Полный текст (598 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الفصل الثاني
القرآن
(١) خلاصة القرآن
القرآن هو كتاب المسلمين المقدس، ودستورهم الديني والمدني والسياسي الناظم لسيرهم، وهذا الكتاب المقدس قليل الارتباط مع أنه أنزل وحياً من الله على محمد، وأسلوب هذا الكتاب، وإن كان جديراً بالذكر أحياناً، خال من الترتيب فاقد السياق كثيراً، ويسهل تفسير هذا عند النظر إلى كيفية تأليفه، فهو قد كتب تبعاً لمقتضيات الزمن بالحقيقة، فإذا ما اعترضت محمداً معضلة أتاه جبريل بوحي جديد حلا لها، ودون ذلك في القرآن.
ولم يجمع القرآن نهائياً إلا بعد وفاة محمد، وبيان الأمر أن محمداً كان يتلقى في حياته عدة نصوص عن الأمر الواحد، فلما انقضت عدة سنين على وفاته حمل خليفته الرابع على قبول نص نهائي للقرآن مقابلاً بين ما جمعه أصحاب الرسول.
والقرآن مؤلف من مائة وأربع عشرة سورة، وكل سورة مؤلفة من آيات، ومحمد هو الذي يتحدث فيها باسم الله على الدوام.
ويعد العرب القرآن أفصح كتاب عرفه الإنسان، ومع ما في هذا من مبالغة شرقية نعترف بأن في القرآن آيات موزونة رائعة لم يسبقه إليها كتاب ديني آخر.
وتقرب فكرة الكون الفلسفية في القرآن مما في الديانتين الساميتين العظيمتين اللتين ظهرتا قبل الإسلام، أي اليهودية والنصرانية، ويزعم أن العنعنات الآرية الفارسية أو الهندية ذات نصيب ظاهر في النصرانية والإسلام، ونحن نرى النفوذ الآري في الإسلام ضعيفاً جداً.
ولم يكن محمد فيلسوفاً كبيراً، أي من المفكرين المتبحرين الذين يقاسون بمؤسسي البرهمية والبدهية، فهو لم ينكر سبب الأسباب كما أنكره البدهيون، ولم يقل مثلهم بأن
стр. 107
الكون موجود بالضرورة ذو انحلال وتركيب دائمين، ولم يتصف بنصف ما عند مؤلفي كتب البراهمة المقدسة من الشك، ولم يدخل إلى القرآن مثل التأملات الآتية التي تجدها في كتب الويدا: «من أين أتي هذا الكون؟ أهو من صنع خالق أم لا؟ يعلم ذلك من ينظر من فوق الفلك، وقد لا يعلم.»
ولكن أقوالاً مجردة مثل هذه لا تنفع غير الفلاسفة، ومحمد لم يزعم أنه يكتب من أجل الفلاسفة، وكان من مقاصد محمد أن يقيم ديناً سهلاً يستمرئه قومه، وقد وفق لذلك حين أخذ من الأديان الأخرى ما يلائمهم، ولم يفكر محمد في إبداع دين جديد قط، وهو الذي أعلن أنه يسير على غرار من تقدمه من أنبياء بني إسرائيل من إبراهيم إلى عيسى قائلاً إن ما أوحي إليهم صحيح، والحق أن اليهودية والنصرانية والإسلام فروغ ثلاثة لأصل واحد، وأنها ذات قربي وشيجة.
والدين الذي دعا النبي إليه الناس سهل جداً، وقد عرفه محمد بالكلمات القليلة الآتية حين أتاه جبريل بزي العرب وسأله عنه، وهي: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً»، وهذا التعريف الذي قبله جبريل تام كما هو واضح.
ويلخص المسلم الإسلام في هاتين الكلمتين اللتين لا ينكر إيجازهما، وهما: «لا إله إلا الله محمد رسول الله.»
وإنني أنقل من القرآن بضع آيات في كل موضوع مهم، وأرتب ما نقلته من آياته على حسب الموضوعات نظراً إلى أن ما ورد من الآيات في الموضوع الواحد مبعثر فيه اتفاقاً.
وإنني أبدأ بما جاء في القرآن عن مصدره وعن قرباه الوشيجة بالكتب المقدسة التي أتت قبله:
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾
(من سورة الرعد)
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾
(من سورة البقرة)
стр. 108
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾
(من سورة الشعراء)
﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾
(من سورة عبس)
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾
(من سورة التكوير)
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)﴾
(من سورة الأحقاف)
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾
(من سورة الشورى)
وإله محمد واحد في السماء، واسمع تعريف النبي له:
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾
(من سورة البقرة (
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
(من سورة البقرة)
стр. 109
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾
(من سورة آل عمران)
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾
(من سورة البقرة)
وإله القرآن الواحد، وإن لم يكن شديداً شدة إله التوراة، جبار عزيز ذو انتقام يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل، جاء في القرآن:
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾
(من سورة الرعد)
﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾
(من سورة الفجر)
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾
(من سورة آل عمران)
стр. 110
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾
(من سورة هود)
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾
(من سورة الرعد)
وما جاء في القرآن من نص على خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وخلق آدم والجنة، وهبوط آدم منها، ويوم الحساب مقتبس من التوراة.
وإليك وصف محمد ليوم الحساب:
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾
(من سورة عبس)
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾
(من سورة الانفطار)
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾
(من سورة الشمس)
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)﴾
(من سورة إبراهيم)
стр. 111
﴿ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾
(من سورة الزمر)
وفي النار ضروب العذاب كما يرى محمد، ومن ذلك:
﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾
(من سورة محمد)
﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾
(من سورة الواقعة)
﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)﴾
(من سورة المدثر)
وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ومن ذلك:
стр. 112
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾
(من سورة محمد)
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾
(من سورة الطور)
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾
(من سورة القمر)
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١)﴾
(من سورة الرحمن)
﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾
(من سورة الواقعة)
стр. 113
شكل ٢ - ١: من زخارف مصحف قديم في القاهرة (من إيبر).
وكان محمد كثير المسامحة لليهود والنصارى خلافاً لما يظن، لا للملحدين ولا للمشركين الذين يوصي بمقاتلتهم، وإليك قوله عنهم:
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾
(من سورة الأنفال)
إ ﴿ِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾
(من سورة يونس)
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾
(من سورة البقرة)
﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى
стр. 114
وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾
(من سورة المائدة)
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾
(من سورة المزمل)
﴾ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾
(من سورة الحج)
شكل ٢ - ٢: اسم محمد كما جاء في كتابة قديمة بجامع ابن طولون أظهرها مسيو مارسل.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾
(من سورة البقرة)
стр. 115
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾
(من سورة آل عمران)
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾
(من سورة العنكبوت)
ولم أجد في القرآن ما يعاب به الشرقيون، وما يمكن أن يعاب به كذلك، كثير من العلماء المعاصرين من الجبرية المزعومة فيجوز أن يعد به محمد أكثر جبرية مما في التوراة، وإليك، مع ذلك، ما استطعت أن أجده جوهرياً في القرآن حول هذه المسألة:
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾
(من سورة التكوير)
﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾
(من سورة آل عمران)
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾
(من سورة الأنعام)
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾
(من سورة الأعراف)
стр. 116
﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾
(من سورة المؤمنون)
﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾
(من سورة سبأ)
﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾
(من سورة فاطر)
﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾
(من سورة نوح)
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾
(من سورة التغابن)
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾
(من سورة النساء)
(٢) فلسفة القرآن - انتشاره في العالم
إذا رجعنا القرآن إلى عقائده الرئيسية أمكننا عد الإسلام صورةً مبسطةً عن النصرانية، ومع ذلك فإن الإسلام يختلف عن النصرانية في كثير من الأصول، ولا سيما في التوحيد المطلق الذي هو أصل أساسي، وذلك أن الإله الواحد، الذي دعا إليه الإسلام، مهيمن على كل شيء، ولا تحف به الملائكة والقديسون وغيرهم ممن يفرض تقديسهم، وللإسلام وحده أن يباهي بأنه أول دين أدخل التوحيد إلى العالم.
стр. 117
وتشتق سهولة الإسلام العظيمة من التوحيد المحض، وفي هذه السهولة سر قوة الإسلام، والإسلام، وإدراكه سهل، خال مما نراه في الأديان الأخرى ويأباه الذوق السليم، غالباً، من المتناقضات والغوامض، ولا شيء أكثر وضوحاً وأقل غموضاً من أصول الإسلام القائلة بوجود إله واحد، وبمساواة جميع الناس أمام الله، وببضعة فروض يدخل الجنة من يقوم بها، ويدخل النار من يعرض عنها، وإنك إذا ما اجتمعت بأي مسلم من أية طبقة، رأيته يعرف ما يجب عليه أن يعتقد ويسرد لك أصول الإسلام في بضع كلمات بسهولة، وهو بذلك على عكس النصراني الذي لا يستطيع حديثاً عن التثليث والاستحالة وما ماثلهما من الغوامض من غير أن يكون من علماء اللاهوت الواقفين على دقائق الجدل.
وساعد وضوح الإسلام البالغ، وما أمر به من العدل والإحسان كل المساعدة على انتشاره في العالم، ونفسر بهذه المزايا سبب اعتناق كثير من الشعوب النصرانية للإسلام، كالمصريين الذين كانوا نصارى أيام حكم قياصرة القسطنطينية فأصبحوا مسلمين حين عرفوا أصول الإسلام، كما نفسر السبب في عدم تنصر أية أمة بعد أن رضيت بالإسلام ديناً، سواء كانت هذه الأمة غالبة أم مغلوبة.
ويجب على من يرغب في الحكم بفائدة كتاب ديني ألا ينظر إلى قواعده الفلسفية الضعيفة على العموم، بل إلى مدى تأثير عقائده، والإسلام إذا ما نظر إليه من هذه الناحية وجد من أشد الأديان تأثيراً في الناس، وهو، مع مماثلته لأكثر الأديان في الأمر بالعدل والإحسان والصلاة ... إلخ، يعلم هذه الأمور بسهولة يستمرئها الجميع، وهو يعرف، فضلاً عن ذلك، أن يصب في النفوس إيماناً ثابتاً لا تزعزعه الشبهات.
ولا ريب في أن نفوذ الإسلام السياسي والمدني كان عظيماً إلى الغاية، فقد كانت بلاد العرب قبل محمد مؤلفة من إمارات مستقلة وقبائل متقاتلة دائماً، فلما ظهر محمد ومضى على ظهوره قرن واحد كانت دولة العرب ممتدة من الهند إلى إسبانية، وكانت الحضارة تسطع بنورها الوهاج في جميع المدن التي خفقت راية النبي فوقها.
والإسلام من أكثر الديانات ملاءمة لاكتشافات العلم، ومن أعظمها تهذيباً للنفوس وحملاً على العدل والإحسان والتسامح، والبدهية، وإن فاقت جميع الأديان السامية فلسفةً، تراها مضطرة أن تتحول تحولاً تاماً لتستمرئها الجموع، وهي لا شك، دون الإسلام في شكلها المعدل هذا.
وجرت حضارة العرب، التي أوجدها أتباع محمد، على سنة جميع الحضارات التي ظهرت في الدنيا: نشوء فاعتلاء فهبوط فموت، ومع ما أصاب حضارة العرب من الدثور،
стр. 118
كالحضارات التي ظهرت قبلها، لم يمس الزمن دين النبي الذي له من النفوذ ما له في الماضي، والذي لا يزال ذا سلطان كبير على النفوس، مع أن الأديان الأخرى التي هي أقدم منه تخسر كل يوم شيئاً من قوتها.
ويدين بالإسلام في الوقت الحاضر أكثر من مائة مليون شخص، واعتنقته جزيرة العرب ومصر وسورية وفلسطين وآسية الصغرى وجزء كبير من الهند وروسية والصين، ثم جميع إفريقية إلى ما تحت خط الاستواء تقريباً.
وتجمع بين مختلف الشعوب التي اتخذت القرآن دستوراً لها وحدة اللغة والصلات التي يسفر عنها مجيء الحجيج إلى مكة من جميع بلاد العالم الإسلامي.
وتجب على جميع أتباع محمد تلاوة القرآن باللغة العربية بقدر الإمكان، واللغة العربية هي، لذلك، أكثر لغات العالم انتشاراً على ما يحتمل، وعلى ما بين الشعوب الإسلامية من الفروق العنصرية ترى بينها من التضامن الكبير ما يمكن جمعها به تحت علم واحد في أحد الأيام.
وقضى أعداء الإسلام من المؤرخين العجب من سرعة انتشار القرآن العظيمة فعزوها إلى ما زعموه من تحلل محمد وبطشه، ويسهل علينا أن نثبت أن هذه المزاعم لا تقوم على أساس، فنقول: إن من يقرأ القرآن يجد فيه ما في الأديان الأخرى من الصرامة، وإن ما أباحه القرآن من تعدد الزوجات لم يكن غريباً على الشعوب المسلمة التي عرفته قبل ظهور محمد، وإن هذه الشعوب لم تجد نفعاً جديداً في القرآن لهذا السبب.
وما قيل من دليل حول تحلل محمد نقضه العلامة الفيلسوف بيل منذ زمن طويل، وقال بيل، بعد أن أثبت أن ما أمر النبي بالتزامه من قيود الصيام وتحريم الخمر ومبادئ الأخلاق هو أشد مما أمر به النصارى:
إن من الضلال، إذن، أن يعزى انتشار الإسلام السريع في أنحاء الدنيا إلى أنه يلقي عن كاهل الإنسان ما شق من التكاليف والأعمال الصالحة، وأنه يبيح له البقاء على سيئ الأخلاق، وقد دون هوتنجر قائمة طويلة بالأخلاق الكريمة والآداب الحميدة عند المسلمين، فأرى، مع القصد في مدح الإسلام، أن هذه القائمة تحتوي أقصى ما يمكن أن يؤمر به إنسان من التحلي بمكارم الأخلاق، والابتعاد عن العيوب والآثام.
стр. 119
شكل ٢ - ٣: صوان مصحف قديم في مكتبة الإسكوريال (المتحف الإسباني).
ومما نبه إليه العلامة بيل أن ملاذ الجنة التي وعد بها المسلمون لا تزيد على ما وعد به النصارى في الإنجيل، جاء في الإنجيل: «لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب إنسان ما أعده الله للذين يحبونه».
وسيرى القارئ، حين نبحث في فتوح العرب وأسباب انتصاراتهم، أن القوة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن، فقد ترك العربي المغلوبين أحراراً في أديانهم، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانية الإسلام، واتخذوا العربية لغة لهم؛ فذلك لما رأوا من عدل العرب الغالبين ما لم يروا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبل.
وقد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة، فلما قهر النصارى عرب الأندلس فضل هؤلاء القتل والطرد عن آخرهم على ترك الإسلام.
ولم ينتشر القرآن بالسيف إذن، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخراً كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند، التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل، ما زاد معه عدد المسلمين على خمسين مليون
стр. 120
شكل ٢ - ٤: آخر صفحة من مصحف قديم في مكتبة الإسكوريال (المتحف الإسباني).
نفس فيها، ويزيد عدد مسلمي الهند يوماً فيوماً مع أن الإنكليز، الذين هم سادة الهند في الوقت الحاضر، يجهزون البعثات التبشيرية ويرسلونها تباعاً إلى الهند لتنصير مسلميها على غير جدوى.
ولم يكن القرآن أقل انتشاراً في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط، وسترى في فصل آخر سرعة الدعوة الإسلامية فيها، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليوناً في الوقت الحاضر.
وليس فيما يوصم به الإسلام من الجبرية ما يزيد خطراً على ما رددنا عليه، وليس في آي القرآن التي ذكرناها آنفاً من الجبرية ما ليس في كتب الأديان الأخرى كالتوراة مثلاً، وهنالك فلاسفة وعلماء لاهوت يعترفون بأن مجرى الحوادث تابع لسنة لا تتبدل، قال المصلح الديني القدير لوثر: «يحتج على اختيار الإنسان وإرادته بنصوص الكتاب المقدس التي لا تحصى، وإن شئت فقل بكل ما ورد في الكتاب المقدس».
وكتب جميع الأمم الدينية مفعمة بالجبرية التي يسميها القدماء بالقدر، ووضع القدماء القدر، الذي لا راد لحكمه، على رأس كل أمر عادين إياه سلطةً مطلقةً لا مناص
стр. 121
للناس والآلهة من إطاعتها، وحاول إديب، غير جدوى، أن يضرع إلى هاتف الغيب الذي أخبره بأنه سيقتل أباه ويتزوج أمه فلم يستطع رداً لحكم القدر الجبار.
ولم يكن محمد، إذن جبرياً أكثر من مؤسسي الأديان الذين ظهروا قبله، ولم يسبق محمد في جبريته علماء الوقت الحاضر الذين أيدوا مع العلامة لابلاس رأي الفيلسوف ليبنتز في القول: «إنه إذا وجد ذكاء يعرف، لوقت، جميع قوى العالم ومواضع ما فيه من الموجودات، ويستطيع أن يحللها، ويحيط بمحركات أعظم أجرام العالم وأصغر ذراته، فإنه لا يبقى عنده شيء غير معين، ويصبح الماضي والمستقبل حالاً في نظره».
والجبرية الشرقية التي قامت عليها فلسفة العرب، ويستند إليها كثير من مفكري العصر الحاضر هي نوع من التسليم الهادئ الذي يعلم به الإنسان كيف يخضع لحكم القدر من غير تبرم وملاومة، وتسليم مثل هذا هو وليد مزاج أكثر من أن يكون وليد عقيدة، وقد كان العرب جبريين بمزاجهم قبل ظهور محمد، فلم يكن لجبريتهم تأثير في ارتقائهم كما أنها لم تؤد إلى انحطاطهم.
стр. 122
الفصل الثالث
فتوح العرب
(١) حال العالم في زمن محمد
كان يتنازع سيادة العالم حين وفاة محمد دولتان عظيمتان، إحداهما: دولة الروم التي كانت عاصمتها القسطنطينية، وكانت صاحبة السلطان على جنوب أوربة والشرق الأدنى وشمال إفريقية الممتد من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلنطي، والأخرى: دولة الفرس التي كان سلطانها ممتداً إلى مكان بعيد من آسية، وكان شمال أوربة وغربها فريسة للبرابرة الذين كانت أمورهم فوضى، وكانوا يتقاتلون على أسلاب الرومان وغنائمهم.
وكانت دولة الروم التي نهكتها محارباتها لدولة الفرس، والتي كانت تعاني عوامل الانحلال الكثيرة، في دور الانحطاط، ولم تكن غير هيكل نخر يكفي أقل صدمة لتداعيه.
وكذلك كانت علائم الانقراض بادية على دولة الفرس التي أوهنتها تلك الحروب أيضاً.
وأثقل الحكم الروماني كاهل مصر وإفريقية، وكانت القسطنطينية تستغل شعوبها من غير أن تحسن سياستهما، وكانت الاختلافات الدينية ومظالم الحكام تقوض دعائمهما.
ولم تكن أوربة أحسن حال، فكان الحكم في إسبانية، التي ستصبح مقراً لدولة زاهرة تحت الحكم العربي، بيد القوط المسيحيين الذين لم يستطيعوا أن يتمدنوا، والذين أكلتهم الانقسامات الدينية فاستغاثوا بقيصر الروم، فلم يعتم حلفاؤهم أن صاروا أعداء تجب محاربتهم، وفقدت رومة الإيطالية نفوذها القديم، وأصبح اسم الروماني محتقراً في كل مكان، وصار البرابرة يتناوبون السيطرة عليها.
стр. 123
ولم تكن الفوضى ظاهرة في مكان ظهورها في سورية التي هي أول قطر استولى عليه العرب، وكان هم المدن السورية، التي لم تنلها أيدي التخريب في الحروب الرومية الفارسية الدائمة، والتي لم تزل على شيء من النضارة، مقتصراً على المعاملات التجارية والمجادلات الدينية، ولم تبالي بما كان يقع خارج أبوابها، وكانت تهجير أريافها، ولم يكترث أهلوها لشيء من المبادئ القومية، وكانوا مستعدين لتلبية نداء أي فاتح يعد بإطعامهم، وكان الأرستوقراطيون من سلالة فاتحي سورية، الذين أفسدهم توالدهم والأمم الآسيوية، قد انحدروا إلى الحضيض فخسروا قيمتهم ونفوذهم.
شكل ٣ - ١: ثلاث قطع من نقود الخلفاء الأولين (أخذت صور هذه النقود والنقود التي تليها من مجموعة مسيو مارسيل).
ونحن، عندما بحثنا في كتابنا السابق عن مختلف العوامل التي تؤثر في تطور المجتمعات، قلنا: إن المثل الأعلى هو من أهمها، وذكرنا أن عبادة الوطن والمعتقد الديني وحب الاستقلال والمجد والأمة والمدنية ... وغيرها من المثل العليا هي من الخيالات من
стр. 124
الناحية الفلسفية، وأن مثل هذه الخيالات هي التي تقود الناس دائماً، وأن أمر النظم السياسية والاجتماعية التي وقت البشر حتى الآن قد استقام بفضلها، وأن عظمة الرومان قامت على عبادة رومة على الخصوص، وأن رومة كانت سيدة العالم حين كان الروماني يضحي بنفسه في سبيل زيادة سلطانها.
وكانت الأمم الإغريقية الرومانية والآسيوية، وقت ظهورِ محمدٍ، قد فَقَدَت مُثُلَها العليا منذ زمن طويل، فلم يبقَ لحبِّ الوطن، وعبادة الآلهة أثرٌ في نفوس أبنائها، وكانت الأثَرَة كلَّ ما في قلوب هؤلاء الأبناء، والأثرَةُ إذا كانت دليلَ قومٍ عجزوا عن مقاومة قوم آخرين مستعدين للتضحية بأنفسهم في سبيل معتقداتهم.
وقد استطاع محمد أن يبدع مثلاً عالياً قوياً للشعوب العربية التي لا عهد لها بالمثل العليا، وفي ذلك الإبداع تتجلى عظمة محمد على الخصوص، وذلك المثل الأعلى الجديد هو من الخيالات لا ريب، شأن الممثل العليا التي ظهرت قبله، ولكنك لا تجد من الحقائق ما هو قوي قوة هذه الخيالات، ولم يتردد أتباع النبي في التضحية بأنفسهم في سبيل هذا المثل الأعلى طامعين في الجنة التي لا يعدلها شيء من متاع هذه الحياة الدنيا.
ولم يلبث الإسلام أن من على جميع الشعوب التي خضعت لسلطانه مثل ما منت به عظمة رومة على الرومان، فمنح تلك الشعوب مصالح مشتركة، وآمالاً مشتركة موجها بذلك جهودها نحو غرض واحد مع أنها كانت ذات مصالح مختلفة قبل ذلك.
شكل ٣ - ٢: قطعة من نقود الخليفة الأموي هشام، بدمشق (? ? ? هـ/? ? ٥ م).
وإن وحدة المصالح والمعتقدات، وإن كانت تؤدي إلى تجانس الأمة، لا تعطيها من الوسائل ما تقر به على الفتح العالمي، ولو كانت أركان العالم متداعية كالدولة الإغريقية الرومانية والدولة الفارسية في زمن ظهور محمد، فقد كانت تانك الدولتان مرهوبتين
стр. 125
شكل ٣ - ٣: قطعة من نقود الخليفة المهدي (? ٦? هـ/? ? ? م).
شكل ٣ - ٤: قطعة من نقود الخليفة المأمون (? ? ? هـ/? ? ? م).
مع ما كان يبدو من وهنهما، فكان لا بد للأمة التي تريد محاربتهما من أن تكون ذات صفات حربية عظيمة، فضلاً عن معتقداتها التي توجه جهودها إلى غرض واحد، ولم يحتج العرب إلى ما يتطلبه مثل هذا العمل الجليل من الشجاعة وحب القتال ما ورثهما العرب أباً عن جد، مضافاً ذلك إلى ما نشأ عن إيمان العرب الجديد من حرصهم على الشهادة حباً للجنة التي وعدوا بها.
ولكن العرب كانوا يجهلون فن الحرب جهلاً تاماً، ولا تقوم الشجاعة مقام هذا الفن، وكان اقتتال العرب فيما بينهم من نوع اقتتال البرابرة الذين ينقضون على أعدائهم بلا نظام، ولا يحارب كل واحد إلا من أجل نفسه، وكان غير هذا أمر الفرس والروم الذين كانت معرفتهم لفن الحرب عظيمة جداً كما ظهر من اشتباكهم الأول بالعرب، ولم يلبث العرب أن علموا من الهزائم التي أصابتهم في سورية ما كان يعوزهم، وأن اقتبسوا من قاهريهم كثيرا من شؤون الحرب، وأخذوا عمن التحق بهم من الرجال الذين اجتذبهم
стр. 126
الإيمان الجديد ما كانوا يجهلون من فنون تعبئة الجيش والنظام وأعتدة الحرب، وقد تم استعدادهم في بضع سنين، وقد بهت الروم حين حاصر العرب دمشق، ورأوهم مجهزين بمثل ما كان عندهم من الآلات الحربية الكاملة الجيدة.
(٢) طبيعة فتوح العرب
لم تقل براعة الخلفاء الأولين السياسية عن براعتهم الحربية التي اكتسبوها على عجل، وذلك أنهم اتصلوا منذ الوقائع الأولى بسكان البلاد المجاورة الأصليين الذين كان يبغي عليهم قاهروهم منذ قرون كثيرة، والذين كانوا مستعدين لأن يستقبلوا بترحاب وحبور أي فاتح يخفف وطأة الحياة عنهم، وكانت الطريق التي يجب على الخلفاء أن يسلكوها واضحة، فعرفوا كيف يحجمون عن حمل أحد بالقوة على ترك دينه، وعرفوا كيف يبتعدون عن إعمال السيف فيمن لم يسلم، وأعلنوا في كل مكان أنهم يحترمون عقائد الشعوب وعرفها وعاداتها، مكتفين بأخذهم، في مقابل حمايتها، جزية زهيدة تقل عما كانت تدفعه إلى سادتها السابقين من الضرائب.
وكان العرب، قبل أن يسعوا إلى فتح بلد، يرسلون رسلاً حاملين إليه شروطاً للوفاق، وتكاد هذه الشروط تكون مماثلة للشروط التي عرضها عمرو بن العاص على أهالي غزة حين حصاره لها في السنة السابعة عشرة من الهجرة، وللشروط التي عرضت على المصريين وأهل فارس، وتلك الشروط التي عرضها عمرو بن العاص هي -كما رواه المؤرخ العربي- المكين، ما يأتي: «أمرنا صاحبنا أن نقاتلكم إلى أن تكونوا في ديننا فتكونوا إخوتنا، ويلزمكم ما يلزمنا فلا نتعرض إليكم، فإن أبيتم أعطيتم الجزية في كل عام أبداً ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم إن تعرض إليكم في وجهٍ من الوجوه، ويكون لكم عهد علينا، فإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا السيف فنقاتلكم حتى تفيئوا إلى أمر الله.»
ويثبت لنا سلوك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في مدينة القدس مقدار الرفق العظيم الذي كان يعامل به العرب الفاتحون الأمم المغلوبة، والذي ناقضه ما اقترفه الصليبيون في القدس بعد بضعة قرون مناقضة تامة، فلم يرد عمر أن يدخل مدينة القدس معه غير عدد قليل من أصحابه، وطلب من البطرك صفرونيوس أن يرافقه في زيارته لجميع الأماكن المقدسة، وأعطى الأهلين الأمان، وقطع لهم عهداً باحترام كنائسهم وأموالهم، وبتحريم العبادة على المسلمين في بيعهم.
стр. 127
شكل ٣ - ٥: قطعة من نقود ابن طولون (١٥٧ هـ/ ٨٧٠ م).
شكل ٣ - ٦: قطعة من نقود الخليفة الرضي (٣٢٧ هـ/ ٩٣٣ م).
ولم يكن سلوك عمرو بن العاص بمصر أقل رفقاً من ذلك فقد عرض على المصريين حرية دينية تامة، وعدلاً مطلقاً واحتراماً للأموال وجزيةً سنوية ثابتة لا تزيد على خمسة عشر فرنكاً عن كل رأس بدلاً من ضرائب قياصرة الروم الباهظة، فرضي المصريون طائعين شاكرين بهذه الشروط دافعين للجزية سلفاً، وقد بالغ العرب في الوقوف عند حد هذه الشروط، والتقيد بها، فأحبهم المصريون الذين ذاقوا الأمرين من ظلم عمال قياصرة القسطنطينية النصارى، وأقبلوا على اعتناق دين العرب ولغتهم أيما إقبال.
ونتائج مثل هذه لا تنال بالقوة كما قلت غير مرة، ولم يظفر بمثلها من ملك مصر من الفاتحين قبل العرب.
وللفتوح العربية طابع خاص لا تجد مثله لدى الفاتحين الذين جاءوا بعد العرب، وبيان ذلك أن البرابرة الذين استولوا على العالم الروماني والترك وغيرهم، وإن استطاعوا أن يقيموا دولاً عظيمة، لم يؤسسوا حضارة، وكانت غاية جهودهم أن يستفيدوا بمشقة من حضارة الأمم التي قهروها، وعكس ذلك أمر العرب الذين أنشأوا بسرعة حضارة جديدة كثيرة الاختلاف عن الحضارات التي ظهرت قبلها، والذين تمكنوا من اجتذاب
стр. 128
شكل ٣ - ٧: قطعتان من نقود الخليفة الفاطمي المستنصر (٤٤٢ و ٤٦٥ هـ/ ١٠٥٠ و ١٠٧٢ م)
شكل ٣ - ٧ قطعة من نقود صلاح الدين ضربت بدمشق سنة ٥٨٣ هـ/ ١٠٧٢ م وعلى أحد وجهيها اسم الخليفة العباسي ببغداد.
أمم كثيرة إلى دينهم ولغتهم فضلاً عن حضارتهم الجديدة، واتصلت بالعرب أمم قديمة، كشعوب مصر والهنود، واعتنقت معتقدات العرب وعاداتهم وطبائعهم وفن عمارتهم، واستولت بعد ذلك الدور أمم كثيرة على الأقطار التي فتحها العرب فظل نفوذ العرب فيها ثابتاً، ويلوح لنا رسوخ هذا النفوذ إلى الأبد في جميع البقاع الآسيوية والإفريقية التي دخلوها، والتي تمتد من مراكش إلى الهند، والإسبان وحدهم هم الذين استطاعوا أن
стр. 129
يتخلصوا من الحضارة العربية، ولكنهم لم يصنعوا هذا إلا ليقعوا في الانحطاط العضال كما يأتي بيانه.
(٣) خلفاء محمد الأولون
لم يكن عمل محمد حين وفاته في سنة ٦٣٢ م في غير دور التكوين، وكانت ضروب الأخطار تنذر بزواله إلى الأبد، وكانت وحدة بلاد العرب السياسية التي تمت على يده نتيجة الوحدة الدينية التي أنشأها، وكان من الممكن أن تنقضي هذه الوحدة الدينية بانقضاء موجدها.
أجل، استطاع العرب أن يدينوا لرسول من الله، ولكن لم يدل شيء على وجوب نصب خليفة بعده، وهنالك قبائل كثيرة، ضحت بحريتها ونزعت ما فيها من حقد على أي سلطان إجابة لدعوة رسول الله، لم تر أن تخضع لحكم خلفاء لم يحدث عنهم حتى دعوا ممارسة مثل سلطانه.
شكل ٣ - ٩: قطعة أخرى من نقود صلاح الدين.
وكانت هنالك أخطار أخرى أعظم من تلك تهدد بخنق عمل محمد في مهده، فقد ظهر متهوسون كثيرون هزهم ما نال محمد من التوفيق، ورأوا أن يدعوا النبوة أيضاً فاستطاع أحدهم أي يجعل سكان نصف اليمن من أتباعه، ولولا قتل بعض المؤمنين إياه لخسر الإسلام أحسن ولاياته، واقتصر متهوس آخر على إضافة بعض السور إلى القرآن، وبلغ من النفوذ، لزمن معين، ما يقرب من نفوذ الخلفاء الأولين.
стр. 130
إذن، كانت أمام دين محمد عوائق كثيرة اقتحمت بفضل عبقرية أصحابه الذين اختاروا خلفاء لم يفكروا في غير تنفيذ شريعة القرآن واحترامها، ولم يطعهم العرب في الظاهر، بل أطاعوا شريعة ذات مصدر إلهي لم يجادلوا فيه.
شكل ٣ - ١٠: قطعتان من نقود الملك الكامل ضربتا في أوائل القرن الثالث عشر من الميلاد، وعلى أحد وجهيها اسم الخليفة العباسي ببغداد.
وكان الخلفاء الأولون، وهم أبو بكر (٦٣٢ م - ٥٣٤ م) وعمر (٦٣٤ م- ٦٤٤ م) وعثمان (٦٤٤ م- ٦٥٥ م) وعلي (٦٥٥ م - ٦٦٠ م)، من صحابة محمد، وقد اقتدى هؤلاء الخلفاء بمحمد في زهده وبسيط عاداته، فلم يترك أبو بكر حين وفاته غير ثوبه الذي كان يلبسه، وبعيره الذي كان يركبه، ومولاه الذي كان يخدمه، ولم يأخذ من بيت المال في حياته سوى خمسة دراهم مياومة ليعيش بها، وكان عمر يلبس ثوباً مرقعاً، وينام على درج المسجد بين المساكين مع اقتسامه هو وجنوده مغانم كثيرة.
ولم ينتقل العرب من النظام الديمقراطي إلى النظام الملكي إلا بالتدريج، وكانت المساواة تامة في عهد الخلفاء الأولين، وكانت الشريعة للجميع على السواء، فمثل علي بين يدي القاضي لمقاضاة من اعتقد أنه سارق سلاحه، وأتي ملك غسان وقومه الذين اعتنقوا الإسلام مكة للاجتماع بعمر، ولطم عربياً وطئ إزاره واشتكى العربي إلى عمر، ورأى عمر العمل بما تأمر به الشريعة من إقامة الحد، فقال الملك: «كيف ذلك يا أمير المؤمنين،
стр. 131
شكل? -? ? : قطعة من نقود السلطان بيبرس.
وأنا ملك وهو سوقة؟ » فقال عمر: «إن الإسلام جمعكما، وسوى بين الملك والسوقة في الحد.»
شكل ٣ - ١١: تسع قطع من نقود عرب الأندلس (متحف العاديات الإسباني).
ولم يدم ذلك العدل زمناً طويلاً، فقد صار الخلفاء ملوكاً مستبدين، وإنما بقي العرب متساوين أمام القرآن حتى الزمن الحاضر.
وأبو بكر هو خليفة النبي الأول، وكان محمد قد أمره، ذات مرة، أن يقوم مقامه في الصلاة فكان هذا عاملاً في انتخابه خليفة، وصار الانتخاب عامل شقاق، وأخذ هذا الشقاق يحدث عند نصب الخلفاء، وروي مؤرخو العرب أن أول خطبة لأبي بكر، بعد مبايعته بالخلافة، كانت ما يأتي:
стр. 132
شكل ٣ - ١٣: شعار الموحدين العربي (متحف العاديات الإسباني).
أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي منكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله ... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ...
وكان أبو بكر مضطراً إلى مقاومة الطامعين في الخلافة، وإلى محاربة القبائل التي امتنعت عن أداء ما فرض القرآن من الزكاة، ولم يلبث أبو بكر أن رأى أن أحسن وسيلة المعالجة انقسام العرب هو أن يوجه العرب إلى البلاد الأخرى كيما يمارسون عاداتهم في
стр. 133
شكل ٣ - ١٤: مفاتيح عربية لبعض المدن والقصور (متحف العاديات الإسباني).
الحرب والقتال، وسار الخلفاء الذين أتوا بعده على هذه السياسة الرشيدة التي انتشر بها الإسلام.
وأخذ العرب يتقاتلون بعد أن خلا العالم من بلد يفتحونه، وحلت ساعة تفترق كلمتهم، ودخلوا دور الانحطاط، وقوضوا كيانهم بسلاحهم أكثر مما قوض بسلاح الأمم التي خضعت لسلطانهم.
وبدأت الفتوحات الكبيرة في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب فقط، أجل، إن العرب نالوا عدة انتصارات في سورية في خلافة أبي بكر، ولكن مهارتهم الحربية كانت
стр. 134
ضعيفة مع شجاعتهم العظيمة - كما قلنا - فكان يتخلل تلك الانتصارات نوازل إلى أن حذقوا صنع السلاح كأعدائهم.
وكان عمر بن الخطاب قائداً بارعاً وسياسياً ماهراً، وكان عنوان العدل والإنصاف، وقد روى مؤرخو العرب أنه علا المنبر بالمدينة حينما أفضت إليه الخلافة وقال: «يا أيها الناس، والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه.»
والحق أن الدولة العربية العظمى بدأت في خلافة عمر بن الخطاب، وأما القيصر هرقل الذي أكره على مغادرة سورية والالتجاء إلى عاصمته القسطنطينية فقد أدرك أن العالم سيكون له سادة جدد.
(٤) خلاصة تاريخ العرب
نلخص فيما يأتي تاريخ وقائع العرب الحربية المهمة في القرون الثمانية التي دامت فيها حضارتهم:
القرن الأول من الهجرة: كانت فتوحات خلفاء محمد الأولى في بلاد العراق الخاضعة الدولة الفرس، وفي بلاد سورية الخاضعة لقيصر القسطنطينية هرقل، وكان بدء فتح هذين القطرين في زمن الخليفة الأول الذي لم يلبث أن توفي فواصله عمر الذي دخل القدس بنفسه فخسر الروم، في سبع سنين، بلاد سورية التي ظلوا حاكمين لها سبعمائة سنة.
ودوخ جنود عمر بلاد العراق وفارس من فورهم، أي كفي لثلهم عرش بني ساسان وهدمهم الدولة الفارسية العريقة في القدم حروب شهرين.
ونالت كتائب عمر، التي كان يقودها المجاهد الشاعر عمرو بن العاص، في الغرب انتصارات سريعة، واستولت على بلاد مصر والنوبة، وكانت الدولة العربية التي ولدت منذ عشرين سنة على جانب كبير من الاتساع حين وفاة عمر في سنة ٦٤٤ م.
وداوم الخليفة الثالث عثمان، الذي بلغ الثمانين من عمره، على الفتوح، وأتم قواده فتح بلاد فارس، ووصلت جيوشه إلى بلاد القفقاس، وأخذت ترتاد الهند.
وكان الخليفة الرابع علي، وهو صهر النبي (٦٥٥ م)، هدفاً للدسائس التي كادت الدولة العربية تنهار بسببها، وقتل علي بعد خلافة دامت خمس سنين، فختم بوفاته دور الخلفاء الأولين الذين كانوا من أصحاب محمد السابقين المعدودين آباء الإسلام.
стр. 135
شكل ٣ - ١٥: دبوس أمير عربي في مصر على الطراز الفارسي العربي (هذا السلاح والسلاح الآتي من تصوير بريس الأفيني).
وفتح دور خلفاء بني أمية بمعاوية (٦٦٠ م)، ونقل هؤلاء مقر الخلافة إلى دمشق، وصاروا يسيرون على نمط ملوك آسية.
وأرسل الخليفة الجديد كتائب إلى شمال إفريقية الذي جعل منه حكومة منفصلة، ولم يعق زحفها غير المحيط الأطلنطي، وجاب البحر المتوسط أسطول مؤلف من ١٢٠٠ قطعة، فاستولى على جزره وأغار على صقلية.
وحوصرت القسطنطينية سبع سنين على غير جدوى، وعبر نهر جيحون، ورفع قواد الخليفة رايته حتى سمرقند.
ومات معاوية (٦٨٠ م) بعد حكم دام عشرين سنة.
стр. 136
وثابر بنو أمية على الفتح، وبلغت جيوشهم حدود الصين من الشرق والمحيط الأطلنطي من الغرب، وجاوز العرب مضيق جبل طارق في سنة? ? ? م، ودخلوا إسبانية، ووفقوا لنزعها من مملكة القوط النصرانية، وأقاموا فيها مملكة خضعت لسلطان العرب نحو ثمانية قرون.
ولم ينقض القرن الأول من الهجرة حتى كانت راية النبي تخفق من الهند إلى المحيط الأطلنطي، ومن القفقاس إلى الخليج الفارسي، وغدت إسبانية، التي هي إحدى الممالك النصرانية الكبرى في أوربة، خاضعة لشريعة محمد.
القرن الثاني من الهجرة: اتسع نطاق الفتوح العربية قليلاً في القرن الثاني من الهجرة، وأصبح هم العرب مصروفاً إلى تنظيم دولتهم العظمى على الخصوص، وتوغلت جيوشهم في بلاد الغول حتى اللوار حيث دحرها شارل مارتل، واستقروا بجنوب فرنسة إلى أن طردهم شارلمان منه نهائياً.
ونقل، في القرن الثاني من الهجرة، مقر الخلافة من دمشق إلى بغداد التي أنشأها المنصور في سنة ٧٦٢ م، بعد أن تمت الخلافة فيه لبني العباس (عم النبي) الذين هدموا دولة الأمويين في سنة ٧٥٢ م، وقتلوهم خلا طريد منهم استطاع أن يفر اتفاقاً، وأن يقيم دولة مستقلة في إسبانية سنة ٧٥٦ م.
واتسعت رقعة الدولة العربية منذ أوائل القرن الثاني من الهجرة، وبلغت من الحدود ما لم تقدر على مجاوزته باسطة حكمها من جبال البرنات وجبل طارق إلى الهند، ومن شواطئ البحر المتوسط إلى رمال الصحراء.
وصار معظم آسية خاضعاً لسلطان الخلفاء الممتد من جزيرة العرب إلى التركستان، ومن وادي كشمير إلى جبال طوروس، وعبدت بلاد فارس، وصار ملوك كابل وجميع أمراء وادي السند يعطون الجزية، وأضحى العرب في أوربة مالكين لإسبانية ولجزر البحر المتوسط، وأضحوا في إفريقية مالكين لشمالها ولمصر.
وانتهى دور الفتوح، وبدأ دور التنظيم، وحول الفاتحون نشاطهم إلى ميدان الحضارة، وكان عهد بني العباس الأولين عهد ازدهار الحضارة العرب في الشرق، وكان عهداً اقتبس العرب فيه ثقافة اليونان، فلم يعتموا أن أبدعوا حضارة ساطعة ازدهرت فيها الآداب والعلوم والفنون.
ونهضت الفنون والعلوم والصناعة والتجارة بسرعة في زمن هارون الرشيد (٧٨٦ - ٨٠٩) على الخصوص، وصار الشعراء والعلماء وأرباب الفن يشيدون بذكر
стр. 137
شكل ٣ - ١٦: خنجر أمير عربي في مصر.
بطل ألف ليلة وليلة في أقاصي العالم، وأعطته القسطنطينية جزية، وأرسل إليه إمبراطور الغرب، شارلمان، وفدا، ولم يقل عصر المأمون عن عصر سلفه الرشيد نضارة.
ولم تكن الروابط بين الأمم التي اجتمعت تحت راية الدولة العربية العظمى متينة، ولم تلبث هذه الروابط أن انحلت، ولم تلبث هذه الأمم أن أخذت تستقل تباعاً مع دوام الحضارة على سيرها زمنا طويلَا، وسيكون القرن الثالث من الهجرة شاهدا على هذا الانقسام الذي أخذ يبدو منذ أواخر القرن الثاني.
стр. 138
القرن الثالث من الهجرة: كان قيام خلافة قرطبة في الغرب قبل ذلك نذير انقسام دولة العرب، فظهرت في بلاد فارس والهند بشرق بغداد إمارات كثيرة، ولم تنشب هذه العاصمة أن أحاط بها أمراء مستقلون.
ويشتري ابن طولون استقلاله السياسي بمصر، ويقيم فيها مملكة، ويلقى حبل إفريقية على غاربها، ويملك إسبانية خلفاء مستقلون استقلالاً تاماً.
القرن الرابع من الهجرة: استمرت الدولة العربية على الانقسام في القرن الرابع من الهجرة، وقامت دولة مستقلة في كثير من ولاياتها، وخسرت بغداد ما للعواصم من المزايا، وصارت القاهرة قاعدة الإسلام الحقيقية، وأصبحت إسبانية أنضر مقر للحضارة العربية مع دوام عاصمة الخلفاء القديمة على إلقاء أشعتها الساطعة، ويقصد طالبو العلم من جميع أقطار الأرض، ومنها أوربة النصرانية، جامعات العرب الكبيرة في طليطلة وغرناطة وقرطبة.
القرن الخامس من الهجرة: شهد القرن الخامس من الهجرة أمرين مهمين؛ وهما: الحروب الصليبية، وظهور الأتراك السلجوقيين في العالم العربي، وكان قد جيء بهؤلاء السلجوقيين البرابرة من التركستان كأسرى حرب في بدء الأمر، ثم تألف منهم حرس الخلفاء ببغداد، فابتلعوا السلطة الحقيقية شيئاً فشيئاً غير تاركين للخلفاء من السلطة سوى المظاهر.
وجعل السلجوقيون مقرهم أمام القسطنطينية بعد أن ملكوا جميع الولايات المجاورة لبغداد، واستولوا على سورية، وأحلوا تعصبهم محل تسامح العرب، ونهوا النصارى عن القيام بشعائر دينهم، وجاروا على حجيجهم، فاضطربت أوربة وثارت، بعد أن كانت تخشى تقدم المسلمين منذ زمن طويل.
ونشأ عن مواعظ بطرس الراهب ودعوة البابا أوربان الثاني أن جرد الأوربيون حملتهم الصليبية الأولى في سنة ١٠٩٥ م وانقضوا على فلسطين، واستولوا عليها، وأنشأ غودفروا البويوني مملكة القدس النصرانية الهزيلة.
ومما حدث في القرن الخامس من الهجرة أن طرد العرب من صقلية، وأن حالف نصارى إسبانية بعض التوفيق، فاستولى الأذفونش القشتالي على طليطلة، فكان هذا بداءة الفتح الذي لم يتم إلا بعد جهود أربعة قرون.
القرن السادس من الهجرة: أدى انتصار النصارى الأول في الشرق إلى زيادة الحماسة في أوربة، فجدت أوربة حملة صليبية ثانية على الإسلام في سنة? ? ٤? م، فكانت
стр. 139
شكل ٣ - ١٧: حربة أمير عربي في مصر.
نتيجة هذه الحملة وبالاً على الصليبيين كأية حملة جردتها أوربة بعدئذ على العالم الإسلامي، فقد استولى سلطان مصر الشهير صلاح الدين الأيوبي على بلاد فلسطين، وطرد منها النصارى، وبقي سيد المدينة المقدمة على الرغم من الحملة الصليبية الثالثة التي جردتها أوربة في سنة? ? ? ? م بقيادة فردريك بار باروس وفليب أوغست وقلب الأسد: ريكاردس.
القرن السابع من الهجرة: جرد الأوربيون على الإسلام عدة حملات صليبية كان نصيبها الحبوط الذريع، واكتسح الصليبيون في حملتهم الرابعة التي جردوها في سنة ١٢٠٢ م مدينة القسطنطينية المسيحية بدلاً من مقاتلة المسلمين، وأقاموا فيها دولة لاتينية شرقية لم يكتب لها البقاء أكثر مما كتب لدولة القدس، ولم تكن الحملات
стр. 140
شكل ٣ - ١٨: فأسا أمير عربي في مصر.
الصليبية الأربع الأخيرة أوفر حظاً مما تقدمها، وأسر الملك سان لويس في الحملة السابعة، وافتدي نفسه بفدية عظيمة، ومات هذا الملك في الحملة الثامنة بالطاعون حين اقترب من أسوار تونس طامعاً في تنصير أميرها.
شكل ٣ - ١٩: خوذة أمير عربي في مصر (على الطراز الفارسي العربي).
стр. 141
وكانت هذه الحملة الثامنة آخر الحملات الصليبية، وأدرك العالم النصراني بها أنه لا يزال عاجزاً عن قهر المسلمين، وعدل عن فتح فلسطين، وظلت الراية الإسلامية تخفق فوقها حتى الآن.
وبينما كان العرب يدفعون نصارى الغرب في أثناء الحروب الصليبية، ويخرجون منها ظافرين -ظهر في الشرق الأقصى عدو مخيف، فقد قذفت نجود التتر تيار المغول الذي انقض على آسية بقيادة جنكيز خان، واكتسح بلاد الصين وفارس والهند، ثم استولى المغول على بغداد في سنة ١٢٥٨ م، وقضوا على العباسيين الذين كان لهم السلطان منذ خمسمائة سنة.
وعلى ما بين الترك والمغول من شبه في الهمجية كان المغول أكثر استعداداً للثقافة، فالمغول وإن لم يكونوا أهلاً لإبداع حضارة جديدة كما أبدع العرب، استطاعوا أن ينتفعوا بحضارة العرب الذين، وإن زال ملكهم في الشرق، ظلت حضارتهم تهيمن عليه.
وانحصر سلطان العرب في مصر وإسبانية بعد أن تكمش أمام أولئك الفاتحين.
القرن الثامن من الهجرة: كان القرن الثامن من الهجرة حافلاً باقتتال الترك والمغول على ميراث العرب في الشرق، وقد دقت ساعة انحطاط هؤلاء الآخرين.
القرن التاسع من الهجرة: قضي على دولة العرب وحضارتها في إسبانية التي ملكوها نحو ثمانمائة سنة، وذلك أن فردياند استولى على عاصمة العرب الأخيرة غرناطة في سنة ١٤٩٢ م، وأنه أخذ يمعن في قتلهم وتشريدهم جماعات جماعات، وأن خلفاءه ساروا على سنته، وأنه قتل من العرب وشرد ثلاثة ملايين نفس، فخبت إلى الأبد شعلة حضارة العرب التي كانت تنير أوربة منذ ثمانية قرون.
وكانت خاتمة دولة العرب في القرن التاسع من الهجرة، ولم يبق للعرب في الشرق من الشأن الكبير في غير دينهم ولغتهم وحضارتهم، وحاولت الأمم التي قهرت العرب أن تسير على نحو العرب كما صنع البرابرة الذين قهروا الرومان، فأحلت الهلال باسم القرآن محل الصليب في القسطنطينية التي كانت عاصمة الروم، فارتعدت فرائص العالم النصراني فرقاً من ذلك.
ولكن الترك، وإن كانوا أهل حرب وقتال، لم يكونوا أهلاً ليصعدوا في سلم الحضارة، ولم يقدروا على الانتفاع بتراث العرب المغلوبين الثقافي، فضلاً عن إنمائه، ويقول العرب: «لا ينبت العشب على أرض يطأها الترك»، والحق أنه لم ينبت، فسترى
стр. 142
في فصل آخر دركة الانحطاط التي هبطت إليها دولة العرب القديمة بسرعة بين أيدي سادتها الجدد.
стр. 143
الباب الثالث
دولة العرب
стр. 144
الفصل الأول
العرب في سورية
(١) اختلاف البيئات التي لاقاها العرب
وقفنا هذا الفصل وما يليه في فصول هذا الباب على البحث في شأن العرب في مختلف البلدان التي استولوا عليها، وغايتنا من ذلك بيان حضارة العرب بياناً مجملاً، وإيضاح تأثيرهم في الأمم التي عاشروها، وتأثير هذه الأمم فيهم، ونرى أن نقدر حضارة العرب بالبحث في آثارهم في كل بلد افتتحوه، فإذا تيسر لنا ذلك أمكننا أن ندرس، في فصول هذا الكتاب، مختلف العناصر التي تتألف من مجموعها حضارة العرب.
كانت أمم البلاد التي استولى العرب عليها في آسية وإفريقية وأوربة وأقاموا عليها دولتهم العظمى متباينة أشد التباين حين الفتح العربي، فأنت، إذ كنت ترى بينها أمماً من أنصاف البرابرة، كالتي في بعض أجزاء إفريقية، كنت ترى منها أمماً بلغت الذروة من الحضارة اليونانية والحضارة اللاتينية كالتي في سورية.
إذن، كانت الأحوال التي صاقبت العرب مختلفة باختلاف الأماكن، وكان من الحق أن يجد الإنسان تفاوتاً في درجات حضارتهم تبعاً لتفاوت البيئات.
ذلك ما يتجلى لنا في تاريخ حضارة العرب كلما توغلنا في تفصيلاته، وتشتمل حضارة العرب التي دامت ثمانية قرون على درجات كثيرة خلافاً لما ذهب إليه المؤرخون الذين تعودوا، حين البحث في حضارة العرب، أن ينظروا إليها من خلال أمة واحدة ودور واحد، وكان للعمارة والآداب والعلوم والفلسفة والدين درجات تطور مختلفة باختلاف الأقطار التي خضعت لسلطان العرب، ولم يمنع ذلك من أن يكون للعرب تراث مشترك من الناحية الدينية والناحية اللغوية ما دام الإسلام دينهم والعربية لغتهم، ولكن وحدة اللغة والدين لا تعني وحدة حضارة العرب في مختلف البلدان التي خضعت
стр. 145
لشريعة محمد، كما أنك لا تستطيع أن تخلط حضارة الأمم النصرانية في القرون الوسطى بحضارتهم في عصر النهضة أو في الوقت الحاضر.
(٢) استقرار العرب بسورية
كان البلد الغني، سورية، قد أصبح رومانيا قبل الفتح العربي بنحو سبعة قرون، ويوجد ارتباك وغموض في أخبار المعارك الأولى التي أدت إلى فتح العرب السورية، فأما مؤرخو العرب، وعلى رأسهم الواقدي الذي يرجع إليه على العموم، فإنهم مزجوا الحقائق بالخيال، فحط ذلك من قيمة قصصهم، فأنت إذا أنعمت النظر في روايات الواقدي رأيته يذكر، حين بحثه في وقائع العرب الحربية، بأبطال أوميرث مع رفع لقيمة المرأة في تلك الوقائع، وأما مؤرخو الروم فقد التزموا جانب الصمت عن فتح سورية الذي كان كله
عاراً على دولة بزنطة القوية.
شكل ١ - ١: أسوار دمشق (من صورة فوتوغرافية).
ومهما تكن دقائق الفتح العربي السورية فإن سورية خضعت لحكم العرب بعد حرب سجال بين العرب والروم.
وفتح دمشق من أهم فتوح العرب في سورية، ولم تلبث دمشق الشهيرة أن أصبحت في العهد الأموي عاصمة الدولة العربية بدلاً من المدينة.
وتم فتح دمشق يوم وفاة الخليفة الأول أبي بكر في السنة الثالثة عشرة من الهجرة (٦٣٤ م)، وصرخ هرقل حين أتاه خبر سقوط دمشق قائلاً: «وداعاً يا سورية! »
حقاً لقد خسر الروم سورية، فقد استولى العرب بعد معركة اليرموك الشهيرة، التي دامت ثلاثة أيام وانتهت بانتصار العرب، على جميع مدن سورية، وفتحوا عنوة تذمر
следующие страницы →