امتثاله ولذلك لما كلم رسول الله ﷺ بريرة لتراجع زوجها مغثيثاً قالت: أتأمرني يا رسول الله فقال بل أتشفع فقالت لا حاجة لي به ولم يلمها رسول الله ﷺ . فمن ترك هذا التنبيه كان مذموماً لما فاته من الإشارة اللطيفة. أما حديث أحب غليه مما سواهما فإنما سوغه أن السواءية ليست أمراً متفاوتاً في جنب الله ورسوله بل هي متواطي فليس في العدول عن جمع الضمير إلى العطف فيه شيء زائد على ما في الإضمار فترجح الإضمار بكونه الاعتبار المناسب ولا مقتضى للعدول عنه هذا خلاصة ما لاح لي في الجواب، وبه تندفع التوقفات التي عرضت لذوي الألباب. فأبقت الأشكال بعد طول البحث وراء حجاب، وهذا الخطيب الذي جرى ذكره قيل هو ثابت بن قيس بن شماس الصحابي خطيب الأنصار. وقيل هو عدي بن حاتم الطاءي. ترجمة عز الدين وعز الدين ابن عبد السلام هو عبد العزيز بن عبد السلام الشافعي الشامي ثم المصري ولد سنة ٥٧٧ سبع وسبعين وخمسمائة وتوفي سنة ٦٦٠ ستين وستمائة كان إماماً قدوة واسع العلم شديداً في الحق نشأ بالشام إلى أثناء أيام الصالح إسماعيل الملقب بابي الجيش فلما استغاث إسماعيل

стр. 119

بالإفراج وأعطاهم مدينة "صفد" فأنكر عليه الشيخ عز الدين والشيخ ابن الحاجب وتركا الدعاء له غضب السلطان منهما فخرجا إلى الديار المصرية سنة ٦٣٩ فأولاه سلطانها الملك الصالح أيوب القضاء بها وخطابة جامع عمرو بن العاص فاتفق أن أستاذ دار السلطان فخر الدين بن شيخ الشيوخ اتخذ بناء فوق مسجد بمصر فأمر عز الدين بهدمه واستعفى من القضاء فأولاه السلطان بعد ذلك تدريس الصالحية وبها درس ونفع وأخذ عنه جلة الأعلام مثل الشهاب القرافي وألف كتباً كثيرة أهمها القواعد الكبرى في الفقه والأصول ومجاز القرآن. والفتاوى المصرية. ورسال مستقلة في أغراض حققها. وله تفسير مختصر لحمه الله (قوله نحو من دخل داري فله دينار الخ) لأن وجد الفاء دليل السببية والتعليق بخلاف العكس لجواز كون من موصولة وله دينار خبر وأما دخول الفاء في خبر المبتدأ فقليل جداً فلا يكون احتمالاً وإن كان الموصول قريباً من الشرط في الاستعمال. وأما قوله في نحو إن دخلت الدار فأنت طالق أنه لو حذف الفاء طلقت في الحال فغريب لأن وجود الشرط دليل على أن ما بعده جزاء حذف الفاء من جواب يستحقها لا ينافي الشرطية وقد بين المص وجهه بأنه يعد منقطعاً عن الأول فيكون الشرط معدولاً عنه وتعاره قاعدة أن إعمال الكلام خير من إهماله إلا إذا ألغيت هذه القاعدة هنا لمعارضتها بقاعدة الاحتياط والتشديد في أمر النكاح والعتق (قوله وقد تستعمل لتراخي الترب الخ) ذلك خاص بعطفها للجمل كما صرح به الإمام المرزوقي في شرح قول جعفر بن علبة الحارثي من الحماسة. ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها

стр. 120

وتلا على ذلك آية. ثم كان من الذين آمنوا ولا شك أنه يزيد من عطف الجمل التي لم يقصد تشريكها في حكم الأعراف أعني أن يكون المراد من الجملة المعطوفة الابتداء لا العطف على محل ما قبلها وذلك بتمام الكلام من الأولى والترقي إلى ما بعدها لأن ذلك هو الصالح بقصد مجرد ترتيب الإخبار والأوفق بالمثالين اللذين ذكرهما. أما المعطوف على المحل فكالمفرد كما تقرر في البلاغة ولا تفارق فيه ثم حينئذ معنى المهلة فأما الآية التي ذكرها المصنف فلا شاهد فيها لأن المراد خلق الجنس وهو خلق آدم على التحقيق على حد هو الذي خلقكم من طين وأما البيت الذي ذكره فقد ذكره ابن عصفور وأجاب عنه: بأن مراد الشاعران سياد الممدوح هي التي جرت السيادة لأبيه ثم لجده فثم فيه على أصلها على أن في بيت

стр. 121

الحماسة بحثاً لي ذكرته في شرحي على ديوان الحماسة (قوله والقائلون بالتبعيض اشترطوا الخ) ممن قال به الأصمعي وابن مالك وتمسكوا بقوله تعالى عيناً يشرب بها عباد الله أي منها والظاهر أن معنى الباء في الآية السببية على إبقاء يشرب بمعناه أو على تضمين يشرب معنى يروى وفيه فائدة بيان أن الشرب منها سبب الري وأما كما جعل صاحب الكشاف يشرب بمعنى شرب الخمر وأن العين يمزجون بها شرابهم بحذف مفعول يشرب لعلمه من قوله إن الأبرار يشربون من كاس (قوله حتى لا تكون للتعدية الخ) باء التعدي هي التي تعدي الفعل القاصر من الفاعل إلى مفعول على معنى الإيقاع مثل الهمزة كقولهم ذهب الله بنورهم أي أذهبه وليس المراد التي يتعدى بها الفعل للمجرور لأن كل حرف جر يعدي الفعل. وبهذا تعلم أن قول المصنف آخر التقرير فتتعين الباء فيها للتعدية سهو إذ الباء على تقريره للالة (قوله وزعموا أن من ذلك قوله وامسحوا برءوسكم الخ) فيكون المطلوب مسح بعض الرأس وحاصل جواب المصنف عنه بالمعارضة وهي أن ما قالوه في وجود الفرق صحيح في الجملة لكن الفرق بصورة أخرى ولم يقصد المص بهذا إثبات مذهب مالك رحمه

стр. 122

الله لأن ما ذكره من المعارضة يقتضي أنه لا يتعين استيعاب الرأس إذا الآلة لا يلزم استعمال جميعها وإنما أراد المص إبطال تعيينهم التبعيض بناء على ما هو مقرر في آداب البحث والجدل من أن المانع لا مذهب له. والتحقيق أن الباء في الآية لتأكيد اللصوق لقصد التنصيص على أن المراد مماسة اليد للرأس لا المسح على العمامة وشبهها لأن المسح ربما كان يفهم منه قصد الشارع للتخفيف فكان المقام لدفع توهم المبالغة فيه والباء تدفع ذلك ومما وردت فيه الباء بمثل هذا المعنى في كلامهم قول النابغة في النعمان ابن المنذر. لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا ... وأصبح جد الناس يضلع عاثرا يريد وارتك الأرض للتنبيه على شدة اتصال الأرض به عند مواراته وذلك إياس في عودته. وأما حديث المغيرة ابن شعبة الذي ذكر فيه أن رسول الله ﷺ مسح ناصيته فمع احتماله المجاز حملاً على مشهور الأحاديث والعمل، هو حديث غريب فيما تتوفر الدواعي على نقله وعلمه. أما معنى الآلة الذي يحاوله المص وعبر عنه بالتعدية فيستلزم أن تكون الأيدي مغسولة ممسوحة وأن لا يكون للرأس حظ إلا كونه منديلاً ينمسح به وكلاهما من السخافة بحيث تنزه الشريعة

стр. 123

عن قصده (قوله ومنها الفرق بين قول الفقهاء إذا قال كلما دخلت الدار وبين قوله ان ومتى الخ) اعلم أن المذهب في متى أنها مساوية لأن كما وقع في العتبية في كتاب الإيمان بالطلاق في سماع عيسى ابن دينار من ابن القاسم في المسألة الثالثة من رسم نقدها نقدها أنه إن قال متى تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها فطلقت ثم عاد لها أنها لا تطلق عليه ثانية إلا أن ينوي بمتى معنى كلما وهو عند مالك احتمال مرجوح كما أفصح عنه ابن رشد في شرحه البيان والتحصيل وعليه فما يأتي من عد متى في صيغ العموم إنما هو نظر لبعض استعمالاتها وهو الاستعمال المرجوح عند مالك

стр. 124

وصرح به في المدونة (قوله وعلى هذه القاعدة أشكل قوله صلى الله عليه سلم نعم العبد صهيب الخ) أحسن الأجوبة جواب العز بن عبد السلام وحاصله أن لو تقتضي الربط بين مقدمها وتاليها وتقتضي امتناع المقدم فقط لكن الملازمة التي بين المقدم والتالي تستلزم امتناع التالي لامتناع المقدم مالم يخلف المقدم عند امتناعه شيء آخر يصلح لأن يكون سبباً في التالي فيكون امتناع المقدم المذكور حينئذ غير دال على امتناع التالي وتكون الفائدة في ربط التعليق ببعض الأسباب - وهو المذكور - الإشارة لكونه محل تأمل أو لأنه أبعد عن الحكم فتكون لو في نحو هذا مقام مفيدة لمعنى المبالغة ولقبها بعضهم بالصهيبية. ترجمة صهيب ﵁ وصهيب هو صهيب بن سنان النمري من المهاجرين ﵁ شهد بدراً وتوفي بالمدينة سنة ٣٨ ثمان وثلاثين وكان يعرف بالرومي لأنه كان سبي عند الروم وهو صغير حين أغاروا على الجزيرة فتعلم لسانهم ثم اشتراه عبد الله بن جدعان التميمي الكريم الشهير وأعتقه (قوله فائدة قال ابن يعيش لو تكون بمعنى أن الخ) أي أن المصدرية فتكون حرف

стр. 125

مصدر ولا تنصب وقد أثبت هذا المعنى قليل من المتقدمين منهم الفراء للتخلص من كثرة التقدير والحذف في نحو الآية وتبعهم جمع من المتأخرين منهم التبريزي وأبو البقاء وابن مالك وتبعه أنصار كتبه فشاع هذا الاستعمال حتى بين المبتدئين فلذا يعده المص غريباً، وتراه قريباً. ترجمة ابن يعيش وابن يعيش هو موفق الدين يعيش بن أبي السرايا بن محمد بن علي الأسدي الموصلي ثم الحلبي المعروف بابن الضايع ولد في حلب سنة ٥٥٣ وتوفي بها سنة ٦٤٣ ثلاث وأربعين وستمائة. له شرح المفصل للزمخشري في النحو. وشرح التصريف الملوكي لابن جنى ﵀ (قوله ولذلك قلنا أن قوله ثلاثة قروء الاطهار دون الحيض الخ) غفلة منه لأن التذكير والتأنيث فيما ليس بمذكر حقيقي ينظر فيه للفظه ولفظ القرء مذكور ولو كان كما قال لما اختلف الفقهاء ونظير هذا استدلال بعضهم على أن النملة أنثى في قوله تعالى قالت نملة بتأنيث الفعل لها.

стр. 126

الباب الثالث في تعارض مقتضيات الألفاظ يريد تعارض مقتضيات اللفظ الواحد إذا كانت من حيث المعنى اللغوي، سواء كان من الوضع أم من الفحوى ودليل هذا المراد ما ذكره من تقديم العموم على الخصوص والإطلاق على التقييد فإنه لو تعارض لفظان أحدهما عام والآخر خاص لحمل العام على خصوص الخاص وكذا المطلق والمقيد. أما هذا الباب فهو باب الحمل أي على أي الاحتمالات يجمل اللفظ الواحد وإنما جمع الألفاظ باعتبار أنواع الاحتمالات ولو أفراد اللفظ لكان أوضح في المراد. فليس صرف اللفظ عن معناه لتأويل أو دليل أو لغير ذلك مراداً هنا وإن ورد في بعض أمثلة المص على وجه التسامح أو السهو كما سنبينه (قوله يحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز الخ) أي متى تساويا في الاشتهار وفي المناسبة للمقام ولم تقم قرينة ولا عادة من الاستعمال فإذ ورد نحو قوله تعالى أو لامستم النساء حمل على الوطء مجازاً لأن عادة القرآن ترك التصريح بمثل هذا وبهذا يرجح كون المراد من النكاح العقد فقوله ولفظ النكاح يحمل الخ فيه أنه يثبت اشتراكه

стр. 127

من تتبع اللغة بل ثبت كونه أغلب في العقد والذي ألجأ المص إلى هذا هو حمل النكاح على ما بعد العقد في آية حتى تنكح زوجاً غيره لثبوت شرط المسيس في حديث زوجة رفاعة حين أرادت أن تراجعه بعد أن تزوجت بزوج معترض فالوجه أن السنة قيدت الإطلاق بدليل أن المرأة وهي عربية ظنت إباحة المراجعة بالعقد (قوله يقول الشافعي يقتلوا أن قتلوا الخ) فراراً من تفويض الأمر إلى الشاهية إذا حمل التخيير على ظاهرة وذهب سعيد ومجاهد وعطاء والتخعي إلى كونه موكولاً لاجتهاد الإمام. والجمهور على أنه إشارة إلى اختلاف أحوال الحرابة واختلفوا في بيان ذلك في سبعة أقوال منها قول الشافعي المذكور هنا. ومذهب مالك أنه تخيير ظاهري وهو كغيره موكولاً للاجتهاد بتنزيل العقاب على قدر الجرم وكثرة المقام على الفساد وإلى ذلك يشير قول المدونة في كتاب المحاربين "رب محارب لم يقتل هو أخوف وأعظم فساداً ممن قتل إلى أن قال وليس كل المحاربين سواء منهم من يخرج بعصى أو خشبة فيؤخذ على تلك الحالة ولم يخف السبيل فهذا لو أخذ فيه بأيسر الحكم لم أر به بأساً اهـ" ويؤيد مذهب مالك أشياء الأول أن الله تعالى ناط العقوبة بالحرابة حيث قال إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله فإن الموصول يومئ إلى التعليل فلو قلنا يقتل إن قتل كنا لم نؤاخذه لأجل الحرابة ولم نعد به إخوانه من القاتلين وليس هذا المراد من تنكيل شأن الحرابة وشق العصا. أما عدم جواز عقاب القاتل من المحاربين بالنفي الذي هو من جملة ما خير فيه فذلك لأن شرط العقوبة مساواتها للجريمة وتندرج الحرابة في القتل قال في المدونة "ولا يجتمع مع القتل قطع ولا ضرب اهـ". الثاني أن الله تعالى قال أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وليس السارق

стр. 128

كذلك لأنه إنما تقطع يده فقط إلا عند العودة فقد قيس حكمه فيها على المحارب في أصل جواز قطع الرجل ثم المحارب قد يجمع له بين الأمرين من أول مرة وليس جمع الضمير في قوله أيديهم لتوزيع أصناف المحاربين من أخذ في المرة الأولى أو الثانية إذ لو كان كذلك لأتى بأو عوضاً عن الواو. الثالث قوله إلا الذين تابعوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ليس إعلاماً لنا بما سيصنع بهم في الآخرة لأن ذلك لا يهمنا وإنما هو حكم بان من جاء منهم تائهاً قبل القدرة عليه يعفى عنه إلا في حقوق الناس من دم أو مال وقد وقع الإجماع على هذا فلو كانت العقوبة منوعة على حسب ما أتاه لما صح العفو عنه في ذلك. الرابع ما ذكره المصنف من تقديم الاستقلال على الإضمار (قوله وقيل ليست زائدة الخ) لا خلاف في كون المراد من الجملة على كلا الوجهين القسم فأما القسم على وجه الزيادة فظاهر. وأما على وجه النفي فاستعمال الجملة في القسم تمثيل لحال المقسم في تعظيمه أمر المقسم به بحال من يحب أن يحلف ويخشى الحنث الذي بكسر السين ليس بأمر هين عنده فيترك الحلف فكأنه يقول لا أقسم بهذا البلد وفي وقت حلولك فيه فالواو للحال لا للعطف وإنما أشير إلى كونه فيه حلالاً غير محرم لدفع توهم أن التعظيم لابسه من وصف الإحرام بل هو تعظيم ذاتي. والآية جاءت على أسلوب العرب تعظيماً للمقسم به بتعظيم ساكنه فكان شأنه تعالى وتقدس كشأن من يترك الحلف خشية الحنث وأما تقدير المص النفي على حقيقته وتقدير ليس محذوفه فتكلف لأن حذف النافي خاص بلا بشرطين والكل مفقود هنا على أن الآية مكية والنبي ﷺ هناك فأي معنى للامتناع من القسم عند عدم

стр. 129

وجوده فيه (قوله والعرب لا تزيد فيه التأكيد على ثلاث الخ) فيكون ما وقع فيه السورة من التكرير وهو إعادة الجملة لغرض غير التحقيق من التهديد أو التوبيخ أو غيره فليس هو من التأكيد لاختلاف الغرضين فما جاء للتوبيخ ما في سورة الرحمان. ومنه للتهديد ما وقع في سورة المرسلات. ومما جاء للتهويل والتحميس قول الحرث بن عباد البكري لما قتلت تغلب ابن أخيه بجيرا بكليب في مبدأ حرب البسوس. قربا مربط النعامة مني ... أن بيع الكريم بالشسع غالي فكررها نحواً من أربعين مرة (١) وقد يجيء لإلقاء التبعة وقطع المعذرة مثل تكرير جملة "ألا هل بلغت اللهم اشهد" في خطبة حجة الوداع (قوله فروع أربعة الخ) هذان الفرعان الأولان يتعلقان بحكم المشترك وقد بحث فيه المص بحثاً مجملاً فأردت أن أبين ما يكون عوناً على المباحث الآتية. والبحث في المشترك عن ثلاثة. أشياء وقوعه. واستعماله. والعمل فيه عند وروده. أما وقوعه فقد أثبته الجمهور وأنكره قليل من علماء اللغة والأصول وليس هو عبارة عن وضع الواضع اللفظ لمعنى ثم وضعه لمعنى آخر لأن ذلك ينافي الغرض من وضع اللغة الذي هو تمايز الأشياء لقصد التفاهم واحتمال نسيان الواضع لا يذكر هنا لأن كلا اللفظين مستعمل ولكن الاشتراك يعرض للغة بثلاثة أسباب أولها تعدد لغات قبائل العرب بعد تفرقهم في أطراف الجزيرة أثر سيل العرم فلما وقع التعارف بينهم من

стр. 130

بعد نقلت كل قبيلة لغتها للأخرى ويلحق بهذا المعرب. ثانيها شهرة المجاز ومنه استعمال الحرف في معنى حرف آخر. ثالثها التلطف للتفاؤل ونحوه كقولهم الجون للأبيض والأسود وللأعمى بصير وللملدوغ سليم والظاهر أن من أنكره غفل عن هذا فيوشك أن يكون الخلاف لفظياً فالاشتراك يعرض بعد الاستعمال لا من أصل الوضع ولما كان بحث الأصولي عن وقوعه في الاستعمال فلا حاجة به إلى الغوص في أعماق الوضع. وأما استعماله فلا شك أن استعمال كل لفظ يكون على حسب الوضع وإنما المراد أنه هل يصح أن يستعمل المتكلم مريداً به جميع مسمياته أو صبره منها وهل إذا صح ذلك وورد لفظ مشترك بدون قرينة مبينة يحمل على إرادة الجميع أم إرادة واحدة ونقل المصنف عن مالك ﵀ أنه يقول بجواز ذلك فلعله مأخوذ من فروع مذهبه إذ لم يعهد من مثله التكلم في مسائل الجواز فإن كان في الكلام ما يعين المراد مثل التكرير بقدر الموضوع له صح ولا إجمال. ودون ذلك الإتيان بصيغة المثنى والجمع لأن الجمع خصوصاً يؤذن بإرادة جميع المعاني فإن انضمت القرينة فأجدر بالجواز مثل قول الحرير. جاد بالعين حين أعمى هواه ... عينه فانثنى بلا عينين لأن تقديم ذكر لفظ العين في معنيين دل على المراد من التثنية. وأما حكم حمله عند السامع فأما المشترك إذا ورد غير ظاهر المراد منه بأن كان مفرداً منكراً أو مثنى ومعانيه أكثر من اثنين وهي وإن كانت مبنية على مسألة جواز الاستعمال إلا أن معنى الحمل بيان مقدار ما أراده المستعمل من جميع المعاني أو بعضها فالحمل إذاً أخص من الاستعمال ولا يجوزان

стр. 131

تثبت صحة الاستعمال ويمنع الحمل إلا إذا أريد أنه يستعمل بقرينة فحمله كذلك يكون للقرينة ولهذا أخذ السبكي من منع القاضي حمل اللفظ على حقيقته ومجازه أنه يمنع استعماله فيهما وهو الصواب وما حاوله الزركشي من التفصيل من كلام القاضي وأنه أراد معنى حمله عليهما لا منع استعمال المتكلم ذلك بالقرينة محاولة لا طائل تحتها فإن منع الاستعمال منع حمله على متعدد وإن أجيز فلم ينقل المص عن مالك شيئاً وسنبين تحقيق مذهبه. وقال الشافعي: يحمل على جميع ما يصلح له كالعام للاحتياط وهو حقيقة لجواز استعماله في ذلك عنده فالاحتياط في مراد المتكلم لا ينافي جواز الاستعمال حقيقة فمن نقل عن الشافعي القول بحمله على الجميع للاحتياط مثل البيضاوي فقد صدق ومن نقل عنه العموم وهو الآمدي فقد صدق لأنه أراد أن حمله كحمل العام ولهذا تترجم هذه المسألة "بعموم المشترك" وتوقف المص في الثاني ناشئ عن توهم كون المراد جعله من العام وقال الباقلاني بمثل قول الشافعي فنقل عنه أن للاحتياط كالمجمل وأنه كحمل العام أي في جميع ما يصدق عليه والمئال أيضاً في النقلين واحد ولا يرد عليه استشكال الابياري لأنه وإن كان متوقفاً في صيغ العموم لكنه معترف بوجود عموم حتى فرض القول في صيغة وتوقف غير أنه لما رأى صيغ العموم قد تستعمل في غيره لم يجزم بتعيين صيغة خاصة بالعموم فقد شبه حمله بحمل العام ولم يجعله من صيغ العموم أو جعله مثل صيغ العموم في استعمال مرة لجميع ما يصلح له ومرة للبعض فلا إشكال في كلامه واختار الإمام أنه مجمل لا يحمل على شيء حتى يدل دليل على بعض المعاني أو الجميع وهو الذي نقله المص في الفرع الثاني تبعاً للمحصول ولم يتعقبه فهو يوافق القاضي في المبدأ وهو الإجمال ولا يوافقه في الغاية

стр. 132

وهي الحمل على الجميع كما أن القاضي وافق الشافعي في الغاية دون المبدأ لأنه عنده مجمل وعند الشافعي ظاهر. أما مذهب مالك فيه فهو الذي وفى بقضاء حق الاحتياط فالذي يؤخذ من مذهبه أنه يحمل المشترك على ما يقتضيه الاحتياط في مراد المتكلم فاللفظ المشترك إما أن تكون معانيه متداخلة أو متباينة أو متناقضة. فإن كان الأول حمل على المعنى الشامل لها للاحتياط فلذك قال في قول الرجل لزوجته أنت خلية وبرية وحبلك على غاربك انه يحمل على الثلاث في المدخول بها لأن اللفظ لما دار بين الرجعي والبائن حمل على البينونة وهي لا تحصل في المدخول بها إلا بالثلاث لأن البينونة حكم للطلاق لا لفظ من ألفاظه وينوي في غير المدخول بها لا مكان حصول البينونة بمطلق الطلاق فلم يبق إلا احتمال الثلاث. وإن كانت المعاني متباينة فالأمر سهل وهو الحمل على جميعها. وإن كانت متناقضة فهاهنا انقطع عنا سلك الحكاية عن الشافعي والقاضي إلا أن المص قال لا يجمعون بين المعاني عند امتناع الجمع فلنرجع بهما إلى قول مالك ﵀ فإنه يحمله في كل مكان على ما يقضي حق الاحتياط فإنه حمل الإقراء على الاطهار في الخروج من العدة واحلل للتزوج وعلى الحيض في منع مراجعة الزوج الأول لها إلا بصداق وولي فدخولها في الحيضة الثالثة مانع من المراجعة والطهر الثالث هو الذي تحل به للأزواج هذا ملاك مسألة المشترك بحسب ما انتهى إليه العلم خصوصاً في فروع مذهب مالك وبه لا تعوزكم الفروع المتشابهة والأبحاث المتناثرة التي أتى بها المص في تضاعيف هاته الفروع الأربعة. هذا حكم حمل المشترك وأما استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه المشهور وقد عددناه في بحث وقوعه

стр. 133

من جملة الأسباب فمذهب الشافعي فيه مثل مذهبه في الحقائق وللحنفية فيه تفصيل يأتي في الفرع الثالث. وذهب الإمام الرازي إلى أنه مجمل ومنعه القاضي بتاتاً. وأما استعمال اللفظ في مجازية فمساو لما تقدم عند الشافعي والحنفية وأما الإمام فعلى راية من التوقف للإجمال ووافقه هنا فقط الآمدي وابن الحاجب وذكراها في باب المجمل وبيان تفصيل هذا يأتي عند الكلام على الفرع الثالث (قوله القائلون بجواز الجمع الخ) اراد جمع المعاني في الكلمة الواحدة عند استعمالها لا جواز الحمل على معانيه عند وروده لأن هاته مسألة سيذكرها بعد فلو قال هنا كما قال في شرحه للمحصول القائلون بجواز الاستعمال في جميع المعاني (قوله الثانية لم يقل منهم بوجوب الحمل الخ) الضمير يرجع إلى القائلين في الفائدة الأولى بحمل المشترك المستعمل في معنييه على كليهما وهذا الحمل مستفادة من تجويز الاستعمال وإن لم يتقدم له ذكر في كلامه في المتن كما لم يتقدم فيه نقل عن المعتزلة وإنما نقل هاته الفوائد من شرحه على المحصول فكان فيها ما لم يذكره هنا في المتن والمعتزلة يوافقون الشافعي في صحة استعمال المشترك في جميع معانيه ثم يخالفونه في الحمل. ترجمة أبي بكر الباقلاني والقاضي هو أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني البصري المالكي المتوفى سنة ٤٠٣ ثلاث وأربعمائة ببغداد والباقلاني نسبة إلى بيع الباقلي وهو القول إمام المتكلمين على طريقة الأشعري وناصر مذهبه أخذ عن ابن مجاهد الأصول وعن الأبهري الفقه وكان شيخ المالكية ورئيسهم في وقته اشتهر بقوة الحجة وفصاحة العبارة وجودة التأليف ولي القضاء

стр. 134

بالثغر وكانت شهرته في الكلام وناظر أكثر الفرق الإسلامية وغيرها وظهر عليهم ووجهه عضد الدولة سفيراً إلى ملك الروم بالقسطنطينية وناظر أساقفته بمجلسه وظهر عليهم. ألف كتباً كثيرة منها "التقريب والإرشاد" في أصول الفقه. وإعجاز القرآن. وإجماع أهل المدينة. وغيرها ﵀ (قوله الثالثة اختلفوا هل المنع لأجل الوضع الخ) الضمير يرجع إلى من منع استعمال المشترك في معنييه. واختار في المحصول أن المنع لأجل الوضع أي أن العرب لم تقصد من المشترك أن يستعمل في معانيه دفعة واحدة فإذا استعمله أحد كذلك فقد خالف الوضع واحتاج إلى القرينة فيكون مجازاً لأن العقل لا يمنع منه ولكن منعته اللغة. فقوله والقائل بأنه للقصد الغزالي وأبو الحسين تحريف أو سبق قلم وصوابه والقائل بأنه للوضع لأنه المنقول عنهما في كتب الأصول. ومن الأصوليين من منعه للقصد أي أحال صحة فقصد المتكلم إياه لأن إرادة أحد المعنيين تستلزم عدم إرادة الآخر لأنه إنما وضع لهما على سبيل البدلية لا على سبيل المعية والاستعمال على نحو الوضع فلو أرادهما معاً لزم أن لا يريدهما معاً وهو محال وقد أشار المص لهذا في التنبيه. وجوابه منع التزام كون الاستعمال على نحو الوضع أبداً فقد تدل القرائن على إرادة غير الموضوع له من عرض الكلام لم ينسب في كتب الأصول هذا القول لمعين ويظهر من صنيع ابن السبكي حيث لم يقابل به قول الغزالي وأبي الحسين أنه عين القول بمنع الاستعمال المقابل لقول الشافعي ولم يعين له قائل لكن ذكر الزركشي أن ابن الصباغ من الشافعية نصره (قوله قاله في النفي الخ) أي اثبته كما في شرح المحصول وليس المراد أنه قال بالمنع في النفي أيضاً كما قد يتبادر. ووجه الفرق

стр. 135

إن هذا القائل يرى المشترك في دلالته على معانيه كدلالة النكرة على الفرد المبهم فهو في الإثبات مثلها لا يدل إلا على فرد. وفي النفي يدل على الاستغراق لأن نفي الفرد المبهم يستلزم نفي الجميع كما قرر في النكرة في سياق النفي. وجوابه التفرقة بين المشترك اللفظي والنكرة بمنع كونه موضوعاً للواحد المبهم من معانيه بل هو موضوع لكل معنى على حدته على حسب الطريق المقتضية لذلك المتقدمة في مبحث وقوعه من مقدمتنا فيه فتدبر (قوله الخامسة قال الخ) نقل هاته الفوائد في شرحه للمحصول عن الآمدي وهاهنا لم يذكر عزوها ونسي في هاته الفائدة فأثبت كلمة قال الموجودة في جميع الفوائد في شرح المحصول. وحاصل هاته الفائدة: هل المشترك عند حمله على جميع معانيه مجاز أم حقيقة ولما كانت دعوى كونه حقيقة يرد عليها أنها تستلزم كونه موضوعاً للدلالة على معنى متعدد في آن واحد لا على طريق الكناية وذلك يستلزم أنه لو استعمل في واحد من معانيه كان مجازاً لاستعماله في بعض ما يدل عليه حقيقة وذلك باطل بالاتفاق فلا شك أن دعوى كونه مجازاً عند استعماله في الجميع أخف منها عند استعماله في واحد لأن هذا أكثر والشيوع من علامات الحقيقة. فأجاب أنصار الشافعي عن ذلك بأن استعماله في جميع معانيه كاستعمال اللفظ العام عند إرادة العموم فإن النكرة غير موضوعة للدلالة على العموم الشمولي بل البدلي كالمشترك فإذا وقعت في سياق النفي مثلاً عمت فمثلها المشترك عند إرادة جميع معانيه وكما كان النفي قرينة عموم النكرة تكون القرائن الحافة بإرادة جميع المعاني من المشترك مثله ولا يقتضي ذلك كونهما مجازاً لأن قرينة المجاز هي القرينة المانعة وهاتان معينتان. ولأن المجاز

стр. 136

مستعمل في غير ما وضع له. وهذان استعلا فيما وضعا له. هذا حاصل الجواب المشار إليه بقوله "بل حقيقة كسائر الألفاظ العامة في صيغ العموم إلى قوله وقال الشيخ شرف الدين" وأبطل المص تبعاً لإمام الحرمين وشرف الدين هذا الجواب بإبداء ثلاثة فروق بين صيغ العموم والمشترك ليبطل تقريب كونه حقيقة عندما يستعمل في جميع معانيه. الأول منع كون صيغ العموم قد عرض لها التعميم بعد الوضع بل هي موضوعة للعموم وهذا أشار له بقوله مسمى العموم واحد وأما النكرة في سياق النفي فهي غيرها في سياق الإثبات لأن الذي أفاد العموم هو مقتضى النفي الذي لحق بها حتى قيل أن دلالتها على العموم بالالتزام كالكناية بخلاف المشترك فلم يتصل به شيء لفظي إنما اتصلت به إرادة المتكلم الثاني. أن المشترك موضوع لمتعدد معلوم إذ لا بد من تعيين الموضوع له حيث لم يكن مستحضراً للواضع بعنوان كلي وهو عند إرادة جميع معانيه مماثل لأسماء الأعداد لدلالته على عدد من الأجناس ثم الكلية إنما عرضت لكل جنس على حدته لا لجميع الأجناس في وقت واحد بخلاف صيغة العموم فإنها موضوعة لجنس كلي شائع لا لافراد معينة وإلى هذا أشار بقوله ولأن الفرض في لفظ وضع لكل واحد بخصوصه (أي وهو المشترك اللفظي) لا المشترك بين أفراد بوصف الكلية (أي بوصف دخولها تحت مفهوم كلي وأراد بذلك العموم وأطلق عليه مشتركاً لأنه مشترك معنوي). الثالث. أن العموم لا تتناهى أفراده بالأصالة والمشترك اللفظي أفراده متناهية وهي الأجناس أو غيرها التي جعلت مدلولا له فإن وضع لمجموعها لزم أن لا يصح إطلاقه إلا على المجموع فيلزم أن يكون إطلاقه على أحدها إطلاقاً له على غير

стр. 137

ما وضع له وهذا ينافي حقيقة المشترك كيف والفرض أنه مشترك فلا بد أن يعترفوا بأنه موضوع لها على البدلية فيكون إطلاقه عليها على وجه الشمول مجازاً وهو المطلوب وإلى هذا أشار بقوله "ومن شرط العموم أن تكون أفراده غير متناهية - أي بالأصالة وإلا فقد تنحصر لعارض - إلى قوله والفرض أنه مشترك" هذا خلاصة وتحقيق ما لفه المص في مطاوي الفائدة الخامسة ثم زر عليه بالعقد الثلاثة فتركه من الألغاز، يريد به إبطال الحقيقة وإثبات المجاز (قوله السابعة قال النقشواني اللفظ المشترك الخ) أراد تحرير محل النزاع وبيان القابل لتعدد معانيه وغيره فقوله "لأن التنكير يقتضي التوحيد" أراد به التنكير مع الأفراد وهو يقتضي التوحيد لأنه لو عرف لاحتمل الاستغراق من اللام وإن كرر فقد جوز استعماله بمقدار تكراره فإن جاء بمقدار المعاني فذاك وإلا فهو مجمل يحتاج للقرينة وقوله "وإن كان بصيغة العموم" أي كان جمعاً بصيغة العموم غير كل وجميع مثل لا عين لفلان أو مفرداً معرفاً فهو كما سبق أي في جواز إرادة معانيه وهذا مقابل قوله "أما بلفظ الكل والجميع" ولم يذكر له مقابلاً في التقسيم فلعله وقع من سهو المص لأنه موجود في شرعه للمحصول وهو أمر سهل. والنقشواني هو شارح المحصول. قال في معجم ياقوت نقجوان بالنون المفتوحة وقاف ساكنة وبالجيم المضمومة والنسبة نشوي بالشين ويقال نخجوان بالخاء والجيم مضمومة بلد من نواحي اران (أذربيجان) آهـ فالظاهر أنه منسوب إليها وذكروا الشين لأن أصل الجيم الفارسية متفشية قريباً من الشين (قوله قلت والظاهر الخ) ملخص

стр. 138

ما أورده أن تقسيم النقشواني غير واف بالصور وما عينه في بعضها غير متعين إذ تعارض احتمالان فيه فصورة التكرير رجح فيها النقشواني تعدد المعنى وعارضه المص باحتمال التأكيد وهو مراده من قوله "لصدق اللفظ على الأول" أي على المعنى الأول فيكون مدلول اللفظ الثاني والأول واحد لكنه اعترف بأنه خلاف الأصل وهذا كاف في ترجيح كلام النقشواني ثم زاد المص صورة لعطف وهي زيادة لازمة مع أن النقشواني أدمجها في صورة التكرير وكذلك صورة التعريف بعد التنكير غير صورة التعريف ابتداء وهو قد أطلق فيها (قوله سؤال استشكل الابياري الخ) قد علمتم الجواب عنه في مقدمة بحث المشترك ثم الموجود هنا أنه الابياري بباء فيها مثناة وفي شرح المحصول أنه الانباري بنون فباء موحدة وأنه ذكر ذلك في شرح البرهان والمعروف هو شرح البرهان للأبياري المالكي فلعل ما في شرح المحصول تصحيف وهذا التصحيف في الابياري كثير قال ياقوت في معجمه وكثير يصحف باءها نوناً وياءها باء. ترجمة الابياري والابياري هو علي بن إسماعيل بن علي بن حسين بن عطية المالكي التلكماني ثم الابياري نسبة (للأبيار بفتح الهمزة وسكون الموحدة قرية بجزرية بني نصير بين مصر والإسكندرية ذكره ياقوت) يلقب شمس الدين ولد في حدود سنة ٥٥٧ وتوفي بالإسكندرية سنة ٦١٦ ست عشرة وستماية كان إماماً في الفقه والأصول والمعقول حتى فضل على الإمام فخر الدين الرازي في الأصول له شرح على البرهان لإمام الحرمين. والتكملة

стр. 139

في الفقه، وسفينة النجاة على طريقة احياء الغزالي وهو بديع أتقن من الأحياء (قوله فائدة احتجاجهم بآية الصلاة يرد عليه الخ) آية الصلاة هي قوله تعالى أن الله وملائكته يصلون على النبي وهي المذكوة في المتن ووجه الإيراد أن المسند إليه هنا موزع واللفظ المشترك مذكور بعده وصالح لأن يرجع للفظه وهو الملائكة خاصة ويضمر للفظ الجلالة خبر إلا أن هذا الجواب لا يتم في آية ألم تر أن الله يسجد له لأن العاطف فيها بعد ذكر الفعل والشأن أنه لو أريد إعادة اللفظ لما جيء بالعطف الموهم للمشاركة في المعنى لأن أصل العطف اختصار العامل إلا أن يقال قرينة المحذوف عدم صلاحية المعنى العامل للمعطوف فالأولى في الجواب أن نقدر في الآيتين معنى يشمل سائر المعطوفات إذ الصلاة هي الدعاء وكل قول رجي به خير للمصلي عليه وتقترن بميل القلب وإشادة الذكر فإذا أسندت إلى الله والملائكة فهي حقيقة وتفسر في كل بما يليق أعني ذكر الله رسوله بخير ورحمته إياه ورجاء ذلك من الله ونقدر في السجود ما قدره المص. أو يقال أن في الآيتين استخداماً في الواو كما قرره الشهاب الخفاجي في طراز المجالس (قوله الفرع الثالث إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة الخ) هذا الفرع لبيان مذهب الحنفية ومن يمنع استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه خاصة لأنهم بعد أن اختلفوا في صحة إطلاق المشترك على معنييه حقيقة أو مجازاً كما تقدم اختلفوا أيضاً هل استعماله في حقيقته ومجازه كذلك أم لا. فذهب الشافعي إلى أنهما سواء فإذا كانت قرينة المجاز موجودة مع

стр. 140

إرادة الحقيقة أو كان المجاز متعارفاً مساوياً للحقيقة حمل اللفظ على الأمرين حمل المشترك على معنييه. وذهب جماعة إلى منع استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه وهو قول القاضي أبي بكر والحنفية واستدل القاضي على المنع بأن بين الأمرين تنافياً لأن الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له. والمجاز استعماله في غير ما وضع له فلا يصح أن يكون في الوقت الواحد مستعلا فيما وضع له وفي غيره. والجواب عنه أنه كما جاز استعماله فيما وضع له في لغة وما وضع له في اللغة الأخرى مع أن الوضع لأحدهما يستلزم عدم الوضع للآخر جاز هنا فالأولى أن نجتج لهم بأن المجاز مشروط بالقرينة المانعة من المعنى الحقيقي فكيف يصح أن يكون المعنى الحقيقي مراداً. ويجاب عن هذا بكون القرينة عند استعماله في معنييه هي المعينة للمجاز لا المانعة إذ المانعة لا تمكن هنا ولا يشكل عليه قولهم في تعريف المجاز مع قرينة مانعة لأن المراد بذلك تعميم القرائن ولا شك أن المعينة للمعنى المجازي مانعة من الحقيقي غالباً عند من يجوز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ودائماً عند من لا يجوزه ويظهر الفرق بين مذهب الشافعي مذهب الحنفية في صورة المساواة في الشهرة بين المعنى الحقيقي والمجازي فالشافعي يحمله عيهما والحنفية يقدمون الحقيقة. أما صورة مرجوحية المجاز فلا يحمل لها الشافعي حكم المشترك لضعف المجاز من جهتين ح كما ذكره ابن السمعان. وأما في الصورتين الأخريين فمذهب الشافعي كمذهب أبي يوسف وإذا كان الأصولي إنما يهمه أمر الاستعمال لا أمر الوضع فالنظر للتساوي في الاستعمال ولذا كان ترجيح الحقيقة في صورة التساوي غير متجه كما أشار له المصنف بقوله "وأما وجه بيان

стр. 141

الحق الخ" ومحمد بن الحسن يوافق أبا يوسف رحمهما الله كما في كتاب صدر الشريعة. هذا وأما استعمال اللفظ في معانيه المجازية مع تناسي الحقيقة فحكمه عند الشافعي مثل حكم المشترك لأن تناسي الحقيقة أو ضعفها صير المجاز كالموضوع له أو لأن القرينة صيرته كذلك كما لو قال التاجر في تونس لا أشتري السلعة الفلانية من مصر وهو لا يعلم الثمن ودلت القرينة أنه أراد أنه لا يساوم فيها ولا يشتريها وكيله. وذهب القاضي إلى منعه كمنع الاستعمال في حقيقته ومجازه وهو ظاهر عبارة السبكي ولابد أن يكون ذلك لغير الدليل الذي منع لأجله استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه وذهب الآمدي وابن الحاجب والإمام الرازي إلى أنه مجمل يتوقف فيه ولا شك أن الحنفية يجيزونه كما أجازوا المشترك لأن تفصيل استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه الذي ذكره لا يتأتى هنا ولعل مذهبنا لا يفرق بينه وبين المشترك لما تبين من أن العبرة في الحمل عندنا غلبة الاستعمال وتأتي الاحتياط وقد جعل مالك التيمم للحدث الأصغر كالتيمم للأكبر

стр. 142

أخذ بحقيقة أو لامستم النساء وبمجازه والمجازان أولى إذ لا تفاوت بينهما. ومما يلحق بمسألة المجازين مسألة عموم المجاز بمعنى أنه إذا اقترن بلفظ المجاز ما يدل على العموم هل يعم جميع جزئيات علاقته أم لا وقد أثبته الحنفية ونسبوا للشافعية إنكاره قال في التلويح وهو مما لم نجده في كتب الشافعية ولا يعقل من أحد نزاع في صحته نحو جاءني الأسود الرماة إلا زيدا ومراده أن وجود الاستثناء قرينة العموم كما أن قوله الرماة فرينة المجاز. ولا يقال أنه لا خلاف فيما فيه قرينة على العموم كما توهمه ابن قاسم وبعض المتأخرين لأن وجود القرينة فرع جواز الاستعمال وقد علمت أن الخلاف في الجواز والمنع فلو كان ممنوعاً لما صح استعمال ذلك لو بقرينة لأن القرينة لا تجوز ما هو ممنوع بل تعين أحد الوجهين المحتملين فالقائل بأنه لا يستعمل المجاز عاماً يرى أنه ليس من العربية فتصح مناقضة مذهبه حينئذ بأنه لا منازع في صحة جاء الأسود الرماة إلا زيداً إذ لو لم يجز لوقعت المنازعة في صحة مثل هذا التركيب واللازم باطل هذا تقريره في استدلال التفتازاني نظر لجواز منع عدم المنازعة وإلا ولى في الاستدلال أن يقال استعمال الألفاظ في مجازاتها الموضوعة بالنوع وارد لا سبيل لإنكاره واستفادة العموم من صيغه في العربية كذلك فإن اجتمع اللفظ المجاز وصيغة العموم فالقول بتعطيل استفادة العموم منه قول بلا مستند. وأما حملهم الصاع في

стр. 143

لا تبيعوا الصاع بالصاعين المستعمل مجازاً في حاله على خصوص الطعام فلدليل خص الربوية بالمطعومات عندهم لا لإنكار عموم المجاز. والحنفية أخذوا بالعموم فعندهم كل مكيل ربوي، أما عموم المجاز بمعنى حمله على ما يصلح له من أنواع العلاقات فلا خلاف في عدم صته كما في التلويح وقد يطلق عموم المجاز على تناول المعنى المجازي للحقيقي كما يشير له كلام التلويح في تعارض المجاز والحقيقة والأمر فيه سهل حتى نقل البزدوي عن بعضهم تخصيص خلاف أبي يوسف في ترجيح المجاز الراجح بما إذا كان يتناول بعمومه الحقيقة كما في التلويح (قوله الفرع الرابع إذا دار اللفظ بين احتمالين مرجوحين الخ) هذا الفرع تكملة لأولى مسائل هذا الباب وهو شبيه بتعارض معاني المشترك لأنه حكم تعارض احتمالين من اللفظ لكن باعتبار التركيب لا باعتبار الوضع وكل واحد منها مرجوح فليس لأحدها أصالة يرجح بها وعليه فالترجيح يكون للأضعف مرجوحية والأقرب من الأصل ومعنى تعارضها مع أنها خلاف الأصل أن يتوقف تعميم الكلام على حمل لفظ منه على أمرين منها متساويين في الاحتمال فليس منه احتمال اللفظ معنيين هو في أحدهما أظهر وأشهر كاحتماله النقل مع شهرة نقله كلفظ الصلاة في لسان الشرع فلا نقدم فيه التخصيص على النقل وإن كان التخصيص أقوى لتحقق شهرة النقل هنا. وقد رتبها المص كما رأيتم تبعاً للجمهور على

стр. 144

خلاف في بعضها يأتي وجمعها تاج الدين ابن السبكي في بيتين ذكرهما في آخر طبقاته عن شرحه للمنهاج. تجوز ثم إضمار وبعدهما ... نقل تلاه اشتراك فهو يخلفه وارجح الكل تخصيص وآخرها ... نسخ فما بعده قسم تخلفه وذكر المص ستة يحصل فيها من صور التعارض ثلاثون صورة من ضرب ستة في خمسة لأن كل واحد يعارض البقية ولا يعارض نفسه ثم تختصر إلى خمس عشرة صورة لأن ما عارض شيئاً منها لا يعد إذا عارضه شيء ذلك الشيء مثلاً تعارض المجاز والتخصيص هو عين تعارض التخصيص والمجاز كما أشار له التلمساني في شرح المعالم وقد أغفل الإمام النسخ فلم يعد إلا خمسة والمص استدركه في التعديد وأهمله ف يالتمثيل. واعلم أن المراد من الإضمار هنا الإضمار الذي تتوقف عليه صحة الكلام. ويستدعيه المقام. وهو المسمى بدلالة الاقتضاء لا كل إضمار لأنه إن كان إضماراً واجباً كالضمير في قام من رأيت الذين قام فلا شبهة في تقديمه وإن كان بلا داع فلا يصدق عليه أنه دار اللفظ بينه وبين غيره (قوله مثال تعارض الاشتراك والنقل الخ) لا شك أن لفظ غسل أشهر في المعنى اللغوي فهو من تعارض النقل والأصل ولا شك أن الأصل مقدم ولو كان الوارد في الحديث لفظ الطهارة لكانت حجة الشافعي ﵀ انهض ولكان التمثيل غير متسامح فيه. وحكمة الغسل المأمور به عندنا إما الاستقذار لأكله الجيف ونحوها. وأما خشية سريان داء الكلب في سؤره (قوله

стр. 145

مثال الاشتراك والإضمار قوله تعالى وامسحوا برؤوسكم الخ) تصوير التعارض هنا هو أن تقدير الباء التبعيض يجعل الرءوس مفعول امسحوا وهاذ يعارض إضمار مفعول لامسحوا وهو أيديكم فال يضح الجمع بينهما فيثبت التعارض إلا أنه ليس من تعارض الاشتراك والإضمار إذ لا خلاف في ثبوت معنى التبعيض للباء في لغة العرب فلا يكون الحمل عليه في الآية زيادة معنى في معاني الباء حتى يتصور تعارض دعوى الاشتراك والإضمار على أن الشافعي لم يقل باحتمال الباء في الآية للأمرين بل عين أنها للتبعيض لأنها مع فعل متعد وليس في الحمل عليه حمل للفظ على الاشتراك وقول المص يقول المالكي أي لقصد منع اقتضاء الآية البعضية لا لقصد إثبات مذهبه لأن معنى الآلة لا يثبت مذهب مالك من وجوب التعميم إذ الآلة لا يلزم استيعابها وقد تقرر في الجدل أن المانع لا مذهب له كما قدمنا في الحروف فارجع إليه وإن كان ظاهر كلام المص هنا أشد إيهاماً منه هناك لأنه قال هنا يقول المالكي ههنا مضمر فاشعر أن هذا دليل المالكي (قوله مثال الاشتراك والمجاز يقول المالكي الخ) بناء على كون النكاح حقيقة في الوطء فيكون مجازاً في العقد وقد تقدم البحث فيه في طالعة الباب والمجاز إذا تعارض مع الحقيقة قدمت عليه لأنها الأصل فينتج المطلوب وهو اشتراط المسيس دون التوقف لأجل الإجمال وبه يظهر أن المجاز مقدم على اشتراك وإن لم يكن المجاز هو المطلوب لأن العمل هنا بالحقيقة ولكن حمل المجاز لمنع التوقف.
следующие страницы →