Полный текст (515 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
رواية أخراهن بالتراب وهي تعارض رواية أولاهن فتتساقطان فيبقى الإطلاق (الباب الحادي عشر في دليل الخطاب إلخ) أي مفهوم المخالفة وقد تقدم تعريفه ومرت أنواعه والمذكور هنا اختلاف الناس في الاحتجاج به. ومناسبة ذكره أثر المطلق المفهوم مستفاد من القيود فأشبه المقيد إلا أنه يثبت النقيض.
(ترجمة ابن سريج)
وابن سريج هو القاضي أحمد بن عمر بن سريج البغدادي الشافعي الملقب بالباز الأشهب المتوفى سنة ٣٠٦ ست وثلاثمائة عن سبع وخمسين سنة ولي قضاء شيراز وكان قبل ذلك كاتباً للقاضي إسماعيل ابن حماد المالكي مدة قضائه ببغداد وكان معدوداً في أئمة مذهب الشافعي حتى كان يفضل علي المزني صاحب الشافعي ونقل عنه انه قال يؤتى يوم القيامة بالشافعي وقد تعلق بالمزني يقول رب هذا أفسد على علومي فأقول أنا مهلاً بأبي إبراهيم فإني لم أزل في إصلاح ما أفسده. بلغت مصنفاته عدداً كثيراً ولكن لم يقف ابن السبكي على كثير منها (قوله وحكى الإمام أن مفهوم اللقب لم يقل به إلا الدقاق إلخ) ولذلك اشتهر به لكن التحقيق أنه قال به الصيرفي وابن خويز منداد من المالكية وبعض الحنابلة ونقل صاحب المطول أن الأدباء يعتبرونه في المقامات الخطابية ولذلك كان قولك أنا سعيت في حاجتك قد يفيد الحصر. وزعم بعضهم أن مالكاً يقول به من قوله بعدم إجزاء الضحية في الليل والهدى كذلك واستدل بقوله تعالى ليذكروا اسم الله في أيام معلومات كما في مقدمات ابن رشد لكن التحقيق أن هذا من التمسك بأقل
стр. 317
ما ورد لأن شئون العبادة لا تثبت إلا بتوقيف فقد ثبت حكم النهار ولم يثبت حكم الليل ومثله استدلاله على بطلان الاعتكاف في غير المسجد بقوله تعالى ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. والدقاق هو محمد بن محمد بن جعفر الشافعي توفي سنة ٣٩٢ ثنتين وتسعين وثلاثمائة ذكره ابن الوردي في تاريخه (قوله وهذا معنى قولنا أن المفهوم حجة إلخ) هكذا في النسخ ولعل الصواب أن مفهوم الشرط حجة أو ليس بحجة (قوله فيه رائجة التعليل إلخ) مع كونه زائداً على ركني الإسناد ومخالفاً لأصل الكلام كالتقديم فما ذكر إلا لنكتة وهي الاحتراز ولأن تتبع الاستعمال مؤذن بذلك وبهذا تندفع الاحتمالات التي تعلق بها منكر والمفهوم * قوله فهو العلم إلخ * وكل ما دل على ذات بدون توصيف كضمير العلم واسم الجنس * قوله كما قلناه نحن في مفهوم الصفة إلخ * شتان بينهما لأن الصفة شيء يزيده المتكلم فضلة في الكلام فتعين أن يكون لغرض أما اللقب فهو اسم جعل محلاً للفائدة ولا مندوحة عن ذكره أو ذكر مرادفه لأنه أما ركن الإسناد أو متعلقه الأصلي * قوله حجة المنع من المفهوم إلخ * هذه تصلح لرد حجة من قال بمفهوم اللقب إذا احتج بلزوم الترجيح بلا مرجح ولا ترد بقية المفاهيم لما ظهر من وجه ذكرها فكانت هاته الاحتمالات ضعيفة في جنبها على أن الاحتمال الخامس منها وهو
стр. 318
احتمال في غاية البعد المنافاة لمقاصد البلغاء (قوله فائدة قد تقدم أن دلالة المفهوم من باب دلالة الالتزام وأنها من دلالة اللفظ لا من الدلالة باللفظ إلخ) اعلم أن ما تقدم هو أن دلالة اللفظ على تمام ما وضع له أو جزئه أو لازم تسمى دلالة اللفظ ولا توصف بحقيقة ولا بمجاز وأن الموصوف بالحقيقة والمجاز هو استعمال اللفظ أعني الدلالة به أي دلالة المتكلم به وفيه ما فيه ولا شك أن استفادة المعنى المفهوم ليس من أحد ألفاظ الجملة بل من التقييد والاحتراز فهو حاصل بالعقل من عرض الكلام فهو دلالة على لازم المركب لا على لازم المفرد كما يوهمه كلام المصنف وقد مر أن التحقيق ان استعمال اللفظ في خصوص جزء مدلوله أو في خصوص لازمه هو مجاز بعلاقة الجزئية أو بعلاقة اللزوم وأن تفرقة المصنف لا طائل تحتها وليس المفهوم كذلك بل الألفاظ مستعملة في معانيها وهذا المفهوم مأخوذ من القرائن والسياق كما يؤخذ المعنى الكنائي والتعريضي فارجع إليه في الفصل الرابع من الباب الأول (قوله فرعان الأول المفهوم متى خرج الغالب إلخ) في كلامه حذف مضاف أي ذو المفهوم. واعلم أن هاته المسألة جديرة بالاعتبار لكنها غير تامة المقدار دعا إليها أنا قد نجد قيوداً غير مراد منها الاحتراز عن ما عدا مدلولها بل أوجب ذكرها جريانها على لسان المتكلم لكونه يجيب سؤالاً وقع فيه بعض تلك القيود أو لكون العادة جرت بأن تذكر أو لتسامح أو نحو ذلك مثل ذكر المؤمن في حديث لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين وكذا صيغة التذكير نحو أن امرؤ هلك أي أو امرأة وقوله لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تجحد على ميت أكثر من ثلاث فلا يستفاد حله للرجل بل إنما ذكرت المرأة لأن ذلك لم يعهد عندهم
стр. 319
إلا في النساء فلذلك يعامله العلماء في هاته الأحوال معاملة اللقب. والذي تلخص لي من تتبع موارد المفاهيم ومتناثر كلمات أهل الأصول أن القيود التي تفيد محترزات إنما تدل على الاحتراز متى علمنا أن المتكلم عمد إليها قصداً لإبطال غير ما تدل عليه فمتى لم نعلم ذلك لوجود ما يبعث المتكلم على ذكر القيد دون قصد الاحتراز تعطل مفهوم القيد وذلك لمحاكاة كلام أو للنظر إلى صورة مقصودة بالكلام مثال الأول قوله ﷺ بان سأله هل من البر الصيام في السفر «ليس من البر الصيام في السفر» فلم يقصد بالظرف الاحتراز عن الحضر لأنه ليس براً في الحضر دائماً. ومثال الثاني قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ نظراً لكونه أغلب أسباب قتل الولد عندهم فلا يفيد أنهم يقتلونهم لخشية العار أو الإراحة من ألم فهو كالعام الوارد على سبب ولهذا قد يجئ القيد في مثل هذا مقصوداً فيتوقف فيه السامع. أخرج البخاري في باب من جر إزاره من كتاب اللباس أن رسول الله ﷺ قال من جر ثوبه خيلاه لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر ﵁ أن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك فقال رسول الله ﷺ أنت لسن ممن يصنعه خيلاء فكأنه احتاج للسؤال لاحتمال كون خيلاء ذكر للغالب إذ هو غالب أحوال جر الإزار وأن النهي عن جميع أحواله. وقد اختلف العلماء في قوله ﷺ لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ فقال مالك لا يمنع فضل الماء غير المملوك مطلقاً سواء قصد بمنعه منع الكلأ أم لا وإنما قيد بمنع الكلأ لأن شأنهم أنهم إذا أرادوا منع مرعى من
стр. 320
المراعي العامة للقبيلة كلها عمد من حفر منهم بئراً فمنع ماءها لكي لا يرعى الناس بما إذ عم لا يرعون إلا بمرعى فيه ماء فاعتبر المفهوم للغالب وبالتأمل المستخلص من كلامهم نرى أن القيود على نوعين منها ما لا يخرج للغالب بحال ولا يحتمل ذلك لأنها زائدة على الكلام وليس مدلولها صفة للماهية مقارنة لها فلا تذكر إلا لقصد وهي: الشرط. العدد. والغاية. والقصر. ومنها ما قد يخرج له وهي: العلة. والظرف. والحال. والصفة. لأنها قد تكون لمجرد حكاية الواقع لأن معناها التوصيف أو آيل إليه مثل الآية والحديث المتقدمين وقوله تعالى ولا تأكلوها إسرافاً فتأمل. (قوله وجوابه ما تقدم في التعليل إلخ) وهو قوله بسبب أن الصفة إلى قوله مع المحكوم عليه ومعناه أن اللسان يحكي ما حضر في الذهن تبعاً لذكر المحكوم عليه ومعناه أن اللسان يحكي ما حضر في الذهن تبعاً لذكر المحكوم عليه وليس المراد أن الإنسان يتصدى لذكر الصفة ابتداء حتى يرد قول عز الدين «إذا كانت غالبة إلى قوله اكتفاء بالعادة» لأن ذلك يرد لو كان ذكر الصفة مقصود إليه كيف وقد قلنا أنه لم يستحضرها المتكلم بل حضرت وحدها فتدبر (قوله عن سائر الأجناس) أي الصالحة للوصف بالصفة المذكورة (قوله البحث في هذا النوع مبني على أن نقيض المركب إلخ) البحث في هذه المسألة عجيب فإنه لا يختلف التناقض في اللغة ولا في المنطق إذ المنطق بحث عن أساليب اللغة كما قال ابن سينا وعليه فالنقيض هو مخالفة القضية الموجبة بالسلب والسالبة بالإيجاب وكذلك مخالفة الكلية والجزئية وأما الموضوع والمحمول فلابد من اتحادهما كما هو معلوم من المنطق وكذلك صفتهما إن كانت لهما صفة فقوله في الغنم السائمة الزكاة نقيضه ليس في
стр. 321
الغنم السائمة الزكاة لكن المفهوم ليس من قبيل التناقض لأنه إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه وهو محترز القيد فهو تناقض مشروط بتغيير مدلول القيد وهذا لم يبحث عنه المناطقة إذ لا يلزم فيه من صدق إحدى القضيتين كذب الأخرى وإذا كان هذا ضرباً من ضروب التناقض مشروطاً بشرط فلابد من المحافظة على بقية الشروط التي منها اتحاد الموضوع فكيف يقال بعد هذا هل يثبت نقيض الحكم للموصوف بعكس الصفة المذكورة من خصوص ذلك الجنس أم من سائر الأجناس. وقول المصنف «مع أنه لو قال ليس في الخبز غذاءً مطلقاً لحصل التناقض عقلاً إلخ» مسلم لكن هذا يصح إذا صرح به المتكلم ولسنا نبحث عن كل حكم مناقض للمنطوق يصرح به المتكلم بل عن التناقض اللازم للجملة ولاشك أن قولنا ليس في شيء من الخبز غذاء لا يستلزمه قولنا في الخبز من الحنطة غذاء ولذا قال المصنف أخيراً أنه تناقض عقلي من حيث الجملة ولعل الذي أوجب فرض هذه المسألة المضطربة هو نفي الزكاة عن معلوفة الإبل والبقر عند معتبري صفة السائمة مع أن ذلك إنما هو بالقياس لا من المفهوم (قوله يتناول البقر والمعلوفة والإبل إلخ) كذا في النسخ والمراد أن ما ليس بسائمة الغنم يتناول البقر مطلقاً والمعلوفة من الغنم ويتناول الإبل مطلقاً وكان الأولى أن يقول يتناول معلوفة الغنم والبقر والإبل مطلقاً (قوله بل الحلى إلخ) إن جاز سلب الشيء عما ليس من شأنه الاتصاف به وقد قيل به لكن التحقيق خلافه كما بيناه في موضعه.
стр. 322
(الباب الثاني عشر في المجمل والمبين إلخ)
[الفصل الأول في معنى ألفاظه]
تبع المصنف جمهور الأصوليين في تعريفهما وهو نظر للغالب لكن تعريف المجمل لا يشمل نحو الربا في قوله تعالى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فإنه عند العرب للزيادة وهو ربا الجاهلية فجعلته الشريعة لمعنى جديد لم يتضح كمال المراد منه كما ذكره ابن رشد في المقدمات في كتاب الصرف وذكر عن عمر ابن الخطاب أنه قال كان من آخر ما أنزل الله آية الربا فتوفي رسول الله ﷺ ولم يبينها وأنكم تزعمون أنا نعلم أبواب الربا ولأن أكون أعلمها أحب إلي من أن يكون إلي مثل مصر وكورها اهـ. وقد وقع نحو هذا الكلام عنه مفرقاً في صحيح البخاري وفي ظني أنه في أثناء كتاب الأضاحي أو كتاب الأشربة وكذلك لا يشمل تعريفهم للبيان البيانات الواردة لآية الربا في اثنتين وخمسين حديثاً كما ذكره القاضي أبو بكر ابن العربي في العارضة منها حديث تحريم تجارة الخمر فالأولى أن نعرف المجمل بأنه «ما لم تتضح دلالته على المراد منه» ونعرف البيان بقول صدر الشريعة «إظهار المراد» المأخوذ من قول الغزالي في المستصفى «أن البيان عبارة عن أمر يتعلق بالتعريف والإعلام ويشبه أن يكون كل صرف للفظ عن حقيقته إلى المجاز بياناً وكذا تخصيص العموم» (قوله اللفظ الدال بالوضع إلخ) هكذا في النسخ ولا شك أن كلمة بالوضع سهو من الناسخ أو غريه لأنه لا يندرج تحته قول المص «وأما بعد البيان» (قوله أما بسبب الوضع إلخ) أي أن الإجمال قد يعرض من تلقاء الواضع وذلك في المشتركات وقد يعرض من جهة العقل كما مثل وبقي
стр. 323
عليه عروض الإجمال من التركيب وذلك بوضع الكلمة التي تصير ما بعدها محتملاً معنيين كالإجمال العارض في نحو نهي عن الدباء والمزفت والحنتم والنقير فإن هاته الأسماء لما تعلق بها النهي نشأت معان محتملة ومثل القول في أسباب الإجمال نقول في أسباب البيان لأنه إما بنفسه أو بالعقل أو بما يقارنه من لفظ أو فعل كما يأتي في الفصل الثالث (قوله كالمتواطئ إلخ) خصه دون المشكك لأن المشكك قد يقال فيه أنه يحمل على الأقوى من إفراده أو الأكمل فلا يكون احتمالاً متساوياً (قوله قيل له مبين إلخ) أي أيضاً كما يقال للأول فللمبين معنيان والأولى أن يسمى القسم الأول بالبين (قوله والمؤول إلخ) ذكر المؤول هنا تبعاً للغزالي ووجهه أن التأويل ضرب من ضروب البيان وإن كان الظهور المقابل له ليس من الإجمال.
(الفصل الثاني فيما ليس مجملاً)
ذكر فيه مسألتين الأولى إضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان والمراد بالأعيان الذوات والمواهي التي لا تحقق لها إلا في الذوات تحقق الكلي
стр. 324
في جزئية وهي الكليات الطبيعية لا المواهي القائمة بالذوات قيام الحال بالمحل أو الصفة بالموصوف وهي المعبر عنها بالأحداث والمراد من الإضافة الإسناد والتعليق. وشمل التحليل الوجوب مثل قوله في الحديث وفي زكاة الغنم «في كل أربعين شاة شاة» عطفاً على قوله إن الله قد فرض عليهم زكاة أموالهم إلخ والإباحة نحو أحل لكم صيد البحر وما يرادفها نحو نهي كما في حديث البخاري نهى عن الدباء أي عن الانتباذ فيه ونهى عن الحمر الأهلية أي عن أكلها وحاصل الإجمال الموهوم في هاته المواضع ناشئ عن الاستعمال لا عن الموضع لأن إسناد نحو التحريم لشيء يحتمل جهات كثيرة هي مورد التحريم وهذا منشأ قول الكرخي وقد بينه المصنف (قوله ويقولون العرف عين المقصود إلخ) أي عرف الاستعمال العربي صيره من أول الأمر معروفاً معلوماً فكان من البين بنفسه وذلك أنه من التراكيب التي التزمت العرب فيه الحذف للإيجاز يقولون امرأته حرام عليه ولا يريدون كلامها وشأن الحذف المستمر أن يكون لما هو أسبق للذهن وحيث كان المحذوف في مثل هذا حالاً من الأحوال للشيء نوقن بأنه أسبقها إلى الذهن عند تصور ذلك الشيء إما لكونه لا يصلح إلا تقدير من بين سائر الأحوال وإما لكونه أولاها بالتقدير وإما لقرينة العرف ففي نحو حرمت عليكم الميتة لما كان المحكوم عليه حيواناً لا يصلح إلا للأكل أو استخدامه وتعطل استخدامه لكونه ميتة تعين أن المحرم هو أكلة ألا ترى أنه لا يجرم الانتفاع به بوجه آخر من أحواله النادرة ففي صحيح البخاري مر النبي ﷺ بشاة ميتة فقال هلا انتفعتم بأهابها قالوا: أنها ميتة قال: إنما حرم أكلها وكذا القول في نحو حرمت عليكم
стр. 325
أمهاتكم فغن المكلف لما لم تكن له علاقة بالنساء إلا بتزوجهن كان مناط التحريم لا نحو الرضاع إ قد مضى وقته ولا نحو كلامهن لأنه لا يخطر بالبال في نحو هذا المقام ونحو الحمر الأهلية لظهور أنه كثر ركوبها وبيعها فلا يمكن تحريمه وقل أكلها فهو الأولى بالتحريم ونحو نهي عن الدباء بقرينة عرفهم يومئذ وهذا هو القانون الذي يتبعه المخاطب وبه يظهر أن هذا ليس حقيقة عرفية إذ ليس لفظ الميتة منقولاً للأكل ولا لفظ الأمهات منقولاً للتزوج ولو كان كذلك للزم عليه أن قوله أو بيوت أمهاتكم مجاز عرفي ولكان قوله إلا أن يكون ميتة أو دماً بمعنى ألا أن يكون أكلاً فليس ما ورد في مثل حرمت عليكم أمهاتكم من قبيل نقل المفردات ولا معنى للنقل في المركبات إذ المجاز في المركبات وهو التمثيل لا يكون إلا في استعمال الخبر في الإنشاء والعكس واستعمال أنواع كل في نظيره وأما الاعتماد على القرينة واللزوم ونحوه في الكلام فليس من إخراج اللفظ عما وضع له وقد توهم مثل توهم المصنف هنا من قال أن مفهوم الموافقة نقل اللفظ إليه عرفاً بل هذا إيجاز لا مجاز الذي هو أصل الحقيقة العرفية فلا يتم قول المصنف أنه مجاز لغوي إلا إذا أريد من المجاز أقل إطلاقاته وهو كلمة تغير حكم إعرابها (قوله وإذا دخل النفي على الفعل كان مجملاً إلخ) هذه المسألة الثانية أي عرض له الإجمال عرفاً لأن النفي موضوع للعدم والعرف استعمل هاته الصيغة في أمر موجود إما لقصد نفي الصحة أو لقصد نفي الكمال فهو مجاز بقرينة كون المنفي موجوداً أو احتمل معنيين مجازيين فكان مجملاً عند عدم القرينة المعينة لأحد معنييه المجازيين لأن المعنيين المجازيين كالمعنيين الحقيقيين في باب
стр. 326
المشترك (قوله لأن المشابهة إلخ) إشارة إلى أن النفي هنا مجاز لعلاقة المشابهة بين الفاسد والمعدوم إذ الفاسد لما لم يكن معتداً به فكأنه معدوم وبين الناقص والمعدوم لأن النقص عدم قليل وإذا كان كذلك فما كان أقوى مشابهة كان أحق بالتقديم عند الاشتباه والتعارض لقربه من الحقيقة ومن ترجيحات المجاز قربه ولأن المبني منه على المشابهة فرع للتشبيه ومن شروط التشبيه ظهور وجهه والأوجب التصريح بوجه الشبه كما هو مقرر في علم البيان (قوله ولأن النفي عام في الذات إلخ) ترجيح آخر من جهة الاحتياط على رأي القاضي في حمل المشترك كما قدمه المصنف في بابه (قوله وأما الفرق بين أن يكون المسمى شرعياً إلخ) أي لأنه إذا كان شرعياً أمكن نفيه بنفي أركانه أو شروطه المعتبرة لأن مداد نفيه على نفي اعتباره بخلاف الأمور غير الاصطلاحية فلا تنفى ما دامت موجودة (قوله فقوله ﷺ رفع عن أمتي الخطأ إلخ) هذا حديث مشهور اللفظ عند الفقهاء وهو حديث حسن خرجه ابن ماجه من طريق ابن عباس لكن وقع كام في صحته ذكره ابن السبكي في الطبقات في ترجمة محمد بن نصر المروزي فذهب أحمد بن حنبل ومحمد بن نصر إلى عدم صحته وقال النووي هو حسن لكثرة طرقه قال أحمد ابن حنبل من زعم أن الخطأ مرفوع فقد خالف الكتاب فإن الله أوجل في قتل الخطأ الكفارة قال ابن السبكي لعلي معناه رفعه في خطاب التكليف لا في خطاب الوضع اهـ قلت معنى الحديث صحيح لقوله تعالى ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ والمراد رفع المؤاخذة الأخروية
стр. 327
لا رفع الحقوق البشرية (قوله أجابوا عن هذا بأن المراد الصلاة اللغوية إلخ) لاشك أن لا إذا بني اسمها على الفتح دلت على نفي الجنس أي عدم وجود حقيقته فإن كانت حقيقته حقيقية أي ليست من الأمور الاصطلاحية لم يصدق نفيها ما دامت واقعة وإن كانت حقيقية اصطلاحية صح وصدق نفيها بمعنى نفي الاعتداد بها وتكون تسميتها حينئذ بمراعاة المعنى اللغوي لتعذر الحكم والإخبار عنها إلا بعد تسميتها وإذا بطلت حقيقتها الاصطلاحية لم يبق لها إلا الاسم اللغوي السابق على النقل أو نقول في الجواب أطلق على هاته الهيئة اسم الصلاة الشرعية مجاز لعلاقة المشابهة الصورية ويندفع الأشكال.
(الفصل الثالث في أقسامه إلخ)
الضمير للبيان المأخوذ من أول الباب أي أقسام البيان من حيث هو سواء ما حصل بعد سبق إجمال وما كان بينا نفسه وقد درج في التقسيم على طريقة المحدثين التي حكاها عنهم القاضي أبو بكر ابن العربي في العواصم الراجعة إلى أن البيان هو الإيضاح والتفسير وعليها يخرج قول عمر ﵁ المنقول في المقدمات لابن رشد أن آية الربا توفي رسول الله ﷺ ولم يبينها أي يشرحها ويوضحها لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة ليس واقعاً. وهو عندهم عشرة أقسام ذكرها في العواصم قريبة مما هنا أما طريقة الأصوليين في البيان الحائمة حول تفسيره بإظهار المراد أو إخراج اللفظ من حيز الأشكال فلا تساعد هذا التقسيم كما هو ظاهر بالتتبع (قوله كالنصوص والظواهر إلخ) أي مما لا يحتاج إلى
стр. 328
زيادة شرح وإيضاح من التراكيب مثل حديث إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ومثل قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (قوله كفحوى الخطاب إلخ) بناء على أن دلالته قياسية وهو قول الشافعي وكقوله ﷺ للذي سأله عن بيع التمر بالرطب أينقص الرطب إذا جف قال نعم قال فلا إذن فأخذنا منه بيان تعميم هذا الحكم لبيع كل رطب بيابس من جنسه (قوله الشرط المدلول عليه إلخ) تمثيل للبيان باللزوم ومنه حديث من سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة في الثوب الواحد فقال أكلكم يجد ثوبين فهذا الاستفهام لا بيان فيه للمسئول عنه ولكنه لما استلزم أنه لو اشترط للصلاة ثوبان لسقطت عن كل من ليس له ثوبان علم جواب هذا السؤال (قوله أشار بيده نحو المشرق إلخ) أي في البين بنفسه بالإشارة وأما بيان المجمل بالإشارة فمثاله قوله ﷺ في أشراط الساعة ويكثر الهرج قيل ما الهرج فأشار بيده وحرفها يعني القتل (قوله ومثال البيان بالدليل العقلي إلخ) الأولى تمثيله بمسألة فقهية وذلك كقوله تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ فالعقل يدل على أن حرج الأسف مع الغرم ونحوه عنده القضاء به مغتفر وإنما المراد أن لا يجدوا
стр. 329
حرجاً أي طعناً وشكل في عدله ﷺ وكذلك قوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ أخذ منه وجوب العدل عند التعدد وذلك في الأمور الممكنة من قسمه ونفقه لا في المحبة وقد قال النبي ﷺ اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك (قوله أنه نهى عن الشرب قائماً إلخ) أي فتركه بعد ذلك دليل على أن النهي هنا مراد منه خلاف الأولى لا الحرمة لعصمته ﷺ منها ولا الكراهة لتنزهه عنها (قوله وفيما قاله نظر إلخ) هو نظر وجيه وقد كان في الشرائع السالفة البيان بالإشارات والكتابة فقد أنزلت على موسى الألواح مكتوبة بكتابة خارقة للعادة وكذا جعل الله أكل النار علامة على قبول القرابين في عهد آدم وجعل اهتزاز السلسلة علامة على البر في اليمين في بني إسرائيل نعم ذلك لم يقع في شرعنا والكل إذا وقع على وجه خارق للعادة وأيدته شهادة الرسول بأنه من عند الله كان دليلاً على مراد الله سواء كان قولاً أو غيره.
стр. 330
(الفصل الرابع في حكمه)
تكلم فيه على وقوعه في الكتاب والسنة والإجمال يحصل من جهات الأولى جهة نقل اللفظ إلى معنى جديد فيحتاج إلى بيانه كما تبين الاصطلاحات وهذا مثل الربا عند من يراه شاملاً لسائر أنواع البيوع كما قال ابن رشد في المقدمات وابن العربي في العارضة أخذاً من قول عمر ﵁ الثانية قصد جمع الشريعة ولإحاطة بالأحكام فيلزم استعمال ألفاظ تشمل تفاصيل ثم يقع بيانها وهذا مثل الزكاة والإيمان والإحسان والعول الثالثة الحوالة على معروف عند المخاطبين وقت النزول فيعده مجملاً من لا يعرف عوائدهم وأحوالهم مثل قوله تعالى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ فإنه بين حكماً من أحكام وقت صلاة معروفة ومنه البغاء في قوله ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ وقوله ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ ولهذا كان بيان أمثالها بما علم ضرورة وتواتر وكان لمعرفة أحوال العرب وسيرة النبي صلى الله
стр. 331
عليه وسلم أثر عظيم في فهم حقائق الشريعة وبهذا تندفع الشبه ويظهر السبب الداعي لورود المجمل وبيانه ويعلم أن غيره لا نقول بموجبه ولكن دعا إليه المنع لأصول المعتزلة ولا يحتاج إلى جواب المص بعظم الأجر لأنه يرد عليه أن الله قادر على أن يعوض عظم الأجر الناشئ عن التطويل بعظم الأجر الناشئ عن القيم وأما قوله لازدياد التشريف بالخطاب وقوله لامتحان العبد فتكلف وإنما وقع الكلام في الجواز مع أنه واقع لأن الذين نفوا المجمل وأنكروه إنما استدلوا باستحالته فتأولوا ما ورد منه.
(الفصل الخامس وقته إلخ)
لا طائل تحت هذا الفصل للاتفاق على عدم وقوع تأخير البيان
стр. 332
عن وقت الحاجة وغنما الكلام في الجواز وعدمه وبه تذهب شبهة الإيقاع في التضليل. ثم المراد من البيان ها البيان بالمعنى الأعم الصادق على تخصيص العموم وتقييد المطلق وعلى النسخ أيضاً (قوله وثانيها قوله تعالى في قصة بقرة بني إسرائيل إلخ) التحقيق أن ما وقع فيها ليس بياناً بل إعناتاً لأنه ليس إظهار المراد خفي لأن الله تعالى أراد ذبح بقرة ما فلما شدد وأشدد الله عليهم فلا يصح الاحتجاج به لتأخر البيان بل هو من ورود المقيد بعد وقت العمل فهو نسخ؟ ؟ ؟ ص ٥٧ وما ذكره المص من دلالته على أن البقرة كان المراد منها بقرة معينة لا دليل فيه كما هو ظاهر والحدث ينافيه.
стр. 333
(الفصل السادس في المبين)
(قوله لمن أريد إفهامه إلخ) وهو من يتعلق الخطاب بفعله من المكلفين فذلك دليل على أن الله أراد إفهامه فإذا شرع الله حكماً في الجهاد مجملاً وشرع المسلمون في غزوة فبينه لهم فأولئك هم المراد إفهامهم فجهل من بقي منهم في المدينة بذلك الحكم ليس من تأخير البيان. ومثال هذا ما وقع في آية التيمم فإن آية الوضوء مجملة بالنسبة لحالة فقدان الماء فلما وقع في غزوة المريسيع فقد الماء ونزلت آية التيمم جاء البيان لمن أريد إفهامه وأهل المدينة لم يشعروا بذلك ومن هنا جاءت تلك الأقسام وهو أن المطلوب هل هو علم وعمل إلخ لأنه إذا كان المطلوب كليهما وجب البيان وإذا كان أحدهما وجب للمطلوب عمله دون من يطلب منه العلم فقط لأنه لا يتصور فيه التضليل إلا عند وقت الاستفتاء لأنه ينبني عليه حينئذ عمل (قوله أن النساء أردن بالعمل فقط إلخ) فالأولى حينئذ أن يمثل بالصلاة للصبيان فإن المراد عملهم إياها لا علمهم بها إذ ليسوا
стр. 334
مكلفين بالعلم وإنما أريد تعويدهم (قوله قلت قد تقدم أن الحكم إلخ) قد تقدم أيضاً رده في مبحث تعريف الفقه (قوله وإنما حصل الاتفاق على أسماع المخصوص بالعقل إلخ) المخصوص هنا صفة لموصوف محذوف معلوم من الوصف أي العام المخصوص وقوله بالعقل متعلق بالمخصوص والمراد من الأسماع الإبلاغ أي يجوز ورود نص عام مخصوص بالعقل وهذا لا يخالف فيه المعتزلة لأنه لا تضليل فيه كما بينه المص (قوله ما الفرق بين هذه المسلة إلخ) أي مسألة البيان لمن أريد إفهامه دون غيره.
الباب الثالث عشر في فعله ﷺ
[الفصل الأول في دلالة فعله ﷺ ]
إذا كانت الأقوال تعرب عن المراد فيتضح منها وجوب أو ندب ويمتاز التشريع فيها عن الجبلة فإن الأفعال قد ترد وأمرها فيهم لا يعرف منه مراد ولذلك
стр. 335
خصت بالتبويب والقاعدة هنا المستخلصة من خلاف كثير أن الفعل إن جاء فيما شأنه التشريع كوقوعه بياناً أو فيما لا يجيء إلا شرعاً من عبادة أو أخذ بحق فهو تشريع وإلا فهو الجبلة والعادة كأنواع اللباس والطعام وإن لم يتضح أمره لكونه قريباً من الجبليات لكننا نجده دخل في العبادات وتعلق بها كالركوب عند وقوف عرفة وكالضجعة على الشق الأيمن بعد صلاة الفجر فهو مجمل. فأما الجبليات إن كانت ترجع إلى مكارم الأخلاق أو محامد الفطرة كالمعاشرة وسعة الأخلاق وترك التكلف في المشي واللباس وترك الرعونات فلا شبهة في كونها ملحقة بآداب الشريعة وضابطها هي الأمور التي كان رسول الله ﷺ أكمل الناس فيها وكان الكمل يتفاوتون في قربهم منه في ذلك وإن كانت ترجع إلى ضروب الأحوال العادية والحاجات القومية كصور اللباس وصنوف الطعام ونحو ذلك فهذه لا دخل للتشريع ولا للندب فيها كم نقل حلولو عن إمام الحرمين والمصنف عن الباجي وابن التلمساني في شرح المعالم عن الاتفاق وإنما كان بعض السلف ﵏ يتبعونها تطلباً للتأسي والتبرك بالتشبه برسول الله ﷺ بعد أن قضوا حظهم من القيام بالواجبات والكمالات
стр. 336
فقد كان ابن عمر ﵄ يتوخى في المدينة مواضع مشي النبي ﷺ ويتوخى منازله وطرق سيره في لحج ونقل حلولو عن إشارات الباجي قولاً بندب هذا النوع. وأما التردد ين الجبلي والشرعي فهو مجال للاجتهاد وقد استحب مالك ركوب الإبل عند وقوف عرفة لأنه رآه قريباً من المقصود بالعبادة وهو الخطبة لأنه ينوب عن اعتلاء المنبر دون الاضطجاع بعد الفجر ويظهر من صنيع البخاري ﵀ أنه يرى مثل ذلك حجة وقد ترحم في صحيحه بقوله باب الضجعة على الشق الأيمن بعد صلاة الفجر يريد الإشارة إلى مشروعيتها ندباً للعلة رأى لها أثراً في العون على صلاة الصبح بنشاط وفي مثل هذا خلاف بين المحدثين أشار له حلولو وأما الشرعي فإن علم حكمه من اختصاص به ﷺ أو شمول لنا أو نحو ذلك حمل عليه وكذا من وجوب أو ندب أو إباحة بإمارات كل وإن لم يعلم فالأصل عدم الخصوصية واختلف في حكمه من وجوب أو ندب على نحو ما ذكر المص فالوجوب لمالك في الأشهر والندب الشافعي وحكى الإباحة الأمدي وإمام الحرمين عن مالك والوقف للقاضي والغزالي والصيرفي (قوله والجواب عن الأول إلخ) أي من شقي حجة الوقف وهو تعارض المدارك وقوله وعن الثاني أي الشق الآخر وهو قوله ولأنه ﵊ إلخ (قوله أو لأنه خلاف ظاهر حاله إلخ) عطف على قوله لعصمته واو للتقسيم وهما علة لقوله فتعينت الإباحة أي لا يمكن اعتقاد الحرمة للعصمة ولا الكراهة لأنها خلاف ظاهر حاله أي لأن المشاهد من حاله ﷺ كمال العفة والنزاهة ومن هذا شأنه لا يناسب حمل فعل منه على الكراهة فلا جرم انحصر فعله غير
стр. 337
القربة في الإباحة هذا ما يقتضيه كلام المص وسيعيده أوضح أثناء الفصل الرابع (قوله حجة الندب إلخ) أي حتى فيما لا قربة فيه (قوله ومثال إقراره إلخ) منه احتجاج خالد بن الوليد على إباحة أكل الضب بأنه وضع على مائدة النبي ﷺ ولم ينكره (قوله فدل ذلك على جوازه إلخ) أي جواز شرب لبن الشاة المملوكة إذا كان فاضلاً عن حاجة أهلها ومنه أخذ جواز أكل الشجر المملوك الكائن على الطريق إذا علم تسامح أهله بحسب العادة.
(الفصل الثاني في إتباعه إلخ)
لما كان رسول الله ﷺ قد يفعل الشيء وقصده التشريع ويفعل الآخر لضرورة دنيوية مثل النوم والطعام واللباس وغيرها وفعل غيرهما على أنه خاص به مثل الوصال في الصوم والزيادة على الأربع بحثوا هنا عن الطرق التي يتعرف بها حال فعله وحكمه والأصل فيما هو من الأمور العامة التشريع وفيما هو من الاعتياديات الجبلية وأما الخصوصيات فلا تعلم إلا بتوقيف ولهذا لما قال له بعض الصحابة وقد؟ ؟ ؟ ص ٦٢ في شيء وذكر له أنه يفعله أنك لست مثلنا أن الله قد غفر لك اشتد غضبه ﷺ وقال له إني لأتقاكم وأعلمكم به وقد تصدى علماؤنا لضبط الخصوصيات ومحصها القاضي ابن العربي في تفسير سورة الأحزاب وإن أكثر فيها المكثرون (قوله أو بالاستصحاب على عدم الوجوب أو بالقربة على عدم الإباحة إلخ) هكذا في النسخ والظاهر
стр. 338
إنه تحريف صوابه وبالقربة بذكر الواو عوضاً عن أو لأنه أراد أن من الأدلة على تعيين الحكم ما هو مركب من الاستصحاب والقربة فيدل الاستصحاب الأصلي على براءة الذمة من التكليف فيندفع الوجوب ويدل كون الباب من القرب على أنه ليس إباحة إذ شان القربة أن تكون فوق الإباحة ينتج هذا وذاك أنه مندوب ويشير لذلك قوله أثره فيحصل الندب وقوله في الشرح ومعنى قولي بالاستصحاب في عدم الوجوب إلى قوله فيتعين الندب فتدبر (قوله وبكونه جزاء لسبب الوجوب) أي ناشئاً عنه ومجزئاً وفي النسخ هنا تحريفات ظاهرة (قوله ووجه التخصيص الوجوب بالعبادات إلى قوله ومفهومه أن غير المذكور لا يجب إلخ) أي ومفهوم المنطوق به ولم يرد المنصف مفهوم الأمر إذ لا مفهوم لصيغة الأمر وهذا الاستدلال باطل لأنه لا مفهوم لما في هذين الحديثين إذ أنه لقب ولو سلم فهو يقتضي الاقتصار على الصلاة والحج (قوله أن الله ربط بأحدهما حسن العاقبة إلخ) وعليه
стр. 339
فالحكمة من التخيير مع إلهام النبي ﷺ إلى اختيار الأحسن هي إظهار بركته ﷺ في سائر أحواله والتيمن به في اختياره (قوله تفريع إلخ) حاصله حكم التعارض بين الفعل والقول ومرجع هذا إلى العمل بقاعدتين إحداهما أن النبي ﷺ لا يفعل غير المأذون الحسن للعصمة والنزاهة. الثانية أننا مأمورون بالاقتداء بأفعاله ما لم يدل الدليل على تخصيصه بها فبموجب هاتين قد يتعارض مدلول قوله مع لازم فعله فيقع التأمل في وجوه الجمع أو الترجيح ولابد من ملاحظة شرط التعارض الذي بينه المص في تعارض العام والخاص وهو أن يتناقض مقتضى النصين ثم أن النص المتقدم منهما إما أن يقع العمل به أو لا فإن كان الأول وورد بعده ما يعارض جميعه نسخه أو ما يعارض بعضه خصصه عند الجمهور وقيل نسخه أيضاً وإن لم يقع العمل به فالذي بعده لا يكون إلا مخصصاً ولا يتصور أن يكون ناقضاً له مبطلاً لأنه يقتضي العبث وعليه فإذا تقارن القول والفعل وتناقضا حمل القول على التشريع والفعل على الخصوصية ولا يصار إلى الخصوصية حينئذ إلا للتفادي من العبث أو منافاة العصمة. واعلم أن
стр. 340
عموم القول يؤخذ من اللفظ وأما عموم الفعل فيؤخذ من الدليل الدال على وجوب التأسي وعلى عدم الخصوصية فتأمل (قوله فإن عارض الفعل الفعل بأن يقر إلخ) صور المص تعارض الفعلين بتعارض فعل وتقرير لأن التقرير فعل ولأنه لا يتصور التعارض بين فعلين بغير ذلك كما سيأتي في الفائدة المنقولة عن الآمدي ثانياً لكن يتصور التعارض بينهما إذا نقلت لنا بأن يختلف لنقلة في فعله وقد وقع ذلك في نقل حديث صلاة الخوف فروي أنه صلى بكل طائفة ركعة ولم تكمل كل طائفة ركعتها الثانية وقيل بل كملت كل طائفة ركعتها الثانية والنبي ﷺ ينتظر فراغ الأولى (قوله فإن كان خاصاً به إلخ) أي كان القول خاصاً به وهذه الصورة الأولى (قوله والخاص بأمته إلخ) أي من القول خاصاً به وهذه الصورة الأولى (قوله والخاص بأمته إلخ) أي من القول وهذه صورة ثانية فتعلق القول بالأمة بالنص وتعلق الفعل بالدليل الدال على التأسي (قوله وكذلك إذا عمهما فحكم الفعل أيضاً إلخ) الضمير للقول وهي صورة ثالثة (قوله أخرجه من عموم حكم الفعل إلخ) الفعل لا عموم له ولكن المراد إخراجه من شمول حكم الفعل
стр. 341
له وذلك شمول مأخوذ من الأدلة الدالة على العصمة وعلى التأسي وعلى عدم الخصوصية (قوله فائدة قال الإمام فخر الدين التخصيص والنسخ إلخ) أي لأن الفعل لا عموم له ولكن دليل التأسي هو الذي يقتضي دوامنا على التأسي بمثل فعله فإذا فعل غيره فقد بطل ما كنا نظنه من الدوام على ذلك. واعلم أن تحقيق ما أشار له الإمام له ثلاثة أحوال: الأولى أن نأخذ بالوجوب احتياطاً فيكشف فعله لضد الفعل من بعد على عدم الوجوب كما وقع في قيام الليل أنه لما تسامع الصحابة أنه ﷺ قام الليل في المسجد أتى الناس الليلة الأولى ثم تكاثروا فلم يخرج لهم في الليلة الثالثة وقال خشيت أن تكتب عليكم أي أن يقركم الله على فهمتم من الوجوب. الحالة الثانية أن يفعل الفعل ويدل دليل على وجوبه أو ندبه مثلاً ثم ينسخ بغيره كنسخ وجوب صوم عاشوراء وهذا هو الذي يقال أن النسخ فيه للدليل الدال على التأسي خاصةً لأن الفعل لا عموم له وإنما دليل التأسي قضى بتعميم الأزمة فلما أبطلها الفعل الثاني فقد أبطل مقتضى دليل التأسي. الحالة الثالثة أن يفعل الفعل ثم يفعل خلافه في هيئته كما في إتمام الصلاة بناء على رواية عائشة أنها فرضت ركعتين ثم أقرت في السفر وأطيلت في الحضر فصلاته أربعاً بعد صلاته ركعتين نسخ لنفس فعله السابق لا محالة وليس هو نسخاً للدليل الدال على التأسي لأن ذلك الدليل في هاته الحالة لم يقع فيه نسخ ولا إبطال لأن الفعل لم يزل مشروعاً وإنما نسخت كيفيته وليس هذا النسخ راجعاً لعموم الأزمان
стр. 342
حتى يقال أن الفعل لا عموم له بل راجعاً للصورة وهي تخالف الصورة الأولى بلا شبهة وذلك مسمى النسخ فكلام الإمام ليس على إطلاقه فيما يظهر والله أعلم (قوله بأن يقول عقيبه إلخ) أي يعلم اختصاصه ببعض الأزمنة بنص كالقول ومثاله قوله ﷺ في خطبة يوم الفتح إلا وإنما أحلت لي ساعة من نهار وقد رجعت إلى حرمتها (قوله أفعاله لا يمكن وقوع التعارض بينها إلخ) أي في الواقع ولا يمكن التعارض في روايتها ونقلها وذلك كثير. منه رواية صفة صلاة الخوف كما تقدم لنا.
الفصل الثالث في تأسيه ﵊
التأسي المتابعة من غير تكليف وهو تفعل من الأسوة وهي القدوة
стр. 343
والإضافة هنا إضافة المصدر إلى فاعله والمسألة الأولى أصل للثانية لأنه مبنية على أن شرع من قبلنا شرع لنا ويعتد به عند عدم وجود شرعنا فكذلك يكون عند عدم وجود الحكم فيه (قوله وأما بعد النبوءة فمذهب مالك إلخ) هذه مسألة شرع من قبلنا شرع لنا وقد حصل الحافظ أبو الوليد ابن رشد في طالع كتاب الصرف من مقدماته فيها أربعة مذاهب الأول مذهب مالك ﵀ أن ما أخبرنا الله به من شرائع من قبلنا من الأنبياء لازم لنا ما لم يأت في شرعنا ما ينسخه نصاً أو قياساً وقد احتج في الموطأ على القصاص بقوله تعالى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ويؤيد هذا المذهب قول النبي ﷺ إذا رقد أحدكم عن الصلاة ثم فزع إليها فليصلها كما كان يصليها فإن الله تعالى يقول ﴿وَأَقِمِ
стр. 344
الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ وهذا خطاب لموسى ﵇، الثاني أنها غير لازمة لقوله تعالى ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. الثالث لا تلزمنا إلا شريعة إبراهيم لقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. الرابع لا تلزمنا إلا شريعة عيسى لأنها آخر الشرائع ونسخت ما قبله وهو أضعفها اهـ وقد رأيت ما ذهب إليه القاضي وغيره وهو جدير بالاعتبار لأن اختلاف الأمم والعصور ومجيء شريعة أخرى مظنة اختلاف الأحكام نعم إن الاستئناس بأحكام الشرائع الماضية لاستنباط أحكام اجتهادية إذا كان فيما ليس من شأنه أن تختلف فيه المصالح أو ما لا يخالف مقاصد الشريعة حيث لا نص أو لتوجيه وبيان أحكام إسلامية للدلالة على دوام
стр. 345
الحاجة إلى شرع ذلك الحكم كل ذلك منزع من منازع الفقهاء في الاجتهاد والتفسير ولعل هذا هو الذي نزع إليه مالك ﵀ في الاحتجاج بآية البقرة فأخذوا منه بالتخريج مذهباً في شرع من قبلها ولهذا يكثر في كتب الفقه للمالكية الاستدلال على مشروعية أشياء بآيات تقص أحاديث الأمم الماضية مثل الاحتجاج على مشروعية الوكالة بقوله ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ وعلى مشروعية الشركة بها أيضاً وعلى مشروعية الضمان بقوله وأنابه زعيم وقد سلك البخاري في صحيحه مسالم من هذا.
(الباب الرابع عشر في النسخ)
[الفصل الأول في حقيقته]
النسخ مأخوذ من الإزالة لأنه يزيل الحكم السابق قال تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ﴾ وأطلقه الأصوليون على رفع الحكم الشرعي المعلوم دوامه بخطاب فخرج التشريع الآنف وإن كان يتضمن نسخ البراءة الأصلية إذا
стр. 346
البراءة الأصلية ليست حكماً شرعياً كما صرح به المص في الفصل الرابع من هذا الباب ولذلك سميت الأصلية ولم يتعارف ذلك فيها وزدت قولي المعلوم دوامة ليخرج رفع التكليف الثابت بالأوامر التي لا تفيد التكرار كما تقدم في الأمر وكذلك التكاليف المغياة وأما التعريف المنقول عن الغزالي ففيه خلل كما في الشرح وأما ما اختاره المص في قوله وقال الإمام فخر الدين الناسخ طريق ففيه تطويل وتعقيد فقوله الثابت هو بالنصب وصف لمثل وقد صرح أنه عبر بالمثل لأن الحكم الثابت قبل النسخ ليس هو الذي أعدمه النسخ لأن الذي ثبت لا يرتفع وهذا تعمق لا يفيد إلا تعقيداً لأنهم يريدون من الحكم المرفوع بالنسخ جنسه الصادق عليه أنه وجوب صدقة مناجاة أو إباحة شرب خمر في غير وقت الصلاة مثلاً وليس المرفوع هو أثر الحكم أي عمل المكلفين في جزئيات المسائل بما يقتضيه ذلك الجنس ولا مانع من ثبوت الحكم ثم رفعه لأنه أمر اعتباري وقوله «بطريق» أي آخر وهو دليل الحكم المنسوخ والضمير في قوله يوجد عائد للمثل والهاء المضاف إليها كلمة بعد عائدة على قوله «طريق شرعي» وقوله متراخياً حال من طريق شرعي بعد وصفه بقوله «يدل» والضمير المجرور بعن عائد على طريق المجرور بالباء والضمير الداخلة عليه لولا عائد على طريق الأول والضمير؟ ؟ ؟ ص ٧١ في كان عائد على مثل وهذا الحد على قلاقته وتعقيده اللفظي لا يزيد على ما اخترناه أولاً إلا بذكر شرط التراخي وليس ذلك بمهم لأنه شرط النسخ لا جزء من ماهيته ومفهومه على أن فيه خلافاً يأتي. هذا وفائدة النسخ من حيث هو اختلاف الأحكام لاختلاف المصالح كنسخ شريعة بشريعة وأما نسخ حكم بغيره في شريعة واحدة فقد يكون
стр. 347
لا يناس الأمة بالحكم الذي لم تكن تعودته مثل تحريم الخمر وإيجاب الصوم فأول ما نزل فيه ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ بناء على أحد قولين في أنها منسوخة أم لا وهذا النوع هو أكثر ما وقع في شرعنا وذلك مصلحة لسهولة الامتثال وقد يكون لاختلاف المصلحة كنسخ وقوف الواحد للعشرة لحاجة الدين إليه في وقت قلة عدد المسلمين وكنسخ وجوب صدقة المناجاة بالزكاة لكثرة عدد المسلمين وفقرائهم وقلة المناجاة بالنسبة واختصاصها بالمدينة دون آفاق الإسلام وبه يظهر أن النسخ هو إزالة بالنظر للحكم الأول وبيان بالنظر لمراد الله تعالى. وقد اعتاد الأصوليون أن يترجموا لهذا الباب بعنوان باب النسخ ليشمل حقيقته وأقسامه وأحكام الناسخ والمنسوخ كما عبر ابن مالك بالابتداء وابن عاصم بباب القضاء لأن المصدر سار في الجميع والمص تابعهم هنا ثم تابع الغزالي إذ جعل النسخ هو الخطاب وهو تسامح بإطلاق المصدر على اسم الفاعل وهو سهل وأما جواب المص بأن الناسخ في الحقيقة هو الله فهو لا يغني إذ النسخ أيضاً في الحقيقة هو فعل الله لا الخطاب فإذا قيل هو دليل الفعل أو أثره قلنا فليسم ناسخاً لأنه المعرف بأن الله تعالى نسخ (قوله فإن خلاف المعلوم في حقنا محال إلخ) أي نقيض المجزوم به لأن العلم بهذا المعنى صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض إذا العلم لا يكون إلا عن ضرورة أو برهان فلو احتمل خلافه لزم اجتماع الشيء ونقيضه.
стр. 348
(الفصل الثاني في حكمه)
(قوله وأنكره بعض اليهود إلخ) قسم ابن حزم اليهود خمسة أقسام في كتابه في الملل والنحل: السامرية وهم ينكرون النسخ بعد موسى ويوشع ولا يستحلون لخروج عن الشام وينكرون البعث. والصدوقية بتشديد الصاد ولدال وهم باليمن وهم القائلون عزيز ابن الله. والعنانية وهم لا يتجاوزون التوراة وما ألحق بها من كتب الأنبياء ويكذبون أحبارهم ومنهم يهود الأندلس. والربانية وهم الآخذون بأقوال الأحبار أي تأويل التوراة وزيادة أشياء عليها للمصلحة أو غيرها وهم الجمهور. والعيسوية أصحاب أبي عيسى الأصفهاني يهودي كان بأصبهان وهم يجوزون النسخ ويقولون برسالة عيسى لهم ومحمد للعرب ﵉ فالظاهر أن الذين أنكروا النسخ هم الذين لا يعترفون بكتب الأنبياء وهم السامرية. وصريح التوراة يقتضي أن شريعتها خاصة ببني إسرائيل فلا شك أنهم لا يمنعون نسخ شريعة بشريعة وغنما يمنعون نسخ تعبدهم بشريعة التورية ونسخ فروعها، هذا والنسخ واقع عند كل المسلمين والصالح له من الأحكام ما ليس من القواعد الكلية في الشرع وما ليس من أصول الإيمان وقال الغزالي لا يصح نسخ جميع الشريعة. وقالت المعتزلة لا يجوز نسخ ما له صفة ذاتية من حسن أو قبح كالعدل وشكر النعم وكالظلم والكذب والنظر فيما يقبل النسخ من الأحكام دقيق وقد ألم بشيء منه الغزالي في
стр. 349
المستصفى والمعتزلة والشاطبي في الموافقات وهو لمعة بارق وليس الغرض من هذا الكتاب بسطه (قوله وحينئذ لا يكون منسوخاً لأن ذكر اللفظ الدال على الدوام مع عدم الدوام إلخ) التعليل بقوله «لأن» غير مناسب كما هو ظاهر وهو كذلك بين أيدينا من النسخ على اختلاف صفاتها ولا شك أنه قد سقط هنا أبطال الترديد الثاني من الترديد الأول ويكون ما سقط هكذا «وإن كان الثاني فهو أيضاً باطل لأن ذكر اللفظ إلخ» عطفاً على قوله فإن كان الأول فهو باطل من وجهين وحاصله أن المص ذكر حجتين لإنكار اليهود النسخ سمعاً وجعل للوجه الأول منهما ترديدين وهما قوله «إما أن يدل على الدوام أو لا وجعل» للترديد الأول منهما ترديدين وهما قوله «فإما أن يضم إليه أو لا وقوله «فإن كان الأول أي من هذا الترديد الأخير وهو تقدير أن يضم ولا شك أننا إذا لم نقدر هذه العبارة الساقطة لم يكن ثم كلام على الترديد الثاني المقابل لقوله فإما أن يضم إليه فتأمل (قوله والجواب عن الأول أن نقول اتفق المسلمون على أن الله شرع إلخ) أي والجواب عن الوجه الأول بجميع ترديداته لأن الجواب يؤخذ منه تصريحاً والتزاماً ما يدفع جمعها ومبني لجواب على اختيار الشق الأول من الترديد وهو المشار إليه بقوله «إما أن يدل على الدوام» ثم اختيار الشق الأول منه المشار إليه بقوله «فإما أن يضم إليه» على رأي أبي الحسين وبذلك يظهر وجه طي المص الجواب عن بقية الترديدات الواقعة في الوجه الأول لأنه اختار أحدها ولم يجب عن وجهي بطلان
стр. 350
الشق الأول من الترديد الأول لأن أول الوجهين معلوم دفعه بما تقدم في بيان حكمة النسخ وهي اختلاف المصالح فلا عبث في التوقيت ولأن الثاني لا يقتضي عدم الجزم بالنسخ لأن فقدان نص متواتر في شريعة انقطع تواترها بالحوادث لا يقتضي الجزم بعدمه وتنظيرها بشريعة الإسلام تنظير بغير نظير لوجود التواتر في الإسلام كما لا يخفى. وقوله اتفق المسلمون إلخ يريد اتفق علماؤهم في جواب هذا الاستدلال إذ قد اتفق على اختيار هذا الشق أهل السنة والمعتزلة كما يؤخذ من ذكر الخلاف بينهم من بعد في أنه هل قارنه ما يقتضي أنه سينسخ وليس المراد إجماع المسلمين على أن الله شرع لموسى شرعه بلفظ الدوام إذ لا قبل لهم بإثبات ذلك حتى يتفقوا عليه ولأن القرآن صريح في أن موسى وسائر الرسل بشروا بمحمد ﷺ يأتي من بعد كما في آية وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمه. وآية الذين يتبعون الرسول النبي الأمي
стр. 351
الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. وكل ذلك يستلزم أن لفظ الشريعة غير دال على الدوام أو أراد بالدوام عدم التوقيت وجيل (قوله واسمه عمرو بن يحيى إلخ) صوابه عمرو بن بحر وهو المشهور بالجاحظ وأشهر كنيته أبو عثمان وهو عمر بن بحر بن محبوب الكناني اليثي البصري المعتزلي شيخ الفرقة المعروفة بالجاحظية أمام اللغة والبلاغة توفي سنة ٢٥٥ خمس وخمسين ومائتين بالبصرة وقد نيف على التسعين (قوله فتنزل الأجزاء إلخ) أي في حصول الماهية مع بعضها وكان الشأن أن لا توجد الماهية إلا مع جميعها (قوله والنسخ لا إلى بدل إلخ) التحقيق أنه لم يقع وإن حكم صدقة المناجاة الصواب أنه نسخ
стр. 352
إلى بدل وهو الزكاة إذ كلاهما صدقة واجبة إلا أن مناجاة الرسول جعلت وقتاً ثم جعل مكانها الحول وغيره وتغير المقدار أيضاً (قوله جوابه أن هذه صيغة شرط إلخ) أجاب بالمنع وسنده مبني على قاعدة المناطقة أن القضية الشرطية لا يلزم أن يكون مقدمها واقعاً بل قد يكون محالاً وإنما الواجب هو التلازم بين المقدم والتالي في الصدق والارتفاع كما أن القضية الحملية لا يلزم صدق صغراها لصحة النتيجة بل قد تكذب صغراها فتكذب النتيجة تبعاً لها لأنها ملازمة لها على ما هي عليه غير أن التقريب في كلامه غير تام إذ لا شبهة في وجوب التلازم بين المقدم والتالي فالشرط في الآية لا يقتضي وقوع النسخ والإنشاء ولكن يقتضي أنهما إن وقعا وقع الإتيان لهما ببدل فتنبه (قوله سلمناه إلخ) سلمه بعد المنع وهو مبني على الغفلة عما تقتضيه كلمة نأت من كون الخير أمراً وجوداً لا مطلق الترك بلا حكم (قوله لأنا التلاوة والحكم عبادتان مستقلتان إلخ) أما عبادة الحكم فهي طلب امتثاله وأما عبادة التلاوة فهي بقاء الآية للإعجاز وتلاوتها لحفظها من التغيير (قوله فلا يبعد أن يصيرا معاً مفسدة إلخ) أما صيرورة الحكم مفسدة فظاهروا وأما صيرورة التلاوة مفسدة فبان يكون في بقاء تلاوتها ما يتوهم منه بقاء حكمها أو ما يذكر به مع إرادة إنشائه هذا إذا كان نسخها مع نسخ الحكم وأما نسخها وحدها
стр. 353
دون الحكم فلا تظهر له فائدة ولم يحفظ عن النبي ﷺ ما يدل على أمره بنسخ التلاوة مع بقاء الحكم فليحرر ذلك بل كان بعض الصحابة يرى أن الآية المنسوخة لا تثبت في المصحف فقد أخرج البخاري في التفسير قال ابن الزبير قلت لعثمان والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً نسختها الآية فلم تكتبها قال يا ابن أخي لا أعير شيئاً منه من مكانه وأما قوله الشيخ والشيخة فقد؟ ؟ ؟ ص ٧٨ حلولو في شرحه عن القاضي عياض أن معنى قول عمر ﵁ أنها كانت مما يتلى هو أن معناها كان يتلى لأن هذا اللفظ بعينه كان يتلى لأن فصاحة القرآن تأبى ذلك (قوله لنا أن نسخ الخبر يوجب عدم المطابقة إلخ) دليل مركب من دليلين أحدهما لإبطال قول من جوزه مطلقاً بأنه في بعض الأحوال يوجب عدم المطابقة والثاني لإبطال قول من منعه مطلقاً بأنه قد يتضمن الحكم أو نحوه (قوله خبراً عما لا يجوز تغييره إلخ) وذلك إذا كان حكاية عن نسبة خارجية متقررة في الخارج لا تقبل الارتفاع (قوله وإن كان عما يجوز تغييره إلخ) بأن لم يكن إخباراً عن وقوع النسبة الخارجية حقيقة بل كان عن نسبة اعتبارية وجعلية تقبل التغير بتغير الجعل والاعتبار كالنسبة الإنشائية نحو والوالدات يرضعن والظاهر أنها غير ما أراده المصنف من الخبر عن الحكم ويحتمل أنها المراد كما يأتي وقد لا يكون المراد منه الإنشاء بل أما ماضياً والمحكي به غير نسبة خارجية وهذا مثاله صعب لأنه لا نسخ إلا إذا كان المراد به ما يستمر إلى المستقبل وأن لا فسخ المضي غير ممكن لأنه قد تقرر سواء كان خارجياً أو اعتبارياً وأما مستقبل مراد منه الوعد فإنه راجع للتكليف نحو وعد بني
стр. 354
إسرائيل عند خروجهم بدخول البلد المقدس فلما عصوا حرم عليهم دخولها بحيث لم يدخل أحد من الذين عصوا وكذلك الوعيد نحو وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون على قول من زعم أن الثانية نسخت الأولى بعد خروج النبي ﷺ من مكة فيكون نسخاً للمفهوم من قوله وأنت فيهم المقتضي عذابهم عند خروجه وكذا نسخ وقوع العذاب بقوم يونس لما آمنوا بعد أن توعدوا بنزوله في قوله تعالى ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ وكذلك توبته تعالى على الثلاثة الذين خلفوا بعد وعيدهم وأما الأخبار عن الحكم فلعله أراد به ما يسميه أبو بكر بن العربي في كتبه بالإخبار عن مشروعية الحكم وذلك في الأحكام التي ترجع إلى تقرير أشياء تعارفها الناس لدفع ظن من يظن أن الإسلام بطلها مثل قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فإن الحج أمر مقرر لكن قد يظن إبطاله لما فيه من تعظيم البيت ومنه قوله ﷺ لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين فإن هذا شأن العاقل الحكيم إلا أنه قد يظن إن لإسلام حين أمر بحسن الظن وحسن المعاملة فقد أبطله فأشير بالحديث إلى أن أمانة الإيمان لا تمنع من الحذر وكان الأولى أن يعد المص الخبر عن الحكم قبل الجميع لأنه قد يكون بلفظ الماضي نحو ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. والمضارع نحو ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ويَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ (قوله احتجوا بأن نسخ الخير يوهم الخلف إلخ) ي وحيث تبين غرض صحيح يصرف تلك الأخبار عن ظواهرها إلى لوعيد ونحوه فدفعه بمثل ما دفع به توهم البداء ولهذا؟ ؟ ؟ ص ٧٩ المص يبين هن إبطال البداء والبداء بالمد مصدر بدأ له في الأمر بدوا وتداء
стр. 355
وبداءة ظهر له ورجل ذو بدوات. ووجه المشابهة بينهم إيهام ما لا يليق وتبيان المرد منه عند التحقيق فكما تقتضي المصلحة تغير الحكم تقتضي تغير الوعيد مثلاً تبعاً لتغير الحكم أو لتوبة أو نحو ذلك مثل ما وقع في آية التوبة (قوله قلت أسماء الأعداد نصوص إلخ) إبطال لمثال الإمام بدعوى أن استعمال الألف في أقل منها لا يصح إلا إذا اقترن بحرف الاستثناء حتى يكون اسماً مركباً لتسعمائة وخمسين وعليه فلو وقع مثل هذا لزم منه لخلف في الخبر لا محالة وهو الجاء لازم.
(الفصل الثالث في الناسخ والمنسوخ)
أي ما يصح أن يكون ناسخاً وما يقبل النسخ أي أن طريق ثبوت الحكم الأول والثاني هل كله يقبل النسخ ام لا م بعضه ينسخ بعضاً دون بعض (قوله وأما نسخ الكتاب بالآحاد إلخ) لكتاب أصل الدين
следующие страницы →