الحق الخ" ومحمد بن الحسن يوافق أبا يوسف رحمهما الله كما في كتاب صدر الشريعة. هذا وأما استعمال اللفظ في معانيه المجازية مع تناسي الحقيقة فحكمه عند الشافعي مثل حكم المشترك لأن تناسي الحقيقة أو ضعفها صير المجاز كالموضوع له أو لأن القرينة صيرته كذلك كما لو قال التاجر في تونس لا أشتري السلعة الفلانية من مصر وهو لا يعلم الثمن ودلت القرينة أنه أراد أنه لا يساوم فيها ولا يشتريها وكيله. وذهب القاضي إلى منعه كمنع الاستعمال في حقيقته ومجازه وهو ظاهر عبارة السبكي ولابد أن يكون ذلك لغير الدليل الذي منع لأجله استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه وذهب الآمدي وابن الحاجب والإمام الرازي إلى أنه مجمل يتوقف فيه ولا شك أن الحنفية يجيزونه كما أجازوا المشترك لأن تفصيل استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه الذي ذكره لا يتأتى هنا ولعل مذهبنا لا يفرق بينه وبين المشترك لما تبين من أن العبرة في الحمل عندنا غلبة الاستعمال وتأتي الاحتياط وقد جعل مالك التيمم للحدث الأصغر كالتيمم للأكبر
стр. 142
أخذ بحقيقة أو لامستم النساء وبمجازه والمجازان أولى إذ لا تفاوت بينهما. ومما يلحق بمسألة المجازين مسألة عموم المجاز بمعنى أنه إذا اقترن بلفظ المجاز ما يدل على العموم هل يعم جميع جزئيات علاقته أم لا وقد أثبته الحنفية ونسبوا للشافعية إنكاره قال في التلويح وهو مما لم نجده في كتب الشافعية ولا يعقل من أحد نزاع في صحته نحو جاءني الأسود الرماة إلا زيدا ومراده أن وجود الاستثناء قرينة العموم كما أن قوله الرماة فرينة المجاز. ولا يقال أنه لا خلاف فيما فيه قرينة على العموم كما توهمه ابن قاسم وبعض المتأخرين لأن وجود القرينة فرع جواز الاستعمال وقد علمت أن الخلاف في الجواز والمنع فلو كان ممنوعاً لما صح استعمال ذلك لو بقرينة لأن القرينة لا تجوز ما هو ممنوع بل تعين أحد الوجهين المحتملين فالقائل بأنه لا يستعمل المجاز عاماً يرى أنه ليس من العربية فتصح مناقضة مذهبه حينئذ بأنه لا منازع في صحة جاء الأسود الرماة إلا زيداً إذ لو لم يجز لوقعت المنازعة في صحة مثل هذا التركيب واللازم باطل هذا تقريره في استدلال التفتازاني نظر لجواز منع عدم المنازعة وإلا ولى في الاستدلال أن يقال استعمال الألفاظ في مجازاتها الموضوعة بالنوع وارد لا سبيل لإنكاره واستفادة العموم من صيغه في العربية كذلك فإن اجتمع اللفظ المجاز وصيغة العموم فالقول بتعطيل استفادة العموم منه قول بلا مستند. وأما حملهم الصاع في
стр. 143
لا تبيعوا الصاع بالصاعين المستعمل مجازاً في حاله على خصوص الطعام فلدليل خص الربوية بالمطعومات عندهم لا لإنكار عموم المجاز. والحنفية أخذوا بالعموم فعندهم كل مكيل ربوي، أما عموم المجاز بمعنى حمله على ما يصلح له من أنواع العلاقات فلا خلاف في عدم صته كما في التلويح وقد يطلق عموم المجاز على تناول المعنى المجازي للحقيقي كما يشير له كلام التلويح في تعارض المجاز والحقيقة والأمر فيه سهل حتى نقل البزدوي عن بعضهم تخصيص خلاف أبي يوسف في ترجيح المجاز الراجح بما إذا كان يتناول بعمومه الحقيقة كما في التلويح (قوله الفرع الرابع إذا دار اللفظ بين احتمالين مرجوحين الخ) هذا الفرع تكملة لأولى مسائل هذا الباب وهو شبيه بتعارض معاني المشترك لأنه حكم تعارض احتمالين من اللفظ لكن باعتبار التركيب لا باعتبار الوضع وكل واحد منها مرجوح فليس لأحدها أصالة يرجح بها وعليه فالترجيح يكون للأضعف مرجوحية والأقرب من الأصل ومعنى تعارضها مع أنها خلاف الأصل أن يتوقف تعميم الكلام على حمل لفظ منه على أمرين منها متساويين في الاحتمال فليس منه احتمال اللفظ معنيين هو في أحدهما أظهر وأشهر كاحتماله النقل مع شهرة نقله كلفظ الصلاة في لسان الشرع فلا نقدم فيه التخصيص على النقل وإن كان التخصيص أقوى لتحقق شهرة النقل هنا. وقد رتبها المص كما رأيتم تبعاً للجمهور على
стр. 144
خلاف في بعضها يأتي وجمعها تاج الدين ابن السبكي في بيتين ذكرهما في آخر طبقاته عن شرحه للمنهاج.
تجوز ثم إضمار وبعدهما ... نقل تلاه اشتراك فهو يخلفه
وارجح الكل تخصيص وآخرها ... نسخ فما بعده قسم تخلفه
وذكر المص ستة يحصل فيها من صور التعارض ثلاثون صورة من ضرب ستة في خمسة لأن كل واحد يعارض البقية ولا يعارض نفسه ثم تختصر إلى خمس عشرة صورة لأن ما عارض شيئاً منها لا يعد إذا عارضه شيء ذلك الشيء مثلاً تعارض المجاز والتخصيص هو عين تعارض التخصيص والمجاز كما أشار له التلمساني في شرح المعالم وقد أغفل الإمام النسخ فلم يعد إلا خمسة والمص استدركه في التعديد وأهمله ف يالتمثيل. واعلم أن المراد من الإضمار هنا الإضمار الذي تتوقف عليه صحة الكلام. ويستدعيه المقام. وهو المسمى بدلالة الاقتضاء لا كل إضمار لأنه إن كان إضماراً واجباً كالضمير في قام من رأيت الذين قام فلا شبهة في تقديمه وإن كان بلا داع فلا يصدق عليه أنه دار اللفظ بينه وبين غيره (قوله مثال تعارض الاشتراك والنقل الخ) لا شك أن لفظ غسل أشهر في المعنى اللغوي فهو من تعارض النقل والأصل ولا شك أن الأصل مقدم ولو كان الوارد في الحديث لفظ الطهارة لكانت حجة الشافعي ﵀ انهض ولكان التمثيل غير متسامح فيه. وحكمة الغسل المأمور به عندنا إما الاستقذار لأكله الجيف ونحوها. وأما خشية سريان داء الكلب في سؤره (قوله
стр. 145
مثال الاشتراك والإضمار قوله تعالى وامسحوا برؤوسكم الخ) تصوير التعارض هنا هو أن تقدير الباء التبعيض يجعل الرءوس مفعول امسحوا وهاذ يعارض إضمار مفعول لامسحوا وهو أيديكم فال يضح الجمع بينهما فيثبت التعارض إلا أنه ليس من تعارض الاشتراك والإضمار إذ لا خلاف في ثبوت معنى التبعيض للباء في لغة العرب فلا يكون الحمل عليه في الآية زيادة معنى في معاني الباء حتى يتصور تعارض دعوى الاشتراك والإضمار على أن الشافعي لم يقل باحتمال الباء في الآية للأمرين بل عين أنها للتبعيض لأنها مع فعل متعد وليس في الحمل عليه حمل للفظ على الاشتراك وقول المص يقول المالكي أي لقصد منع اقتضاء الآية البعضية لا لقصد إثبات مذهبه لأن معنى الآلة لا يثبت مذهب مالك من وجوب التعميم إذ الآلة لا يلزم استيعابها وقد تقرر في الجدل أن المانع لا مذهب له كما قدمنا في الحروف فارجع إليه وإن كان ظاهر كلام المص هنا أشد إيهاماً منه هناك لأنه قال هنا يقول المالكي ههنا مضمر فاشعر أن هذا دليل المالكي (قوله مثال الاشتراك والمجاز يقول المالكي الخ) بناء على كون النكاح حقيقة في الوطء فيكون مجازاً في العقد وقد تقدم البحث فيه في طالعة الباب والمجاز إذا تعارض مع الحقيقة قدمت عليه لأنها الأصل فينتج المطلوب وهو اشتراط المسيس دون التوقف لأجل الإجمال وبه يظهر أن المجاز مقدم على اشتراك وإن لم يكن المجاز هو المطلوب لأن العمل هنا بالحقيقة ولكن حمل المجاز لمنع التوقف.
стр. 146
ترجمة سعيد بن المسيب
وسعيد بن المسيب بكسر الياء المشددة المخزومي القرشي المدني توفي سنة ٩١ من كبراء التابعين وفقهاء المدينة روى عن كثير من الصحابة وروى عنه مالك بن أنس وقد عد الشافعي مراسليه في رتبة المسانيد وكان ينكر بيعه الوليد بن عبد الملك أمر بضربه خمسين جلدة فضربه والي المدينة ولم يبايع ﵀ (قوله مثال تعارض النقل والإضمار قوله ﷺ الصائم المتطوع أمير نفسه الخ) قد تقدم أن معنى التعارض هو تعارض محامل اللفظ ولا شك أن الصوم شاع نقله في لسان الشرع للإمساك المخصوص فلا يعارضه شيء بعد ذلك والتقرير الذي ذكره المص يرجع إلى التعارض بين حمل اسم الفاعل وهو المتطوع على الحال أو الاستقبال فيؤل إلى التعارض بين الحقيقة والمجاز لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال فلا يتم مطلوب المالكي من المنع إلا بزيادة وهي أننا نصرفه عن الحقيقة إلى المجاز للأدلة القائمة على منع أبطال العبادات وتلك الأدلة مستقراة من نصوص الشريعة ومقاصدها. بحيث يحصل منها ما سماه أبو إسحاق الشاطبي في غير هاته المسألة بالعموم الحكمي فهو تأويل للظاهر لدليل ولا يدع فيه وهذا من أصول مالك ﵀ أن يرد خبر الآحاد أو يأوله إذا خالف أصول الشريعة كما سيأتي في موضعه (قوله مثال تعارض النقل والمجاز قوله ﷺ بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة الخ) أخذ به الحنابلة وعبد الملك بن حبيب من المالكية للقول بكفر تارك الصلاة واحتار غيرهم في الجواب عنه
стр. 147
فلم يخرجوا فيه عن دائرة التأويل البعيد من السياق وجواب المصنف يشتمل على تكلفين أحدهما تأويل الصلاة بالدعاء مع أن لفظ الشارع يحمل على عرفه. وثانيهما تأويل الترك بالإعراض استكباراً ولقد كان في الثاني منهما كفاية ويلوح لي في الجواب أن نص الحديث جعل ترك الصلاة مرتبة بين العبد وبين الكفر أي أنها آخر دركة تبلغ للكفر فتارك الصلاة هو في آخر مراتب الإيمان فلا يقضي ذلك بكفر تارك الصلاة بل بكونه على أبواب الكفر والله أعلم (قوله مثال تعارض الإضمار والمجاز قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة الخ) المثال يكفي فيه الفرض والتسامح وإلا فإن دفع التوقف الذي عرض يكون ببيان إن قمتم إلى الصلاة معناه عمدتم إليهما لا الشروع فهيا فالمسلم مأمور بالوضوء عند قصد الصلاة لأنه وقت تعين الوضوء بعد اتساعه وزيادة قيد محدثين تأويله لبيان أنه لا يجب ذلك على من لم يحدث إلا إذا كان فاغسلوا مستعملاً في الوجوب والندب بناء على استعمال اللفظ في حقيقة ومجازه وهو بعيد هنا لما فيه من مزيد الإجمال وليست هاته الزيادة بنافعة في دفع أشكال كون الآية تقتضي الأمر بالطهارة بعد الشروع في الصلاة الذي أجاب عنه السائل بإرادة القيام فلا تعارض بين الإضمار والمجاز كما يظهر بالتدبر بل هو تأويل للظاهر لدليل. وقد بقي على المص أن يمثل لتعارض المجاز والنسخ ويلوح لي في تمثيله حديث إنما الربا في النسيئة مع حديث ربا الفضل وهو الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر الخ مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد واستزاد فقد أربى فيحتمل أن الثاني نسخ حصر الحديث الأول الربا في التأخير ويحتمل أن الحصر في الأول إضافية وهو مجاز فيقدم هذا الاحتمال لأن المجاز مقدم على النسخ
стр. 148
الباب الرابع في الأوامر وفيه ثمانية فصول
الشريعة كلها طلب فعل أو ترك فلا شبهة أن الأوامر نصفها (١)
ولأن أبواب علم الأصول المتعلقة بمباحث الألفاظ أو بأحوال الرواة وطرق الاستدلال ترجع إلى تحقيق كيفية الأمر والنهي ومقادير ما تقتضيه فلا بدع إن كان باب الأوامر مقدماً على الجميع بعد المقدمات وملتو بباب النواهي كما صنع الإمام في المحصول وغير واحد. والأوامر على وزن فاعل جمع آمر بالمد والضم الذي هو جمع أمر كجمع كلب أو أكلب ثم على أكالب فقلبت الهمزة الثانية في الجمع مدة مجانسة لحركة ما قبلها لسكونها وقلبت همزة جمع الجمع واواً لانفتاحها إثر فتحة قال في الخلاصة.
ومدا ابدل ثاني الهمزتين من ... كلمة أن سكن كآثر واو تمن
أن يفتح اثر ضم أو فتح قلب ... واواً وياء إثر كثر ينقلب
وليس هو فواعل لأن فعلا لا يجمع على فواعل وأما قولهم نواهي في جمع نهي فهو من باب المقابلة اللفظية فإنهم كثيراً ما يخرجون الكلمة عن زنتها لمناظرتها بقرينتها كما بينه الإمام المازري في المعلم عند قوله ﷺ لوفد عبد القيس "مرحباً بالوفد غير خزايا ولا ندامى" لأن ندامى جمع ندمان وهو المجالس لشرب الخمر لا جمع نادم وعليه قول الشاعر:
هتاك اخبية ولاج ابوبة ... يخالط البر منه الجد واللينا
وإنما جمع باب أبواب فإن قلت: فهلا قيل إلا ناهي لأن الواو في أوامر
стр. 149
انقلبت عن الهمزة التي هي فاء الكلمة والهمة السابقة هي المزيدة ولم يفعل ذلك في نواهي إذ الواو هي الزائدة لا محالة قلت قد يجاب بأنهم راموا كمال المشابهة اللفظية إذ هي المقصود من المجانسة فأخرجوه عن زنة جمعه إلى زنة فواعل لا كمال المشابهة بين الكلمتين.
الفصل الأول في مسماه
كان المتقدمون إذا بحثوا في مسمى الأمر اختلفوا اختلافاً لفظياً منشؤه اختلاف إطلاقات الأمر في كلام العرب فرأى الذين من بعدهم أن يفككوا جهتي البحث بأن بحثوا عن مادة ام ر ثم عن صيغ الطلب مثل افعل ولتفعل وليس من الشأن أن يختلف في أن اسم (امر) يطلق على أشياء كثيرة وأن العرف خصه بالطلب المخصوص. كما ليس من الشأن الاختلاف في إطلاقه على الملفوظ به والمستحضر في النفس إذ لا يكون كلاماً معتداً به إلا بذلك أما تسميته أمراً فلا يحتاج إلى مراعاة ما في النفس وإن كان إثبات الكلام النفسي لا ينازع فيه أحد حيث يقول زورت كلاماً في نفسي ولا شك أنه حقيقة في اللفظي مجاز في غيره بعلاقة العلية وبه يظهر أن الأخطل أصاب ولكنه بالغ في حصر الكلام في الضمائر النفسية وذلك من التصرفات الشعرية (قوله وأما الفظ الذي هو مدلول الأمر الخ) أي مسمى لفظ الأمر لغة واصطلاحاً وهو الصيغة الدالة على الطلب نحو افعل ولتفعل والخبر المستعلم فيه مثل عليك بأن تفعل وكتب عليك أن تفعل (قوله فهو موضوع عند مالك ﵀ وعند أصحابه للوجوب الخ) يمكن أن يؤخذ هذا من قول مالك بوجوب العمرة بالشروع مع أنها سنة مؤكدة
стр. 150
والنافلة لا تجب بالروع عنده إلا السبعة المعروفة لقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله وقال الأبهري من كبار مذهبه أمر الله للوجب وأمر النبي ﷺ المستأنف للندب (قوله في الأمر سبعة مذاهب الخ) القدر المشترك هو الطلب الراجح فيكون الوجوب والندب جزئيين لذلك القدر المشترك وبه يظهر الفرق بينه وبين المذهب الرابع القائل أن اللفظ مشترك بينهما لأن الأول من المشترك المعنوي وهذا من المشترك اللفظي. وأما المذهب الخامس فمنع الاشتراك ولم يعين الموضوع له. وأما المذهب السابع فيحتمل عنده جميع ما قيل والصواب الوجوب لأنه الغرض الأول من التشريع وغيره يحتاج لقرينة تعينه (قوله هو عنده أيضاً للفور الخ) الفور هو المبادرة لفعل المأمور به عند بلوغ الأمر أو عند حصول ما علق عليه بقدر الاستطاعة وقد أخذ البغداديون من أصحاب مالك اقتصاء الأمر للفور من قوله بوجوب الفور في الوضوء وأن تفرقته
стр. 151
عمداً توجب استينافه كما في امالي المازري على البرهان وهو الأوفق بأصوله ويؤيده أنه لا يتحقق عقاب المتثاقل إذا عرض له بعد تثاقله ما يحوله عن الفعل لأنه يعتذر بكون الوجوب متراخياً وقد لام الله قوماً على تثاقلهم فقال يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قلك لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض إلى قوله يعذبكم عذاباً أليماً فلو لم يكن الأمر للفور لما كان من وجه لتوبيخهم قبل تبين عصيانهم ولعل هذا ونحوه هو الذي أوجب جزم المص بنسبة القول بالفور لمالك ﵀ وإن كان لم يجزم به من تقدمه وذهب المغاربة وابن الحاجب من المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة في نقل ابن التلمساني والمازري إلى أنه للتراخي ما لم يوقت فإن علق بشرط أو صفة أو وقت وجب فعله عند حصول المعلق عليه وأخذوا ذلك من قول مالك أن الزوجة تستأذن زوجها في الحج عاماً بعد عام كذا في أمالي المازري (قوله والقائلون بالتراخي الخ) المراد بالتراخي عدم الفور لا كون التراخي مقتضى الأمر قال المازري في أماليه على البرهان هذه عبارة أولع بها المصنفون ومقتضاها أن المبادرة إلى الفعل ممنوعة وهذا لم يقل به أحد وإنما مرادهم إجازة التأخير (قوله فإن مات قبل الفعل أثم الخ) أي مع جواز التأخير وبه قال أصحاب مالك وإمام الحرمين كما في أمالي المازري على البرهان وهو غريب لأنهم
стр. 152
جعلوا بين كون التأخير جائزاً وترتب الإثم عند الفوات فيكون الجواز عندهم مشروطاً بما إذا لم يحصل مانع من الفعل فإن حصل المانع نسخ الجواز وهو الذي أشار له المص بقوله وقيل إلى غير غاية بشرط السلامة فإن مات الخ فتكون السلامة معتبراً وقوعها لا ظنها وقوله وقيل لا إثم عليه هو قول القاضي كما في أمالي البرهان وهو الموافق لمعهود الشرع والقياس أما مع ظن الفوات فاتفق الجميع على عدم جواز التأخير وبهذا يندفع ما قد يتوهم في كلام المص من التخالف (قوله حجة الفور قوله تعالى لابليس الخ) ندفعها بأن إبليس قد ظهر عليه من الإنكار ما لا يرجى معه امتثال وهذا السر في زيادة نحو أبى ونحو استكبر بعد الاستثناء في قوله تعالى إلا إبليس في الآيات الوارد فيها ذكر امتناعه من السجود وهذه الحجة ذكرها المصنف في الشرح وستأتي له في المتن بعد مسأل التكرار لأنه ذكرهما جميعاً ثم احتج لهما لشدة المناسبة بينهما إذ التكرار يستلزم الفور (قوله وهو عنده للتكرار قاله ابن القصار الخ) التكرار هو إعادة فعل المأمور به عند إتمامه بقدر الاستطاعة وسبب الخلاف في هاته المسألة ورود أوامر دلت على طلب تكرار المأمور به مثل أقيموا الصلاة وأوامر لم تدل مثل ولله على الناس حج البيت ولا شبهة فيما عرف حاله بل الكلام في ما تجرد عن القرائن على إيهما يحمل وقد أجنح بعضهم للتكرار بسؤال الأقرع بن حابس النبي ﷺ عند نزول آية الحج ألعامنا هذا أم للأبد ولا حجة فيه أما أولاً فلأنه سؤال عن تكراره لغير المخاطب بدليل أنه مع جوابه ﷺ بقوله "للأبد" لم تجب الإعادة في كل سنة على أحد. وأما ثانياً فلو سلم أنه
стр. 153
سؤال عن التكرار فهو مشترك الالزام لأنه كما دل السؤال على توهم التكرار كذلك يدل على توهم عدمه وإلا لما سئل عنه فيحتج به أيضاً للفور. وأما ثالثاً فلما نقله المازري في أماليه أن النبي ﷺ انتهر السائل. وقد تردد النقل عن مالك ﵀ في هاته المسألة فنقل القاضي عبد الوهاب عن المذهب أنه للمرة واختاره ابن الحاجب سواء كانت المرة مدلوله أم لازم مدلوله وهو طلب الماهية قال المازري في أمالي البرهان احتجوا بما وقع في أول كتاب الوضوء من المدونة لما سئل ابن القاسم عن وجوب تكرير غسيل الأعضاء فاستدل على نفيه بقوله تعالى فاغسلوا وجوهكم ونقل ابن القصار عنه أنه للتكرار ونسبه المازري أيضاً إلى ابن خويزمنداد واحتجوا بقوله بإعادة التيمم لكل صلاة. قلت ولا حجة فيه لأنهم عللوه باحتمال وجدان الماء فتجب إعادة الطلب ولا تكون عبادة مشكوكة البقاء وقد روي عن مالك في المريض الذي لا يستطيع استعمال الماء والمتذكر لصلوات كثيرة أنهما يصليان بتيمم واحد صلواتهما فإن قلت: إذا كان الصحيح أن الأمر لطلب الماهية أو المرة المبهمة فهو مطلق وهو عند عدم القرية يحمل على أكمل أفراده كما سيأتي فلنحمله على التكرار لأن حالة التكرار أكمل حالات فرده قلت: ليس تكرار الفرد الواحد من الحمل على أكمل الأفراد.
ترجمة ابن القصار
وابن القصار هو القاضي أبو الحسن علين بن عمر بن القصار البغدادي المتوفى سنة ٣٩٧ سبع وتسعون وثلاثمائة أخذ عن الأبهري وولي قضاء بغداد. ألف كتاب الخلاف احتج فيه لمذهب مالك فكان أبو حامد
стр. 154
الاسفرائيني الشافعي يقول ما ترك لقائل ما يقول ﵀ (قوله وأما التكرار فلصحة الاستثناء الخ) ذكر المصنف هذا الدليل في المتن ولم يشرحه استغناء عنه بالدليل الذي ذكره في الشرح وهو احتجاجهم بورود النسخ ومئال الدليلين واحد وهو أن استثناء أزمنة من الفعل وإخراج الأزمنة الباقية بالنسخ دليل على أن الأمر شامل لما أخرج فلولا الإخراج لوجب التكرار في البقية وقد سلمهما المص. وجوابهما فيما يلوح لي أن الخلاف في دلالة الأمر على التكرار دلالة مطردة لا في قبوله للتكرار لأنه قد تقدم في التراخي أن لا خلاف فيه وتقدم هنا أن الخلاف فيما اشتبه حاله فنحن نسلم أن الاستثناء والنسخ يقتضيان كون المستثنى منه والمنسوخ دالين على التكرار ولكن هل يلزم من ذلك انسحاب التكرار على كل أمر كما أن صحة الاستثناء أو النسخ لا تدل على أكثر من صلوحيته للتكرار لا وقوعه بالفعل (قوله وقال الشيخ أبو إسحاق الخ) المراد بأوقات الضرورات أوقات قضاء الحاجات العادية والتكاليف السابقة كما نقله المص في شرح المحصول لا خصوص الضرورات التي لا تستقيم الحياة إلا بها مثل الأكل والنوم ولا يخرج عن تكليف ما لا يطاق لأنهم قالوه في حق الله تعالى خاصة والكلام هنا في مقتضى الأمر لغة إذ اللغة ما وضعت إلا للممكن عادة (قوله ولأنه ضد النهي الخ) مدفوع بأن شرط القياس وجود الجامع وانتفاء الفارق ولا نسلم تحقيق الشرط في النهي وقوله أن الشيء يحمل على ضده غير معهود ودعوى أن لا نصيب حملاً على إن ضدها ممنوع بل نصبت بنفس العلة التي نصبت بها ان وهو كونها لتأكيد النفي
стр. 155
كما كانت ان لتأكيد الإثبات (قوله قال وهو الصحيح آهـ) إذ ليس من مقتضى الشرط التكرار بل حصول الفعل عند شرطه مرة وإلا كان القائل أن أتيتني بألف فلك كذا قفيزاً من قمح مقتضياً أن يسلم له أضعافه عند تعدد الآفة أما الشروط الدالة على العموم فلا خلاف في دلالتها على التكرار نحو مهما وكذا ما يشعر بسببية أو علية أو حكمة ومنه المعلق على الصفة ولهذا فصل القاضي أبو بكر الباقلاني فقال المعلق على شرط لا يتكرر والمعلق على الصفة يتكرر (قوله مسألة قال القاضي عبد الوهاب فإن كرر الأمر الخ) القول بأن تكرار اللفظ يقتضي التكرار غريب فقد قال مالك ليس على من كرر اليمين في شيء واحد غير كفارة واحدة لأن شأن تكرير الجملة الواحدة التأكيد نعم يقرب هذا القول في تكرار المفعول المطلق لشبهة بالفعل من جهة وبمتعلقاته من جهة ولهذا اختلفوا في قوله تعالى كلا إذا دكت الأرض دكاً دكا هل المراد دكاً شديداً أو دكاً بعد دك بخلاف والملك صفاً صفاً لأن بقية متعلقات الفعل يفيد تكرارها التعدد مثل دخلوا واحداً واحداً وباباً باباً (قوله مسألة إذا عطف على الأول أمر آخر الخ) أي أنه إذا عطف أمر على أمر فهل يحمل على التأسيس حتى
стр. 156
يكون من باب الأمر المكرر الذي قيل أنه يفيد التكرار أم لا والقصد هنا التفصيل فظهرت المناسبة بينها وبين ما تقدم إذ المتقدم تكرير الأمر بلفظه وهذا برادفه (قوله فرع مرتب الخ) هو قولهم ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه ومناسبتها بمسألتنا أن العطف لا يدل على أمر جديد حتى يقتضي التكرار (قوله قال وإلا شبهة إذا عطف العام على الخاص الوقف الخ) إنما يكون الوقف عند تعارض الأدلة وما يقتضيه العطف من المغايرة لا يعارض العموم للاكتفاء بمغايرة العموم والخصوص وقد تقرر أن عطف الخاص على العام لا يخصص وبالأولى عطف العام فيعمل العموم ولا يعارضه العطف فلا وجه للتوقف (قوله لا مفهوم له يدل الخ) يدل صفة لمفهوم وليس استئنافاً لأن المقصود عدم دلالته على عدم الطلاق لا دلالته
стр. 157
على عدم الطلاق كما لا يخفى (قوله إنه لا يلزم الخ) مفعل يفيد (قوله قال المتكلمون ومن وافقهم في إثبات الصفات ونفي خلق القرآن الخ) يريد أن هاته المسألة فرضها المتكلمون الذي نوعوا الكلام في الازل لأمر وغيره وأطلق عليهم هاته الأوصاف لأنهم كانوا معروفين بها في القديم لا للدلالة على ارتباط
стр. 158
هاته المسألة بمسألة خلق القرآن (قوله ولا يشترط فيه علوا الآمر الخ) المراد بالعلو كون الآمر عالياً في المقدار على المأمور وإن لم يأت في أمره بما يدل على إظهار ذلك. والمراد من الاستعلاء اقتران صيغة أمره بلفظ أو قرينة يدل على الجزم في طلب الامتثال. والمراد من المسألة هل يشترط في تحقق مفهوم الأمر العلو أو الاستعلاء حتى إذا تجردت الصيغة عن أحدهما عند من يعتبره كانت التماساً أو دعاء أم لا يشترط كذا أشار له العضد وصاحب التلويح. وقد ذهب الأشعري وجمهور أتباعه إلى عدم اشتراط شيء منهما وحجته أن الصيغة تعتبر أمراً بلفظها وتخصيص بعض أنواعها باسم الدعاء أو الالتماس تادب. وذهب جماعة من الشافعية والمعتزلة إلى اشتراط كون الآمر عالياً في الواقع وإلا لم يعد أمره أمراً. وذهب المحققون إلى اشتراط الاستعلاء وهو قول الباجي وابن الحاجب والحنفية والإمام وأبي الحسين البصري ويتفرع على الخلاف أن الأمر إذا اقترن بما يدل على العظمة كان أمراً كاملاً ودل على الوجوب. وإن اقترن بما دون ذلك أو تجرد لم يدل لأنه يشبه الالتماس حتى ولو كان من الأعلى للأدنى مثل المقترن
стр. 159
بترغيب نحو قوله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة إلى قوله أن يغفر الله لكم فيدل على ندب المأمور به لأنه شابه الالتماس وفيه تخيير وإنما لم يشترطوا العلو لجواز كون أمر المساوي واجب الامتثال. هذا غاية ما أمكن في تصوير أثر للمسألة في هذا العلم وكأنها باللغة أعلق منها بالأصول أما لو فرضوا اعتبار العلو والاستعلاء في الاستدلال على الوجوب ودونهما في الاستدلال على الندب لكان وجهاً وجيهاً إذ كلاهما يدل على الجزم في الأمر وقد أخرج البخاري في باب اتباع النساء الجنازير عن أم عطية ﵂ أنها قالت نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا (قوله ولذلك يصفون من فعل ذلك بالحمق الخ) هذا دليل مثبتي شرط الاستعلاء كما أشار له العضد وقرره التفتازاني في حاشيته بعد أن ضلت فيه افهام وحاصله أنه لولا اعتبارهم الاستعلاء في مفهوم الأمر لما ذموا الأدنى بأمره الأعلى بل حملوه على الالتماس والتالي باطل لأن الأدنى إذا أمر الأعلى بدون تلطف كان ملوماً في العرف وهذا الوجه نفسه بتبين به بطلان قول العلو لأنه لو كان العلو شرطاً في تحقق ماهية الأمر لما اعتبر طلب الأدنى من الأعلى أمراً حتى يذم لأجله لظهور قرينة حاله أنه لا يريد الأمر فلا وجه لذمة فقوله من فعل ذلك أي أمر مع الدنو كما يشير له متقدم كلامه إذ لا يوصف الآمر بالحمق إلا إذا كان دنيا فتأمل (قوله مع أن الله تعالى خاطب عباده أحسن الخطاب الخ) أي فيما هو متعين للوجوب وهو تقوى الله والجواب عن هذا أنا نسلم أن الله خاطف عباده أحسن الخطاب لكن في مواقع الترغيب أو التخيير كما قدمنا أما ما ذكروه فليس من اللين في شيء إذ التذكير بالنعم أو بالعبودية أو بعظمة الله الذي
стр. 160
نتساءل به من قبيل الاستعلاء وما شاع من أن الخطاب بعبادي خاص بالمؤمنين في مقام التلطف بنقضه قوله تعالى ويوم نحشرهم جميعاً فيقول أنتم أضلتتم عبادي هؤلاء (وقالت بلقيس الخ) إنما هو من قول فرعونوساق المس حكاية الآية وبيت دريد وبيت عمرو بن العاص شاهداً على إطلاق اسم الأمر لغة على ما لا علو فيه ولا استعلاء لقوله ويرد على الفريقين لكن على سبيل التوزيع إذ الآية ليس فيها استعلاء لتنازل فرعون ولكن ثمة العلو. والبيتان ليس فيهما العلو ويحتملان الاستعلاء وبعد فيرد على الجميع أن الكلام فرعون ورد في حال ضيقة في خطب بعثة موسى ﵇ فكان جديراً ب التنازل عن جبروته ليستهوي قومه، بلين قوله، وهذا دأب الجبارين عند حلول المضائق بهم لأن سوابق مكرهم تناجيهم بتوقع المكر من رعاياهم فيتحيلون لاستخلاص نصحهم بلين الحديث لأنهم يستعظمون في الثواب رد الجواب وعادة الضعفاء أن يستعبدهم رضى جبابرتهم كالكلب المزجور ترمي له اللقمة بعد زجره وسبه فيأتيها مبصبصاً بذنبه ولذلك جعل الأمر أمرهم والأرض أرضهم فقال يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون وإذا كان كذلك فقد جعل نفسه طوع أمرهم فإطلاق اسم الأمر على إشارتهم تمثيل لحاله، أو حكاية لمرادف مقاله. ولا حاجة إلى دعوى المجاز التي حاولها صاحب التلويح. وأما بيت دريد فأمره واضح لأنهم لما تبينوا أصالة رأيه كان له أن يستعلي عليهم فيسمي إشارته أمراً على أنه كان من سادة قومه. وأما بيت عمرو بن العاص فكذلك لأنه لما قال له فأصبحت نادماً كان جديراً أن يمت عليه ويتطاول ويسمي إرشاده أمراً للاستعلاء هذا والرواية المعروفة في بيت عمرو بن العاص
стр. 161
"وكان من التوفيق قتل ابن هاشم" وذلك أن معاوية كانت في نفسه إحن على هاشم بن عتبة وابنه عبد الله من يوم صفين فكان بعد مقتل علي ﵁ أن عبد الله بن هاشم بن عتبة حمل لمعاوية مغلولاً فاستشار عمراً في شأنه فأشار بقتله فعفا عنه معاوية فقال عمرو:
أمرتك أمراً جازماً فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
أليس أبوه يا معاوية الذي ... أعان علينا يوم حز الغلاصم
فلم ينثن حتى جرت من دمائنا ... بصفين أمثال البحور الخضارم
وهذا ابنه والمرء يشبه أصله ... ويوشك أن تقرع به سن نادم
وهي قصة أظهر فهيا عبد الله بن هشام من بديه أجوبته وبلاغة قوله ما هو جدير بالمطالعة لكل متأدب وليس هذا محله وفيه ما يظهر به غلط من ظن أن عمراً يريد بابن هشام سيدنا علياً ﵁ (انظر تمام خبره في كامل المبرد) (قوله وثانيها إرادة المأمور به الخ) لأن المعتزلة يرون الإرادة مشروطة بالميل والمحبة ونحن لا نساعد على ذلك كما في المواقف وعليه فيأمر الله بما لا يريد وقوعه لأن الأمر يستلزم الرضا والمحبة ولا يستلزم الإرادة والإرادة لا تستلزم الرضا والمحبة فلا يرضى لعباده الكفر ولو شاء ربك ما ما فعلوه وعند المعتزلة كلها متلازمة.
الفصل الثاني إذا ورد بعد الحظر
تتبعوا ما استطاعوا كل ما يمكن أن يعترف منه حال الخطاب تفادياً من الوقوف في مواقف الإجمال فلما استعانوا بمسألة الاستعلاء الراجعة
стр. 162
إلى كفية ورود الأمر استعانوا أيضاً في هذا الفصل بسوابق الأمر وأنه إذا سبقه الحظر هل يدل على الإباحة أم يبقى على حكمه عند الإطلاق فذهب مالك ﵀ وجماعة إلى الأول وذهب الأكثر إلى الثاني وفصل القاضي عبد الوهاب ذلك التفصيل تحريراً لمحل النزاع لأن الأمر الوارد بعد انتهاء توقيت الحظر يشبه الإيذان بالانتهاء فليس له حكم صيغة الأمر الأصلية. والأدلة التي ذكرها الفريقان لا تعد والتمسك بمقتضيات أوامر شرعية وردت في الكتاب والسنة بعد الحظر ولا تتم بها الحجة لما سيأتي. أو التمسك باستصحاب الأصل في صيغة الأمر وكلها مسالك جدلية لا تصلح حجة شرعية. وقد لاح لي في الحجة لمذهب مالك ﵀ وترجحه أن التحريم يعتمد اشتمال الفعل على المفسدة كما هو مقرر من قبل ومراد الله تعالى من لاشرع للناس واحد ولكنه قد يقدم لمراده ما هو رحمة ورفق بعباده فقد يسبق التحريم الإذن لقطع توغل الناس في استعمال المأذون فيه أو غلوهم في فيه مثل مسألة لحوم الأضاحي وزيارة القبور قد يجيء الإذن قبل التحريم لإيناس المكلفين بقطع أمر اعتادوه والفوه حتى لا يشتد عليهم مفاجأة الفطام عنه كما في سبق تحريم الخمر بإباحته في بعض الأوقات وكراهته هذا مقصد معلوم من استقراء الشريعة في تصرفاتها فإذا تقرر هذا فمتى حرم الله تعالى شيئاً فقد نبهنا على مرتبته من المفسدة فهل يظن إذا ورد الأمر به بعد ذلك أن مفسدته صارت مصلحة راجحة مع أن ما بالذات لا يتخلف ولا يختلف بل نعلم أن الأمر به لمجرد الإباحة إما لخفة المفسدة بعد أن شدد الله تحريمها وإما لشدة الحاجة إليه فاغتفرت مفسدته وذلك المسمى بالرخصة كما تقدم وبهذا يظهر لك أن ما حكاه المص عمن طرد أصله فسوى بين ورود
стр. 163
الأمر بعد الحظر وورود النهي بعد الوجوب قد غفل عن هذا الاعتبار. واعلم أن هذا الخلاف كله في الأمر بعد حظر مستأنف أما الأمر بعد الحظر المسبوق بحكم ثابت للمحظور ونسخه الحظر فالذي اختاره البلقيني أنه لا خلاف في إرجاع الأمر إياه إلى ما كان عليه قبل الحظر ولذلك كان قوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين مقتضياً وجوب القتال لأنه الحكم السابق قبل الحظر في مدة الأشهر الحرم كذا ذكره عنه الشيخ حلولو في شرح جمع الجوامع وهو وجيه ويمكن أن نرتقي فنأخذ من هذا أن ما اشتبه حكمه بعد نسخ الحظر ولم يعرف له حكم سابق نرده إلى حكم الأشياء التي لا نص فيها ولا قياس بأن نثبت للمضار التحريم وللمنافع الحل وللمصالح الراجحة الوجوب وقد يعضد هذا ما أشار له نقل القاضي عبد الوهاب في دلالة الأمر بالكتابة على الإباحة كما سيأتي تقريره (قوله كقوله ﵊ كنت نهيتكم الخ) هذا ركبه المص من حديثين أحدهما كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم خرجه مسلم من طريق أبي سنان والثاني قول عائشة ﵂ أنه قيل لرسول الله ﷺ نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت فكلوا وادخروا وتصدقوا رواه مسلم. والدافة بالدال المهملة القوم يسيرون جماعة سيرا ليس بالشديد والقوم من البادية يردون المصر كما في النهاية والمعنيان يستلزم ثانيهما الأول والإشارة في الحديث إلى أن أبياتاً من أهل البادية حضروا يوم الأضحى بالمدينة في عام جهد فأمر النبي. ﷺ بعدم الادخار في لحوم الأضاحي الجاء لأهل المدينة أن يتصدقوا
стр. 164
بأكثرها. وفي بعض النسخ كتبت الرافة بالراء المهملة وهو غير مروي وإن كان معناه صحيحاً أي من أجل الرأفة بالذين أصابهم الجهد. وهذا الحديث معلل بقوله من أجل الدافة والآية المذكورة في الأصل من المغيا بغاية والمذكورة في الشرح من المشروط بشرط (قوله ولذلك احتج على عدم لزوم الكتابة بقوله إنما ذلك توسعة الخ) احتجاج مشكل إذ لم يسبق حكم للكتابة بالحظر حتى يكون الأمر بها بعد للإباحة فلعله يشير إلى ما ذكره ابن الفرس في أحكام القرآن عن بعض المالكية أنه احتج على إباحة الكتابة دون ندبها بأن القياس على أصول الشريعة يقتضي منعها لأنها غرر فالأصل فيها الحظر فلما ورد الأمر بها كان كالأمر الوارد بعد حظر فيحمل على الإباحة قال ابن الفرس وفي هذا القول ضعف آهـ وأقول سواء كان ضعيفاً أم قوياً أم قوياً فقول مالك "إنما ذلك توسعة" لا يحمل الأعلى الرخصة وهي تقتضي سبق الحظر ولا شك أنه ينظر إلى ما يقتضيه القياس وأصول الشريعة على أنه لا ضعف فيه لأن حمل الأمر الوارد بعد الحظر على الإباحة ليس ناشئاً عن تأثير لفظ الحظر السابق فيه تضعيفاً حتى يكون عدم سبق حظر ملفوظ به مخالفاً له في الحكم بل هو كما قدمنا راجع إلى أن الحظر يقتضي المفسدة وسواء في ذلك الحظر المستفاد من النص أو من القياس واستقراء الشريعة كما أطلقوا اسم الرخصة على ما
стр. 165
كان أصله المنع وإن لم يسبق نص يقتضي منعه نظراً لذلك (قوله ثم استقراء النصوص بعد هذا من الكتاب والسنة يحكم بين الفرق الخ) ما من نص إلا وقد يرد عليه أن القرائن هي التي دلت على حكمه الخاص الذي يريد المحتج إثباته فالتحقيق أن وجه الاحتجاج في هاته المسألة هو النظر المستمد من مقاصد الشريعة كما قدمناه وكما يقرب منه قول المصنف "وتقرير هذا الفصل".
الفصل الثالث في عوارضه
أي في ذكر ما يطرأ عليه أو على مقتضاه فإن نسخ الوجوب وإن لم يطرأ على الأمر لكن على مقتضاه إذ الوجوب مستفاد من الأمر (قوله إذا نسخ الوجوب يحتج به على الجواز الخ) الاستدلال على هاته المسألة نظير الاستدلال على ورود الأمر بعد الحظر فإن الواجب لما يتضمنه من المصلحة لا ينسخ إلى حرمة. وبعض أصحابنا منهم القاضي عبد الوهاب كبعض الشافعية منعوا ذلك أي لم يسلموا تعين الجواز وسند منعهم أن نسخ الوجوب هو رفعه وذلك صادق بالحرمة ولم يعينوا الحرمة ولهذا قال المص منعوا دون أن يقول خالفوا أو عكسوا. نعم أن قولهم هنا يستلزم الحمل على الحرمة عند التردد احتياطاً لأنه لو فرض الندب والإباحة لم يكن في تركهما ضير بخلاف فرض التحريم فإن في فعله أثماً. والجواب أن احتمال التحريم ضعيف لما تقدم من الدليل هنا وفي الفصل قبله وإذا لم تتساو الاحتمالات ورجح بعضها على بعض فقد بطل التعارض فزال موجب الوقف والاحتياط وبهذا نجمع بين حديث
стр. 166
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وحديث وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألوا عنها (قوله أحدهما أن الدال على المركب دال على أجزائه الخ) اشتمل هذا المدرك على قياسين أما الأول فمقدمتاه مذكورتان وهو من الشكل الرابع لأن قوله والوجوب مركب معناه والوجوب دال على الأمرين وهو مسلم وأما القياس الثاني فهو من الشكل الأول وصغراه مطوية تقديرها النسخ رفع أحد الجزءين وهذه الصغرى ممنوعة لأن النسخ للوجوب رفع لمسماه وقد اعترف في القياس الأول أن مسماه جواز الإقدام والمنع من الترك فإذاً يكون النسخ رفعاً لهما معاً بلا شك وذلك يقتضي الحرمة لأنها هي التي يصدق عليها عدم جواز الإقدام وعدم المنع من الترك فإذاً يكون دليلاً لذلك البعض وظاهراً كلام المصنف أنه مدرك للفريقين لأنه سماه مدركاً لأصل المسألة وصرح بذلك في المدرك الثاني فتدبر.
الفصل الرابع يجوز تكليف ما لا يطاق
لا غاية لهاته المسألة في الأصول وإنما هي مسألة كلامية جرها الالتزام في مقام المناظرة فإن الأشعري ﵀ لما نفى قدرة العبد على إيجاد أفعاله أورد عليه المعتزلة أن ذلك يقتضي أن الله يقول افعل يا من لا فعل له وذلك ليس في طوقه فرأى الأشعري أن التزام ذلك أولى من هدم الأصل الذي قامت عليه الأدلة وهم يقسمون المحال إلى محال لذاته
стр. 167
ومحال لغيره والخلاف في الأول لا في الثاني والمص هنا فرق بين المحال العقلي والمحال العادي والمركب منهما فجعل الخلاف في الثاني والثالث دون الأول وهو اصطلاح لم يسبقه إليه أحد ممن رأينا وأراد بالمحال في العقل فقط ما هو جائز في العادة وإنما كانت احالته لدليل عقلي وبعد الاتفاق على عدم وقوعه فلا طائل تحت التطويل في الأدلة (قوله خلافاً للمعتزلة والمغزلي الخ) وإمام الحرمين وأبي حامد الاسفرائيني والتلمساني وابن دقيق العيد.
الفصل الخامس فيما ليس من مقتضاه
أي في بيان ما ظن أنه من مقتضى الأمر وليس منه أو ما قد يتوهم أنه كذلك (قوله لا يوجب القضاء عند اختلاف المأمور به عملاً بالأصل بل القضاء بأمر جديد الخل) يرجحه قوله تعالى ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر فلو كان الأمر في لسان العرب يقتضي القضاء عند الاختلال لما وقع التنبيه على استبدال أيام أخر للمريض والمسافر هذا إذا نظرنا إلى صيغة الأمر. وأما أن رجعنا إلى الحكمة من العبادات فقد بينا ضابط
стр. 168
ما يقضى وما لا يقضى باعتبار ذلك في الفصل الرابع عشر من الباب الأول فارجع إليه وما نسبه المص إلى أبي بكر الرازي من الحنفيةهو مذهب جمهورهم كما في صدر الشريعة وأبو بكر الرازي هو أحمد بن محمد بن علي الجصاص الحنفي الرازي ولد سنة ٣٠٥ وتوفي سنة ٣٧٠ له أحكام القرآن (قوله ولا تشترط مقارنته للمامور به بل يجوز تعلقه في الأزل بالشخص الحادث الخ) أي لا يشترط في تحقيق الأمرية أي كونه أمرا مقارنته فقوله والحاصل قبل ذلك إعلام أي تعلق إعلام لا أنه إعلام غير أمر بدليل قوله ولا تشترط مقارنته وسيأتي بيانه عند كلام القاضي عبد الوهاب. وهذه مسألة كلامية التزمها الشيخ أبو الحسن الأشعري بعد أن أثبت الكلام النفسي وقسمه إلى أنواعه فألزمه المعتزلة أن يوجد أمر بلا مأمور وذلك محال فالتزم ذلك وبين أنه متعلق بالمأمور تعلقاً معنوياً معلقاً على وجوده المعلوم لله تعالى فنقلها أهل الوصول إلى هذا العلم لأنهم فرعوا عنها ما يأتي. وحاصل هذا المبحث الذي ذكره المصنف يشتمل على ثلاث مسائل مبنية على تعلق الأمر في الأزل بالشخص الحادث. المسألة الأولى في كيفية تعلق الأمر في الأزل بالمأمور. والمسألة الثانية في مقتضى التعلق. والمسألة الثالثة في وقته. فأما المسألة الأولى وهي كيفية تعلق الأمر في الأزل بالمأمور فقد
стр. 169
اتفق الأشاعرة على أن الأمر متعلق في الأزل بالمأمور المعدوم حينئذ تعلقاً معنوياً وأن له تعلقاً آخر تنجيزياً حادثاً عند بلوغه إلينا ونزوله ويسمى الأول بالتعلق بالمعنوي وهو صلوحي. وهذا خارج عن غرض الأصولي وإنما ذكرت هنا لأنها أصل المسألتين بعدها. وأما المسألة الثانية فهي كيفية التعلق بالتنجيزي فهو عند الأشاعرة تعلقان تعلق إلزام بالمخاطب المكلف بالحكم المستجمع لشرائط التكليف بعد دخول وقت التكليف، وتعلق اعلام لمن سيأتي بعد ممن يراد شمول الحكم له أو لمن لم يستجمع الشرائط أو للمستجمع قبل دخول وقت التكليف. وهذان التعلقان تنجيزيان وهي متفرعة عن تعلق الأمر بالمعدوم لأن التعلق الإعلامي يشتمل في أحد أحواله الثلاثة على تعلق بالمعدوم إلا أن لهاته المسألة فيما أرى نفعاً في علم أصول الفقه فهي به أعلق من الأخرى السابقة لأن بهاته المسألة تتبين كيفية تعلق الأوامر بالمكلفين مع تجددهم جيلاً بعد جيل وكيفية تعلقه بالموجودين قبل حصول الأسباب أو عند انتفاء الشروط مثلاً فالتعلق الإعلامي هو الذي يدفع الحيرة في هذا المقام ومعناه يؤل إلى تنبيه الشخص بأنه سيصير مكلفاً في حالة أو وقت يأتي. وأما المسألة الثالثة وهي وقت تعلقه فقد اختلف فيها الأشاعرة فقال الشيخ والجمهور وكافة المعتزلة هو متعلق بالفعل قبل المباشرة والتكليف واقع قبل الاستطاعة عنده كما قال الغزالي سواء في ذلك الإعلام والالزام، أما الإعلامي فظاهر وأما الإلزامي فللتفادي من لزوم انتفاء العصيان عند ترك المباشرة فتكون المباشرة نفسها مأموراً بها لأنها وسيلة للمأمور به وتغاضوا عن إلزام أورده المعتزلة بأن المكلف مأمور بما ليس من فعله لأن جوابه
стр. 170
هو الجواب عن أصل مسألة قدرة العبد وهو الرجوع إلى أن الله لا يسأل عما يفعل على رأي الجمهور وإلى إثبات جواز التكليف بما لا يطاق وقد جعل الغزالي هاته المسألة أحد سببين للقول بجواز التكليف بالمحال. وذهب فريق من الأشاعرة إلى أن تعلق الأمر بالفعل يكون عند المباشرة المعبر عنها عندهم أيضاً بالاستطاعة وإليه مال المصنف تبعاً للإمام وكثير من المتأخرين لأنه أنسب بقواعد الأشعري في الكسب ولأنه التزامه كون التكليف قبل الاستطاعة لا يخلو من مخالفة لأصوله وجعلوا الحاصل قبل ذلك إعلاماً وأجابوا عن إلزام عدم تحقق العصيان بأن العصيان نشأن من التلبس بالكف عن الفعل وهو أي الكف منهي عنه لأن الأمر بالفعل نهي عن ضده وهو كلام لا طائف تحته وإن زعمه البعض تحقيقاً لأنه على صورة التحقيق في إيراد عدة نقوض وأجوبة عنها ولكن بما لا يتم إذ الأمر الإلزامي الذي حاولوا التفصي من فرض عدم امتثاله هو الذي اقتضى النهي عن ضد المأمور به وكلاهما لا يحصل إلا عند المباشرة ولذلك قال التفتازاني أن هذا القول مشكل وأوشك المص أن يعترف بعدم جدواه إذ قال "ومقصودنا بهذا بيان صفة التعلق" كما سيأتي بيان كلامه. أما المعتزلة فإنهم أثبتوا قدرة كاملة للعبد على أفعاله فالمسألة عندهم هينة لأن التكليف عندهم خطاب للعبد بأن يفعل ما هو قادر على تحصيله فإن لم يمتثل كان عاصياً. إذا تقرر هذا يظهر أن المص مزج المسألتين الثانية والثالثة فصيرهما مسألة واحدة غذ جعل الحاصل قبل الملابسة أو المباشرة إعلاماً فجعل الإعلامي من الأزل إلى وقت المباشرة وحينئذ يبتدئ الإلزامي فيصدق الإعلامي على التعلق المعنوي الذي هو قبل وجود المكلف
стр. 171
ويكون أعم منه. والتحقيق خلاف ذلك لأنه لو سمي التعلق المعنوي إعلاماً لورد عليه ما ورد على أصل تقسيم الكلام في الأزل إلى أمر وغيره إذ لا فرق بين أمر بلا مأمور أو إعلام بلا معلم فيلزم في الجواب إثبات إعلام بالإعلام ويتسلل وهم قد جعلوا الإعلام من التعلق التنجيزي فلا يمكن أن يصدق على مقابله المعنوي بحال ولعل المص رأى التسوية بينهما من أجل أنه رأي الغاية من عدم وجود أحد في العالم صالح للخطاب ومن عدم وجود البعض المراد دخوله غاية واحدة وهما سواء بالنسبة لغير الموجود وماذا يفيد وجود غيره ولكن هذا لو سلمت صحته وموافقته لأصول الأشعري التي بنيت عليها المسألة فهو ينافي التقسيم الذي ذكره وتبعهم المص فما كان من حقه أن يتبعهم فيه ثم يأتي بما ينافيه على أن وجود فريق ممن يصح خطابهم يكفي لإيجاد التعلق التنجيزي للأمر الذي جعل الإعلامي نوعاً منه والدين يأتون بعدهم كأنهم صورة الفريق الماضي لأنهم خلفهم نظير ما قيل في قوله تعالى ولقد خلقناكم ثم صورناكم أي خلقنا أباكم آدم فكان خلق الأصل خلقاً لخلفه قال الغزالي "نحن الآن بطاعتنا ممتثلون أمر رسول الله ﷺ وهو معدوم على عالمنا هذا فلم يكن وجود الأمر شرطاً لكون المأمور مطيعاً ولا وجود المأمور شرطاً لكون الآمر آمراً" فما ذكره القوم في غاية المناسبة ولا ينبغي الخروج عن تحقيقهم فيه (قوله لأن كلام الله تعالى قديم الخ) تعليل لقوله بل يجوز تعلقه في الأزل بالشخص الحادث وقوله والأمر بالشيء حالة عدمه محال تعليل لقوله ولكنه لا يصير مأموراً إلا عند الملابسة لأن الكلامين متصلان في المتن وفصل بينهما الشرح (قوله في زمن ليس فيه عدمه الخ) دليل سفسطائي
стр. 172
لأن الجمع بين النقيضين إنما يظهر لو طلب من المخاطب إيقاع الفعل وعدمه في زمن واحد أعني الزمن الذي يقع فيه المأمور به والمخالف إنما يتكلم على الزمن الذي يقع فيه الأمر فإذا كان الزمن الواقع فيه الأمر مشغولاً بعدم المأمور به وكان الزمن الذي يقع فيه المأمور به مشغولاً بوجود المأمور به اختلف الزمان وانفكت جهة التناقض فلا استحالة كما يظهر بالتأمل (قوله ومقصودنا بهذا بيان صفة التعلق لا أن الملابسة شرط الخ) أي المقصود شرح حقيقة معنى التعلق الإلزامي. ويرد عليه أن المباشرة سواء كانت شرطاً أو لم تكنه لا يتحقق العصيان إلا معها لتوقف الإلزام على وجودها فإن أجاب بأن التعلق الإلزامي لا أثر له في التكليف بل محل التكليف هو الإعلامي قلنا فهو إذاً لا فائدة في إثباته مع عدم ترتب الآثار عليه إلا أن يفسر بأنه تعلق إلزام بالإتمام فهو مبدأ وجوب الاستمرار (قوله وهو عاص إذا ترك لأنه أمر أن يعمر زماناً مستقبلاً الخ) هذا الكلام لا يلاقي مذهب من يرى أن تعلق الأمر بالفعل عند وهو المباشرة الذي درج عليه المص فيما تقدم فكأنه نقض غزله هنا إذ جعل المأمور بالفعل مأموراً بتعمير زمن مستقبل بإيقاع الفعل وهذا عين مذهب من قال أن تعلق الأمر بالفعل قبل المباشرة فتأمل (قوله ونحن نقول لهم تعلقه بإيقاع الفعل حالة العدم يلزم منه اجتماع النقيض الخ) اختزل هذا الجواب من أجوبة الأشاعرة في نفي قدرة العبد على إيجاد فعله وهو لا يطابق ما هنا لأن الكلام في تعلق أمر بمأمور به فإذا كان التعلق عند عدمه لم يلزم شيء وهو الشأن إذ الانشاآت كلها للمستقبل كما هو مقرر في النحو والأصول إلا
стр. 173
صيغ العقود بخلاف تعلق القدرة بالمقدور فإذا لم يوجد معها لم تؤثر (قوله لأن تحصيل الحاصل يشترط فيه تعدد الزمان الخ) قد قرر المص اعتراض المعتزلة بما لا يلاقي هذا الجواب لأنهم أوردوا لزوم تحصيل الحاصل على تعلق الأمر بأول أزمنة الوجود حتى فيما لو كان الفعل يتقضى شيئاً ولا شك أن ذلك الجزء مأمور به لأنه جزء المأمور به فيكون مأموراً به عند إيجاده وهو تحصيل حاصل أما شرط تعدد الزمان لتحصيل الحاصل فمسلم ولكن تعلق الأمر بأول آونة المباشرة أن كان قبلها فهو ما نفاه هذا الفريق من الأشاعرة الذين فيهم المص وأن كان عند الشروع أي المباشرة فهو تحصيل الحاصل بلا شك سواء نظر إلى جملة الفعل أم إلى كل جزء من أجزائه وإن حصلا معاً وهو الذي يشير له المص في المتن امتنع تأثير أحدهما في الآخر لاستحالة الدور وهذا لا مناص عنه وهو بعينه يفرض في استمرار التعلق مع كل آن من تلك الآونة ويفرض ذلك في كل جزء من أجزاء الفعل مقارن لآن من آونة إيجاده إن كان الفعل مما يتقضى شيئاً فشيئاً أما ما يحصل دفعة واحدة كالإيمان وطلاق من أسلم عن زوجة هي أخته من الرضاع وصيغ العقود الصادرة عن أمر بإيقاعها فتحصيل الحاصل فيها أظهر. وجواب المص عنه سفسطة لأن المؤثر لا يؤثر في فعله حالة حدوثه بل قبلها بقليل على أن الكلام في تعلق الأمر لا في تعلق القدرة المنظر به وتعلق القدرة أمكن للتضييق فيه لأن أثره يحصل عقبه بدون تجزئة بخلاف تعلق الأمر فلا بد له من زمن التلقي والاستعداد وإرادة الامتثال وهذه التعسفات كافية في ترجيح قول الأشعري ﵀. والجمهوران تعلق الأمر بالفعل قبل المباشرة
стр. 174
ومظهرة لسبب تفرقهم بين تعلق القدرة بالمقدور وتعلق الأمر بالمأمور فالكسب عندهم لا يتعلق إلا عند المباشرة بخلاف الأمر. وإنما يصلح أن يكون هذا جواباً عن قول إمام الحرمين والغزالي بانقطاع توجه الأمر للمأمور عند المباشرة للفعل والإلزام تحصيل الحاصل بإيجاد الموجود وكذلك صنع التفتازاني إذا أجاب بعين ما ذكره المص فرد به كلام إمام الحرمين. هذا والظاهر أن المص توهم من تحصيل الحاصل هنا تحصيل الحاصل الذي هو من جملة المحالات وليس كذلك إذ لا ينطبق على ما هنا بل المراد من تحصيل الحاصل أن الأمر يكون عبثاً إذ المراد من الأمر الامتثال أو الابتلاء وكلاهما حاصل على تقدير المباشرة والملابسة فالأمر به حينئذ عبث وعليه فالجواب ينبغي أن يكون ببيان حكمة ما أو بمنع التزام الحكمة بل الله يفعل ما يشاء (قوله فقال كثير أن الأمر في الحقيقة إنما هو المقارن الخ) أي المقارن لوجود المكلف والوقت المطلوب وحاصل كلام القاضي عبد الوهاب أن الأمر السابق على وجود المكلف هل يسمى أمراً أم يسمى إعلاماً فقط وهذا الكلام خارج عن مسألة كون التعلق قبل المباشرة أو بعدها كما يتبين من قوله آخر كلامه "وقد أجمع المسلمون الخ" وقوله القول بالإعلام باطل لا يريد به بطلان ثبوت التعلق الإعلامي بل إنما يريد بطلان سلب الأمرية عنه واعتباره إعلاماً فقط بدليل قوله ولأنه لا يحتاج لأمر آخر فقول المص في المتن والحاصل قبل ذلك إعلام يريدانه تعلق إعلام بدليل قوله قبل "ولا تشترط مقارنته للمأمور به" أي لا يشترط في كونه أمراً وبدليل كونه أخذ كلامه من كلام القاضي عبد الوهاب المقتضي إبطال كونه إعلاماً مجرداً عن
стр. 175
الأمرية (قوله والأمر بالأمر بالشيء لا يكون أمراً بذلك الشيء الخ) هكذا فرض هاته المسألة الغزالي في المستصفى وغيره مثلما حكى المس أي أن الأمر لاحد بأن يأمر غيره بالشيء لا يعد أمراً لذلك الغير وكأنها مسألة لا طائل تحتها في الأصول إذ لا شبهة في أن الأوامر الشرعية على لسان رسول الله ﷺ أو أمر لنا فإذا عصيناها فقد عصينا الله تعالى فكيف يقول الجمهور أن الأمر بالأمر لا يعد أمراً مع شيوع التعبير بطاعة الله وعصيانه في الشرع. نعم بنوا عليها مسألة ثبوت الأجر للصبيان على الصلاة مع أن الخطاب توجه لأوليائهم ولهذا كان مذهب المالكية أن الأمر بالأمر أمر كما حكاه عنهم البناني في حواشي المحلي والمص جعل وجوب امتثال من أرسله النبي ﷺ بأمر للقرينة الدالة على أنه تبليغ إجماعاً اللهم إلا أن يكون المراد منها غير الأوامر الشرعية لأن العصيان قد يتفاوت كما في عصيان أمر قضاه النبي ﷺ ممن لم يعلم أنهم أمروا بتبليغ ما بلغوه. وليتهم فرضوا هاته المسألة بوجه آخر وهو هل الأمر بالأمر بالشيء أمر للمامار بالأمر بذلك الشيء ليظهر أثرها في أن الأصل شمول الأوامر الشرعية النبي ﷺ حتى يدل دليل على التخصيص.
стр. 176
الفصل السادس في متعلقه
سواء كان مفعول الأول أو مفعوله الثاني وهو المأمور به أو المفعول فيه فباعتبار الأول ينقسم إلى عين وكفاية وباعتبار الثاني إلى واحد ومتعدد مخير ومرتب وباعتبار الثالث إلى مضيق وموسع (فالواجب الموسع الخ) اعلم أن الأفعال من حيث هي تستلزم وقتاً لإيقاعها إلا أن الأوقات قد تستوي في نظر الشرع كأوقات الصدقات المندوبة والنوافل غير المكتوبة وقد تتعين بلا نص من الشرع لتعين حصول المقصود منها في وقت إذا قات فات المطلوب كإنقاذ الغريق وحماية الجامعة ودفن الميت وإجماع الجائع فكلها تأخذ من الوقت ما تحصل فيه وما لا يفوت بعده المطلوب منها وهذا كله موكول إلى أفهام المكلفين. وقد يتعلق مقصد الشريعة بإيقاع المأمور به في وقت دون آخر ولا يكون ذلك الوقت بديهياً علمه للمكلف فهذه الأفعال الموقتة إما أن يكون وقتها بمقدارها أو بمقدار وسائلها كصوم رمضان وصلاة المغرب عند من يراها ضيقة وهو قول مشهور في مذهب مالك ﵀ ويسمى هذا القسم بالواجب المضيق والحنفية يسمون وقته المعيار. وإما أن يكون وقتها أوسع منها كأوقات الصلوات غير المغرب وكأشهر الحج بالنسبة لإيقاع الإحرام فيها ويسمى الواجب الموسع والحنفية يسمون وقتها الظرف فأما المضيق فلا شبهة في أن إيقاعه بعد وقته قضاء وإما الموسع فإيقاعه أول الوقت وآخره ووسطه سواء كل ذلك أداء هذا قول الجمهور ونقله عياض عن مذهب مالك ﵀ ومن الشافعية من سمى الواقع آخر الوقت قضاء يسد مسد الأداء ومن
стр. 177
الحنفية من سمى الاقع أول الوقت تعجيلاً يسد مسد الأداء أو نفلاً ينوب مناب الفرض. وكل ذلك اصطلاح في مسمى الأداء والقضاء أو استعارة ولا مشاحة فيهما. والتحقيق من أقوال علماء المذاهب كلها أن الوقت كله ظرف للفعل وإنما زاد الحنفية فقالوا: أن الوقت قد يكون أيضاً سبباً كأوقات الصلوات فها هنا يحدث تناف بين الظرفية والسببية لأنه إذا قدر كل الوقت سبباً لزم أن لا يصح فعل العبادة فيه لأن سببيته لا تتقرر حتى يتم الوقت وإلا كان جزء سبب وبالأولى إن كان السبب هو آخره فإن قد أوله هو السبب لزم عدم الوجوب لمن صار أهلاً في آخر الوقت وهو الذي كملت فيه شروط الخطاب كالمغمى عليه يفيق. والحائض تطهر. فبذلك تخلصوا فقالوا: أن السبب هو الآن المتصل به الأداء أي الجزء المبهم من أجزاء الوقت فكل جزء منه صالح للسببية ولكن تقرر السببية بالفعل موقوف على اتصال الأداء كما حققه في التلويح فما حكاه المص وابن الحاجب عنهم من كون الوقت للفعل هو الآخر وما قبله نفل سد مسد الفرض غير موجود في كتبهم ولعله قول للبعض منهم وكيف يصح أن يجزئ نفل عن فرض أما قول الكرخي فهو تقييد لما حكام المص عن الحنفية.
ترجمة الكرخي
والكرخي هو عبد الله بن الحسن بن دلهم الكرخي منسوب "لكرخ جدان" بفتح الكاف وسكون الراء وضم الجيم وتشديد الدال بليدة في منتهى العراق ولد سنة ٢٦٠ ستين ومائتين وسكن بغداد وتفقه في مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ وحدث عن القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي
стр. 178
وصنف عدة تصانيف في المذهب الحنفي ومات سنة ٣٤٠ أربعين وثلاثمائة (قوله وكذلك الواجب المخير الخ) وجه المشابهة بينهما أن متعلق الأمر في الجميع قدر مشترك ففي الموسع قدر مشترك من آونة وفي الثاني من أفعال أما الواجب المرتب الذي سيذكره في الش فالمطلوب فيه معين فإذا
стр. 179
لم يتيسر يتعلق الأمر بغيره فكان التعلق بالثاني كأمر جديد (قوله ولا يثاب الخ) معطوف على الوجوب وكذلك قوله ولا يعاقب إلى آخر الأمور الخمسة (قوله ومعناها أن الحجة الشرعية الكاملة الخ) تقرير لبيان وجه الحصر فيهما وهو مدعى الجواب مع وجوب غيرهما في الحجج الشرعية وشان الحصر في لأمرين أن يمتنع غيرهما إلا إذا كان الحصر ادعائياً أو إضافياً كما هنا (قوله وأما الشاعر واليمين الخ) ولا حاجة إلى تقدير من الشهادة بل إن الشاهد المنفرد ليس بحجة وأما اليمين المنضمة إليه أو النكول فهي من مكملات الحق الذي أثبتت الشهادة تقريبه عند التقاضي والآية مسوقة للأمر بالإشهاد قبله فلا تشمل غير ما يمكن فعله قبل التقاضي وبهذا نفسه
стр. 180
ندفع ما ورد علينا في إبطال القضاء بالشاهد واليمين بسند أن الآية لم تتعرض له في مقام البيان (قوله وكذلك فرض الكفاية الخ) وجه المشابهة أن متعلق الأمر القدر المشترك في المأمورين الذي يحصل به الفعل المطلوب (قوله غير أنه لما تعذر حصول العلم في أكثر الصوار الخ) أي من كل ما لا يدخل تحت الحس والتواتر أو لم تقم عليه الدلائل فإن تصرفات الناس في هذا العالم غالبها على الظن. كما بينه عز الدين بن عبد السلام في الفصل الأول من قواعده فيكتفى بالظن بعد التثبت والاجتهاد إن كان التأمل لا يبلغ إلا أكثر من الظن كما في اشتباه الأواني وقت