الظن بقوله هؤلاء أهل بيتي فنظير ذلك قول نوح ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ أي وعدك نجاة أهلي إلا أن دعوة نوح عارضها سبب المنع وهو كفر ابنه على أن مراد الشيعة لا يتم لأنهم يجعلون الآية عامة حتى لذرية من شملهم الكساء وهذا لا يقتضيه اللفظ ولا الأثر إلا على قول ضعيف فسر أهل البيت ببيت النسب مثل ما في قول الفرزدق
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعايمه أعز وأطول
وقد وقع الخلاف في المراد من أهل البيت وفي حديث الكساء ورأَيت كلامًا للقرطبي في سورة الأحزاب هو فصل المقال فلابد من ذكره مع مالنا من الزيادات مشارًا إليها بوضعها بين هلالين (أقول: أعلم أن الأهل في اللغة مأخوذ من أهل إذا قطن فالأهل السكان يقال أهل البيت أي سكانه وفي القرآن رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت أي سكان البيت الذي وقع خطاب المليكة فيه لإبراهيم ثم أطلق على عشيرة الرجل بإضافتهم إليه على حذف مضاف يقال أهل فلان والمراد أهل بيت فلان لأنهم يساكنونه غالبًا وقد جاء لفظ أهل البيت خطابًا لأزواج النبي ﷺ على الحقيقة ثم الحق في ذلك بنته وبعلها وأبناؤها ثم قال النبي ﷺ في حديث اذكركم الله في أهل بيتي ففهم منه الصحابة أنهم عشيرته من بني هاشم كما هو قول المحققين من أهل المدينة ومثله عن زيد بن أرقم فصار لفظ أهل البيت مصطلحًا عليه في بني هاشم من زمن الصدر الأول قال أبو بكر أرقبوا محمدًا في أهل بيته أخرجه البخاري وههنا نذكر تفسير الآية وحديث الكساء) قال القرطبي قوله تعلى ﴿واذْكُرْنَ
стр. 387
مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ والْحِكْمَةِ ... الخ﴾ هذه الآية تعطي أن أهل البيت نساؤه، وقد اختلف أهل العلم في من هم أهل البيت. فقال عطاء وعكرمة وابن عباس هم زوجاته خاصة لا رجل معهن وذهبوا إلى أن البيت أريد به مساكن النبي لقوله واذكرن ما يتلى (بصغة التأنيث) وقالت فرقة منهم الكلبي هم علي وفاطمة وحسن وحسين خاصة، وفي هذا أحاديث عن النبي ﷺ ، قلت يشير لما رواه مسلم والترمذي من طريق ام سلمة أنه لما نزلت آية إنما يريد الله ليذهب كان في البيت علي وحسن وحسين وفاطمة فجللهم النبي ﷺ بكساء. وقال: (اللهم أن هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنه الرجس وطهرهم تطهيرًا) واحتجوا بقوله ليذهب عنكم ويطهركم بالميم ولو كان للنساء خاصة لكان عنكن ويطهركن والذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهن وإنما قال ويطهركم بصغة المذكر لأن النبي ﵇ وعليًا والحسن والحسين كانوا فيهم فغلب المذكر على المؤنث فالآية تقتضي أن الزوجات من أهل البيت لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن ويدل له سياق الكلام، وأما الحديث المروي عن أم سلمة. فقال الترمذي هو حديث غريب (يعنى وهو أيضًا لا يقتضي التخصيص بأهل الكساء لأنه حينئذ يبطل شمول ما الواقعة في الآية المزوجات فيكون نسخًا وهو نسخ للقرآن بالآحاد ولا يساعد عليه أهل الوصول مع أن الأحاد هنا غريب ولكن يجوز كونه دليلًا على العموم والزيادة على النص ليست بنسخ عند غير الحنفية). وعلى قول الكلبي يكون قوله واذكرن ابتداء مخاطبة ولا اعتبار بقول الكلبي وأشباهه فإنه يجوز أشياء في التفسير ما لو كان في زمن السلف
стр. 388
الصالح لمنعوه وحجروا عليه فالصواب أن قوله واذكرن مسوق على ما قبله والآيات كلها من قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله ﴿لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ مسوق بعضها على بعض فلا يصير في الوسط كلام منفصل لغيرهن وغنما قال عنكم نظرًا لقوله أهل (أي نظرًا لتذكير اللفظ أو تغليبًا كما تقدم)، وأما ما جاء في الخبر (حديث الكساء) فهو دعوة من رسول الله ﷺ لهم بعد نزول الآية أحب أن يدخلهم بها في الآية التي خوطب بها الأزواج فهي خارجة عن التنزيل، وذهب الثعلبي إلى أنهم بنو هاشم فهذا مبني على أن البيت مراد به بيت النسب (أي على نحو قوله الفرزدق الماضي) فيكون العباس وأعمامه وبنو أعمامه منهم، ويروي ذلك عن زيد بن أرقم ﵁ (روى مسلم في المناقب أن زيدًا ابن ارقم قال في حديث تركت فيكم كتاب الله وعترني أهل بيتي ففسر أهل البيت بمن تحرم عليه الصدقة وهذا بعيد عن الموضوع هنا لأننا بصدد الكلام على المراد منهم في الآية فلا حجة في حديث زيد بن أرقم) انتهى كلام القرطبي بتقديم وتأخير اقتضاه الربط وبزيادة بيان (١) (قوله وإجماع الخلفاء الأربعة الخ) من الصحابة من خالفهم في مسائل مثل ابن عباس في ربا النسئة وابن مسعود في حمل الناس على مصحف واحد وزيد في ميراث الجدات وكل ذلك دليل على أنه ليس له حكم الإجماع نعم يكون قولهم ارجح من قول غيرهم لأنهم اعلم بالسنة وأعني بالمصالح الإسلامية لأنهم لما تولوا امورها كانوا أعلم بما ينفعها عن بصيرة فحيث لا دليل للمجتهد فليؤخذ بقولهم وحيث يخالف قولهم قول غيرهم يقدم عليه وحيت عارضه نص لا يظن بمثلهم جهله قدم قولهم إن كان المعارض راحاد أو إلى هذا كان ينزع
стр. 389
مالك ﵀ كما صرح به القاضي أبو بكر ابن العربي في العارضة في باب الأخذ بالسنة. ولهذا قدد مالك قولهم على قول زيد في توريث أكثر من جدتين مع حديث أفرضك زيد حملًا للحديث على أنه أفرض آحاد الصحابة والظاهر أن هذا لا يخالفنا فيه أحد وقد رأينا من دأب علماء السلف الاحتجاج بقولهم وقول أعيان الصحابة حيث لا نص فيما طريقة التوقيف، كما يفعل الإمام البخاري كثيرًا في صحيحه. أما إن قام للمجتهد دليل، فالواجب عليه اتباعه إذ ليس مكلفًا بتقليد غيره خلافًا لأبي حازم أما الاحتجاج بحديث «وسنة الخلفاء الراشدين فمع ما فيه من التكلم في سنده لأن فيه بقية بن الوليد وهو متكلم فيه، كما قال القاضي أبو بكر في العارضة لا نسلم أنهم المراد من الخلفاء الراشدين لأن إطلاق هذا عليهم اصطلاح جديد إنما المراد الأمر بملازمة الجماعة واتباع أيمة العدل بدليل أن أول الحديث أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة على انه لو سلم لكان الجواب ما قاله المص (قوله ومخالفة من خالفنا في الأصول أن كفرناهم الخ) إن قلت إذ أثبت هذا التفصيل فبماذا يعلم تكفيرهم حتى لا يعتد بخلافهم مع أنه ليس لدينا قاطع من كتاب أو سنة في تكفير طائفة معينة قلت تكفيرهم يعلم إما بنص قاطع من القرآن يقتضي كفر فاعل فعل ما كدعوى الألوهية لعلي أو إنكار نبوة محمد ﷺ كما قال غرابية الروافض (١) وأما بما علم ضرورة أنه كفر مثل كفر الباطنية والحلولية المدعين أن القرآن غير مراد منه ظاهره من الوعيد والذنوب ومن قال أن الله يحل في
стр. 390
مخلوقاته وكان منهم بالقيروان من يقول أن الله سكن رقادة تعلى الله عن ذلك ومنهم من ادعى أن الله يوحي إليه وأنه يصعد إلى السماء مثل الحكام كبير العبيديين بمصر وكذا من عطل الشريعة مثل غلاة المرجئة الذين ادعوا أنه لا يضر مع الإيمان شيء من المعاصي وعطلوا الوعيد ومنهم القرامطة الذين اباحوا كل محرم وقالوا أن الفرايض المذكورة في القرآن أسماء رجال امروا بالبراءة منهم وكذلك من نفي صحة نقل الشريعة إلينا مثل طوائف من الشيعة الذين ادعوا أن الشريعة مع المعصوم وأن ما بلغ إلينا قل من كثر وكذلك من قال قولًا يدل على الاستخفاف بالرسل كتجويز كذبهم أو نسبتهم له وأما غير هذا فلا يحكم بالكفر فيه كخلاف الخوارج في تخليد صاحب الكبيرة والمعتزلة في نفي صفات المعاني والرؤية والرافضة في عدالة الشيخين أما من يلزمه لازم مكفر أي من يؤل قوله إلى مكفر عن غفلة أو غلو في شيء بحيث لو أوقف على لازم قوله لبرئ منه وذلك كبعض الإشراقيين القائلين بنبوة أفلاطون وباكتساب النبوة بالرياضة ونحو ذلك وبعض المتصوفة في نحو وحدة الوجود، وقد أشار المصنف إلى اختلاف العلماء في تكفيرهم. وقد نقل شارح المعالم في خاتمة باب الإجماع القول بالتكفير بلازم القول عن الأشعري قلت وهو أيضًا معزو لمالك على وجه التخريج من قوله في جناين المدونة لا يصلى على أهل الأهواء على أحد تأويلين وستأتي الإشارة إليه عند قول المصنف في مبحث خبر الواحد «لأنهم إما كفرة أو فسفة الخ» ولهذا فالوجه التفرقة بين اللازم البين بالمعنى الأخص فيضر لأنه كالمصرح به وبين غيره فلا حتى يوقف عليه صاحبه ويقول بموجبه كما فعل فقهاء بغداد مع الحلاج، وقد وردت أحاديث في تكفير بعض القدرية وهم
стр. 391
طائفة انقرضت في القرن الثاني والجمهور يتاولون ما ورد من هاته الأحاديث ويرون أن لا تكفير بلازم المذهب وتوقف القاضي. ومعنى قول المص هنا «وهذه القاعدة لمالك» أي عدم التكفير هو قول مالك فقد نقل القاضي عياض في الباب الثالث من القسم الرابع من الشفا أن عدم التكفير قول أكثر الفقهاء والمتكلمين وحكاه سحنون عن جميع أصحاب مالك وصححه ابن رشد عن مالك وإمام الحرمين ونسبه شارح المعالم للشافعي، ونقل أيضًا عن الأشعري، ونقل عن مالك التوقف أيضًا وسيأتي لهذا زيادة تحقيق في مبحث خبر الواحد، قال القاضي أبو بكر الكفر بالله هو الجهل بوجوده ولا يكفر أحد يقول إلا أن يكون جهلًا بالله أو بفعل اتفق المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر (قوله وهو مقدم الخ) راجع ما تقدم في مراتبه (قوله واختلف في تكفير مخالفه الخ) راجع ما تقدم أيضًا والمراد بالمخالفة الجحد لمقتضاه لا مخالفة العمل على أن هذا مذكور في خصوص ما انضم إليه علم ضروري بكون الجمع عليه من الدين فلا تكفير إلا بمخالفة المعلوم ضرورة وبه يظهر التنافي الواضح بين صدر كلامه في المتن وبين بقية كلامه في المتن وآخر كلامه في الشرح وقوله بناء على أنه قطعي إلى قوله وقيل ظني صوابه أنهما حالتان للإجماعات. هذا وأعلم أن تكفير مخالف الإجماع بمعنى جاحده مسالة معضلة وقد اضطربت فيها طرائق النقل والمحررون للعبارة المحققون للمعنى قيدوا حكاية
стр. 392
الخلاف في تكفير جاحده بما إذا انضم إلى الإجماع علم ضروري بكون الجمع عليه من الديانة أو بما كان الإجماع فيه قطعيًا، وكذلك فعل ابن الحاجب والسبكي وقد حكى ابن الحاجب الخلاف بقوله «مسألة إنكار حكم الإجماع القطعي ثالثها المختار أن نحو العبادات الخمس يكفر اهـ» أي نحوها في كونه ضروريًا فهو على مقتضى كلامه من محل الخلاف ويظهر من كلام شارحه عضد الدين أن ما كان معلومًا بالضرورة لا خلاف في تكفير جاحده ووافقه التفتزاني في الحاشية وقال لا يتصور من مسلم القول بأن إنكار ما علم من الدين بالضرورة لا يوجب الكفر وجعل الخلاف في هذا الضرب على تقرير ابن الحاجب ليس على ما ينبغي اهـ وإني لا عجب من استبعادهما اختلاف العلماء في هذا الضرب هل يكفر لم لا وصرفهم عبارة الشيخ ابن الحاجب عن صريحها مع شدة اطلاعه ومع أن القول بالتكفير لجاحد المعلوم ضرورة مبني على التكفير بلازم الاعتقاد، كما صرح به الفهري في شرح المعالم وغير واحد والتفكير باللازم مختلف فيه فذهب الأشعري ﵀ إلى التكفير به، وذهب غيره إلى عدم التفكير وإليه يميل قول الشافعي ﵀ كما في شرح المعالم فكيف ينكر القول بأن الخلاف موجود في تكفير جاحد المعلوم الضروري مطلقًا وقد يحتج لهذا الخلاف باختلاف الصدر الأول في إطلاق اسم المرتدين على مانعي الزكاة من العرب وحقق المحققون أن اسم الردة إنما أطلق على من انضم لمنعه الزكاة الخروج عن الدين والطعن في ختم النبوة مثل الأسود العنسي وأصحابه ومسيلمة الكذاب وأصحابه وأما من منع الزكاة فقط
стр. 393
فليس بمرته وإن قتال أبي بكر ﵁ قتال لجمع الكلمة وهو لسد ذريعة الالتباس في الدين لا لأجل الردة ألا ترى أن عمر خالفه أولًا وقال كيف نقاتلهم وقد قالوا لا إله إلا الله ثم وافقه بعد ذلك على قتالهم وقال رأيت أن الله شرح لذلك صدر أبي بكر فعلمت أنه الحق أي في كونه مصلحة ولم يقل علمت أنهم كفروا هذا وقد بينوا وجه الملازمة بين جحد المعلوم من الدين ضرورة وبين الكفر بأن حجده يئول إلى تكذيب النبي ﷺ الذي جاء به هكذا يرمونها كلمة على عهنتها وهي لا تتم إلا إذا كان الجحد متعلقًا بنسبة ذلك الأمر المعلوم بالضرورة إلى الدين مع الاعتراف بوروده عن النبي ﷺ بأن يقول هذا الذي ثبت وروده لم يقله الله تعالى فهذا فقط يؤل إلى تكذيب النبي ﷺ وحاشاه وليس حجد المعلوم بالضرورة ممن ينقل عنهم كالرافضة بواقع على هذا النحو بل الواقع أنهم يجحدون أمورًا يقولون أنها لم تثبت عن النبي ﷺ فهؤلاء لا يفضي بهم حجدهم إلى تكذيبه إلى تكذيب الرواة من بعده من الصحابة فمن دونهم. وقد مضى علي زمن لم يبد لي فيه وجه التكفير ثم علمت أن مراد علمائنا بذلك أن المروي متواترا من الخلف عن السلف حتى علم كونه من الدين بالضرورة لمن ليس دخيلا في الدين بحدثان في الديانة لا سبيل إلى صدور إنكاره من عاقل إذ أن المعلوم الضروري لا ينكر والتواتر مفيد للعلم القطعي، كما تقرر فدل إنكار منكريه على أنهم يتذرعون بذلك إلى الطعن في الشريعة وحل عراها والتلبيس على عامة المسلمين في أمر دينهم فكان القول بتكفيرهم مبنيًا على أن لازم حالهم يقتضي أنهم لم يجهلوا كونه من الدين
стр. 394
ولا كنهم أرادوا الطعن في أصل الشريعة فلما أكبروا أن يتجاهروا بذم تشريع الصلاة والصيام مثلًا تذرعوا إلى ذلك بدعوى عدم ورودها عن النبي ﷺ ليكون ثبوت ورودها موجبًا للطعن على نفس مشرعها كأنهم يقولون أولا نحن ننزه النبي عن أن يشرع هذا فإذا تسوهل معهم رجعوا فقالوا قد ثبت أنه قاله ومن قال ما ليس بحق لا يؤمن به فإما أن تقولوا أنه لم يقله فيدخل الشك في كل ما نقل عنه، وإما أن تقولوا قاله فيكون ذلك تنقيصًا للقائل حاشاه ﷺ ومن مارس مقالات الملحدين علم أنهم يرمون لهذه الغاية فلذلك جزم الجمهور بأن جحد المعلوم ضرورة موجب للكفر وهو ما فهمه الصديق ﵁ من مئال منع الزكوة إلى انحلال عرى الدين فقال والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى النبي ﷺ لقاتلتهم عليه. وبهذا تعلم أن ذكر المجمع عليه هنا وصف طردي لأن المدار على كون الأمر معلومًا بالضرورة سواء كان مجمعًا عليه أم ثابتًا بالنص ولاكن لما كان العلم ضرورة يقارنه إجماع الأمة على كون ذلك المعلوم هو من الدين فرضوا المسألة بوصفين الجمع عليه المعلوم بالضرورة فتدبر في هذا الموضع فكم زلت فيه أقدام. أما بعامل جمود أو أقدام (قوله وأنتم لا تكفرون جاحد أصل الإجماع الخ) لا مخلص من هذا الإيراد وهو أدل دليل على فساد القول بتكفير جاحد حجية الإجماع عن اجتهاد والجواب عنه غير صحيح لأنه لو صح أن التكفير متوقف على مساعدة الكافر على اعتبار أصل ما كفر به لما تحقق تكفير كافر ما لأنه لا يكفر إلا وهو غير مستقر عنده دليل التكفير فإن أجيب بأن من الأدلة ما هو قطعي لا تسع مكابرته
стр. 395
بخلاف أدلة حجية الإجماع قلنا إذا فالعذر لمن لم تستقر عنده كالعذر لمن استقرت عنده ثم حجدها لجواز أن يكون تأولها فكيف يقدم على تكفيره على أن جاحد أصل الإجماع يكون قد بلغته الأدلة الدالة على اعتباره خصوصًا إذا كان قد ناظر مثبتيه فيلزم أن نكفره في هاته الحالة أيضًا وهو باطل فالوجه أن الخلاف في تكفير جاحده خلاف لفظي فينظر إلى أنواع الإجماع التي قدمنا بيانها في طالعة الباب
الفصل الثالث في مستنده الخ
هذا يؤل إلى ترتيب مراتب الإجماع وبه يظهر أن المتفق على حجيته هو ما علم ضرورة وأن غيره مراتب في القوة بحسب قلة الخلاف في حجيته (قوله وبالا مارة ما أفاد الظن الخ) فبينها وبين القياس عموم وجهي يجتمعان في القياس الظني وتنفرد الإمارة فيما دل على حكم وليس بقياس مثل استدلالهم بما بدا من ذكر النبي ﷺ خراب المدينة في آخر الزمان اختلال الأحوال على كراهية نقص سكان المدينة ووجوب تعميرها كما ذيل البخاري ﵀ ذلك بقوله فكره النبي ﷺ أن تعرى المدينة. وينفرد القياس في القطعي منه وكذا النسبة بين
стр. 396
الدلالة والقياس (قوله وجوزه قوم بغير ذلك لمجرد الشبهة والبحث الخ) أي جوزوه بغير الإمارة وذلك نوعان إما بالشبهة وهي الدليل الذي يشبه الحق وليس بحق وإما بلا شبهة ولا استدلال منهم بل بالصدفة بأن يسأل كل واحد فيجيب من غير أن يعلم لماذا أجاب بذلك وهو مراده بالبخت (قوله ووقع معها من كلام المص الخ) أي وقع مع؟ ؟ العبارة من كلام المحصول ما يدل على أنه أراد بها معنى الشبهة ومرة ما يقتضي أنه أراد بها معنى العر وحتى عن الشبهة ولا شيء من المعنيين بمنطبق على معنى البحث وقد بين الشهاب المراد من هاته العبارة حتى انكشف الحال من اللفظ ولم ينكشف أمر التدافع الواقع بين كلامي الإمام وبيانه أن الذين جوزوا الخلو عن الدلالة والانتقال إلى الإمارة منهم من جعل الشبهة من الإمارة وهم الذين عناهم الإمام بقوله وأنتم لا تجوزون ذلك أي بعد أن بين لهم أن الشبهة ليست من الإمارة وهنالك فريق جوز عروه عن كل دليل حتى الإمارة وهم الذين جوزوا انعقاده بالبخت والبخت هو جريان شيء ملائم لأحد على غير قصد منه إليه ولا سعي له في أسبابه
стр. 397
الفصل الرابع في المجمعين
(قوله وأما العوام الخ) قد تقدم أن اشتراط العوم إنما يناسب في المعلوم ضرورة فقط وهو لا ينفرد به المجتهد (قوله وجوابهم أن التكليف بالعلم يعتمد حصول سبب العلم الخ) كلام المص غير واضح الدلالة على المراد منه فكأنه أراد أنه إذا لم يوجد التواتر يكتفي بما دونه وهو جواب غير مستقيم لأنه يرد عليه أن ما دون التواتر لا يثبت به أصل الشريعة فالأولى في الجواب أن يقال أن ما ذكرتموه إنما هو في الإجماع العام أي المعلوم بالضرورة دون غيره لأن التواتر غير شرط إلا في كليات الشريعة وأركان الإسلام (قوله وإما أن العبرة بأهل ذلك الفن الخ)
стр. 398
هذا غلو في حجية الإجماع لأن الأدلة لم تدل إلا على حجية إجماع الشرعيات أما غيرها فلا وكذلك اعتبار القاضي للعوام هو في الإجماعات الشرعية (قوله غير أنهم لم يتسموا بالفقه الخ) أي مثل الذين شغلتهم الخطط العامة بعد أن كانوا من الفقهاء كمعاوية ﵁ وعبد الملك بن مروان ﵀ والذين لم يشتغلوا بنقل الشريعة والتوسع فيها كغالب نساء الصحابة غير مثل عائشة وأم الدرداء ﵄، قال البخاري في صحيحه بعد أن ذكر أم الدرداء وكانت فقيهة.
الفصل الخامس في المجمع عليه
(قوله واختلفوا في كونه حجة في الحروب والآراء الخ) الظاهران المراد ما يرجع إلى أحكام شرعية في الحروب مثل قسم الغنائم والأنفال ومعاملة الأسرى لا في الحيل الحربية لأن ذلك لا دخل للإجماع فيه وقد أخذ مالك ﵀ بمعاملة علي ﵁ للخوارج في حروبه معهم أكثر أحكام الباغية مثل عدم الإجهاز على جريحهم ومتابعة فارهم، ولعل هذا مراد القاضي عبد الوهاب بقوله «الاشبه بمذهب مالك الخ»، وأما الآراء فالظاهر أنه يريد بها ما كان من الإجماع عن مجرد النظر للمصلحة
стр. 399
كطرح المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة من زمن عمر ﵁. هذا وبقية الفصل فروض ليس لها في الإجماعات عروض.
الباب السادس عشر في الخبر
[الفصل الأول في حقيقته]
قد عسر على قوم تعريف الخبر مثل تعريف العلم والوجود والعدم واختار السبكي أنه ماله خارج يطابقه أو لا يطابقه، ويرد عليه أن المستقبل ليس له خارج وقت النطق به فإن أريد بالخارج ما يأتي فالإنشاء له خارج بهذا المعنى، ولهذا مال الشيخ ابن تيميه وجماعة إلى عد المستقبل من الإنشاء، كما نقل عنه ابن عرفة في تفسيره وظاهر منع صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى ﴿وإذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلاَّ قَلِيلًا﴾ يرده وعندي أن أحسن ما يقال أن النسبة المقدرة الحصول تعتبر كالحاصلة فافترق المستقبل والإنشاء إذ الإنشاء لا تقدر له نسبة خارجية فالأولى أن يعرف الخبر على رأي الجمهور الشامل للمستقبل بأنه الحديث عن نسبة واقعة وإيصال
стр. 400
ما في الخارج وهو النسبة الخارجية إلى ذهن المخاطب فالخارج فيه قبل الذهن ولهذا احتمل الصدق والكذب فالاحتمال العارض له عرض من جهة العقل لا الوضع. والإنشاء ح هو طلب إيجاد نسبة كانت في الذهن أو عزم على إيجادها ما لم يمنع مانع فالأول الإنشاء الطلبي كالأمر والنهي والثاني غيره كالتمني وصيغ العقود وهي منقولة من الخبر إلى الإنشاء عرفًا على التحقيق فمنها ما يقل بلفظ الماضي نحو بعت ووهبت وحبست ومنها ما نقل بلفظ المضارع نحو اشهد ومنها ما نقل بالجملة نحو أنا شاهد وأنت طالق وضابط ما يصح فيه بعض الصيغ وما يصح فيه الجميع هو العرف كما قال المص في آخر مسائل الإنشاء من الفرق الثاني. وقولنا ما لم يمنع مانع قال المص في الفرق الثاني للاحتراز من صيغ عقود المحاجير فإنها لا تترتب عليها آثارها لأجل المانع. وقد ظهر أن الخارج في الإنشاء يحصل بعد الحصول في الذهن ثم الخبر ينقسم إلى شهادة ورواية وغيرهما فالشهادة هي الأخبار عن خاص فيه ترافع والرواية الأخبار عن عام أو عن خاص لا ترافع فيه وهذا هو مناط الفرق بينهما ولأجلها اشترط العدد في الشهادة دون الرواية لأن شأن الخصوص قلة الشهرة فلابد من التحقيق في الصحة وذلك بتطلب شاهد ثان كما أن شأن ما فيه ترافع وتخاصم أن تتعلق به الأغراض والمنافسات وذلك محل تهمة الكذب فوجب أيضًا التعدد بخلاف الرواية وقد مكث المص يسأل عن الفرق بينهما ثماني سنين إلى أن ظفر بكلام الإمام المازري كما ذكره في الفرق الأول وقد ذكر هنالك قسمًا ثالثًا مركبًا من الرواية والشهادة كالأخبار عن رؤية الهلال والمترجم للخطوط والمقوم للسلع والقاسم فلذلك وقع الخلاف فيها بين العلماء وتفاصيل مسائلها في الفرق الأول وأما ما ليس برواية ولا
стр. 401
شهادة فهو الدعوى والإقرار والبحث عنهما ليس من غرض الأصولي، وانظر الفرق الأول من قواعد المص ﵀ (قوله وأما التصديق والتكذيب الخ) بالنصب عطف على قوله ما احتمل الصدق (قوله سؤال التصديق والتكذيب الخ) هذه إحدى العقبات وحاصله أن التعريف فاسد سواء قلنا ما يحتمل الصدق والكذب أو قلنا ما يحتمل التصديق والتكذيب فعلى الأول يلزم الدور إذ الصدق هو مطابقة الخبر للواقع والكذب عدمها لا يعرف شيء منها إلا بعد معرفة الخبر وعلى الثاني يلزم تعريف الشيء بالأخص وكلا اللازمين معيب وخلاصة الجواب أن الألفاظ المأخوذة في التعاريف قد تؤخذ من حيث أنها مشهورة المدلولات وإن كانت فصول مواهيها مجهولة فيصح التعريف بها باعتبار شهرتها لا باعتبار اكتسابها بالتعريف وما هنا كذلك لأن الخبر غير معروف إذ نحن بصدد بيان حقيقته الاصطلاحية فلا بدع أن نحن أخذنا في تعريفه لفظ الصدق والكذب المشهورين عند كل من يسمع اسم صدق وكذب وإن لم يعرف معرفيهما
стр. 402
(قوله وهو معنى قولي والخلاف لفظي الخ) احتاج إلى شرح قوله لدفع ما يتبادر من من عبارته الواقعة في الأصل فبين أن اللفظي هنا منسوب للفظ بمعنى الكلمة من اللغة ولم يرد من قول ما هو مشهور من قولهم خلف لفظي وأنه لو اطلع كل واحد على مراد الآخر لوافقه لأن إقامة الأدلة من الطرفين تنافي ذلك ولأنه تبني عليه مسائل في الحسن والقبح عند المعتزلة. وإقامة الأدلة وأنباء الإثار على الخلاف مانعان من دعوى كونه لفظيًا (قوله وفهم عنهم الإمام أن الخبرية أمر وجودي الخ) أن الإمام ظن من جعلهم الإرادة شرطًا في تعين الخبرية أن الخبرية أمر وجودي غير نفسي لأنهم غايروا بينها وبين الإرادة التي هي أمر نفسي فتعين أن تكون الخبرية عندهم قائمة باللفظ ومن ثم ناظرهم بالدليل الذي يحتج به على منكري الكلام النفسي وهو الترديد المذكور في كلامه وحاصله أن الخبرية إن كانت متعلقة بمجموع الحروف لزم تعذر تحققها لأن كل جزء من أجزائها متقض غير قار فلا يعقبه تاليه إلا بعد تقضيه وإن كانت قائمة بالبعض دون البعض لزم أن يكون بعض الحروف خبرًا والبعض لغوا وقد يجاب باختيار الشق الأول ولا يلزم من التقضي عدم التحقق لأن شرط تحقق الخبرية حصول وجود محلها لا دوامه على أنه دائم في الحس المشترك ثم في الحافظة فلذلك تمكن إعادته. وباختيار الشق الثاني وهو أن الخبرية قائمة بالحرف الأخير على أن ما سبقه شرط فيها كما يقال في حصول العلم
стр. 403
في المتواتر عند آخر أخبار وكذا في حصول الوصول بآخر الخطوات على أن الإمام متوهم فيما فهم عنهم إذ المسألة غير مسألة إنكار الكلام النفسي وإن كان قائلوها قائلين بإنكار الكلام النفسي لأن الداعي لهم إلى شرط الإرادة في تحقق الخبرية عدم تبين الفرق بين الخبر وغيره مما تستعمل فيه الجملة المعبر عنها بالخبرية نظرًا لغالب أحوالها فأيا ما كان مدلولها من الأمر النفسي أو غيره فالإرادة شرط عند هؤلاء وهي شرط في الخبرية أي كون اللفظ خبرًا وهذا الكون من الأمور الاعتبارية وهي عدمية عند الأشاعرة فلا يقتضي كلامهم كون الخبرية أمرًا وجوديًا حتى يرد ما أورده الإمام وكان المص يشير بقوله وفهم عنهم الإمام بعد أن قدم تقرير كلامه بما لا يناسب ما فهمه الإمام إلى نقد فهمه ولأكنه اعرض عن التصريح بذلك تحاشيًا مع الإمام أن ينص عليه المخالفين واعترافًا بسابق فضله وسمو مقامه ونعما صنع.
الفصل الثاني في التواتر
قال المص هو مأخوذ من مجيء القوم واحدًا بعد واحد يريد أنه مأخوذ على طريق الاستعارة والمستعار منه وهو لفظ تواتر مشتق من الوتر وهو الواحد وإنما سمي مجيء القوم واحدًا بعد واحد تواترًا لأنهم تفاعلوا الوتر كان كل واحد يوتر صاحبه أي يجعله وترًا حين فرط في صحبته والمجيء معه والعرب تعرض بالمفاعلة هنا إلى اللوم على من هذا شأنه لشدة ميلهم إلى الاجتماع فسموا مجيء الآحاد على طريق الصدقة باسم اختيارهم ذلك وهو التفاعل حثًا على السعي لأسباب الاجتماع واتقاء
стр. 404
للتفريط فيه ومنه إطلاقهم الوتر على النقص والترة على القتل فإطلاق التواتر على مجيء القوم واحدا بعد واحد منقول عن التمثيل حتى صار حقيقة عرفية ثم إطلاقه على الخبر المصطلح عليه من باب الاستعارة (قوله ومن ذلك قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ الخ) أي من المجيء واحدا بعد واحد لا من تسميته ذلك بالتواتر لأن تترى على وزن فعلي واصله وترى أبدلت الواو تاء على غير قياس كما أبدلت في تولج وتيقور والفه أما للتأنيث لأنه وصف للجماعة على تأويل فتكون كالف سكرى وجوز صاحب الكشاف أن تكون للإلحاق كالف ارطى ومعزى لأنه قرئي بالتنوين فدل على أن وترا أي بالتذكير لا التأنيث. وقولهم تواترت كتبك فقد ذكره في القاموس وأقره وشواهده من اللغة كثيرة فما نقله المص عن بعض اللغويين
(قوله وعن الثاني أن الأحكام قسمان الخ) شبهة قائمة حاصلها أنه كما جاز الكذب على كل واحد من المخبرين يجوز على المجموع لأن صيغة
стр. 405
الخبر تثبت للكل وجواب المص هنا غير كاف لأن غايته دفع كلية البحث وهو أنه يجوز أن يثبت مع الاجتماع ما لا يثبت مع الانفراد وبذلك أجاب التفتازاني في شرح العقائد وهو غير كاف إذ يجوز أيضًا أن يكون المجموع كالخبر في الحكم والمقصود هنا المنع أولًا ثم الاستفسار ثانيًا عن سبب كون هذا من القبيل الذي كان فيه الكل موصوفًا بغير صفات أجزائه فلابد من البيان وأجاب الخيالي بأن مدلول الخبر هو الصدق وهو الذي يتكرر ويترجح عند كل خبر يعضد سابقه وأما احتمال الكذب فأمر عقلي بناء على أن العرب وضعت الخبر للصدق أي ليحكي به ما في الواقع وإنما يأتيه الاحتمال من جهة المتكلم كما بينه المص في أواخر الفرق والثاني أي فهو غير مشكك فهو يثبت مع الخبر الواحد مع التكرر
стр. 406
بدون تفاوت اهـ وهذا أيضًا غير كاف لأن التفرقة بين ما هو مستفاد من الوضع وبين ما هو من العقل غير مجديه هنا لأنهما يتساويان في كونهما احتمالين فكلما قوي أحدهما بتكرر الخبر قوي الآخر فيلزم أن ينتهيا أيضًا على نسبة ابتدائهما والذي يظهر لي في دفع هاته الشبهة المتأصلة أن نقول أن الاحتمال مختلف الكيفية فالصدق احتمال راجح والكذب احتمال مرجوح فإذا تكرر الخبر تأكد طرف الصدق برجحان إلى أن يبلغ إلى اليقين وتأكد طرف الكذب بمرجوحيته وكل مرجوحية تزيد التي قبلها ضعفًا لأنها مغمورة بتكرر الرجحان حتى يبلغ ذلك إلى انعدام المرجوحية أصلًا وهي صورة القطع الحاصل عقب التواتر (قوله وإن كان المباشر فيكون المخبر عنه محسوسًا الخ) فيؤخذ من ذلك أن المتواتر لا يكون إلا عن حس لأنه شرط في المباشر وما من تراتر ألا ينتهي للمباشر فيلزم الشرط
стр. 407
الفصل الرابع في الدال على كذب الخبر
(قوله أولهما جميعا اهـ) أعاد الضمير على ما لم يتقدم في الكلام ومراده أن من شأنه أن يكون متواترا شيئان ما تواتر لغرابته أو لشرفه والاهتمام أولهما جميعًا كما يستفاد من كلامه في الشرح ولعله أراد أن يأخذ هذا التفصيل ويذكره من كلام المحصول فذهل عنه ثم أعاد الضمير فاستبهم الكلام
стр. 408
الفصل الخامس في خبر الواحد
لما كان خبر الواحد لا يفيد بأصله ظنًا لأن الخبر من حيث هو محتمل للصدق والكذب شرطوا أن ينضم له ما يرجح احتمال الصدق وكذلك إما بقرينة خارجية أو قائمة بالمخبر فالأولى هي ما يأتي من القرائن والثانية هي الراجعة إلى أوصاف المخبر التي تنفي عنه التهمة وهي العدالة وتنفي عنه الجهالة وهي التيقظ (قوله أو العدول الخ) إشارة إلى أن خبر الواحد لقب عند الأصوليين لغير التواتر ولو كان مستفيضًا (قوله وحكى المازري وغيره الخ) هذا القول منسوب لعبد الجبار ولعل في كلام المازري تحريف عبد الجبار إلى عند الجباءي (قوله وهذه حجة باطلة إما لأنها مبنية على قاعدة الحسن والقبح الخ) شتان بين كلام السائل وبين قاعدة الحسن والقبح لأنه بنى السؤال على أن أصل
стр. 409
التشريع اعتماد المصالح والمفاسد فلا يأخذ الناس شيئًا غير يقيني لجواز أن يفعلوا ما هو في الواقع مفسدة أو يتركوا ما هو مصلحة فأين هذا من معنى الحسن والقبح الذاتيتين للأفعال عقلا بل هو ينافي قاعدة الحسن لأن الناظر إليها لا يتوقف لاكتفائه بالصفة التي يشتمل عليها الفعل، فالاعتماد على الجواب الثاني (قوله ويشترط في المخبر العقل الخ) ليس المراد بالعقل عقل التكليف لأنه داخل في مسمى التكليف بل المراد عقل الفطنة وهو الذي يعبر عنه المحدثون بالضبط ويعبر عنه الفقهاء في صفات الشاهد بالتيقض، وقد أشار لهذا قول المص في شرح «أما العقل» فلأنه أصلي الضبط وفي المدارك عن مالك أنه قال أدركت بالمدينة أقوامًا لو استسقى بهم القطر لسقوا قد سمعوا الحديث كثيرًا وما حدثت عن واحد منهم شيئًا لأنهم كانوا الزموا أنفسهم الزهد وهذا الشأن يعني الحديث يحتاج إلى رجل معه تقي وورع وإتقان وعلم وفهم فأما رجل بلا اتفاق ولا معرفة فلا ينتفع به ولا هو حجة (قوله وإن
стр. 410
كان تحمل الصبي صحيحًا الخ) لأن النظر لحال الأداء الذي يفرق فيه بصحة عقله بين ما يتحققه وما يشك وقد قبلت رواية ابن عباس ﵄ في حديث صلاة الليل والوتر قبل الفجر وهو يوم تحمله صبي في بيت خالته ميمونة ﵂ (قوله وإن كان أبو حنيفة ﵁ قبل شهادة أهل الذمة الخ) استدراك استطرادي لما يقتضيه قوله لا تقبل روايته في الدين وألا فهو ليس من مسألتنا الخاصة بالرواية ولاشك أن أمر الرواية أشد لأنها تثبت بها أحكام عمومية كما سيأتي (قوله من المعتزلة وغيرهم الخ) أي فإن عمرو بن عبيد معتزلي ومن غيرهم روايته عن عمران بن حطان الخارخي، وروى البخاري ومسلم عن بعض الشيعية (قوله لأنهم إما كفرة أو فسقة وهو مذهب مالك الخ) بناء على أن لازم المذهب مذهب وقد علمت أن في ذلك عن مالك روايتين كما تقدم في الإجماع فالظاهر أن الضمير يعود على قوله أو فسقة. والتحقيق التفصيل بين اللازم البين بالمعنى الأخص وغيره أما من كان صريح مذهبه مخالفة أصول الدين فكافر كالقائلين بنبوة علي وهم الغرابية، أما القضاء على كل مخالف في العقيدة بالكفر أو الفسق فمحل تأمل وقد مضى لنا في باب الإجماع أن عدم التفكير باللازم هو قول جميع أصحاب مالك فبقى القول في التفسيق إلا أن يقال أن مجموع مقالات الطائفة منهم لا يخلو عن شيء مفسق أو مكفر فيجب حينئذ تتبع أصولهم ولعل المص أخذ مذهب مالك هذا إذا كان الضمير عائدًا لقوله كفره أو فسقه على معنى التقسيم من قوله في جنائز المدونة «لا يصلى على أحد من أهل الأهواء ولا تعاد مرضاهم». قال أبو الحسن في شرحه وقد اختلفوا في تأويله فقيل إنما أراد
стр. 411
به التأديب وكراهة مخالطتهم وفيه بعد لأن الصلاة عليهم حق إسلامي لا يقع التأديب بالحرمان منه. وقيل لأنهم عنده كفار وصحح ابن رشد في البيان القول الأول وهو تأويل سحنون وتوقف مالك في إعادة صلاة من صلى خلف مبتدع وكل ذلك يقتضي الفسق لا محالة لأنه لا يؤدب بمثل هذه الغلظة إلا فاسق وكان وجه التفسيق أن هاته الأهواء لا تخلو من تجويز مفسق كاستحلال الخوارج لدماء المخالفين لهم أو من تعمد تأويل القرآن بلا دليل وذلك عمل مفسق. أما الآراء والاعتقادات التي لا تفضي إلى أحد هذين ولا تمس أصول الدين فلا يمكن أن تكون فسقًا وإن كانت مخالفة للصواب والحق وقد فسروا أهل الأهواء بمن يفسر متشابه القرآن بحسب رأيه وهو إلا من غير دليل واضح أي بحيث لا يحمله على تأويله إلا تصحيح مذهبه وهذا موذن بقلة التحرز في الدين وقد يقع لبعضهم ذلك لكن الباعث عليه شدة التغالي من غير تعمد، وكذلك من يؤول لوجود دليل عنده يظنه حاملًا على التأويل كما تأول المعتزلة ءاية الرؤية لمعارضتها لأصل عندهم وهو استحالة تعلق البصر بواجب الوجود ومثال التأويلات البعيدة بلا داع تأول الشيعة قوله أن علينا للهدى بأنه إن عليًا للهدى. ونقل السبكي في جمع الجوامع عن مالك قبول رواية المبتدعين إذ كانت بدعتهم لا تجيز الكذب، ولم يكن الراوي داعية لمذهبه وكذلك يوجد في شرح التلمساني على المعالم ولم أره لغيرهما فإن صح عنه فإنما يريد به الذين لم تبلغ بهم بدعتهم إلى مفسق كتعمد تأويل القرآن ونحوه فيكون مخصصًا لقوله في المدونة لا يصلى على أحد من أهل الأهواء
стр. 412
ولابد من هذا التخصص فإن كثيرًا منهم كانت خلافاتهم ضعيفة كالمعتزلة في الرؤية وقدرة العبد وصفات المعاني. وحاصل ما يتحرر من مذهب مالك في هاته المسألة ما صرح به شِراح المدونة وزدناه بيانًا وهو أن أهل الأهواء ثلاثة أقسام منهم من أداه قوله إلى كفر صريح كالغرابية والباطنية فلا شبهة في رد روايته وبطلان إمامته. ومنهم من أداه قوله إلى أمر خفيف (أو لخفة أمره ولو كان في مسائل كثيرة كالظاهرية ومن نفي صفات المعاني أو كان في مسائل معدودة لا تجر إلى غيرها كالمعتزلة في نفي الرؤية والشيعة غير الغلاة في القول بالإمام المعصوم، وهؤلاء تصح الصلاة خلفهم وتقبل روايتهم، والظاهر أن هذا مراد المص بمن كان فسقه مظنونًا. ومنهم من أداه اعتقاده إلى فسق عملي كمن جوز نكاح المتعة من الشيعة. وكالمرجئة المتجرءين على المعاصي لاعتقادهم أنه لا يضر مع الإيمان شيء. وكالخطابية بفتح الخاء وتشديد الطاء المجوزين للكذب فهؤلاء حكمهم حكم الفسقة لا تقبل روايتهم ويختلف في الصلاة خلفهم على الخلاف في صحة الصلاة خلف الفاسق فسقًا في غير الصلاة إن كان فسقهم لا يفضي في بعض الأحوال إلى فسق في الصلاة فإن المرجئ لا يصعب عليه أن يصلي بغير وضوء هذه خلاصة تحقيق المسألة وهو يبين كلام المص وإطلاق أهل الأهواء على جميع هؤلاء مراعه فيه غالب أحوال الغالب (قوله وهذا هو أحد التفاسير للصحابي الخ) ذكر منها ثلاثة ورابعها أنه كل من وجد في حياة النبي ﷺ ويخص هذا باسم الصحابي بالمولد وهو كالثالث اطلاق قليل جدًا وأصح الإطلاقات ما ذكره المص أولًا وهو اصطلاح علماء الأصول وصوبه الغزالي واشهر الإطلاقات الثاني، وهو الذي ذكره البخاري ﵀ في صحيحه إذ قال
стр. 413
وكل من لقي النبي ﷺ وءامن به فهو من أصحابه (قوله في قصة أبي بكرة الخ) القصة شهيرة وهي شهادته مع ثلاثة من رفقهائه على المغيرة بن شعبة أمير الكوفة بالزنا ولم يكمل الرابع الشهادة عند رفعها لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب فحد الثلاثة الذين أتموها وتمثيل المصنف بذلك سهو واضح لأن الجميع يستثنون من المجرحات الحد في شهادة الزنا لعدم تعين الكذب بل لنقصان النصاب فالحد فيها أخذ بحق المقذوف إذ أشيع ذلك عليه لا عقوبة على الكذب وتسميته حد الفرية أغلبية أو إضافة للمظنة (قوله وقال بعض العلماء الخ) هو الأستاذ أبو إسحاق الاسفراءيني لاكن قصده التأدب واختار صاحب جمع الجوامع أن الكبيرة كل جريمة توذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة (قوله استثنى صاحب الشرع من ذلك أشياء حقيرة الخ) ليس المراد بعظم المفسدة قوة أثر الفعل في الإفساد
стр. 414
بل المراد أن جنس تلك المعصية تنشأ عنه مفاسد وإن ندر تخلفها فشهادة الزور مفسدة كبيرة لأنها تقصد في الأمور المهمة مما له بال غالبًا (قوله ثم الفاسق إن كان فسقه مظنونًا الخ) أي سواء كان فسق جارحة أو كان فسق اعتقاد وهو ما كان فيه مخالفة صريحة لأصول الإسلام أو اشتمل على تأويل الشريعة بما لا دليل عليه ولا داعي صحيحًا إليه ومعنى كونه مظنونًا أن يكون الأول مدلولًا عليه بدليل ظني غير مقارب للقطع للاحتراز عمن يتعلق بشذوذ المذاهب كشرب النبيذ عند مالك وأن يكون الثاني مخالفًا لما دل عليه الدليل الظني من غير معارض عند المعتقد كنفي نصب الخليفة عند بعض الخوارج وتفضيل علي على الثلاثة ﵃ عند الشيعة فإنه لا داعي لذلك إلا التوصل إلى مرام سياسية. أما ما خالف قطعيًا فهو المقطوع به كالزنى وكالقول بعدم العقوبة للعاصي عند المرجئة، وكل هذا ما لم يبغ إلى كفر أي مخالفة معلوم بالضرورة فإن مخالفة القطعي أعم. أما مسألة الكفر في الاعتقادات فقد تقدمت للمصنف وقد جعل هنا مظنون الفسق محل اتفاق على قبول روايته وهو يعارض ما تقدم عن مالك من رد رواية أهل الأهواء مطلقًا لأنهم إما كفرة أو فسقة فلابد أن يكون مراده بالاتفاق الفسق المظنون بالجارحة دون الاعتقاد أو هو يرى أهل الأهواء مخالفين للقواطع دائمًا كما يقتضيه كلامه في الشرح وفيه ما فيه (قوله واختلف العلماء في شارب النبيذ فقال الشافعي أحده وأقبل شهادته الخ) هذان إشكالان وردا على حكاية الاتفاق على قبول رواية الفاسق بمظنون أولهما كيف حده مع قبول روايته ولم لم يعذره في درء الحد، الثاني كيف لم يقبل مالك روايته مع حكاية الاتفاق على قبولها وحاصل الجواب عن الإشكال الأول هو مضمون القاعدة الأولى أن الحد اقتضاه دليل التسوية بين النبيذ والخمر وهو أمر عملي وقضاء شرعي يجب على المجتهد أن يعمل فيه بما أداه إليه
стр. 415
اجتهاده بخلاف التجريح فإنه سلب الثقة عنه وعدم الركون إلى أمانته وذلك أمر علمي فلا يعتبر إلا بما يدل على الاستخفاف والتهاون بالشرع ولما كان هذا الشارب مقلدًا لم يكن متاونًا بالشرع فالحد مناسب للتحريم إذ ينبني عليه الانزجار في نظر الحاكم بقطع النظر عن حالة مرتكبه ولو مع عذر الشارب، أما سلب العدالة فلا مقتضى له مع العذر لأنه يتبع الجراءة على المخالفة وفي قواعد عز الدين ابن عبد السلام في فصل الزواجر ما نصه: «فإن قيل كيف زجر الحنفي عن شرب النبيذ بالحد مع إباحته قلنا: ليس هو مباحًا وهو مخطي بشربه وقد عفا الشرع عن مفاسد المخطئين الجاهلين دون العامدين ومن صوب المجتهدين فإنما اشترط أن لا يكون مذهب الخصم مستندًا إلى دليل ينقض الحكم المستند إليه به» وهذا هو الذي ساقه المصنف في القاعدة الثانية في تقريره لمذهب الشافعي غير أن عز الدين اقتصر بها على توجيه الحد والمصنف أنصف إذ جعلها مطردة حتى في عدم قبول الرواية لضعف مدرك المقلد المنزل منزلة العدم وهو منزع دقيق. أما مذهب مالك فتقريره في القاعدة الثانية أن دليل المخالف ضعيف لمخالفته القياس الجلي فلم يعتد به ولذلك تترتب على إلغائه سائر الآثار العملية الشرعية من الحد ومن التفسيق وسلب العدالة فكان مرتكبه لم يقلد أحدًا. ولهذا قال المصنف كأنه قطع بفسقه فينشأ عن هذا أن مالكًا ﵀ يفصل بين ما قوي دليل المخالف فيه فيقبل رواية مرتكبه ويعذره وإن كان يجرى عليها الأحكام الاجتهادية دون ما ضعف فيه دليل المخالف ضعفًا بينا فلا يعذر به ونظيره قوله في النكاح الفاسد المختلف فيه يقرر بعد البناء بصداق المثل، وقال في نكاح المتعة بالفسح أبدًا وبالحد، وقد أشار المصنف هنا، وفي الفرع الأول من الفرق التاسع والثلاثين إلى أن كل ما ينقض فيه حكم القاضي لا يعتبر فيه خلاف المجتهد عذرًا، وقد قالوا في الفقه أن القضاء بالشفعة للجار لا يرفع الخلاف (قوله حجة الشافعي أنهم من
стр. 416
أهل القبلة فتقبل روايتهم الخ) أي أن توفر فيهم شرط قبول الرواية ولم يكن في بدعتهم ما يضعف الظن بثقتهم كبدعة المرجئة كما تقدم (قوله وقال أبو حنيفة يقبل قول المجهول الخ) أي مجهول الباطن حسن الظاهر وهو
стр. 417
المعبر عنه بمستور الحال، أما المجهول ظاهرًا وباطنًا فمردود إجماعًا. وحجة أبي حنيفة ﵀ أن الأصل عدم المفسق وجوابه أنه معارض بغالب
стр. 418
حال الناس المشاهد منهم. قال الله تعالى: ﴿ولَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ والأصول الطارية تقدم على الأصل والأصيل». (الفصل الثامن)
стр. 419
(قوله لأن ما هو على خلاف الضرورة كيف يمكن أحدًا أن يقول هو معتبر الخ) ليس مراد القاضي عبد الجبار من الضرورة معناها المنطقي بل أراد إن كان تأويله لم يدع إليه داع شديد فالاعتماد على الحديث أما إن دعا إليه داع اضطر الراوي لجريان مذهبه على خلاف الحديث فيجب أن نعتبر تأويل الراوي وسبب مخالفته ونعتمد على ذلك، ولعل القاضي عبد الجبار يشير إلى نحو تأويل مالك ﵀ إذ خصص عموم قوله ﷺ : «لا يبع أحدكم على بيع أخيه ولا يخطب على خطبته» بأن ذلك إذا تراكنا وتقاربًا لا في أول التساوم لأنه باب فساد يدخل على الناس فهذا تخصيص دعت إليه الضرورة.
стр. 420
الفصل التاسع في كيفية الرواية
أي في أساليبها وألفاظها وما تؤذن به وألفاظ الرواية متفاوتة بحسب احتمال الاتصال بالمروى عنه فكلما قوي الاحتمال كان اللفظ أضعف (قوله وثانيها أن يقول قال ﵇ الخ) أي فهذا أضعف لأنه يحتمل أنه لم يسمعه منه بل مرسل أخبره عنه الثقة عنده. وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ كنت أنا وجار لي (وهو عتبان بن مالك الأنصاري) في بني أمية بن زيد من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يومًا وأنزل يومًا فإذا نزلت جثته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره وإذا نزل فعل مثل ذلك الخ أخرجه البخاري في باب التناول في العلم من كتاب العلم فهذا يقتضي أن بعض ما حدث به عمر إنما بلغه من جاره الذي كان يثق بروايته، وبهذا نعلم إن عد هذا مرتبة ثانية إنما هو من حيث الصراحة اللفظية وأما من حيث ما عرف من أحوال الرواة في الاحتياط في أمر الرواية فهما سواء ولذلك سوى مالك ﵀ بين الصيغتين (قوله أريد إذا لم يذكر النبي ﷺ في الأمر الخ) أي
стр. 421
إن ذكر الخلاف في المتن بعبارة تقتضي وقوع الخلاف في الصيغ الثلاث سهو إذ ليس الخلاف في جميعها إنما الخلاف فيما إذا حذف الراوي فاعل أمر سواء مع البناء للفاعل كما إذا قال أمر أم كان بالبناء للغائب كما إذا قال أمرنا بكذا وهي الصيغة لأن حذف الفاعل مع البناء للفاعل أو مع البناء
стр. 422
للنائب سواء (قوله وثامنها الإجازة الخ) اعلم أن الإجازة مراتب الأولى لإجازة التي قارنتها المناولة بأن يعطي الشيخ كتابه أو نسخة منه مقابلة ويقول له أجزتك أن تروي هذا عني وهذه مقبولة عند الجميع وقد نقل حلولو في شرح جمع الجوامع أنها قائمة مقام السماع عند مالك وأصحابه المصريين وجعلها الشافعي وأبو حنيفة دون السماع واختاره
стр. 423
إمام الحرمين في البرهان وفائدتها فيما يظهر أنها تدل على أن ما كتبه الشيخ في ذلك الكتاب قد انفصل فيه وعرضه للرواية لأن المرء قد يكتب الحديث يريد تقييد ما سمعه ليتأمل فيه فإذا أجاز الرواية فذلك دليل ثقته به الثانية أن يقول له أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك أنه من سماعي بشرطه فهذه لا فائدة فيها إلا الشهادة من الشيخ للتلميذ بأنه قد تأهل للرواية ليعلم أنه صار جديرًا بالحديث فهي إذن محض لا غير وهذه لم يقل بها الشافعي كما حكاه ابن الصلاح واختاره إمام الحرمين في البرهان وجعلها حوالة على عماية وجهالة لا يصح بها شيء عند التلميذ. وقال ابن الصلاح لم اسمع عن أحد ممن يقتدى به أنه استعمال هذه الإجازة فروى بها وعن مالك فيها ثلاث روايات المنع وهو الذي اختاره الأبياري فيما نقله حلولو في شرح جمع الجوامع. والكراهة نقلها المازري في شرح البرهان عن ابن خوير منداد والقاضي عبد الوهاب عن مالك واختار ذلك عبد الوهاب قال لأنها لا تفيد شيئا لأنه ليس له ما يجيز له الرواية قبل أن يقول له أجزتك وقوله أجزتك لم يزده شيئًا. والإباحة حكاها ابن خويز منداد في نقل المازري والأبياري في نقل حلولو والظاهر أن هذا القول محمود على الإجازة التي قارنتها المناولة جمعًا بين متعارض أقواله. المرتبة الثالثة أن يقول له أجزتك أن تروي الحديث بدون حوالة على شيء، وهذه تنقسم أقسامًا ذكروها: وهي أن يكون أجاز لخاص في خاص أو خاص في عام أو عام في خاص أو عام في عام وهي مراتب آخرها كاد أن ينعقد الإجماع على منعه وكلها ضعيفة جدًا أو لغو إلا إذا أريد منها الشهادة له بالأهلية لمعرفة علل الحديث وطرق قبوله، وغالب الناس اليوم لا
стр. 424
يريدون منها ذلك وإنما يرونها اتصالًا مباركًا (قوله فمنعها مالك الخ) هكذا في غالب النسخ وفي بعضها فقبلها مالك والظاهر أن الرواية الأولى هي الصحيحة لأن المنقول عن مالك منعها إما بتحريم أو كراهة وإما الإباحة فلم يقبلها الإبياري ولا القاضي عبد الوهاب ولا إمام الحرمين وإنما نقل عن الباجي الإجماع على قبول الإجازة، وقد رد عليه ابن الصلاح حكاية الإجماع وينبغي تأويل كلامه بأن المراد الإجازة مع المناولة والعرض.
الفصل العاشر في مسائل شتى
(قوله ولم نكلف نحن بحسن ظن المرسل الخ) أي في الراوي الساقط وجوابه هو حاصل حجة الجواز بأن هذا مسلم ولكن لما حسن ظننا في المرسل فنحن مكلفون بحسن ظننا في المرسل لا مكلفون بحسن ظن المرسل فيمن أسقطه فإنه عدل ضابط وكما نقبل تعديله لو عدل لنا أحدًا فكذلك إذا التزم به فالحق أن عدم قبول المرسل عند بعض المحدثين مجرد اصطلاح ليس من التحقيق في شيء (قوله فحصول الظن لنا إذا كشفنا حالة أقوى من حصوله إذا قلدناه فيه الخ) صواب العبارة
стр. 425
أن يقال فلا يحسن الظن لنا إلا إذا كشفنا حاله لأن الدليل مسوق لرد المرسل عند انفراده لا لترجيح المسند عليه عند التعارض أذلًا خلاف فيه بين الجمهور فلا موقع لكلمة أقوى (قوله الأمر أسيل سعيد الخ) أي ونحوه من كبار التابعين نحو عبد الله بن عدي بن الخيار كما في كتاب ابن الصلاح وكذلك من عرف بأنه لا يرسل إلا عن صحابي كمراسيل شيوخ ملك (قوله والصحابة كلهم عدول فلا فرق بين ذكره والسكوت عنه الخ) يوجد في بعض النسخ هنا ما نصه» جوابه أنهم عدول إلا عند قيام المعارض وقد يكون المسكوت عنه منهم قد عرض في حقه ما يوجب القدح فيتوقف في قبول الحديث حتى تعلم سلامته عن القادح» وهي يرجع إلى ما قدمه المصنف في عدالة الصحابة ﵁ (قوله ونقل الخبر بالمعنى الخ) ذكر فيه الخلاف مع وقوعه كثيرًا بدليل اختلاف الروايات في كتب الصحيح، وقد كتب شيخنا العلامة الوزير ﵀ وتلقيت عنه ذلك أيضًا مشافهة ما هو فصل المقال في هاته المسالة ونصه «للمحدث ثلاث حالات الأولى أن يجلس لرواية الحديث للطالبين وله فيها أداب ومقتضى ذلك أن يتحرى حتى في أسماء الرجاء وكيفية الرواية. الثانية أن يجلس مجلس المبين للشريعة والسنة ويدعوه الحال للاستشهاد بالحديث فيقتصر حينئذ على ما به الحاجة من المتن وبيان مخرج الحديث الثالثة حالة المحاضرة في العلم، وفي هذه يتوسع ما لا يتوسع في الحالتين