وأحد فصلي الماهية والاختلاف في الفصل الآخر وهو طريق الإدراك ولم يشترك المعنى الحقيقي والمعنى المجازي على الوجه الثاني إلا فيما يتنزل منزلة الجنس من ماهية المعنى الحقيقي وهو مطلق الإدراك دون القيدين المنزلين منزلة الفصلين فلذلك كان الأول أقرب للحقيقية كما هو بين. وقوله والعلاقة في الاثنين أي في الوجهين. وقوله التعبير بالأخص عن الأعم أي التعبير بلفظ النوع عن الجنس أو التعبير بالمقيد عن المطلق وهو كالأعم (قوله فائدة قال الله تعالى ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الآية إلخ) الآية صريحة في أن الموتتين أسندتا للذوات كما قال المص لأن ضمير المتكلم يعود على ذاته لأن المشار إليه بأنا الهيكل المخصوص وإنما صح وصفهم بالموت في حال خلق الجسم قبل الروح لقبولهم الحياة لأن وصفهم بالعدم لا يتوقف إلا على قبولهم للملكة لا على اتصافهم بها بالفعل وسمي فعل الله إماتة لأنه أنشأهم كذلك على حد قولك للصانع ضيق كم الجبة ووسع طوقها أي أنشأها كذلك وليس ثم تضييق واسع ولا توسيع ضيق كما في الكشاف وما قرره المص فيه بعد وسماجة والأولى في الجواب أن هذا حديث عن قول أهل النار فلا يعارضه الحديث عن أهل الجنة والمراد من الاثنتين مطلق التكرير على حد ما قيل في قوله ثم ارجع البصر كرتين أو أنهم قالوا ذلك بعد أن تكرر عليهم الموت والإحياء في النار مرتين فقالوا هل إلى خروج من سبيل للإشارة إلى شدة ما ذاقوا حتى ظنوا أن ذلك يكفر ذنوبهم.
стр. 282
(الفصل الثالث في أحكامه)
(قوله اختار الإمام أن المنقطع مجاز إلخ) أي مجاز عقلي لأن الإخراج معنى قد أسند إلى غير من هو له إذ شرط صحة الإخراج سبق الدخول فأسند إليه ذلك لملابسة الداخل وهذا معنى المجاز العقلي وهو معنى قوله في التركيب أي في الإسناد الحاصل في التركيب وإطلاق اسم المركب عليه اصطلاح غير متعارف وقد تقدم التنبيه عليه عند قول المص في الفصل السابع من الباب الأول في الحقيقة والمجاز «وبحسب الموضوع له إلى مفرد نحو أسد للرجل الشجاع ومركب نحو
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كرر الغداة ومر العشي
إلخ» وذا كان كذلك فإلا مستعملة في حقيقتها والمجاز في الإثبات كما هو معلوم وبه يظهر أن قول الإمام «خلافاً لمن قال أنه مقدر بلكن» يريد به خلافاً لمن يرى إلا مستعملة في الاستدراك عوض الإخراج تشبيهاً ما يتوهم دخوله من فحوى الكلام بما يتوهم دخوله في الفظ فتكون إلا استعارة تبعية مقدرة بلكن أو بسوى على خلاف فهي عبارة صحيحة عند التحقيق وحكم المص
стр. 283
عليها بالبطلان بعد أن تابع عليها الإمام ذهول عن مراد الإمام لخفائه لا بطلانه. وأما قوله ومن قال أنه كالمتصل فهو قول ثالث فمعناه أن المخرج المنقطع لابد أن يكون له علاقة بمدلول اللفظ فيصح إخراجه حقيقةً وعليه فتكون إلا مشتركاً بين إخراج ما شمله اللفظ وإخراج ما شمله المقام هذا مراد الإمام الذي أجمل المص بعضه وزيف بعضاً (قوله فحكاية الخلاف عنه في إلا وأخواتها لم أتحققه إلخ) لا شك أن التعليق على المشيئة الوارد في القرآن من قبيل الاستثناء من عموم الأحوال فقول ابن عباس ﵄ فيه قول يثبت في إلا وأخواتها بتنقيح المناط ولذلك حكى عنه الأصوليون هذا القول في باب الاستثناء مطلقاً (قوله وإذا كان قبيحاً عرفاً قبح لغة إلخ) بحكم الاستصحاب المقلوب وهو الاستدلال على ثبوت حكم في الماضي بثبوته في الحال إذ لا
стр. 284
يعرف موجب للتغيير عن الأصل والأصل وعدمه (قوله واختار القاضي عبد الوهاب والإمام جواز استثناء الأكثر إلخ) توسع الأصوليون في البحث عن سر اللغة ولاشك أن هذه المسألة جديرة بالاعتبار لأن أصل الاستثناء إخراج لما أسرع المتكلم بإدخاله لذهول أو تقليل بتنزيله منزلة ما يغفل عنه ويذهل فيجب أن يكون المخرج مما شانه أن يذهل عنه فلا يكون جميع المستثنى منه للزوم العبث إلا في مقام التمليح بتهكم أو سخرية نحو فاز فلان بألف إلا ألفاً تعريضاً بإخفاقه كما جاء نظيره في قول الشاعر
إذا اقتسم الهوى أعشار قلبي ... فسهماك المعلى والرقيب
ولا جلة (بضم الميم) أو مساوية لبطلان الذهول وإدعائه وقد أشرنا إلى شيء من هذا في الفصل الخامس من الباب السادس. فقوله تعالى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ جار على طريقة إلغاء المتكلم للأمر الذي هو على خلاف ما يرجوه لأن مساق الآية في أمر سيكون في المستقبل وشأن المتكلم بذلك أن يؤمل أنه لا يكون إلا على حسب ما يرجوه مع قطع النظر عن احتمال حصوله في الخارج على خلاف ما يرجوه فتكون في الاستثناء إذاً إشارة إلى أن الغاوين لا يحب الله منهم غوايتهم ولذلك فرضت قلتهم ويصير الاستثناء على هذا التقدير استعارة تمثيلية لأن هذا الكلام يمثل حال من يتكلم بحسب تقديره وأمله وإن كان قد يصادف أن يكون على خلاف ذلك. أما البحث في مدلولات عقود الناس وإقراراتهم فهذا يجب النظر فيه إلى مدلولات الألفاظ باعتبار ما تقتضيه فيجب الاعتداد باستثناء الأكثر والكل أيضاً
стр. 285
وإذا كان مستغرقاً نظر للبساط فإن عرف كونه هازلاً يعتبر فيما يغتفر فيه الهزل وإلا بطل ففي نحو أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً يقضي عليه بطلقة على كل تقدير ولهذا كان الخلاف الذي نقله ابن طلحة إنما هو في لزوم الثلاث لا في لزوم أصل الطلاق (قوله في هذه المسألة خمسة مذاهب إلخ) خامسها المذكور في قوله وحكى ابن طلحة وإنما أبعده طول تقرير المذهب الرابع (قوله لا يجوز إلا الكسر ويمتنع عقداً إلخ) ليس المراد بالكسر مصطلح الحسابيين ولا بالعقد مصطلح النحاة وأصل هذا القول أن المعتبر لا يغفل عنه حتى يستثنى (قوله والزيدي في شرح الجزولية إلخ * كذا في النسخ والصواب الأزدي وهو عمر بن محمد الشلوبين الأزدي الأشبيلي المتوفى سنة ٦٤٥ خمس وأربعين وستمائة له شرح الجزولية ومعنى الشلوبين بلغة الأندلس الشعر الأبيض والجزولية مقدمة في النحو حسنة الصنع لعيسى ابن عب العزيز الجزولي البربري المراكشي المتوفى سنة ٦٠٧ سبع وستمائة أخذ عنه الشلوبين وابن معطي كان إماماً في النحو لا يشق غباره وهي مقاربة لجمل الزجاجي.
(ترجمة ابن طلحة الأندلسي)
وابن طلحة الأندلسي هو عبد الله بن طلحة بن محمد بن عبد الله اليابدي الأشبيلي المالكي ولد بأشبيلية ثم انتقل إلى مصر ثم استوطن مكة وكان حياً بها سنة ٥١٦ ست عشرة وخمسمائة وبها توفي كان إماماً في الفقه واللغة والأصول له معرفة تامة بكتاب سيبويه ارتحل له الزمخشري إلى مكة ليأخذ عنه الكتاب فقرأ عليه وناهيك بذلك، ألف
стр. 286
تفسيراً. وسيف الإسلام في الفقه. والمدخل في الفقه مقدمة لسيف الإسلام نقل عنه ابن عرفة في كتاب الطلاق من مختصره هاته المسألة واشتهر بها عند المتأخرين كما يؤخذ من أزهار الرياض للمقري (قوله وعن الثاني أنه ممنوع إلخ) أي دعوى الإجماع ممنوعة وسد المنع وجود الخلاف في المذهب الحنبلي فلذلك صار الاستدلال به استدلالاً بمحل النزاع (قوله وقالت الحنابلة في الخرقي إلخ) هكذا في النسخ وهو تحريف صوابه الحذقي بحاء مهملة فذال معجمة فقاف مختصر في فروع الحنابلة للشيخ أبي القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الحربي الحنبلي المتوفى سنة ٣٣٤ أربع وثلاثين وثلاثمائة كان ببغداد قال الخطيب في تاريخها خرج من مدينة السلام لما ظهر سب الصحابة وانتقل لدمشق فمات بها وكانت له مصنفات كثيرة غير المختصر إلا أنها احترقت بعد خروجه من بغداد عند من أودعها عنده بدرب سلمان وكتابه سماه صاحب كشف الظنون مختصر الحذقي قلت ويجوز أن يكون أصل التحريف الحربي بالحاء والراء والباء. وإنما قال ذلك الحنابلة لأن مذهبهم منه استثناء المساوي والأكثر وقال به عبد الملك ابن الماجشون وابن درستوية من النحاة كما نقله الفهري في شرح المعالم (قوله أحدها نقل ابن طلحة إلخ) مخالفته لما تقدم أنه
стр. 287
اقتضى وجود الخلاف فيخالف حكاية الإجماع وكون الخلاف في مذهب مالك فيخالف إطلاق النسبة لمذهب مالك بامتناع المستغرق (قوله وثانيها نقل صاحب الجوهر إلخ) مخالفته لما تقدم بتقييد إطلاقه. وهو أن الخلاف في صحة المستغرق لم يفصل هل المراد المستغرق لفظاً ومعنى أو ولو لفظاً فقط وما نقله صاحب الجواهر مبني على جواز ورود الاستثناء على الاستثناء وهو الصحيح وأنكره بعض الفقهاء وهو أبو علي الواسطي في مناظرة جرت بينه وبين أبي النحاة محمد لفرضي البصري ثم المصري من أيمة المالكية في قول المقر على عشرة إلا أربعة إلا واحداً فاحتج عليه أبو النجاة بقوله تعالى ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ قدرنا ذكرها عيض في ترجمته من المدارك (قوله لأن الثلاث الأولى كانت مثبتة إلخ) أي مرادة بالتقييد ثم أريد إخراجها وهو الثلاث الثانية ثم لم استثنى منها اثنان فقد اثبتا مرة أخرى فلم يبق منفياً إلا واحدة من الثلاث فلزمت الاثنتان وهذا كله مبني على الاعتداد بالمستغرق اللفظي والأولى في تقريره أن نقول ثلاث إلا اثنتين معناه واحدة كما تقدم عن القاضي أبي بكر فكأنه قال طالق ثلاثاً إلا واحدة كما تقدم عن القاضي أبي بكر فكأنه قال طالق ثلاثاً إلا واحدة وتتبقى اثنتان (قوله وثالثها نقل صحابنا إلخ) مخالفته لما تقدم كالثني بتقييد إطلاقه وهو أن الاستغراق لفظاً لا اعتداد به إذا كان المعنى غير مستغرق سواء كان نفي استغراق المعنى من جهة لفظ المستثنى وهو نقل الجواهر أم من لفظ المستثنى منه كما هنا (قوله لاسيما والنقد أن لا يتعينان عندنا إلخ) لا أثر له في تقرير المسألة بحال لأن البحث
стр. 288
عن عدم الاعتداد بالأسماء المعطوفة في مقام الجمع لا عن عدم الاعتداد بمسياتها. وصاحب الجواهر هو ابن شاس عبد الله بن محمد بن نجم بن شاس الجذامي المصري المتوفى سنة ٦١٠ عشر وستمائة أخذ عن الغزالي وكان عارفاً بقواعد المذهب وولي تدريس المدرسة المالكية المجاورة للمجاورة للجامع العتيق بمصر ألف كتاب الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة وهو كتاب جليل (قوله ورابعها قال ابن أبي زيد في النوادر إلخ) لا يمكن تقرير هذا الفرع وتوجيهه إلا بأن لصورة الأولى مبينة على أن المستغرق باطل فيبقى لفظ طالق كأنه لم يوصف وهو مطلق كأن لم يقيد بصفة ومئال عدم التقييد مساو لمثال التقييد بالوحدة لكن من جهة أن المرة ضرورية للمطلق لا من جهة دلالة المطابقة فدلالته على الوحدة عند إبطال الاستثناء بطريق النصية لأن واحدة نص في الوحدة وأما على اعتبار الاستثناء فقد بطلت الوحدة فدلالته على الوحدة بطريق الظهور لأن لفظ طلق ظاهر في الواحدة. أما الصور الثانية وهي أن يزاد فيها استثناء على استثناء فإنه يلزم إرجاع الثاني إلى طالق ضرورة أن واحدة إلا واحدة بطل مدلولهما من جهة قاعدة بطلان المستغرق فيرجع الاستثناء الثاني لقوله طالق وقوله طالق صالح لإفادة الكثرة بالقرينة إذ ليس نصاً في الوحدة كما كان؟ ؟ ؟ ؟ ص ١٤ عند وصفه بالواحدة وإذا استثنى واحدة من مدلول طالق كان الاستثناء منه قرينة على أنه أراد من المطلق التعدد لأن الاستثناء معيار التعدد فيحمل على أقصى التعدد في الطلاق وهو الثلاث أخرجت منها واحدة فبقي اثنتان لأن أعمال الكلام خير من إهماله ما أمكن هذا غاية ما
стр. 289
يتكلف به. وفيه أن القيد الأخير يصرف إلى الذي قبله فيبطله كما أبطل هو ما قبله لأن كلا مستغرق للذي قبله. أما تقرير المص فغير ملائم لنص كلام الشيخ ابن أبي زيد لاقتضائه لزوم الاثنتين للصورة الأولى وكلامه ينافيه فتدبر فيه (قوله نحو الجلاب إلخ) أي مختصره وهو مختصر في الفقه المالكي اشتهر بلقب مؤلفه أبي القاسم عبد الله ابن الجلاب المالكي البصري المتوفى سنة ٣٧٨ ثمان وسبعين وثلاثمائة سماه التفريع (قوله والاستثناء من الإثبات نفي إلخ) هكذا في جميع النسخ وهو سهو وإصلاحه بعكسه لأن الاستثناء من النفي هو المتفق عليه كما حكى قدماء الحنفية وغير واحد والآخر هو موضوع الخلاف وقد وقع مثل هذا السهو في مختصر ابن الحاجب وتعقبه سعد الدين. فما أورده المص عليهم إنما يرد على المتأخرين خاصةً لأن الأمثلة كلها من قبيل النفي وسيأتي توجيه انتفاء الخلاف في الأول (قوله ومن أصحابه المتأخرين من يحكي التسوية بينهما إلخ) وهو الظاهر إذ لا وجه للتفرقة لأنه لا تفرقة بين البابين في اختلاف العلماء في أن مدلول الخبر ما هو والظاهر أن الذي حدا المتقدمين للتفرقة هو أن القضية المنفية لما لم يحصل منها حكم معتبر تعين أن المقصود من الحكم هو المستثنى خصوصاً في المفرغ بخلاف المثبتة فلما كان الحكم قد حصل على المستثنى منه علمنا أن المستثنى قصد إخراجه من الحكم هذا غاية ما يعالج به كلامهم (قوله واختلفوا في أن زيداً هل هو مخرج من القيام إلخ) أي هو مبني على الخلاف في أن مدلول الخبر هل هو الحكم بالنسبة أعني هو ثبوت النسبة أي النسبة الخبرية والكلامية المعبر عنها أيضاً عند المناطقة
стр. 290
بالوقوع واللا وقوع وهي مراد المص من قوله «هل هو مخرج من القيام» لأن القيام وإن كان هو المحمول لا النسبة لكنه لكونه هو المقصود من النسبة الخبرية ومحلها جعله كناية عنها. فإذا وقع استثناء كان إخراجاً من الحكم على الأول فيثبت له النقيض أعني لا حكم ومن الوقوع على الثاني لا وقوع فيثبت له النقيض الآخر. والظاهر أن مدلول الخبر هو النسبة الكلامية وإلا لم يعرف كون الخبر كذباً لأن كل كاذب يقول هذا حكمي. إلا إذا فسر الصدق على رأي بأنه مطابقة الاعتقاد فيعرف بالقرينة أنه يعتقد ما في الخارج على حسب حكمه أو لا وهو المشار إليه في تقرير حجتهم بقول المص «ثم يستدل بظاهر حاله على أنه صادق في مقاله فيعتقد أن القوم قاموا في الخارج» لكن هذا التفسير للصدق أضعف المذاهب فيه. ولكان (١) تصدي المخبر للأخبار عبثاً لأن أغراض السامعين إنما تتعلق بتعرف أحوال الأشياء في الخارج لا باعتقادات المخبرين. ولكان كلام المجنون معتبراً لأنه على اعتقاده فلا يخرج إلا كلام الساهي. والظاهر أن القائلين بالأول يجعلون الكذب من لوازم القضية لا منها كما يجعلون المواضع التي يتعين فيها إثبات حكم للمستثنى مثل كلمة الشهادة والإقرار متعرفة من القرائن فيكون تركيب الاستثناء مستعملاً في غير ما وضع ليستعمل فيه بالقرية واللغة تشهد للمحققين. وقد حدثني جدي العلامة الوزير ﵀ أن بعض علماء الحنفية جمعه وإياه مأتم فقرأ القارئ فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبي فقال العالم الحنفي هذا يشهد لمذهبنا إذ لو كان الاستثناء يقتضي وصف استثنى بنقيض حكم المستثنى منه لما كانت فائدة في زيادة أبي لا غناء إلا
стр. 291
عنها قال فقلت له: إن فائدة الزيادة هو تسجيل العضيان والكفر على إبليس لأن ترك السجود قد يكون لعذر من غيبة وسوء فهم فذكر أبي للتصريح بسوء قصده (قوله احتجوا بأن الألفاظ اللغوية إنما تفيد المعاني الذهنية إلخ) المقدمة الأولى في حيز المنع بل الألفاظ اللغوية إنما تفيد المعاني الخارجية لأن مدلول قام قيام في زمان ماض وهو شيء خارجي ومدلول قائم ذات اتصفت بالقيام وهو أيضاً خارجي وأما الوجود الذهني فتبع كاللفظي والكتابي وكذلك المعاني الذهنية التي يحدثها اللفظ في نفوس السامعين والمقدمة الثانية أيضاً باطلة وهي قولهم «وتفيد الأحكام الذهنية الأمور الخارجية» إذ لا علاقة بين الأمرين إلا أن يدعى أن النفس لا تستفيد معنى خارجياً إلا بعد ارتسامه في الحس المشترك وهذا تعسف لا يبحث عنه لأن حصول درجات العلم متعاقبة متقاربة والبحث في تدرجها لا يعني أهل اللغة. والظاهر أن هذا ما يشير له المص بقوله «ترجيح لخلاف المتبادر إلخ» (قوله فائدة قول العلماء الاستثناء إلخ) هذا جواب قوله ولربما احتجوا بحديث لا صلاة إلا بطهور وحاصله أنه قصر إضافي بالنسبة لشرط الطهارة خاصة وقد زاد المص في الفرق الثاني والسبعين عن المذهب أن كون الاستثناء من النفي إثباتاً مخصوص بغير الإيمان أما في الإيمان فمذهبنا أنه مسكوت فلو قال
стр. 292
لا لبست اليوم غير الكتان جلس عرياناً لم يحنث وعند الشافعي يحنث (قوله فائدة قلت لفضلاء الحنفية إلخ) هذا السؤال إلزام بتقييد الخلاف في الاستثناء من النفي بغير المفرع لأنه إذا ادعى كون المستثنى فيه مسكوتاً عنه لزم عرو الجملة عن الفائدة لأن مدلولها نفي والمنفي عنه غير مذكور إلا ما تفرع له العامل وهو المستثنى فإذا كان مسكوتاً عنه كان الكلام كالسكوت وجوابهم عنه بالقول بالموجب وكأنهم يجعلون المقصود من الفائدة في المفرغ هو الحكم على المستثنى منه المحذوف العام لقصد نفي الحكم عما عدا المستثنى وذلك قرينة على كون المراد الحكم عليه بالذي نفي عن غيره وهذا مرادهم من قولهم «إنما هو بقرائن الأحوال إلخ» وفيه إن هذا تكثير للمجاز وهو خلاف الأصل وقد أجمع أئمة العربية من المفسرين على أن إنما بمعنى ما والإفادة لم تكن ما وإلا موجبة إثبات نقيض الحكم لم يكن مثل قوله تعالى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ مفيداً شيئاً إذ تصير الأشياء المعدودة مسكوتاً عن الحكم عليها (قوله وإذا تعقب الاستثناء الجمل يرجع إلى جملتها عند مالك إلخ) أي ما لم تقم قرينة على عودة للأخيرة فقط ولهذا اتفقوا على عودة للأخيرة فقط في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ إلى قوله ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ دون قوله ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ للأدلة القائمة على أن الحقوق البشرية لا تسقطها التوبة ولا صلاح الحال حتى يعفو لأصحابها وغنما تسقط التوبة الحقوق العامة التي العقاب عليها عقاب لزجر على خبث النفس فإذ زال بالتوبة سقط العقاب لأن المقصود منه حصل إما حقوق الناس فهي تعديات ثابتة والعقاب عليها أخذ بحق وانتصار لمظلوم لإرضائه فلا تأثر التوبة في
стр. 293
حصول المقصود من ذلك ولهذا حمل ملك ﵀ قوله تعالى ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ بأنه يوضع عنه بالتوبة كل حق لله ويؤخذ بحقوق الناس وفي دم أو مال فليس في قول مالك مخالفة لأصوله وإن ظنه من لا يرى الظاهر دون تحقيق (قوله ومشترك بين الأمرين عند الشريف إلخ) أي اشتراك الاستعمال كما يأتي التنبيه عليه في ثانية الفوائد من الشرح يعني أنه استعمل لهذا ولهذا وعلى حجته منع ظاهر لا مكان القرينة (قوله ولقائل أن يقول أن الشروط اللغوية أسباب إلخ) ملخصة إبداء الفارق بين الاستثناء والشرط حتى لا يلزم الحنفية قياس الاستثناء على الشرط المتفق على رجوعه لجميع الجمل وهو المشار إليه بإجمال في قول المص «إن الشرط إذا تعقب جملاً عاد إلى الكل فكذا الاستثناء إلخ» وحاصل التفرقة إن لشروط اللغوية وهي المراد هنا أسباب والسبب مظنة الحكمة أي المناسبة لما علق عليه احترازاً عن العبث فيناسب تعميمه بخلاف الاستثناء وهو كلام لا يقرر بأكثر من إعادته لأنه مجموع مغالطات دقيقة إذ لا ملازمة بين الحكمة وبين التعميم إذ لا مانع من كون المناسبة لمضمون بعض الجمل دون مضمون البعض الآخر فلا يتم التقريب ولعلنا إذا عممناها سحبناها على ما لا مناسبة بينه وبين فلابد حينئذ له من معرفة ما هي سبب له من غيره وهذا هو المبحوث
стр. 294
عنه هنا من إرجاعها إلى جميع أو إلى البعض فإذا ينحصر البحث المذكور فيها وفي الاستثناء من جهة واحدة أي من حيث أن الجميع قيود متعلقة بالكلام وهي من هذه الوجهة لا تفاوت بينها وعلى تسليم جميع ما ذكر فالاستثناء أيضاً إخراج وهو مظنة المانع من اتحاد الحكم والمانع مظنة الحكمة والمناسبة لانتفاء الحكم فناسب أيضاً تعميمه كالسبب فالتفرقة بينهما لا تخلو عن تحكم على كل تقدير ومع مل تسامح (قوله حجة أبي حنيفة من وجوه إحداها إلخ) جوابها أنه لا فرق بين الاستثناء وبين غيره من القيود إذ القصد من الجميع الإخراج فاندفع الوجه الأول وكذا الثاني والثالث لأنهما مشتركا الإلزام مع بقية القيود كما يظهر بالتأمل (قوله فائدة مثال عودة في كتاب اله إلخ) أراد من هاته الفائدة تحرير محل الخلاف في عود الاستثناء المتعقب جملاً لجميعها بأنه في حيث
стр. 295
تصلح تلك الجمل لاستثناء المستثنى من مضمونها وفي حيث لا قرينة على تخصيص الاستثناء ببعضها فالآيتان آية آل عمران وآية المائدة تشتركان في عود الاستثناء فيهما إلى جمل متعددة بحيث لم يقصر على الأخيرة لكن تختص آية آل عمران بعود الاستثناء للجميع لصلوحيته لذلك أما آية المائدة فإنه عائد فيها إلى البعض الصالح لإخراج المستثنى من مضمونها لأن قوله ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ استثناء من عموم أحوال وكل من الميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به لا يكون من أحواله كونه مذكى أم للمانع من ذلك عقلاً أو شرعاً كما هو واضح فتعين عودة لما يحتمل من أحواله كونه مذكى وهو المنخنقة وما عطف عليها فتكون في سائر أحواله إلا في حالة اتصال الزكاة بها زكاة تؤثر في موتها احترازاً مما إذا بلغت حد السياق بحيث تموت قبل اتصال الزكاة بها أو معها والآية الثانية مثال لما قامت القرينة على عودة لجملة واحدة وهي هنا قرينة لفظية وفي
стр. 296
الآية الرابعة قرينة معنوية فتدبر (قوله فها هنا المحكوم عليه واحد قطعاً إلخ) أي لأن الثلاثة من حروف لعطف لأحد الشيئين أو الأشياء فيتعين أن الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة بها يرجع إلى واحد. وهذه شبهة لأن كون المحكوم عليه واحداً في المعطوف بهاته الأحرف إنما هو بالنظر للواقع لا للمفهوم كما هو ظاهر لأنه في الواقع لا يقع إلا واحداً والاستثناء إنما هو من مضمون الجملة وهو مفهومها والمفهوم متعدد بتعدد ما يدل عليه فلا شك أن قاعدة عود الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة تتأتى هنا ويرجع إلى جميع الجمل على معنى أن أي مضمون جملة منها تحقق في الخارج كان مستثنى منه ما ذكر ولو أرجع الاستثناء إلى الأخيرة فقط للزم أنه لو تحقق مضمون غيرها لم يكن مستثنى منه شيء وهذا إبطال للقاعدة بدون داع (قوله وإذا عطف استثناء على استثناء إلخ) المراد بالعطف مطلق الذكر ولو بدون واو بدليل نحو إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته وبهذا يظهر وجه ذكر الفائدة المنقولة عن السيرافي في هذه المسألة (قوله وإلا عاد إلى الاستثناء الأول إلخ) المراد بالأول هنا
стр. 297
الأول الإضافي وهو ما بعده ثان له أي عاد إلى ما قبل لأنه إذا ذكر ثلاث استثناءات كما في صورة حكاية السيرافي عاد كل إلى ما قبله (قوله الأولى أن العرب لا تجمع بين إلا وحرف العطف إلخ) أي جمعاً بقصد اتحاد المعنى أما الجمع لفظاً فلا يمكن إنكاره المعنى أنهم لا يجمعون بينهما على أن أحدهما مؤكد للآخر (قوله فائدتان الأولى قد يكون الاستثناء عبارة عما لولاه لعلم دخوله إلخ) المراد بالعلم والقطع في القسمين الأول والرابع العلم المستند لمدلول اللفظ لا الموفق للواقع عن دليل لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يكون الاستثناء مخالفاً لمقتضاه فالاستثناء في الأول دليل على أن اللفظ لم يرد به نصه وفي الرابع دليل على أن اللفظ أريدت منه لوازمه العرفية غير البينة المتوهمة بالعقل لا من جهة اللفظ فلا تغفل. وتفسير القسم الثلاث إنما هو على مذهب المص في أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة فلذلك لولا الاستثناء ما علم دخول ما ذكر بل جاز دخوله وجاز عدم دخوله أي إرادته من اللفظ
стр. 298
وعدمها لأن الاستثناء معيار العموم (قوله الثانية إطلاق العلماء أن الاستثناء إلخ) ترجع إلى ما تقدم من الجواب عن متمسك الحنفية في إبطال كون الاستثناء من الإثبات نفياً مع زيادة بيان لأنواع الاستثناء وأحواله وحاصل الجواب أن القرينة موجودة في الأسباب والشروط والموانع في بعض أحوالها (قوله والصفات إلخ) أي استثناء مما تتضمنه وهو المصدر نحو وما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وشرطه أن يكون المستثنى من الحدث الذي في الوصف أما قوله «قاتل ابن البتول إلا عليا» فمولد وهو استثناء من متعلق الصفة لأن البتول هنا فاطمة ﵂ لقبت بالبتول على التشبيه لها بمريم ﵍ في الفضيلة كما في الكشاف أو لانقطاعها لعبادة الله ولا معنى للاستثناء هنا إلا على الثاني فالمراد المنقطعة للعبادة عن كل شيء إلا عن زوجها لأن القيام بشئونه وحقوقه عبادة لله تعالى وتقدير الأزواج ليس مدحاً والظاهر أن هذا الشعر قيل في يزيد بن معاوية وذكر قوله إلا عليا للإشارة إلى أن المقتول ﵁ ابنه
стр. 299
ففيه إثبات فضيلتين له لزيادة التشنيع على قاتله قاتله الله (قوله كما تقدم في تقرير قولنا أنت طالق إلخ) تقدم أنه مخالف للأصول فلا ينفي التمثيل به.
(الباب التاسع في الشرط)
[الفصل الأول في أدواته]
إن كان يريد به الشرط الشرعي فطالع الباب ينافيه لأنه ذكر أدوات الشرط وهو اللغوي وهو سبب لأنه تعليق حصول مضمون
стр. 300
الجزاء على حصول مضمون الشرط بحيث يؤثر بوجوده وانتفائه كما صرح به في مواضع من هذا الكتاب وفي الفرق الثالث من كتاب الفروق. وإن أراد اللغوي كما هو المناسب لذكره هنا بعد الاستثناء الذي هو من المخصصات المتصلة فلا يصح تعريفه بما يتوقف عليه تأثير المؤثر إلا بتكلف ولا تنطبق عليه المسائل المذكورة في الفصل الثاني وقد وقع مثل هذه الغفلة لصاحب جمع الجوامع.
(الفصل الثاني)
* قوله وهو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر * أي تأثير السبب لأن شرط كل شيء يتوقف عليه تأثير سببه أن شرعياً فشرعي أو عادياً أو عقلياً فمثله فاندفعت اعتراضات المص على حد الإمام (قوله ثم هو قد لا يوجد
стр. 301
إلا متدرجاً إلخ) تبين أنه تفصيل غير مجد كما في الشرح فالأولى حذفه من التقرير * قوله فبقيت هذه الزيادة مضمونة إلى كلامه وهو غير جيد مني إلخ * أي لأن الاعتراض على جمع الحد لا على منعه ومتى كان فساد الحد من جهة جمعه لا تنفع فيه القيود الزائدة إنما تنفع الحيثيات ونحوها.
(الفصل الثالث)
стр. 302
(قوله وللمعلق تعيينه إلخ) أي للمتكلم به أن يعين واحداً من المعلق عليهما على البدل فإذا فعل خرجت عن مسألة تعليق مشروط على شرطين كان الآخر كالغلط * قوله وهو مشكل إلخ * أي فهم مراده لا من جهة صحته لأنه صحيح على بعض التقادير وهو الأخير ومجمل على بعضها وهو المتوسط وفاسد على الأول فقط أما فساده على الأول فلان النية وإن صح كونها مخصصة لكنها لا تكون ناسخة كما تقدم في موضعه نقلاً عن الفروق وإطلاق اللفظ على البدلية يثبت الشطية لكلا الأمرين على البدل فلا يصح بعد ذلك تعيين أحدهما للشرطية ورفض الآخر لأن رفضه نسخ له ولا نسخ بالنية * قوله والذي نوى إلغاءه ليس بشرط إلخ * أي فلا معنى لذكره في الكلام وكأنه جعل هذا تكميلاً للترديد الأول في إبطال عبارة الإمام على هذا التقدير لكن قد يقال أن هذا هو مراد الإمام وهو عين الترديد الثالث كما لا يخفى. وعليه فذكر الشرط الآخر على معنى الإضراب عن الأول بأو التي ترد للإضراب فلا يتعين للشرطية إلا ما بعد أو * قوله لأن هذه نية مؤكدة إلخ * كما تقدم فيمن حلف لا يأكل الرؤوس لأن النية هنا إنما أكدت ما تستفاد شرطيته من العبارة وليس في قصده إبطال شرطية للآخر لا تنافيه النية حتى يحصل التعارض الذي هو الباعث على التخصيص غاية الأمران الذي قارنته النية كان شرط باللفظ والنية معاً وبقي الآخر شرطاً باللفظ فقط وانظر المسألة الثامنة من الفرق الثالث فقد ذكر هنالك مسألة تعليق التعليق المعروفة باعتراض الشرط على الشرط ولم يتعرض لها هنا لطولها * قوله وإذا دخل الشرط على جمل
стр. 303
إلخ أي عمل فيها على أنها أجوبة سواء تقدم كما هو الغالب أم تأخر نحو قوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ بعد قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ الآية لأنه مفرع على الشرط فله حكم الشرط فمن ثم قصر بعض السلف مشروعية التيمم على فقدان الماء فلم يجزه عن الحدث الأكبر إلا عند فقدان الماء وحكم سائر اليود في ذلك سواء إلا متى علم بالقرينة عدم صلاحية رجوع القيد للبعض مثل قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ بعد قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية فإنه لا يصح رجوعه للميتة ولا للحم الخنزير ولا لما أهل لغير الله به * قوله خلافاً للفراء إلخ * راجع إلى اختيار التقديم لا إلى جوازه إذ لا يختلف فيه لأنه الأكثر في الكلام والظاهر أن ما نسبوه للفراء هنا أخذوه من لازم قوله إذ لم ينقل عنه هذا في كتب النحو بل إنما قال إذا تأخر الشرط عن الجواب لا يلزم تقدير جواب محذوف لأنه لا يرى التزام تقديمه وليس المتقدم عنده دليلاً على الجواب بل هو نفس الجواب فلو كان يرى الأصل تقديمه لحافظ عليه ووافق الجمهور في التقدير فتأمل * قوله وأما حسن التقييد به ولو أخرج أكثر الكلام إلخ * لأن سبب قبح الاستثناء الأكثر وهو الذي قدمناه في موضعه غير موجود في الشرط لأن الشرط لما كان تعليقاً على المستقبل كان مثل الاستثناء من الأخبار المستقبلة نحو أن عبادي ليس عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين حسبما بيناه هناك فإذا بين المستقبل أن المحترز عنه أكثر لم يكن قبيحاً لأنه لا علم
стр. 304
لأحد بالمستقبل * قوله وثانيهما أن احتمال إخراج الشرط للأكثر معارضة بأنه قد لا يخرج شيئاً إلخ * أي لأن الحكم للمستقبل فكما لا يعد عبثاً إن لم يخرج بشيء كذلك أن أخرج الأكثر وهذا يجدر أن يكون بياناً للجواب لا جواباً.
(الباب العاشر في المطلق والمقيد)
المطلق كما يؤخذ من تقرير المصنف هنا هو الدال على الماهية من حيث هي أي بلا قيد وحدة ولا شمول وهو في الأسماء النكرة التي لم يرد بها الوحدة ولا الاستغراق وفي الأفعال الفعل في حيز الإثبات كما قدمه المص في باب العموم وأما في سياق النفي فاختلف فيه والتحقيق أنه كالنكرة في سياقه. والتقييد هو تقليل الاشتراك من مدلول اللفظ المطلق بقيد يذكر معه أو مع نظيره أو مع ما يشبهه ولو في الجملة لكن مع اختلاف موردهما فذكره معه نحو رقبة مؤمنة ولا تجرر ثوبك خيلاء. وذكره مع نظيره كتقييدنا رقبة كفارة القتل بالإيمان لأن الإيمان قيد مع نظيرها وهو رقبة الظهار ويشمل النظير المرادف. وذكره من شبيهه نحو تقييد الشاهد بالعدالة وعدم تقييد الرقبة بالعدالة وهي شبيهة بالشاهد في كونها ذاتاً معلقاً بها تسديد واجب شرعي. وقولنا مع اختلاف موردهما لإخراج الزيادة على النص وهي ان يروى حديث في موضع مطلقاً ثم يرويه راو آخر أو رواية في موضع آخر مقيداً مثل إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً وروي إحداهن بالتراب فهذا مورده واحد وغنما اختلفت الروايات. والمقيد هو المطلق بعد تقييده بمتصل أو منفصل إلا إذا تأخر المقيد عن وقت العمل بعد اتحاد السبب والحكم فإنه يعد نسخاً
стр. 305
كما سيأتي في تقسيمه. ثم البحث في هذا الباب في شيئين الأول حمل المطلق على المقيد وهذا الذي فصله المص أثر التعريف، الثاني ما يحمل عليه المطلق عند وروده بدون تقييد وعند التجرد عن القرائن وهو من جملة المسألة المعروفة بالأخذ بأوائل الأسماء وأواخرها وقد تقدمت للمص في باب الأوامر أثر الفصل السادس وأشرنا هنالك لتحقيقها وتعرف بمسألة حمل المطلق على أكمل إفراده أو على أقل ما صدق عليه وهي خلافية عندنا والتحقيق أنه يحمل على أقل ما يصدق عليه أي على فرد من الماهية في الأسماء والأفعال فمن فروعها في الأسماء لو قال أنت طالق ولم ينو ثلاثاً ولا واحدة فهي واحدة على الصحيح وقيل ثلاث وكذلك حمل قوله ﷺ إذا دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين على ما يشمل النافلة والفريضة وقد ساق الله تعالى سؤال بني إسرائيل عن صفات البقرة التي أمروا بذبحها فساق الإنكار عليهم بقوله «وما كادوا يفعلون» أي من كثرة طلبهم تقييد المطلق وقال النبي ﷺ لو ذبحوا أي بقرة لأجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم ومن فروعها في الأفعال حمل مالك رحمه الله تعالى الانتفاع في قوله ﷺ في الشاة الميتة هلا أخذتم أهابها فدبغتموه فانتفعتم بها على الانتفاع به في الأمور الجامدة قال ابن العربي في القبس فأعطاه مالك درجة واحدة من الانتفاع حملاً لمطلق اللفظ على أقل ما يقع عليه الاسم وهو أصل عظيم من أصول الفقه آهـ. ومن فروعها في الأفعال أيضاً أن الأمر لا يدل على الفور ولا على التكرار والخلاف في ذلك تقدم لأن المراد بأكمل الإفراد أكملها كماً أو كيفاً ولاشك أن التكرار من الأول والفور من الثاني. وليس
стр. 306
من فروعها من حلف بالطلاق وله أكثر من امرأة أنهن يطلقن عليه كلهن لأن ذلك لدليل آخر وليس تطابق جميعهن بحمل الطلاق على أكمل معانيه لأن أكمل معانيه الثلاث لا إحاطة جميع المطلقات إذ هو تعميم لا حمل على الأكمل وكذلك من قال فلان وصي فإنه يكون عاماً في جميع الأمور نص عليه الفقهاء وذلك من باب التعميم لا من باب الحمل على أكمل المعاني إذ الوصية ليست لها أفراد متعددة وإنما هي نوع واحد ولها متعلقات كثيرة والأدلة اقتضت حملها على عموم المتعلق لأنه الأصل حتى يدل على الخصوص دليل وكذلك الوكالة في نحو وكلتك وأنت وكيلي تحمل على العموم فلا يشتبه الحملان على من يغفل عن الفرق. وهذه المسألة على أهميتها لا يتعرض لها الأصوليون هنا ولكنها توجد منشورة في مواضع متفرقة كما رأيت ولذلك اهتمت بجمعها وتحريرها * قوله والتقييد والإطلاق أمران اعتباريان إلخ * لا يريد من الاعتباري هنا ما قابل الوجودي بل إنما يريد به معنى الأمر النسبي ومراده بالإطلاق والتقييد المطلق والمقيد بدليل التفريع في قوله فقد يكون المقيد مطلقاً وذلك بيان كونه نسبياً وقوله «إنه قد يكون» هو قضية جزئية وهي لا تقتضي كون المطلق والمقيد دائماً من الأمور النسبية فالظاهر أن قد للتحقيق * قوله والحاصل وأن كل حقيقة اعتبرت من حيث هي فهي مطلقة إلخ * هذا مثل النوع الإضافي في المنطق ومراده أن اللفظ الكلي أن أخذ من حيث أنه صادق على ماهية معينة معلومة متميزة عن غيرها من الحقائق فهو مطلق وأن أخذ من حيث أنه حقيقته محتاجة للقول الشارح ومجهولة بحيث لا تتصور إلا إذا تصور جنسها وفصلها فاللفظ الدال عليها حينئذ
стр. 307
مركب من مطلق آخر ومن قيد له إلا أن هذا لا يجعل اللفظ المطلق مقيداً لأن المقيد إنما هو جزء معناه أعني جنس الماهية التي يصدق عليها ذلك اللفظ المطلق وغنما التحقيق أنه مركب من المقيد بالفتح وهو مقيد بالكسر لأنه قيد جنساً لأن كل نوع إنما يتقوم معناه بفصل يقومه ويقسم جنسه فلما كان قوامه بالفصل وكان الفصل هو القيد كان اللفظ الذي تقوم بالمقيد بكسر الياء كأنه هو المقيد بكسرها. واعلم أن اللفظ العام من قبيل المقيد فإن العموم ضرب من ضروب التقييد إذ هو تقييد الماهية بالشمول وقد يكون عاماً ومطلقاً باعتبارين فبالنظر إلى استيعاب الإفراد هو عام وبالنظر إلى مسمى اللفظ وهو الماهية المستوعبة هو مطلق نحو فاغسلوا وجوهكم وأيديكم فغنه عام في جميع الوجوه والأيدي لأنه جمع تعرف بالإضافة وهو مطلق فيما يراد من الوجه واليد وهذا النوع نبه إليه المص عند تمثيله في الشرح لأول الأقسام من المسألة الآتية عقب هذا وقدمناه هنا لارتباطه بطالعة الباب وهو تنبيه حسن قال أنه لم ير من تعوض له غير أن تمثيله بحديث في كل أربعين شاة شاة فيه تسامح لأن مورد العموم فيه غير مورد الإطلاق إذ المطلق هو فيه ماهية الشاة والعام هو لفظ النصاب وهو عدد الأربعين * قوله ووقوعه في الشرع على أربعة أقسام متفق الحكم والسبب إلخ * اعلم أن المص ﵀ أخذ هذا الكلام كله من أمالي المازري على البرهان وتصرف فيه تصرفاً نخل به بعضاً وخلط بعضاً. وسكت فيه عن أشياء وأغضى. وتحقيقه أنه يريد من الحكم المحكوم به أي المأمور به مثلاً من أفعال المكلفين كالعتق والوضوء المتعلق بلفظ مطلق تارة ومقيد أخرى كالرقبة المؤمنة والرقبة المطلقة وليس المراد من الحكم واحد الأحكام
стр. 308
الخمسة المقسم إليها خطاب التكليف كما قد يتوهم لبعض الكتابين في الأصول إذ لا أثر لذلك في اتحاد الحمل واختلافه ومعنى اتحاده هو كونه واحداً متعلقاً بمطلق في موضع وبمقيد في آخر ومعنى اختلافه هو كونه شيئين فصاعداً يتعلق إحداها بمتعلق مطلق وآخر بمتعلق مقيد كالشهادة المتعلقة برجل عدل والعتق المتعلق برجل مطلق من حيث وصف العدالة وربما وقع التوسع في تمثيل بعض الأقسام تقريباً لعسر أمثلة هذه الأقسام كما قال المازري في أماليه. واعلم أن ليس المراد من الحكم الحكم الشرعي من وجوب ونحوه لأن حمل واجب مطلق على واجب آخر مقيد مثلاً بلا تناسب ولا تشابه بينهما لا معنى له ولا للإطلاق في الوجوب والحرمة لأن الإلحاق في الصورتين الثالثة والرابعة في أمثلة المص هو من باب القياس كما صرح به المازري لا معنى لقياس حكم شرعي على حكم شرعي إذ القياس يقصد منه إثبات حكم والحكمان هنا ثابتان فتعين أن ليس المراد من الحكم الحكم الشرعي ولأن المازري في أمالي البرهان عبر عن اختلاف الحكم مرة بالتعدد فتعين أنه يريد منه تغاير النوعين والذاتين ولو باختلاف الموضع كما في مثال زكاة الغنم وإنما سمي هذا المعنى حكماً آخذاً من أمالي البرهان فإنه نقل عن بعضهم التعبير بالحكم والانتساب وعن البعض التعبير بالموجب بالكسر والموجب بالفتح والمص ركب العبارة منهما إذ لا فرق بينهما وهو التحقيق وإن كان في المراد من الحكم هنا خفاء وكأن كلام المازري يشعر بأن إحدى العبارتين يخالف الأخرى لكن من جهة خارجة عن الموضوع وقابلة للتأويل كما صرح به فلا نطيل بذكره إذ لا طائل تحته ولذلك أغضى عنه المص. أما السبب فالمراد به موجب الحكم كما في صريح عبارة
стр. 309
المازري أي وهو كل ما يقتضي تعلق حكم ما بذلك المحكوم به أو ببابه لا خصوص العلة أو الحكمة كما قد يتوهم من كلام المص هنا الذي الجاه إليه تصوير بعض الأمثلة التي لم يظفر بها المتقدمون كما سيأتي تحقيقه. وبهذا يعلم أن هاته التقاسيم إنما تتعلق بالنهيين الواردين في قصتين أو واقعتين وذلك من قسم المقيد بقيد ذكر مع نظيره أما إذا كان نصاً واحداً من روايتين وأحدهما مقيد فذلك من زيادة العدل وهي مقبولة ها كذا يؤخذ من شرح حلو لو في نقله عن الأبي ﵀ وهو حسن وبه يظهر أن تمثيل المص للقسم الأول صحيح لأن مورد حديث إطلاق الغنم عن السوم هو ذكر نصاب زكاتها ومورد الحديث المقيد بالسوم هو ذكر وجوب زكاة هذا الجنس (قوله كتقييد الشهادة بالعدالة إلخ) أي تقييد الذات المطلوبة في الشهادة بوصف العدالة وإطلاق الذات المطلوبة في العتق عن وصف العدالة (قوله كتقيد الوضوء بالمرافق إلخ) القول هنا كالقول في مثال القسم الثاني لأن المقيد والمطلق هو العضو لا الوضوء والتيمم وقد وقعت آية الوضوء مع آية التيمم في أمالي المازري على البرهان مثالاً للقسم الثالث ولعله نظر إلى أن سبب غسل العضو هو الوضوء وسبب مسحه هو التيمم فاختلف السببان وهو أقرب فالأولى تمثيل القسم الثالث بقوله تعالى في الظهار فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً لأن الإطعام غير الصيام وسببهما واحد. وقد أطلق الإطعام عن التقيد بالتتابع فإن حملناه لم يجزئ تفريق الإطعام وإن لم نحمله أجزأ إخراجه مفرقاً في أيام (قوله فالأول يجمل فيه المطلق على المقيد إلخ) اعلم أن أطرق الحمل مختلفة في هاته الأقسام الأربعة إما متحدة الحكم
стр. 310
والسبب فليس حمل مطلقة على مقيدة بقياس بل هو حمل المبين على بيانه أو الموصوف على وصفه. وأما مختلفهما فلا معنى للقياس فيه وأما مختلف الحكم متحد السبب فهو محل القياس لأن اتحاد العلة باعث على الإلحاق وتساوي الأسباب موجب لتساوي المسببات على الأصل. وأما متحد الحكم مختلف السبب كعتق الظهار وعتق الكتابة فحمل المطلق منهما على المقيد لا وجه له إلا قياس الشبه أو القياس الخفي المبني على إلغاء فارق كون الظهار كفارة يناسبها تشديد الشروط وكون الآخر تطوعاً يناسبه التخفيف لتسهيل وقوعه فقول المازري في أمالي البرهان «لأن رد المطلق إلى المقيد عند المحققين لأجل قياس معنوي» ليس على إطلاقه بل هو خاص بالقسم الرابع ولعل قوله عند المحققين يشير لهذا لأن المحققين في نظره هم القائلون بحمل المطلق على المقيد خصوصاً في القسم الرابع المبني على القياس الجلي. واعلم أن هذا التقسيم والتفصيل فيما لم يكن تقييده راجعاً إليه لفظاً ولو بواسطة بحيث لا يستقل دونه وذلك مثل أن يذكر لفظ ثم يعاد أو يعاد ضميره مقيداً بقيد أو يرجع قيد إلى عدة أشياء بعد ذكرها وهو متصل بآخرها كما في قوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ وقوله ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وقوله ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ فكل ذلك لا يختلف فيه هذا الخلاف بل منه ما يتفق على إرجاعه ومنه ما اختلف في إرجاعه للأخير أو الجميع كما تقدم في الاستثناء فتدبر. (قوله على الخلاف في دلالة المفهوم إلخ) أي وفي التخصيص به كما في الشرح ومراده بهذا رد قول المازري في أمالي البرهان أن القسم الأول لا خلاف في رد المطلق إلى المقيد منه فأثبت له المصنف خلافين والتحقيق أن تقييد المطلق لا يتخرج على
стр. 311
الخلاف في دلالة المفهوم لأنه تقييد بقيد منطوق نعم إذا كان المطلق عموماً توقف لأنه يؤل تقييده إلى تخصيص كما سيأتي هنا وكذا إذا أريد إثبات نقيض الحكم الثابت للمقيد للمسكوت عنه وهو محترز القيد فذلك من الاحتجاج بالمفهوم لا من تقييد المطلق فالتقييد في الصورة الأولى وإثبات الحكم لخصوص المقيد بالقيد لا يختلف في إنما يختلف في درجة ثانية وهي إذا أريد إثبات نقيض الحكم للمسكوت فمن يقول بالمفهوم يساعد عليه لأن القيد وصف ومن لا يقول به يقول الباقي مسكوت عنه لكن معنى حمل المطلق على المقيد جعل المطلق بمنزلة المقيد فيثبت له ما يثبت للمقيد من أحكام القيد فلا تغفل (قوله والثالث لا يحمل فيه المطلق على المقيد عند أكثر أصحابنا إلخ) عدم الحمل هو الموافق للقواعد كما بينه المصنف بقوله (لأن الأصل في اختلاف الأسباب إلخ) لكن الذي حكاه المازري عن مالك ﵀ هو الحمل في هذا القسم كأكثر الشافعية ولا أحسب من أصحاب مالك من يخالف وفروع المذهب شاهدة بحمل المطلق على المقيد في هذا القسم فقد قال باشتراط الإيمان في رقبة الظهار وما هو إلا حمل على رقبة كفارة القتل وباشتراط العدالة في الحكمين بين الزوجين مع أنه مطلق في قوله ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ الآية حملاً على الحكمين في الجزاء في الصيد وهو مقيد في قوله تعالى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (قوله والرابع فيه خلاف إلخ) لم ينقل هن ولا في الشرح وجه العمل فيه والجمهور على التقييد لأنه أولى به من القسم الثالث لقوته باتحاد السبب غير أن مذهب مالك أن اليدين في التيمم لا يبلغ فيها المرفقين وهو لا يناسب حمل المطلق فيه على مقيد الوضوء
стр. 312
فأما لأنه اعتبر السبب هو الوضوئية والتيممية وإما لأنه رأى أن للقياس فارقاً وهو ابتناء المسح على التخفيف فلذلك لم يقسه على الوضوء (قوله ومتى كان المطلق عموماً كان التقييد مخصصاً إلخ) أي متضمناً لمخصص لا نفسه المخصص إذ لاشك أن العموم والإطلاق لا يتصفان بشيء واحد فلا يكون التقييد مخصصاً بحال لاختلاف المواهي المذكورة لهاته الألقاب الأربعة فمرجع العموم المستفاد من كل هذا الحديث لإفراد الشاء ومرجع الإطلاق لأوصافها فإذا اعتبرنا التقييد بالسوم صارت كلمة كل داخلة على الشاة الموصوفة بالسوم كما قدمنا فأفادت استغراق عدد الشاء باعتبار الوصف كأنك قلت في كل أربعين شاة سائمة وذلك ذكر قيد منطوق لا مفهوم فالتقييد وقع بمنطوق وليس في التقييد إخراج من العموم بل زيادة على معنى الإطلاق. نعم تقييد المطلق الداخل عليه العموم يؤول بالالتزام إلى تخصيص لأن ما لا يتصف بذلك القيد لم يبق مشمولاً للعموم فلا شبهة خروجه بعد أن شمله اللفظ العام عند ما كان العموم مصاحباً للفظ مطلق وأما خروجه فكان بسبب مفهوم المقيد بكسر الياء لأن الذي خرج هو المعلوفة في مثالنا فذلك آيل إلى كونه تخصيصاً بالمفهوم فلابد أن نلاحظ فيه قواعد التخصيص بالمفهوم على أنه إذا وقع التقييد بعد العمل بالعام فهو أشد لأن التخصيص الالتزامي حينئذ يصير نسخاً ولا نسخ بالمفهوم وقد روي هذا الحديث برواية تشرح هذا المعنى وتجرده من العموم فتنطبق كلام العلماء في تمثيل هذا القسم وهي وفي زكاة الغنم في أربعين شاة شاة (قوله والحدث واحد إلخ) أي يحسنه من حيث أنه ناقض للطهارة فلا يرد أن من حدث التيمم ما لا
стр. 313
ينقض الوضوء وهو طريان وجود الماء أو دخول وقت صلاة ثانية لأن ذلك جزئي على أن في تسميته حدثاً نظراً ولهذا لم يبق فرق بين التعبير بالموجب بالكسر والموجب بالفتح أو بالحكم والسبب في صورة الاتحاد والاختلاف فاندفع ما في آمالي المازري على البرهان في هذا المقام (قوله ومالك وإن قال المفهوم حجة إلخ) جواب عن مذهب مالك في مسألتي الزكاة والتيمم حيث لم يشترط السوم في الغنم ولم يقل ببلوغ المرفق في التيمم فقوله «وإن قال المفهوم حجة» يرجع لمسألة الزكاة وقوله «وقال بحمل المطلق على لمقيد» يرجع إلى مسألة التيمم فلا يظن بمالك ترك الحمل لأجل عدم اعتبار مفهوم القيد فيكون المقيد قاصراً على نفسه ولا يقتضي نفي الحكم عن غيره فلا يعارض الإطلاق إذ لا خاف في اعتبار حجية القيد وإنما الخلاف في اعتبار محترزاته. واعلم أنه لا وضوح للجواب الذي أجاب به المص عن مذهب مالك بتغليب المنطوق على المفهوم أي ترجيحه عليه إذ كيف تغلب دلالة المنطوق بعد أن قلنا بحجية المفهوم بل ينبغي أن يجاب في مسألة الزكاة بأن قيد السوم خارج عندنا للغالب في غنم أهل الحجاز كما تقدم فلا اعتداد بهذا القيد حتى يؤخذ بمفهومه. وأما مسألة التيمم فمبنية على أن الحمل في هاته الصورة كما قدمنا من قبيل القياس ويشترط فيه عدم وجود الفارق المعتبر ولما كان التيمم مبنياً على التخفيف كان ذلك فارقاً معتبراً مانعاً من القياس
стр. 314
(قوله وعن القاني أن القرآن كله كالكلية الواحدة باعتبار عدم التناقض إلخ) مقتضف من جواب المازري في أمالي البرهان قال «إن الذي هو كالكلمة الواحدة الصفة القديمة وأما الألفاظ الحادثة فمحسوس تغايرها وتعددها إلخ» وزاد المص عدم التناقض (قوله فائدة قال المازري ورد على أبي حنيفة نقوض إلخ) هاته الفائدة تتعلق بما يؤخذ ضمناً من الكلام السابق المقتضي أن التقييد إنما يكون عند وجود نص مقيد لنص آخر فأورد المازري أن أبا حنيفة ﵀ قيد أشياء بلا دليل على أنه أيضاً يرى للزيادة حكم النسخ فيكون قد نسخ بغير دليل وبيان هذا أن الإمام أبا حنيفة يرى حمل المطلق على المقيد من قبيل النسخ فيشترط فيه شروط النسخ كما في التلويح ومعناه أن حمل المطلق على المقيد يشبه النسخ ويجئ على طريقته لا إنه عين النسخ وأن لا للزم اشتراط تقدم المطلق في النزول على المقيد وإثباته في أمثلة المطلق والمقيد متعذر ومن شروط النسخ عند الحنفية أن يكون بخطاب من الكتاب أو السنة كما في التنقيح لصدر الشريعة وبهاذين الشرطين يظهر اختصاص النقوض المذكورة بأبي حنيفة دون غيره فإن مالكاً ﵀ اشترط السلامة في الرقبة ولم يرد عليه شيء إذ ليس للزيادة عنده حكم النسخ فيصح أن تكون ثبتت عنده بالإجماع أو بالقياس قال المازري في الأمالي على البرهان «فمن قدر التقييد هنا زيادة على الآية المطلقة وقدر الزيادة لها حكم النسخ لم يرد المطلق إلى المقيد لأن الرد عند جمهور المحققين إنما وجب لأجل قياس معنوي والنسخ لا يكون بالأقيسة» ويمكن أن يجاب عن أبي حنيفة بأنهم ذكروا أن الزيادة على النص نسخ لكنهم ذكروا في
стр. 315
باب البيان أن بيان التقرير الذي يشمل حمل تقييد المطلق يجوز أن يكون بخبر الآحاد دون بيان التغيير الذي كنه النسخ فيدلنا هذا على أن أمر النسخ أضيق من تقييد المطلق عندهم فلعله يجوز أيضاً بالقياس فيندفع أهم النقوض. واعلم أن هاته النقوض يرجع الأول والثاني منها إلى إلزام وقوع النسخ بدون دليل ويرجع الثالث إلى التحكم في اعتبار بعض العيوب منافياً للسلامة دون بعض ويرجع الرابع إلى مناقضة ما تقدم من شرط السلامة في الرقبة. ويمكن الجواب بأن الأولين من حمل المطلق على أكمل ما يصدق عليه في بابه وعن الثالث بأن المعتبر من العيوب ما لا ينعدم معه النفع فلا يضر وجوده كالقطع ومنها ما ينعدم معه أهم النفع كالخرس فيضر وجوده وعن الرابع بأن حمل الألفاظ العربية غير حمل الألفاظ العرفية وبأن الاحتياط في الحنث يقتضي الأخذ بالأقل وفي الأجزاء يقتضي الأخذ بالأكمل حتى تطمئن النفس لبراءة الذمة (قوله أما في النهي فلا إلخ) لأن النهي عن المطلق يصيره عموماً إذا النكرة في سياق النهي مثلها في سياق النفي فيصير التقييد تخصيصاً (قوله أن هذا الحديث تعارض فيه قيدان إلخ) أي أن المعترض لم يستوعب روايات الحديث كلها مع أن منها
стр. 316
رواية أخراهن بالتراب وهي تعارض رواية أولاهن فتتساقطان فيبقى الإطلاق (الباب الحادي عشر في دليل الخطاب إلخ) أي مفهوم المخالفة وقد تقدم تعريفه ومرت أنواعه والمذكور هنا اختلاف الناس في الاحتجاج به. ومناسبة ذكره أثر المطلق المفهوم مستفاد من القيود فأشبه المقيد إلا أنه يثبت النقيض.
(ترجمة ابن سريج)
وابن سريج هو القاضي أحمد بن عمر بن سريج البغدادي الشافعي الملقب بالباز الأشهب المتوفى سنة ٣٠٦ ست وثلاثمائة عن سبع وخمسين سنة ولي قضاء شيراز وكان قبل ذلك كاتباً للقاضي إسماعيل ابن حماد المالكي مدة قضائه ببغداد وكان معدوداً في أئمة مذهب الشافعي حتى كان يفضل علي المزني صاحب الشافعي ونقل عنه انه قال يؤتى يوم القيامة بالشافعي وقد تعلق بالمزني يقول رب هذا أفسد على علومي فأقول أنا مهلاً بأبي إبراهيم فإني لم أزل في إصلاح ما أفسده. بلغت مصنفاته عدداً كثيراً ولكن لم يقف ابن السبكي على كثير منها (قوله وحكى الإمام أن مفهوم اللقب لم يقل به إلا الدقاق إلخ) ولذلك اشتهر به لكن التحقيق أنه قال به الصيرفي وابن خويز منداد من المالكية وبعض الحنابلة ونقل صاحب المطول أن الأدباء يعتبرونه في المقامات الخطابية ولذلك كان قولك أنا سعيت في حاجتك قد يفيد الحصر. وزعم بعضهم أن مالكاً يقول به من قوله بعدم إجزاء الضحية في الليل والهدى كذلك واستدل بقوله تعالى ليذكروا اسم الله في أيام معلومات كما في مقدمات ابن رشد لكن التحقيق أن هذا من التمسك بأقل
стр. 317
ما ورد لأن شئون العبادة لا تثبت إلا بتوقيف فقد ثبت حكم النهار ولم يثبت حكم الليل ومثله استدلاله على بطلان الاعتكاف في غير المسجد بقوله تعالى ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. والدقاق هو محمد بن محمد بن جعفر الشافعي توفي سنة ٣٩٢ ثنتين وتسعين وثلاثمائة ذكره ابن الوردي في تاريخه (قوله وهذا معنى قولنا أن المفهوم حجة إلخ) هكذا في النسخ ولعل الصواب أن مفهوم الشرط حجة أو ليس بحجة (قوله فيه رائجة التعليل إلخ) مع كونه زائداً على ركني الإسناد ومخالفاً لأصل الكلام كالتقديم فما ذكر إلا لنكتة وهي الاحتراز ولأن تتبع الاستعمال مؤذن بذلك وبهذا تندفع الاحتمالات التي تعلق بها منكر والمفهوم * قوله فهو العلم إلخ * وكل ما دل على ذات بدون توصيف كضمير العلم واسم الجنس * قوله كما قلناه نحن في مفهوم الصفة إلخ * شتان بينهما لأن الصفة شيء يزيده المتكلم فضلة في الكلام فتعين أن يكون لغرض أما اللقب فهو اسم جعل محلاً للفائدة ولا مندوحة عن ذكره أو ذكر مرادفه لأنه أما ركن الإسناد أو متعلقه الأصلي * قوله حجة المنع من المفهوم إلخ * هذه تصلح لرد حجة من قال بمفهوم اللقب إذا احتج بلزوم الترجيح بلا مرجح ولا ترد بقية المفاهيم لما ظهر من وجه ذكرها فكانت هاته الاحتمالات ضعيفة في جنبها على أن الاحتمال الخامس منها وهو
стр. 318
احتمال في غاية البعد المنافاة لمقاصد البلغاء (قوله فائدة قد تقدم أن دلالة المفهوم من باب دلالة الالتزام وأنها من دلالة اللفظ لا من الدلالة باللفظ إلخ) اعلم أن ما تقدم هو أن دلالة اللفظ على تمام ما وضع له أو جزئه أو لازم تسمى دلالة اللفظ ولا توصف بحقيقة ولا بمجاز وأن الموصوف بالحقيقة والمجاز هو استعمال اللفظ أعني الدلالة به أي دلالة المتكلم به وفيه ما فيه ولا شك أن استفادة المعنى المفهوم ليس من أحد ألفاظ الجملة بل من التقييد والاحتراز فهو حاصل بالعقل من عرض الكلام فهو دلالة على لازم المركب لا على لازم المفرد كما يوهمه كلام المصنف وقد مر أن التحقيق ان استعمال اللفظ في خصوص جزء مدلوله أو في خصوص لازمه هو مجاز بعلاقة الجزئية أو بعلاقة اللزوم وأن تفرقة المصنف لا طائل تحتها وليس المفهوم كذلك بل الألفاظ مستعملة في معانيها وهذا المفهوم مأخوذ من القرائن والسياق كما يؤخذ المعنى الكنائي والتعريضي فارجع إليه في الفصل الرابع من الباب الأول (قوله فرعان الأول المفهوم متى خرج الغالب إلخ) في كلامه حذف مضاف أي ذو المفهوم. واعلم أن هاته المسألة جديرة بالاعتبار لكنها غير تامة المقدار دعا إليها أنا قد نجد قيوداً غير مراد منها الاحتراز عن ما عدا مدلولها بل أوجب ذكرها جريانها على لسان المتكلم لكونه يجيب سؤالاً وقع فيه بعض تلك القيود أو لكون العادة جرت بأن تذكر أو لتسامح أو نحو ذلك مثل ذكر المؤمن في حديث لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين وكذا صيغة التذكير نحو أن امرؤ هلك أي أو امرأة وقوله لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تجحد على ميت أكثر من ثلاث فلا يستفاد حله للرجل بل إنما ذكرت المرأة لأن ذلك لم يعهد عندهم
стр. 319
إلا في النساء فلذلك يعامله العلماء في هاته الأحوال معاملة اللقب. والذي تلخص لي من تتبع موارد المفاهيم ومتناثر كلمات أهل الأصول أن القيود التي تفيد محترزات إنما تدل على الاحتراز متى علمنا أن المتكلم عمد إليها قصداً لإبطال غير ما تدل عليه فمتى لم نعلم ذلك لوجود ما يبعث المتكلم على ذكر القيد دون قصد الاحتراز تعطل مفهوم القيد وذلك لمحاكاة كلام أو للنظر إلى صورة مقصودة بالكلام مثال الأول قوله ﷺ بان سأله هل من البر الصيام في السفر «ليس من البر الصيام في السفر» فلم يقصد بالظرف الاحتراز عن الحضر لأنه ليس براً في الحضر دائماً. ومثال الثاني قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ نظراً لكونه أغلب أسباب قتل الولد عندهم فلا يفيد أنهم يقتلونهم لخشية العار أو الإراحة من ألم فهو كالعام الوارد على سبب ولهذا قد يجئ القيد في مثل هذا مقصوداً فيتوقف فيه السامع. أخرج البخاري في باب من جر إزاره من كتاب اللباس أن رسول الله ﷺ قال من جر ثوبه خيلاه لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر ﵁ أن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك فقال رسول الله ﷺ أنت لسن ممن يصنعه خيلاء فكأنه احتاج للسؤال لاحتمال كون خيلاء ذكر للغالب إذ هو غالب أحوال جر الإزار وأن النهي عن جميع أحواله. وقد اختلف العلماء في قوله ﷺ لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ فقال مالك لا يمنع فضل الماء غير المملوك مطلقاً سواء قصد بمنعه منع الكلأ أم لا وإنما قيد بمنع الكلأ لأن شأنهم أنهم إذا أرادوا منع مرعى من
стр. 320
المراعي العامة للقبيلة كلها عمد من حفر منهم بئراً فمنع ماءها لكي لا يرعى الناس بما إذ عم لا يرعون إلا بمرعى فيه ماء فاعتبر المفهوم للغالب وبالتأمل المستخلص من كلامهم نرى أن القيود على نوعين منها ما لا يخرج للغالب بحال ولا يحتمل ذلك لأنها زائدة على الكلام وليس مدلولها صفة للماهية مقارنة لها فلا تذكر إلا لقصد وهي: الشرط. العدد. والغاية. والقصر. ومنها ما قد يخرج له وهي: العلة. والظرف. والحال. والصفة. لأنها قد تكون لمجرد حكاية الواقع لأن معناها التوصيف أو آيل إليه مثل الآية والحديث المتقدمين وقوله تعالى ولا تأكلوها إسرافاً فتأمل. (قوله وجوابه ما تقدم في التعليل إلخ) وهو قوله بسبب أن الصفة إلى قوله مع المحكوم عليه ومعناه أن اللسان يحكي ما حضر في الذهن تبعاً لذكر المحكوم عليه ومعناه أن اللسان يحكي ما حضر في الذهن تبعاً لذكر المحكوم عليه وليس المراد أن الإنسان يتصدى لذكر الصفة ابتداء حتى يرد قول عز الدين «إذا كانت غالبة إلى قوله اكتفاء بالعادة» لأن ذلك يرد لو كان ذكر الصفة مقصود إليه كيف وقد قلنا أنه لم يستحضرها المتكلم بل حضرت وحدها فتدبر (قوله عن سائر الأجناس) أي الصالحة للوصف بالصفة المذكورة (قوله البحث في هذا النوع مبني على أن نقيض المركب إلخ) البحث في هذه المسألة عجيب فإنه لا يختلف التناقض في اللغة ولا في المنطق إذ المنطق بحث عن أساليب اللغة كما قال ابن سينا وعليه فالنقيض هو مخالفة القضية الموجبة بالسلب والسالبة بالإيجاب وكذلك مخالفة الكلية والجزئية وأما الموضوع والمحمول فلابد من اتحادهما كما هو معلوم من المنطق وكذلك صفتهما إن كانت لهما صفة فقوله في الغنم السائمة الزكاة نقيضه ليس في