Полный текст (515 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وجعل غيره محتاجاً للدليل فهو من قبيل المطلق في اصطلاح الأصوليين وليس قيد الوحدة موضوعاً له حتى يكون حقيقته فيه. ولهذا يعرض له العموم بالقرينة المعينة لتقيده نحو "تمرة خير من جرادة" وقول الحر يرى "يا أهل ذا المغنى وقيتم ضرا" وقد ذهبت جماعة إلى أن النكرة موضوعة للفرد المبهم فهي في الإثبات واضحة وفي النفي إنما عمت لأن نفي الفرد المبهم يستلزم نفي جميع الأفراد إذ لو ثبتت فرد لما صدق أننا نفينا الفرد المبهم وهذا لا يتم لأنه إن كان المراد من الفرد المبهم واحداً من الجنس لا بعينه فلا يدل نفيه على نفي جميع الأفراد لصديق نفيه في حال انتفاء فرد أو فردين وبقاء الباقي إنما غاية الأمر يجب أن لا يكون المنفي معيناً بالقصد غليه وقت النفي. وإن أريد بالفرد المبهم المعنى الشائع في الأفراد آل إلى دلالتها على الماهية من حيث هي فلا تتم دلالتها على فرد واحد في الإثبات فتدبر في هذا المقام فهو من المزالق (قوله وكذلك سلب الحكم عن العموم كقولك ما كل عدد زوج الخ) أي بناء على قولهم إن كلا لتوغلها في الإبهام لا تتعرف لا سيما إذا كانت مضافة لنكرة والجواب: إن كلا نكرة تدل على معنى الكلية فإذا نفيت انتفى ذلك المعنى كله على وجه العموم فإذا قلت: ما كل عدد زوج فإنما نفيت الزوجية عن العدد بوصف الكلية فبقيت بعضيته لم تتعرض لها لأن النفي وإن كان يتوجه إلى المحمول إلا أن كلا تشبه المحمول لما فيها من الحكم فكأن المحمول معها تنوسي وصارت هي المقصود ولذلك إذا قلت: ما كل بقضاء درة فهم أن بعض البيضاء درة لأن النفي توجه لكل وهذا حكمها حيثما وقعت في حيز النفي فالذي لم يعم في قولهم: ما كل عدد زوج هو عدد
стр. 212
وليس هو الواقع في حيز النفي لأنه جيء به لتخصيص كل وبيان نوعها بل الواقع في حيز النفي هو كل وقد رأيت أنها منفية على وجه العموم أما لو وقعت كل قبل النفي فتعتبر هي داخلة عليه وحاكمة بعمومه.
ترجمة ابن السيد
وابن السيد هو عبد الله بن محمد بن السيد (بكسر السين) البطليوسي بفتح الباء نسبة لبطليوس مدينة بالأندلس ولد سنة ٤٤٤ أربع وأربعين وأربعمائة بمدينة بطليوس وتوفي في رجب سنة ٥٢١ إحدى وعشرين وخمسمائة بمدينة بلنسية كان إماماً في اللغة والأدب له تآليف كثيرة منها الإنصاف في أسباب الخلاف بين المسلمين وشرح الجمل للزجاجي. وشرح ديوان المعري. وشرح أدب الكاتب. وشرح مشكل المتنبي. وكانت له مكانة في دولة ابن رزين وله نظم فائق ونثر بليغ ترجم له صاحب القلائد وصاحب أزهار الرياض (قوله ونص الجرجاني الخ) لعل نص الجرجاني والزمخشري إنما هو على كون النكرة بدون من لا تفيد نصية الاستغراق وما ذكره المصنف غير موجود في الكشاف بل كلامه ينافيه قال في تفسير "لا ريب فيه" قراءة لا ريب بالفتح وجب الاستغراق وبالرفع تجوزه.
ترجمة عبد القاهر
والجرجاني هو الشيخ عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني الشافعي الأشعري المتوفى سنة ٤٧١ إحدى وسبعين وأربعمائة وهو إمام علم البلاغة ومدونه في كتابيه العجيبين دلائل الإعجاز. وأسرار البلاغة. أخذ عن محمد بن علي الفارسي وله شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي في النحو سماه المغني وهو شرح واسع ثم اختصره وسماه المقتصد. وله كتاب العوامل المائة في النحو صغير. والعدة في التصريف (قوله ونقل صاحب إصلاح المنطق
стр. 213
الخ) ذكر المص أربعاً وثلاثين لفظاً وزاد ابن مالك في التسهيل ستة غير ما ذكر هنا وهي: داري وكراب. ونمي. وطاوي، وإبن. وتؤمر وبعض هاته الألفاظ يحتاج إلى ضبط أو بيان معنى أهمله المص أو خالفه منها دبي وهو بضم الدال وتشديد الباء قال المص هو من الدبيب وكذلك ذكره في القاموس في دب فيكون أصله نسباً على غير قياس. ومنها دبيح كسكين قال المص معناه متلون ومثله في شروح التسهيل ووجه إطلاقه على معنى أحد ان الإنسان من شأنه أن يزين الأرض ويلونها بزرع ونحوه ولم يذكر صاحب القاموس في د ب ح معنى التلون وفي التسهيل جواز ضم داله. ومنها الضرمة بالتحريك النار ونافخ الضرمة كناية عن الإنسان. والتومري بضم التاء المثناة وسكون الهمزة وكسر الميم ويقال التاموري على الأصل والتامري والكل بمعنى إنسان نسبة للتامور أي القلب ويقال وتؤمور والكل بمعنى أحد من إطلاق الجزء وإرادة لكل. ولاعبي القرو فسره المص عن الجوهري بما وقع فهي تحريف في جميع النسخ وصوابه لاحس عس أي قدح والعس بضم العين القدح العظيم وفي شواهد تعريف المسند غليه بالإضمار من المفتاح.
ونحن كصدع العس يعط شاعبا ... يدعه وفيه عيبه متناحس
وأرم محركة بمعنى أحد وناخر بمعنى متنفس والنخير مد الصوت من الخياشيم. والدعوي بضم الدال وسكون العين بمعنى أحد وجعله المص من دعوة الطعام لأنه مضموم الأول والدعوة للطعام مضمومة وكان استعماله بمعنى أحد ناظر إلى أنهم لا يخلو واحد منهم عن القرى فهو كناية بنفي اللازم. وإرادة نفي الملزوم. والشفر بضم الشين المعجمة وبفتحها مع سكون الفاء بمعنى أحد. وأما ما زاده صاحب التسهيل فداري
стр. 214
منسوب للدار وكراب بفتح الكاف وتشديد الراء من كرب الأرض إذا طيبها للحراثة. ونمي بضم النون وتشديد الميم وياء نب مأخوذ من نم الحديث إذا أفشاه. وطاوي بطاء مفتوحة فهمزة ساكنة فواو فياء نسب ومعناه مثل ما ذكر المصنف في الطوي. وآبن من ابنه أي عابه وهو كناية عن الإنسان لأنه يعيب الأشياء.
ترجمة صاحب إصلاح المنطق
وصاحب إصلاح المنطق هو يعقوب بن إسحق السكيت بكسر السين وتشديد الكاف لأنه كثير السكوت أصله من دورق بفتح الدالي والراء من أعمال خوزستان وسكن بغداد وتوفي بها سنة ٢٠٤ أربع ومائتين كان شيعياً وسبب موته أنه كان يؤدب ابني المتوكل فدخلا عليه وهو جالس مع المتوكل فقال له ممازحاً أهذان أحب إليك أم الحسن والحسين فقال ابن السكيت إن قنبراً خادم علي خير منك ومن ابنيك فأمر المأمون الأتراك فداسوه فرفع إلى بيته ومات بعد غد ذلك اليوم ألف إصلاح المنطق وهو كتاب بديع. وكتاب معاني الشعر. وكتاب السرقة الشعرية. كتباً جمة في اللغة والأدب.
ترجمة الكراع
والكراع هو علي بن حسن الهنائي شهر كراع النمل بضم الكاف المصري النحوي مات في اقرن الرابع أخذ عن البصريين من النحاة وكان مذهبه كوفياً صنف كتاب المنضد في اللغة سنة ٣٠٧ سبع وثلاثمائة واختصره فسماه المجرد واختصره فسماه المجهد. وفي ديباجة شرح الليل على فصيح ثعلب أنه سماه المنجد ولا نعرف من كتبه شيئاً ورأيت النقل عنه في مواضع من القاموس منها في مادة قشم (قوله قوله تنبيه النكرة في سياق النفي تعم سواء الخ) مدار عموم النكرة مع النفي على كنها معمولة له بوجه
стр. 215
ولذلك قالوا في سياق النفي لم يقولوا بعده كما في التلويح فلا شبهة في عموم فاعل الفعل المنفي ومفعوله نحو ما سالم رجل رجلاً. وأما بقية المتعلقات فما كان منها وصفاً للمنفي في المعنى كالحال والتمييز والصفة والتوكيد والبدل فلا شبهة في كونه محطاً للنفي لأن القيود هي مصب النفي فيعم وإن كان غير ذلك كالظرف فلا لأنه زمان النفي أو مكانه وليس هو منفياً والمص سوى بين الحال وغيرها وهو عجيب وقوله في الفاعل والمفعول إذا كانا متعلق الفعل لم أفهم لهذا التقييد معنى ولعله تحريف (قوله فائدة الفعل في سياق النفي. الخ) الفعل مصدر في زمان خاص فمدلوله إذاً مصدر مقيد فإذا نفيت الفعل فقد نفيت المصدر في الزمان الخاص فهل يعم كل مصادره التي في ذلك الزمان فيكون عاماً وعمومه يستلزم عموم متعلقاته لأنه إذا نف يجميع المصادر انتفت بسائر متعلقاتها ولذا عبر المص في المتن بقوله للعموم في المواكيل لأن عمومها بعموم المصدر وهذا هو مقتضى ما حكاه المص عن الشافعي وظاهر مذهبنا إلا إذا جعل عمومه نسبياً وإضافياً أي يعم مصادر متعلقها معين أو خاص مبهم بحيث يصدق إذا انتفى مصدر بمتعلقه الخاص وهذا مراد الغزالي بقوله لا يعم مفاعيله وعليه فيبقى مجملاً في المتعلق إن لم يذكر المعلق. أم لا يعم أصلاً بل يدل على نفي مصدر ما فيكون مطلقاً وهذا مقتضى ما حكاه المص عن أبي حنيفة ﵀ هذا أصل المسألة من حيث هي غير أن بحثهم وخلافهم فيها ليس مقتصراً على هذا المقدار بل يريدون منها نفي الفعل في صيغ الإيمان المقصود منها الامتناع ونحوها من الشروط والالتزامات فيكون النفي للمصدر في الأزمنة المستقبلة ولا شبهة أن ذلك يعم بالالتزام لأن نفي المستقبل يستلزم العموم خصوصاً مع ما يعضد قصد العموم من بساط الحلف ونحوه وكذلك عموم المتعلقات
стр. 216
إذا لم تذكر فإنه زيادة على استلزام عموم المصادر لعموم متعلقاتها هو أيضاً عموم عرفي مستفاد من المقام حتى في الإثبات حذف المتعلق فهو عبارة عن كون المقام صالحاً لإفادة العموم دفعاً للتحكم متى تساوت المفاعيل المحذوفة في إرادتها من الفعل عرفاً ولا يعتبر العموم إلا بقرينة كما في المطول. وإن ذكر مفعوله فإن كان نكرة فقد تقدم حكم النكرة في سياق النفي إن كانت مفعولاً وإلا فهو مثل ما لا مفعول له لأن النظر حينئذ للفعل خاصة. واعلم أن من ينفي عموم الفعل في حيز النفي ويجعله مطلقاً أن حمله على أكمل أفراده فقد آل إلى معنى العموم وإن حمله على أقل ما صدق عليه دل على مطلق انتفاء فلو قال الواقف: الطبقة السفلى لا تشارك العليا حمل على مطلق عدم مشاركة فيصدق بكونه في سنة دون سنة غير أن قصد العموم ظاهر من جملة الاستقبال كما قدمنا أما احتمال كونه أراد طبقة دون طبقة حتى يصدق في الأعيان مثلاً دون العقب فذلك مدفوع أخذاً من معنى عموم ال في قوله الطبقة بقرينة المقام (قوله وأما قول أبي حنيفة الخ) أي بعدم عموم نحو لا أكلت كما هو مفصل في المتن ومزاده بأن المصدر لا تدخل الكثرة مفهومه إنه مطلق يقتضي الانكفاف عن الأكل في زمن ما يعينه البساط أو النية. أما ذكر المص في المتن الاتفاق على عموم نحو لا أكلت أكلاً مما ذكر معه المصدر المؤكد وجعله ذلك الاتفاق دليلاً لأصحابنا إذ المصدر لم ينشئ حكماً جديداً بل تصريح بما دل عليه الفعل فدل اعتبار العموم عند ذكره على أنه معتبر في الفعل عند عدم ذكر المصدر أيضاً فهو مشكل جداً إذ ليس ذكر المصدر المؤكد بزائد على أكثر من تأكيد المعنى الذي في الفعل إن عاماً فعام وإن مطلقاً فمطلق
стр. 217
فلماذا لا يمنع الحنفية حكاية الاتفاق فتأمل. اللهم إلا أن يقال أن ذكر المصدر المؤكد قرينة على قصد الانكفاف عن سائر المصادر فلم يبق احتمال لمتعلق مبهم أو خاص معين (قوله فائدة اختلف العلماء في هذا الفعل الخاص الخ) أي في فعل استوى كالواقع في قوله تعالى أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون وإنما فرض الخلاف فيه على وجه المثال لأنه يفيد أحكاماً شرعية وكذلك ما كان بمعناه نحو ليسوا سواء ونحو لا يتماثل والحق أنه موضوع لنفي المساواة في خصوص ما سيق له الكلام كما في قوله "فيس سواء عالم وجهول" كما قرر علماء البيان في حقيقة التشبيه أنه الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى ولسواءية ترادف التشابه فما قيل
стр. 218
فيه يقال فيها (قوله وقال الشافعي ترك الاستفصال الخ) الظاهر أن السين والتاء هنا لمجرد التأكيد ليشمل ترك الشارع طلب التفصيل من سائله وتركه تفصيل الأحوال في احكامه التي ليست في جواب سؤال أصلاً وكلام المص في آخر التقرير مشعر بذلك وما نسبه المص للشافعي نسبة أبو ببن العربي في القبس في باب جامع الطلاق لإمام الحرمين ومثله حديث فيروز الديلمي أنه أسلم عن أختين فقال له النبي ﷺ أمسك إحداهما وهم مبني على أن شأن الشرع رفع الاحتمالات كما يأتي أخيراً. وأما قوله "حكايات الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال" فهو راجع إلى ما يقع من الإجمال في حكايات الرواة لأحوال غير مفصلة مثل قضى بالشفعة للجار والظن بالراوي غير الظن بصاحب الشريعة لجواز الذهوب والغلط على الراوي فيكون الاحتمالان متساويين في كلامه بخلاف كلام الشارع وسيأتي لهذا مزيد تحقيق في القولة الثالثة بعد هذه واختلاف عبارتي الشافعي صريح في المراد منهما وفي دفع التوقف في تعارضهما وهذا أولى من جمع المص بذلك الوجه المتعارف الذي لا تقع الغفلة عن الاحتراز عنه في كلام مثل الشافعي وزيادة "في حكايات الأحوال" مع ترك الاستفصال ليست من كلام الشافعي ﵀ لأن المأثور عنه ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم كما في شرح الزركشي على جمع الجوامع (قوله أما في دليل الحكم أو في محكم الحكم الخ) أراد منه أن الإجمال إما أن يكون في لفظ الحديث مثل إجمال الضمير في لا تمسوه بطيب لاحتمال أنه عاد عليه بوصف كونه محرماً أو بوصف خصوصه وإما أن يكون في محل الحكم أي في المحكوم عليه أي تكون أحواله
стр. 219
غير مفصلة وليس في اللفظ الدال عليه إجمال بل الإجمال في اختلاف أحواله وكأن جوب المص مبني على أن الاستفصال يشمل التفصيل كما قدمنا فيشمل ما وقع في جواب سؤال ما وقع ابتداء بدليل قوله "مع أنها تأسيس قاعدة وابتداء حكم الخ" وهذا الجواب آئل إلى ما قدمناه في دفع التعارض عن العبارتين (قوله وخطاب المشافهة الخ) أي المواجهة وهو المشتمل على علامات الخطاب كالنداء في يا أيها الذين آمنوا الكاف في نحو عليكم واجتنبوا واحترز به عن نحو لينفق ذو سعة وعن نحو وإن امرأة خافت من بعلها وغير ذلك مما هو صريح في شموله لكل من تحقق فيه الوصف والدليل الذي دل على شمول خطابات القرآن لمن يحدث بعد هو عموم الشرع المعلوم ضرورة (قوله وقول الصحابي نهى عن بيع الغرر الخ) تقدم أن هذا محل قول الشافعي رحمه الله
стр. 220
حكايات الأحوال إذا تطرق إليهما الاحتمال الخ وخلاصة هاته المسألة أن حكاية الراوي هل تعطى حكم قول النبي ﷺ حتى يكون نحو قوله نهي عن بيع القرير بمنزلة قول النبي ﷺ لا يجوز بيع الغرار أم يعتبر مجملاً لاحتمال أن النهي وقع عن غرر مخصوص كالغرر الفاحش فظن الراوي النهي عنه شاملاً لما هو أقل منه والذي دعاهم لفرض هاته المسألة ما يوجد تارة من زيادة بعض الرواة على بعض في حكايات الأحوال ما يخل حذفه بالمراد أو يوهم إطلاقاً أو عموماً وتقييده في رواية غيره مثل رواية أسامة إنما الربا في النسيئة الذي بينه حديث أبي سعيد الخدري المثبت لربا الفضل حتى إن ابن عباس أخذ بحديث أسامة ثم رجع لابي سعيد لما أخبره وقال له أنتم أعلم برسول الله مني وإن كان هذا في رواية لفظ. وفي الأفعال أيضاً كثير مثل رواية من روى أنه قضى بالشفعة للجار فأما رواية الأقوال فالأمر فهيا أسهل لأن الصحابة حريصون على الضبط وتوخي لفظ النبي ﷺ حتى منع أكثرهم الرواية بالمعنى ما أمكن وأما في رواية الأفعال والأحوال فالراوي مضطر إلى أن يحكيها بما بلغ غليه علمه وفهمه وإحاطته بالمجس وها هنا قد تقصر العبارة وقد يغفل الذهن عما يراد من القيود لا سيما إذا لم تدع الحاجة إلى تركيز الراوي بما يجب أن يذكره من مطاوي البساط التي لو ذكرها لدلت على تفسير شيء ولهذا نراهم فرضوا المسألة في خصوص حكايات الأحوال كما وقع في عبارة الشافعي أو يفرضونها في مثل من ذلك كما يقول المص نحو نهى عن بيع الغرر أو قضى بالشفعة للجار وفي هذا ما ينبهكم إلى أن قول المص "فإن معناه امتنع هذا الفصل. إلى آخر ما بناه
стр. 221
عليه ليس على ما ينبغي لأن منع رواية الحديث بالمعنى إنما هي في الألفاظ لا في الاحوال لظهور أنها لا تروى إلا بالمعنى إذ ليست بلفظ وغاية ما يجب على راويها بذلك الاستطاعة للإحاطة بما يعبر عن الحالة المحكية كلها إلا إن وقعت غفلة أو قصرت العبارة أو نحو ذلك وبهذا يندفع قول المص "وإلا كان قد جافى عدالته" كما لا يخفى إذ الغفلة ونحوها لا يقدح في العدالة وقد قال النبي ﷺ فرب حامل فقه إلا من هو أفقه منه الحديث والحق في هذه المسألة أن الأصل موافقة الحكاية للحالة الآن لاصل في الراوي العلم والضبط فمتى روى ما يقتضي العموم من تعليق على وصف أو نحوه حمل عليه حتى يعارض ذلك ما ينافيه من أثر أو قياس أو قواعد الشريعة كما رد مالك حديث قضى بالشفعة للجار لمعارضته بحديث جابر قضى رسول الله بالشفعة فيما لم يقسم وذلك ينفي شفعة الجوار ومعارضته أيضاً بأن الجوار لا ينضبط وبأن العلة التي شرعت لها الشفعة غير بينة في الجوار فرجح حديث جابر لموافقته للأصول. وسواء في هذا الباب أن يكون المراد من قول الراوي قضى الحكم أو الإفتاء أي التشريع لأن الحكم وإن سلمنا أنه جزءي فمعنا جزئيته أن يكون مثل تلك النازلة عرضة للاجتهاد من الحاكم الأول أو من حاكم آخر أما قضاء الشارع فلا يختلف إلا بورود ناسخ حتى على القول بجواز الاجتهاد للنبي ﷺ فهو تشريع لأنه لا يقر على خطأ فلا فرق حينئذ بين قضائه وفتواه لأن صدورهما من النبي ﷺ واحد في اقتضاء التشريع فلا أثر لذلك التفصيل الذي ختم به المص في معنى
стр. 222
القضاء والله أعلم (قوله يطلق لفظ العموم - إلى قوله - لجميع أفراد العموم الخ) عبارة قلقة وإيضاحها أن المراد بلفظ العموم اللفظ الموهم للعموم وقوله بناء منه مصدر بدل من حال محذوفة هي حال من الضمير في يطلق أي لا يطلق الراوي ذلك بانياً إطلاقه على أن اللام للجنس لا للاستغراق لأن في إطلاق اللفظ المتحمل لمعني اللام إيهاماً. وقوله اعتماداً على القرينة هو أيضاً مصدر بدل من حال محذوفة هي حال من ال في قوله المراد لأن ال عوض عن المضاف إليه الذي هو ضمير الراوي وتقديره أن مراده بلام التعريف حقيقة الجنس معتمداً على قرينة تعذر الاستغراق وقوله لجميع أفراد العموم صوابه أفراد الجنس إذ الفرض أنه لا عموم في الكلام. واعلم أن الاعتماد على القرينة هو الذي جعل إطلاق الراوي اللفظ المحتمل غير حسن عند المص ولولا الاعتماد عليها لكان غير جائز لأنه إيقاع في الجهالة (قوله غير أن العادة جارية الخ) أخذ اقتضاء كان للتكرار من نحو كان يفعل كذا وهو اغترار بوجود معنى التكرار في مثل هاته العبارة مع عدم تحقيق منشئه فإن منشأ التكرار فيها هو الخبر بالجملة المضارعية المفيدة للتجدد كما في الله يستهزئ بهم الذي هو أبلغ من إنما نحن مستهزءون والتجدد يستلزم التكرار ألا ترى أنك لو قلت كما فعل أو كان فاعلاً لم يدل على التكرار وذلك دليل على
стр. 223
أن التكرار لليس مستفاداً من كان وإلا لما فارقها (قوله أن سائراً ليست للعموم الخ) تمسكاً بظاهر حديث غيلان أنه أسلم عن أكثر من أربع نسوة فقال هل أمسك أربعاً وفارق سائرهن وروي باقيهن الجواب أن المراد سائر البقية تنصيصاً على وجوب تعميم مفارقة غير الأربع ولا شك أن المعروف من اللغة أن سائراً بمعنى جميع وأما بيت ابن دريد وما في معناه فلا شاهد فيه هنا لأن وجود اسار بمعنى لا يعين اشتقاق سائر منه لجواز كونه من سار أو من اسور وأصول الاشتقاق كثيرة. وصاحب الإيضاح هو أبو علي الفارسي الحسن بن أحمد عبد الغفار النحوي ولد بمدينة فسا سنة ٢٨٨ ثمان وثمانين ومائتين ولذلك يلقب الفسوي بفتح الفاء وتوفي في بغداد سنة ٣٧٧ سبع وسبعين وثلاثمائة أخذ العلم ببغداد وبلغ إمامة النحو وأقام بحلب عند سيف الدولة مرة لقي فيها المتنبي ووقعت بينهما مجالس وألف المسائل الحلبيات ثم استصحبه عضد الدولة ابن بويه في بلاد فارس وألف له كتاب الإيضاح وتكملته في النحو وله كتب كثيرة مهمة ﵀. وابن دريد هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي البصري ولد بالبصرة سنة ٢٢٣ ثلاث وعشرين ومائتين وتوفي في بغداد سنة ٣٢١ إحدى وعشرين وثلاثمائة كان إمام اللغة والأدب أخذ عن الرياشي وأبي حاتم السجستاني ثم خرج إلى نواحي فارس وصحب الشاه عبد الله بن ميكال وولاه ديوان فارس وهو الذي مدحه ومدح ولده أبا العباس إسماعيل بمقصورته المشهولة التي طالعها:
أما ترى رأسي حاكي لونه ... طرة صبح تحت أذيال الدجى
ومنها في ذكر الأمير وابنه
стр. 224
إن ابن ميكال الأمير انتاشي ... من بعد ما قد كنت كالشيء اللقا
ومد ضبعي أبو العباس من ... بعد انقباض الذرع والباع انزوى
وله ألف كتاب الجمهرة في اللغة ثم دخل بغداد بعد موت ابن ميكال سنة ٣٠٢ وعزل ولده سنة ٣٠٨ فأجر عليه المقتدر خمسين ديناراً في الشهر إلى موته (قوله أن أصلها الهمزة الخ) أي أن همزتها أصلية وعلى القول الآخر فهي منقلبة عن الواو أو عن الياء لوقوعها بعد ألف فاعل عملاً بقوله وفي فاعل ما اعل عينا ذا اقتفى (قوله والعطف على العام لا يقتضي العموم الخ) أي عموم المعطوف وظاهر أن المعطوف في هذا المثال هو؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ولا شك أنه عام لأنه جمع مضاف فلم يفد المثال شيئاً والمص فرض تصوير احتمال العموم في الضمير المضاف إليه ومن المعلوم أنه ليس هو المعطوف فالتمثيل بالآية لهاته المسألة سهو صريح اتبع فيه؟ ؟ ؟ ؟ ؟ شرف الدين ابن التلمساني في تذييل ذيل به المسألة الرابعة من باب العموم من شرحه للمعالم ذكر فيه أموراً ظن إفادتها للعموم وليست منه والحق أن هاته الآية يمثل بها لمسألة أن رجوع الضمير إلى بعض الأفراد لا يخصص العام الذي هو مرجع الضمير اللهم إلا أن يكون مراد التلمساني من العطف معنى مطلق ذكر شيء بعد آخر فيكون المراد من المسألة أن ذكر شيء بعد شيء وهل يقتضي مساواته له فيما ثبت له من الأحكام فتندرج تحته مسائل وهي عطف الخاص على العام وعكسها ورجوع الضمير إلى البعض وذكر بعض أفراد العام والجمهور على منع المساواة في جملع هاته الصور وعليه فيصح مثال ابن التلمساني على ضرب
стр. 225
من التكلف مع أنه لم يسبقه غيره إلى هذا العنوان بهذا المعنى ولا يبقى لمسألة رجوع الضمير مثال يخصها. ولا يتحمل هذا التأويل كلام المص لقوله "لأن العطف مقتضاه التشريك في الحكم" فذلك صريح أنه أراد العطف الاصطلاحي وأما مثال هاته المسألة فما سيأتي للمص في الفصل الرابع فيما ليس من المخصصات وذلك قوله ﷺ "لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" بناء على أنه عطف مفرد على مفرد أي عطف ذو عهد على مسلم فيكون مسلم مراداً به العموم وذو عهد ليس كذلك بل يختص بالذي قتل حربياً لأن المعاهد لا يقتل بالكافر الحربي ويقتل بالذمي. أو بناء على أنه من عطف الجملة على الجملة والمراد بالمعطوف ما يشمل جزء الجملة المعطوفة وفي الجملة المعطوفة حذف متعلق دل عليه المتعلق المذكور في الجملة المعطوف عليها وهو بكافر أي ولا يقتل ذو عهد بكافر ويكون قوله بكافر الملفوظ به عاماً وبكافر المقدر خاصاً بالحربي. ولا يلزم من عموم الأول عموم الثاني. وهذا الذي يقتضيه كلام المص في الشرح، فهذان تقديران في كيفية العموم في الأول والخصوص في الثاني الواقع بعد العطف. ولم يذكر المص مخالفاً في هاته المسألة مع أن التعرض لها مشعر بالرد على مخالف فيها. ونقل غير المصنف عن الحنفية أن العطف على العام يقتضي العموم ولذلك منعوا أن يحمل لفظ المسلم على العموم لأنه لو عمم لحمل قوله ذ وعهد على العموم أيضاً ولا قائل به إذا المعاهد يقتل بالذمي بالاتفاق فيكون قوله بمسلم مراداً به بعض المسلمين القاتلين وهو المسلم قاتل الحربي فقط. أو تقول لأن المتعلق المقدر في الجملة الثانية المعطوفة وهو "بكافر" المحذوف خاص بالكافر غير الذمي باتفاق الجميع فيكون لفظ بكافر المذكور في الجملة المعطوف عليها خاصاً بغير الذمي لأنه لو كان الأول عاماً لكان المعطوف عاماً لأن العطف على العام يقتضي العموم
стр. 226
والتالي باطل فكذلك المقدم، هذا تقرير المسألة على المذهبين وعلى اعتبار الاحتمالين في المراد من العطف في الحديث. وقد استفيد مذهب الحنفية فيها من دليل تالي الشرطية في قولهم لو عم لحمل ذو عهد على العموم. واعلم أن نسبة الخلاف في هاته المسألة للحنفية صرح بها الآمدي والغزالي ومثلاها بالحديث المذكور وأما المص فقد ذكر في عكس هاته المسألة وهي المسألة الآتية أعني أن عطف الخاص على العام هل يقتضي تخصيص المعطوف عليه نسبة الخلاف في تلك للحنفية ومثل بهذا الحديث وهو متابع في ذلك للمحصول وكثير من أهل الأصول ولا يمكن الجمع بين النقلين إذ إنما يمكن فرض المسألتين على السواء في الحكم عند من لا يرى انسحاب حكم المعطوف على المعطوف عليه ولا العكس فيستوي مثال المسألتين وأما عند من يرى ذلك في أحدهما فلا يمكن فرض رأيه في عكسها لأن القول بانسحاب حكم الثاني على الأول يناقض القول بانسحاب حكم الأول على الثاني فكيف يؤخذ من كلامه في أحد الأمرين مذهب آخر له في الأمر الآخر، والتحقيق أن الحنفية لم يفرضوا هاتين المسألتين في أصولهم وإنما وجد لهم فرع فقهي وهو أن المسلم يقتل بالذمي مع معارضته لحديث لا يقتل مسلم بكافر فتردد الناظرون في تجيه هذا الفرع فرأى الآمدي أن مستندهم أن عموم المعطوف عليه يقتضي عموم المعطوف ورأى الإمام والمصنف أن المستند هو أن خصوص المعطوف يقتضي خصوص المعطف عليه وعلماء الحنفية لم ينكروا نسبة ذلك إليهم وإليك عبارة ابن الهمام من محققيهم قال في كتابه التحرير "مسألة قالت الحنفية يقتل المسلم بالذمي فرعاً فقهياً مع قوله ﷺ لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده فاختلف في مبناه فالآمدي عموم المعطوف عليه يستلزم عموم المعطوف عند الحنفية - إلى أن قال -
стр. 227
وقيل تخصيص المعطوف يوجبه في المعطوف عليه عند الحنفية اهـ" وله في بيانه وتوجيهه كلام يحتاج لبسط وبحث ليس من غرضنا في هذا الكتاب وإنما اردنا التنبيه على أن خلاف الحنفية هنا مفروض على طريق الأخذ بلازم القول لا على وجه التصريح منهم، ويا ليتهم عدلوا عن هذا التكلف ووجهوا مذهب الحنفية في قتل المسلم بالذمي بعد حجة الحديث عندهم أو بكونه مخصوصاً بالإجماع، وعندي أن قوله ولا ذو عهد في عهده لا تقدير فيه وليس المراد بيان عدم قتل المعاهد بالذمي أو بالمسلم لأنه ليس مختلطاً مع أهل بلاد الإسلام حتى يقصد ببيان أحكام الجنايات وإنما المراد بيان أن قتل المعاهد لا يجوز لنا حفظاً للعهد من الخفر وهو المناسب لزيادة قوله "في عهده" ولا عادة كلمة "لا" لينبه بالأمرين على أنه ليس المراد المراد بيان حكم القصاص منه وإنما المراد بيان عصمة دمه فالعطف لبيان دمين معصومين في حالتين ربما يظن عدم عصمة الدم معهما وهما أي الدمان دم المسلم القاتل لكافر ودم المعاهد ما دام في عهده فلا شاهد في الحديث للمسألتين المفروضتين في الأصول والله أعلم (قوله فدليل كون المفهوم حجة ينفيه الخ) يعني أن كون المفهوم إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه يقتضي لامحالة أنه لكل فرد من أفراد المسكوت عنه المشار إليها باللفظ المنطوق به وهو القيد الذي له المفهوم فمن خالف في حجية المفهوم يمكنه أن يقول أنه لا عموم له ويحمل ما يقع من اعتبار المفهوم في بعض الأحكام على الجزءين لعوارض خارجية كما اعتبره الحنفية في بعض المواضع لأدلة أخرى لا لكونه حجة. وأما من يقول بحجيته فلا يسعه إلا اعتبار عمومه لسائر أفراد المسكوت عنه فلذلك قال المص "فدليل كون المفهوم حجة ينفيه" والغزالي من القائلين بحجيته والمناضلين عنها وذلك يستلزم اعتبار عمومه
стр. 228
وينفي أن يعني منه أنه لا يفيد عموم انتفاء الحكم ويعين أن تكون مخالفته في ذلك راجعة للخلاف في التسمية. هذا تقرير كلام الإمام ولذلك قال في جمع الجوامع والخلاف في كونه لا عموم له لفظي (قوله وجوابه أن العرب اشترطت في النعت والتأكيد الخ) تحقيق الجوانب عن متمسك الإمام في التفرقة بين الجمع المعرف والمفرد المعرف أن المفرد الذي أفادت ال فيه العموم إنما أفادته بواسطة القرينة واللزوم لا بأصل الوضع لأنها عرفت اسماً مشتقاً غير مراد به فرد معهود فتعين حمله على ما هو معروف من الماهية المتميزة من بين المواهي كما قال صاحب الكشاف في تعريف الجنس بعد أن مثله بقولهم أرسلها العراك ما هو من بين أجناس الأفعال" ثم يعرض
стр. 229
له الاستغراق لزوميا من جهة عدم اختصاص بعض الأفراد بالحكم دون الآخر ولذلك قال صاحب التلخيص وقد يفيد الاستغراق وليس الاستغراق معنى لأل ومعنى لمدخولها ولذلك قال صاحب الكشاف "والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم منهم" لأن أل لا تدل على أكثر من التعريف لما دخلت عليه فإذا لم يكن معروفاً بعينه حملت على تعريف الجنس فالعموم عارض له وهذا معنى قول علماء المعاني أنه بمعنى كل فرد فرد لا مجموع الافراد يريدون أنه بمعنى الجنس المستلزم لجميع أفراد الماهية لأن الاستغراق لزومي يحصل في الذهن بعد التتبع فليس المعرف بلام الجنس موضوعاً للدلالة على الافراد بذاتها حتى يكون كأسماء الجموع فلذلك امتنع وصفه بنعت الجمع لأن النعت جاء على وفق المعنى المطابقي لا على وفق العموم الالتزامي فبطل توقف الإمام في المفرد المعرف من هاته الجهة. وجواب المص عنه حسن أيضاً من الجهة اللفظية أي أن الاسم لما كان أصله مفرداً قبل دخول أل الاستغراقية وليس جمعاً ولا اسم جمع راعت العرب في نعته وتأكيده حالة وضعه ولم يراعوا ما عرض له من الكثرة بعد دخول أل كراهية نعت المفرد بلفظ الجمع.
стр. 230
الفصل الثاني في مدلوله
أي مسمى صيغة العموم وما تشمله من الأفراد وضعاً أو عرفاً لغوياً أو شرعياً كما يأتي ومدلول العموم كما قال كلية لا كلي ولا كل الفرق بينها أن الكلي معروف في المنطق وهو الذي لا يمنع تصوره من فرد صدقه على كيرين. والكلية هي صفة لموصوف محذوف أي قضية كلية منسوبة للسور الكلي وهو كل ونحوها والقضية الكلية هي التي ثبت محمولها لسائر أفراد موضوعها. والكل هو ما تركب من أجزاء يوصف به الشيء ولا يضاف لشيء فكلمة كل اسم للإحاطة يضاف لما تقصد إحاطته وهي من صيغ العموم ومعنى العموم قضية كلية تحصل لها الكلية من دخول كل ونحوها على طرفيها وهو من عوارض المركبات لا من عوارض المفردات أما في غير كل من صيغ العموم فذلك ظاهر وأما في كل فلأنها وإن دلت على الإحاطة إلا العموم ليس فيها بل في جملتها وقد أوجب اشتباه كلمة كل الملازمة للإضافة الدالة على الإحاطة ولفظ الكل المراد به ذو الأجزاء غلطاً في تحقيق معنى الكل في بعض مواقعه فقد ظن أن حديث "كل ذلك لم يكن" من قبيل الكل ولو كان كما قالوا ما كان النبي ﷺ ناسياً قد جعل المص كل رجل يشيل الصخرة مثالاً للكل نظراً للمعنى لكن السهو في إضافة لفظ كل هنا إلى رجل لأنها تفيد معنى العموم
стр. 231
وهو لا يصح (قوله وتندرج العبيد الخ) لشمول اللفظ ولا يتوهم أن الانحطاط في بعض الأوصاف مخرج لبعض الأفراد من مدلول العموم (قوله ويندرج النبي ﷺ في العموم الخ) هذه عكس مسألة اندراج العبيد وهو أن الارتفاع في بعض الأوصاف لا يوجب تنزيه المرتفع عن إرادته من عموم التكليف وفائدة هاته المسألة تظهر في معرفة ما خالف فيه فعل النبي ﷺ مقتضى التشريع العام هل يكون فعله ناسخاً أو يحمل على الخصوصية وهذا فيما كان من نصوص عمومات القرآن. وأما عمومات السنة فهي تدخل في المسألة الآتية أن المخاطب بالكسر هل يدخل في عموم خطابه وقول الجمهور هو الأول لأن الأصل المساواة في الأحكام بدليل قوله للذي قال له أنك لست مثلنا أنك قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال رسول الله "والله إني لاتقاكم لله وأعرفكم به" والخصوصية لا تثبت إلا بقاطع ولم يزل السلف يعتبرون شمول الشريعة له ويرجعون في بيان المجملات إلى صورة فعله وقد تمسكت فاطمة وعلي ﵄ بآية المواريث فطالبت بميراثها من رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁.
стр. 232
ترجمة الصيرفي
والصيرفي هو أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بالصيرفي الشافعي المتوفي سنة ٣٣٠ قيل فيه أنه أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي وله مع الأشعري مناظرة في شكر المنعم لأن الصيرفي كان يرى وجوب شكر المنعم عقلاً كما قالت المعتزلة (قوله وكذلك يندرج المخاطب الخ) هذا شمول عرفي إذا الوضع لم يجعل الكلام شاملاً لقائله إلا بقرينة والمراد بالمخاطب به المتكلم ولو لم يكن مخاطباً وهذا القول هو قول الجمهور وإليه مال البخاري ﵀ في طالع كتاب الوقف من صحيحه وعندي أن الحجة لهذا القول ما وقع في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال من يشتري بئر رومة فيكون دوله فيها كدلاء المسلمين فاشتراه عثمان ﵁ ووقفها على المسلمين فهو ممتثل لأمر النبي ﷺ الذي منه جعل دلوه فيها كدلاء المسلمين فلا شك أنه علم دخوله في لفظ المسلمين من قوله عند تحبيسها أنها حبس على المسلمين وإن كان هو الناطق به وهذا في العقود والأخبار وأما الأوامر فاستثناها جماعة ويدل لهم أن الأوامر موضوعة للخطاب خاصة (قوله والصحيح عندنا اندراج النساء الخ) لأن الصيغ
стр. 233
المختصة بالذكور في اللغة تشملهم لما تعارفه العرب من تغليب المذكر على المؤنث عند الحكم عليها ألا ترى أن سبب نزول آية ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض هو سؤال النسوة الإذن لهن بالجهاد ليشاركن الرجال في فضله ومع ذلك وقع الخطاب بصيغة التذكير وبقرينة عموم التشريع وهو ما أشار له القاضي عبد الوهاب فتكون تلك الصيغ مغلباً فيها الذكور لأن الكلام جار على أسلوب العرب وهم يغلبون التذكير لأن مرجع التغليب إلى سبق المغلب للذهن والناس لا تسبق إلى أذهانهم عند المخاطبة إلا الذكور لأنهم الذين اعتادوا تكليمهم وهم الشاغلون لمظاهر المدينة كلها (قوله فائدة قال الأصوليون من وما في الاستفهام للعموم الخ) تلخيص الأشكال مع بيانه أنه لو سأل سائل فقال من في الدار لحسن في جوابه أن يقال زيد والجواب لا يحسن إلا متى طابق السؤال فيلزم أن يكون زيد مطابقاً لمن وزيد جزءي فتكون من جزءيا. وحاصل جواب المص أن عموم الاستفهام لا ينافي خصوص الجواب إذا كان مدلول العموم منحصراً في واحد فالسؤال عن كل من يصح كونه في الدار
стр. 234
والجواب بواحد لأنه الذي انحصر فيه الكون في الدار فأشبه الكلي المنحصر في فرد وكأن المص أراد بذلك الإشارة إلى مثار شبهة القائلين بعموم من وما في الاستفهام مع التفرقة بين صلوحية الاستفهام للعموم بهذا المعنى دون اللفظ الدال على المستفهم عنه على عادته من الاحتفال بالتفرقة بين العبارات المتشابهات ظاهراً المختلفات حقائق وفي هذا الجواب مع إجماله إيهام الاعتراف بإثبات عموم لحكم الاستفهام مع أن القصد إبطال قول من توهمه. والذي يفصح لك عن إبطاله أنه لا شك أن لنا في صيغة الاستفهام ثلاثة أشياء استفهاماً ومستفهماً عن ثبوت الحكم له وحكماً فإن أراد تعلق العموم بالأول أي بأنواع الاستفهامات الصادرة من الناس أو من المتكلم فهو واضح الفساد وإن أراد أن العموم في الحكم فكذلك لأنه غير مسئول عنه بمن وما فلا ينسحب عليه عمومها لأن من وما يسأل بهما عن الذات والتصور فلم يبق إلا المستفهم عن ثبوت الحكم له ولا شك أن السائل لا يريد من استفهامه معنى عموم المستفهم عنه عموما شمولياً أي بتتبع أفراده فرداً فرداً لأن ذلك غير مقصود له بل إنما يسأل عن فرد مهم يطلب تعيينه من بين من يصلح له وهو كلي لا ينحصر فيه واحد من الكائنين في الدار مثلاً دون آخر ولا شك أن الكلي غير العام لأن العام قضية كلية وإنما العموم هنا بدلي وهو معنى المطلق عند الأصوليين وكأن هذا معنى قول المص "وكان المستفهم قال إني أسألك عن كل أحد يتصور أن يكون في الدار - إلى أن قال - فالعموم ليس باعتبار الوقوع بل باعتبار الاستفهام" أما قول المص "ونظير هذا أن الله تعالى إذا قال اقتلوا المشركين الخ" تعبر عنه بالنظير لأنه ليس
стр. 235
من نوع العموم الذي أثبته المص للاستفهام أعين العموم البدلي بل الآية من باب العام إلا أن محل التنظير هو كون الواقع قد ينحصر في فرد حتى في العموم الشمولي بله العموم البدلي فإن لم تكن هاته التأويلات هي مراد المص فجوابه باطل إذ الصواب التصريح ببطلان عموم من وما في الاستفهام وإبطال مستند السائل في قوله "والجواب مطابق للسؤال" بأنه كما يطاقه قولنا زيد يطابقه قولنا الزيدان والزيدون ورجال وكل الرجال فلم تتعين من للواحد ولا لجميع الأفراد وتلك سنة المطلق كالنكرة وبأنه يصح الجواب بزيد فقط ولو كان فيها زيد وغيره إذ المجيب لا يلزمه استقراء كل من في الدار ولو كان السؤال عن عموم الكائنين لما صح الاقتصار في الجواب على البعض نعم إذا كان الاستفهام إنكارياً أفاد العموم لأنه كالنفي كما صرح به النحاة في بحث مسوغات الابتداء بالنكرة فجعلوا وقوعها في حيز النفي وشبهة مسوغاً للابتداء لأجل العموم وجعلوا مسوغ نحو من عندك هو مسوغ نحو هل فتى عندك وهو كون النكرة مستفهماً عنها لأن ذلك ينافي مجوليتها لظهور أنه لا عموم في هل فتى عندك وكأن مراد من قال بأن ما ومن في الاستفهام للعموم إنما هو الاستفهام الإنكاري وقد تقدم الكلام على من وما في الشرط والموصولية في الفصل الأول (قوله فائدة صيغ العموم وإن كانت عامة في الأشخاص فهي مطلقة في الأزمنة والبقاع والأحوال الخ) هذه القاعدة من مخترعات بعض المتأخرين وقد لهج بها المص قال تقي الدين ابن دقيق العيد في شرح العمدة ما حاصله: أولع بعض أهل العصر (لعيه يعني المص) بأن قالوا أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال
стр. 236
والأزمنة والبقاع والمتعلقات ثم يقولون المطلق يكفي في العمل به صورة واحدة فلا حاجة للتخصيص ح وهذا باطل لأن العموم يقتضي أن لا يشذ فرد وإذا قلنا بإطلاق الزمان يلزم عليه شذوذ بعض الأفراد" وحاصل مثال هذه القاعدة أن المخرج من العموم أن كان نوعاً مما يتناوله العام أو فرداً منه في جميع أحاله بحيث لا يثبت له حكم العموم فهو تخصيص كتخصيص الأنبياء من آية المواريث وتخصيص بيع الربا من آية وأحل الله البيع وإلا فهو تقييد كإخراج الولد القاتل من آية المواريث فإنه لا يقتضي إخراج واحد من الأولاد ولا صنفاً بل إخراج ولد في حال خاص وقد يرث لو كان في غير ذلك الحال أو لو كان ذلك الحال يقبل الارتفاع كالشك في النسب فإنه مانع من الإرث فلو زال رجع الإرث. هذا حاصل ما يؤخذ من كلام المص في مواضع من كتبه خصصاً في مبحث تخصيص الكتاب بخبر الواحدز فالمصنف يرى قضية العموم من قبيل القضية الكلية المطلقة العامة وهي التي حكم فيها بثبوت النسبة للموضوع بالفعل أي في الجملة بدون ضرورة ولا دوام مثل كل إنسان متنفس وعليه فيكون تخصيصها الذي هو من قبيل التناقض قضية جزئية دائمة وهي المحكوم فيها بدوام المحمول للموضوع ما دامت ذات الموضوع لا باعتبار بعض أوصافه نحو كل إنسان حيوان فلذلك رأى المص أن إخراج الولد بوصف كونه قاتلاً ليس إخراجاً له ما دامت ذاته لأن حرمانه لم يكن لذاته بل لكونه قاتلاً بخلاف إخراج الأنبياء من الإرث فإنه ثابت لهم ما دامت ذواتهم لا في حالة مخصوصة. وليس مراده من المطلق هنا المطلق المصطلح عليه عند الأصوليين أعني ما دل عليه الماهية بلا قيد إذ ليس ثم
стр. 237
لفظ دال على الزمان أو المكان بل المراد أن صيغة العموم لما لم تدل إلا على الأفراد كان غير الأفراد مسكوتاً عنه فهو الإطلاق بالمعنى اللغوي. والذي أثار هاته الشبهة اختلاف مقتضى الحكم أعني الأمر بأنه دال على المرة وكذلك ما في معنى الأمر من الخبر المراد به الإنشاء والباقي على حاله، مع مقتضى المحكوم عليه في صيغة العموم الذي هو اللفظ الشامل فإن العموم كما قدمنا لا يقع إلا في تركيب ولا بد له من شيء يتعلق هو به وهو المسند من فعل أمر وهو الغالب أو فعل مراد به الأمر أو اسم فاعل ونحوه مراد به ذلك وكذلك الخبر الصريح أيضاً عند وقوع العموم فيه ولا شك أن مقتضى هذا المسند مطلق فلما نظر المص فوجد في صيغة العموم رائحة إطلاق من جهة المسند توهم أن الإطلاق جاء من الجهة التي جاء منها العموم ولما كان الإطلاق لا يقتضي تكرار ما تعلق به العام بل يحصل الامتثال باستغراق المسند للافراد مرة في زمن ما جعل الأزمنة مطلقة فبنى عليه أن نحو اقتلوا المشركين لا يقتضي الا قتل الموجودين في مكان ما فلو استأصل المسلمون مشركي بدر مثلاً حصل الامتثال ولم يلزم تتبع البقية وزاد المص في مبحث تخصيص الكتاب بالسنة فقال: إن نحو قوله ﷺ القاتل لا يرث ليس تخصيصاً لآية يوصيكم الله في أولادكم لأن حالة كونه قائلاً غير مشمولة لعموم آية المواريث وذهل عن كونه في حالة القتل يطلق عليه أنه ولد وذلك كله خلاف التحقيق إذ التحقيق أن العام يقتضي تتبع الإفراد أينما وجدت ومتى ما وجدت وكيفما وجدت نحو افعل كل خير فيجب أن تتبع ما يصدق عليه أنه خير ف كل زمان ومكان وإلا لبطلت ماهية العموم. والتحقيق أن قضية العموم
стр. 238
إما كلية دائمة مطلقة إن كان الحكم على الأجناس نحو كل ولد يرث وهو التي الحكم فيها بدوام النسبة ما دامت ذات الموضوع. وإما عرفية عامة وهي التي حكم فيها بدوام النسبة ما دام وصف الموضوع وذلك عندما يكون الحكم على أوصاف نحو أسماء الموصولات والشروط وترتيب الحكم على الوصف والأولى نقيضها المطلقة العامة وهي التي حكم فيها بفعلية النسبة في الجملة أي في وقت ما ولا شك أنها مع ذلك جزءية لأنها نقيض الكلية فيثبت التناقض مع حالة ما كما أن نقيض العرفية العامة هو المطلقة العامة الحينية أي بزيادة قيد كونها في بعض الأحيان فظهر أن نقيضهما سواء وأن التناقض ثابت بمجرد خروج بعض الأفراد ولو في بعض الأحوال فإنكار كون إخراج فرد في حالة ما تخصيصاً إنكار لا تساعد عليه اللغة ولا المنطق ولا الاصطلاح الأصولي على أن كلام المصنف في تعريف الاستثناء من الباب الثامن ينافي هذه القاعدة حيث رأى في الشرح تغيير الحد الذي ذكره الإمام فأبدله بقوله "ما لا يدخل في الكلام إلا لإخراج بعضه أو بعض أحواله أو متعلقاته" فجعل إخراج الأحوال والمتعلقات من الاستثناء وهو تخصيص. وأما الذي بناه على هاته الشبهة وهو أنه لو لزم الاستيعاب في سائر الأزمان والبقاع والأحوال للزم عليه أن لا ينكف المكلف عن الفعل وأن يتعذر حصول الامتثال للأمر الوارد بشيء عام فدفعه وكشفه أن الامتثال يحصل باستيعاب الحكم لجميع الأفراد لكن مرة واحدة لأن المرة هي مقتضى الأمر ويحصل الامتثال في أوقات المكنة والتيسير وكذلك أمكنتها لأن ذلك مقتضى عدم التوقيت إن قلنا أن الأمر لا يدل على الفور فلو قيل أكرم جميع أهل العلم فأكرمهم في بلد ثم وجدهم في بلد آخر لم تلزم إعادة الاكرام لأن الأمر للمرة وكذا لو وجدهم في يوم آخر فإذاً ليس
стр. 239
عدم التكرار لعدم العموم بل لتحقق الامتثال من مقتضى الأمر فالعموم في متعلق الحكم والإطلاق في الحكم وأما ما يرد في بعض الأوامر من الدلالة على الاستيعاب فتوكيد لما فهم التزاماً من العموم يدل لهذا كله أنه لو وقع الفعل في حيز النفي أو النهي وكان متعلقه من صيغ العموم استفيد العموم في الأمرين معاً نحو لا تكرم أحداً لم تبق رائحة الإطلاق المدعى في عموم الأشخاص وبهذا تتزلزل هذه القاعدة المخترعة من أسوسها كما كادت هي أن تزلزل باب العموم (قوله وبلى لمخالفة النفي الخ) أي في الغالب وقد تجيء بمعنى نعم كما تجيء نعم في موقعها إلا أن نعم لما كانت للتصديق لم تدل بعد الاستفهام عن النفي على كون الجواب للنفي أو للمنفي وما نسبه المص للعلماء وهو مروي عن ابن عباس قيل أراد من الكفر عدم التصريح بالإيمان قيل لأنها أظهر في تقرير المسئول عنه وقال السهيلي الاستفهام التقريري كالإيجاب فلا يضر جوابه بنعم (قوله فإن قلت من عندك تصديق الخ) عليه منع ظاهر وهو عدم التساوي بين الخبرية النحوية أي الجملة وبين التعريف والقضية المنطقية بل بينهما العموم المطلق فكل تصديق خبر ولا عكس فإن الخبرية المشكوكة خبر لا تصديق ألا ترى أنهم قالوا أن المكسورة الهمزة يؤكد بها الخبر مع تصريح الشيخ
стр. 240
عبد القاهر بصحة وقوعها في جواب كيف وأين نحو أنه صالح في جواب كيف زيد صرح به في الإسناد الخبري مع تصريحهم في باب الإنشاء بأن كيف وأين يسأل بهما عن التصور. وجواب المص لا طائل تحته إذ ليس في الاستفهام تصديق بشيء من المعنيين فتأمل.
الفصل الثالث في مخصصاته
هي ما يخص العام ببعض الإفراد أي يقصره عيه وهي الإفراد الباقية بعد الإخراج. والمخصصات إن كانت منفصلة عن الصيغة فهي التخصيص وإن اتصلت بها لفظاً وزمناً فتسميتها بالتخصيص تسامح إذ لم يتحقق الشمول لصيغة العموم لأن الكلام بأواخره والعام المخصص بالنوع الأول جدير بأن يسمى مخصوصاً وبالنوع الثاني خاصاً كما تقدم في الفصل الثامن من الباب الأول. وأقسام المتصل خمسة. الاستثناء والشرط. والغاية. والصفة. وبدل البعض من الكل. عند من لم ير المبدل منه في حكم المطروح وإلا فهو خاص من أول الأمر والمنفصل هو البقية فمنه منفصل لفظاً وزمناً لتعارض عام وخاص ومنه منفصل لفظاً فقط كالعقل (قوله تخصيصية بالعقل كقوله تعالى الله خالق كل شيء الخ) لاستحالة أن يكون قد أوجد نفسيه وصفاته بالبداهة فهذا هو حكم العقل لا خصوص أدلة التنزيه (قوله مثال ما خصص بالإجماع قوله تعالى أو ما ملكت إيمانكم الخ)
стр. 241
جعل التخصيص فيه بالإجماع لأن قوله تعالى وأخواتكم من الرضاعة وحديث يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب كليهما عام فلا يصح أن يخصص كل منهما العام الآخر بل ذلك من تعارض العمومين ولذا قال علي ﵁ لما سئل عن الجمع بين الأختين في التسري "أحلتهما آية وحرمتهما آية" فوجب المصير إلى الإجماع. وأظهر من هذا في التمثيل قوله تعال والمطلقات يتربصن بأنفهسن ثلاثة قروء فإنه خص منه الأمة فإن عدتها حيضتان وذلك بالإجماع كما أشار له القاضي أبو بكر بن العربي في أحكامه (قوله وبالقياس الجلي الخ) لا يشرع الله أحكاماً إلا لحكم ومصالح فمتى ثبت حكم علمنا أنه لحكمه ثم نستخرجها باتباع مسالك العلة فمتى عرفنا الوصف الذي كان علة للحكم ثم وجدناه في شيء آخر ألحقناه بحكم ما ورد فيه النص. ومن القياس ما لا يستند إلى أصل وهو الراجع إلى المناسب أي ما يفهم منه مقصد شرعي إما باستقراء موارد الشريعة وسردها وإما بالرجوع إلى المقصد؟ ؟ ؟ ؟ ؟ من التشريع وه رفع التهاريج وتهذيب الأخلاق فالقياس أصل شرعي وما كله فرعاً عن نص بل منه ما لا يستند لأصل محكوم له بحكم شرعي بل مأخوذ من مقاصد الشرع وهذا معنى قول المص "والقياس مشتمل على الحكمة" على أن ما هو مقيس على أصل هو في الحقيقة ليس فرعاً عن المقيس عليه وإنما سمي المقيس عيه أصلاً باعتبار كونه منبهاً على العلة وإلا فالمقيس والمقيس عليه أخوان لاشتراكهما في علة الحكم وهي الحكمة أو أمارتها إلا أن أحدهما دعت إلهي الحاجة فنص عليه والآخر تأخر. فما ذهب إليه الجباءي غير مسلم والمص سلمه ثم حقق المناط فبين أن ما هو الفرع في وقت التخصيص هو فرع لغير العام الذي يخصصه فقال "والجواب أن النص الذي هو
стр. 242
أصل القياس الخ" وذلك لا يلاقي حجة الجباءي إذ الجباءي إنما منع التخصيص بالقياس لتنازل رتبته أي لفرعية نوعه عن نوع النص لا لفرعية المخصص في المسألة الجزءية عن العام المخصوص به إذ مثل ذلك لا يخفى عن مثله (قوله فأما أن يعمل بهما فيجتمع النقيضان أو لا يعمل بهما فيرتفع النقيضان الخ) دليل إقناعي لأن أوله صحيح وهو أنه لو عمل بهما يجتمع النقيضان بواسطة اجتماع الشيء والمساوي لنقيضه لأن النصين هما دليل الحكمين من إباحة وحرمة فإذا أعلمناهما معاً ثبت حكم التنافي بين مدلوليهما وأما آخره وهو أنا إذا أهملناهما يرتفع النقيضان فلا يتم إلا باعتبار الحمل على الظاهر الغالب بناء على أنه لا دليل للحكمين إلا هذان النصان وأنهما أذن وحظر مثلاً وهذا لا يطرد لاحتمال أن يكون لأحد المدلولين دليل آخر وهو الإباحة الأصلية أو التحريم لاشتماله على مفسدة. ولاحتمال أن يكون أحد النصين يقتضي الندب العام والمخصص يقتضي إباحة البعض فليس ثم ارتفاع نقيضين. فالتحقيق في الاستدلال أن يقال أن إهمالهما نبذ للنصين عمداً وهو حرام وأن تديم العام على الخاص أخذ بظاهر العموم مع وجود البيان لأن دلالة العام على الافراد ظنية من قبيل الظاهر ويصلح أن يشير لهذا الاستدلال قول المصنف - لأن العام دلالته على ذلك الخاص - أي الفرد الجزءي المخرج - أضعف من دلالة الخاص - أي الدليل المخصص - على ذلك الخاص - أي الفرد المخرج - لجواز إطلاقه - أي اللفظ العام - بدون إرادة ذلك الخاص - الفرد - والخاص - أي الدليل المخصص - لا يجوز إطلاقه بدون إرادة ذلك الخاص - أي الفرد الخ -. وأما تقديم الخاص على العام
стр. 243
أي إهمال العام فترك لما بقي في الدليل العام من الافراد وهو نبذ للشرع بلا داع فتعين أن نعمل بهما بأن نعطي الخاص ما يقتضيه نصاً ونثبت للعام ما يقتضيه ظاهراً وهو بقية الأفراد غير ما أعطي للخاص (قوله حجة الكرخي الخ) جوابها أن الضعف والقوة لو سلمناهما لا يكون لهما أثر في قبول التخصيص لجواز تخصيص الأقوى بالأضعف عملاً بالمتعارضين. وأما ما يذكرونه في منع تخصيص الكتاب بخبر الواحد فلان القوة في صحة النسبة للقائل فالتعارض فيه ضعيف بخلاف القوة والضعف الراجعين إلى المعنى. وترجمة الكرخي تقدمت.
ترجمة عيسى بن أبان
وعيسى بن ابان قال الخطيب في تاريخ بغداد عيسى بن أبان بن صدقة أبو موسى كان من أصحاب محمد بن الحسن الشيباني وملازميه ولي قضاء البصرة بعد أن عزل عنه إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة وتوفي بالبصرة في صفر سنة ٢٢١ إحدى وعشرين ومائتين وكان يحيى بن أكتم استخلفه على القضاء بعسكر المهدي (موضع من بغداد وهو المعبر عنه بالجانب
стр. 244
الشرقي) لما خرج يحيى مع المأمون إلى فم الصلح وكان من أهل الحديث وله كتب كثيرة احتج فيها لمذهب ابي حنيفة. وترجمة أبي الحسين البصري تقدمت وترجمة ابن سريح تأتي (قوله أما تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة فأما بالقول الخ) إن قلت كيف مثل بعد أن ادعى نفي وجود السنة المتواترة قلت لأن الإجماع دليل التواتر كما سنحققه في كتاب الإجماع (قوله والثاني أن قوله ﵊ القاتل لا يرث ليس بتخصيص الخ) قد علمت ما فيه مما تقدم
стр. 245
(قوله فيقتضي توريث كل ولد في حالة غير معينة الخ) فإذاً يكون مدلول العموم عد المص كما تقدم قضية كلية مطلقة عامة وهي التي حكم فيها بفعلية النسبة أي بكون ثبوتها للموضوع أو نفيها عنه ليس ضرورياً ولا دائماً بل في الجملة ومن المعلوم أن نقيضها يكون جزءية دائمة أي ثابتة ما دامت ذات الموضوع فإذاً قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم كلية موجبة مطلقة عامة فلا يناقضها إلا بعض الولد لا يرث دائماً ومن المعلوم أن هذا صادق بالولد القاتل فهو بعض فثبت التناقض وكان تخصيصاً حتى على رأي المص لأن الأحكام الشرعية منوطة بالأوصاف فبخصوص الوصف يصير الموضوع جزءياً لا يمشخصاته الذاتية وإنما ينفع المص كلامه لو كانت الجزءية تعتمد على التشخيص ولما كانت غالب التشريعات تعتمد أوصافاً وكان الإخراج إخراج موصوف أيضاً كان كلام المص عقيماً إذ لا حكم إلا للأحوال ح وقلما وقع الإخراج باعتبار الذوات في نحو الأمر بقتل ابن خطل تخصيصاً لحديث من دخل المسجد الحرام فهو آمن وهذا نادر في الشريعة جداً على أننا قدمنا أن التحقيق أن قضية العموم لا تخرج عن كونها دائماً مطلقة أو عرفية عامة (قوله فالذي يناقضه أن بعض الأولاد لا يرث في حالة ما الخ) المجرور من قوله في حالة ما متعلق بالمنفي وهو "يرث"
стр. 246
لا بالنفي أي "لا يرث" ولو في حالة ما والمراد نفي إرث البعض في جميع أحواله" لتصحيح مقابلته بقوله "في حالة خاصة" وقوله بعد "لأن نفي الخاص لا يلزم منه نفي العام" وهذه عبارات في غاية القلاقة فتثبت في فهمها على أساس ما ذكرت لك "قوله ويجوز عندنا وعند الشافعي وأبي حنية تخصيص الكتاب بخبر الواحد الخ) لنا ولمن ذكر معنا شروط في أصل قبول خبر الواحد تأتي في بابه واعتبارها عند التخصيص به أو النسخ أو غيرهما مما يرجع للبيان أو الإبطال أجدر من اعتبارها عند إثبات حكم مستأنف (قوله احتجوا بأن الكتاب مقطوع الخ) أي محقق النسبة إلى الشارع وخبر الواحد مظنون فكيف نبطل شيئاً من معنى ما هو مقطوع النسبة للشرع بما لا ندري صحة نسبته فقوله "فلا يقدم على المقطوع" صوابه فلا يعارض به المقطوع إذ التخصيص ليس بتقديم بل هو إعمال لكلا الدليلين وأولى من جواب المص أن نقول أن التعارض لم يقع بين النصين لما قلتم ولكن وقع بين الواجبين في حقنا لأننا متعبدون بالمقطوع وبالمظنون فإذا بلغ خبر الآحاد عندنا مبلغ الصحة وجب علينا العمل به كما يجب بالآية فثبت التعارض وجاء وجه الجمع بالتخصيص (قوله في خبر فاطمة ابنة قيس الخ) وذلك أن زوجها طلقها البتة فطالبته بالنفقة فقال لها مالك على من شيء فجاءت إلى رسول الله ﷺ فقال لها ليس لك عليه نفقة ولا سكنى وأمرها بالاعتداد في غير بيت زوجها. روى بعضه مالك في الموطأ وروى زيادة ليس لك عليه نفقة ولا سكنى مسلم. فلما كان في خلافة عمر ذكروا له هذا الحديث فقال مقالته التي ذكرها المص وفي رواية لا ندري حفظت أو نسيت وقضى بالسكنى
стр. 247
لقوله تعالى أسكنوهن. وقوله لا تخرجوهن من بيوتهن. وقال الدارقطني قول عمر لا نترك كتاب الله لم يحفظ الثقات فيه زيادة وسنة نبينا. وفاطمة بنت قيس هذه صحابية جليلة قرشية وهي أخت الضحاك بن قيس كانت ذات جمال وعقل ومنطق وفي بيتها اجتمع أهل الشورى عند قتل عمر ﵁ كانت متزوجة بأبي عمرو بن حفص ابن المغيرة فطلقها فتزوجت أسامة بن زيد (قوله ومن العلماء من حمل فعله على أن هذا حكم الأفضية الخ) هو قول مالك ﵀ وهو أولى لأن فيه جمعاً بين المتعارضين ولأن النبي ﷺ أجدر بأن يعظم شعائر الله
стр. 248
فإن قلت: ما حكمة تخصيص الكراهة بالافضية قلت مشائعة للمتعارف في آداب البشر فإن المرء يستحي حيث لا حائل يستره ولما كان في الفضاء يتوهم نفسه لا حائل بينه وبين الكعبة والوهم هو سلطان القوى كلف في تلك الحالة بالتحاشي مما يعده الوهم استخفافاً بخلاف حال البيوت. ومن هذا القبيل ما روي أن أبا بكر ﵁ كان يتقنع في الخلاء حياء من الله مع أن الله ينظره من تحت القناع ولكنه أرضى نفسه بما اعتاده الوهم وكذلك شرع للمصلي المنفرد في بيت ستر عورته مع أن الله يراه من تحت الإزار (قوله وعندنا العوائد مخصصة الخ) المراد العوائد العامة وهي ما غلب على الناس من قول أو فعل أو ترك وهي تخصص ما قارنته فإن قارنت نصاً شرعياً خصصته وإن قارنت ألفاظ الإيمان والعقود خصصتها.
أقول وهذا ما لم يدل دليل على أن العموم جاء لشمول تلك العادة بالحكم مثل قوله ﷺ كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل بعد تعودهم اشتراط الولاء للبائع (قوله فائدة العوائد القولية تؤثر في الألفاظ تخصيصاً الخ) العوائد القولية هي الحقائق العرفية وشرطها أن يهجر استعمالها في غير ما اصطلح عليه حتى تصير نقلاً كما أشار له المصنف هنا
стр. 249
وصرح به في الفرق الثامن والعشرين فإن كانت عامة لبلد أو فريق حملت عليها الألفاظ العامة فيه كألفاظ العقود الالتزامات وإن كانت خاصة بشخص حملت عليها ألفاظه الخاصة في إيمانه ونذوره وطلاقه وعتقه لا في العقود ويجدر أن تسمى بالعوائد الفردية وليس هذا الحمل في التحقيق من تخصيص العموم بل من حمل اللفظ على عرف قائله كما أشار له قول المص "وسببه أن العوائد اللفظية ناقلة للغة الخ) فالمراد من العوائد القولية في كلام المص هنا حقائق عرفية في إطلاق الألفاظ سواء كانت عامة أم خاصة بواحد من النسا. وأما العوائد الفعلية الخاصة فهي غلبة صدور فعل دون غيره من جنسه من شخص حتى يظن أن لفظه إذا أطلق لا ينصرف إلا لما غلب عليه فعله لأنه الذي يخطر له عند الذهن وإذا حمل اللفظ عليها كان تخصيصاً لا محالة وقد حكى المص الإجماع على عدم التخصيص بها واعترض عليه هذه الحكاية ابن عرفة وغيره وأوردوا مسائل من المذهب وقع تخصيصها بالفعلية وأما العوائد؟ ؟ ؟ ؟ ؟ العامة وهي غلبة صدور فعل دون غيره من عموم الناس أو من غالبهم فلا شبهة في التخصيص بها لعمومات الشريعة إذا كانت العادة موجودة وقت التشريع ولعمومات أقوالهم وقد خص المالكية ذوات القدر والشرف من عموم قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن وكذلك من وكل رجلاً على أن يشتري له ثوباً فاشترى له ما ليس من لباس أمثاله فإنه لا يلزمه ما اشتراه وقد اعترض بهذا صاحب البرنامج على المص في كلامه هنا وهو في الحقيقة يئول إلى عادة عامة بدليل قولنا أمثاله ألا ترى أنهم لم يبطلوا فعل الوكيل لو اشترى له ما لم يعتد هو لباسه كما لو كان يتجنب بعض الألوان
стр. 250
على أن هذا في فروع قليلة والضابط أنه حيث يتعين الأمر يصار إليه وإلا بالمصير للقاعدة وقد اعترض ابن الشاط على المصنف في الفرق الثامن والعشرين ورأى أن العوائد الفعلية من قبيل البساط يقيد به مطلق اللفظ. إذا تقرر هذا فحمل يمين الحالف بإيمان المسلمين على الصوم، والحج دون الاعتكاف هو من التخصيص بالعادة الفعلية العامة وليس من التخصيص بالعوائد القولية إذا العوائد القولية شيوع إطلاق اللفظ على بعض معانيه دون غيرها وليس إطلاق لفظ اليمين بغالب على الحلف بالحج والصوم دون الاعتكاف إذ لا دليل عليه بل إنما كثر فعل الحج والصم دون فعل الاعتكاف أو كثر الحلف بهما دون الحلف بالاعتكاف وفعلهما أو الحلف بهما هو من قبيل الفعل لا من قبيل اللفظ الدال على الجنس وإنما أوجب الاشتباه هنا أن مسمى اليمين هنا هو لفظ وهو صيغة القسم الإنشاءي فظن أنه عين الاسم الذي هو لفظ يدل على جنس القسم فليس هذا من تخصيص لفظ اسم اليمين في العرف بأن لا يطلق على كل يمين أي صيغة قسم بل هو من حمل لفظ الإيمان على ما غلب عليهم الحلف به وهو من مسمى اليمين لا من اسمه فهو فعل لساني لا اسم لغوي وعليه فهو من تخصيص البساط وليس لفظ يمين هو الذي شاع في خصوص ما ذكر وإلا لا نقلب نقلاً لفظياً على أن عموم الحلف به بين الناس يخرج محمله عن اعتبار العوائد الخاصة التي هي محل حكاية الإجماع وقد غفل عن ذلك المصنف وخلطه فأوهم كلامه أن الإجماع متعلق بالعوائد الفعلية كلها حتى العامة مع أن موضع المسألة في المتن ينافيه. وعليه فالحكم بتغليظ أكابر الفقهاء في تعليلهم هاته المسألة ليس من التحقيق في شيء لأنهم ناطوا التعليل
следующие страницы →