إلى محلة كندة جهة بالكوفة لا إلى قبيلة كندة. نشأ بالشام وكان إماماً في اللغة والأدب حتى عد فيمن يحتج في العربية بكلامه من المولدين. أخذ عنه أبو علي الفارسي وابن جني وهو من أشعر شعراء الإسلام. وشعره مملوء حكمة ومعاني عالية ولولا أنه شوهه بكثرة المديح لكان ديوانه أول دواوين شعراء العربية. ولو أن أحداً عمد إلى ديوانه فقطعه نصفين لخرج نصفه الأعلى حكمة وشعراً بديعاً. ونصفه الأسفل شحاذة. وسبب قتله أنه تعرض له فاتك بن أبي الجهل الأسدي في عدة من أصحابه فقاتلوه في عدة من أصحابه حتى قتل والظاهر أنه مغرى به من أعدائه وحساده الكثيرين (قوله فائدة قال بعض اللغويين محسوسات لحن الخ) يقع مثل هذا كثيراً في كلام العرب قصداً للتخفيف وقد جاء في صحيح البخاري في باب فضل من شهد بدراً من كتاب المغازي خرج عشرة من المسلمين فيهم عاصم بن ثابت فلما بلغوا الهدة نفر لهم حي من لحيان فلما حسن بهم عاصم الخ ونظيره قولهم المعلول والعلة قال في القاموس وأعله الله فهو معل
стр. 72
ولا تقل معلول والمتكلمون يقولونها وليست منه على ثلج (قوله ضربت أخماسي في أسداسي الخ) لم تقل العرب ذلك وإنما قالت العرب في أمثالها "ضرب أخماساً لأسداس" يضرب لمن يظهر أمراً ليتوصل منه إلى ما وراءه كمن يماطل في وعده يوماً يوماً أو من يداوم عملاً ليصل إلى زلفى ونحوها أو مخادعة. وأصله أنهم يسقون إبلهم بعد خمس ليال أو خمسة أيام ثم يسقونها بعد ستة وهكذا حتى تعتاد الظمأ فهو يظهر لها أنه يسقيها بعد خمس وأنشد الميداني في مجمع الأمالي عن ثعلب:
الله يعلم لولا أني فرق ... من الأمير لعاتبت ابن نبراس
في موعد قاله لي غير مكترث ... غداً غدا ضرب أخماس لأسداس
وإرادة الجهات منه لا تصح لأن الأخماس والأسداس جمع والحواس والجهات خمس وست لا جملة أخماس وأسداس على أن بعض الحواس لا يصح استعماله في بعض الجهات كالذوق واللمس فالأصح هو ما حكاه المصنف بقيل (قوله ووجه تركب المستند في المتواترات من الحس والعقل إلى الخ) المتواتر خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكب عن محسوس ولا يتقيد بعدد وإنما حصول العلم عقبه هو دليل استكمال شروطه فالجزم فيه يحصل تدريجاً
стр. 73
كما توصل الخطوات إلى الغاية وسيأتي تحقيقه في موضعه (قوله سؤال يلزم أن الاستدلال بوجود العالم على وجود الصانع من هذا الباب الخ) وجه اللزوم أنه استدلال عقلي مستند إلى الحس كما علله بقوله فإن الحسن الخ. والجواب أن المحسوس في المجريات هو الذي يثبته العقل فالمقدمات فيها عين النتيجة فالذي تثبته بعد التجربة هو حرارة النار وهي عين المحسوس بخلاف النظر فإن المثبت به غير المحسوس فالمحسوس هو تغيير العالم والمثبت به هو وجود الصانع فهو محتاج إلى حد وسط بخلاف التجربة ولعل هذا هو مراد المصنف من قوله "إن هذا عقلي والملازمة بينهما عقلية" وأما الفروق الثلاثة فأولها مصادرة وثانيها ممنوع إذ قد يكون العقلي محتاجاً لتكرار النظر. وثالثها لا طائل تحته إذ ليس الدليل العقلي المستند إلى الحس بخاصة بهذا المثال بل يكون في الأمور الممكنة كالاستدلال بالأثر على حياة المؤثر فيطلب حينئذ الفرق فتدبر (قوله فائدة اختلف العلماء هل الحواس الخ) الصواب الثاني إذ لو كان
стр. 74
للحس إدراك بدون العقل لإدراك ما يعرض له عند الإغماء وحفظه للعقل وقت الإفاقة وهو باطل.
الفصل الثالث عشر في الحكم
(قوله مع أني غيرت بالزيادة لقولي القديم الخ) الشهاب ﵀ يمت بالزيادة ثم يستدرك ببقاء لحاد فاسد الذكر الخطاب الذي لا يناسب وصف القديم وكلا الأمرين غير متجه. فأما زيادة لفظ القديم فلا فائدة فيها ولهذا تركه الإمام فخر الدين لأن بحث الأصولي عن الحكم الذي هو صفة للأفعال من وجوب أو حرمة أو نحوهما التي هي أثر الخطاب والتي أطلق الخطاب عليها مجازاً مشهوراً صار حقيقة عرفية في المخاطب به عند الأصوليين. ولا شك أن زيادة لفظ القديم تنافي هذا المعنى فتصير الحكم هو الصفة النفسية وليست مرادة للأصولي والمراد به هنا اللفظ الدال على وجوب ونحه أو مدلول اللفظ ولا يرد قوله فلو كانت حكماً لا تحد الدليل والمدلول لانا نجيب بأن لا اتحاد لأن أحدهما حقيقة والآخر مجاز. وتثير تلك الزيادة أيضاً الأسئلة الثلاثة الأول من الأسئلة الخمسة التي أوردها المصنف على الحد وتعسف لدفعها. وتنافي أيضاً قولهم في تعريف الفقه أنه المكتسب من الأدلة التفصيلية إذ الخطاب القديم لا يصح كونه مكتسباً. وتنافي أيضاً جعله من أصول الفقه إذ الصفة القديمة لا ينبني عليها فقه إذ لا طريق لتعريفها. وأما التعبير بالخطاب فغنا ندفع إشكال
стр. 75
المصنف الذي أورد عليه بأحد وجهين ألهما أن الخطاب وإن كان يستدعي مخاطباً لكن لا يلزم لتحقق الخطاب وجود مخاطب بل علم الله بوجوده فيما لا يزال كاف في صحة الخطاب بناء على قول جمهور الأشاعرة بأن الأمر يتعلق في الأزل بالمعدوم وأن الله آمر وناه في الأزل وأن الكلام متنوع. وثانيهما أن التحقيق أن الكلام لا يسمى في الأزل خطاباً ولا يتنوع لأن كلامه تعالى واحد وانقسامه إلى أنواع الخطاب باعتبار التعلق إلا أنهم مختلفون في هذا التعلق هل هو حادث كتعلق الإرادة والقدرة وهو مختار ابن سعيد فيما نقل عنه ابن الحاجب وصاحب المواقف ومال إليه أم هو أزلي وتعلق الأمر ونحوه بمن خوطب به تعلق معنوي والصواب الأول وإليه مال جمع من المحققين فالأمر وغيره أنواع للكلام بحسب التعلق لا بحسب أصل الماهية كما في المواقف وعليه فهي إنما تكون عند وجود المخاطب وسبب الخطاب. وبهذا يجتث ما غرسه المصنف ﵀ من عروقه (قوله وعلى الحد بعد هذا خمسة أسئلة الخ) إنما هي في التحقيق ثلاثة ولكن واحداً منها يتجه بثلاثة توجيهات السؤال الأول لزوم حدوث الحكم لأنه يوصف به فعل العبد ولأنه يعلل بالحوادث ولأنه يوصف بسبق العدم والجميع ينافي القدم. الثاني أنه تعلق بفعل غير المكلف فلا ينعكس التعريف الثالث أنه لا يشمل خطاب الوضع فلا ينعكس التعريف أيضاً أما الأول بتوجيهاته فمدفوعة بما قدمناه في إبطال وصف الحكم بالقدم وبه نستغني
стр. 76
عما تكلف به المصنف لدفعها وأما البقية فتأتي (قوله والجواب عن الأول الخ) التحقيق أنه لا يصح وصف شيء بما ليس قائماً به لأن من لم يقم به وصف لا يشتق له منه اسم إلا عند المعتزلة الذين جوزوا إطلاق المتكلم عليه تعالى مع أن الكلام عندهم قائم ببعض الحوادث وما نظر به المصنف من إطلاق المعلوم على قيام الساعة لا يتم لأن إطلاقه عليه حقيقة لعلمنا به ولا يلزم الوجود لتحقق المعلومية إذ العلم يتعلق حتى بالمستحيل وكون العلم به قائماً بنا لا يضر في إطلاق معلوم عليه إذ إنما وصف بالمعلومية وهي قائمة به والقائم بنا هو العالمية كما لا يخفى بالكسر ألا ترى إنك تقول زيد مضروب والضرب صادر من الضارب لا منه. فالوجه إبطال السؤال بأن حلال صفة الفعل الذي ثبت له الحل أو كان في الحل كما يقال حي حلال وفلان حلال أي ليس بمحرم بحج أما وصف الله فبالتحليل والتحريم وهذا مناط الفرق. ونحن وإن كنا نلتزم حدوث الخطاب بالمعنى المراد للأصوليين في تعريف الحكم كما قدمنا في طالعة الفصل فلا يرد حينئذ السؤال لكنا أردنا أن نحقق إطلاق الوصف من تحليل وتحريم ولذا لا نجيب عن السؤالين بعده كما تقدم (قوله وعن الرابع الخ) جواب صحيح فحيثما ورد ما يقتضي تعلق خطاب بفعل غير المكلف في الشرع فهو محمول على تنبيه أولياء الأمور على حكم ذلك الفعل فهو مركب من
стр. 77
خطاب وضع وهو فعل غير المكلف المجهول سبباً أو نحوه ومن خطاب تكليف وهو إجراء ولي الأمر ما نبه إليه في ذلك الحكم فجواز بيع وضمان تلفه وزكاة ماله من هذا القبيل. وأما أمره بالصلاة في الحديث الصحيح وأمره بالاستئذان في قوله تعالى الصبي ليستأذنكم الذين ملكت إيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم فبمعنى أمر ولي الأمر بإرشاده لذلك وتعويده عليه فاندفع ما رد به صدر الشريعة هذا التعريف كما أشار له صاحب التلويح. وما أورده عليه عز الدين ابن عبد السلام كما أشار له الشهاب البرلسي وقد شمل ذلك كله قول المحلي "وولي الصبي والمجنون مخاطب بأداء ما وجب في مالهما وصحة عبادة الصبي ليس لأنه مأمور بها بل ليعتاد بها فلا يتركها بعد بلوغه اهـ" وهذا يغني عما أطال به ابن قاسم في حاشية هاته العبارة. وقد يورد هنا أيضاً أن خطاب الوضع بعضه ليس متعلقاً بأفعال المكلفين كالزوال ومرور الحول ويجاب عنهما بأن المراد بالتعلق التعلق مباشرة أو بواسطة (قوله وعن الخامس الخ) اعترف المصنف بوروده وأبطل جمع الحد واعتذر ابتداء في طالعة كلامه بأنه تبع فيه الإمام الرازي إذ عرفه في المحصول بمثل تعريفه هنا أي بزيادة لفظ بالاقتضاء أو التخيير وهي التي أثارت هذا الإيراد وهذا التعريف للمتقدمين وقد أورد عليه جماعة من المعتزلة هذا الإيراد الخامس وتردد الأصوليون في الجواب فمنهم من التزم صحة التعريف مع تلك الزيادة ومنع دخول خطاب الوضع في الحكم نظراً إلى كون الحكم يقع صفة لأفعال المكلفين كالوجوب ونحوه
стр. 78
والخطاب المأخوذ جنساً في تعريفه إنما أريد منه المخاطب به وهو المنوع إلى وجوب ونظائره وليس خطاب الوضع في شيء من ذلك وكان أهل هذه الطريقة ينحون منحى عدم إطلاق اسم الحكم على خطاب الوضع في اصطلاح الشرع. ومنهم من رد خطاب الوضع إلى خطاب التكليف وهذا ظاهر صنيع الإمام في تعريفه في المحصول إذ تأول خطاب الوضع بأنه آئل إلى أننا متى علمناه علمنا أن الله أوجب أو حرم يريدانه دليل الحكم وليس حكماً قال "المراد من كون الدلوك سبباً اننا متى شاهدنا الدلوك علمنا أن الله أمرنا بالصلاة ولا معنى لهذه السببية إلا الإيجاب" ساق هذا في دفع إيراد المعتزلة كما صرح به المصنف في شرح المحصول. وفيه ما فيه إذ ليس الإيجاب الذي تؤذن به السببية هو عين إيجاب الصلاة لتقرره بغير ذلك بل السببية معينة لوقت ذلك الإيجاب على وجه التعريف به والتنبيه إليه على أن هذا لا يأتي في الموانع وبعض الشروط. ومنهم من اعترف باختلال جمع التعريف وبأن خطاب الوضع من قبيل الحكم فزاد لفظ "أو الوضع" مثل ابن الحاجب والمصنف هنا في الشرح وفي شرح المحصول وهو الصواب وهو ظاهر صنيع الإمام في مبحث تقسيم الحكم من المحصول إذ قسمه إلى خطاب تكليف وحسن وقبح وخطاب وضع. والظاهران أن الإمام يعتمد دخول الوضع في الخطاب كما يفصح عن ذلك صنيعه في التقسيم وكما يشير إليه جعل المصنف الإيراد الخامس موجباً للاعتراف بقصور الحد دون أن
стр. 79
يصححه بأنه مذهب الإمام. فإن قلت كيف تستقيم نسبة هذا للإمام وقد تقدم أنه رد إيراد المعتزلة بمنع دخول خطاب الوضع في الحكم قلت: يمكن أن يعتذر عنه بأنه أورده على وجه المنع في الجواب ولا يلزم أن يكون المنع موافقاً لمذهب المانع كما تقرر في آداب البحث وعلى تسليمه فهو آئل إلى خطاب التكليف كما أشار له الإمام في التعريف.
الفصل الرابع عشر في أوصاف العبادة
هي خمسة اثنان منهما يعرضان للعبادة من حيث وقوعها في وقتها المعين لها شرعاً فتسمى أداءً وبعده فتسمى قضاءً واثنان يعرضان من حيث اشتمالها على ما شرط فيها فتسمى مجزئة والوصف الأجزاء أولاً وتسمى باطلة وينشأ عن البطلان طلب الإعادة فذلك الوصف الخامس. أم الإتيان بها قبل وقتها فهو إتيان بما لم يجب فلا يسقط الواجب فلذلك لا يسمى أداؤها مرة ثانية بعده إعادة وقد أجيز في بعض الأشياء وقوعه قبل وقته إذا سبقه سببه أو سبب سببه كالكفارة قبل الحنث لأن سببها الأولى اليمين وأذان الصبح في السدس الأخير من الليل للإيقاظ (قوله لمصلحة الخ) متعلق بالمعين وهو زيادة على الحد ولا تصلح أن تكون فصلاً من فصول الحد للإخراج كما قصد المصنف لأن الوقت لا يكون معيناً شرعاً إلا وفيه مصلحة فوجود المصلحة مساو للتوقيت فلا يصح أن يكون أخص منه حتى يكون فصلاً للإخراج وستعلم عدم الاحتياج لذلك. ثم تعين الوقت إما بتحديده كوقت الصلاة ووقت الحج: وإما بتعليقه على وصف أو حالة كوقت العدة ووقت قضاء القاضي عند نهوض الحجة. وأما بإيكاله إلى
стр. 80
تعيين المكلف كوقت النذر ووقت النافلة غير الراتبة لأنها تجب عند شروع المكلف فيها على المذهب. ثم المصلحة التي في الوقت إما ظاهرة كالحصاد لزكاة الحبوب فإن مصلحته هي شدة احتياج الفقير عند مرور الحول الزراعي لنفاد ما عسى أن يكون إدخره في عامه. وإما خفية مستنبطة كالحول لزكاة النقدين وهي مواساة الفقير. وإما تعبدية وهي ما لم يظهر تمام حكمته كوقت الظهر ووقت الصوم. وهذا القسم مقول عليه بالتشكيك وليس هنا محل بسطه. إذا تقرر هذا فالمأمورات على الفور وقتها هو زمن الخطاب بها فإيقاعها فيه أداء وبعده قضاء لا محالة ودعوى المص أنها لا توصف بأداء ولا قضاء غريب ولعله اصطلاح لم نطلع عليه ونخن نلتزم وصفها بالأداء والقضاء فيندفع نصف الإيراد. ثم الوقت لاشتماله على المصلحة كما قررنا لابد أن يكون مضبوطاً معيناً لأن معرفة المصلحة يعين على ضبط الوقت في كثير من الأوقات المنوطة بأوصاف وأحوال كما قدمنا ولذلك كانت الأوقات مقصودة مع المأمورات المظروفة لها حتى لم يصح تقديمها عليها وحتى عوقب على تأخيرها عنها بلا عذر غالباً. أما فروض الكفايات فإنها ليست لها أوقات معينة مقصودة بل إن لها أزماناً لا زمة لإيقاعها لاستحالة وقوع فعل في غير زمان. وبهذا اندفع النصف الثاني من الأشكال الذي أورده المصنف هنا وبسطه في الفرق السادس والستين وسلمه له ابن الشاط وتوهم هنا وهناك أن زيادة قيد لمصلحة يدفع ذلك كله قد رأيت أنه مستغني عنه. كما يندفع ما أورده المص آخر ذلك الفرق من خروج النوافل والحج من التعريفين لما عرفته
стр. 81
مما قدمناه في تحرير معنى الوقت وتقسيمه فانتبه إليه (قوله احتراز من العرف الخ) أي فيما لو تعلق بتعيين عبادة كعرف تونس بإخراج الزكاة في عاشوراء وكتعيين صلاة ركعتين بقراءة ودعاء في الأربعاء الأخيرة من صفر ونحو هذا مما لا أصل له في الشرع وكثير من هذا النوع مبسوط في كتاب الاعتصام في الفصل السادس عشر من الباب الخامس (قوله والجواب أن القضاء في اللغة نفس الفعل الخ) المسرودة الدرع والسرد حلق الدرع. وداود هو النبي داود بن يسي من سبط يهوذا ﵇ وكان إليه ملك بني إسرائيل بعد موت شاؤل ملكهم الذي قاتل الكنعانيين في فلسطين وهو الذي يسميه العرب طالوت وذلك سنة ١٦٧٦ قبل الهجرة وكان
стр. 82
طالوت قد زوج سيدنا داوود ابنته لما قتل داوود ملك الفلسطينيين المسمى جالوت وجعل قصبة ملكه أورشليم وتوفي سنة ١٦٤٩ قبل الهجرة ﵇ واشتهر بصنع الدروع السوابغ وهي جمع سابغة التي تستر غالب الجسم لطولها. ولفظ صنع في البيت بوزن فعل أحد أمثلة المبالغة أي كثير الصنع. وتبع على وزن سكر والجمع تبابعة فعاعلة مثل المهالبة والبرامكة وهو لقب ملك اليمن من حمير ولقب تبعاً لأنه يتبعه الملوك والأقيال الذين على جهات اليمن ومخالفه ولا يطلق هذا اللقب إلا على من ملك اليمن والشحر وحضر موت وإلا فهو قيل أو ملك وإنما جعل الشاعر تبعاً صانعاً للسوابغ لأمره بذلك على وجه المجاز العقلي وتبع المراد هنا هو الذي اشتهر أخيراً عند العرب وورد ذكره في القرآن وهو أسعد أبو كرب الذي غزا في بلاد العرب ودخل مكة ويثرب وكسا الكعبة وهو أول من كساها وتدين باليهودية وهو آخر من اشتهر من تبابعة مملكة اليمن الكبرى ثم انحلت عراها بعد موته لما أشرف سد مأرب على الخراب وابتدأ انجلاء قبائل العرب ونزوحهم منها إلى جهات الجزيرة وبقي في أبنائه ملك مملكة اليمن الصغرى الناشئة بعد هجوم سيل العرم وتفرق قبائل سبأ وقد ورد في الحديث النهي عن سبه وكانت وفاته في السدس الثاني من القرن السادس قبل الهجرة على التقريب (قوله تنبيه لا يشترط في القضاء تقدم الوجوب الخ).
стр. 83
وجد الوجوب لا محالة من غير نظر إلى ما يخف به من تخلف شرط أو وجود مانع ولو وقف الوجوب على ذلك لما وجب فعل من الأفعال المشروطة حتى يأتي المكلف بالشرط وهذا باطل والتحقيق أن الوجوب نوعان وجوب بمعنى تعلق طلب الفعل من المكلف على هيئته المطلوبة شرعاً باستكمال ما يتوقف عليه وهو الذي ينشأ عنه القضاء وهو الذي يحصل بحصول السبب ووجوب أداء ذلك الفعل وهو الذي لا يحصل إلا بعد استكمال ما يتوقف عليه ويكون موسعاً وغير موسع وقد يكون ممنوعاً عند حصول المانع فالمنع من الأداء إنما ينافي الوجوب بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول. والأول هو مراد القاضي عبد الوهاب وأما دعوى الوجوب الموسع فيرد عليها أنه لا ينافي الفعل أول الوقت والحايض ممنوعة من الصوم كما أشار له المصنف فيما يأتي إلا أن يريدوا بالتوسعة إن ما كان ضيقاً عليها قد اتسع فيشاركها المريض وكلام المصنف هنا مقتضب من كلامه في الفرق ٦٨ (قوله والجواب عن الأول أن ظواهر النصوص معارضة بأدلة العقل الخ) قد وضح من اختلاف الوجوبين ما يكفي لدفعه (قوله فلم يبق له معين إلا إضافته لرمضان الخ) قضيته أنها لو نوت غير رمضان لصح وهو باطل على أنه لا معنى لتمييز عبادة عن غيرها بإضافتها لعبادة أخرى فلابد من الاعتراف بأن لرمضان اختصاصاً زائداً بصومها وهذا الجواب تكلف (قوله وعن الثالث أن التعذر في رمضان جعله الشارع سبباً لوجوب ما هو قدره الخ) يريد أن الشرع
стр. 84
أوجب صوماً لشهر هو مقدار رمضان فمن تيسر له رمضان وجب عليه وإن تعذر عليه فعليه مثله وقدره من تلك السنة فيكون ذلك المشار إليه بقوله تعالى "فعدة من أيام أخر" ويرد عليه أن التقدير برمضان هو معنى كون الوجوب متعلقاً به على أنه سبب ولولا ذلك لكان التقدير بمطلق شهر إذ ليست لرمضان مزية في العدد على بقية الأشهر حتى يناط التقدير به ولوجب الصوم على من أغمي عليه يوماً كاملاً من رمضان لأنه مطالب بيوم لا بعينه واللازم باطل ولوجب الصوم على من بلغ بعد رمضان وهو أيضاً باطل. اللهم إلا أن يقال أن معنى جعل رمضان سبباً أنه مبتدأ أوقات تعلق وجوب الصوم بالمكلفين فيندفع بهذا بحثنا الثالث وهو استلزامه وجوب الصوم على من بلغ بعد رمضان لأن رمضان مبدأ سنة الصوم ويندفع بحثنا الأول وهو أن ليست لرمضان مزية على بقية الأشهر لأن مزيته ح هو كونه مبدأ السنة وأول وقت تعلق فيه الوجوب فالمناسب أن يكون التقدير على قدره إن كان تسعة وعشرين أو ثلاثين كما يكون الإخراج من الحبوب في الزكاة معتبراً فيه مقدارها يوم حصادها فإن نقصت بعد ذلك أو سرقت وجب الأداء على ما كانت عليه وقت وجوبها إلا أن سياق آية الصوم يأبى هذا (قوله ويحتمل تخريجه على الصلاة في الدار المغصوبة الخ) بينهما فارق يمنع القياس وهو أن الصلاة في الدار المغصوبة ليست الصلاة هي جهة التحريم إذ الغصب حاصل بدونها بخلاف هذا الصوم فالهلاك بسببه فهو أولى بحكم الحرمة للمناسبة (قوله فائدة العبادة قد توصف بالأداء والقضاء الخ) اعلم أنه إذا كان مقصد الشريعة من العبادة فعل فاعلها
стр. 85
لحكمة تنفع الفاعل ظاهراً أو باطناً عاجلاً أو آجلاً وجب قضاؤها وإن كان القصد منها وقوعها فقط لسبب ما يقتضيها فهي لا تقضي إذا زال السبب إما بفعل البعض لها وحصول المراد منها شرعاً كفروض الكفايات وإما لانقضاء سببها كالجمعة لأن حكمتها وسببها الاجتماع الخاص مع الإمام فلا فائدة في إعادتها وقد تأخذ العبادة شبهين كصلاة العيدين فلها شبه بالجمعة من جهة الاجتماع وهو يفوت ولها شبهة بالصلوات ذوات الأسباب لأن فيها شكر الله على تمام الصوم أو الحج فأشبهت الصلوات الخمس فتقضي عند الشافعي ولا تقضي عندنا (قوله وعلى الجمعة أشكال من جهة أن العرب لا تصف الخ) قصد الإشارة إلى ما تقرر في الفلسفة من عدم صحة إطلاق اسم العدمي إلا على قابل ملكته بنفسه أو بنوعه أو بجنسه القريب أو البعيد كالكوسج اسم عدمي لأن العدم داخل في مفهومه وهو عدم اللحية يطلق على الرجل وعلى المرأة لقبولها إياه بنوعها وكالعمي للعقرب لأن جنسها القريب وهو الحيوان قابل للبصر وكالسكون للجبل فإن جنسه البعيد أعني الجسم قابل للحركة. والعرب كغيرهم من الأمم لا تسوغ إطلاق اسم العدم إلا على قابل ملكته بنفسه ولذلك يسمى هذا القسم العدم والملكة بالمعنى المشهور لأنه المشهور في الاستعمال بخلاف الأقسام الأخرى فالعدم والملكة فيها بالمعنى الحقيقي أي الراجع للحقيقة والواقع. فأطلق المصنف على الملكة اسم الضد على اصطلاح المتكلمين الذين لا يثبتون تقابل العدم والملكة ويدرجونه في التضاد ولكن كان عليه التفصيل إذ ليس كل ضد يشترط في إطلاقه
стр. 86
قبول محله للضد الآخر وإن أراد مذهب الحكماء فعليه التفصيل أيضاً لاختصاصه بالعدم والملكة بالمعنى المشهور دون الحقيقي فأمثلة المصنف هي الدالة على مراده دون عبارته. على أن المشروط هو إطلاق اسم العدم ووصف الجمعة بالأداء من إطلاق اسم الملكة وهو ليس مشروطاً فإن الله تعالى يوصف بالعلم وإنما يرد الأشكال لو أطلق عليها وصف القضاء إن فسرنا القضاء بأنه عدم الأداء على أن التحقيق أن القضاء والأداء كليهما من أسماء الملكات إذ لم يأخذ في مفهوم أحدهما عدم الآخر (قوله الرابع الصحة وهي عند المتكلمين ما وافق الأمر الخ) تعريف المتكلمين يناسب كون الصحة توصف بها الفرائض والنوافل وقول الفقهاء ما أسقط القضاء لا يشمل إلا الفرائض وتعريف الفقهاء يناسب بعض أنواع الصحة الواقعة مع النهي كصوم المريض الذي يخاف الهلاك ومعنى ما وافق الأمر ما لم يتضمن مخالفة في ذاته ولا في لوازمه التي هي أشدها تعلقاً به فالصلاة المنهي عنها كالتي فقدت شرطاً أو اشتملت على مانع غير صحيحة وكذا الصلاة في الأوقات المحرمة والمكروهة غير صحيحة لأن الأمر الذي للندب لا يتناولها فهي غير مثاب عليها كما نقله حلو لو في شرح جمع الجوامع عن ابن رشد عند قول السبكي "مسئلة مطلق الأمر لا يتناول المكروه" وإذا كانت غير مثاب عليها لم تكن صحيحة لأن الصحة والثواب متلازمان في النوافل إذ لا معنى لصحتها إلا الثواب أما الفوائت فتقع في كل وقت وتصح للنص عليها بخصوصها. وأما الصلاة في المكان المغصوب أو بثوب حرير فتصح لأن النهي لم يتعلق
стр. 87
بشيء من لوازمها بل متعلقة لبس الحرير من حيث هو والتصرف في المغصوب من حيث هو فلم يكن للصلاة بهما اختصاص والصحة أعم من الثواب فإن صوم المريض الذي يخاف الهلاك حرام عليه لكنه صحيح أي مجزئ ولا يثاب عليه فلا تلازم بين الصحة والثواب (قوله وعلى الصحة عند الحنفية الخ) أجمل المصنف في نقل مذهب الحنفية إجمالاً يوهم فساد المراد لأن الحنفية فصلوا في النهي فإن كان عن العين الشيء اقتضى البطلان لأن المنهي عن عينه غير مشروع فهو باطل كبيع الميتة والبيع المختل منه ركن كبيع السفيه وحكمه أنه لا يملك ولا تترتب عليه الآثار بحال وإن كان النهي لعارض في وصف شيء دون أصله أي في مقارن له فهذا قال فيه المتقدمون منهم عبارة نصها "أنه يقتضي المشروعية بأصله لا بوصفه" فنقلت عنهم ومرادهم بها أن تعلق النهي بالوصف العارض يشير إلى اعتبار وجود الماهية الموصوفة وهي ماهية شرعية فوجودها الشرعي هو الاعتداد بها وإلا لما غلق الشرع النهي على وصف من عوارضها دون آخر ويلقبون هذا النوع بالفاسد لأن الفساد عندهم غير البطلان كبيع عبد بخمسين أعطاه قيمتها خمراً فإنه تام الأركان إلا أن بدل الثمن لا يصح الانتفاع به مع أنه مال وحكمه أنه يفسخ قبل القبض لأن الدفع أسهل من الرفع فإن قبضه المشتري صح ملكه له ولكن إن بقي في يده وجب
стр. 88
فسخه عند الظهور عليه أو عند طلب أحدهما فسخه وإن فات بنقل ملك أو هلك رد المشتري مثله أو قيمته ورد البائع الثمن في الصورتين ويجب على المتبايعين فسخ الفاسد ما دام في يد المشتري فمعنى قولهم بالصحة في الصورة الثانية ترتب الآثار عليه إذا وقعت الآثار قبل الفسخ كبيعه واستيلاده وبهذا يعلم أنه لا يجوز للمشتري قربان الأمة المشتراة شراء فاسداً لأنه لا خلاف في الحرمة وإنما الخلاف في ترتب آثار العقود نعم إذا قاربها جاهلاً فلا إثم عليه فلا فرق بيننا وبين الحنفية إلا في بعض الصور التي قد يزول فيها موجب النهي فعندهم إذا فارقها الوصف المنهي عنه صح العقد وعندنا يفسد أبداً وذلك في مثل الشروط المفسدة خاصة وظاهر كلام المصنف يقتضي أن الخلاف بيننا بعيد وإن مذهب الحنفية يقتضي عدم الفسخ. وأما إن كان النهي في مقارن غير داخل في الماهية بل خرج عنها كالشرط مع البيع وكالدرهم الثاني في بيع درهم بدرهمين فهذا قالوا أنه يقتضي صحة العقد وإنما يزال الزائد فيبطل الشرط ويرد الدرهم ونحن نقول في هذه بمثل ما قلنا به في الأولى لأن المدار على الفساد الذي يقتضيه النهي فلا يقرر إلا في مسألة لعلمائنا وهي الضمان بجعل فقد قال الفقهاء هو فاسد وإذا وقع بدون علم رب الدين يبطل الجعل فقط ولا يبطل الضمان ووجهه والله أعلم أن رب الدين قد يهمل الاحتياط لنفسه اعتماداً على ذلك الضمان فإذا أبطلناه لأجل الجعل جررنا عليه ضرراً. هذا وإنما قلنا بفساد العقد كله إذا قارنه موجب النهي لأمرين أولهما لزجر الناس عن الاجتراء على هذه العقود المنهي عنها لأنهم
стр. 89
إن فتح لهم باب تصحيحها أقدموا عليها غير محترزين فإن غفل عنها تمت لهم وإلا قنعوا بتصحيحها وإبطال سبب النهي كما في بيوع الربا. ثانيهما أن بعض العقود يكون لما يقارنها من أسباب النهي كالشروط حظ من الثمن كما في بيع الثنايا فلو قررناها مع إبطال الشرط مثلاً أضعنا على باذل ماله ما لو علم ببطلانه لم يبذله ولا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس (قوله ونحن خالفنا أصلنا الخ) (١) مخالفة الأصل هي عدم العمل به عند وجود مقتضيه وانتفاء معارضه وهي المعبر عنها بالنقض في القياس. والأصل عندنا هنا مقيد بما لم يجر إلى ضرر فهو إذا عارضته قاعدة لا ضرر ولا ضرار وجب حمله عليها والبيوع الفاسدة منها معلوم الفساد للمشتري والبائع ولا خلاف في رده عندنا كما ذكروا في بيع الحبس وفي بيوع الربا. ومنها ما فيه شبهة لأحدهما وهذا إذا قضي فيه بالرد وقد تغير سوقه أو تلف أو نقص أو تعلق حق الغير به أو وقع فيه فوات شيء على غير عامد انجر ضرر على أحد المتعاقدين فقرر بالقيمة جمعاً بين القاعدتين وإنما قرر بالقيمة دون الثمن لأن الثمن يتبع الرغبات في منافع المبيع المأخوذ لمن هو بيده لأن الرجوع إلى القيمة كإبطال لما تعاقد عليه من الثمن وليس فيه مراعاة الخلاف. على أن مراعاة الخلاف التي يذكرونها لا يعمل بها المجتهد إلا في القضاء بالفساد الصريح أو بالشبهة أو في الخلاف الذي بين السلف من الصحابة والتابعين مثلاً فيما طريقه النقل وفهم مقصد الشارع لأنهم أقرب لزمن التشريع وأقرب لفهم مراد الشارع بقرائن الأحوال المشاهدة وفي غير هذا
стр. 90
تكومن التقليد المحرم على المجتهد وقد قال الإمام المازري في شرح البرهان عند الكلام على حقيقة المكروه ما نصه "وليس في مسائل الفقه مسألة أصعب من القول بالكراهة لأجل مخالفة الخصم لاسيما إذا كان المجتهد يرى الحل وغيره يرى التحريم فإذا ذهب إلى الكراهة فقد خالف الدليلين جميعاً والذي يتأتى في هذا المكان التوقف عن الفعل وإن كان يغلب على ظنه الحل لاحتمال التحريم أما حمل غيره له على الفتوى بالكراهة فلا وجه له عندي اهـ" (قوله والجواب أن العقود توصف بالصحة ولا توصف بالإجزاء الخ) لأن معنى الإجزاء موافقة المطلوب ولا شيء من العقوب بمطلوب فلا توصف بالإجزاء وإنما يوصف به المطلوب ولو مندوباً على التحقيق ولذلك أطلق الإجزاء على الضحية أما الصحة فهي الموافقة لشروط الشرع فتوصف بها العقود (قوله لأبي بردة اهـ).
اسمه هاني وقيل مالك واسم أبيه نيار بكسر النون وتخفيف الياء التحتية وقبل عمرو وقيل هبيرة وهو من بلى (بوزن علي) حليف الأنصار شهد بدراً والمشدها كلها وتوفي سنة الفتح ﵁ (قوله فحينئذ الصحة أعم من الإجزاء الخ) باعتبار عموم متعلقها في شرح المحصول للمصنف جعل الإجزاء أعم ثم صرح بأن العموم والخصوص بينهما وجهي فلا تنافي بين كلاميه واقتصر هنا على أحد جهتي العموم لحصول الفرق بها (قوله وليس كذلك بل من مات الخ) ذكر سندين لمنع الملازمة بين سقوط القضاء ووجود الإجزاء أخذاً من كلام المحصول وزاد في المحصول سنداً ثالثاً وهو "أن القضاء
стр. 91
عندنا بأمر جديد ولو كان الإجزاء إسقاطاً للقضاء لكان عدم الإجزاء موجباً للقضاء فلا يحتاج القضاء لأمر جديد اهـ" وتركه المصنف فيما يظهر لضعفه إذ يمكن الجواب عنه بأن النص الدال على عدم الإجزاء هو الدال على أمر الله بالقضاء ولا مشاحة في العبارة ولأنه قد يمنع كون القضاء بأمر جديد لدفع الإلزام لاسيما وقد عري للفقهاء أن القضاء بالأمر الأول كما في شرح المعالم للفهري. أما اللذان اقتصر عليهما المصنف فأولهما لا مدفع له لظهور الانفكاك بين سقوط القضاء والإجزاء إذ الميت في الوقت لم يأت بعبادة أصلاً ولم يجب عليه قضاء أو أتى بها ناقصة. وأما ثانيها المشار له بقوله "ولأنا نعلل سقوط القضاء الخ" فهو راجع إلى الاستدلال بالاصطلاح وعليه منع ظاهر عند من لا يرى الملازمة إذ تعليل أحدهما بالآخر مبني على الملازمة وفي واحد من الدليلين كفاية.
الفصل الخامس عشر فيما تتوقف عليه الأحكام
يريد منه التكلم على خطاب الوضع وهو ما يعرفنا الله تعالى به وقت التكليف أو حالة المكلف به التي لا يصح إلا بها وذلك السبب والشرط والمانع وهي غير تكليف لأن الله لم يكلفنا بتحصيلها غالباً وقد تكون تكليفاً باعتبار كما سيأتي (قوله وسميت الأحكام الخمسة خطاب تكليف توسعاً الخ) لما كان مقصد الشريعة من أحكامها ضبط تصرفات المكلفين والمحافظة على الغاية التي خلقوا لأجلها بإخراجهم عن الهمجية إلى المدنية كان المقصد الأول من تكليفها أمر المكلف بما قد يتركه ونهيه عما قد يفعله من
стр. 92
المصالح والمفاسد وذانكم مرتبة الوجوب ومرتبة التحريم أما المندوبات والمكروهات فمتممات للتشريع وترغيبات لمقاصد أخرى فساغ هذا التغليب للأهم وإن كان أقل وهو ما سماه المصنف توسعاً. هذا إذا كان المراد الكلفة الأخروية ولو فسر التكليف بما فيه كلفة دنيوية وهي مخالفة ميل النفس غالباً لم يخرج عنه إلا الإباحة لأن المندوب يتكلف لفعله كالمكروه لتركه فه إذاً من تغليب الأكثر. هذا والمراد عند الجمهور من الكلفة التي في التكليف الكلفة الدنيوية التي هي تكلف فعل الواجب وترك المحرم كما أشار له ابن راشد في مقدمة اللباب والمصنف جعلها توقع العقاب فجعلها في ترك الواجب وفعل المحرم (قوله ويدل على اشتراط العلم في التكليف قوله تعالى وما كنا معذبين الخ) إن فضل الله تعالى قضى أن لا يؤاخذ الخلق إلا بعد تعريفهم بما أراد منهم على ألسنة الرسل ﵈ فإذا بعث رسول يدعو أمة فمن عداها من الأمم لا يلزمها الاتباع لجواز التفاوت في الاحتياج إلى التشريع واختلاف مقتضى التشريع فإن اتبع قوم رسول آخرين جاز لهم إن لم يكن لهم شرع صحيح. أما معرفة الله تعالى بما دل عليه صنعه من الوجود وصفات الكمال فهي مخاطب بها جميع الأمم سواء جاءهم رسول بشريعة أم لا لما دلت عليه النصوص الكثيرة من مؤاخذة أهل الفترة على الشرك كما صححه علماؤنا ولكنهم اختلفوا في توجيه ذلك فرات طائفة منهم الإمام أبو حنيفة ﵀ أن الإيمان بالله وصفاته واجب عقلاً لأنه لا يحتاج إلى تنبيه الشرائع بل كل من نظر علم وجود الخالق وقدرته ولا عذر لمن جهل ذلك وتناول أصحابه الرسول في الآية بما يشمل العقل وكيفما
стр. 93
كان فالجمع بين المتعارضات يقتضي تأويل الآية بما يشمل العقل أو تخصيصها بغير الإيمان. ورأى الجمهور أن لا شيء من الأحكام بثابت بالعقل وصحة استنتاج النظر الصحيح للعلم لا يوجب المؤاخذة على الترك لأنه قد يفوت الشيء المهم وهو صرف النظر إليه والتنبه للاندراج والإلجاز إدراك كثير من أحكام الشريعة بالعقل وها هنا افترقوا فمنهم من منع تكليف أهل الفترة بالإيمان وهم الأقل من المتكلمين. ومنهم من أثبته للنصوص الدالة الكثيرة وبيانه: أن الحكمة في إرسال الرسل بيان الأحكام المجهولة فإن كانت مما يختلف باختلاف العصور والأمم فلابد من تجديد الرسول ولذلك لا يؤاخذ أهل الفترة على العصيان وإن كانت تلك الأحكام مما لا يختلف كالإيمان كفى فيها الخطاب الشائع على السنة الرسل من مبدأ الخليقة فيكون قوله تعالى حتى نبعث رسولاً غير مخصوص ولا مقيد ففي الأحكام العملية بحسب بيان الرسول. وفي التوحيد بالخطاب من الرسل الأولين الشامل لجميع البشر لأن المقصود إيقاظ الفطرة وإلى هذا مال القاضي أبو بكر ابن العربي وغيره وسيأتي زيادة تحقيق وبيان لوجه الاستدلال بالآية في الفصل السابع عشر في الحسن والقبح (قوله نحو التوريث بالأنساب الخ) وكذلك أوقات الصلوات فإنها يترتب بدخولها الوجوب وإن لم يعلم بدخولها المكلف ولذلك متى علم وجب عليه القضاء وإن كان بعد خروج الوقت لأن القضاء بالأمر الأول ولأن القضاء يقتضي سبق الوجوب على ما تقدم وإلا لوجب القضاء على الصبي يبلغ بعد الوقت والمرأة تطهر بعد خروجه (قوله وبعض الأسباب يشترط فيه العلم والقدرة الخ) هذا ما يشير إليه قوله في المتن "وليس ذلك عاماً فيها" وبه لا يتم الفرق بين الخطابين ويوقع في لبس عظيم فالتحقيق أن بين العلمين فرقاً
стр. 94
لأن العلم المشترط في خطاب التكليف هو العلم بنفس الحكم للفعل المطلوب أي علم المكلف بأنه مطالب بالأمر المكلف به وذلك يحصل بعد حصول السبب. وأما خطاب الوضع فغالبه لا نظر للعلم فيه وأما ما يعتبر فيه العلم منه فإنما جعل العلم فيه هو نفس السبب أو جزاه لا أنه شرط بعد حصول السبب لأن ذلك يقتضي وجود السببية قبل العلم ووجود السبب يقتضي وجود المسبب. مثال ما كان العلم فيه نفس السبب صيغ العقود فإن انتقال الملك أثر للعزم والقصد وذلك معنى العلم وبدونه لا تكون صيغاً إذ لا تلزم العقود من غافل أو جاهل أو هازل إلا في مواضع قليلة سداً للذريعة. ومثال ما كان العلم فيه جزء سبب العمد مع القتل سبب للقصاص والعمد مع الوطئي سبب للحد. وينبني على ذلك أن العلم في خطاب التكيلف هو العلم بتعلق الخطاب بخلاف العلم في خطاب الوضع حيث اشرط فإن المراد به علم بمعنى القصد لا علم بترتب السببية أو الشرطية أو المانعية ألا ترى أنه لو جهل أن الزنا يوجب الحد ولكنه علم أنه يقرب أجنبية لترتب عليه الحد ففي التحقيق أن العلم الذي هو معنى التعمد هو السبب لا أنه شرط للسبب فالعلم المشترط في توجه خطاب التكليف هو العلم بالخطاب أما العلم الموجود في بعض خطاب الوضع فهو نفس خطاب الوضع لا شرط فيه فصح أن خطاب الوضع مطاعاً لا يشترط فيه علم المكلف أي علمه بأنه خطاب وضع بهذا ينجلي الفرق بين البابين، ويظهر حال العلم في الخطابين (قوله فائدة قد يجتمع خطاب التكليف الخ) أي لكون متعلقها واحداً بأن يكلف بفعله ويجعل خطاب وضع سبباً أو
стр. 95
شرطاً أو مانعاً وقد ينفرد خطاب الوضع بأن يكون الشيء المجعول سبباً مثلاً غير مكلف بفعله كالزوال. أما خطاب التكليف فزعم المص أنه لا يتصور انفراده وعلله بقوله "إذ لا تكليف الأوله سبب أو شرط الخ" وهي عبارة في التعليل فاسدة لأنه ليس المراد من الاجتماع بين الخطابين المقارنة بينهما في الوجود في وقت بل المراد اتحاد المتعلق كما علمت وإلا لما صح مثال انفراد خطاب الوضع عن خطاب التكليف إذ الزوال الذي هو سبب له مسبب وهو وجوب الصلاة وهما مقترنان فما صح كونه مثالاً لانفراد خطاب الوضع إلا لاعتبار الانفراد والاجتماع في متعلق الخطابين أما كون التكليف لابد له من سبب فليس بمقتضى اجتماع التكليف والوضع لأن متعلق كل من الخطابين غير متعلق الآخر. فلعل صواب العبارة هكذا "إذ لا تكليف ألا وهو سبب أو شرط الخ" أي لا يخلو متعلق خطاب التكيف عن أن يكون سبباً لشيء ما أو شرطاً أو مانعاً ويلاقي هذا الاصلاح حينئذ فقوله "وأبعد الأمور عن ذلك الإيمان بالله الخ" أي فإن ابعد الأمور عن أن يكون سبباً في الظاهر وبادئي الرأي هو الإيمان بالله
стр. 96
ومع ذلك إذا فحصنا نجده سبباً في شيء وهو عصمة الدم. وعليه فيكون الدليل على عدم انفراد التكليف عن الوضع هو الاستقراء والعهدة فيه على المص. ولهذا فينبغي إصلاح قوله "ولا يتصور انفراد التكليف" بأن يقال "ولا يلفي أو لا يتقرر" أو نحو ذلك فتدبر فإن كلامه بدون هذا التقرير لا يكاد يستقيم (قوله والشرط ما يلزم من عدمه العدم لذاته الخ) زاد في الفرق الثالث من كتاب الفروق قيداً آخر وهو قوله "ولا يشتمل على شيء من المناسبة في ذاته بل في غيره" وقصده بذبلك الاحتراز عن جزء العلة المركبة كالقتل العمد العدوان علة للقصاص فإن أحد الأجزاء يلزم من عدمه العدم لكن لأنه مناسب وفي هذا الكلام تأمل وإن كانت الرسوم الاصطلاحية مبنية على المسامحة. وزيادة قيد لذاته في تعريف الشريط والمانع لإجراء بقية التعاريف على مثال تعريف السبب وإن كانت في الأخيرين لا فائدة لذكرها لأنها إنما ذكرت في تعريف السبب للاحتراز عن حالة وجوده مع فقدان شرط أو قيام مانع لأن تأثير السبب بطرفي الوجود والعدم أما
стр. 97
الشرط المانع فلما كان تأثيرهما بطرف واحد ولم يكن في الطرف الآخر تأثير كما هو صريح قولهم في تعريفهما "ولا يلزم" لم يكن معنى لزيادة لذاته لأن فقدان الشرط ووجود المانع مانعان من الحكم ووجود الشرط عدم المانع لا يقتضيان وجود الحكم ولا عدمه. فقد بين المصنف في الفرق العاشر أن عدم المانع ليس شرطاً واعترض على الفقهاء في ذلك فلا فائدة في زيادة قيد لذاته إلا أن يكون بياناً لما يقتضيه قوله "من عدمه" من التأثير الذاتي كما هو ظاهر بالتأمل. هذا وشروط الصحة بتمامها الوجه فيها أن ترجع إلى خطاب التكليف لأن المكلف مخاطب فيها فهي أجزاء اعتبارية للعبادة المشروطة بها لأنها وإن كانت خارجة عنها فهي مشروطة لها ومقترنة بها إنما الذي يجعل خطاب وضع شروط الوجوب لأنها كالأسباب والموانع تعريف على خطاب الله وغير مطلوب تحصيلها من المكلف ومتوقف عليها توجه خطاب التكليف كما سيشير إليه كلام المصنف في الفصل السابع من الباب الرابع في الأوامر بخلاف شروط الصحة في الجميع وفي هذا إشارة إلى الفروق بين شرط الوجوب وشرط الصحة وقول بعض الفقهاء في التفرقة بينهما أن الأول ليس في طوق المكلف والثاني بعكسه تفرقة أغلبية (قوله الجواب يعلم بأن السبب مناسب في ذاته الخ) معنى مناسبته في ذاته أن بينه وبين مسببه مناسبة لأنه معرف للحكم وهو والعلة والحكمة مختلفة المفهوم متحدة الذات فمن حيث أن الشيء مؤثر شرعاً لحكم ما ومناسب له فهو علة. ومن حيث أنه مظهر المصلحة فهو حكمة. ومن حيث أنه وقت لوجود حكم ما فهو السبب. فالسبب إذاً هو المناسب بخلاف الشرط فإنه وإن كان مناسباً إذ لا يشترط
стр. 98
شيء بغير ما له به علاقة إلا أنه يكون مكملاً للمناسب كما بينه المص في الحول وكالطهارة في الصلاة فإن الوقت سبب لمناسبته لذكر الله عنده إذ هي أوقات بعد شواغل ملهية. أو غيبة فكر منسبة. والطهارة تناسب ذكر الله تعالى.
الفصل السادس عشر في الرخصة والعزيمة
مادة رخص في اللغة ترجع إلى معنى اليسر والتخفف واللين يقال ترخص في شيء بمعنى تسامح ففي الحديث صنع رسول الله ﷺ شيئاً ترخص فيه. وثمن رخيص خفيف على النفس وقال النابغة.
بمخضب رخص البنان كأنه ... عنم يكاد من اللطافة يعقد
والبحث في الرخصة والعزيمة من علائق البحث عن خطاب
стр. 99
التكليف لأنهما صفة للحكم لعارض للفعل فكأنا ملحقين به كما الحق البحث عن الصحة والفساد بخطاب؟ ؟ ؟ ؟ ؟ لكونهما أثر وجود الأسباب والشروط وانتفاء الموانع. ولقد تشعبت طرائق البحث فيهما هنا وانفصمت عراه فتعين الابتداء بتحقيق هاته المسألة من أصولها قبل تتبع كلام المصنف فيها قال الشاطبي في الموافقات: العزيمة ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء ومعنى كونها كلية أنها لا تختص ببعض المكلفين من حيث أنهم مكلفون دون بعض ولا ببعض الأحوال دون بعض كالصلاة في أوقاتها المنصوصة والصوم والحج وشعاير الإسلام ويدخل تحت هذا ما شرع لسبب مصلحي في الأصل كالمشروعات المتوصل بها إلى إقامة مصالح الدارين كسائر عقود المعاوضات وأحكام الجنايات وجميع كليات الشريعة ومعنى شرعيتها ابتداء أن يكون قصد الشارع منها إنشاء الأحكام التكليفية على العباد من أول الأمر فلا يسبقها حكم شرعي قبل ذلك فإن سبقها وكان منسوخاً بهذا الأخير كان هذا الأخير كالحكم الابتدائي تمهيداً للمصالح الكلية العامة إلى أن قال: وأما الرخصة فما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع الاقتصار على موضع الحاجة فيه فكونه مشروعاً لعذر هو الخاصة التي ذكرها علماء الأصول وكونه شاقاً احتراز عما يكون العذر فيه مجرد الحاجة من غير مشقة يسمى ذلك رخصة كشرع القراض والمساقاة والسلم فلا تسمى رخصة وإن كانت مستثناة من أصل ممنوع وإنما يدخل هذا تحت أصل الحاجيات الكلية والحاجيات لا تسمى عند علماء باسم الرخصة ثم قال: وللرخصة إطلاقات ثلاثة أخر لا تخلو من مجاز أو تسامح فقد تطلق على هذا النوع مما استثنى من أصل كلي لكونه حاجياً (قلت
стр. 100
وهذا النوع جدير بأن يسمى رخصة العلة لأنه رخصة بالنظر إلى العلة لا إلى الحكم) وقد تطلق على ما وضع عن الأمة من الحرج وعليه يحمل حديث أن الله يحب أن يؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه وقد تطلق عليه الصوفية على ما كان من المشروعات توسعة على العباد لأنهم ملك لله فإذا اباح لهم شيئاً أو وهب لهم حظاً ينالونه فقد ترخص عليهم انتهى حاصل كلامه وبه يتبين أن تعريف الإمام الرخصة في المحصول بقوله "جواز الإقدام مع قيام المانع من الفعل" ينطبق على مراد المحققين من الرخصة بدون تسامح ولا تأويل فإن كلمة جواز تؤذن بسبق المنع وأيد ذلك قوله "مع قيام المانع" أي مع عدم نسخ النص المانع منه احترازاً عن النسخ فإن أريد تخريجه على ما يشمل رخصة العلة فسر المانع بما يشمل القياس وقصد الشريعة. والمص افسد تعريف الإمام بشبهتين أولاهما أخذه الجواز في تعريفه بما يرادف الإذن والتشريع. وثانيتهما الذهول عن مراد الإمام ﵀ من المانع فبالأولى أورد على منعه دخول الصلوات الخمس. وبالثانية أورد عليه أيضاً تأييداً للأولى أن المانع موجود في الأحكام كلها وهو نوعان شرعي وهو ما تقرر من نفي الحرج - والظاهر أنه سوى هنا بين المشقة والحرج مع تصريحه بالفرق بينهما في الفرق الثاني عشر من - وعقلي وهو منافاة الطباع فلذلك رأى أن يقيد المانع بالاشتهار لئلا يشمل من نفور الطباع إلا ما شاع في جميع النفوس وكان نفوراً شديداً. وعن هذا أيضاً نشأ له الاستدراك الذي أفسد به حده الواقع في المتن لما لاحت له أشياء من الرخصة بالمعنى الثاني وجدها في إطلاقات بعض الفقهاء والآثار وبهذا يظهر منع قوله "فما في الشريعة حكم إلا وهو مع المانع الشرعي الخ"
стр. 101
أما قوله "والذي تقرر عليه حالي أني عاجز الخ" فمراده أنه عاجز عن الإتيان بحد مراعى فيه ما درج عليه. وقد يقال يمكن إصلاح التعريف بعد تسليم ما درج عليه بزيادة كلمة "النص" قبل كلمة المانع ويظهر أن جزمه في مراد الإمام من المانع بأنه الشيء الذي يقتضي المنع من التكليف حسبما أشار له قوله آخر البحث "وليس فيها مانع على زعمه" وقوله في شرح المحصول "وللمفسدة المرجوحة تقتضي المنع إذا انفردت وهو إنما يريد ذلك لأنه لو أراد السالم عن المعارض لم تكن الميتة رخصة" لا مستند له ومن العجب كيف يحمل المص المانع في كلام الإمام على ما لم يرده الإمام ثم يعترضه بما يشاء ولا شك ان المانع له إطلاق أصولي لا تصح إرادته هنا فلم يبق إلا الإطلاق اللغوي وهو تحجير الشيء والنهي عنه وذلك لا يؤخذ إلا من النص (قوله ثم الرخصة تنتهي إلى الوجوب الخ) هذا مبحث مهم لم يتعرض له المصنف في الشرح فأصل حكم الرخصة هو الإباحة لأنها السهولة وجواز الإقدام بعد المنع منه كالقصر والفطر في السفر والحكم ينتقل من الصعوبة قبل الوصول إلى الحد الذي يصيره إلى عزيمة أخرى فإن الحد الذي يخشى منه الهلاك من الجوع ليس هو حد إباحة أكل الميتة بل هو الحد الذي يشق فيه الجوع على المكلف وهو الذي قبل حد استسهال البغي والعدوان والسرقة كما أشاره له قوله تعالى "فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه" وأما الصور التي تفاجئ المكلف فيها مفاسد قوية يجب درؤها مثل قطع الصلاة بخشية سقوط أعمى في جب أو سلب القطاع ماله فليست من الرخصة ولكن من تعارض الدليلين وترجيح ما يفوت منه المقصد وذي المفسدة الراجحة على ما دون ذلك وقد ترك المص هنا
стр. 102
بيان العذر الذي يجوز الانتقال من العزيمة إلى الرخصة وتعرض له في الفرق الرابع عشر بين المشقة المسقطة للعبادة والتي لا تسقطها وضابط ما يؤخذ من طوله أن تكون المشقة منفكة عن العبادة غير سهلة مكافئة المفسدة التي تحصل عنها للمصلحة الحاصلة من العزيمة أو زائدة عليها وتعيين هذين القيدين الأخيرين يحتاج إلى تدقيق فقهي وعرض على قواعد الشريعة.
الفصل السابع عشر في الحسن والقبيح
بحث الأصولي عن هاته المسألة من جهة تعلقها بالتشريع لأن الحسن والقبح لأصل للتشريع عند مثبتهما وإن كانت في الأصل مسألة كلامية فرضوها في بيان وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول لأنه لو أبى المخاطبون بدعوة الرسول من النظر في المعجزة للزم إفحام الرسول إ لا تمكن معرفة
стр. 103
وجود الله ووجوب امتثاله والإصغاء لدعوة رسله إلا بعد علم صدق الرسول المخبر عن ذلك وهي متوقفة على التأمل فلولا القول بأن وجوب النظر وطاعة الخالق والعلم به عقلي للزم الإفحام كذا أجاب المعتزلة وقد مر لنا الجواب عن ذلك ثم تفرعت عن هاته المسألة مسائل أخرى منها مسألة تعذيب أهل الفترة ولي الاختلاف بين الفريقين إلا في طريق الإيجاب لا في وجود حسن وقبيح للأفعال كما قاله المص وغيره وهي مسألة ترجع إلى أصل أكبر منها وهو رعي الصلاح والأصلح وعنه أيضاً شعبت مسألة الخلاف في قدرة العبد (قوله أن الإحسان ملائم الخ) أي إحسان غيرك إليك أما إحسانه إلى غيرك أوإحسانك للغير فربما اختلفت الآراء فيه (قوله وعندهم تدرك الأحكام الخ) أي فيما لم ينص الشرع
стр. 104
فيه بشيء ولذلك أثبتوا تعذيب أهل الفترة وقد ذهب المحققون من أصحابنا إلى إثبات أحكام للأفعال التي لم ينص الشرع فيها بشيء باعتبار ما تشتمل عليه من المضار والمنافع فتحاشوا عن عبارة الحسن والقبح ووافقوا في الغاية (قوله ونحن نقول معنى كونه تعالى حكيماً كونه متصفاً الخ) لا نعرف من فسر الحكمة بما ذكره المص ولا نعرف خلافاً بيننا فعين المعتزلة في تفسير الحكمة إلا في زيادة قيد يدل على أنها فينا من مواهب الله على أصولنا ومن الطابع على أصولهم فنحن نعرفها بأنها العلوم النظرية الموهوبة وهم يقولون قوة الفهم ووضع الدلائل كما صرح به الإمام الرازي في المسألة الثالثة من تفسير قوله تعالى "يؤتي الحكمة من يشاء" وكما قال ابن العربي في العواصم قال الفخر عند قوله تعالى يؤتي الحكمة من يشاء "المراد من الحكمة أما العلم وأما فعل الصواب قد فسرت بأنها التخلف بأخلاق الله بقدر الطاقة البشرية وكمال الإنسان في شيئين أن يعلم الحق لذاته والخير للعمل به فمرجع الأول العلم والثاني فعل الصواب والعدل" وقد أفصح القاضي أبو بكر ابن العربي عن هذا إذ قال في العواصم وليس للحكمة معنى إلا العلم إلا أن في الحكمة إشارة إلى
стр. 105
ثمرة العلم وفائدته وهي العمل بموجبه والتصرف بحكمته والجري على مقتضاه في جميع الأقوال والأفعال فإن بناء ح كم يقتضي أن تجري الأفعال والأقوال على قانون كما بيناه في أصول الفقه اهـ" فتبين أن الخلاف بيننا في حقيقة الحكمة والعلم اللذين هما من صفاتنا هل هما موهوبان من الله أم هما من كسبنا وصنعنا بناء على مسألة قدرة العبد. أما صفة الله فلا خلاف أنها نفس العلم وظهور آثار كماله وانتظامه كما أشار له الإمامان المذكوران قال في معارج النور "الحكيم ذو الحكمة وهي العلم وإتقان الصنع وهو الإيجاد بالنسبة غليه تعالى ووضع كل شيء في وضعه اللائق به والاطلاع على حقائق الأمور اهـ" فليس الخلاف بيننا في هذا الموضع إلا في إيجاب مقتضى الحكمة له أو في كونه فضلاً منه (قوله فعندنا لا يثبت حكم قبل الشرع ولا يجب شكر المنعم إلا بالشرع الخ) هاتان مسألتان احتج بهما المعتزلة على ثبوت الحسن والقبح إما ضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار وإما نظراً كحسن الكذب النافع وقبح لاصدق الضار وكأفعال الناس قبل الشرع في القسمين ومن ذلك ما جهلت صفته كصوم آخر يوم من رمضان وفطر أول يوم من شوال والحكم فيه الإباحة على التحقيق من أقوال لهم ثلاثة ولهذا ترجم ابن الحاجب في مختصره هاتين المسألتين بقوله "مسألتان عن التنزل" (قوله لنا إن العلم حادث فقد أخر الله المصالح دهوراً الخ) إيراد على أصل إثبات الحكمة بالمعنى الذي
стр. 106
ذكره المعتزلة بلسان حالهم ولازم مذهبهم المقتضي للإيجاب. ويجاب عنه بأن المصالح في العالم إضافية اقتضاها احتياج الناس إليها وهي قبل خلق العالم وأهله لا تسمى مصالح فلا يدل تأخيرها على تأخير المصلحة هذا إذا حملت عبارة المصنف على ظاهرها بدون تقدير مضاف في قوله "فيه مصالح وقوله بعد ذلك "ليس فيه مصالح" فإن اراد المص بقوله فيه مصالح وقوله بعده "ليس فيه مصالح" تقدير مضاف أي في إيجاد العالم حتى يكون الاستدلال بحدوثه بعد عدمه على أنه لو كان صلاحاً ما تأخر ولو كان فساداً لما وجد كان حينئذ الجاء للمعتزلة وهو مأخوذ من كلام الإمام في معالم أصول الدين حيث قال" الحجة الثانية أن العالم محدث فكان حدوثه مختصاً بوقت معين لا محالة فإن كان ذلك الوقت مساوياً لسائر الأوقات من جميع الوجوه بطل توقيف فعل الله على الحسن والقبح وإن اختص ذلك الوقت بخاصية لأجلها وقع الإحداث فيه دون غيره فإن حصلت بتخصيص الله تعالى فلا احسن فيها ولا قبح وإن كانت لذاته بطل الاستدلال بحدوث العالم على وجود الصانع لجواز احتمال تأثير الوقت والخاصية آهـ" ويجاب عنه بما أجاب به شرف الدين التلمساني في شرحه بجواز التزام اختصاص الوقت بمصلحة علمها الله تتبع وجود العالم فهي ليست في ذات الوقت بل بإضافة الفعل للوقت فلا يبطل الاستدلال بحدوث العالم قال" وغرضنا من إيراد هذا بيان ضعف ما تمسك به لا تصحيح مذهب المعتزلة". والحاصل أن المصلحة قد تكون ذاتية لكنها طارئة في وقت دون آخر ولا تصلح بأن تكون مخصصاً بالوجود حتى يبطل الاستدلال بحدوث العالم على الصناع لأنها وصف اعتبر باعثاً على الإيجاد لا قوة موجودة
стр. 107
حتى ينقل ما ردوا به على الطبائعيين إليها. والظاهر أن المصنف أراد الوجه الأول الذي هو ظاهر عبارته لأنه قال لم ير هذا الدليل مسطراً. أو أنه أراد الوجه الثاني على تقدير المضاف ويكون قد اتفق خاطره مع خاطر الإمام في المعالم وما ذلك بعجيب (قوله قول من قال من الفقهاء بأن الأفعال قبل الشرع على الحظر الخ) يكفي في التفرقة بين هؤلاء وبين المعتزلة أن الفقهاء التزموا حكماً واحداً من حظر أو إباحة لسائر الأفعال والمعتزلة قالوا بذلك فيما لم يطلع فيه على صفة حسن أو قبح (قوله وأما قولي وكذلك يقول الأبهري الخ) أي قوله ذلك بالمعنى لا بالنص لأن عبارته ليست كذلك وإن كان ذلك معناها وأراد بهذا الاعتذار عن مخالفته لحكاية الإمام في المحصول واتباعه لحكاية سيف الدين الآمدي لأنه المناسب لقواعد الاعتزال والمأثور عنهم ثم اعتذار للإمام بأنه رأى قول طافية من الشيعة المعتزلة فظنه قول جميعهم وهو ما بينه أبو الحسين في المعتمد.
ترجمة الأبهري
والأبهري هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عمر بن مصعب بن الزبير التميمي المالكي ولد قبل التسعين ومائتين وتوفي ببغداد في شوال ٣٧٥ خمس وسبعين وثلاثماية أخذ عنه أبو بكر الباقلاني والأصيلي واستجاره الشيخ ابن أبي زيد وكان محترماً من العلماء والملوك ومدحه المعري بالقصيدة البائية التي يقول فيها.
أيبسط عذري منعم أم يحصني ... بما هو حظي من اليم عتاب
وهو رئيس المالكية في وقته بالعراق وكان مثرياً كريماً قال في المدارك
стр. 108
وبعد موته ضعف مذهب مالك بالعراق لخروج الرآسة والقضاء عنهم إلى غيرهم فقل طلبه ولما حضرته الوفاة وزع ماله على أهل الحاجة والخير من جيرانه وأصحابه وأعطى الباقلاني مائة وخمسين مثقالاً من الذهب وحبس كتبه عليهم. ألف شرح مذهب مالك والرد على من خالفه وكتاب الأصول وغير ذلك ﵀.
ترجمة أبي الفرج
وأبو الفرج هو القاضي عمر بن محمد بن عمر البغدادي المالكي المتوفى ٣٣١ إحدى وثلاثين وثلاثماية ولي قضاء طرطوس ثم قضاء بغداد ومات قتيلاً وقيل من العطش وهو مسافر بالبرية بعد أن تعرض لهم الإعراب ولم يدر خبره كان فصيحاً لغوياً متقدماً فقيهاً أخذ عنه الأبهري وألف الحاوي في الفقه واللمع في أصوله.
ترجمة أبي الحسين البصري
وأبو الحسين هو محمد بن علي البصري المعتزلي الشافعي أحد أيمة المعتزلة وحذاقهم توفي في بغداد ٤٣٦ ست وثلاثين وأربعمائة وكتبه نافعة محررةألف المعتمد في الأصول وهو شرح على العمد للقاضي عبد الجبار ومنه أخذ الإمام الرازي كتاب المحصل وألف القياس الكبير والقياس الصغير ذكرها المص في ديباجة شرح المحصول واعتمدها
стр. 109
(قوله فائدة الاستدلال بقوله تعالى وما كنا معذبين لا يتم إلا بمقدمتين الخ) أراد بهذا بيان وجه دلالة الآية على نفي التكليف قبل بعثة الرسول لأنها غير ظاهرة فيه إذ غاية ما اقتضته نفي التعذيب قبل بعثة الرسول وهو لا يدل على نفي التكليف بادئ الرأي لجواز أن يكون التكليف مع انتفاء العذاب على الترك أو أن يكون العذاب ثابتاً ولكنه لا ينزل إلا بعد بعثة الرسول. وحاصل البيان الحقيقي أن نفي التعذيب استعمل مجازاً في نفي التكليف لعلاقة اللزوم إذ لو كان تكليف لا عقاب على مخالفته لكان سواء والعدم وهو غير مناسب لحكمة الله تعالى بحسب تفسير الخصم لها لأن الكلام مع المعتزلة إذ من شرع شيئاً لابد أن يحيطه بما يحفظه من الاعتداء فلا جرم يثبت من نفي التعذيب نفي وقوع التكليف للزوم العرفي. وقرينة المجاز هي الغاية أعني قوله حتى نبعث رسولاً إذ لا معنى لترتب عقاب لا يقع إلا بعد البعثة لأن هاته البعثة إن كانت هي سبب التكليف فقد تم المراد لنا. وإن كان التكليف سابقاً ولكنه لا عقاب على مخالفته بل يترتب العقاب على المخالفة بعد بعثة الرسل فغاية الأمر ثبوت تكليف شبيه بالتخيير وليس هو محل النزاع إذ النزاع في ثبوت الثواب والعقاب. وإن كان التكليف والعقاب ثابتين من قبل البعثة فالبعثة إذاً عبث لأنها تحصيل حاصل. هذا ما يظهر في توجيه الاستدلال. واعلم أن العذاب المذكور في الآية إن كان عذاب الدنيا بالاستئصال ونحوه فنفيه نفي لوقوعه وهو المتبادر. وإن كان عذاب الآخرة فنفيه بمعنى نفي تقديره فاسم الفاعل إذاً للمستقبل وقد بين المص الأشكال ووجه الاستدلال بما لا طائل تحته فقال "لاحتمال أن
стр. 110
يكون المكلف" أطاع الخ وهذا لا يحتمله المقام لأن النفي مغي بالبعثة والغاية لأحوال عامة مستفاد عمومها من حذف متعلق قوله معذبين وبه يظهر الاستغناء عن المقدمة الأولى وهي لو كلفوا لتركوا الخ لأن العموم والسياق وهو ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير يعينان أن المراد التعذيب على ترك ما كلفوا به لا على أصل التكليف. وأما المقدمة الثانية فحاصلها لبيان الملازمة بين ترك ما كلفوا به وتعذيب الله إياهم على ذلك ليتم بذلك كون التعذيب لازماً للتكليف في الجملة بواسطة كونه لازماً للترك وهي غير وافية بالمراد لأن مراده أن الملازمة بين الأمرين معلومة من استقصاء الشريعة الدال على أن العصيان سبب العقوبة وقد يمنعه الخصم فيدعي أنه سبب للعقاب بعد البعثة أما قبلها فإنه سبب ترتب الذم والتعزير لأن المعتزلة مع قولهم بالحسن والقبح يعترفون بأن الثواب والقعاب لا يتلقيان إلا من قبل الشرع ولكن ذلك لا يمنع من زجر المفسد على فساده والثناء على صلاح الصالح ولهذا يجمع أصحابنا في ردهم عليهم بين الأمرين كما قال ابن الحاجب وابن السبكي "وبمعنى ترتب الثواب والعقاب آجلاً والمدح والذم عاجلاً شرعي" فلذلك عدلت أنا في بيان وجه الملازمة إلى ما يوافق عليه الخصم وهو لزوم العبث بناء على مذهبه في حكمة الله. وبعد فإن هاتين المقدمتين إنما يدفع بهما السند الأول للمنع وهو الذي أشار له المصنف بقوله "لاحتمال أن يكون المكلف أطاع" وأما السند الثاني المشار إليه بقوله "أو يكون عصى غير أن العذاب الخ" فلم يدفعه المص بشيء وقد علمت أنه محط المنع فكان أجدر بالدفع. والظاهر أن المصنف استغنى عن دفعه بدفع الأول لأن