Полный текст (515 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الفصل السادس في متعلقه
سواء كان مفعول الأول أو مفعوله الثاني وهو المأمور به أو المفعول فيه فباعتبار الأول ينقسم إلى عين وكفاية وباعتبار الثاني إلى واحد ومتعدد مخير ومرتب وباعتبار الثالث إلى مضيق وموسع (فالواجب الموسع الخ) اعلم أن الأفعال من حيث هي تستلزم وقتاً لإيقاعها إلا أن الأوقات قد تستوي في نظر الشرع كأوقات الصدقات المندوبة والنوافل غير المكتوبة وقد تتعين بلا نص من الشرع لتعين حصول المقصود منها في وقت إذا قات فات المطلوب كإنقاذ الغريق وحماية الجامعة ودفن الميت وإجماع الجائع فكلها تأخذ من الوقت ما تحصل فيه وما لا يفوت بعده المطلوب منها وهذا كله موكول إلى أفهام المكلفين. وقد يتعلق مقصد الشريعة بإيقاع المأمور به في وقت دون آخر ولا يكون ذلك الوقت بديهياً علمه للمكلف فهذه الأفعال الموقتة إما أن يكون وقتها بمقدارها أو بمقدار وسائلها كصوم رمضان وصلاة المغرب عند من يراها ضيقة وهو قول مشهور في مذهب مالك ﵀ ويسمى هذا القسم بالواجب المضيق والحنفية يسمون وقته المعيار. وإما أن يكون وقتها أوسع منها كأوقات الصلوات غير المغرب وكأشهر الحج بالنسبة لإيقاع الإحرام فيها ويسمى الواجب الموسع والحنفية يسمون وقتها الظرف فأما المضيق فلا شبهة في أن إيقاعه بعد وقته قضاء وإما الموسع فإيقاعه أول الوقت وآخره ووسطه سواء كل ذلك أداء هذا قول الجمهور ونقله عياض عن مذهب مالك ﵀ ومن الشافعية من سمى الواقع آخر الوقت قضاء يسد مسد الأداء ومن
стр. 177
الحنفية من سمى الاقع أول الوقت تعجيلاً يسد مسد الأداء أو نفلاً ينوب مناب الفرض. وكل ذلك اصطلاح في مسمى الأداء والقضاء أو استعارة ولا مشاحة فيهما. والتحقيق من أقوال علماء المذاهب كلها أن الوقت كله ظرف للفعل وإنما زاد الحنفية فقالوا: أن الوقت قد يكون أيضاً سبباً كأوقات الصلوات فها هنا يحدث تناف بين الظرفية والسببية لأنه إذا قدر كل الوقت سبباً لزم أن لا يصح فعل العبادة فيه لأن سببيته لا تتقرر حتى يتم الوقت وإلا كان جزء سبب وبالأولى إن كان السبب هو آخره فإن قد أوله هو السبب لزم عدم الوجوب لمن صار أهلاً في آخر الوقت وهو الذي كملت فيه شروط الخطاب كالمغمى عليه يفيق. والحائض تطهر. فبذلك تخلصوا فقالوا: أن السبب هو الآن المتصل به الأداء أي الجزء المبهم من أجزاء الوقت فكل جزء منه صالح للسببية ولكن تقرر السببية بالفعل موقوف على اتصال الأداء كما حققه في التلويح فما حكاه المص وابن الحاجب عنهم من كون الوقت للفعل هو الآخر وما قبله نفل سد مسد الفرض غير موجود في كتبهم ولعله قول للبعض منهم وكيف يصح أن يجزئ نفل عن فرض أما قول الكرخي فهو تقييد لما حكام المص عن الحنفية.
ترجمة الكرخي
والكرخي هو عبد الله بن الحسن بن دلهم الكرخي منسوب "لكرخ جدان" بفتح الكاف وسكون الراء وضم الجيم وتشديد الدال بليدة في منتهى العراق ولد سنة ٢٦٠ ستين ومائتين وسكن بغداد وتفقه في مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ وحدث عن القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي
стр. 178
وصنف عدة تصانيف في المذهب الحنفي ومات سنة ٣٤٠ أربعين وثلاثمائة (قوله وكذلك الواجب المخير الخ) وجه المشابهة بينهما أن متعلق الأمر في الجميع قدر مشترك ففي الموسع قدر مشترك من آونة وفي الثاني من أفعال أما الواجب المرتب الذي سيذكره في الش فالمطلوب فيه معين فإذا
стр. 179
لم يتيسر يتعلق الأمر بغيره فكان التعلق بالثاني كأمر جديد (قوله ولا يثاب الخ) معطوف على الوجوب وكذلك قوله ولا يعاقب إلى آخر الأمور الخمسة (قوله ومعناها أن الحجة الشرعية الكاملة الخ) تقرير لبيان وجه الحصر فيهما وهو مدعى الجواب مع وجوب غيرهما في الحجج الشرعية وشان الحصر في لأمرين أن يمتنع غيرهما إلا إذا كان الحصر ادعائياً أو إضافياً كما هنا (قوله وأما الشاعر واليمين الخ) ولا حاجة إلى تقدير من الشهادة بل إن الشاهد المنفرد ليس بحجة وأما اليمين المنضمة إليه أو النكول فهي من مكملات الحق الذي أثبتت الشهادة تقريبه عند التقاضي والآية مسوقة للأمر بالإشهاد قبله فلا تشمل غير ما يمكن فعله قبل التقاضي وبهذا نفسه
стр. 180
ندفع ما ورد علينا في إبطال القضاء بالشاهد واليمين بسند أن الآية لم تتعرض له في مقام البيان (قوله وكذلك فرض الكفاية الخ) وجه المشابهة أن متعلق الأمر القدر المشترك في المأمورين الذي يحصل به الفعل المطلوب (قوله غير أنه لما تعذر حصول العلم في أكثر الصوار الخ) أي من كل ما لا يدخل تحت الحس والتواتر أو لم تقم عليه الدلائل فإن تصرفات الناس في هذا العالم غالبها على الظن. كما بينه عز الدين بن عبد السلام في الفصل الأول من قواعده فيكتفى بالظن بعد التثبت والاجتهاد إن كان التأمل لا يبلغ إلا أكثر من الظن كما في اشتباه الأواني وقت
стр. 181
الطهارة والثياب للصلاة والجهات للقبلة على المشهور في الأخيرين. والتحقيق في الأول وهو قول ابن المواز وابن سحنون وكذلك الشك في المطلقة فيؤمر بتذكيرها وبهذا يعلم أن غلبة ظنه بكون المرأة امرأته معناه فيما إذا خطر له خاطر ضعيف بعد تحقق صفاتها وكلامها ومكانها أو خطر له صورة اليقين المستند إلى أقيسة إقناعية عند عدم خطر الشك فيها بباله فمسها بذلك كان معذوراً لتحقق سلامة قصده من الخبث وهو لمس الخطأ الذي اختار المازري أنه لا ينشر حرمة المصاهرة وألف فيه كتاب "كشف الغطا" ولابد من سقوط العقاب عنه من تحقق سلامته عن خبث المقصد بالقرائن لأن العقاب في الدنيا والآخرة يعتمد سوء المقصد لحديث "الأعمال بالنيات" فلذلك لو وطئ امرأة يعتقدها أجنبية فإذا هي امرأته يعاقب على سوء قصده ويترتب على فعله كل ما يترتب على ما يدل على ضعف الوازع من سلب العدالة عنه وولايته ولا يترتب عليه الحد لأنه لم يحصل من فعله مفسدة اختلاط الأنساب التي شرع الحد للزجر عنها وعليه في الآخرة عقاب أهل المقاصد السيئة كما أشار له العز بن عبد السلام في الفصل الرابع عشر من قواعده (قوله أو هذا الخمر جلاب الخ) الجلاب بضم الجيم وتسديد اللام ماء الورد معرب كما في القاموس وفي
стр. 182
بعض النسخ أن هذا الخمر خل (قوله وقد يباح الوضوء والتيمم من المرتبات الخ) اعترف في الشرح بأن المثال مبني على التسامح لأن التيمم لا يقع معتداً به شرعاً مع القدرة على الوضوء ومجرد التمسح لا يسمى تيمماً فالظاهر أن يمقل الركوب في الطواف فإنه بدل عن المشي وقد يجمع الحاج بينهما في طاف واحد بأن يركب ثم يبدو له فيمشي بعض أشواطه مع بقاء عذره يتجشمه (قوله فرع اختار القاضي عبد الوهاب أن الأمر المعلق على الاسم الخ) بقي على المص في بيان هاته المسألة على مختاره أنها ترجع إلى مسألة حمل المطلق على أكمل أفراده أو أقل ما يصدق عليه لأن إطلاق
стр. 183
اسم المشكك من باب الدلالة على الماهية بلا قيد فإذا أريد تقييده ببعض صوره صار مقيداً وهذا كله حيث لا دليل فأما مع الدليل فالأمر واضح مثل النهي عن المنكر في آية وينهون عن المنكر فقد دل حديث من رأى منكم منكراً فليغيره بيده الخ على وجوب الأخذ بكل ما يستطاع فيه وسيأتي لهذا مزيد بيان في موضعه أول باب المطلق والمقيد غير أن المص جزم بأن مراد القاضي عبد الوهاب بالمسألة خصوص الأسماء الكلية وأن المراد بالأخذ بأوائلها الأخذ بأقل جزئياتها وليس قصر هاته المسألة على ما ذكره المص بمتعين حتى يغلط من صورها من الفقهاء في أجزاء اسم الكل كالأوقات عند القائل بأن أول الوقت متعين في مسألة الواجب الموسع ومن صورها في أحد معنيي الاسم المشترك في معنيين متفاوتين كاليد في التيمم كما قال أبو الطاهر إذ لا مانع من شمول المسألة لصور متعددة وجريان الخلاف في جميع صورها وكيف يعمد إلى تغليط غير واحد من الفقهاء في ذلك مع صحة المراد وهذا القاضي أبو بكر بن العربي قد نزل هاته المسألة على المعنى الذي أباه المص فقال في شرح باب ما جاء في دلوك الشمس من القبس على الموطأ ما نصه "تأصيل سن مالك ﵁ في هذا الباب أصلاً من أصول الفقه وهو أن الحكم إذا تعلق باسم له أل وآخر تعلق بأوله وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافاً كثيراً وللدلوك أول وهو سقوط شمس على كبد السماء وآخر وهو الغروب فكل ما جاء من مثل أو خبر أو شعر أو قرآن يتعلق بهذه الجملة على حد ما يليق به فارقبوه وركبوه اهـ" ووازن كلامه وزان كلام أبي الطاهر في معنى اليد والمسألة تحتمل الجميع وضابطها كما أشار له القاضي عبد الوهاب
стр. 184
أن يدل الاسم على شيئين فصاعداً أحدها يزيد على الآخر إلا أن مسألة حمل المطلق على أقل ما يصدق عليه قد ذكرت في باب المطلق ومسألة حمل غير المطلق على أقل معناه لما لم يجدوا لها باباً يخصها ذكروها في باب الأوامر بعنوان كون الاسم متعلق الأمر ولو قصرنا المسألة على ما اختاره المص لم يكن لذكرها في باب الأوامر وجه فتنبه لهذا.
ترجمة أبي الطاهر
وأبو الطاهر هو الشيخ أبو الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله الذهلي من بيوت العلم والقدر ببغداد ولد سنة ٢٧٩ وتوفي سنة ٣٦٧ وكان محدث زمانه وفقيهاً بمذهب مالك وأديباً كاملاً أخذ عز ابن عبدوس وأبي إسحاق الزجاج وولي قضاء واسط وقضاء مدينة المنصور ببغداد ثم خرج لمصر ثم ولي قضاء دمشق ثم قضاء مصر وتوفي على قضائها وكان أبوه قاضياً بالبصرة وبواسط وهو من الطبقة الخامسة من المالكية (قوله وهذا باطل الخ) لأن هاته المسألة من باب الخلاف في مسمى الاسم وهو معنى قوله "إجراء أحكام الجزئيات على الأجزاء" ولأن من الأقوال فيها أنه يمسح إلى المرفقين وليس في أقوال مسألة الأخذ بأوائل الأسماء أو أواخرها قول بالأخذ بأواسطها فظهر أنهما غير أن كما أن ليس هنالك قول بمسح أطراف الاصبع خاصة.
стр. 185
الفصل السابع في وسيلته
الضمير إلى المأمور المأخوذ من الأمر والمراد أعم وهو أن وسيلة كل فعل هل يثبت لها حكمة وهل يكون طلبه مثلاً مقتضياً لطلبها أم لابد من نص خاص بها وهذا الفصل جدير بأن يذكر في المقدمات مع خطاب الوضع لأن حكم الوسيلة يشمل حكم شرط الصحة وله ارتباط بالصحة والفساد وجميع ذلك مذكور في فصل خطاب الوضع.
стр. 186
الفصل الثامن في خطاب الكفار
أي في تحقيق توجه الخطاب الشرعي إليهم وقد نبه المص في متفرق كلامه على أن المراد الخطاب بغير الإيمان للإجماع على أنهم مدعوون إليه وبغير الجهاد فغنه للمؤمنين خاصة ولا يخاطب به أهل الذمة والمراد أيضاً إخراج أصول الشريعة وهي أصول حفظ نظام العالم المعبر عنها بالكليات كحفظ النفوس ومنع الفساد والإهلاك وإن كانت أديان بعضهم تجيزها فقد منع عمرو بن العاص ﵁ قبط مصر من قربان بناتهم للنيل بإغراق أحداهن فيه كل سنة. أما ذرائع هذه الأمور التي لا يتحق إفضاؤها للمقصود كشرب الخمر ما لم يصل بهم إلى الهرج وكذا تفاريع الأحكام المخالفة لأديانهم فهي محل الخلاف إلا إذا تحاكموا فيها إلينا وإلا ما تعلق من أفعالهم فيها بواحد من المسلمين. وقد حكى المص عن الباجي أن مذهب مالك ﵀ القول بخطابهم بالفروع وكذلك ينقل كثير من المالكية عن المذهب وجعله المقري في قواعده ظاهر المذهب في القاعدة الخامسة قبل الجنائز واحتج له ابن عرفة في تفسيره بقوله تعالى كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم من سورة الأنفال ويظهر من كلام ابن رشد في عقائد مقدماته أن القولين في مذهب مالك لأنه قال ف يعرض كلامه وفي ذلك خلاف بين أهل العلم. والذي صرح به الإمام المازري في شرحه على البرهان واختاره الابياري ومال إليه المقري فيما نقله حلولو في شرح جمع الجوامع أن ظاهر مذهب مالك عدم خطابهم بالفرع وجعل غير ذلك قولة شاذة. وقال المازري هو غير
стр. 187
المشهور. وهو الذي ينثلج إليه الصدر وتساعده فروع مذهب مالك فلو كان يرى خطابهم بالفروع لا وجب حد الشرب على من سكر منهم ولوجب عند تحكامهم إلينا أن نحكم بينهم مع أن مذهبنا تخيير الحاكم في قبولهم ورفضهم لنص قوله تعالى فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ولا جرينا عليهم أحكام الزنا في أنكحتهم المجمع على فسادها في ديننا مثل نكاح الأخت عند المجوس والخالة والخال عند اليهود ولوجب إرثهم وموارثتهم وقد قال مالك في المدونة وصرح به ابن الحاجب في المختصر الفقهي أن أنحكتهم فاسدة وإنما يقررها الإسلام وهذا يؤخذ منه عدم مخاطبتهم من جهتين أولاهما أنهم لو خوطبوا بالتكاليف لكانت أنكحتهم منظوراً فيها لحالتها من صورة الصحة والفساد فلا يطلق القول بفساد كميها. ثانيتهما أن تقريرها بعد الإسلام دليل على عدم الخطاب لأنها اعتبرت كعقد جديد قارن الإسلام فلذلك اشترط في تقريرها أن تكون على صفة لو ابتدؤوها عليها لصحت كما صرح به ابن الحاجب في المختصر الفقهي من غير نظر إلى ما سبقها قبل من اختلال شروط أو طريان موانع وقد قال مالك أيضاً بعدم اعتبار طلاقهم الواقع مدة الكفر بسائر أنواعه ولا يمنع وقوعه من تقرير أنكحتهم بعد إسلامهم إذا لم يتفارق الزوج والزوجة وهذا ينافي الخطاب بالفروع وقول مالك بتخيير الكافر إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة من غير اعتبار أسبقية بعضهم على بعض دليل على أن الأولى والسادسة وغيرهما سواء ولو كانوا مخاطبين لوجب اختيار الأوائل كما قال أبو حنيفة ﵀ لأنه يرى خطابهم. فالحاصل أن فروع المذهب متوفرة على ما يقتضي عدم خطابهم بالفروع ولا أدري من
стр. 188
أين أخذ من نسب إليه عكسه ولعلهم لم ينظروا إلا لإجراء أحكام الجنايات والإتلاف وما يتعلق بالمسلمين فراراً من إطلاقهم وشأنهم ففرضوها مسألة عامة وقد احتج مثبتو خطابهم بالفروع بأدلة كثيرة لا تفيد حجة من ظواهر الآيات مثل قالوا لم نك من المصلين الذي المراد منه لم نك من أهل هذا الشأن أو أرادا جعل جميع الصفات سبباً الذي منه وكنا نكذب بيوم الدين وإلا للزم أن من لا يطعم المسكين يكون في سقر مخلداً. ومثل أهلكناهم بذنوبهم المراد منه ذنوب الكفر والفساد في الأرض. ومثل وطعامكم حل لهم المقصود منه المشاكلة والإخبار عن أصل شرائعهم. نعم قد يشهد لهؤلاء في بادي الرأي قليل من آثار صحيحة وردت في اعتبار نفع دنيوي أو ضرر أخروي على أفعال من الكفار مثل حديث عدي بن حاتم أنه سأل النبي ﷺ عن أبيه حاتم فيما صنع من الخير في الجاهلية أنه يخفف به عنه من العذاب ومثل حديث الحميرية التي تعذب لأجل هرة حبستها ونظير ذلك. وأما قوله للذي سأله عن أشياء كان يتحنث بها في الجاهلية" أسلمت على ما أسلمت عليه من خير أو شر" وكذلك قوله لعمر ﵁ في حديث البخاري لما سأله أني ندرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له "أوف بنذرك" فذلك لأن الإسلام يأتي على الأعمال فيجب سيئها ويقرر حسنها لأن خير الأعمال لا يزيده الإسلام إلا ثبوتاً إذا الإسلام إنما جاء بطلب مثل ذلك من الناس. والجواب الإجمالي عن هذا كله أن أصول فعل الخير والشر قد أعلنت الشرائع أحكامها منذ النشأة حتى تقرر
стр. 189
في الفطرة ملائماتها أو منافرتها ووصف أصحابها لذلك بالكمال أو النقص فما ورد من الجزاء أو العقاب عنها فإنما هو للأفعال التي ليست لها صورة مخصوصة وليس هي المراد من فروع الإسلام لأن فروع الإسلام هي العبادات والواجبات والمندوبات المعينة المبينة والله أعلم (قوله في خطاب الكفار بالفروع ثلاثة أقوال الخ) سيذكر في آخر المبحث قولاً بالفرق
بين المرتد وغيره وأنه رأى في بعض الكتب أن الجهاد خاص بالمؤمنين وكذلك عده ابن عرفة في تفسيره عند قوله تعالى كدأب آل فرعون قولاً رابعاً والمص هنا جعله تحريراً لمحل النزاع وهو أولى (قوله يحتمل أن يكون عند من منع أن التقرب بالفعل الخ) أي عند من منع خطابهم بالفروع فمفعول منع محذوف للقرينة وقوله أن التقرب هو خبر يكون وعند ظرف فصل به بين يكون وخبرها (قوله تعذر عليه أن يتقرب الخ) أي استحال منه استحالة لعارض كونه غير مصدق فرجعت لمسألة التكليف بالمحال لكن بالمحال لغيره لا لذاته (قوله لأجل كفرهم الخ) أي فالمانع عنده عدم التعقل لا التعذر أي عدم ظهور الفائدة كما قيل في التكيف بما لا يطاق (قوله ومنه يظهر سر الفرق بين الأوامر والنواهي الخ) أي من ظاهر احتجاجات العلماء المرجح للاحتمال الأول في دليل من منع خطاب الكفار لأن النواهي لا يتوقف تحقق مقتضاها على الامتثال لأن مقتضاها العدم بخلاف الأوامر (قوله وهذا أيضاً سر إلزام القائل بعدم التكليف الخ) أي كون ذلك دليلهم هو سبب إلزام المعارضين لهم بأن كلامهم يقتضي تعذر تكليف الدهري بالإيمان فقوله بعدم التكليف هو مقول القول وقوله
стр. 190
أن الدهري هو المفعول الثاني لإلزام (قوله وإن المحدث مكلف الخ) هذا غير وارد لأن تعليل المنع هو تعذر امتثال المكذب وليس المصلي بمكذب بالطهارة بل هو مصدق بالأمرين واجب عليه المشروط وشرطه الذي لا يتم إلا به (قوله وإذا كان هذا هو المدرك فهو مشكل الخ) أي فإطلاقه مشكل لوجوب تقيده بتعذره من الكافر الذي لا اعتقاد له بالصدق (قوله لأن الكفار أربعة أقسام الخ) مرجعها إلى أن الكفر هو الإنكار والمكابرة ويقابل ذلك الإيمان والإسلام فالإيمان هو اعتقاد القلب والإسلام هو الانقياد والإذعان وهذا هو التحقيق من الخلاف الشديد في مسماها ولا تقع النجاة من العذاب أو يخرج المرء عن وصف الكفر إلا بالأمرين (قوله هو عام فيتناول الكافر الخ) يخصص بما دل على عدم إدارة الكفار منه (قوله وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة الخ) لا حجة فيه لأنه وصفهم بالإشراك وه المومي إلى وجه بناء الخبر وهو إثبات الويل لهم ثم أعقبه بما هو من خصائصهم ومذماتهم زيادة في التنكيل وخص منها الزكاة لأن ذلك أشد أنحاء عليهم بين العرب الذين حب الكرم وفعل الخير طبع من طباعهم وهذا مثل الآية الأخرى هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون
стр. 191
فإن الهدى ثابت لمن لا ينفق ولكن أريد الثناء على المتقين بأخص أوصافهم حثاً على المداومة عليها (قوله يتناول جميع التقدم الخ) أما على وجه الجمع بدليل قوله ويخلد فيها مهاناً فلا حجة فيه وأما على وجه الكلية أي من يفعل كل واحد من ذلك فلا شك أن المعاقبة على الزنا لا تستلزم خطاب الكافر بله فلا حجة فيه أيضاً فقوله وإلا لما انتظم هذا الكلام جوابه أنه لا ينتظم إلا بترك هذا التقدير (قوله وحجة عدم الخطاب الخ) أي من جهة النقل زيادة على الحجتين المتقدمتين في طالعة الفصل من جهة العقل.
стр. 192
الباب الخامس في النواهي
الفصل الأول
تقدم في باب الأوامر وجه جمع نهي على نواهي (لوقه لأن عناية الشرع والعقلاء بدرء المفاسد أشد من عنايتهم بجلب المصالح الخ) المفسدة ما في وجوده فساد وضرر وليس في تركه نفع زائد على السلامة من ضرره والمصلحة ما في وجوده صلاح نفع وليس في تركه ضرر زائد على فقدان صلاحه ولا شك أن دفع الضرر والسلامة من الألم قبل جلب النفع والملائم عند كل مدرك حتى الحيوان فيما يدركه فإذا كان في شيء ضرر وفي تركه نفع أو بالعكس فهو مصلحة ومفسدة باعتبارين وطرف درء المفسدة هو المقدم أبداً (قوله والنهي يعتمد المفاسد الخ) إشارة إلى أنهما وإن كانا متلازمين إلا أن اختيار أحدهما في بعض الأفعال والآخر في بعض آخر سببه هو النظر للمقصدة الأولى
стр. 193
من الفعل فإن كان مفسدة ورد النهي عنه دون الأمر بتركه وإن كان مصلحة ورد الأمر به دون النهي عن ضده فلذلك كان النهي مظنة لكون مورده مفسدة وهو مبنى القول بالتفرقة في مجمليهما (قوله قلت للشيخ عز الدين بن عبد السلام الخ) إيراد قوي والقصد منه خفاء استقامة هذا القول مع أن الإمام ممن ارتضاه وجواب العز بن عبد السلام حاصله أن المنظور إليه في الخلاف هو مدلول صيغة النهي بحسب الوضع هل هو الانكفافان المتعددة في جميع الأزمان التي تسعها أم هو انكفاف واحد في الأزمنة كلها والمئال واحد والعصيان محقق في كل زمان فيندفع الفساد اللازم لهذا المذهب من اقتضائه تحقق امتثال النهي بترك واحد في زمن ما وهو جواب مشكل لأن بين كون الانكفاف واحداً وبين كونه في أزمنة متعددة تنافياً واضحاً لأنه إن كان المراد انكفافاً واحداً موسعاً يأتي به المكلف في أي وقت شاء من أزمنة عمره لم يندفع الإشكال المبني على أن ما من عاص إلا وهو منكف في زمن ما وإن كان المراد تعدد الانكفاف بتعدد الزمان فهو مناف لكونه انكفافاً واحداً ومخالف لقصد التفرقة بين المذهبين وإلى نحو هذا أشار المص في التوجيه الأول من وجهي الاعتراض ولأن أصحاب هذا المذهب صرحوا بما يقتضي أنهم لا يعنون من عدم التكرار إلا عدم دلالته على تعدد الكف في الأزمنة المتعددة بل يدل على كف واحد في زمن ما فلا يقرر مذهبهم بما يخالف صرائح أقوالهم كما أشار له في الوجه الثاني فالظاهر أنه أراد مدلول صيغة النهي كف واحد لأن النهي يقتضي كفالا كاقتضاء الأمر فعلاً والكل إنما يدل وضعاً على الماهية لكن
стр. 194
الأمر لما اقتضى الإيجاب حصل المطلوب منه بالفعلة الواحدة والنهي لما اقتضى الإعدام كان الفرد المبهم أعني الذي تتحقق فيه الماهية داخلاً في حيز العدم فعرض له العموم وهو معنى عموم الأزمان التزاماً كما قال الذين ادعوا أن عموم النكرة في سياق النفي بالالتزام لا بالوضع إلا أن تمثيله بأكرم رجلاً في جميع الأيام بعيد عن هذا. اللهم إلا يكون ذلك تصويراً لكيفية وقوع مطلق في عام لا لموضوع المسألة (قوله والذي أراه في دفع هذا الإشكال العظيم الخ) حاصله أن النهي لمطلق الترك ومطلق الترك متردد بين كونه في كل زمان وكونه في زمن معين فإذا تعذر أحد النوعين تعين الآخر فمتى وجد دليل على التعيين أو الاستغراق حمل عليه وإلا فهو مجمل هذا حاصله مع بيانه. وأنت ترى أنه لا يغني عن هذا المذهب من التأييد شيئاً لأن الخلاف في غير ما قامت عليه القرينة فأصحاب هذا المذهب يرونه موضعاً للقدر المشترك كما صرح
стр. 195
به المص وغير واحد وهو مطلق الترك فلا يقتضي التكرار ولا عدمه والمص يعده مشتركاً مجملاً كما يستلزمه تقريره عند الكشف عن تطويله وشتان بين الأمرين القدر المشترك واللفظ المشترك فإن الأول كلي والثاني جزئي مكرر الوضع ولا تنس أن المص قابل لبينهما في عد المذاهب في مقتضى صيغة الأمر فتذكره على أنه يقتضي أن أكثر النواهي وهي عرية عن القرائن مجملات غير مبينة إذ لم يحفظ بيانها وبقاء المجمل غير مبين لا يصح على أنه يقتضي كثرة المجملات في الشريعة مع أن كثيراً من العلماء ينكر وقوع المجمل أصلاً في الكتاب والسنة فكيف نجعل غالب النواهي منها. فالوجه الاعتماد على الجواب الذي قدمناه (قوله عند أبي هاشم الخ) هو عبد السلام بن أبي علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بحاء مهملة مضمومة ابن ابان الجباءي مولى عثمان بن عفان كان شيخ المعتزلة ولد سنة ٢٧٧ سبع وسبعين ومايتين وتوفي سنة ٣٢١ أحد وعشرين وثلاثمائة ببغداد ودفن بمقابل الخيزران في باب البستان
стр. 196
من الجانب الشرقي وله كتب كثيرة في الكلام ووالده شيخ المعتزلة أبو علي الجباءي كذا ذكره الخطيب في تاريخ بغداد.
الفصل الثاني في أقسامه
(قوله وإذا تعلق بأشياء الخ) أي كان النهي متعلقاً بأشياء هي متعلق متعلقه لأنه قد قدم أن متعلقه فعل ضد المنهي عنه وذكر هنا أربعة أقسام سلك فيها طريقة التفرقة بين معاني العبارات المتشابهة على عادته ﵀ في الاحتفال بمثل ذلك في كتبه فأتى بأربع عبارات كل اثنتين منها متشابهتان لفظاً مختلفتان معنى. وحاصلها أن المتعلق إما أن يكون واحداً أي تكون الذات التي وقع النهي عنها واحدة وهو قسم. وإما أن يكون متعدداً يتعلق بذوات قال المص وهذا إما على الجمع ومعناه أن يكون النهي عنها على الجمع أي متمكناً من الجمع فعلى هنا للاستعلاء المجازي كما في على هدى من ربهم وهي ظرف مستقر حال من النهي المقدر بعد أما أو خبر لكان المحذوفة مع اسمها وهي النهي ومعنى تعلق النهي على الجمع أن النهي موصوف بكونه مع الجمع أي الجمع في النهي فكل من
стр. 197
الأشياء منهي عنه. وإما عن الجمع بلفظ عن عوضاً عن على في القسم الذي قبله أي المنهي عنه الجمع فعن هنا ظرف لغو معدية النهي للمنهي وهو ظاهر فالشيئان إنما ينهى عن جمعهما فهو لبيان الأمر الإضافي المنهي عنه. وإما على البدل أي يكون النهي متلبساً بكونه على البدل أي متمكناً من البدل ولا شك أن المراد بالبدل المعنى الاصطلاحي وهو الذي ينسب إليه العموم البدلي أعني ثبوت شيء عند عدم شيء آخر والأولى تمثيله بما مثل به صاحب جمع الجوامع وهو النعلان نهي عن لبس إحداهما مع نزع الأخرى فهما متعلق النهي لكن النهي متسلط على البدل أي لا يصح وجود إحداهما عند عدم الأخرى بل إما أن يلبسا أو ينزعا وتمثيل المص بالأم وابنتها غير مناسب لأن المنهي عنه واحدة فقط إذاً المنهي عنه هو الأم عند التزوج بالبنت أو البنت عند التزوج بالأم فالتزوج بإحداها سبب للنهي عن الأخرى وليس المتزوج بها منهياً عنها كما يظهر بالتأمل. فإن قلت أن النهي عن جنس أم وبنت فلا يصح جعل إحداهما زوجة بدلاً من الأخرى وليس النهي عن أم بعينها أو بنت بعينها قلت إنما كان النهي لقوة الحرمة فرجع إلى النهي عن الجمع وإنما نزل فقدها بعد كونها زوجة منزلة وجودها اعتداداً باستمرار الوجد فهي من التقديرات الشرعية نظراً إلى أن شدة الحرمة بينهما والصلة لا تنعدم بعد انعدام الذات (قوله والنهي على البدل يرجع إلى النهي عن الجمع الخ) أي يؤول غليه لا أنه قسم منه كما يتوهم وهذا إنما قضى به المثال لأن النظر في النهي عن الأم والبنت أولاً وبالذات للجمع ثم استصحب ذلك بعد عدم إحداهما لشدة الصلة ولو مثل بالنعلين لظهر أنهما قسمان متباينان إذ ليس في النعلين
стр. 198
نهي عن الجمع ولا عن الرفع بل عن البدلية أي لا يلبس إحداهما دون الأخرى (قوله كجعل التصدق بدرهم بدلاً عن الصلاة الخ) أخذ البدل بالمعنى اللغوي ولا يصح ذلك في المثال السابق والأولى تمثيل هذا القسم بالأم وابنتها لأن النهي فيه عن الجمع من جهة وعن البدل من جهة أي عن تزوج إحداهما عند عدم الأخرى أما مثال يصلح للنهي عن البدل فقط دون الجمع فلا وجد له فيما رأيت ولعل هذا القسم والقسم الثالث سواء لأن النهي سواء كان على البدل أم عن البدل يقتضي أن لا يفعل شيء عند عدم غيره هذا حاصل هذا الفصل وفي نسخ الشرح هنا تحريف حير المشتغلين بكتابة، وصرف كثيراً منهم عن صوابه.
الفصل الثالث في لازمه
ذكر فيه أشهر لوازمه وهو أنه هل يقتضي الفساد للمنهي عنه بحيث لا ينعقد ما اشتمل على شيء منهي عنه أم لا ونقل عن مذهبنا اقتضاءه للفساد وهو كذلك قال ابن الحاجب في البيوع من المختصر الفرعي "والمذهب أن النهي يدل على الفساد إلا بدليل" ولم يعرف فيها خلاف بين المالكية إلا ما ذكر الشيخ ابن عبد السلام في شرحه مختصر ابن الحاجب عن ابن مسلمة إمضاء ما اشتمل على فساد مختلف فيه يرى مخالنا من العلماء عدم فساده وينبغي تخصيص قول ابن مسلمة بمسائل المعاملات التي يراعى فيها الخلاف أما العبادات فالنهي فيها يدل على الفساد إن كان لداخل في العبادة أو لخارج من لوازمها مثل أوقات النهي فلا تصح ولا يثاب عليها كما قدمناه عن ابن رشد وعن هذا الأصل ترتبت البيوع الفاسدة
стр. 199
المعقود لها كتاب خاص من المدونة أما ما دل الدليل على عدم فساده فالعمل على دليله مثل تلقي السلع فإنه منهي عنه وهو ماض وكذا التفريق بين الأم وولدها في البيع فهو فاسد فإذا طرأ عليه الجمع بينهما مضى وكذا البيع على شرط البراءة في غير الرقيق وفي غير بيع الحاكم فإن البيع يقرر ويبطل الشرط واعلم أن محل الخلاف في أن النهي هل يقتضي الفساد إنما هو في هل يقتضي فساد مقارنة المشتمل عليه كالغصب الذي اشتملت عليه الصلاة والشرط الذي اشتمل عليه البيع أما الشيء المنهي عنه فلا خلاف في فساده وعدم إجزائه فإذا كان جزء عبادة أو معاملة
стр. 200
فلا خلاف في فساد الماهية التي هو جزءها وذلك كالركعة المختلة من الصلاة وكون الثمن خمراً في البيع وكون الزوجة محرماً في النكاح لأن ذلك الفساد لاختلاف جزء الماهية والمعدوم شرعاً كالمعدوم حساً وكذا ما ختلت شروطه كصلاة بلا طهارة ونكاح بلا مهر إنما الخلاف في اشتمال العبادة أو العقد على مقارن منهي عنه كالأرض المغصوبة للصلاة والشرط للبيع والدرهم الثاني في بيع درهم بدرهمين فمذهبنا أنه يقتضي فساد المقارن ومذهب الحنفية أنه إن كان المنهي عنه مقارناً لكنه داخل في الماهية أي مخالط لها أفاد الفساد مع الملك الخبيث أي أن آثاره التي نشأت عنه من قبل الاطلاع عليه أو الحكم بفسخه صحيحة كبيع الأمة بلا مواضعة فيلحق به الولد ولكن يجب فسخه وإن كان المنهي عنه مقارناً خارجاً يمكن فصله كالدرهم الزائد في الربا والشرط الحرام في البيع فلا يقتضي الفساد بل إنما يفسخ الزائد. وقد تقدم ما يرجع إلى أدلة مذهبنا وإلى تحقيق مذهب الحنفية وبيان من طرد أصله وأن تصحيح
стр. 201
البيوع الفاسدة عند طريان مفتوت ليس من مناقضة الأصل ولا من مراعاة الخلاف في الفصل الرابع عشر من الباب الأول مفصلة فارجع إلى جميعها هناك.
الباب السادس في العمومات
ترك المص هنا تعريف العام لأنه ذكره في الفصل السادس من الباب الأول وقد قدمنا هناك ما اقتضاه المقام من التفرقة بين العام والكلي وتركنا التعرض إلى الخوض في تحقيق تعريف المص إلى هنا لأن هذا مظنته سوى أننا أشرنا إشارة إلى شيء من تحقيق التعريف وإذ قد أفضت النوبة الآن إليه فلا علينا إن لم يذكر شيء من كلام المصنف. اعلم أن المص اخترع تعريفاً للعام بقوله "الموضوع لمعنى كلي بقيد تتبعه في محاله" فخرج بقوله لمعنى كلي المشترك اللفظي لأنه موضوع لأكثر من معنى وخرج بقوله بقيد تتبعه في محاله المطلق والنكرات لأنها موضوعة لمعان كلية بلا قيد فيكفي في إطلاقها صدقها على بعض ما تدل عليه. ويرد على هذا التعريف أنه إن أراد بالموضوع ما هو المتبادر من معنى الوضع أعني الوضع العيني الحقيقي وهو جعل المعين دليلاً على المعنى المعين فسد التعريف لأن صيغ العموم قضايا لا مفردات والعموم عارض للألفاظ عند استعمالها واتصالها بأداة من أدوات العموم وليس هو من مدلولات الألفاظ الموضوعة هي لها والقضايا ليست موضوعة بل معناها حاصل من الإسناد فإن صيغ العموم تحصل من اجتماع جنس مدخول لكلمة تدل على الإحاطة فالمعنى الكلي مستفاد من اسم الجنس وقيد
стр. 202
التتبع مستفاد من أداة الإحاطة فلا يصح أن يدعي كون اللفظ موضوعاً لمعنى بقيد التتبع لظهور أن الدال على المعنى غير الدال على القيد. وإن أراد من قوله الموضوع الوضع النوعي وهو وضع المركبات صح التعريف في الجملة إلا أن هذا الإطلاق مجاز غير مشهور ولا قرينة عليه وذلك خلل في الحد على ما في ذكر الوضع بقيد من توهم كون الموضوع لفظاً واحداً وهو خلاف الواقع ولكن العذر للمصنف فإن الحدود التي ذكرها من قبله مدخولة وأقر بها للاستقامة حد أبي الحسين البصري وهو قوله "اللفظ المستغرق لما يصلح له) ومراده أن اللفظ المفرد وهو اسم الجنس يصير مستغرقاً لما يصلح له أي لما يدل عليه من الإفراد ويصلح لأن يشمله على سبيل البديلة إذا الصلوحية هي الدلالة على جميع الأفراد على سبيل البدلية وهي معنى المطلق كما أشار له المص في أول الباب الثاني من كتاب العقد المنظوم ولفظ الصلوحية يفهم منه عدم التناول بالفعل لجميع الأفراد قبل دخول أداة العموم فيندفع ما أورده عليه ابن الحاجب في المختصر والمص في العقد المنظوم من أنه غير مانع لصدقه على أسماء الأعداد لشمولها كل ما تصلح له وهو إيراد ناشئ عن عدم ظهور مراد أبي الحسين من قوله يصلح واختياره له دون أن يقول يدل الآن العشرة وضعت من أول الأمر للآحاد المعروفة فهي تتناول جميعها كلما أطلقت لأن تناولها وضعي كدلالة المركب على جملة أجزائه وليس ذلك محتاجاً إلى دخول أداة عليها ولا هي دالة على فرد مبهم من الآحاد على وجه البدلية فلا يسمى ذلك استغراقاً ولا صلوحية كما يتضح بمزيد التأمل نعم إن تعريف أبي الحسن غير ظاهر في مراده. وعرف الغزالي العام بقوله "اللفظ
стр. 203
الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعداً" فاحترز بالواحد عن نحو ضرب زيد عمراً من المركبات الدالة على أمرين وبقوله الدال من جهة واحدة عن المشترك لأنه يدل على أكثر من شيء بوضعين وبأكثر من جهة وقوله فصاعداً أتى به لتحقيق معنى العموم والظاهر أنه قصد به إخراج المثنى أيضاً. ويرد عليه أموراً أحدها قال ابن الحاجب: يخرج عنه الموصولات مع صلاتها لأنها ليست لفظاً واحداً. ثانيها قال يدخل فيه المثنى والمعهود والنكرة. ثالثها أقول: يرد عليه أن وصف لفظ العموم بكونه دالاً يقتضي كون العموم مستفاداً من الصيغة وضعاً إذ الدلالة هي فهم المعنى من اللفظ وضعاً وليس الاستغراق كذلك لأنه لا مطابقة لا تضمن ولا التزام بل هو مستفاد من تركيب اسم الجنس مع أداة الإحاطة والاستفادة أعم من الدلالة إذ الدلالة من أوصاف المفردات بحسب الوضع والاستفادة كل ما يستفاد من الكلام وضعاً أو عرفاً أو عقلاً صراحة أو تعريضاً في المفردات والمركبات فإن تعريق الإكرام على المجيء في قولك إن جاء زيداً أكرمته مستفاد وليس مدلولاً فلعل ذكر الغزالي لكلمة الدال مبني على ما بني عليه المص والإمام من كون العموم موضوعاً وهو تسامح شائع. واختار الإمام في المحصول تعريفين أولهما تعريف أبي الحسين وزاد عليه "بحسب وضع واحد" فيرد عليه ما أوردناه على المص في دعوى كون العموم موضعاً وثانيهما مقتضب من تعريف الغزالي وهو "اللفظ الدال على شيئين فصاعداً من غير حصر" وهو يشمل الجموع. ويرد عليه ما ورد على الغزالي في كلمة الدال. واختار ابن الحاجب في تعريفه "ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه
стр. 204
مطلقاً ضربة" فأخرج بقوله باعتبار أمر أسماء الأعداد وبقوله مطلقاً المعهود لاحتياجه إلى العهد وبقوله ضربه أخرج دلالة النكرة على الإفراد على سبيل البدل والصلوحية ويرد عليه أنه لا يشمل ما دل على مسميين وبأن ما التي وقعت في التعريف مجهولة الما صدق فإن صدقت على اللفظ يرد عليه ما ورد على الغزالي من إطلاق الدلالة على الاستفادة وإن صدقت على قضية صح لكن فيه استعمال المجهول في التعريف. وتحقيق هذا المقام أن البحث في العام عن ثلاثة أمور العموم. واللفظ المستغرق وهو العام. والصيغ الدالة على العموم في ذلك اللفظ. فأما الأول فهو شمول جميع ما يصلح اسم الجنس للدلالة عليه بحيث لا يبقى فرد من مدلوله لأن العموم في اللغة الإحاطة والشمول تقول عممت الناس بالكرم. والثاني هو اسم الجنس الذي صار شاملاً لجميع أفراده نصاً لانضمامه إلى ما يدل على الشمول وضعاً واستعمالاً فالاسم هو معروض العموم ومتعلقه على وزان متعلق معنى الحرف مع الحرف. والثالث هو القضية الدالة على ثبوت حكم محمولها لسائر الأفراد الدال هو عليها فرداً فرداً. فإذا تقرر هذا ظهر أن أبا الحسين والغزالي والبقية قصدوا إلى التعريف الثاني وهو اللفظ الذي عرض له العموم وزاد الغزالي والإمام والمص فأوهموا أن هذا اللفظ موضوع للعموم. وهمة الأصولي لا ينبغي أن تنصرف إلا لبيان معنى العموم لأنه معنى يعرض للألفاظ كما يعرض لها مفهوم المخالفة أو لبيان صيغة التنبيه على مواقعه كما ينبه على مواقع المفهوم فأما الاشتغال بتعريف اللفظ العام فقليل الأهمية لأنه ليس قسماً مستقلاً من الألفاظ بمعناه بل عمومه يحصل له من غيره وهو الصيغة فليس هو مثل المجمل مثلاً إذ المجمل يعرض له
стр. 205
الإجمال من تلقاء دلالته على المعنى لا بواسطة غيره لا سيما إذا انضم إلى بحثهم هذا ما يوهم أن العام ضرب من ضروب الألفاظ ي الوضع كما فعل المص وغيره حتى احتاج كثير ممن تمشي في وهمه هذا إلى البحث عن التفرقة بين المقدار الموضوع له العام والموضوع له الكلي والموضوع له المشترك كما قدمه المص في الباب الأول وحتى أولع المشتغلون بهذا العلم بعدهم بهاته التفرقة والتساؤل عن ألفاظ العموم ومع ذلك يمر عليهم قول العلماء "العموم من عوارض الألفاظ" وقولهم "مدلول العام كلية لا كلي ولا كل" فلا يعبأون بها أكثر مما تلوكها ألسنتهم ولا تنفتح لها أفئدتهم.
الفصل الأول في أدواته
أراد من الأدوات الصيغ لأنها أعم لأن من الصيغ مالا يحصل بأداة بل بالعرف كالفحوى أو بالعقل كترتيب الحكم على الوصف. ثم إن صيغ العموم إنهاها المص في الباب الثاني عشر من العقد المنظوم إلى مأيتين وخمسين صيغة بما لا يخلو عن ترادف أو تداخل وأرجعها في الفصل الثاني من الباب الرابع عشر منه ثلاثة عشر قسماً استفهامات. وتأكيدات. ومحليات بال. ومنفيات. وشروط. وأخبار مثبتة. وظروف. وأعداد معدولة مثل سداس. ونواهي. وأوامر معدولة مثل تراك ومناع. وأسماء أفعال أمرز ونهي. وما نقله العرف للعموم (قوله ومعنى قولي فيه نظر أن من وما أيضاً لا يفيدان العموم إلا بإضافة لفظ آخر الخ) قد يجاب عن الإمام بأ، قوله "وهي إما أن تكون موضوعة" يريد منه أن قسماً من أدوات
стр. 206
العموم وضعه الواضع ليدل بذاته على الإحاطة والاستغراق نحو كل وجميع وأيان وأينما وقسماً صادر إلا على العموم بضمة شيء غليه مثل من وما في الشرط والأسماء الموصولة مع الصلة فعمومها من جهة الاستعمال مثل النكرة في سياق النفي ولا شبهة أن القسم الأول محتاج أيضاً لمتعلق يظهر فيه معنى العموم شأن سائر الأدوات والمص نظر إلى احتياج كلا القسمين لشيء معه ليفيد معنى العموم فبنى على ذلك بحثه في كلام الإمام والحق أن كلام الإمام أدق فتأمل (قوله واما من وما فاشترط الإمام فخر الدين أن يكونا في الشرط الخ) سيأتي الكلام على حكمهما في الاستفهام. وأما الشرطيتان فللعموم أما الموصولتان فهما من المعارف والمعارف جزءية ولكن عرض العموم لمدلول الصلة لأن المراد منهما مع الصلة كل من ثبت له حكم الصلة نحو من سرق وجب قطعة والشرطيتان مأخوذتان من الموصولتين لأن الشرط عبارة عن عرض التعليق لأدوات الاستفهام والموصولية ولهذا اشترك الشرط والموصول في أحكام وكان الخيار للمتكلم في الجزم وعدمه على التقديرين فالعموم مع الشرط عارض من جهة التعليق على مضمون الجملة ألا ترى أنه لو أريد بالصلة أو الشرط معين نحو من جاءك بالأمس رجل عالم ومن يأتك من عندي فادفع إليه لم يكن ثم عموم. فالحاصل أن العموم من عوارض التراكيب لا من معاني المفردات
стр. 207
(قوله فيه إشكال من جهة أن لام التعريف الخ) حاصل الأشكال أن المفرد يدل على الجنس مطلقاً لأن الأفراد ليس حالة وجودية اللفظ بل هو حالة عدمية أي كون اللفظ غير مثنى ولا مجموع فإذا دخل عليه حرف الاستغراق دل على استغراق الجنس فرداً فرداً وأما الجمع فحالة وجودية للفظ فإذا دخل عليه حرف الاستغراق أفاد شمول الجنس لكن بقيد الجمعية أي شمول جموع الجنس إلا أن هذا إن وقع في حيز الإثبات كان مئاله إلى معنى استغراق المفرد لأن شمول الجموع يتضمن شمول مفرداتها إذ الجموع إنما تتكون من الأفراد فيدل الجمع المستغرق على استغراق الآحاد بالتضمين كما أشار له في المطول وأما إذ وقع في حيز النفي أو النهي فهو محل الإشكال كما صرح به المص لأن نفي الجموع والنهي عنها الذي هو ملحق بالنفي لا يستلزم نفي الآحاد فكيف حكوا دلالته على الاستغراق إذا تعرف بأل ووقع بعد النفي وهل هذا الإطلاق في حكايتهم صحيح أم يجب تقيده. وحاصل الجواب الذي أشار له المص أن إطلاق الايمة صحيح بدليل ما صرح به صاحب الكشاف في قوله تعالى والله يحب المحسنين وقوله تعالى ولا تكن للخائنين خصيما ودلالته على ذلك ليس بالوضع المطابقي لما علمت من أن التركيب لا يقتضي ذلك ولا بالتضمن ولا بالالتزام لانتفاء جميع ذلك ولكن الجمع المعرف بأل الاستغراقية استعمل مع النفي في معنى المفرد مجازاً بالإطلاق والتقييد وال هي القرينة وشاع ذلك في لسانهم حتى صار حقيقة عرفية وهذا معنى قولهم أن أل الاستغراقية إذا دخلت على جمع أبطلت منه معنى الجمعية الدليل على ذلك تتبع موارد استعمالهم وبهذا يندفع توهم صاحب
стр. 208
المفتاح وصاحب التلخيص أن استغراق المفرد مع أل أشمل من استغراق الجمع وخيله لهما النظر إلى ما تقتضيه معاني التركيب بحسب الوضع الحقيقي دون الاستعمالي العري في سائر المقامات الخطابية مع النظر أيضاً إلى أن المفرد المعرف بأل إذا أريد به بعض الجنس دون الاستغراق صح أن يبلغ بالبعض فيه إلى الواحد كما في قوله تعالى وأخاف أن يأكله الذئب دون الجمع المعرف فلا يصح أن يبلغ به إلا إلى أقل الجمع إلا عند التجوز كما في قولهم فلان يركب الخيل وإنما يركب واحداً وقد صرح صاحب الكشاف بأنه مجاز ونظره بقولهم بنو فلان قتلوا زيداً وإنما قتله واحد منهم فظن صاحب الفتاح وملخصه أن ذلك أيضاً ثابت في حالة إرادة الاستغراق هذا خلاصة هذا المبحث المعدود من مشكلات مسائل البلاغة (قوله والمعلق عليها مطلق الخ) أي عرفا وهذه القاعدة أخت القاعدة التي تقدمت عن العز بن عبد السلام في مبحث اقتضاء النهي التكرار وقد بينها المص في المسألة الخامسة من الفرق الرابع
стр. 209
(قوله وأما النكرة في سياق النفي فهي من العجائب الخ) نقض المص دعوى كلية عموم النكرة في سياق النفي بتصريح النحاة بسلب العموم عن بعض النكرات في سياق النفي وذكر على ذلك ثلاثة شواهد الأول النكرة المعمولة للا اخت ليس. الثاني كل الواقعة في حيز النفي وهي نكرة إذ لا تتعرف. الثالث زيادة من عند قصد التعميم فلو كان العموم مستفاداً من النفي ما احتيج إلى زيادة من ثم جزم بأن مراد الأصوليين خصوص النكرات العامة نحو أحد وعريب وديار. ويجاب: بأن الأصوليين ما قصدوا أن النكرة حيثما وقعت في سياق النفي عمت كما أنهم لم يريدوا قصر ذلك على النكرات التي عدها المص بل أرادوا أن النكرة في سياق النفي يعرض لها العموم غالباً فأطلقوا عبارتهم لأجل الأغلبية (قوله إذا قلت لا رجل في الدار بالرفع لا تعم الخ) أي لا تكون نصاً ف العموم إلا أنهم صرحوا بأنها ظاهرة في العموم لكن تحتمل نفي الوحدة احتمالاً ضعيفاً لأن استعمال النكرة في الوحدة دون الجنس مجاز غير مشهور إذ الاسم يدل على معناه المأخوذ من مادته وإذا حكم عليه فالمقصود الحكم على ذلك المعنى. وأما دلالته على الوحدة فهو من باب دلالة عدم وجود علامة تثنية أو جمع على أنه باق على الوحدة لأن التحقيق أن الأفراد ليس مقصوداً من وضع الصيغة بل استفيد من عدم وجود علامة تثنية أو جمع وليس هو كدلالة صيغة الفعل على زمانه لأن صيغة الفعل مقصودة بالوضع لذلك إذ الزمان جزء من مفهومه لا يعقل إلا به وحروف الحدث ركبت على الهيئة المخصوصة للدلالة على الحدث. والزمان المخصوص فمن لطائف الوضع جعل اللفظ المركب من حدث وهيئة دالاً على المعنى المركب من الحدث
стр. 210
والزمان فهو لفظ مفرد دال على ماهية بقيد كما يدل لفظ رجل على الإنسانية بقيد الذكورة. أو لفظ زيد على الإنسانية بقيد التشخيص بخلاف الوحدة في النكرة فقد يعقل معنى الاسم ولا يخطر بالبال كونه واحداً ولأن الوحدة لو كانت مقصودة بالوضع لوضعت صيغة تدل على التثنية والجمع وليس كذلك إذ هما مستفادان من العلامة التي تزاد على الاسم ويجوز العدول عنها إلى غيرها من العطف أو التصريح بكلمة جمع واثنين أو نحو ذلك فلم تنحصر الدلالة فهيا بخلاف دلالة الصيغة على زمن الفعل. إذا تقرر هذا فإذا قصد من الصيغة الافراد كان استعمالا للفظ في غير ما وضع له لأنه إن ريد منه حينئذ الصيغة مع أصل المعنى ففيه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ولذلك كان هذا القصد قليل في كلامهم ومحتاجاً للقرائن فلا ينافي وجود هذا الاحتمال عدها في صيغ العموم فسموا لا اخت ليس نافية للجنس على سبيل الظهور لقصد بيان أرجحية لا التبرئة عليها وكلام النحاة لا يجافي هذا ولم نجد منهم من قال أنك إذا رفعت لا تعم بل قالوا لا يكون نصاً ولا يلزم أن يكون العام كله نصاً بل منه نص وظاهر فدعوى أنها في حالة الرفع للافراد مردودة. فإن قلت النكرة في الإثبات لا تعم إلا قليلاً في نحو تمرة خير من جرادة فهي في الإثبات مستعملة في الافراد لا محالة فكيف ندعي أنها غير موضعة للافراد ودعوى أن ذلك كله مجاز غلو لأن المجاز لا يكون أكثر من الحقيقة. قلت لا بد أن يكون معناها في الإثبات هو معناها في النفي ولما كان عمومها في النفي دليلاً على أن المراد منها الجنس فهي في الإثبات أيضاً للجنس إنما لما كان إثبات الجنس صادقاً بوجود فرد واحد حمل عند الإطلاق على القدر المحقق وهو الفرد الواحد
стр. 211
وجعل غيره محتاجاً للدليل فهو من قبيل المطلق في اصطلاح الأصوليين وليس قيد الوحدة موضوعاً له حتى يكون حقيقته فيه. ولهذا يعرض له العموم بالقرينة المعينة لتقيده نحو "تمرة خير من جرادة" وقول الحر يرى "يا أهل ذا المغنى وقيتم ضرا" وقد ذهبت جماعة إلى أن النكرة موضوعة للفرد المبهم فهي في الإثبات واضحة وفي النفي إنما عمت لأن نفي الفرد المبهم يستلزم نفي جميع الأفراد إذ لو ثبتت فرد لما صدق أننا نفينا الفرد المبهم وهذا لا يتم لأنه إن كان المراد من الفرد المبهم واحداً من الجنس لا بعينه فلا يدل نفيه على نفي جميع الأفراد لصديق نفيه في حال انتفاء فرد أو فردين وبقاء الباقي إنما غاية الأمر يجب أن لا يكون المنفي معيناً بالقصد غليه وقت النفي. وإن أريد بالفرد المبهم المعنى الشائع في الأفراد آل إلى دلالتها على الماهية من حيث هي فلا تتم دلالتها على فرد واحد في الإثبات فتدبر في هذا المقام فهو من المزالق (قوله وكذلك سلب الحكم عن العموم كقولك ما كل عدد زوج الخ) أي بناء على قولهم إن كلا لتوغلها في الإبهام لا تتعرف لا سيما إذا كانت مضافة لنكرة والجواب: إن كلا نكرة تدل على معنى الكلية فإذا نفيت انتفى ذلك المعنى كله على وجه العموم فإذا قلت: ما كل عدد زوج فإنما نفيت الزوجية عن العدد بوصف الكلية فبقيت بعضيته لم تتعرض لها لأن النفي وإن كان يتوجه إلى المحمول إلا أن كلا تشبه المحمول لما فيها من الحكم فكأن المحمول معها تنوسي وصارت هي المقصود ولذلك إذا قلت: ما كل بقضاء درة فهم أن بعض البيضاء درة لأن النفي توجه لكل وهذا حكمها حيثما وقعت في حيز النفي فالذي لم يعم في قولهم: ما كل عدد زوج هو عدد
стр. 212
وليس هو الواقع في حيز النفي لأنه جيء به لتخصيص كل وبيان نوعها بل الواقع في حيز النفي هو كل وقد رأيت أنها منفية على وجه العموم أما لو وقعت كل قبل النفي فتعتبر هي داخلة عليه وحاكمة بعمومه.
ترجمة ابن السيد
وابن السيد هو عبد الله بن محمد بن السيد (بكسر السين) البطليوسي بفتح الباء نسبة لبطليوس مدينة بالأندلس ولد سنة ٤٤٤ أربع وأربعين وأربعمائة بمدينة بطليوس وتوفي في رجب سنة ٥٢١ إحدى وعشرين وخمسمائة بمدينة بلنسية كان إماماً في اللغة والأدب له تآليف كثيرة منها الإنصاف في أسباب الخلاف بين المسلمين وشرح الجمل للزجاجي. وشرح ديوان المعري. وشرح أدب الكاتب. وشرح مشكل المتنبي. وكانت له مكانة في دولة ابن رزين وله نظم فائق ونثر بليغ ترجم له صاحب القلائد وصاحب أزهار الرياض (قوله ونص الجرجاني الخ) لعل نص الجرجاني والزمخشري إنما هو على كون النكرة بدون من لا تفيد نصية الاستغراق وما ذكره المصنف غير موجود في الكشاف بل كلامه ينافيه قال في تفسير "لا ريب فيه" قراءة لا ريب بالفتح وجب الاستغراق وبالرفع تجوزه.
ترجمة عبد القاهر
والجرجاني هو الشيخ عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني الشافعي الأشعري المتوفى سنة ٤٧١ إحدى وسبعين وأربعمائة وهو إمام علم البلاغة ومدونه في كتابيه العجيبين دلائل الإعجاز. وأسرار البلاغة. أخذ عن محمد بن علي الفارسي وله شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي في النحو سماه المغني وهو شرح واسع ثم اختصره وسماه المقتصد. وله كتاب العوامل المائة في النحو صغير. والعدة في التصريف (قوله ونقل صاحب إصلاح المنطق
стр. 213
الخ) ذكر المص أربعاً وثلاثين لفظاً وزاد ابن مالك في التسهيل ستة غير ما ذكر هنا وهي: داري وكراب. ونمي. وطاوي، وإبن. وتؤمر وبعض هاته الألفاظ يحتاج إلى ضبط أو بيان معنى أهمله المص أو خالفه منها دبي وهو بضم الدال وتشديد الباء قال المص هو من الدبيب وكذلك ذكره في القاموس في دب فيكون أصله نسباً على غير قياس. ومنها دبيح كسكين قال المص معناه متلون ومثله في شروح التسهيل ووجه إطلاقه على معنى أحد ان الإنسان من شأنه أن يزين الأرض ويلونها بزرع ونحوه ولم يذكر صاحب القاموس في د ب ح معنى التلون وفي التسهيل جواز ضم داله. ومنها الضرمة بالتحريك النار ونافخ الضرمة كناية عن الإنسان. والتومري بضم التاء المثناة وسكون الهمزة وكسر الميم ويقال التاموري على الأصل والتامري والكل بمعنى إنسان نسبة للتامور أي القلب ويقال وتؤمور والكل بمعنى أحد من إطلاق الجزء وإرادة لكل. ولاعبي القرو فسره المص عن الجوهري بما وقع فهي تحريف في جميع النسخ وصوابه لاحس عس أي قدح والعس بضم العين القدح العظيم وفي شواهد تعريف المسند غليه بالإضمار من المفتاح.
ونحن كصدع العس يعط شاعبا ... يدعه وفيه عيبه متناحس
وأرم محركة بمعنى أحد وناخر بمعنى متنفس والنخير مد الصوت من الخياشيم. والدعوي بضم الدال وسكون العين بمعنى أحد وجعله المص من دعوة الطعام لأنه مضموم الأول والدعوة للطعام مضمومة وكان استعماله بمعنى أحد ناظر إلى أنهم لا يخلو واحد منهم عن القرى فهو كناية بنفي اللازم. وإرادة نفي الملزوم. والشفر بضم الشين المعجمة وبفتحها مع سكون الفاء بمعنى أحد. وأما ما زاده صاحب التسهيل فداري
стр. 214
منسوب للدار وكراب بفتح الكاف وتشديد الراء من كرب الأرض إذا طيبها للحراثة. ونمي بضم النون وتشديد الميم وياء نب مأخوذ من نم الحديث إذا أفشاه. وطاوي بطاء مفتوحة فهمزة ساكنة فواو فياء نسب ومعناه مثل ما ذكر المصنف في الطوي. وآبن من ابنه أي عابه وهو كناية عن الإنسان لأنه يعيب الأشياء.
ترجمة صاحب إصلاح المنطق
وصاحب إصلاح المنطق هو يعقوب بن إسحق السكيت بكسر السين وتشديد الكاف لأنه كثير السكوت أصله من دورق بفتح الدالي والراء من أعمال خوزستان وسكن بغداد وتوفي بها سنة ٢٠٤ أربع ومائتين كان شيعياً وسبب موته أنه كان يؤدب ابني المتوكل فدخلا عليه وهو جالس مع المتوكل فقال له ممازحاً أهذان أحب إليك أم الحسن والحسين فقال ابن السكيت إن قنبراً خادم علي خير منك ومن ابنيك فأمر المأمون الأتراك فداسوه فرفع إلى بيته ومات بعد غد ذلك اليوم ألف إصلاح المنطق وهو كتاب بديع. وكتاب معاني الشعر. وكتاب السرقة الشعرية. كتباً جمة في اللغة والأدب.
ترجمة الكراع
والكراع هو علي بن حسن الهنائي شهر كراع النمل بضم الكاف المصري النحوي مات في اقرن الرابع أخذ عن البصريين من النحاة وكان مذهبه كوفياً صنف كتاب المنضد في اللغة سنة ٣٠٧ سبع وثلاثمائة واختصره فسماه المجرد واختصره فسماه المجهد. وفي ديباجة شرح الليل على فصيح ثعلب أنه سماه المنجد ولا نعرف من كتبه شيئاً ورأيت النقل عنه في مواضع من القاموس منها في مادة قشم (قوله قوله تنبيه النكرة في سياق النفي تعم سواء الخ) مدار عموم النكرة مع النفي على كنها معمولة له بوجه
стр. 215
ولذلك قالوا في سياق النفي لم يقولوا بعده كما في التلويح فلا شبهة في عموم فاعل الفعل المنفي ومفعوله نحو ما سالم رجل رجلاً. وأما بقية المتعلقات فما كان منها وصفاً للمنفي في المعنى كالحال والتمييز والصفة والتوكيد والبدل فلا شبهة في كونه محطاً للنفي لأن القيود هي مصب النفي فيعم وإن كان غير ذلك كالظرف فلا لأنه زمان النفي أو مكانه وليس هو منفياً والمص سوى بين الحال وغيرها وهو عجيب وقوله في الفاعل والمفعول إذا كانا متعلق الفعل لم أفهم لهذا التقييد معنى ولعله تحريف (قوله فائدة الفعل في سياق النفي. الخ) الفعل مصدر في زمان خاص فمدلوله إذاً مصدر مقيد فإذا نفيت الفعل فقد نفيت المصدر في الزمان الخاص فهل يعم كل مصادره التي في ذلك الزمان فيكون عاماً وعمومه يستلزم عموم متعلقاته لأنه إذا نف يجميع المصادر انتفت بسائر متعلقاتها ولذا عبر المص في المتن بقوله للعموم في المواكيل لأن عمومها بعموم المصدر وهذا هو مقتضى ما حكاه المص عن الشافعي وظاهر مذهبنا إلا إذا جعل عمومه نسبياً وإضافياً أي يعم مصادر متعلقها معين أو خاص مبهم بحيث يصدق إذا انتفى مصدر بمتعلقه الخاص وهذا مراد الغزالي بقوله لا يعم مفاعيله وعليه فيبقى مجملاً في المتعلق إن لم يذكر المعلق. أم لا يعم أصلاً بل يدل على نفي مصدر ما فيكون مطلقاً وهذا مقتضى ما حكاه المص عن أبي حنيفة ﵀ هذا أصل المسألة من حيث هي غير أن بحثهم وخلافهم فيها ليس مقتصراً على هذا المقدار بل يريدون منها نفي الفعل في صيغ الإيمان المقصود منها الامتناع ونحوها من الشروط والالتزامات فيكون النفي للمصدر في الأزمنة المستقبلة ولا شبهة أن ذلك يعم بالالتزام لأن نفي المستقبل يستلزم العموم خصوصاً مع ما يعضد قصد العموم من بساط الحلف ونحوه وكذلك عموم المتعلقات
следующие страницы →