← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 150938

حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح

ابن عاشور

Полный текст (515 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. وكل ذلك يستلزم أن لفظ الشريعة غير دال على الدوام أو أراد بالدوام عدم التوقيت وجيل (قوله واسمه عمرو بن يحيى إلخ) صوابه عمرو بن بحر وهو المشهور بالجاحظ وأشهر كنيته أبو عثمان وهو عمر بن بحر بن محبوب الكناني اليثي البصري المعتزلي شيخ الفرقة المعروفة بالجاحظية أمام اللغة والبلاغة توفي سنة ٢٥٥ خمس وخمسين ومائتين بالبصرة وقد نيف على التسعين (قوله فتنزل الأجزاء إلخ) أي في حصول الماهية مع بعضها وكان الشأن أن لا توجد الماهية إلا مع جميعها (قوله والنسخ لا إلى بدل إلخ) التحقيق أنه لم يقع وإن حكم صدقة المناجاة الصواب أنه نسخ

стр. 352

إلى بدل وهو الزكاة إذ كلاهما صدقة واجبة إلا أن مناجاة الرسول جعلت وقتاً ثم جعل مكانها الحول وغيره وتغير المقدار أيضاً (قوله جوابه أن هذه صيغة شرط إلخ) أجاب بالمنع وسنده مبني على قاعدة المناطقة أن القضية الشرطية لا يلزم أن يكون مقدمها واقعاً بل قد يكون محالاً وإنما الواجب هو التلازم بين المقدم والتالي في الصدق والارتفاع كما أن القضية الحملية لا يلزم صدق صغراها لصحة النتيجة بل قد تكذب صغراها فتكذب النتيجة تبعاً لها لأنها ملازمة لها على ما هي عليه غير أن التقريب في كلامه غير تام إذ لا شبهة في وجوب التلازم بين المقدم والتالي فالشرط في الآية لا يقتضي وقوع النسخ والإنشاء ولكن يقتضي أنهما إن وقعا وقع الإتيان لهما ببدل فتنبه (قوله سلمناه إلخ) سلمه بعد المنع وهو مبني على الغفلة عما تقتضيه كلمة نأت من كون الخير أمراً وجوداً لا مطلق الترك بلا حكم (قوله لأنا التلاوة والحكم عبادتان مستقلتان إلخ) أما عبادة الحكم فهي طلب امتثاله وأما عبادة التلاوة فهي بقاء الآية للإعجاز وتلاوتها لحفظها من التغيير (قوله فلا يبعد أن يصيرا معاً مفسدة إلخ) أما صيرورة الحكم مفسدة فظاهروا وأما صيرورة التلاوة مفسدة فبان يكون في بقاء تلاوتها ما يتوهم منه بقاء حكمها أو ما يذكر به مع إرادة إنشائه هذا إذا كان نسخها مع نسخ الحكم وأما نسخها وحدها

стр. 353

دون الحكم فلا تظهر له فائدة ولم يحفظ عن النبي ﷺ ما يدل على أمره بنسخ التلاوة مع بقاء الحكم فليحرر ذلك بل كان بعض الصحابة يرى أن الآية المنسوخة لا تثبت في المصحف فقد أخرج البخاري في التفسير قال ابن الزبير قلت لعثمان والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً نسختها الآية فلم تكتبها قال يا ابن أخي لا أعير شيئاً منه من مكانه وأما قوله الشيخ والشيخة فقد؟ ؟ ؟ ص ٧٨ حلولو في شرحه عن القاضي عياض أن معنى قول عمر ﵁ أنها كانت مما يتلى هو أن معناها كان يتلى لأن هذا اللفظ بعينه كان يتلى لأن فصاحة القرآن تأبى ذلك (قوله لنا أن نسخ الخبر يوجب عدم المطابقة إلخ) دليل مركب من دليلين أحدهما لإبطال قول من جوزه مطلقاً بأنه في بعض الأحوال يوجب عدم المطابقة والثاني لإبطال قول من منعه مطلقاً بأنه قد يتضمن الحكم أو نحوه (قوله خبراً عما لا يجوز تغييره إلخ) وذلك إذا كان حكاية عن نسبة خارجية متقررة في الخارج لا تقبل الارتفاع (قوله وإن كان عما يجوز تغييره إلخ) بأن لم يكن إخباراً عن وقوع النسبة الخارجية حقيقة بل كان عن نسبة اعتبارية وجعلية تقبل التغير بتغير الجعل والاعتبار كالنسبة الإنشائية نحو والوالدات يرضعن والظاهر أنها غير ما أراده المصنف من الخبر عن الحكم ويحتمل أنها المراد كما يأتي وقد لا يكون المراد منه الإنشاء بل أما ماضياً والمحكي به غير نسبة خارجية وهذا مثاله صعب لأنه لا نسخ إلا إذا كان المراد به ما يستمر إلى المستقبل وأن لا فسخ المضي غير ممكن لأنه قد تقرر سواء كان خارجياً أو اعتبارياً وأما مستقبل مراد منه الوعد فإنه راجع للتكليف نحو وعد بني

стр. 354

إسرائيل عند خروجهم بدخول البلد المقدس فلما عصوا حرم عليهم دخولها بحيث لم يدخل أحد من الذين عصوا وكذلك الوعيد نحو وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون على قول من زعم أن الثانية نسخت الأولى بعد خروج النبي ﷺ من مكة فيكون نسخاً للمفهوم من قوله وأنت فيهم المقتضي عذابهم عند خروجه وكذا نسخ وقوع العذاب بقوم يونس لما آمنوا بعد أن توعدوا بنزوله في قوله تعالى ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ وكذلك توبته تعالى على الثلاثة الذين خلفوا بعد وعيدهم وأما الأخبار عن الحكم فلعله أراد به ما يسميه أبو بكر بن العربي في كتبه بالإخبار عن مشروعية الحكم وذلك في الأحكام التي ترجع إلى تقرير أشياء تعارفها الناس لدفع ظن من يظن أن الإسلام بطلها مثل قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فإن الحج أمر مقرر لكن قد يظن إبطاله لما فيه من تعظيم البيت ومنه قوله ﷺ لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين فإن هذا شأن العاقل الحكيم إلا أنه قد يظن إن لإسلام حين أمر بحسن الظن وحسن المعاملة فقد أبطله فأشير بالحديث إلى أن أمانة الإيمان لا تمنع من الحذر وكان الأولى أن يعد المص الخبر عن الحكم قبل الجميع لأنه قد يكون بلفظ الماضي نحو ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. والمضارع نحو ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ويَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ (قوله احتجوا بأن نسخ الخير يوهم الخلف إلخ) ي وحيث تبين غرض صحيح يصرف تلك الأخبار عن ظواهرها إلى لوعيد ونحوه فدفعه بمثل ما دفع به توهم البداء ولهذا؟ ؟ ؟ ص ٧٩ المص يبين هن إبطال البداء والبداء بالمد مصدر بدأ له في الأمر بدوا وتداء

стр. 355

وبداءة ظهر له ورجل ذو بدوات. ووجه المشابهة بينهم إيهام ما لا يليق وتبيان المرد منه عند التحقيق فكما تقتضي المصلحة تغير الحكم تقتضي تغير الوعيد مثلاً تبعاً لتغير الحكم أو لتوبة أو نحو ذلك مثل ما وقع في آية التوبة (قوله قلت أسماء الأعداد نصوص إلخ) إبطال لمثال الإمام بدعوى أن استعمال الألف في أقل منها لا يصح إلا إذا اقترن بحرف الاستثناء حتى يكون اسماً مركباً لتسعمائة وخمسين وعليه فلو وقع مثل هذا لزم منه لخلف في الخبر لا محالة وهو الجاء لازم. (الفصل الثالث في الناسخ والمنسوخ) أي ما يصح أن يكون ناسخاً وما يقبل النسخ أي أن طريق ثبوت الحكم الأول والثاني هل كله يقبل النسخ ام لا م بعضه ينسخ بعضاً دون بعض (قوله وأما نسخ الكتاب بالآحاد إلخ) لكتاب أصل الدين

стр. 356

وهو قطعي النسبة للشارع فنسخه بالآحاد يقتضي إبطال ما نوقن بصحة نسبته للشارع بما نظن فيه والباجي جوز ذلك بأدلة خمسة واحد منها في المتن وهو تحويل القبلة وأربعة في الشرح مشار إليها بقوله استدلوا أيضاً بقوله تعالى. وبقوله، ولأنه، ولأنه، وقد أجاب عنها لمصنف بالترتيب وجعل وجعل ما في المتن خمساً ويظهر من صنيع القرطبي في تفسيره أن مذهب مالك لا يرى نسخ الكتاب بالآحاد لأنه قابلها بمسألة نسخه بالمتواترة ولم يذكر مذهب مالك في الآحاد بل قال جوزه إمام الحرمين وأباه قوم ((١) قوله بنهيه عن أكل كل ذي ناب إلخ) وهو ثابت بخبر الواحد بدليل الاختلاف فيه بين العلماء وحمله مالك على الكراهة لأنه لا يرى نسخ مدلول الكتاب بخبر الواحد بخلاف لحوم الحمر الأهلية فغنه ثبت بالتواتر فوقع الإجماع عليه (قوله م وراء ذلكم إلخ) أي ما دون ذلك تشبيهاً للمذكور بالحاضر وللمتروك كره بالغائب الكائن وراء الحاضر وإطلاق الوراء على الغيبة وعلى الغير معروف في الكلام فمن الأول ما وقع في حديث وفد الأشعريين «ونخبر به من وراءنا» ومن الثاني قول النابغة. حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب (قوله إلى تلك الغاية إلخ) أراد من الغاية مدلول لمضي في قوله أو حيي فيكون غيره مما سيوحى من بعد نزول الآية وقد أوحى إليه وعبر عنه بلفظ غير معجز وهو الحديث ولما كان زمان الماضي محدوداً أشبه الغايات فعبر عنه بالغاية (قوله على حالة عدم القرينة المذكورة إلخ) وهي حديث تحريم جمع المرأة وعمتها أو خالتها لأنه قرينة على تقييد الإطلاق إذ ليس المخرج جنساً من أجناس النساء أو امرأة بعينها بل امرأة في حلة خاصة بناء على تلك القاعدة

стр. 357

الماضية التي أبطلناها فالاعتماد في الجواب على قوله سلمانه (قوله وأما تحويل القبلة إلخ) الأولى منع الاستدلال به لأن استقبل بين المقدس لمنسوخ لم يثبت بالقرآن إلا أن يقال أنه لم وقع بياناً لآيات الصلاة كان كالمذكور كما يؤخذ من كلام المصنف في مسألة نسخ السنة بالكتاب ثر هذه فيكون قبول أهل مسجد قباء لخبر الواحد فيه كم في الصحيح دليلاً على اعتماد نسخ الكتاب بالآحاد وفيه أنا لا نسلم كون آيات الصلاة مجملة بالنسبة للتوجه كما هي مجملة بالنسبة للكيفية لأن الكيفية لابد من بيانها لمعرفة كيفية هاته الصلاة وذلك لا يستلزم لتوجه لجهة مخصوصة إلا أن يكون الاستدلال تنظيراً لنسخ قطعي بظني الذي أباه المانعون نسخ الكتاب بالسنة فإن التوجه لبيت المقدس متواتر عندهم وقد قبلوا خبر واحد في نسخه (قوله من ضجيج أهل المدينة إلخ) الضجيج ارتفاع الصوت من متعدد وهذا لم يثبت وقوعه بل الثابت في الصحيح أنهم أخبرهم واحد بتغيير القبلة فأداروا وجوههم وهم في صلاة العصر. نعم قد يقال أن خبر الآحاد لم تتطرقه هنا ريبة فغامت قرينة على الصدق لعدالة راويه مع عدم الفائدة في الكذب في مثله مع احتياطهم في أمر العبادة مع كون ذلك في حياة الشارع وقرب مراجعته فكلها قرائن حفت بالخبر فعضدته (قوله يعد مرادً من ذلك المجمل وكائناً فيه إلخ) أما قبوله على وجه البيان فظاهر وأما كونه كائناً فيه فممنوع لاختلاف طريق الثبوت وأحدهما قطعي والآخر ظني وقد استدلوا لنسخ السنة بالكتاب بقوله تعالى ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ نسخت ما وقع من فعل لتبي ﷺ وقوله في صلح الحديبية

стр. 358

(قوله حجة الشافعي إلخ) حاصلها أن اله تعالى جعل النبي ﷺ مبيناً للقرآن ولا يبين لا بقوله أو فعله وذلك هو السنة فلو جوزنا بيان السنة بالقرآن لانقلبت الحقائق الشرعية هكذا يؤخذ من كتب الشافعية لا ما قرره المصنف من الدور وحاصل ما استدل به الشافعي أنه استرواح واستئناس فان الله تعالى جعل النبي مبيناً للقرآن ولم يجعل القرآن بياناً وذلك وإن كان لا يقتضي الحصر لكنه اقتصار في مقام البيان لأنه مقام ذكر خصائص القرآن وإن كان دليل الشافعي في التحقيق هو عدم وجود مثال يدل على نسخ القرآن للسنة ويقتضي المنقول عن الشافعية أن المراد بقوله أنزل إليهم هو عين الذكر وأنه إظهار في محل الإضمار وأصله وأنزلنا إليك الذكر لتبينه للناس أي ليقع بيانه منك وليس المراد من الذكر السنة إذ لا يقوله مثل الشافعي لأنها لا تسمى ذكراً ولا هي منزلة والجواب أن تعليل إنزال لذكر بالبيان لا يفهم إلا بتقدير مثل أنزلناه مجملاً والأصل عدم التقدير ولا نحتاج إليه فيتعين أن يكون الذكر هو القرآن وما أنزل هو أصول الشريعة أي وأنزلنا القرآن لتبين للناس ما نزل إليهم من كليات الشريعة نحو أن لدين عند الله الإسلام ونحو شرع لكم من الدين فيكون معنى هذه ناظراً إلى معنى قوله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ولمعنى ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ أما جواب لمص بدفع الدور فلا يصادف صريح دليل الشافعي كما رأيتم تحقيقه (قوله ليس كل واحد منهما محتاجاً إلى بيان) أراد انه ليس كل واحد من أجزائهما محتاجاً حتى يلزم أن يكون بياناً ومبيناً في وقت واحد بل يجوز أن يكون الغنيمي منهما عن البيان بياناً للمحتاج هذا تقريرها

стр. 359

على ما فيها من تعقيد لأنها توهم نفي أن يكون الكتاب والسنة محتاجين للبيان وهو خلف (قوله ويجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة إلخ) ودليل التواتر الإجماع على وفقها إذ التواتر لا يفرض إلا بالنسبة لزمن الصحابة كما قدمه المص وقد نسب القرطبي في تفسير لقرآن إلى ظاهر مذهب مالك وقوع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة (قوله ومن أين لنا أن آية لجلد نزلت بعد آية الحبس إلخ) هو مراد لمص من قوله بعد آية الحبس أي معاقبة لها أي قبل مجيء حكم الرجم الثابت بالحديث فيكون النسخ وقع بالحديث قبل نزول آية الجلد فلا يتعين دليلاً لقول الشافعي لا ينسخ لقرآن إل قرآن ثم أن آية الجلد عامة خصصت بغير المحصن فهو تخصيص بالسنة ل نسخ والمص يمنع هذا وعلى رأي المص فآية الجلد ح نزلت بعد الحديث لتقرير حكم غير المحصن والظاهر ما ذهب إليه الشافعي ﵀ أن لحبس نسخ بالجلد ثم خصص الجلد بغير المحصن وقوله قد جعل الله لهن سبيل أي زيادة بيان لأن الجلد بين حكم البعض دون البعض وقوله بل ظاهر السنة يقتضي إلخ لأن ظاهرها جعل الحكم هو المراد من السبيل فدل على اتصال العمل بآية الحبس إلى وقت مشروعية الجلد والرجم وقد علمت جوابه (قوله ويرد على الأول ان لوصية جائزة لغير ورث إلخ) لاشك أن آية الوصية ذكرت الوالدين والأقربين فيكون الحديث ناسخاً لوصية لوالدين لا محالة على أن التحقيق إن الوصية التي بقيت لغير الوارث هي مناولة فهي غير الوصية المكتوبة وإبطال الحكم نسخ فالأولى في الجواب أن يقال أن الحديث جاء بياناً للمراد من آية المواريث لئلا يظن أنه يجمع بين الإرث والوصية فما نسخت آية الوصية

стр. 360

إلا بآية المواريث ولحديث بين النسخ وقد ذكر هذا الجواب حلولو عن ابن التلمساني (قوله وكون الإجماع ناسخاً منعه الجمهور وجوزه بعض المعتزلة وعيسى بن إبان إلخ) في أحكام القرآن لابن الفرس عند قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾؟ ؟ ؟ ص ٨٥ اختلفوا في ناسخها فقيل الإجماع على أن لا وصية أو إرث وهو معترض فإن الإجماع إنما ينعقد بعد وفاة النبي ﷺ وإنما حكى جوازه عن عيسى ابن إبان ونحن نقول أن أنعقد عن نظر واجتهاد فلا يصح النسخ به وإن انعقد عن خبر عن النبي ﷺ فهذا يجوز النسخ به والناسخ في الحقيقة هو الخبر اهـ وفي جمع الجوامع «ولا بالإجماع ومخلفتهم تتضمن ناسخاً» بقي أنه إذا جاز انقاد الإجماع عن مستند من القياس ولم يكن القياس إلحاق فرع بأصل بل كان بالثاني مع معنييه وهو انعقاده عن إثبات حكم لوجود على تقتضيه لا لوجود أصل نلحقه به كما إذا انعقد عن لمصلحة المرسلة أو النظر في مقاصد الشريعة أو سد ذريعة الفساد ول مانع من انعقاد الإجماع بالاستناد لنحو هذا كإجماعهم على طرح المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة فحينئذ يمكن أن ينسخ به كما رأيت وأن ينسخ إذا زال سببه كما إذا تغيرت المصلحة فتأمل في هذا (قوله وهذه الطريقة إلخ) أي طريقة الإمام في تقرير كون الإجماع لا ينسخ به ولا ينسخ وجعل المص الطريقة هي المشكلة دون لمذهب لأنه في الواقع لم يوجد إجماع ناسخ أو منسوخ ولكن الإمام صورة بما يقتضي تعذر تقوم ماهية الإجماع وهو محل الأشكال كما بينه المص (قوله بسبب أن وجود النبي ﷺ لا يمنع وجود الإجماع إلخ) أي لأن مسمى الأمة

стр. 361

لا يصدق عليه ﷺ بدليل صحة الإضافة فماهية الإجماع المشهود له بالعصمة تقوم ولو لم يكن النبي ﷺ في المجمعين والجواب عن هذا أنا نسلم إمكان؟ ؟ ؟ ص ٨٦ إجماع في حياته ﵇ لكن ذلك متعذر الوقوع لأن من المسلمين من هو ملابس للنبي في كل وقت وهؤلاء لا يجمعون بل يسألون النبي عن الإحكام ويقفون عند ما حد لهم وبهذا يظهر أن ما ساقه المص من قول سيف الدين وأبي الحسين وابن برهان المقتضي تجويزهم انعقاد لإجماع في حيته ﷺ أخذاً من مفهومات عياراتهم غير وارد على الإمام لأن ذلك مع كونه بالمفهوم الذي قد يكون معطلاً لكون الصفة لمجرد الكشف هو أيضاً لا يعد وحكم الجواز ولا نزاع في إمكان تقدم ماهية الإجماع إنما النزاع في جواز وقوعه فالنظر لحال الأمة يومئذ تأمل (قوله ويجوز نسخ الفحوى إلخ) لاشك أن الفحوى طريق من طرق إثبات الأحكام الشرعية وأن النسخ إبطال الحكم لا رفع ما يدل عليه لأنه أمر واقعي فإذا كان الفحوى تابعاً للفظ الذي هو أصله في الاستفادة فليس الحكم الثابت بالفحوى تابعاً للحكم الثابت بأصله حتى يلزم من نسخ أحد الحكمين نسخ الآخر فيجوز نسخ الفحوى أي نسخ حكمه دون نسخ حكم أصله وذلك مساو لنسخ القاس مع بقاء حكم الأصل لكنه لا يقع لأن الأولى بالحكم لا ينسخ حكمه الذي هو ولى به غالباً إلا إذا اشتمل على خفة من جهة أخرى مثل أن ينهي على شتم الأبناء ثم يبح ضربهم للاستصلاح فلا يرد قول أبي الحسين والظاهر أن تردد القاضي عبد الجبار تردد بين حالتين لا لاضطراب لأن مثله لا يظن به إلا ذلك.

стр. 362

ويجوز نسخ أصل الفحوى دون الفحوى لأنه أثبت حكماً فلا يرتفع إ بدليل ناسخ فيجوز ن ينسخ تحريم التأفيف ويبقى تحريم الضرب لأنه أشد وقد صرح ابن الحاجب باختيار جواز نسخ الأصل وبقاء حكم الفحوى دون العكس وما تمثيل كون الفحوى ناسخاً للنص فإني لم أظفر له بمثال ويمكن أن يمثل له بقوله تعالى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فإنه يقتضي بالفحوى إبطال شهادة المشرك لأن الشرك أشد من الفسق فينسخ به قوله تعالى ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ على تفسير الغير بغير المسلم. (ترجمة القاضي عبد الجبار) هو عبد الجبار بن أحمد الهمذاني الشافعي المعتزلي قاضي قضاة الري في مدة الصاحب ابن عباد وعزله مجر الدولة بعد مدة الصاحب وصادرة في ماله توفي سنة أربع عشرة وأربعمائة كان من شيوخ المعتزلة وكان من أنصار مذهب الشافعي لف تفسير لقرآن وغيره واشتهر بدقة النظر والتحقيق وقد قال المص في الفصل الآتي عند ما ذكرها «وهو مع تحقيقه قد فاته هذا الموضع» (قوله لأنه حكم طار إلخ) أي لأن الفحوى حكم طار لأن مقتضاها جديد سواء كان مستفاداً من دلالة لالتزام أن من دلالة القياس (قوله في المنسوخ به إلخ) ي في الدليل المنسوخ بالفحوى أن يكون مساوياً وأضعف لئلا يلزم لنسخ بقياس إلا دون أن كانت دلالتها قياسية أو باللازم غير البين إن كان دلالة الفحوى إلتزامية (قوله مسألة قال الإمام فخر الدين نسخ القياس إلخ) القياس يكون في حياة النبي ﷺ بدليل حديث؟ ؟ ؟ ص ٨٧ وحديث إذ اجتهد

стр. 363

الحاكم وعليه فيصح نسخه بالكتاب والسنة مثال نسخه بالكتاب آية ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض نسخت حكم لفداء لذي فعله ﷺ في حياته باجتهاد منه قياساً على كتابة العبيد مثلاً وبناء على المصلحة العامة وكذلك نسخ التبني المقيس على الوصية بآية فلما قضى زيد منها. ومثال نسخه بالسنة حديث لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا ان معي الهدي لأحللت وم كونه ناسخاً فصحيح ولناسخ في الحقيقة هو علة حكم الأصل ومنه منع ملك رحمه لله تعالى دخول لكفر للمسجد قياساً على دخوله المسجد الثابت بالآية فينسخ به حديث دخول ثمامة الأعرابي للمسجد. (الفصل الربع فيما يتوهم أنه ناسخ) (وقوله وإنما جعل أهل العراق الوتر ناسخاً لما فيه من رفع قوله تعالى حافظوا إلخ) أراد بهم الحنفية والمسألة كذلك منقولة عنهم في كتب الأصول أن الزيادة على النص نسخ وهم وإن قالوا الوتر واجب لا فرض مثل الصلوات الخمس وفرقوا بين الواجب والفرض بأن الثاني ما ثبت بقاطع والواجب ما ثبت بنص ظني لكن مع ذلك أو ردوا هذا اللازم وهو كون الصلوات ستاً لأن القرض والواجب سواء في وجوب العمل بهما وإنما يظهر الفرق بينهما في جحد مقتضاهما وإذا صارت ستاً بطلت صفة

стр. 364

الوسطى وذلك نسخ والمص ترك هذا ولم يجب عنه لظهور اندفاعه لأن المحافظة إنما تتعلق بالمسمى بالوسطى قبل نسخ العدد لا بنفس الاسم والنسخ على قولهم لم يتعلق بالمحافظة بل بالعدد فبطلان وصفها بالوسطى لم يبطل حكم المحافظة عليها وليس إبطال الأوصاف والألقاب من النسخ في شيء لأنه ليس حكماً شرعياً. لا يقال إن وجوب الوتر نسخ كون الصلوات المكتوبة خمساً لأننا نقول مفهوم لعدد ضعيف إن لم يقترن به حصر على أن الأمة مجمعة على إطلاق الخمس على الصلوات المفروضة وتفسير الصلاة المأمور بإقامتها في آيات القرآن بها (قوله وقيل إن نفت الزيادة ما دل عليه المفهوم إلخ) الذي يستخلص من كلام المص في الشرح أن ما دل عليه

стр. 365

المفهوم قد يكون حكماً شرعياً جديداً مثل حتى يتبين لكم الخيط الأبيض لأنه يدل على وجوب صوم وهذا لا شبهة في صحة نسخه فيفرض فيه كون الزيادة نسخاً وقد يكون حكماً عقلياً وهو البراءة الأصلية مثل ما يقتضيه مفهوم السائمة فإنه يقتضي أن غيرها لا زكاة فيها وعدم الزكاة هو لأصل فالزيادة عليه لا تعتبر نسخاً لما تقدم في طالعة باب النسخ بل هي تأسيس حكم ومن نظر إلى كون النص دل على تقرير تلك البراءة جعلها حكماً شرعياً وقد رده المص بقوله «لأن الله لو قال لا أشرع لكم إلخ» والحق أن الزيادة على النص تكون نسخاً متى تضمنت رفعاً لحكم شرعي فزيادة القطع على لتغريم نسخ لا محالة لأنها نسخت تحريم أعضاء لإنسان وكذا كل زيادة تناقض مفهوماً ما يقتضي حكماً شرعياً كما قدمنا أما زيادة ل تنافي ذلك أو ترفع مقرر البراءة أو ترفع الأجزاء أو عدم الأجزاء فليست من النسخ في شيء (قوله أما التغريب إلخ) اقتصر على الجواب عن لزيادات التي لا تنافي الأجزاء وتراه الجواب عن التي تنافي الأجزاء مع أنها قصارى دليل أصحاب هذا المذهب لأنه قد أجاب عنها في طالعة التقرير عند الجواب عن حجج الحنفية (قوله وإباحة قطع السارق إلخ) أراد من الإباحة

стр. 366

الإذن الصادق بالوجوب لأن القطع في الثانية وجب كالقطع في المرة الأولى. (الفصل الخامس) (قوله يعرف النسخ إلخ) مثال النص قوله تعالى ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾. ومثال ثبوت النقيض أو الضد أي مع تعذر الجمع قوله تعالى ﴿أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ مع أن الأمر من صدر الإسلام على اشتراط وصف الإسلام في الشاهد. ومثال النص على التأخير قول جابر كان آخر الأمرين من فعله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار. ومثال تأخر السنة أن يقال إن آية منه الكافر من دخول المسجد الحرام نسخت؟ ؟ ؟ ص ٩١ ثمامة العرابي لأنها متأخرة إذ كانت سنة تسع. ومثال رواية من مت قبل رواية الحكم الخير م ذكره الباجيي في المنهاج من رأيه طلق ابن علي في أول الهجرة حديث هل هو إلا بضمة منك فينسخ بحديث أبي هريرة إذا أفضى أحدكم؟ ؟ ؟ ص ٩١ إلى ذكره فليتوضأ وأبو هريرة قدم على رسول الله ﷺ في خيبر وسواء في هذا مات الأول أم لا كما يقتضيه كلام الباجي (قوله ومثال نفي الزيادة الشرط إلخ) قوله بالشرط متعلق بمثال أي مثاله بمفهوم الشرط ولا يصح تعليقه بالزيادة لأن الشرط من يد عليه العموم الذي

стр. 367

تنسخه لا العكس. (الباب الخامس عشر في الإجماع) [الفصل الأول في حقيقته] لقد يقع نظر المطلع على أصول لفقه ويقرع سمعه في دروسه من مسائل. الإجماع ما يتجرعه إن كان قنوعاً بالظواهر ولوعاً بتعداد المسائل وعقد الخناصر وإن لم يجد بينها ذمماً ولا أواصر. ولكنه إن كن ل يحتمل أن يتقبل شيئاً جزافاً. ولا يسع من المجملات تجهيلاً ولا اختلافاً. يكاد بعد إعمال نظره. وخصفه على هذا الباب من ورق شجرة. يمتلكه اليأس من تحرير باب الإجماع. وينقطع دون ذلك ما له من الأطماع. حتى إذا نسب تفاريعه من مصدرها. وآوى بشعبه إلى منشرها. رأى أنهم يطلقون كلمة الإجماع على ثلاثة أمور: الأول اتفاق المسلمين جيلً بعد جيل على إسناد قول أو فعل أو هيئة للنبي ﷺ على أنها بيان مجمل. أو تشريع مؤصل. مثل صفة الصلاة وأوقاتها وكيفية الحج وألفاظ القرآن وسوره وهذا أصل عظيم في الدين به فسرت المجملات وأولت الظواهر وأسست أصول الشريعة وهو المعبر عنه بالمعلوم ضرورة وبالمتواتر من الدين وبالإجماع العام وهو الذي قالوا بكفر جاحده وهو الذي اقتصر عليه إمام الحرمين في البرهان كما نقل عنه المص هنا في الشرح عند ذكر طريقة احتجاجه للإجماع وهو لذي اعتبر فيه القاضي إجماع العوام أي غير المجتهدين واعتبر غيره عدد التواتر ولا شك أنه الذي عناه بن برهان والصيرفي وأبو زيد الدبوسي وشمس الأئمة فقالوا أنه مقدم على الأدلة كلها ولا أخال مسلماً ينكر هذا النوع إلا إذا كان يستر الحادة بكلمة

стр. 368

الإسلام: الثاني اتفاق مجتهدي عصر من عصور الإسلام على حكم لدليل عينوه واتفقوا على العمل بمقتضاه من نص أو قياس أو مصلحة وهذا هو الذي اختلف فيه الاختلاف لشهير فأنكره جماعة منهم الإمام أحمد بن حنبل وداوود. وقال جماعة هو حجة ظنية منهم الآمدي والإمام وهو لمفهوم من كلام إمام الحرمين والحقة جماعة بالقسم الأول إلا في تكفير مخالفه وهم لجمهور. الثالث سكوت العلماء في عصر على قول أو فعل جدد من مجتهد وهو المعبر عنه بالإجماع السكوتي وفي أصل الاحتجاج به خلاف شديد والمحققون على أنه لا يحتج به إلا إذا مرت عليه أزمنة كافية كما قال إمام الحرمين فيكون حجة ضعيفة وقد تخلص لي من تتبع متناثر كلام المحققين أن مراتب الإجماع الراجعة إلى هذه الأمور الثلاثة سبع الأولى إجماع المسلمين عن مشاهدة قول أو فعل من النبي ﷺ وسماه المص الإجماع العام وهو المعلوم من الدين بالضرورة وهذا هو الذي يكفر جاحده ويجب العمل بمقتضاه ويقدم على سائر الأدلة: الثانية إجماع مجتهدي الصحابة على نقتضى النص حتى يتنزل منزلة القطع عندهم ولكنه لم يبلغ مبلغ المعلوم ضرورة لسبب الخلاف والمتوقف فيه كإجماع جميعهم على تحريم المتعة والحمر الأهلية وهذا حجة قطعية نظرية كم اقتضاه كلام إمام لحرمين المنقول في الشرح ولكنه لا يكفر جاحده لأنه غير ضروري بل يأثم فقط: الثالثة إجماعهم على فهم مراد من نص لأنهم أعلم السلمين بمراد الشريعة من خطابها مثل إجماعهم على أن قوله تعالى في الصفا والمروة ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ للوجوب لأن الأنصار تحرجوا من السعي بين الصفا والمروة إذ كانوا في الجاهلية يهلون لمناه وهو

стр. 369

كالثانية إلا أنها أضعف لأنها في الأمور الاجتهادية وأقوى من الرابعة لأنهم فرضوا فيها خلافاً هل تضرهم مخالفة التابعي المجتهد أن لا وإن لصفة الصحبة ما لانقراض العصر كما سيأتي: الرابعة إجماع المجتهدين عن دليل من كتاب أو سنة وهو كثير والجمهور على أنه حجة تجب متابعتها على العالم كما اقتضاه كلام الآمدي والإمام والرهونيي وهو الذي أنكر أحمد إمكانه ولا يلزم جاحده شيء لأنه نظري ظني: الخامسة إجماعهم عن قياس أو استدلال أو عن فهم في نص محتمل مع تصريحهم بالإجماع وقد جعله القاضي عبد الجبار مثل قول واحد من المجتهدين وجوز لمن بعدهم مخلفتهم وهذا هو الذي يمكن تغييره نظراً لاختلاف المصلحة وكأنه مراد من جوز انعقاد إجماع وجعل الأول مشروطاً بأن ل يطرأ عليه إجماع آخر وقد رده المص في باب النسخ: السادسة إجماعهم من غير تصريح بقولهم أجمعنا أو نحوه بل تستقر أقوالهم؟ ؟ ؟ ص ٩٤ متفقة: السابعة أن يقول أحد قولاً يسكت الباقون مثل الجمع في التراويح وهم متقاربتان وقد استضعف السابعة إمام الحرمين في البرهان وأنكر حجيتها ثم تنازل لقبولها إذا طلت السنون وكان الأمر مما شأنه أن يبلغ وبالثاني أيضاً قيده؟ ؟ ؟ ص ٩٤ في الإشارة وأما الإمام الرازي فنكر حجية السكوتيي تبعاً للشافعي وكلها مراتب متفاوتة يجب تفاوت أحكامها وتفصيل ذلك يحتاج إلى سعة مجال (قوله إما في لقول أو في الفعل أو في الاعتقاد إلخ) مثال القول أن يقولوا بتوريث الجدة ولو لم تحدث الحادثة ومثال الفعل قضاؤهم بذلك وقت نزول الحادثة وإجماعهم على كيفية الصلاة والحج ومثال الثالث إجماعهم على عصمة الأنبياء من الكبائر (قوله وبأمر من الأمور والعقليات والشرعيات إلخ) لا شك أن يبين

стр. 370

التعميم في المجتهد فيه والتخصيص في المجتهد بالأحكام الشرعية تدافعاً واضحً لأن غير الشرعي أن آل إلى شعري فهو شرعي وأن لا فليس للمجتهد الشرعي رأي فيه وإن اجتهد فيه لا يقبل قوله وأما قضاؤهم بأقل الحمل وأكثره ونحو ذلك فهو مستنبط من ظواهر شرعية وأما اتفاق الأشاعرة على إثبات الجوهر الفرد مثلاً فليس هو من الاجتهاد الشرعي كما ل يخفى ولذ قال الغزالي في نظر نظائره مما لا يبنى عليه إيمان ولا كفر تخصيص لم عممه في قوله في أمر من الأمور وذكر بعده كلام عبد الوهاب للإشارة إلى أن المسألة خلافية لأن كلام إمام الحرمين يوهم عدم الاختلاف وذكر أثره كلام القاضي تحرير لمحل النزاع (قوله قال إمام الحرمين لا أثر للإجماع في العقليات إلخ) تخصيص للتعميم الذي في قوله في أمر من الأمور وذكر بعده كلام عبد الوهاب للإشارة إلى كون المسألة خلافية لأن كلام إمام الحرمين يوهم عدم الخلاف وذكر أثر ذلك كلام لقاضي لتحرير محل النزاع (قوله ما يخل الجهل به بصحة الإجماع إلخ) أي بحجيته والظاهر أن العبارة حرفت وذلك مثل دلالة المعجزة على صدق الرسول فإنها عقلية ولولا صدق الرسول ما علم كون الإجماع حجة وأما غير ذلك فظاهر وقوله «وقال إمام الحرمين اختلف في إجماع الأمم لسالفة إلخ» راجع لقوله في التعريف من هاته لأمة وفائدة هذه المسألة تظهر عند البناء على قول من رأى أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ لأن إجماعهم طريق لثبوت شرعهم فإن قلنا بحجيته كان كنقل كتابنا عنهم والتحقيق أن ننظر إلى طريق الاجتماع فإن كان تواتر يصلون

стр. 371

به إلى أنبيائهم وأصل شرائعهم عمل به من يرى أن شرعهم شرع لنا ما لم يرد ناسخ وإلا فلا إذ قد يكون إجماعهم عن اجتهاد وفهم من غير العدول ونحن لا علم لنا بمراتب علمائهم ولا بمكان تمييز عدالتهم وكثيرا ما أجمعوا بعد أنبيائهم على إبطال أحكام مثل إجماعهم على عدم القضاء بالقتل مع أنه صريح التوراة وقد أنكروه في عصر النبي ﷺ ووضعوا أيديهم على نصها لما أحضرت لديهم في قضية؟ ؟ ؟ ؟ ص ٩٦ كما في صحيح البخاري ويقول متأخروهم عن بعض شرح التوراة أن المحكمة التي تحكم مرة القتل في قل من أربعين سنة تعتبر محكمة ملوثة وهذا الحاصل ما انفصل عليه الإمام كما حكاه المص ولا يكون الصدر إلا عنه ولعل اختيار الإسفرائيني ينظر للحالة الأولى. (الفصل الثاني في حكمه إلخ) (قوله وهو عند الكافة حجة إلخ) أي على من يأتي بعد من المجتهدين وأم كونه حجة على المقلد فظاهر لأن مقلده من المجمعين وهو يتبعه ولو لم يكن مجمعاً (قوله والشيعة والخوارج) إلخ أما الشيعة فإنما منعوه فراراً من إلزامهم بصحة خلافة الخلفاء الثلاثة ﵃ ولأنهم شرطوا وجود الإمام المعصوم ضمن المجمعين وهو في الصدر الأول لم يجمع لأن علياً ﵁ إنما سكت عن حقه في الخلافة عندهم تقية وبعد ذلك صار المعصوم محتجباً وأما الخوارج فلأنهم فسقوا أكثر الصحابة والشيعة فرقة تقلد في محبة سيدنا علي بن أبي طالب ﵁ وهم

стр. 372

طوائف كثيرة وأما الخوارج فهم الذين خرجوا عن علي ﵁ يوم لتحكيم وقالوا ل حكم إلا الله وأولهم الحرورية الذين قاتلوه في حروراء ومن أصولهم بطال الإمامة وتكفير مرتكب الكبيرة ثم تفرعوا فرقاً فقال كثير منهم بالإمامة وأنها لا تنحصر في قريش وأشهرهم الإباضية. (ترجمة النظام) و النظام هو إبراهيم بن سيار من رؤساء المعتزلة طالع كتب الفلاسف ة وخلطها بأقوال المعتزلة ولم تكن له منزلة من تحقيق النظر وهو الذي نفى قدرة الله تعالى على الشرور والمعاصي. وقال في الصحابة ﵃ أقوالاً منكرة. وقال بالإمام المعصوم. وأنكر حجية الإجماع وقد رأيت شعراً رقيقاً منسوباً إليه وهو. يا تاركي جسداً بغير فؤاد ... أسرفت في الهجران والإبعاد إن كان تمنعك الزيارة أعين ... فادخل علي بعلة العواد كيفما أراك وتلك أعظم منه ... ملكت يداك بها رقيق فؤادي إن العيون على لقلوب إذا جنت ... كانت بليتها على الأجساد (قوله لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ إلخ) عادتهم أن يكثروا من ذكر الآيات والأحاديث التي يمكن أن تستروح منها حجة الإجماع مع أن ذلك ليس شيء منه مفيداً للغرض المطلوب فلذلك قال المص «والعمدة الكبرى إن كل نص إلخ» ومن المعلوم أن سبيل المؤمنين هو أصل الدين وما هو معلوم ضرورة منه ولا نزاع في ذلك وهو لذي دلت عليه العمدة الكبرى التي ذكره المص. أما الإجماع عن اجتهاد فهو سبيل بعض لمؤمنين وهم المجتهدون (قوله وقوله ﵊ لا تجتمع أمتي على

стр. 373

خطأ إلخ) المعروف هو لا تجتمع أمتي على ضلالة أو لن تجتمع أمتي على الضلالة أو لا تجتمعوا على ضلالة ولا دليل فيه للغرض إذ الخطأ في الإجماع ليس من الضلالة على أن العصمة ثبتت للأمة في إجماع جميعها وذلك هو المعلوم ضرورةً لأن طريقة النقل المتواتر على أن الحديث متكلم فيه ولم يخرج البخاري ومسلم وإنما رواه بعض أصحاب السنن مثل أبي داوود والترمذي لكن الترمذي نبه على ضعف بعض رجاله (قوله فلا يقع الخطأ ويوافقوا عليه لأنه منكر إلخ) إذا كانت الموفقة عن علم أما إن كانت عن خطأ أو عدم علم بالإجماع فلا دليل في الآية (قوله وعن الثاني أن الصيغ العامة موضوعة إلخ) أشار إلى وهم وقع في دليل المستدل وهو ظنه أن خطاب الشرع للمؤمنين بصيغة الجمع مراد منه مجموعهم فإذا قيل لا تقربوا الزنا مثلاً فالمراد النهي عن الإجماع

стр. 374

على فعل الزنا وذلك تجويز للإجماع على الضلال. وحاصل الجواب أن صيغ لعموم تدل على الأفراد فرداً فرداً وإن كان ظاهره يدل على الجملة لكن بقيد لتتبع كما تقدم تحقيقه (قوله وقال ابن حزم في المحلي إلخ) قصد به إبطال مثل الإمام بما نقله ابن حزم من وجود قول ثالث ومن حفظ حجة وليس قصده إبطال أصل المسألة باحتمال أن هذا القول الثالث حدث بعد مضي زمن على المجمعين الأولين لأنه خص بطلان قول الإمام بدعوى الإجماع إذا قال «من الإجماع» وقد أجاب أبو زرعة بجواز حدوث القول الذي نقله ابن حزم بعد الإجماع فيكون مردوداً. (ترجمة ابن حزم) و ابن حزم هو علي بن أحمد بن سعيد الفارسي الأصل الأموي مولى يزيد بن أبي سفيان ولد بقرطبة سنة ٣٨٤ أربعة وثمانين وثلاثمائة وتوفي في بادية شبيلية سنة ٤٥٦ ست وخمسين وأربعمائة كان أبوه وزيراً للمنصور ابن أبي عامر ونشأ ابن حزم في ظل وزارة بيه نابذاً للرياسة وزهرة الدنيا مولعاً بالعلوم حتى علا كعبه فيها وبعد شأوه قال ابن بشكوال: كان أجمع أهل الأندلس لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم للسان ووفور حظه في فن البلاغة والأدب في ذكاء وسرعة حفظ وكرم نفس ومتانة دين تمذهب بمذهب داوود الظاهري وألف تآليف عالية إلا أنه كان جرئ اللسان على أئمة العلماء فلذلك بغضه علماء وقته وحذروا سلاطينهم من فتنته فشردوه إلى بادية أشبيلية. وله مع بي الوليد الباجي مناظرات كثيرة قال ابن العربي: لم يستطع أحد

стр. 375

مناظرة ابن حزم حتى جاء الباجي فظهر عليه قال له الباجي يوماً فاخره إنك تعاطيت العلم تسهر عليه بمصباح الذهب تعان عليه وأنا تعاطيته على فاقة فقال له ابن حزم: لقد مدحتني من حيث أردن تنقيصي لأنني تعاطيت العلم وأنا غني عنه فكت ذلك لرغبتي فيه وأنت تعاطيته لتصير إلى ما صرت إليه. ألف الفصل في الملل والنحل. كتاب كبير معروف. ورأيت له كتاباً سماه كشف الحيرة والالتباس. الواقعين في مذاهب أهل الرأي والقياس. وذكر لي بعض أصحابنا أنه رأى كتاب المحلي في دمشق في بعض مكاتبها العامة. وله كتب أخرى كثيرة غير موجودة ﵀ (قوله وعدم الفصل فيما جمعوه إلخ) حاصلها كون المجمع عليه قدراً مشتركاً بين أمرين فهم في لقول مختلفون ولكن بين أقولهم قدر مشترك وقع الإجماع عليه التزاماً فما مع التصريح منهم بكون ذلك القدر مجمعاً عليه فالأمر ظاهر. وأما إذا لم يقولوا ولكن أقوالهم تستلزم الإجماع على هذا القدر المشترك فهي الصورة الثانية فإن لم يكن بين الأقوال قدر مشترك فلا منع من القول بم هو زائد على القولين ومثال ذك خلافهم في التوريث بالقرابة غير النسب فمنهم من ورث الأقارب مطلقاً ومنهم من خص الإرث بالنسب فالقول بتوريث بعض الأقارب وهم الذين من جهة الأب كالعمة دون من هو من جهة الأم كالخالة خرق للقدر المشترك لأنه مخالف كل من قولي الحرمان للكل وإعطاء الكل ويذكرني هذا قول أبي نواس مازحاً أباح العراقي النبيذ وشربه ... وقال حرامان المدامة والسكر وقال الحجازي الشرابان واحد ... فحلت لن من بين قوليهما الخمر سآخذ من قولهما طرفيهما ... وأشربها لا فارق الوازر الوزر

стр. 376

واعلم أن هاته المسألة تجري في مخالفة القولين كما تقدم وهي مسألة أحداث القول الثالث وفي مخالفة المدركين كما مثلها المص ومثلنا وتفرقة المص بين المسألتين عند قوله فإذا اختلف العصر الأول كما ذكره في الشرح لا تتم له ولا تسلم. ومنه اختلاف مالك والشافعي في إسقاط الأب عن ابنته البكر نصف الصداق قال مالك للأب والسيد الاسقاط وجعلهما المراد من قوله أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فاو للتقسيم والمراد بقوله يعفون المالكات أمر أنفسهن لأن التصرف في المال لا يكون للمحجورات. وأما الشافعي فقال لا أن يعفون أي النسوة كلهن ولو محجورات أو إماء والذي بيده عقدة النكاح هو الزوج أي إلا أن يعفون فلا يأخذن شيئًا أو يعفو هو فيترك الجميع وهذا وإن كان مالا إلا أنه تابع للعصمة ولا تصرف للحاجر في شئون العصمة فلو جاء قائل يفرق بين الحرة المحجورة والأمة فيجوز العفو للأولى دون الثانية نظرًا لكونها أضيق تصرفًا في المال لأن السفه عارض والرق مانع أصلي لم يكن آثمًا لأجل اختلاف المدركين (قوله فمن ورث العمة الخ) أي أخت الأب لأمه ليصح كونها من ذوي الأرحام كما هو موضوع المثال إلا أن يكون التعبير بذوي الأرحام سهوًا والمراد

стр. 377

الأقارب فتأمل (قوله وإلا كان من وافق الشافعي في مسألة يوافقه في الكل الخ) (١) وجه الملازمة أن وجودب المتابعة إنما هو لكون هذا الأمر لازمًا للمقدار الذي أجمعوا عليه فيشبه المتابعة في فرع الإجماع كما يتابع المقلد أمامه فيما يلزم مذهبه ويتفرع عنه من التخاريج أما مالا يستلزمه خلافهم من قدر مشترك يتضمن خلافهم الإجماع عليه فلا يلزم متابعته كما لا يلزم من وافق الشافعي في مسألة أن يوافقه في سائر مذهبه هذا حاصل التنظير على حزازة فيه فتدبر (قوله ويجوز حصول الاتفاق بعد الاختلاف الخ) أي بل قد يجب إذا تعين الحق بعد الاختلاف

стр. 378

وقريب منه (١) مسألة نصب الخليفة الأول التي أشار إليها المص إذ قال المهاجرون يكون منا وقال الأنصار بل منا وقال فريق بل منهم أمير ومنا أمير ثم وقع الإجماع على أنه يكون من قريش رعيًا للمصلحة لأن العرب لا تدين لغير قريش كما قال أبو بكر ﵁ ومن العجب كيف يخالف الصيرفي في هذا (قوله وانقراض العصر ليس شرطًا الخ) المراد بالعصر هنا مدة حياة المجمعين لأن العصر هو مدة وجود طائفة أو استمرار واقعة ومن اشترط انقراضه أرادوا أن الإجماع لا يعتبر حتى يتحقق عدم رجوعهم عنه وذلك بوفاتهم على القول بما أجمعوا عليه وهذا هو المناسب لتقريرهم كما في شرح الزركشي على جمع الجوامع ويدل لكونه المراد أنهم يقابلونه بقول من لا يشترط انقراض العصر بل يكتفي بتمادي الزمان مع تكرر الواقعة وأن الحنابلة وابن فورك وسليما الرازي عللوا اشتراط انقراض العصر باحتمال الرجوع وقد صرح به المص في تقرير أدلتهم كما ترونه، فإذا تقرر هذا علمت أن ما احتج به المص لا يلاقي المراد. أما قوله «لنا النصوص الدالة على كون الإجماع حجة» فجوابه أن من يشترط الانقراض يجعله شرطًا أو شطرًا من مفهوم ماهية الإجماع شرعًا وهو المراد بكونه حجة، وأما قوله «ولأن التابعين يولدون الخ» فجوابه أن الولادة لا تضر لأن المراد انقراض من حصل منه الإجماع قبل تأهل الموجود للاجتهاد فلا يلزم تداخل العصور. نعم يرد على اشتراط انقراض العصر شيء آخر وهو أنه إذا أظهر مجتهد بعد أن أجمع من قبله وقبل أن ينقرضوا فهل تباح له

стр. 379

مخالفتهم فينخرم إجماعهم لطريان المخالف قبل استكمال شرطه فيكون كل إجماع معرضًا للإبطال أم يمنع من مخالفتهم فيكون قد منع من العمل بالدليل الذي ظهر له فجماع لا يدري هل يستكمل شرطه أم يرجع عنه أصحابه فيكون تركًا للحق لمجرد الاحتمال اللهم إلا أن يجاب بأن رجوعهِم قليل فحصول الإجماع مظنة الدوام عليه وحدوث المجتهد فيهم قبل انقراضهم حالة نادرة يعسر حدوثها والحاصل أن شرط الانقراض يزازل حجية الإجماع فلذلك ألغاه الجمهور (قوله وإذا حكم بعض الأمة وسكت الباقون الخ). هذا الإجماع السكوتي وهو حجة ظنية والأولى أن يقصر الاحتجاج به على صدر الأمة الذين عرف من حالهم عدم السكوت على الباطل ويخص أيضًا بغير المسائل التي كانوا يرون السكوت فيها أسلم من الكلام نحو مسائل الخلافة لأنهم يشخون تفريق كلمة المسلمين كما قال عبد الله بن عمر. ولا شك أنه منذ ظهر الحكم الاستبدادي في زمن عبد الملك بن مروان بطلت حجية الإجماع السكوتي إلا في مسائل عرفت سلامتها من الأهواء وإلا في أصول الدين وأركانه. ولتحقيق هذا الموضع جولة لا يسعف بها الآن ضيق المجال (قوله وعند أبي علي بن أبي هريرة إن كان القائل حاكمًا الخ * ها كذا نقل عنه الأوصوليون حتى أن ابن السبكي قال عن ابن أبي هريرة إن لم يكن فتيا ورأيت في الإشارة للباجي في الجدل عن ابن أبي هريرة إن كان القائل أميرًا لا يكون السكوت حجة لما في التغيير من الافتيات على الأمراء (قوله حجة أبي علي بن أبي هريرة أن الحاكم تتبع أحكامه ما يطلع عليه الخ) سهو ظاهر في تقرير حجته لأن مذهبه إنما اقتضى أن السكوت على حكم الحاكم لا يدل على موافقة الساكتين ووجهه أن الحكام يستند لأمور لا

стр. 380

يطلع عليها أحد كالبينة وكان حكمه أيضًا جزءيًا لا يستدام له التحريم وكان من شأن بعضهم أن يتحاشى عن التداخل في شؤون الأمراء لما فيه من الافتيات كما قرر الباجي بهذا الوجه الأخير كلام ابن أبي هريرة في باب الإجماع من كتاب الإشارة لم يكن سكوتهم عليه دليلًا على الرضا لأنهم لا يرون في الإنكار فائدة لأن الأحكام لا تنقض ولأن الخلاف مرتفع بالحكم هذا وجه استثناء قول الحاكم أو الأمير على الخلاف في النقل عن ابن أبي هريرة. وأما ما قرره المص فيقضي إلى أن ابن أبي هريرة يجوز للحاكم خرق الإجماع لأمور ظنية باطنة وهذا لا قائل به ولو أراده المص لكان ذريعة للظلمة يخرقون به الإجماعات ولاكن المص أجل من أن يقر هذا لو أعاد عليه النظر بعد أن سبقه القلم. ترجمة ابن أبي هريرة وأبو علي بن أبي هريرة هو القاضي حسن بن حسين بن أبي هريرة البغدادي الشافعي المتوفى سنة ٣٤٥ خمس وأربعين وثلاثمائة كان من أساطين الشافعية له أقوال وكتب ومن لطائه أنه تغيب عن مجلسه بعض أصحابه فلما حضر فال له أين كنت قال شبه العليل قال وهبك الله شبه

стр. 381

العافية ﵀ (قوله والإجماع المروي بإخبار الآحاد المظنونة الخ) أن ضعف طريق ثبوت الشيء يتنزل منزلة ضعفة في ذاته لأنه ضعف في وجوده فالإجماع المروي آحادا ليس له حجية الإجماع حتى تمنع مخالفته لأن شرط منع المخالفة تحقق أنهم أجمعوا بل يكون حجة في الجملة لترجيح المتعارضات ونحو ذلك وقولهم أن الظن معتبر في الأحكام جوابه أنه ترخص فيه في الاجتهاديات لأن وراءه أعمالًا من قياس وتتبع مقصد الشريعة وهي طرق لتقويته ولأنه قد يرجع عنه المجتهد ومن ينبهه إلى خطأه فيه غيره فلذلك عمل به وجار قبول خبر الواحد في الأحكام الفرعية أما نقل الإجماع فهو أشد لأن اعتباره يقطع كل عمل بخلافة علي أنه إثبات أمر من أصول الاجتهاد ومثله لا يثبت بالآحاد هذا مناط الفرق الذي ينظر له أكثر الناس وقد اعترف ابن الحاجب والعضد بذلك فقال ابن الحاجب والمعترض مستظهر من الجانبين وتكلف العضد لرد حجج الجمهور وقول الإمام غير أننا لا نكفر مخالفة تنبيه لما هو ظاهر من أنه ليس من المعلوم ضرورة ما دام منقولًا آحادًا (قوله قلت الفرق أن عموم البلوى أقل من الكل قطعًا الخ) هذا نص العبارة في جميع النسخ ولاشك أن بها نقصًا والظاهر أن أصلها أن عموم البلوى أقل من اتفاق الكل قطعًا وانتصب قطعًا على أنه تمييز لأقل والمراد بكونه أقل أنه أضعف من اتفاق الكل لأن ما تعم به البلوى هو ما لا يختص بأهل عصر ولا موضع وهذا لا يقتضي توفر الدواعي على نقله وإنما تتوفر الدواعي على السؤال عنه عند نزوله وقد تخلف فيه فتاوى العلماء روايات الرواة أما اتفاق العلماء على قول واحد في مسألة أو على نقل واحد فهو من الحوادث المهمة التي يشتد توفر

стр. 382

الدواعي على نقلها فالإجماع أخص مما تعم به البلوى وأشد منه في القطع ولذلك ضيق فيه وحاصل الجواب اعتذار عن الجمهور فإنه قائلون بقبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى إلا الحنفية ومنعوا قبول خبر الواحد في نقل الإجماع إلا الأقل من الناس أما الحنفية فلا يرد عليهم هذا من أصله (قوله وإذا استدل العصر الأول بدليل وذكروا تأويلًا الخ) يراد من هذه المسألة هل ينعقد الإجماع على فهم في النص بدون توقيف ولا دليل من قياس وهذه مسألة ثالثة من المسائل المتفرعة على حجية الإجماع وهي مسائل منع إحداث قول ثالث، ومنع الفصل فيما جَمعوه، وهذه. فإذا انحصر قولهم في الاستدلال لحكم بدليل عينوه فهل يمنع من يأتي بعدهم من الاستدلال بذلك الحكم بدليل آخر مع الموافقة على الحكم ولعل من منعه أراد سدا لذريعة من مخالفة الإجماع لأنه إذا جوزنا لغيرهم أن يستدل بدليل آخر غير دليل المجمعين أمكن أن يقتضي دليله شيئًا يخالف ما اقتضاه دليلهم من اللوازم فيجر إلى مخالفة الإجماع وقد حقق القاضي عبد الوهاب أنه لا مانع منه وهو الحق. وأعلم أن هذه المسألة تنحل إلى صورتين الأولى أن يكون الدليل الثاني دليلًا لنفس الحكم الأول وهو الذي يناسبه كلام المص المنقول عن عبد الوهاب. الثانية أن يكون التأويل الجديد للدليل الذي استدل به الأولون تأويلًا مفيد الحكم ثان غير الحكم الذي استفادة الأولون وغير مناقض له وهذه الصورة هي الموجودة في كلام الإمام

стр. 383

الرازي إذ مثل باستدلال الأولين باللفظ المشترك على معنى من معانيه ثم يزيد العصر الثاني الاستدلال به على معنى ثان من معانيه فتدبر حق التدبر في هذا الموضع وابحث عن الأمثلة المناسبة لكلتا الصورتين وما أحسن قول مالك والشافعي بجوازه كما في الشرح على أن تفصيل القاضي عبد الوهاب حسن (قوله وإجماع أهل المدينة الخ) أي إجماع مجتهديهم في عصر الصحابة والتابعين قبل عصور الجهالة والبدء وتخالها بيننا وبين العصور الأولى وهذه مسألة مشهورة خالفنا فيها كثير من أهل المذاهب على عدم تحقيق حتى ظن بعضهم أن مالكًا ﵀ لا يعتبر من الإجماع إلا إجماعهم فأخذ يحتج عليه بما يحتج به على منكري الإجماع وقد وقع هذا للغزالي على جلالة قدره فأولى غيره. قال القاضي عياض في مقدمة كتاب المدارك: إجماع أهل المدينة نوعان النوع الأولى ما كان طريقة النقل البحت (لا دخل للرأي والاجتهاد فيه) بحيث تنقله الكافة عن الكافة عن زمن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو ترك مال القول لفظ الآذان والقراءة والجهر بالقراءة. ومثال الفعل الصاع والمد والحباس وسيرته ﷺ وكيفية الصلوات هيئة الخطبة. ومثال الإقرار إقرار عهدة الثلاث في الرقيق. ومثال الترك تركه ﷺ أمورًا مع حدوث مقتضيها مثل ترك الجهر بالبسملة في الجهرية فيعلم منه عدم مشروعيتها ومثل ترك أخذ الزكوة عن الخضر. وهذا النوع هو الذي نص عليه مالك ﵀ واعتمده وهو موجب للعلم القطعي (لأنه بمنزلة الحديث المتواتر) قال عبد الوهاب: لا خلاف بين أصحابنا فيه وقد رجع إليه أبو يوسف لما أوقفه مالك رحمهما الله على الأوقاف ومقدار

стр. 384

الصاع والمد وهراس الوضوء وحكى الأمدي عن أصحاب الشافعي ومنهم الصيرفي الموافقة عليه وهذا النوع إذا عارضه حديث آخر يخالفه رد لأجله لأنه يتنزل منزلة آخر الفعلين (فهو ناسخ لأن أهل المدينة أشد الصحابة ملازمة للنبي ﷺ إلى وقت وفاته) النوع الثاني إجماعهم من طريق الاجتهاد وقد اختلف فيه أصحابنا فذهب معظمهم ومنهم كبراء البغداديين كابن بكير والأبهري وابن المنتاب وابن القصار إلى أنه ليس بحجة ولا يرجح له (وما هو إلا كقول طائفة من المجتهدين) وأنكروا أن يكون مالك يقول به وذهب بعض أصحابنا إلى أنه ليس بحجة على غيرهم لكن يرجح على اجتهاد غيرهم (ويشهد لهذا قول عبد الرحمان بن عوف لعمر ﵄ حين هم أن يخطب في مكة في أمر الخلافة أن الموسم يجمع رعاع الناس ولعلك أن تصدر منك الكلمة فيطيروها عنك كل مطير ولكن انتظر حتى ترجع إلى المدينة وتخلص إلى أصحاب رسول الله ﷺ الخ) وبهذا قال بعض الشافعية ولم يرتضه الباقلاني ومحققو أصحابنا وذهب بعض المغاربة وأبو مصعب إلى أنه حجة كالنوع الأول وهذا أضعف اهـ قلت كان كلام ابن رشد في المقدمات يميل إليه، هذا خلاصة كلام القاضي عياض مع زيادة قليلة وبه تعلم ما في حكاية المص واستدلاله من التداخل وأن فرضه في المتن الخلاف فيما طريقه التوقيف عني به الخلاف في ظاهر عبارات المخالفين أو في تعبير من لم يحرر محل النزاع لأن أصحاب الشافعي يوافقوننا فيه فلا تصح دعوى مخالفة الجميع لنا فيه وأن قوله والخطأ خبث إنما يناسب قول من عمم في حجية إجماع أهل المدينة لا من فصل

стр. 385

تفصيل المحققين ففيه نقض الغزل الذي نسج عليه المتن (قوله والخطأ خبث فوجب نفيه الخ) عليه منع ظاهر كما تقدم في دعوى كون الخطأ ضلالًا في طالع الباب (قوله سببه أن عليًا الخ) يرد عليه أنهم إن وافقوا أهل المدينة فذك والألم يتعين كون الحق معهم لأنهم ليسوا أولى من أهل الشام وأهل البصرة مثلًا ولأن أهل المدينة أولى منهم (قوله وجوابه أن الرجس الخ) أي بعد تسليم كون المراد من أهل البيت في الآية النازلة خطابًا لأزواج النبي ﷺ أبناء علي وفاطمة ﵄ كما هو مراد الشيعة لأن ذلك اصطلاح حدث من بعد فأهل البيت الأزواج والعيال، وفي حديث مسلم فكنا ما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل البيت من كثرة دخولهم ولزومهم له ومعنى حديث الكساء دعاء لله بأن يلحقهم في التطهير بأزواجه لأنهم من أهل بيته فإن فاطمة بنته وعليًا كان صهره وأخاه في المعاشرة ومساكنه ويدل لهذا قوله فاذهب الخ وإلا لكان الدعاء كتحصيل الحاصل فالمراد من قوله هؤلاء أهل بيتي تمهيد بساط الإجابة حيث أن الله وعد ووعده الحق بإذهاب الرجس عن أهل بيته فقوله هؤلاء أهل بيتي أي هم أيضًا أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وذلك لأن لفظ الأهل اسم جمع وهو كالجمع فلما أضيف أفاد العموم لاكن شمول اللفظ العام للإفراد ظني لا قطعي إلا أنه إذا نزل العام على سبب فصورة السبب قطعية الدخول عند الجمهور ولذلك فشمول اللفظ للأزواج قطعي محقق وشموله لغيرهن ممن يصدق عليه أنه من أهل البيت ظني فلذلك احتاج النبي ﷺ للدعاء ولتمهيد بساط الإجابة لتحقيق هذا

стр. 386

الظن بقوله هؤلاء أهل بيتي فنظير ذلك قول نوح ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ أي وعدك نجاة أهلي إلا أن دعوة نوح عارضها سبب المنع وهو كفر ابنه على أن مراد الشيعة لا يتم لأنهم يجعلون الآية عامة حتى لذرية من شملهم الكساء وهذا لا يقتضيه اللفظ ولا الأثر إلا على قول ضعيف فسر أهل البيت ببيت النسب مثل ما في قول الفرزدق إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعايمه أعز وأطول وقد وقع الخلاف في المراد من أهل البيت وفي حديث الكساء ورأَيت كلامًا للقرطبي في سورة الأحزاب هو فصل المقال فلابد من ذكره مع مالنا من الزيادات مشارًا إليها بوضعها بين هلالين (أقول: أعلم أن الأهل في اللغة مأخوذ من أهل إذا قطن فالأهل السكان يقال أهل البيت أي سكانه وفي القرآن رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت أي سكان البيت الذي وقع خطاب المليكة فيه لإبراهيم ثم أطلق على عشيرة الرجل بإضافتهم إليه على حذف مضاف يقال أهل فلان والمراد أهل بيت فلان لأنهم يساكنونه غالبًا وقد جاء لفظ أهل البيت خطابًا لأزواج النبي ﷺ على الحقيقة ثم الحق في ذلك بنته وبعلها وأبناؤها ثم قال النبي ﷺ في حديث اذكركم الله في أهل بيتي ففهم منه الصحابة أنهم عشيرته من بني هاشم كما هو قول المحققين من أهل المدينة ومثله عن زيد بن أرقم فصار لفظ أهل البيت مصطلحًا عليه في بني هاشم من زمن الصدر الأول قال أبو بكر أرقبوا محمدًا في أهل بيته أخرجه البخاري وههنا نذكر تفسير الآية وحديث الكساء) قال القرطبي قوله تعلى ﴿واذْكُرْنَ

стр. 387

مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ والْحِكْمَةِ ... الخ﴾ هذه الآية تعطي أن أهل البيت نساؤه، وقد اختلف أهل العلم في من هم أهل البيت. فقال عطاء وعكرمة وابن عباس هم زوجاته خاصة لا رجل معهن وذهبوا إلى أن البيت أريد به مساكن النبي لقوله واذكرن ما يتلى (بصغة التأنيث) وقالت فرقة منهم الكلبي هم علي وفاطمة وحسن وحسين خاصة، وفي هذا أحاديث عن النبي ﷺ ، قلت يشير لما رواه مسلم والترمذي من طريق ام سلمة أنه لما نزلت آية إنما يريد الله ليذهب كان في البيت علي وحسن وحسين وفاطمة فجللهم النبي ﷺ بكساء. وقال: (اللهم أن هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنه الرجس وطهرهم تطهيرًا) واحتجوا بقوله ليذهب عنكم ويطهركم بالميم ولو كان للنساء خاصة لكان عنكن ويطهركن والذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهن وإنما قال ويطهركم بصغة المذكر لأن النبي ﵇ وعليًا والحسن والحسين كانوا فيهم فغلب المذكر على المؤنث فالآية تقتضي أن الزوجات من أهل البيت لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن ويدل له سياق الكلام، وأما الحديث المروي عن أم سلمة. فقال الترمذي هو حديث غريب (يعنى وهو أيضًا لا يقتضي التخصيص بأهل الكساء لأنه حينئذ يبطل شمول ما الواقعة في الآية المزوجات فيكون نسخًا وهو نسخ للقرآن بالآحاد ولا يساعد عليه أهل الوصول مع أن الأحاد هنا غريب ولكن يجوز كونه دليلًا على العموم والزيادة على النص ليست بنسخ عند غير الحنفية). وعلى قول الكلبي يكون قوله واذكرن ابتداء مخاطبة ولا اعتبار بقول الكلبي وأشباهه فإنه يجوز أشياء في التفسير ما لو كان في زمن السلف

стр. 388

الصالح لمنعوه وحجروا عليه فالصواب أن قوله واذكرن مسوق على ما قبله والآيات كلها من قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله ﴿لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ مسوق بعضها على بعض فلا يصير في الوسط كلام منفصل لغيرهن وغنما قال عنكم نظرًا لقوله أهل (أي نظرًا لتذكير اللفظ أو تغليبًا كما تقدم)، وأما ما جاء في الخبر (حديث الكساء) فهو دعوة من رسول الله ﷺ لهم بعد نزول الآية أحب أن يدخلهم بها في الآية التي خوطب بها الأزواج فهي خارجة عن التنزيل، وذهب الثعلبي إلى أنهم بنو هاشم فهذا مبني على أن البيت مراد به بيت النسب (أي على نحو قوله الفرزدق الماضي) فيكون العباس وأعمامه وبنو أعمامه منهم، ويروي ذلك عن زيد بن أرقم ﵁ (روى مسلم في المناقب أن زيدًا ابن ارقم قال في حديث تركت فيكم كتاب الله وعترني أهل بيتي ففسر أهل البيت بمن تحرم عليه الصدقة وهذا بعيد عن الموضوع هنا لأننا بصدد الكلام على المراد منهم في الآية فلا حجة في حديث زيد بن أرقم) انتهى كلام القرطبي بتقديم وتأخير اقتضاه الربط وبزيادة بيان (١) (قوله وإجماع الخلفاء الأربعة الخ) من الصحابة من خالفهم في مسائل مثل ابن عباس في ربا النسئة وابن مسعود في حمل الناس على مصحف واحد وزيد في ميراث الجدات وكل ذلك دليل على أنه ليس له حكم الإجماع نعم يكون قولهم ارجح من قول غيرهم لأنهم اعلم بالسنة وأعني بالمصالح الإسلامية لأنهم لما تولوا امورها كانوا أعلم بما ينفعها عن بصيرة فحيث لا دليل للمجتهد فليؤخذ بقولهم وحيث يخالف قولهم قول غيرهم يقدم عليه وحيت عارضه نص لا يظن بمثلهم جهله قدم قولهم إن كان المعارض راحاد أو إلى هذا كان ينزع

стр. 389

مالك ﵀ كما صرح به القاضي أبو بكر ابن العربي في العارضة في باب الأخذ بالسنة. ولهذا قدد مالك قولهم على قول زيد في توريث أكثر من جدتين مع حديث أفرضك زيد حملًا للحديث على أنه أفرض آحاد الصحابة والظاهر أن هذا لا يخالفنا فيه أحد وقد رأينا من دأب علماء السلف الاحتجاج بقولهم وقول أعيان الصحابة حيث لا نص فيما طريقة التوقيف، كما يفعل الإمام البخاري كثيرًا في صحيحه. أما إن قام للمجتهد دليل، فالواجب عليه اتباعه إذ ليس مكلفًا بتقليد غيره خلافًا لأبي حازم أما الاحتجاج بحديث «وسنة الخلفاء الراشدين فمع ما فيه من التكلم في سنده لأن فيه بقية بن الوليد وهو متكلم فيه، كما قال القاضي أبو بكر في العارضة لا نسلم أنهم المراد من الخلفاء الراشدين لأن إطلاق هذا عليهم اصطلاح جديد إنما المراد الأمر بملازمة الجماعة واتباع أيمة العدل بدليل أن أول الحديث أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة على انه لو سلم لكان الجواب ما قاله المص (قوله ومخالفة من خالفنا في الأصول أن كفرناهم الخ) إن قلت إذ أثبت هذا التفصيل فبماذا يعلم تكفيرهم حتى لا يعتد بخلافهم مع أنه ليس لدينا قاطع من كتاب أو سنة في تكفير طائفة معينة قلت تكفيرهم يعلم إما بنص قاطع من القرآن يقتضي كفر فاعل فعل ما كدعوى الألوهية لعلي أو إنكار نبوة محمد ﷺ كما قال غرابية الروافض (١) وأما بما علم ضرورة أنه كفر مثل كفر الباطنية والحلولية المدعين أن القرآن غير مراد منه ظاهره من الوعيد والذنوب ومن قال أن الله يحل في

стр. 390

مخلوقاته وكان منهم بالقيروان من يقول أن الله سكن رقادة تعلى الله عن ذلك ومنهم من ادعى أن الله يوحي إليه وأنه يصعد إلى السماء مثل الحكام كبير العبيديين بمصر وكذا من عطل الشريعة مثل غلاة المرجئة الذين ادعوا أنه لا يضر مع الإيمان شيء من المعاصي وعطلوا الوعيد ومنهم القرامطة الذين اباحوا كل محرم وقالوا أن الفرايض المذكورة في القرآن أسماء رجال امروا بالبراءة منهم وكذلك من نفي صحة نقل الشريعة إلينا مثل طوائف من الشيعة الذين ادعوا أن الشريعة مع المعصوم وأن ما بلغ إلينا قل من كثر وكذلك من قال قولًا يدل على الاستخفاف بالرسل كتجويز كذبهم أو نسبتهم له وأما غير هذا فلا يحكم بالكفر فيه كخلاف الخوارج في تخليد صاحب الكبيرة والمعتزلة في نفي صفات المعاني والرؤية والرافضة في عدالة الشيخين أما من يلزمه لازم مكفر أي من يؤل قوله إلى مكفر عن غفلة أو غلو في شيء بحيث لو أوقف على لازم قوله لبرئ منه وذلك كبعض الإشراقيين القائلين بنبوة أفلاطون وباكتساب النبوة بالرياضة ونحو ذلك وبعض المتصوفة في نحو وحدة الوجود، وقد أشار المصنف إلى اختلاف العلماء في تكفيرهم. وقد نقل شارح المعالم في خاتمة باب الإجماع القول بالتكفير بلازم القول عن الأشعري قلت وهو أيضًا معزو لمالك على وجه التخريج من قوله في جناين المدونة لا يصلى على أهل الأهواء على أحد تأويلين وستأتي الإشارة إليه عند قول المصنف في مبحث خبر الواحد «لأنهم إما كفرة أو فسفة الخ» ولهذا فالوجه التفرقة بين اللازم البين بالمعنى الأخص فيضر لأنه كالمصرح به وبين غيره فلا حتى يوقف عليه صاحبه ويقول بموجبه كما فعل فقهاء بغداد مع الحلاج، وقد وردت أحاديث في تكفير بعض القدرية وهم
следующие страницы →